Полный текст (113 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الذي لما توحد بالأزل والأبد - وتفرد بالدوام والسرمد جعل البقاء في الدنيا علة الفناء - والسلامة والصحة داعية الآفات والأدواء - ثم قسم الأرزاق ووفق الآجال وصير سببها الإشاحة في الأعمال كما سخر الشمس والقمر دائبين على رفع الماء إلى السحاب - حتى إذا أقلت الثقال ساقتها الرياح إلى ميت التراب - وأنزلت إلى الأرض ماء مباركا - فأخرجت به خيرا متداركا - متاعا للأنام والأنعام إلى أن يعود يجريه إلى البحار والاستقرار ويعلم ما يلج في الأرض ويخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها - وقد أحاط بكل شيء علما - وأمضى فيه بقدرته وحكمته حكما - وصلى الله على من كشف به الضلالة - وختم بإرساله الرسالة محمد وعلى من اهتدى بهديه واعتز بعزه من آله وأهل بيته والمنتجبين من أصحابه والله الموفق -.
فصل
قد أزاح الله تعالى وله الحمد علل جميع المخلوقات بكنه حاجاتها وبقدر لا إسراف فيه ولا تقتير وجعل النمو هو زيادة في جميع أقطار القابل له طارية عليه ومستحيلة له سببا وهو الاغتذاء - وصير النبات مكتفيا بالقليل من الغذاء ما سكا له لا ينهضم بسرعة فاقتنع وثبت مكانه - يأتيه رزقه من كل مكان فيجذبه عروق في دقائق في دقة الماء ساريا إلى جرثومته وترفع شخونة الجو بالشمس من أغصانه رطوبا له فينجذب ما حصل في الاسافل إلى أعالي أفنانه وينمو به - ثم يجري إلى ما خلق له بالإيراق والإزهار والإثمار - ولما أسرع انهضم الغذاء في الحيوان وكان منفصلا عن منبته فلم يأته رزقه الذي كان يأتيه في حال الاتصال حتى يشبعه ويكفيه بل دام احتياجه إلى الهضم والخضم جعل منتقلا بآلات الحركة في أكناف الأرض لطلب القوت فأنعم عليه وأعطى للشعور بمالاءمة مما يأتيه وغايره حواس خمسا - من بصر يدرك به المرعوب فيه من بعيد فيسرع إلى اقتنائه والمرهوب حتى يهرب منه ويستعد لاجتنابه واتقائه - ومن سمع يدرك به الأصوات من حيث لا يدركها البصر فيتأهب لها - ومن شم يدله عليها من خواص فيها فيقتفيه وذوق يظهر له به الموافق من الغذاء وغير الغذاء الموافق ولمس يعرف به الحر والقر والرطب واليابس والصلب واللدن والخشن واللين - فينتظم بها في الدنيا معاشه ويدوم انتعاشه -
ترويحة
الحواس تنفعل بمحسوساتها باعتدال يلذ ولا يؤذى دون إفراط يؤلم ويقوى فالبصر محسوسة النور الحامل في الهواء ألوان الأجسام خاصة وان حمل أيضاً غيرها من الأشكال والهيآت حتى يعرف بها كمية المعدودات - والسمع محسوسة الأصوات والهواء يوصلها بحواملها إلى الخياشيم إذا انفصلت من الشموم كانفصال البخار من الماء باختلاط أجزائه المتبددة في الهواء والذوق محسوسة الطعوم والرطوبة تحملها وتوصلها إلى الذائق وتولجها في خلله فان آلاته من اللسان والحنك - واللهوات متى كانت يابسة لم تحس بشيء من الطعوم - وهذه الحواس الأربع متفرقة في البدن مختصة بأماكن لها لا تعدوها - وأما خامستها وهي اللمس فأنها عمت جميع البدن في أعضائه وفي آلات سائر حواسه ولم تنفرد بها دونه وأول ما يلاقى واليه اسبق ما وراءه أولاً فأولاً بحسب اللين واللطف الا أن يبلغ الأغلظ الأكثف من دعائم البدن فيزول به حس اللمس عن الطعام -
ترويحة
стр. 2
المشاعر - وإن جعلت طلائع الحيوان للاقتناء والاتقاء فأن نوع الإنسان قد فضل جملة الحيوان بما شرف به من قوة العقل حتى أكرم بمكانها ورشح للخلافة في الأرض على التعمير وإقامة السياسة فيها ولهذا أذلت له طوعا وكرها فانقادت مسخرة لمصالحه ليلا ونهارا - قال الله تعالى (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون) ولولا هذا الأنعام على الإنسان لما قاوم أدونها وهو مختلف في القوة عرى عما لها من آيات الدفاع والنزاع صادق في قوله المحكي عنه سبحانه (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) ثم لما أكرم بتلك العطية وأهل التكليف من بين البرية ليتأيد بكسبه بعد المنية إذ الرغائب بالمتاعب ونيل البر بالأنفاق من الخبائب أفرد من حواسه اثنتان هما السمع والبصر فجعلتا له مراقي في المحسوسات إلى المعقولات - أما البصر فللاعتبار بما يشاهد من آثار الحكمة في المخلوقات والاستدلال على الصانع من المصنوعات - قال الله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) وقال (الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خائسا وهو حسير) وقال تعالى (وكائن من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) واما السمع فليسمع به كلام الله بأوامره ونواهيه ويعتصم فيها بحبله فيصل إلى جواره ويبلغ حق مأمنه وليس ذلك بخفي عن خاص او عام أعشى بني ربيعة:
كأن فؤادي بين جنبي عالم ... بما ابصرت عيني وسمعت أذني
فأنه أبان حصول العلم بهاتين الحاستين وأضافه إلى الفؤاد دون الدماغ فأنه الرأي المشهور بين الكافة قال الله تعال (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) وقال أبو تمام:
ومما قالت الحكماء طرّا ... لسان المرء من خدم الفؤاد
وقال جميل بن معمر العذري:
إذا كنا بمنزلة للهو ... نخاف السمع فيه والعيونا
لأنها آلتا الرقيب فيتأمل من الخلل ويتسمع حتى يقف على المغيب عنه - فليس يعرف قدر النعمة في شيء الا عند فقدها فلذلك لا يعرف فضيلة هذه الحاسة إلا بعدمها في للأخرس وقياسه غلى الاكمه بعدم البصر حتى يتحقق قول الله تعالى (افأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يُبصرون) غلى قوله (أفانت تُسمع الصم ولو كانوا لايعقلون) وكقوله في التأنيب كإعدام النهار والليل - وأما الحواس الباقية فأنها بالبدن أليق منها بالنفس وبحيوانيتها أشبه منها بالإنسانية وان كان الإنسان تصرف فيها أفكاره واستنباطاته حتى بلغ بمحسوساتها أيضاً إلى أقصى غاياتها -
ترويحة
الاستئناس يقع بالتجانس حتى قيل (إن الشكل إلى الشكل ينزع والطير مع ألافها تقع) ألا ترى الابكم ان سائر الناس عنده بكم لأنه لا يتمكن من مخاطباتهم الا بالإشارات والإيماء بالأعضاء إلى علامات تدل إلى الأرادات كيف يسكن غلى اخرس مثاه إذا وجده وكيف يقبل عليه بكله كمن وجد إنسانا بفهم لغته فيما بين قوم لا يفهمون لغته عنه - قال الله تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ليسكن إليها) وقال تعالى (ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) فإذا انضاف إلى ذلك أمن الشر فهو الغنيمة الباردة التي يتضاعف بها الأنس ويزول النفار وان حصل في البين انتفاع عائد على أحدهما أو كليهما فذلك اقصى الغايات في ائتلاق الأهواء المؤدي عند التكاثر إلى التعاون المفضي بهم إلى الاجتماع قرى ومدنا ودساكر -
ترويحة
الإنسان في جبلته مركب البدن من أمشاج متضادة لا تجتمع إلا بقهر قاهر والنفس في أكثر أحوالها تابعة لمزاج البدن فتتلون لذلك وتختلف أخلاقها ومعلوم أن المقهور على اجتماع دائم النزاع إلى إزالة القهر عنه بالافتراق وان وكد الضد هو مغالبة الضد الذي له وأحالته إلى ما عنده وإن كان سبب ما يلحق الحيوان من الآفات والأدواء التي تهتاج من داخله من المتضادات المطيفة به من خارج ثم ان الإنسان يعراه في ذاته ومسكنته بعدم آلاته مقصود بالبلايا من غيره دائم الحاجة إلى ما يقيه والاضطرار على ما يكفيه - قال:
стр. 3
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقى
وليست من جنس واحد فيستقل بعبئها ويكفيه معاون عليها إنما هي أنواع فلا يفي بها الانفر ولهذا احتاج التمدن - وقد خالف الله عز اسمه من أجل التخيير والتحزب وهذا الاجتماع في القرى بين الأهواء والهمم كيلا يطبقوا على اختيار واحد هو الأفضل فيضيع ما دونه ويؤدي تساويهم إلى هلاك جملتهم - فلما اختلفت المقاصد والارادات افتنت الحرف والصناعات واتخذ بعضهم بعضا سخريا - يعمل له بالعدل دائما في التعاوض في التسخير بالجور والاستيجار لا يدوم ولا يستقيم الا ان كثرة الأراب وتباين أوقاتها واستغناء الواحد أحيانا عما عند الآخر ألجأهم إلى طلب أثمان عامة بدل الاعواض الخاصة فاختاروا لها ما راق نظره ورواءه - وعز وجوده وطال بقاؤه - ثم انقاد للتعظيم بالتوحيد والتصغير بالتجزئة والتبديد والتختم بالتنقيش والتصوير مترددا بين صنوف الهيآت والصور ثابت هي ولاؤه ومادته - وكما أن الله