← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 6984

الفصول المفيدة في الواو المزيدة

صلاح الدين العلائي

Полный текст (232 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المتَوَكل الْكِنَانِي وَقَالَ جمَاعَة إِن الصَّحِيح نسبه إِلَى أبي الْأسود الدؤَلِي واسْمه ظَالِم بن عَمْرو وَهُوَ من جملَة قصيدة لَهُ مَشْهُورَة أَولهَا (تلقى اللبيب محسدا لم يجترم ... عرض الرِّجَال وَعرضه مثلوم) (حسدوا الْفَتى إِذْ لم ينالوا سَعْيه ... فالقوم أَعدَاء لَهُ وخصوم) (كضرائر الْحَسْنَاء قُلْنَ لوجهها ... حسدا وبغيا إِنَّه لذميم) (وَإِذا عتبت على الصّديق ولمته ... فِي مثل مَا تَأتي فَأَنت مليم) (وابدأ بِنَفْسِك وانهها عَن غيها ... فَإِذا انْتَهَت عَنهُ فَأَنت حَكِيم)

стр. 177

(فهناك يسمع مَا تَقول ويقتدى ... بالْقَوْل مِنْك وينفع التَّعْلِيم) (لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... عَار عَلَيْك إِذا فعلت عَظِيم) (وَإِذا طلبت إِلَى كريم حَاجَة ... فلقاؤه وَيَكْفِيك وَالتَّسْلِيم) (وَإِذا طلبت إِلَى لئيم حَاجَة ... فألح فِي رزق وَأَنت مديم) (والزم قبالة بَابه وخبائه ... بأشد مَا لزم الْغَرِيم غَرِيم) (وَعَجِبت للدنيا وحرقة أَهلهَا ... والرزق فِيهَا بَينهم مقسوم) (ثمَّ انْقَضى عجبي لعلمي أَنه ... رزق مواف وقته مَعْلُوم) وَأما النَّفْي فقد مثله سِيبَوَيْهٍ بقَوْلهمْ لَا يسعني شَيْء ويعجز عَنْك وَيَقُول دُرَيْد بن الصمَّة (قتلت بِعَبْد الله خير لداته ... ذؤابا فَلم أَفْخَر بِذَاكَ وأجزعا) أَي لم يجْتَمع الْفَخر مَعَ الْجزع وَلَا يجْتَمع فِي شَيْء وَاحِد أَنه يسعني مَعَ أَنه عَاجز عَنْك وَكثير من مسَائِل نصب الْفِعْل بعد الْوَاو فِي هَذِه الْأَنْوَاع يجوز رَفعه على إِرَادَة الْعَطف أَو الْقطع والاستئناف وَلَا يجوز شَيْء من ذَلِك هُنَا فِي

стр. 178

قَوْلهم لَا يسعني شَيْء ويعجز عَنْك لِأَنَّك إِذا رفعت يكون التَّقْدِير لَا يسعني شَيْء وَلَا يعجز عَنْك شَيْء وَفَسَاد هَذَا مَعْلُوم وَأما على الْقطع والاستئناف فَيكون التَّقْدِير لَا يسعني شَيْء وَهُوَ يعجز عَنْك وَهُوَ أَيْضا فَاسد لِأَن معنى الْكَلَام لَا يسعني شَيْء مَعَ أَنه يعجز عَنْك بل يسعنى ويسعك مَقْصُوده بَيَان أَنَّهُمَا كَالرّجلِ الْوَاحِد قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَسَمعنَا من ينشد هَذَا الْبَيْت وَهُوَ لكعب الغنوي (وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي لَيْسَ نافعي ... ويغضب مِنْهُ صَاحِبي بقؤول) يَعْنِي بِنصب يغْضب قَالَ وَالرَّفْع أَيْضا جَائِز حسن كَمَا قَالَ قيس بن زُهَيْر (فَلَا يدعني قومِي صَرِيحًا لحرة ... لَئِن كنت مقتولا وَيسلم عَامر)

стр. 179

وَقد اعْترض الْمبرد وَجَمَاعَة كَثِيرُونَ بعده على سِيبَوَيْهٍ فِي تَجْوِيز النصب فِي ويغضب فِي الْبَيْت الأول لِأَنَّهُ صلَة الَّذِي وَهُوَ مَعْطُوف على مَوضِع لَيْسَ فَالْوَجْه فِيهِ الرّفْع وَتَقْدِيره وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي يغْضب مِنْهُ صَاحِبي بقؤول قَالُوا وَالْمرَاد بالشَّيْء القَوْل وَإِذا نصب يكون فِي حكم الْمَعْطُوف على الشَّيْء وَلَيْسَ الشَّيْء بمصدر ظَاهر فيسهل عطفه عَلَيْهِ فَيصير التَّقْدِير وَمَا أَنا للشَّيْء وَالْغَضَب بقؤول وَالْغَضَب لَيْسَ بمقول وَمن وَجه قَول سِيبَوَيْهٍ أول الشَّيْء هُنَا بِمَعْنى القَوْل وَهُوَ مصدر وَنصب الْفِعْل بعد الْوَاو فِي هَذِه الْأَنْوَاع كلهَا تَقْدِير أَن عِنْد سِيبَوَيْهٍ والمحققين كَمَا سَيَأْتِي تَقْدِيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأَن وَالْفِعْل بِتَأْوِيل الْمصدر فَيكون قد عطف مصدرا على مصدر فَيرد هُنَا شَيْء آخر وَهُوَ أَن لنصب هُنَا إِنَّمَا يكون بعد وَاو الْجمع وَقد أول الشَّيْء بِمَعْنى القَوْل وَالْجمع بَين الْغَضَب وَالْقَوْل هُنَا مُتَعَذر لِأَن الْغَضَب لَا يُقَال فأجبت عَن هَذَا بِأَن الْغَضَب وَأَن لم يقل وَلَكِن هُنَا شَيْء مَحْذُوف هُوَ الَّذِي يَقع القَوْل عَلَيْهِ وَهُوَ سَبَب الْغَضَب فَحذف لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ وَتَقْدِيره وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي لَيْسَ نافعي وللقول الَّذِي يُوجب غضب صَاحِبي بقؤول وَالشَّيْء هُنَا قَول وَلَا شكّ أَن فِي هَذَا التَّأْوِيل تكلفا كثيرا فَالْوَجْه الرّفْع كَمَا قَالَ الْجَمَاعَة وَقد اعتذر السيرافي عَن سِيبَوَيْهٍ أَنه إِنَّمَا قدم النصب على الرّفْع فِي هَذَا الْبَيْت لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْبَاب فقصد إِلَى ذكره لِأَن النصب هُوَ الْمُخْتَار عِنْده لِأَنَّهُ لم يُصَرح بذلك

стр. 180

وَأما الِاسْتِفْهَام فَمثل قَوْلك هَل تَأْتِينَا وتحدثنا أَي هَل يجْتَمع الْأَمْرَانِ الْإِتْيَان والْحَدِيث وَمِنْه قَول الحطيئة أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ (ألم أك جاركم وَيكون بيني ... وَبَيْنكُم الْمَوَدَّة والإخاء) قَالَ أَرَادَ ألم يجْتَمع لي الْجوَار والمودة وقصده يُؤَكد الْحُرْمَة بَينه وَبينهمْ والوسيلة إِلَيْهِم وَمِثَال الْعرض أَلا تنزل عندنَا ونكرمك أَي يجْتَمع مِنْك وَمنا الْأَمْرَانِ وَكَذَلِكَ التحضيض مثل هلا أَتَيْتنَا ونكرمك وَمِثَال التَّمَنِّي قَوْلك ليتك تَزُورنَا وتحدثنا أَي لَيْت الْأَمريْنِ الزِّيَارَة والْحَدِيث يَجْتَمِعَانِ مِنْك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ) على قِرَاءَة حَمْزَة وَحَفْص عَن عَاصِم بِنصب نكذب و