أزاح علل خلقه من الآلات وهدى الإنسان بالعقل المنبه على الآيات ثم أرسل صلوات الله عليهم أجمعين المرشدين إلى صلاح العقبى وبالملوك خلفائهم في الورى بحمل الكافة على قضية العدل في مصالح الدنيا كلها - كذلك لرأفته على خلقه وظاهر عنايته بهم حزن لهم قبل خلقه إياهم جميع الموزونات في أرحام الأرضين تحت الرواسي الشامخات الانتفاع بها في الاجتلاب والدفاع - إليه يرجع قوله تعالى - (والقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون) ثم قدر في الفضة والذهب جميع ما صالح الناس عليه حتى يحكى أثمان المطلوبات وهداهم إليها فاستخرجوها من معادنهما التي عديا فيها دهورا ووكل السياسة بهما ليحفظوهما من تمويه الخونة أشباههما المغايرة إياهما إبدالاً عنهما وليهذبوهما عن الأدناس بالسبك والطبع فما من حق مع محق الا بازائه بأكل مع مبطل يروم به تروجيه في مكانه - وهذا وأمثاله هو المحوج أولى الرياسة إلى مراءاة شروط السياسة ليستحقوا اسم الخلافة في الخلق وسمة الظل في الأرض عند التقبل بأفعاله سبحانه في التعديل بين الرفيع والوضيع والتسوية بين الشريف والضعيف من خلائقه ووفق اللَه تعالى للخير كل مستوفق إياه -
ترويحة
لما سهل الله على الناس تكاليف الحياة وتصاريف المعاش بالصفراء والبيضاء انطوت الأفئدة على حبهما ومالت القلوب إليهما كميلها في أيديهم من واحدة إلى أخرى واشتد الحرص على أدخارهما والاستكثار منهما وجل محلهما من الشرف والأبهة وضعا لا طبعا واصطلاحا فيما بينهم لا شرعا لأنهما حجران لايشبعان بذاتهما من جوع ولا يرويان من صدى ولا يدفعان باسا ولا يقيان من أذى وكل ما لم ينتفع به في غذاء يقيم الشخص ويبقى النوع وفي ملبوس يدفع بأس الناس ويقي أذى الحر والبرد وفي كن يعين على ذلك ويقبض به الشر فليس بمحمود طبعا - وإنما حمد بالعرض وضعا غدا حصل به ما يضطر إليه وأعوز بغيره - ولذلك سموه خيرا كالمطلق لاحتوائه على المناجح في المآرب ونطق التنزيل بما تعارفوا به قال الله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيرا) وقال (منّاع للخير معتد اثيم) وقال (انه لحب الخير شديد) وجرى على الألسن - أن الجائد بالدرهم جائد بجميع الخير لأنها في ضمنه وان لم يكن ذلك طبعه
стр. 4
فقد أخبر بعض من سافر بالبحر أن الريح أفضت بمركبهم إلى جزيرة عادلة عن الجادة فارفوا عندها وانه خرج مع الخارجين إليها ودفع غلى من رأى حاجته معه دينارا فأخذه وقلبه وشمه وذاقه فلما لم يؤثر منه في هذه الحواس أثر نفع لذة رده عليه إذ لم يستجز دفع ما ينتفع به بما لا نفع له فيه - وهذا لعمري هو المعاملة الطبيعية التي بها حقيقة نظام المعاش في المتمدنين للتعاون - وأما المعاملة الوضيعة فعلى الأعم فيما اتصل بنا خبره من البلدان والممالك هي بالفلزات التي ازدانت في اعين الناس وشغف بها قلوبهم لصرف الله بلطفه إياها إليها اصطلاحا بينهم لا لأنفسهم - قال الله تعالى (اعلموا إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) وقال جلّ ذكره (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب) وأبان سبحانه عن صلاح المعيشة بالنساء وقرة العين بالبنين وقوة القلب بالاحتكار وإدخال الأموال وإنها لا نقنطر إلا بالصعلكة والسلطنة أو الرهن والدهقنة - وأنكر ذلك من الكانزين فقال (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) وسبيل الله فيما خلقهما له من انتفاع الناس بترددهما في أيديهم أثمانا لمصالحهم فمهما كنزا انقطع الانتفاع للخلق بهما وخولف أمر الله ومشيئته فيهما وغطت منته بردهما إلى مثل حالهما الأولى في بطن الأرض كرد الأجنة من المشيم إلى الرحم للأم فان الذهب والفضة إذا أخرجا من معادنهما صارا كالزروع المحصودة والأنعام المذبوحة لا يسوغ غير أكلها وأنفاقها - وكذلك هذا المال ليس له بعد الاستنباط غير الطبع عينا وورقا وترديده في الأيدي على حسبة تجارة أو إيتاء حقوقه -
ترويحة