стр. 181

نَكُون على أَنهم تمنوا الْجمع بَين هَذِه الْأُمُور وفيهَا أَيْضا قراءات آخر سَيَأْتِي ذكرهَا فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما قَول وَرْقَاء بن زُهَيْر الْعَبْسِي (فشلت يَمِيني يَوْم أضْرب خَالِدا ... ويمنعه مني الْحَدِيد الْمظَاهر) فَحَمله بَعضهم على الدُّعَاء وَالْأَكْثَرُونَ حملوه على التَّمَنِّي أَي ليتها شلت لِأَن الدُّعَاء إِنَّمَا يكون لأمر مُسْتَأْنف وَهَذَا تمنى لَو كَانَ مَا وَقع على مَا تمنى فَهُوَ بِهِ أشبه وَالَّذِي يظْهر لي تَرْجِيح كَونه دُعَاء وَأَنه مُتَعَلق بالمستقبل ومقصوده أَنه إِذا ضربه تُؤثر ضَربته وَلَا يمْنَع لبس الْحَدِيد من تأثيرها وَأَنه يَدْعُو على نَفسه بالشلل إِذا لم تُؤثر ضَربته وعَلى ذَلِك يَجِيء النصب لقصده الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ وَالله أعلم

стр. 182

٣٠ - فصل الناصب للْفِعْل الْمُضَارع بعد الْوَاو ذهب الْجرْمِي إِلَى أَن الناصب للْفِعْل فِي هَذِه الْأَمْثِلَة كلهَا الْوَاو نَفسهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ غَيرهَا وَالتَّقْدِير والاضمار على خلاف الأَصْل وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْخَلِيل وسيبويه وَجُمْهُور أصحابهما أَن النصب فِيهَا بِأَن مقدرَة بعد الْوَاو وَأَن وَالْفِعْل فِي تَأْوِيل الْمصدر وَذَلِكَ أَن الْمصدر فِي مَوضِع رفع بالْعَطْف على مصدر متوهم من الْفِعْل الَّذِي قبلهَا وَلَا ينْتَصب الْفِعْل بعْدهَا إِلَّا بِشَرْط أَن يكون مُخَالفا فِي الْمَعْنى للْفِعْل الْمُتَقَدّم وَأَن يكون الْوَاو بِمَعْنى الْجمع على الْوَجْه الْمُتَقَدّم فَحِينَئِذٍ يَصح تَقْدِير أَن بعد الْوَاو وَقبل الْفِعْل وَوجه هَذَا القَوْل أَن الْوَاو قد ثَبت لَهَا الْعَطف بالِاتِّفَاقِ وحروف الْعَطف لَا تخْتَص بالأسماء وَلَا بالأفعال بل هلي دَاخِلَة عَلَيْهِمَا وأصل عمل الْحُرُوف إِنَّمَا هُوَ بالاختصاص فَوَجَبَ أَن لَا تعْمل كَبَقِيَّة أخواتها وَأَن يكون نصب الْفِعْل

стр. 183

بِحرف من حُرُوف النصب مُقَدرا بعْدهَا وَذَلِكَ الْحَرْف هُوَ أَن إِذْ لَا يقدر شَيْء من نواصب الْفِعْل غَيره كَمَا فِي حَتَّى وَلَام الْجُحُود وَلَام كي وَأَيْضًا لَو كَانَت الْوَاو هِيَ العاملة لجَاز دُخُول حرف الْعَطف عَلَيْهَا كَمَا يدْخل على سَائِر النواصب وعَلى وَاو الْقسم الَّتِي هِيَ عاملة وَفِي امْتنَاع ذَلِك دَلِيل على أَنَّهَا بَاقِيَة على حَالهَا من الْعَطف وَأَن النصب بعْدهَا وَإِن لم يكن ظَاهرا وَقَول الْجرْمِي إِن التَّقْدِير والإضمار على خلاف الأَصْل مُسلم وَلَكِن مُقْتَضى الأَصْل يعدل عَنهُ عِنْد معَارض رَاجِح يمْنَع مِنْهُ وعندما يقوم دَلِيل على الْخلاف وَقد تبين إبِْطَال عمل الْوَاو هُنَا فَتعين الرُّجُوع إِلَى مُقَدّر وَوجدنَا أَن يقدر بعد اللامين فَكَذَلِك هُنَا وَذهب الْكُوفِيُّونَ وَمن تَبِعَهُمْ من البغداديين إِلَى أَن النصب فِي هَذِه الْأَمَاكِن بِالْخِلَافِ ويسمونه الصّرْف وَتسَمى هَذِه الْوَاو عِنْدهم وَاو الصّرْف وَذَلِكَ أَن معنى الثَّانِي لما كَانَ مُخَالفا لِمَعْنى الأول فَإِن الثَّانِي وَاجِب وَالْأول غير وَاجِب خُولِفَ بَينهمَا فِي الْإِعْرَاب فصرف إِعْرَاب الثَّانِي عَن إِعْرَاب الأول فنصب الثَّانِي على الْخلاف وَقد تقدم مثله فِي الْمَفْعُول مَعَه وَبينا هُنَاكَ أَن الْخلاف لَا يَقْتَضِي إعرابا وَلَو كَانَ كَذَلِك لاطرد وانتصب مَا بعد لَا العاطفة وَلَكِن العاطفة وَغَيرهمَا لما فِي ذَلِك من الْخلاف وَكَون االمخالفة هُنَا شرطا لَا يلْزم أَن تكون هِيَ العاملة وَإِذا أمكن تَقْدِير الْعَامِل مَعَ الجري على الْقَوَاعِد فَهُوَ أولى من تقعيد قَاعِدَة فِي عَامل لَا يقوم دَلِيل على إعماله وَلَا يطرد فِي جَمِيع محاله وَذَلِكَ ظَاهر وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق

стр. 184

٣١ - فصل إِضْمَار أَن وجوبا وجوازا بعد وَاو الْمَعِيَّة لَا يجوز إِظْهَار أَن فِي شَيْء من هَذِه الْمَوَاضِع بالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا يجوز ذَلِك فِي الْوَجْه الثَّانِي من وَجْهي نصب الْفِعْل الْمُضَارع بعد الْوَاو وَهُوَ مَا إِذا عطف فعل على اسْم ملفوظ بِهِ فَلَا يُمكن ذَلِك لما فِيهِ من الْمُخَالفَة وَلِأَن الْمَقْصُود بِالْوَاو الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ لَا مُجَرّد الْعَطف كَمَا تقدم فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع فينتصب الْفِعْل بإضمار أَن لينسبك بذلك مصدر يَصح عطفه على الِاسْم الْمصدر الملفوظ بِهِ كَقَوْل مَيْسُونُ بنت بَحْدَل الْكَلْبِيَّة وَكَانَت تَحت مُعَاوِيَة ﵁ فَدخل عَلَيْهَا يَوْمًا وَهِي تَقول (للبس عباءة وتقر عَيْني ... أحب إِلَيّ من لبس الشفوف)

стр. 185

فَإِن النصب هُنَا بإضمار أَن كَمَا تقدم وَلَو قَالَت وَأَن تقر عَيْني لجَاز لتقدم الْمصدر أَولا وَأَن وَالْفِعْل فِي تَأْوِيل الْمصدر فَلَا يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى بشاعة فِي اللَّفْظ بِخِلَاف مَا تقدم إِذْ الْفِعْل الأول هُنَاكَ مؤول بِالْمَصْدَرِ وَلَا يُمكن سبكه فِيهِ والمعني من الْبَيْت إِن لبس الخشن من الملبوس مَعَ قُرَّة الْعين أحب إِلَيّ من لبس الشفوف وَهُوَ الرَّقِيق من الملبوس فالتفضيل إِنَّمَا هُوَ لَهما مُجْتَمعين على لبس الشفوف وَلَو انْفَرد أَحدهمَا لبطل الْمَعْنى المُرَاد فَلَمَّا كَانَ الْمَعْنى ضم تقر عَيْني إِلَى لبس عباءة اضْطر إِلَى إِضْمَار أَن وَالنّصب بهَا وَمثله قَول الآخر (لقد كَانَ فِي حول ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم) على رِوَايَة من يروي ويسأم مَنْصُوبًا وَمِنْه قَول الْأُخَر وَلَوْلَا رجال من رزام أعزة ... وَآل سبيع أَو أسوءك علقما)