المروءة تقتصر على الرجل في نفسه وذويه وحاله والفتوّة تتعداه وإياها إلى غيره والمرء لا يملك غير نفسه وقيته التي لا ينازع فيها أنها له فإذا احتمل مغارم الناس وتحمل المشاق في إراحتهم ولم يضن بما أحل الله وحرمه على من سواه فهو الفتى الذي اشتهر بالقدرة عليها وعرف بالحلم والفوق والرزانة والاحتمال والتعظم بالتواضع ترقى إلى العليا وان لم يكن من أهلها وسود باستحقاق لاعن خلود دار كما حدّث جحظة البرمكي أنه كان رجل بالبصرة يلبس كل يوم أحسن ثيابه ويركب افره دوابه ويسعى في حاجات الناس - فقيل له في ذلك فأجاب - إني قد تلذذت بصافي عقار الدنان وشربتها على اوتار مجيدات القيان كأنها أصوات الأطيار في الأشجار بغرائب الألحان في أطيب الزمان فما سررت منها بشيء سروري برجل أنعمت عليه فشكرني عند الأخوان - ولهذا حدت الفتوّة بأنها بشر مقبول ونائل مبذول وعفاف معروف وأذى مكفوف وكان توسل إلى إسمعيل بن احمد الساماني أحد إخلاف أهل البيوتات بآبائه فوقع في كتابه - كن عصامياً لا عظامياً - عنى قول الشاعر -
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والأقداما
وإليه يرجع قوله تعالى (الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) وقال بعض اليونانية من مت بقراباته وافتخر بسالف أمواته فهو الميت وهم الأحياء - كما قال الشاعر:
إذا المرء لم ينهض بنفس إلى العلا ... فليس العظام الباليات بمفخر
وربما افرط الفتى فتجاوز إيثار إفراط الغير على الملك إلى بذل النفس انفه من تحمل العار أو دفعاً للظلم وحفظاً لحق الجوار إما بالبسالة كالمذكورين في صعاليك العرب فمنهم الذين فدوا أضيافهم والمستجيرين بهم أنفسهم حتى ان فيهم من خرج به فعله إلى سخف او جنون من حمايته الجراد النازل حول خبائه وقتاله دون صيدها - وإما بالكرم والسماحة كحاتم الطائي الذي غرر بنفسه في هبة الرمح لخصمه وقد أشفى على الهلاك وبلغت نفسه التراقي فاحتال بأستيهابه الرمح فاستنكف حاتم عن رده ودفعه إليه - وككعب بن مامة الأيادي بإيثار القرين بحصته من الماء المقسوم بالحصى إذ قال - اسق أخاك النميري - فسقاه إياه حتى هلك عطشا قال الشاعر الجود بالنفس أقصى غاية الجود وقال آخر:
وليس فتى الفتيان من راح واغتدى ... ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى
لشرب صبوح أو لشرب غبوق ... لضر عدو أو لنفع صديق
وقال علي بن الجهم:
стр. 5
ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكن عارا ان يزول التجمل
عنى بالأول الفتوة إذ لم يتمكن منها إلا بسعة اليد واتساع النعمة - وربما استوى الاجتهاد في حيازتها ولا ملام على من لم تساعده المقادير على نيل المطلب٠ وعنى بالأخير المروءة فأن مرارة أنفس الأحرار تأبى الانخزال وتبعث على التصون من الابتذال فيظهر السعة ويخفى الضيق ما أمكن حتى يحسبهم الجاهل بأحوالهم أغنياء من التعفف لما يراهم عليه من التوسعة في النفقة والنظافة في البدن والنقاء فيما جاوره من الشعار وإشراك الغير فيما رزقه الله ولم يحرمه من غير امتنان ولا قهر لأجله على امتهان كما علّم الله وأدب بقوله تعالى (ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) واخبرنا بإحباط نفقات الذي يرائي لغرض مذموم من غير ان يهزه لها كرم أو يحتسب منها عند الله قبولاً يحصل له به أجر -
ترويحة
العاقل لا يلتذ إلا بالأمور النفسانية الباقية والغبي عن حقائق أحوال المحسوسات وإيذانها باللذات يجعل عينه على ما زين من الأرض بصنوف الزينة ووشح به من الزخارف البهجة التي تطرب الحيوان غير الناطق فليعب فيها ويتمرغ في لينها وتأخذه الأريحة من روائحها فضلاً عن الناطق المميز لكنها - غنما يلذ العاقل لذة نفسانية إذا لاحظهما بعين البصيرة والاعتبار كما يلذ الغافل لذة جثمانية في الاصطباح، والاغتباق والتقلب بين الخمر والخمّار ولما لك يبق له ولأمثاله إلا مدّة يسيرة دومت بعدها وعقبها عند تصرم آجالها فسادها حتى اصفرت بعد الخضرة وتحطمت في اثر النضرة وعادت هشيما تذروه السوافي وتجعله العواصف هباء وتحمله السيول غثاء فيذهب جفاء عوضاً منها وهي افاقية تذاكير بقيت في أنفسهم بقيت لهم بعد انقضائها والوجنات الوجلة مراي الغرار المعصفر والشنبليد المزعفر والاحداق الرواني مناظر العبهر والشفاه اللُعس فيق