стр. 186

فَكَأَنَّهُ قَالَ أَو إساءتك علقما وَلَا فرق بَين الْوَاو وأو فِي مثل هَذَا وَمِمَّا يلْتَحق بِهَذَا الْبَاب وينتصب الْفِعْل فِيهِ بعد الْوَاو بِتَقْدِير أَن وَإِن لم يكن من الْأَنْوَاع الْمُتَقَدّم ذكرهَا مَا إِذا وَقع الْفِعْل بعد الْوَاو بَين مجزومي أَدَاة شَرط أَو بعدهمَا وَقصد بِالْوَاو الْجمع مثل إِن تزرني وتحدثني أكرمك وَإِن تزرني أطعمك وأكسوك لِأَن مَقْصُوده فِي الأول تَرْتِيب الْإِكْرَام على الْجمع بَين الزِّيَارَة والْحَدِيث وَفِي الثَّانِي الْجمع فِي الْجَزَاء بَين الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة فَلَمَّا كَانَت الْوَاو بِمَعْنى مَعَ انتصب الْفِعْل بعْدهَا على الْوَجْه الْمُتَقَدّم وَكَذَلِكَ إِذا وَقع الْفِعْل الْمُضَارع مَعْطُوفًا بعد الْحصْر بإنما مثل إِنَّمَا هِيَ ضَرْبَة فِي الْأسد وتحطم ظَهره لِأَن الْمَقْصُود الْجمع بَين الضَّرْبَة وحطم ظَهره وَهَذِه النُّكْتَة ذكرهَا الشَّيْخ جمال الدّين بن مَالك ﵀ فِي كِتَابه التسهيل وَجعلهَا قياسية وَالله أعلم

стр. 187

٣٢ - فصل فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن يتَخَرَّج إعرابها على مَا نَحن فِيهِ ١ - فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتموا الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه إِن شِئْت جعلت ﴿وتكتموا﴾ على النَّهْي وَإِن شِئْت جعلته على الْوَاو فَذكر احْتِمَالَيْنِ فِي الْآيَة أَحدهمَا أَن تكون الْوَاو عاطفة و ﴿تكتموا﴾ مَجْزُومًا بِالنَّهْي وَرجح هَذَا الْجِرْجَانِيّ وَغَيره من جِهَة أَن النَّهْي عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا على حِدته لَا عَن الْجمع بَينهمَا وَالثَّانِي أَن تكون الْوَاو جَامِعَة و ﴿تكتموا﴾ مَنْصُوبًا على مَا تقدم وَيكون النَّهْي عَن الْجمع بَينهمَا مثل لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن لايكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مَنْهِيّا عَنهُ بمفرده وأجبت بِأَن هَذَا إِنَّمَا يلْزم أَن لَو لم يكن نهي عَنهُ إِلَّا فِي هَذِه الْآيَة بل ذَلِك مَعْلُوم من أَدِلَّة أخر غير هَذِه الْآيَة وَمن رجح هَذَا الْوَجْه استأنس فِيهِ بقوله تَعَالَى ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ كَأَنَّهُ قَالَ لَا يجْتَمع مِنْكُم لبس وكتمان مَعَ علمكُم بِحَقِيقَة الْحَال وَذَلِكَ أقوى فِي الشناعة عَلَيْهِم لأَنهم إِنَّمَا نهوا عَن شَيْء كَانُوا

стр. 188

يتعاطونه ويكثرون مِنْهُ وَلَا شكّ أَن جمعهم للبس والكتمان مَعَ الْعلم أَشد فِي الشناعة وَلَا يلْزم من ذَلِك أَلا يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مَنْهِيّا عَنهُ على حِدته بل ذَلِك فِي آيَات كَثِيرَة وَمثل هَذِه الْآيَة أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ وتدلوا بهَا إِلَى الْحُكَّام﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل فِي قَوْله ﴿وتدلوا﴾ أَن يكون مَجْزُومًا وَأَن يكون مَنْصُوبًا كَمَا ذكر فِي ﴿وتكتموا الْحق﴾ وَيُقَوِّي مَعَه الْجمع أَيْضا قَوْله ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ كَمَا تقدم ٢ - وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾ وَالْقِرَاءَة المتواترة فِيهَا ﴿وَيعلم الصابرين﴾ بِالنّصب على هَذَا الْبَاب أَي وَلما يجْتَمع فِي علم الله تَعَالَى المجاهدون والصابرون وَعلم الله تَعَالَى قديم مُتَعَلق بِجَمِيعِ المعلومات فِي الْأَزَل وَلَكِن مَعْنَاهُ وَلما يجْتَمع فِي علم الله جهادكم وصبركم بارزا فِي الْخَارِج وَقَرَأَ الْحسن ﴿وَيعلم﴾ بِكَسْر الْمِيم مَعْطُوفًا على ﴿يعلم﴾ الأول فَيكون مَجْزُومًا بذلك وَقَرَأَ غَيره بِرَفْع / يعلم الصابرين / على الْقطع والاستئناف أَي وَهُوَ يعلم الصابرين

стр. 189

٣ - وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ﴾ وفيهَا ثَلَاث قراءات إِحْدَاهَا قِرَاءَة حَمْزَة وَحَفْص عَن عَاصِم وَعبد الله بن أبي اسحاق بِنصب نكذب ونكون وَتَكون الْوَاو فيهمَا من هَذَا الْبَاب لوقوعها بعد التَّمَنِّي أَي يَا ليتنا يجْتَمع لنا الرَّد وَعدم التَّكْذِيب والكون من الْمُؤمنِينَ فيكونون قد تمنوا الْجمع بَين هَذِه الْأُمُور وَالثَّانيَِة قِرَاءَة ابْن عَامر بِرَفْع نكذب وَنصب نَكُون أما رفع نكذب فعلى الِاسْتِئْنَاف أَي وَنحن لَا نكذب وَلَا يخرج بذلك عَن الدُّخُول فِي حيّز التَّمَنِّي وَأما نصب ونكون فعلى مَا تقدم وَإِرَادَة الْجمع بَينه وَبَين مَا قبله وَالثَّالِثَة قِرَاءَة البَاقِينَ برفعهما جَمِيعًا وَله وَجْهَان أَشَارَ إِلَيْهِمَا سِيبَوَيْهٍ أَحدهمَا اخْتِيَار عِيسَى بن عمر أَنه على الْعَطف فَيكون الْجمع دَاخِلا فِي

стр. 190

التَّمَنِّي وَعطف الفعلان لعدم قصد إِرَادَة الْجمع بل تمنوا كل وَاحِد على حِدته وَثَانِيهمَا أَن ذَلِك على الْقطع والاستئناف وَيكون الَّذِي تمنوه الرَّد فَقَط ثمَّ أخبروا عَن أنفسهم أَنهم إِذا ردوا يكون هَذَا حَالهم وَلِهَذَا كذبهمْ الله تَعَالَى فِي الْآيَة بعْدهَا والتكذيب إِنَّمَا يكون فِي الْإِخْبَار لَا فِي التَّمَنِّي لِأَنَّهُ إنْشَاء وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَو يوبقهن بِمَا كسبوا ويعف عَن كثير وَيعلم الَّذين يجادلون فِي آيَاتنَا مَا لَهُم من محيص﴾ وَفِي يعلم قراءتان متواترتان إِحْدَاهمَا بِالرَّفْع وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن عَامر وَالثَّانيَِة بِالنّصب وَهِي قِرَاءَة البَاقِينَ وَقُرِئَ شاذا بِكَسْر الْمِيم على أَن يكون مَعْطُوفًا على المجزومات قبله وحركت الْمِيم بِالْكَسْرِ لالتقاء الساكنين حكى هَذِه الْقِرَاءَة أَبُو الْبَقَاء وَغَيره وَوجه قِرَاءَة الرّفْع أَنه على الِاسْتِئْنَاف وَلَا يكون دَاخِلا فِي جَوَاب الشَّرْط وَأما النصب فقد قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام هُوَ على الصّرْف كَمَا فِي

стр. 191

قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾ لِأَن الْمَقْصُود الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ وَاعْتِرَاض النّحاس على ذَلِك بِأَن ﴿وَيعلم الصابرين﴾ وَقعت الْوَاو بعد النَّفْي وَهنا لم يتَقَدَّم نفي فَيكون هَذَا جَوَابا لَهُ وَالَّذِي قَالَه أَبُو عبيد لم يرد بِهِ أَن هَذِه الْآيَة مثل تِلْكَ من كل وَجه بل الْمَقْصُود أَن نصب الْفِعْل بعد الْوَاو بإضمار أَن لما كَانَ المُرَاد الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ لَا كل وَاحِد مِنْهُمَا والمقتضي لذَلِك مَعَ إِرَادَة الْجمع وُقُوعه بعد فعل الشَّرْط وَالْجَزَاء المجزومين بِهِ وَإِن كَانَ الزَّمَخْشَرِيّ قد ضعف ذَلِك وَجعله نَحْو قَوْله (وَألْحق بالحجاز فأستريحا ... ) مِمَّا هُوَ شَاذ لَا يُقَاس عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا كَمَا زعم بل النصب بعد الْوَاو بإضمار أَن بعد مجزومي الشَّرْط

стр. 192

أَو بَينهمَا مَعْرُوف مَشْهُور كَمَا تقدم عَن ابْن مَالك وَقد أنْشد للأعشى فِي بَيْتَيْنِ لَهُ مَا عطف بِالْوَاو لهَذَا الْمَعْنى (وَمن يغترب عَن قومه لَا يزل يرى ... ) ثمَّ قَالَ فِي الْبَيْت الثَّانِي (وتدفن مِنْهُ الصَّالِحَات ... ) وضبطوه بِنصب تدفن مَعَ أَنه لَا ضَرُورَة إِلَيْهِ لِإِمْكَان الرّفْع فِيهِ وَإِنَّمَا عدل إِلَى النصب لإِرَادَة الْمَعْنى وأنشدوا أَيْضا (فَإِن يهْلك أَبُو قَابُوس يهْلك ... ربيع النَّاس والبلد الْحَرَام)

стр. 193

(ونأخذ بعده بذناب عَيْش ... أجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام) وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ فِي الْآيَة الزّجاج وَأَبُو عَليّ الْفَارِسِي ومكي والمحققون وتقديرها على هَذِه الْقِرَاءَة إِن يَشَأْ يسكن الرِّيَاح فتقف السفن أَو إِن يَشَأْ يعصف الرّيح فيغرقها وينج قوما بطرِيق الْعَفو عَنْهُم وَحِينَئِذٍ يعلم الَّذين يجادلون فِي آيَاتنَا مَا لَهُم من محيص فالجزاء مُتَضَمّن شَيْئَيْنِ بطرِيق الْجمع الأول أحد شَيْئَيْنِ من التغريق وَالْعَفو أَو مجموعهما وَالثَّانِي علم المجادلين فِي آيَات الله أَنه لَا محيص لَهُم وَيكون كل ذَلِك دَاخِلا فِي حيّز الشَّرْط وَفَائِدَته فِي الْعَفو بَيَان أَنه إِنَّمَا يفعل ذَلِك بمشيئته وإرادته لَا بِاسْتِحْقَاق عَلَيْهِ وَأما الْمَوْصُول وصلته بعد ﴿وَيعلم﴾ فَإِن جعل فَاعِلا ل ﴿يعلم﴾ سهل دُخُوله فِي حيّز الشَّرْط وَإِن قدر مَفْعُولا فَالْمَعْنى يُعلمهُ وَاقعا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا لنعلم من يتبع الرَّسُول مِمَّن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ﴾ وَكَونه فَاعِلا أقوى فِي الْإِعْرَاب وأخلص من الْإِشْكَال وَتَكون الْجُمْلَة المنفية من قَوْله تَعَالَى ﴿مَا لَهُم من محيص﴾ سدت مسد مفعولي علمت وَالله أعلم ٥ - وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسمُوا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ الْآيَة

стр. 194

وفيهَا ثَلَاث قراءات إِحْدَاهَا قِرَاءَة نَافِع وَابْن كثير وَابْن عَامر يَقُول بِغَيْر وَاو الْعَطف وبرفع اللَّام وَهِي كَذَلِك فِي مصاحف أهل مَكَّة وَالْمَدينَة وَالشَّام وَالثَّانيَِة قِرَاءَة عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِالْوَاو وَرفع الْفِعْل وَالثَّالِثَة قِرَاءَة أبي عَمْرو بِالْوَاو أَيْضا لَكِن بِنصب يَقُول فَأَما الأولى فَذكر جمَاعَة من الْأَئِمَّة أَن الْعَطف هُنَا وَتَركه سيان لِأَن الْعَطف هُنَا لم يقتض تشريكا فِي الْإِعْرَاب وَإِنَّمَا هُوَ من عطف الْجمل بَعْضهَا على بعض وَفِي الثَّانِيَة ضمير يعود إِلَى الأول وشبهوا ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿ثَلَاثَة رابعهم كلبهم﴾ وَكَذَلِكَ فِي الَّتِي بعْدهَا ثمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَة ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَة وثامنهم كلبهم﴾ قَالُوا فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمْلَة الثَّانِيَة ذكر مَا تقدم اسْتغنى عَن الْوَاو وَلَو جِيءَ بهَا لَكَانَ حسنا أَيْضا وَفِي هَذَا نظر من وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا تقدم فِي الْوَاو العاطفة من مَوَاضِع الْوَصْل والفصل وَأَن لكل مقَام مقَالا يَخُصُّهُ على مَا تَقْتَضِيه قَوَاعِد الفصاحة

стр. 195

وَثَانِيهمَا مَا تقدم أَيْضا أَن دُخُول الْوَاو فِي قَوْله ﴿وثامنهم كلبهم﴾ لَيْسَ على حد عدم دُخُولهَا فِي الْأَوليين بل جِيءَ بهَا لزِيَادَة فَائِدَة كَمَا تقدم فَالْأولى أَن يكون حذف الْوَاو هُنَا من غير هَذِه الْآيَة لِمَعْنى غير الْمَعْنى الْمُقْتَضِي لاثباتها وَهُوَ مَا ذكره صَاحب الْكَشَّاف وَغَيره أَنه على جَوَاب قَائِل يَقُول فَمَاذَا يَقُول الْمُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ فَقيل ﴿وَيَقُول الَّذين آمنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسمُوا﴾ وَذَلِكَ إِمَّا على أَن الْمُؤمنِينَ يَقُوله بَعضهم لبَعض تَعَجبا من حَالهم واغتباطا بِمَا من الله عَلَيْهِم وَإِمَّا أَن يقولوه للْيَهُود لأَنهم حلفوا لَهُم بالمعاضدة والنصرة كَمَا حكى الله عَنْهُم ﴿وَإِن قوتلتم لننصرنكم﴾ قَالَ ابْن عَطِيَّة وَيحْتَمل أَن تكون الْآيَة حِكَايَة لقَوْل الْمُؤمنِينَ فِي وَقت قَول الَّذين فِي قُلُوبهم مرض ﴿نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة﴾ إِلَى آخِره يَعْنِي فَيحسن حذف الْوَاو لِأَن الْمقَام يَقْتَضِيهِ وَأما على إِثْبَات الْوَاو وَرفع يَقُول فوجهه ظَاهر لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَول الَّذين فِي قُلُوبهم مرض من بَاب عطف الْجمل بَعْضهَا على بعض كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ وَلَا يكون ذَلِك جَوَابا عَن سُؤال وَلَا حِكَايَة لقَوْل الْمُؤمنِينَ وَاخْتلفُوا فِي تَوْجِيه قِرَاءَة أبي عَمْرو وَمن نصب يَقُول مَعَ الْوَاو فَذكر أَبُو