الجلنار والشقائق وشنب الثغور البيض حواشي القاحي غب المطر وزقب الشوارب وإلا عذره رياض الخيري والبنفسج لكن هذه التذاكير لما كانت أعراضاً محمولة في أشخاص محدودة الأعمار بالية على معاورة الليل والنهار لم تخلد خلودها في ولدان الجنة المخلدين على حالهم الباقين على صفاتهم الموعودة دون الفرطة التي ظنها بعضهم الخلد فأقيم لها بدلها من الجواهر المخزونة تحت الثرى الأحجار المنضودة ومن المكنونة المصونة في أعماق البحار المسجورة ما كان أبقى على قرون تمضى وأحقاب تمر وتنقضي - وكانت منّه عليهم في قوله تعالى (يخرج منها اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان) وقوله تعالى، (وتستخرجون منه حلية تلبسونها) وشبه بها ساكنات الجنة فقال عز من قائل (كأنهن الياقوت والمرجان) ولولا الزينة فيها لما انفصلت عن الذهب والفضة فان سبيلهما في عدم الغنى عند الضرورات سبيلهما بل هي مختلفة عن فضلهما في تثمين الحوائج والحاجات فانها كذلك مثمّنة بهما - وربما كانت على وجه التعويض مزيحة العلل وهي جواهر جسمانية نفاستها بما يحسن الحس منها فيمدح بحسب ذلك مادامت مستبدة به فإذا قرنت بالجواهر النفسانية انكشفت وذم منها ما كان يحمد على مثال وصف أبي بكر الخوارزمي رجلاً، انه درّة من درر الصدف وياقوته من يواقيت الأحرار لا من يواقيت الأحجار -
ترويحة
стр. 6
الملذ بالحقيقة ما ازداد الحرص عليه إذا دام اقتناؤه - وهذه حالة النفس الانسانية عند استفادة ما لا يعلم إلا ان يغلبها البدن عند طلب الراحة من تعب المساعي ويلهيها عمّا كانت فيع بسبب العجز عن استماع حين تخل الحواس بأفاعيلها وتقتصر القوة المتخيلة في النوم على تخايلها واللذة في عرفان المعاني التي في حشو الاصوات المسموعة فانها إذا تجردت نغمات خالية عن معنى يفيده ماتها النفس على طبيعتها فاستروحت منها إلى السكون والسكوت؟ - وأما اللذات البدنية بالتحقيق معقبة الآلام مؤدية إلى الاستقام تمل إذا دامت وتؤذي إذا افرطت يكفيك دليلاً عليه طيب الطعام فان غاية ما تشتهي منه في أوائله ثم ترجع القهقرى متناقصاً إلى أن تبلغ في أواخره إلى حد يفضي إلى الغثيان والتهرع والقذف أن غشى تبعه إكراه عيه خلاف التلذذ النفس بمعاملها فإن له مبدأ يقبل على الازدياد غير واقفة فيه عند غاية بل يزيد إيقاناً أن أطائب الدنيا خبائث ومحاسنها قبائح؟ أمر الجماع الذي يستهتر بع المسرفون على أنفسهم فغنك ترى المجامع يروم ما لايقدر عليه من الاتحاد بسكنه والاندساس بكليته في جوف عشيقته لولا المانع من بلوغ غايته الباعث على الرجوع غلى الوراء لإعادة الفعل برجعه قد ضامها العناق ليتلاصق الصدران ويتقارب القلبان وناسمها ليتصل الأنفاس ويشترك النسيم بين الفئدة والأحشاء وأدخل لسانه في فيها يردده بين الحنك واللهوات ويرتشف الريق من الثنايا واللثات ليفعل بالفم مثل فعله بالهنء فتتضاعف اللذة بتثنية الفعل إلى أن يفرغ بالإفراغ ويصرع أشد الصراع كالعائذ النذور - والمخالف يستريح بالجهد من الجهد وينبطح على حال المرحمة فإذا انتعش عاد أليه كالمخمور من العقار وقد أكسبته الانسية الاختيار فيما هو للبهيمة ضروري طبيعي - كما حكى عن المتوكل أن أعضاؤه ضعفت عن حركات الرهز ولم يشبع من الجماع فملى له حوض من الزئبق وبسط عليه النطع ليحركه الزئبق من غير أن يتحرك فاستلذه وسأل عن معدنه فأشير إلى الشيز بآذربيجان فولى حمدون النديم ثم ليجهز إليه الزئبق - فقال -
ولاية الشيز عزل ... والعزل عنها ولايه
فولني العزل عنها ... ان كنت بي ذا عنايه
وتضرع حتى أعفاه - وهذان ألمان التجاء في ضعف القوة وفي معرض اللذة ونوعان من الأذى خيلا بصورة الطيبة ونصبا فخين في مصائد الخلقة والطبيعة مقصورة بهما إبقاء الشخص مدة والنوع دائماً ما بقيت اللذة والطيبة مكثوا ويغتر بهما الغر وينخدع لهما الغبي عمّا بفعل حتى يحصل منهما الغرض الإلهي في تعمير العالم بالحرث والنسل والحيوان ثم أن الإنسان خاصة معرض لعارض التغير في النطهة ان سلمت منه في أصل الجبلة وكذلك لتوسط القذار الوسخة والخبائث الدنسة منه بين المغيض والفوهة في جوف الشورة فيكره استنكافه عقيب النوم وعلى الجوع وفي البكر بعد ذلك التنافس في إتحاد النكهتين بالقبل والريق والرشف - قال ابن الرومي -