стр. 196

عَليّ الْفَارِسِي فِيهِ وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون عطفا على أَن يَأْتِي حملا على الْمَعْنى دون اللَّفْظ لِأَن معنى عَسى الله أَن يَأْتِي وَعَسَى أَن يَأْتِي الله وَاحِد وَالتَّقْدِير عَسى أَن يَأْتِي الله بِالْفَتْح وَأَن يَقُول الَّذين آمنُوا وَيكون ذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين﴾ على قِرَاءَة من جزم وأكن لِأَنَّهُ لما كَانَ الْمَعْنى أخرني إِلَى أجل قريب أصدق لما يَقْتَضِيهِ التحضيض من معنى الْأَمر حمل أكن على الْجَزْم الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَعْنى فِي قَوْله ﴿فَأَصدق﴾ وَإِنَّمَا حمل على الْمَعْنى دون اللَّفْظ لما فِي الْحمل على اللَّفْظ من الِامْتِنَاع من جِهَة أَنه لَا يَصح عَسى الله أَن يَأْتِي وَعَسَى الله أَن يَقُول الَّذين آمنُوا كَمَا لَا يَصح عَسى زيد أَن يقوم عَمْرو وَالثَّانِي أَن يكون قَوْله ﴿أَن يَأْتِي بِالْفَتْح﴾ بَدَلا من اسْم الله كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أنسانيه إِلَّا الشَّيْطَان أَن أذكرهُ﴾ ثمَّ عطف وَيَقُول على أَن يَأْتِي فَيكون التَّقْدِير عَسى أَن يَأْتِي وَأَن يَقُول الَّذين آمنُوا وَيكون دَاخِلا فِي اسْم عَسى وَاسْتغْنى عَن خَبَرهَا بِمَا تضمنه اسْمهَا من الْحَدث وَذكر غَيره وَجها ثَالِثا وَهُوَ أَن يكون مَعْطُوفًا على لفظ يَأْتِي وَهُوَ خبر عَسى وَيقدر فِي الْمَعْطُوف ضمير مَحْذُوف تَقْدِيره وَيَقُول الَّذين آمنُوا بِهِ وَأما الزَّمَخْشَرِيّ فَلم يقدر شَيْئا من ذَلِك بل أطلق القَوْل بِأَنَّهُ عطف على ﴿أَن يَأْتِي﴾ وَذكر النّحاس وَجها رَابِعا وَهُوَ أَن يكون مَعْطُوفًا على الْفَتْح لِأَن مَعْنَاهُ بِأَن يفتح فأضمر أَن قبل يَقُول فَيكون نَصبه من بَاب مَا نَحن فِيهِ على حد قَوْلهم (للبس عباءة وتقر عَيْني ... ) وَيكون الْمَقْصُود هُوَ الْمَجْمُوع

стр. 197

وَاخْتَارَ ابْن الْحَاجِب وَجها خَامِسًا لَا تكلّف فِيهِ وَهُوَ أَن يكون مَعْطُوفًا على قَوْله ﴿فيصبحوا﴾ لِأَن قَوْله ﴿فيصبحوا﴾ مَنْصُوب بِالْفَاءِ فِي جَوَاب الترجي بعسى قَالَ أَبُو شامة وَهَذَا وَجه للنصب ظَاهر لَا تعسف فِيهِ وَلم أر أحدا ذكره غير الشَّيْخ أبي عمر قلت قد ذكره ابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره لكنه قَالَ فِيهِ نظر وَلم يبين من أَي جِهَة وَالظَّاهِر أَنه أرجح هَذِه الْوُجُوه ونكته مَا قَالَه أَبُو جَعْفَر النّحاس من النصب على الصّرْف وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 198

٣٣ - فصل الْمَعْنى الْجَامِع لأنواع الْوَاو هَذِه الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة الَّتِي تقدّمت فِي الْوَاو ترجع كلهَا إِلَى معنى جَامع شملها وَهُوَ مُطلق الْجمع فقد تقدم أَنه لَا يَنْفَكّ عَنهُ وَاو الْحَال وَهُوَ فِي الثَّلَاثَة الْأُخَر ظَاهر بِخِلَاف مَا يَأْتِي من وَاو الْقسم فَإِنَّهُ لَا جَامع بَينهَا وَبَين هَذِه الْأَنْوَاع من جِهَة الْمَعْنى وَقد تقدم عَن الْحَنَفِيَّة أَن الْوَاو حَقِيقَة فِي الْعَطف مجَاز فِي الْحَال فَيحْتَمل أَن يطردوا هَذِه الْحَقِيقَة فِي وَاو الْمَفْعُول مَعَه وواو الصّرْف لِأَن معنى الْجمع فيهمَا ظَاهر وَيحْتَمل أَن لَا يطردوا ذَلِك فيهمَا وَمُقْتَضى كَلَام فَخر الدّين بن الْخَطِيب أَن الْوَاو مُشْتَركَة بَين الْعَطف وَالْحَال كَمَا تقدم وَهَذَا ظَاهر كَلَام أَئِمَّة الْعَرَبيَّة وَلقَائِل أَن يَقُول بِأَنَّهَا فِي هَذِه الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة متواطئة بالاشتراك الْمَعْنَوِيّ لوُجُود معنى جَامع بَين الْكل يشملها وَيُوجد فِي كل وَاحِد مِنْهَا وَهُوَ الْجمع الْمُطلق ويمتاز كل قسم مِنْهَا بعوارض تخصه فَهِيَ مُشْتَركَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك الْمَعْنى الْكُلِّي الَّذِي يشملها فَتكون متواطئة كالانسان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الانسانية الَّتِي تُوجد فِي كل فَرد من أَفْرَاده وَهِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُطلق الْجمع وَالْقسم بهَا مُشْتَركَة اشتراكا لفظيا لعدم الْمَعْنى الْجَامِع الَّذِي يشْتَرك بَينهمَا وَفِي

стр. 199

هَذَا تقليل للاشتراك اللَّفْظِيّ الَّذِي هُوَ على خلاف الأَصْل والتواطؤ خير مِنْهُ وَهَذِه هِيَ الطَّرِيق الَّتِي سلكها الْآمِدِيّ فِي لفظ الْأَمر بِالنِّسْبَةِ إِلَى القَوْل الْمَخْصُوص والشأن وَالصّفة وَالْفِعْل فَجعله متواطئا بَينهَا بِحَسب الْمَعْنى الْكُلِّي الْمُشْتَرك بَينهَا وَإِن كَانَ ابْن الْحَاجِب اعْترض عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مَعْرُوف فِي كِتَابه وَالْجَوَاب عَنهُ غير عسير وَقد ذكرته فِي بعض الْمَوَاضِع وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا نَحن فِيهِ حَتَّى نطيل الْكَلَام بِهِ وَيَتَرَتَّب على هَذَا أَن اسْتِعْمَال الْوَاو فِي أحد هَذِه الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة الَّتِي تقدّمت لَيْسَ اسْتِعْمَالا للفظ فِي مجازه وَلَا فِي مُشْتَرك لَفْظِي حَتَّى يتَوَقَّف على الْقَرِينَة المخصصة لذَلِك الْمَعْنى المُرَاد بل فِي حقيقتة كإطلاق الْحَيَوَان على الْإِنْسَان وَالْفرس وَغَيرهمَا من سَائِر الْأَصْنَاف لوُجُود الحيوانية فِي الْجَمِيع وَإِن كَانَ كل نوع مِنْهَا ينْفَرد بخواص تميزه عَن غَيره وَذَلِكَ أولى من الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ وَمن الْمجَاز فَإِن كلا مِنْهُمَا على خلاف الأَصْل وَالله سُبْحَانَهُ أعلم

стр. 200

٣٤ - فصل النَّوْع الْخَامِس من أَقسَام الْوَاو الْوَاو الَّتِي للقسم وَالْقسم اسْم أقيم مقَام الْمصدر وَكثر اسْتِعْمَاله فِيهِ وَالْفِعْل أقسم ومصدره الْحَقِيقِيّ الإقسام وَالَّذِي ذكره كثير من أَئِمَّة اللُّغَة أَن الْقسم مَأْخُوذ من أَيْمَان الْقسَامَة وَهِي الَّتِي يحلف بهَا فِي الْقَتْل ثمَّ إِنَّه قيل لكل يَمِين قسم وَهَذَا فِيهِ نظر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن أصل الْقسَامَة مبدؤه من فعل أبي طَالب بِسَبَب الْأَجِير الَّذِي

стр. 201

قتل من قُرَيْش كَمَا صَحَّ ذَلِك فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَنَّهَا أول قسَامَة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ ذَلِك قبل النُّبُوَّة بِزَمن غير كَبِير وَإِطْلَاق الْقسم على الْيَمين كَانَ مَعْرُوفا عِنْد الْعَرَب قبل ذَلِك على مَا هُوَ مَوْجُود فِي أخبارهم وأشعارهم فَكَانَ الأولى أَن يكون اشتقاق لفظ الْقسَامَة من الْقسم الَّذِي هُوَ الْيَمين الْمُطلقَة وَالثَّانِي أَنه يسْأَل حِينَئِذٍ عَن أَي معنى اشتق مِنْهُ لفظ الْقسَامَة فمهما كَانَ مأخوذا مِنْهُ يُقَال مثله فِي مُطلق الْيَمين إِلَّا أَن يكون ذَلِك أَخذ من معنى خَاص يخْتَص بِالدَّمِ أَو بِالْمَوْتِ أَو بِطَلَب الدِّيَة أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يعم كل يَمِين يحلف بهَا فيقوى حِينَئِذٍ أَن مُطلق الْقسم مَأْخُوذ من الْقسَامَة لَكِن ذَلِك الشَّيْء الْخَاص لم يعرف وَلَا ذَكرُوهُ وَهَذِه الْمَادَّة الَّتِي هِيَ الْقَاف وَالسِّين وَالْمِيم ترجع إِلَى معَان مِنْهَا الْقِسْمَة وَهِي إِقْرَار النَّصِيب وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن تستقسموا بالأزلام﴾ لأَنهم كَانُوا يطْلبُونَ من جِهَة الأزلام مَا قسم من أحد الْأَمريْنِ اللَّذين يريدونهما وَمِنْهَا وَهِي الْحسن وَقيل الْقِسْمَة الْوَجْه مُطلقًا حَكَاهُ الْأَزْهَرِي وَمِنْهُم من يُقَيِّدهُ بِالْوَجْهِ الْحسن وَيُقَال وَجه قسيم وَامْرَأَة قسيمة أَي حسناء وَمِنْهَا الْقسم وَهُوَ الرَّأْي قَالَ الْأَزْهَرِي يُقَال فلَان جيد الْقسم أَي

стр. 202

الرَّأْي وَقَالَ ابْن سيدة فِي الْمُحكم الْقسم يَعْنِي بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان السِّين الرَّأْي وَقيل الشَّك وَقيل الْقدر وَجعل الرَّاغِب هَذِه الْمعَانِي كلهَا رَاجِعَة إِلَى الْقِسْمَة الَّتِي هِيَ إِفْرَاز النَّصِيب وَقَوْلهمْ لِلْحسنِ الْقسَامَة أَي كَأَنَّمَا أُوتِيَ من كل حسن نصِيبه فِي مَوْضِعه فَلم يتَفَاوَت وَقيل وَجه قسيم أَي يقسم بحسنه الطّرف فَلَا يثبت فِي مَوضِع دون مَوضِع وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن سيدة فِي قَوْلهم قسم أمره قسما قَالَ أَي قدره وَقيل لم يدر مَا يصنع فِيهِ فَإِذا عرف ذَلِك يحْتَمل أَن يكون الْقسم مَأْخُوذ من الْقِسْمَة أَي إِن الْمقسم أفرز مَا يحلف عَلَيْهِ بتأكيد بِالْيَمِينِ أَو أفرز الْيَمين من جملَة أَنْوَاع الْكَلَام لتأكيد مَا يروم من القَوْل وَأَن يكون مأخوذا من الْقسَامَة الَّتِي هِيَ الْحسن فَكَأَن الْحَالِف حسن مَا يَقُوله بتأكيده باسم الله تَعَالَى وَإِلَى هَذَا مَال الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح الالمام فِي أصل هَذِه اللَّفْظَة

стр. 203

قَالَ ابْن أبي الرّبيع وَقيل مُشْتَقّ من الْبَيْت الْمقسم بِهِ الْمُعظم لأَنهم يعظمون مَا يقسمون بِهِ قلت وَهَذَا معنى آخر غير مَا تقدم وَالْكل مُحْتَمل وَحَقِيقَة الْقسم عِنْد النَّحْوِيين ضم جملَة خبرية إِلَى مثلهَا تكون كل مِنْهُمَا فعلية أَو اسمية أَيْضا توكد الثَّانِيَة بِالْأولَى متضمنة اسْما من أَسمَاء الله تَعَالَى أَو صفة من صِفَاته وَرُبمَا كَانَ ذَلِك باسم غَيره مِمَّا يعظمه الْمقسم وَتَكون الْيَمين لغوية لَا شَرْعِيَّة وَهُوَ فِي الشَّرْع عبارَة عَن تَحْقِيق مَا يحْتَمل الْمُخَالفَة أَو تأكيده بِذكر اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى أَو صفة من صِفَاته وَزَاد

стр. 204

فِيهِ الامام الْغَزالِيّ مَاضِيا كَانَ أَو مُسْتَقْبلا لَا فِي معرض اللَّغْو والمناشدة وَقيد لَا حَاجَة إِلَى هذَيْن الْأَخيرينِ وَالْمَقْصُود من الْقسم إِن كَانَ على مَاض التَّحْقِيق سَوَاء كَانَ إِثْبَاتًا أَو نفيا مثل وَالله لقد دخلت الدَّار أَو وَالله مَا دخلت وَإِن كَانَ على مُسْتَقْبل فالمقصود بِهِ الْحَث إِن كَانَ على ثُبُوت وَالْمَنْع إِن كَانَ على نفي وأصل حُرُوفه الْبَاء الجارة لِأَن الْفِعْل يظْهر مَعهَا تَقول أقسم بِاللَّه وَحلفت بِاللَّه وَلِأَن أَفعَال الْقسم كلهَا لَازِمَة وَالْبَاء هِيَ المعدية لَهَا إِلَى مَا بعْدهَا وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تدخل على كل محلوف بِهِ من ظَاهر ومضمر نَحْو بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ وَبِك لَأَفْعَلَنَّ كَقَوْل الشَّاعِر (رأى برقا فَأَوْضَعَ فَوق بكر ... فَلَا بك مَا أسأَل وَلَا أغاما) وَقَالَ الآخر (أَلا نادت أُمَامَة بارتحال ... لتحزنني فَلَا بك مَا أُبَالِي)

стр. 205

ف بك فِي الْبَيْتَيْنِ قسم بالضمير وَهُوَ الْكَاف وَالْبَاء بَاء الْقسم وَقد يحذف الْفِعْل الْمُتَعَلّق بالقسم كَمَا فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لكنه قَلِيل وَالْأَكْثَر مجيئة بِالْفِعْلِ مظْهرا وَمِمَّا حمل على الْحَذف أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا بني لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ فَقَالَ بَعضهم الْوَقْف على (لَا تشرك) وَقَوله (بِاللَّه) قسم على الْجُمْلَة الَّتِي بعده (إِن الشّرك لظلم عَظِيم) وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ادْع لنا رَبك بِمَا عهد عنْدك لَئِن كشفت عَنَّا الرجز﴾ قيل إِن قَوْله (بِمَا عهد عنْدك) قسم أَي بعهده لَئِن كشفت عَنَّا الرجز لنؤمنن وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ جاؤوك يحلفُونَ بِاللَّه إِن أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا﴾ ) قيل إِن ابْتِدَاء الْكَلَام (بِاللَّه) والمقسم عَلَيْهِ مَا بعده وَيكون ذَلِك حِكَايَة حلفهم وَأما الْوَاو فَإِنَّهَا بدل من الْبَاء لِأَنَّهَا أشبهتها من جِهَة أَنَّهُمَا من مخرج وَاحِد وَهُوَ الشفتان وَلِأَن الْبَاء تفِيد الإلصاق وَالْوَاو تفِيد الْجمع وَهُوَ نوع من الإلصاق فَلَمَّا كَانَت فرعا عَنْهَا انحطت عَن رتبتها من ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا

стр. 206

أَن الْفِعْل لَا يظْهر مَعهَا لما تقدم أَن أَفعَال الْقسم كلهَا لَازِمَة وَإِنَّمَا يصل إِلَى مَا بعْدهَا بِالْبَاء الَّتِي تفِيد ذَلِك وَالْوَاو لَيْسَ لَهَا هَذِه الرُّتْبَة وَالثَّانِي أَنَّهَا لَا تدخل إِلَّا على الظَّاهِر دون الْمُضمر لِأَن الْإِضْمَار يرد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا أَلا ترى أَنَّك تَقول أَعطيتكُم درهما فتحذف الْوَاو وتسكن الْمِيم تَخْفِيفًا فَإِذا أضمرت الْمَفْعُول قلت أعطيتكموه فَترد الْوَاو لأجل اتِّصَال الْفِعْل بالمضمر وَالثَّالِث أَن الْوَاو لَا تَجِيء فِي السُّؤَال المُرَاد بِهِ معنى الْقسم مَجِيء الْبَاء مثل بِاللَّه إِلَّا فعلت وَبِاللَّهِ لَا تفعل كَذَا قَالَ الشَّاعِر (بِدينِك هَل ضممت إِلَيْك ليلى ... وَهل قبلت بعد النّوم فاها) وَإِن كَانَ هَذَا وَمثله لَيْسَ على حَقِيقَة الْقسم وَلكنه فِي معنى ينْعَقد بِهِ الْيَمين إِذا نوى ذَلِك على الرَّاجِح عِنْد أَصْحَابنَا وَأما التَّاء فَإِنَّهَا بدل عَن الْوَاو لِأَنَّهَا تبدل مِنْهَا فِي حُرُوف كَثِيرَة مثل تراث

стр. 207

وتخمة وتكأة وَنَحْوهَا وَلكنهَا لما كَانَت فرعا عَن الْوَاو فِي الْمرتبَة الثَّالِثَة قصرت عَنْهَا فاختصت باسم الله تَعَالَى كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿تالله لقد علمْتُم﴾ و ﴿تالله تفتأ﴾ وَلَا تدخل على اسْم غَيره إِلَّا مَا حُكيَ عَن بَعضهم من قَوْلهم ترب الْكَعْبَة وَهُوَ قَلِيل وللقسم أَيْضا حُرُوف آخر لَا تعلق لَهَا بِمَا نَحن فِيهِ فَلذَلِك لَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكرهَا وَكَذَلِكَ فِي الْجمل الَّتِي يُجَاب بهَا الْقسم ومواضعها وشروطها إِذْ لَا اخْتِصَاص بهَا للواو وَلها مَوضِع تذكر فِيهِ وَإِنَّمَا يتَكَلَّم فِيمَا يخْتَص باالواو وَهِي فِي هَذَا الْموضع جَارة بِنَفسِهَا لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك لِأَنَّهَا اخْتصّت بالأسماء وَلم تنزل منزلَة الْجَرّ مِنْهَا ولصحة دُخُول حُرُوف الْعَطف عَلَيْهَا فَدلَّ على أَنَّهَا هِيَ العاملة وَقد ذكر جمَاعَة من الْأَصْحَاب أَنه إِذا قَالَ وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا بِرَفْع الْهَاء أَو بنصبها أَنه يكون يَمِينا سَوَاء نَوَاهَا أَو لم ينوها وَالْخَطَأ فِي الاعراب لَا يمْنَع انْعِقَاد الْيَمين وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَقَالَ الْقفال فِي قَوْله

стр. 208

وَالله بِالرَّفْع إِنَّه لَا يكون يَمِينا قلت يتَّجه أَن يفرق فِي ذَلِك بَين من يعرف الْعَرَبيَّة وَمن لَا يعرفهَا فَالْقَوْل بالانعقاد مُطلقًا إِنَّمَا يقوى فِي حق من لَا يعرف الْعَرَبيَّة أما إِذا كَانَ يعرفهَا وَقصد الرّفْع أَو النصب وَلم ينْو بِهِ الْيَمين فَالْقَوْل بالانعقاد هُنَا بعيد جدا نعم لَو نوى ذَلِك لصَحَّ وَإِن كَانَ مخطئا باللحن وَيُؤَيّد ذَلِك أَن صَاحب الْحَاوِي حكى عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي قَالَ إِن قَوْله تالله يَعْنِي بِالْمُثَنَّاةِ إِنَّمَا يكون يَمِينا فِي حَتَّى خَواص النَّاس الَّذين يعْرفُونَ أَن التَّاء من حُرُوف الْقسم وَلَا يكون يَمِينا فِي حق الْعَامَّة الَّذين لَا يعْرفُونَ ذَلِك وَقد قَالَ الْأَصْحَاب إِذا قَالَ وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا ثمَّ ذكر أَنه أَرَادَ وَالله الْمُسْتَعَان وابتدأ بقوله لَأَفْعَلَنَّ من غير يَمِين إِن ذَلِك يقبل مِنْهُ وَتصير النِّيَّة صارفة لَهُ إِلَى الْمحل الْمَذْكُور وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا اللّحن فِي الاعراب وَمثله أَيْضا مَا إِذا قَالَ بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ ثمَّ قَالَ أردْت اعتصمت بِاللَّه أَو

стр. 209

أستعين وَنَحْو ذَلِك ثمَّ ابتدأت لَأَفْعَلَنَّ فَكَذَلِك يقبل مِنْهُ صرح بهما الْعِرَاقِيُّونَ وَبَعض الخراسانيين واستبعده إِمَام الْحَرَمَيْنِ وعده زللا مِنْهُم أَو خللا من النساخ وَمن الْأَصْحَاب من قطع فِي قَوْله وَالله لَأَفْعَلَنَّ بِأَنَّهُ يَمِين فَكل حَال لَا يَنْفَعهُ فِيهِ التَّأْوِيل وَجعل الْخلاف مُخْتَصًّا بقوله بِاللَّه بِالْبَاء الْمُوَحدَة لقُوَّة صَرَاحَة الْوَاو فِي الْقسم وشهرة اسْتِعْمَالهَا وَهَذَا أقوى أَيْضا من جِهَة الْإِعْرَاب فَإِنَّهُ إِذا قَالَ بِاللَّه وَأَرَدْت استعنت وَنَحْو ذَلِك وابتدأت الْكَلَام كَانَ لكَلَامه وَجه مُحْتَمل للتأويل بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ وَالله بِالْجَرِّ ثمَّ ادّعى أَنه أَرَادَ بِهِ الِابْتِدَاء لَا الْقسم وأضمر الْخَبَر وابتدأ بعده بالْكلَام غير مقسم عَلَيْهِ فَإِن هَذَا بعيد احْتِمَاله مِنْهُ مَعَ جر اسْم الله واللحن هُنَا لَا يعْذر فنه مَعَ قصد الاضمار وَقطع الْكَلَام وَالأَصَح فِي قَوْله تالله بِالْمُثَنَّاةِ من فَوق إِنَّه يَمِين للْعُرْف فِيهِ ولاستعماله فِي الْقُرْآن وَقيل فِيهِ قَول إِنَّه لَا يكون يَمِينا إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَمِنْهُم من خصص ذَلِك بالقسامة لما تَتَضَمَّن من إِثْبَات حق لنَفسِهِ من قصاص أَو دِيَة فَلَا يمْنَع مِنْهُ إِلَّا بِلَفْظ قوي مَشْهُور فِي الْقسم وَتقدم عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي التَّفْرِقَة بَين الْعَامَّة وَغَيرهَا وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 210