كذلك أنفاس الرياض بسحرة ... تطيب وأنفاس الورى تتغير
стр. 7
ولا يخفى مع ذلك أنه دائم التعرق أما باحتدام الهواء المحيط وأما بإنعام التدثر للأمان من برده وأما بمتاعب الحركات في مطالبه ومقاصده فيزدحم في مسام جلده ما كان يخرج بالنفشاش رويداً والتحلل الخفي قليلاً قليلاً إلى ما إذا تراكم في الإبط ذوى بالصنان وان مكث في الارفاغ وخلل الأصابع وباطن الأقدام لم يخل من مكروه والنتن الجوربي بل هو بصدد ريح الحمأ المسنون تفوح من بشرته عند تحّاك الأعضاء الذي لابد منه في الحركات يربكه حك باطن احدى المعصمين على أختها بالتواتر إلى أن يحمان وما في البدن موضع الأوله من العرق والوسخ قسط وان خفى أحياناً عن البصر - والرأس أشرف عضو فيه كما قال ابن أبي مريم التعمم والتلئم عندما سئل عن سببه؟ ان عضو اجمع ما أعرف به الدنيا واصل بمشاعره إلى المطالب القصوى لحقيق أن أشرفه بالزينة وأخصه بالصيانة عن الأذى والقذى - فتأمل ما ينبع من منافذه دائماً ويسيل منها متتابعاً من قذر تكره رؤيته ويجتنب مسه بل يستقذر ذكره ثم ربما حسنه عند نعضهم هو النفس الأمارة بالسوء بعزوب اللب في جنون العشق المغطى على عيوب الحب فاستحسن منه قطرات دموعه وشبهها بنثر الدر واستطاب طعم رضابه فمثله بالأرى والخمر وريح نفسه بسحيق المسك والعنبر ولم يشعر لخلاعته ومحونه يقبح ما استحسن إلا إذا تم عليه مفارقة ذلك المستطاب بدون المحبوب أدنى مفارقة أو جمود ما سال من العين والفم فان الدمعة بمكثها في المأقين تنعقدر مصا رهو ببياضة أشبه بالدرة الصافية والبلورية ومتى زايلت عينها والخد - وتلك الريقة شفتها والثغر كرهها ذلك المستطيب ويحتويه وأستجسها بالمس فضلاً عن الذوق وما أظنه مسيغا لمطعوم إذا تفل فيه معشوقة شيئاً من لعابه سيما إذا كانت مع سعلة تصعد بحاء التنحنح نفثا من الرئة إلى الشفة وبخدر بحاء التأخخ لزج الدبس بين الخياشيم إلى الحلاقيم وان عسى علاه اللجاج كانت الحكومة إلى امرئ برئ من آفته فلن يعاند في ان نفسه أحب شيء إليه وان ما يحب سواه فلاجلها وان حبه إياها يخفى عليه عيوبها وعوارها - (فحبك الشيء يعمى ويصم) ثم انه لن يستحسن من نفسه ولن يستطيب منها ما استحسن ذلك من غيره واستطاب ولكنه يستقبحه ويستقذره فيضرحه ولهذا ورد في الأثر نهى عن النفخ في المطعوم والمشروب فيستبن بذلك أن الأصل فيما ذكرناه هو الاستقباح وان الاستحسان فيه عارض حادث والعارض لا محالة زائل وإلى الأصل آئل -
ترويحة
للناس في دنياهم أحوال مختلفة يتقلبون فيها فيحمدون على بعضها ويدمون على بعض وفضل المحامد ظاهر من كراهة صاحب الدام أن يذكر بما فيه منها وحبه التكذب في نسبة المحامد إليه وان لم يكن فعلها هرباً من الخزي وظناً أنه بمفازة من العذاب ثم أن المحامد قطبها المروءة ومدار المروءة على الطهارة والنظافة والمقتدر عليها باختيار وهو الممكن من الوفر والخارج عنها هو المفتقر الطهر - بالفقر وفيما بينما المكفى في عيشته المرام بمادة تدور ولا تنقطع عنه وسعادته في صديق مخلص ممدوح الخليقة محمود السيرة والطريقة قد اتحدا بالنفس وتغايرا بالبدن كالقول في حق الصديق انه أنت إلا انه غيرك - بنفر كل واحد منهما عمّا لا يرضاه لصاحبه ما يريده لنفسه - واعتبار من أعداد الأصدقاء والندماء كمثله بالواحد فانه محدود بالمبدأ وما وراءه من أعدادهم فليس له حد غير مقدار الحال واتساعه لاصطناعهم وارتباطهم حتى تكون المروءة عند تكاثرهم على حالها ويكون بهم الترقي إلى مراتب الرياسة والملك - والهمة تعتلي بحبالها الخير ورة في طلب الخير لكافة الخليقة عامّة وأهل الجنس خاصّة تمنيا عند العجز وفعلا لدى القدرة - ونفي الإنسان أقرب قريب منه وأولى من تقدم في طلب الخير لها وبعدها ما طاف لها من مواقفتها أدناها فالأدنى من ملبس يماس بدنه ويباشر بشرته وكن يحيط به وخادم يقوم لحاجاته ومطعم ومشرب في أوانيه وآلاته فاما الحسن في الصورة والجمال في الهيئة فهما محبوبان يرغبون فيهما ممن يلاقى حتى أن رسول الله ﷺ كان يستوفد حسان الصور والأسماء وكان ينقا الأسماء المستكرهة في الناس والبقاع والجبال إلى الأسماء المستحسنة - لكن الصور عطايا في الأرحام لا سبيل إلى تغييرها لأحد من الأنام
стр. 8
وأما صور النفس في الأخلاق والسير فما لك هواه قادر على نقلها من المذام إلى المحامد مهما هذّب نفسه وداواها بالطب الروحاني وأزال عنها أسقامها بالتدريج والطُرُق المذكورة في كتب الأخلاق - وأول ما يلاقي منن بدن الإنسان بشرته ومنظر صورته ولئن عجز عن تبديل الصورة أنه لن يعجز عن تنظيفها إذا استنجس التخلف فيه عن الحيوان غير أن الناطق كالسنانير الأهلية لما ساكنت الناس في دورهم وأوت إلى ما واهم حفظت مجالسهم وفرشهم عن نفض الفضول فيها وأفردت لها موضعاً هو لها كالمستحم للإنسان ثم قامت طبعاً ما أمر الله به شرعاً في قوله تعاى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم غلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وارجلكم إلى الكعبين) - فتأمل تنظيفها بإخفاء السوءة تحت التراب باحتياط يخفى فيه وتنقطع رائحتها ثم إقبالها على تنظيف المخرجين بمثل الطهور وتطهير الأطراف باللحس وغسل الوجه والتعطس بحك المناخر بالبرثن من القائم مقام السبابة في الجانب الأنسى من أيديها حتى تنقص الرطوبات عنها بمثل المضمضة والاستنشاق ثم المس على الرأس والأذنين بالكف المندى بالريق - ومدار الأمر في نظافة الإنسان على الماء الطهور الذي يراح من ريحه وطيبه روح الريح ويوجد به طعم الحياة وليس بنقى ما يكره منظرا وريحا من الأدناس غيره أو ما يشابهه فينوب عنه المياه المحظورة في الأمور الشرعية فانها تفعل في هذا الباب فعله - ووصايا العرب والعربيات بناتهن ترجع إليه وتدور عليه - قال عبد اللَه بن جعفر لأبنته حين زوجها أياك والغيرة فأنها مفتاح الطلاق وأنهاك عن أكثار العتاب فانه يورث البغضاء وعليك بالزينة وأزينها الكحل وبالطيب وأطيبه الماء - وزوج عامر بن الظرب العدواني ابنته من ابن أخيه وقال لأمها مري ابنتك أن لا تنزل الفلاة إلا ومعها الماء فانه بلاء على جلاء وللأسفل نقاء وان لا تمنعه شهوته فان الحظوة في الموافقة ولا تطيل مضاجعته فان البدن إذا مل مل القلب - وقال أحدهم لابنته ليلة الهداء، كوني لزوجك أمة يكنلك عبدا وعليك باللطف فانه أبلغ من السحر والماء فانه رأس الطيب - وأوصت أم ابنتها فقالت، كوني له فراشا يكن لك معاشا وكوني له وطاء يكن لك غطاء وإياك والاكتئاب إذا كان فرحا والفرح إذا كان مكتئبا ولا يطلعن منك على قبيح ولا شيمن منك إلا طيب ريح ولا تفشين له سرا إلا تسقطين من عينيه وعليك بالماء والدهن والكحل فانه أطيب الطيب وقالت أم لأبنتها عطّري جلدك وأطيعي زوجك واجعلي الماء أكثر طيبك - وقالت أخرى أدنى سترك واكرمي زوجك واجتنبي المراء والستطيبي بالماء وقالت أخرى، لا تطاوعي زوجك فتمليه ولا تعاصيه فتكسعيه واصدقيه الصفا واجعلي طيبك الماء - فهذا هذا وهذا نظف المتجمل البشرة ونقى المنافذ والأجحرة بصب الماء وإدامة الاغتسال حق له أن يزيد في تحسينها ويزينها بالألوان التي هي محسوس البصر بمعونة الضياء أما في البدن فبتبييض البشرة بالغمر وتوريدها وخاصة إن كان بها صفار أصلى أو عارض ثم تسويك الأسنان وتسنينها وتنقية الأشفار والعين وتكحيلها وخضب الشعر عند الحاجة وترجيلها وقص أطراف بعض ونتف بعضها وقلم الاظفار وتسويتها - وأما في أحاط بالبدن فالثياب أولاها وأولها لمماستها إياه فواجب ان ينظفها غلى اللون العام المحمود وهو البياض ويصقلها لئلا يتشبث الغبار والدخان بها أو بلونها بحسب الوقت وعادة أهل الزمان في البلاد فتزول آفاتهما عنهما ولتشابه الجواهر التي خلقت للزينة - قال عمر بن الخطاب رضي الل! ّه عنه حين سئل عن المروءة ما هي فقال، إنها النظافة في الثياب - وكما قال غيره، المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة - وهذا لأن من نظف ثيابه يبدأ ببدنه لئلا يدنسها باوساخه ودرنه من داخلها وتلاه بالبيت والمجلس كيلا يلوثها ويتربها من خارج فتم المراد في الجميع بوساطة الثياب ويكفيه في ذلك باعثا على ذلك ما قيل في من خالفه -