٣٥ - فصل - النَّوْع السَّادِس الْكَلَام على وَاو رب كَمَا فِي قَول امْرِئ الْقَيْس (وليل كموج الْبَحْر أرْخى سدوله ... عَليّ بأنواع الهموم ليبتلي) أَي رب ليل كموج الْبَحْر وَقَول رؤبة بن العجاج وقاتم الأعماق خاوي المخترق مشتبه الْأَعْلَام لماع الخفق والقاتم المظلم والأعماق جمع عمق وَهُوَ مَا يسْتَدلّ بِهِ على الْمَوَاضِع والطرق من جبل وَبِنَاء وَغَيرهمَا واشتباهها التباس بَعْضهَا بِبَعْض والخفق مَا

стр. 211

تخفق فِيهِ من التُّرَاب عِنْد هبوب الرِّيَاح وَمثله أَيْضا قَول الأعرابية (وَذي حَاجَة قُلْنَا لَهُ لَا تبح بهَا ... فَلَيْسَ إِلَيْهَا مَا حييت سَبِيل) وَهُوَ كثير فِي النّظم والنثر وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ جُمْهُور الْبَصرِيين وَمن بعدهمْ أَن الْجَرّ فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِرَبّ مضمرة بعد الْوَاو لَا بِالْوَاو نَفسهَا بل هِيَ عاطفة وَلذَلِك لم يعدها سِيبَوَيْهٍ فِي حُرُوف الْجَرّ وَذهب الْمبرد والكوفيون إِلَى أَن الْوَاو هِيَ الجارة لكَونهَا عوضا عَن رب كَمَا فِي وَاو الْقسم وَلِأَنَّهَا وَارِدَة فِي أول الْكَلَام وَلَيْسَ قبله شَيْء يعْطف الْوَاو عَلَيْهِ وَظَاهر كَلَام ابْن الْحَاجِب اخْتِيَار هَذَا القَوْل لِأَنَّهُ عدهَا من جملَة الْحُرُوف الجارة وَاحْتج البصريون بِوُجُوه أَحدهَا أَنَّهَا لَو كَانَت هِيَ الجارة لدخلت وَاو الْعَطف عَلَيْهَا كَمَا فِي وَاو الْقسم وَقد تقدم مثله وَثَانِيها أَن ذَلِك لَو كَانَ بطرِيق الْعِوَض عَن رب لما جَازَ أَن تضمر رب مَعهَا كَمَا أَنه لما كَانَت وَاو الْقسم بَدَلا عَن بائه لم يجز الْجمع بَينهمَا وَهنا يجوز ذَلِك بالِاتِّفَاقِ فَيُقَال وَرب رجل عَالم لَقيته وَثَالِثهَا أَن رب قد أضمرت بعد الْفَاء وبل كَقَوْل امْرِئ الْقَيْس

стр. 212

(فمثلك حُبْلَى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عَن ذِي تمائم محول) وَقَول الآخر (فَإِن أهلك فذي حنق لظاه ... عَليّ يكَاد يلتهب التهاب) وَقَول الآخر (وَإِمَّا تعرضن أميم عني ... وتنزعك الوشاة أولو النباط) (فحور قد لهوت بِهن عين ... نواعم فِي المروط وَفِي الرياط) ومثاله فِي بل قَول رؤبة بن العجاج (بل بلد ذِي صعد وأصباب)

стр. 213

وَقَول الآخر (بل بلد ملْء الفجاج قتمة ... لَا يشترى كتانه وجهرمه) (والجر فِي هَذِه الْمَوَاضِع بإضمار رب بالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِك فِي الْوَاو لِأَن كلهَا من حُرُوف الْعَطف وَأما كَون ذَلِك صدر الْكَلَام فالعطف فِيهِ على شَيْء مُقَدّر فِي الضميرفكأنه قَالَ فِي نَفسه رب شَيْء كَانَ مني وَرب قاتم الأعماق وَنَحْو ذَلِك وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي وَلقَائِل أَن يُجيب عَن الْوَجْه الأول بِأَن امْتنَاع دُخُول الْوَاو العاطفة إِنَّمَا كَانَ لعدم مَا تعطف عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَلَمَّا فِي اجْتِمَاع الْوَاو من الاستثقال وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْقسم الاستثقال لِكَثْرَة دورانه فِي الْكَلَام وَأما الْجمع بَين الْوَاو وَرب فلمانع أَن يمْنَع أَن هَذِه الْوَاو هِيَ تِلْكَ تكون عِنْد عدمهَا بل عِنْد ظُهُور رب هِيَ عاطفة لَيْسَ إِلَّا وَلَيْسَت الَّتِي يعوض بهَا عَن رب فَيجوز حِينَئِذٍ الْجمع وَلَا يكون فِيهِ دَلِيل وَأما الْفَاء وبل فَلَا شكّ أَن ذَلِك قَلِيل نَادِر جدا بِخِلَاف الْوَاو فَإِن الْجَرّ بعْدهَا كثير شَائِع فِي كَلَامهم وكل من الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمل وَإِن كَانَ الْأَظْهر قَول الْبَصرِيين فَإِذا عرف ذَلِك فعلى قَول الْبَصرِيين لَيست قسما مغايرا لما تقدم لِأَنَّهَا العاطفة عِنْدهم وعَلى القَوْل الآخر الْمُغَايرَة ظَاهِرَة فَيكون ذَلِك نوعا على مَا تقدم وَيَجِيء على الْبَحْث الْمُتَقَدّم أَن الْوَاو مُشْتَركَة لفظا بَين مُطلق الْجمع وَالْقسم وَهَذِه الَّتِي بِمَعْنى رب ثمَّ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة الْمُتَقَدّمَة متواطئة وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 214

٣٦ - فصل الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِرَبّ الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِرَبّ كَثِيرَة مَعْرُوفَة فِي موضعهَا من كتب الْعَرَبيَّة وَالَّذِي يتَعَلَّق بِهَذَا الْموضع مِنْهَا ثَلَاثَة أُمُور نذكرها لتعلقها بِمَا نَحن فِيهِ سَوَاء جعلت الْوَاو عوضا عَن رب أَو كَانَت رب بعْدهَا مقدرَة الأول أَنَّهَا للتقليل أَو للتكثير وَلَا شكّ أَنَّهَا جَاءَت للتقليل كثيرا وخصوصا فِي مَوَاضِع لَا تحْتَمل إِلَّا التقليل مِمَّا يَأْتِي ذكره وَجَاءَت فِي مَوَاضِع يسيرَة تَأتي أَيْضا وَالْمرَاد بهَا التكثير وَقد قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه فِي بَاب كم ومعني كم كمعنى رب إِلَّا أَن كم اسْم و (رب) غير اسْم ففهم جمَاعَة من ذَلِك أَن مَعْنَاهَا التكثير كَمَا أَن معنى كم التكثير وَمِنْهُم ابْن مَالك فَقَالَ هِيَ حرف تَكْثِير وفَاقا لسيبويه والتقليل بهَا نَادِر

стр. 215

وَصرح بِأَنَّهَا للتكثير من الْمُتَقَدِّمين صَاحب الْعين وَقَالَ الفارابي فِي كتاب الْحُرُوف إِنَّهَا للتقليل وللتكثير فَجَعلهَا مُشْتَركَة بَينهمَا وَمُقْتَضى كَلَام ابْن مَالك أَن حَقِيقَتهَا التكثير وَالَّذِي صرح بِهِ دهماء أَئِمَّة الْعَرَبيَّة أَنَّهَا للتقليل وَأَنَّهَا ضدكم فِي التكثير قَالَ ابْن السَّيِّد البطليوسي وجدت كبراء الْبَصرِيين ومشاهيرهم مُجْمِعِينَ على أَنَّهَا للتقليل وَأَنَّهَا ضدكم فِي التكثير كالخليل وسيبويه وَعِيسَى بن عمر وَيُونُس وَأبي زيد الْأنْصَارِيّ وَأبي عَمْرو بن الْعَلَاء والأخفش سعيد بن مسْعدَة والمازني وأبى عمر الْجرْمِي والمبرد وَأبي
следующие страницы →