لا يليق الغنى بوجه ابي الفت ... ح ولا نور بهجة الإسلام
وسخ الثوب والعمامة والبر ... ذون والوجه والقفا والغلام
стр. 9
ولجلالة محلها في هذا الباب عبر عن طهارة النفس والقلب بنقاء الثوب والأزرار والجيب - وقال بعض أهل التفاسير في قوله تعالى (وثيابك فطهر) أن معناه قلبك ونيتك وهو محتمل وظاهر الآيه وباطنها كليهما في نهاية الحسن على موجب العقل - وهذا هو صفة المروءة على أقل حدودها فإن كان بعضهم وصفها بأنها حب الرياسة لا تنال إلا بالصيانة وبذل الجهد - وهذه صفة الفتوة لا المروءة - قال النابغة -
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
قالوا في السباسب أنه يوم الشعانين لأن البيت مقول في الغسانية وكانوا على النصرانية وكأنهم عنوا بالريحان ما كان في أيدي الداخلين مع المسيح ﵇ بيت المقدس من قضبان الزيتون والأترج وهو تخريج غير بعيد ولكن المقصود في البيت عزة الرياحين أيام قطه المهامه وانهم يحيّون فيها بهلولا يعوزهم ما يعوز غيرهم مثل ما يحمل من الرياحين والبقول في البادية مع من حج من الملوك وكبار المترفين - وكل ما عز وجوده يتيمن به - قال بكر بن النطاح الحنفي -
جئتك بالرامش رامِشْنة ... أطيب من رامِشنة الآس
وهذه الرامشنة ورقتا آس متحدتان إلى الوسط متباينتان منه إلى الرأس وتوجد في الندرة فيحيى بها الكبار وخاصة الديلم - ويتلو الثياب زينة الجواهر أنفسها بحسب الرسومم المعتادة في كل بقعة ولكن طبقة من الخواتيم للذكران والتيجان للملوك وما رصع من الوشح والمناطق والقلانس والقفازات والقضبان والأعمدة لهم ولمن مثل بين أيديهم وللإناث ما لهن من المدارى والأكاليل والأسورة والخلاخيل والحبيرات والمعاضد والعقود حتى يتعداها المبذرون والمترفون إلى ما هو أبعد عن البدن حتى حيطان الدور وسقفها وأبوابها ورواشنها فيجعلونها بمثل حليهم - كل ذلك لتحسين أول ما يلاقى منهم وإظهار التفاخر والتكاثر لتلويح عزة الاستغناء وفضل الاقتدار وبالتمويه لا بالتحقيق -
ترويحة
стр. 10
ان من أظهر الأدلة على كمال المروءة تكميل النظافة بالأرايح الأرجة التي تتعدى إلى الغير فتلذه وترغبه في الاقتراب والمناسمة وتخفى ما في الإنسان من العوار والوصمة وإليها يرجع قول من حد المروءة إنها الإرادة للغير ما يراد للنفس - وقول من حدها باجتناب المحارم وكف الأذى - بل لوحدت بالاعتصام بالديانة لمل خرج عنها ما قالوا فالدين يوجب العدل والتسوية وقمع الظلم الذي يراد للنفس وإعانة المظلوم ولم يبعد من وصفها بأن لا يعمل سراً ما يستحي منه في العلن - ومن حسن خلقه بتحسين الخلق وهيأ مطعمه بالطيب من الحلال وأشرك فيه غيره بالتسوية واحتشد فيما زاول بالنظافة وتممه بالطيب الذي هو أحد ما حبب إلى الرسول ﷺ من علائق الدنيا فقد سرّ أكليله وآنس جليسه وأكرم نديمه وكفّ أذاه وأراد له ما أراد لنفسه وخرج عن العهدة الواردة فيمن منع رفده وأكل وحده وضرب عبده ومما يشبه نظافة الثياب ان كان معناها الطوية وتدعوا إلى حسن الطاعة وعز القناعة والأخذ بالأصوب في اليوم والعاقبة ان معز الدولة أحمد بن بويه كان يفرط في التشيّع وانه أشخص من نواحي فارس أحد كبار العلويين مشتهر بالديانة وحسن السيرة والصيانة واسر إليه بتبرمه بتقبيل أكمام االمخانيث يشير بذلك إلى المطيع وانه إنما استحضره ليوصل الحق إلى ذويه ويسلم الملك والخلافة إلى أهليه ةانه أولى بسياسة الأمة بحق الوراثة وما خصه الله وجمعه فيه من الفضل والعدل وحسن الطريقة - فدعا إلى العلوى وشكره شكراً كثيراً ومدحه على اعتقاده في أهل بيت الرسول ﷺ وأولاد البتول وأحمده على ما نوى من التقرب إلى الله تعالى بإنعاشهم وإعزاز الدين بهم ثم استأذنه في الإفصاح بما عنده في ذلك فأذن له فقال ان عامة الناس في الأقطار والأمصار قد اعتادوا الدعوة العباسية ودانوا بدولتهم وأطاعوهم كطاعة الله والرسول ورأوهم أولى الأمر وتزاحموا على الأنقياد إلى ولاتهم ولم يعهدوا غلى العلوية الناجمين غير الأسر والقتل فاعتقدوا فيهم العصيان والكفران بالخروج على خلفاء الله وولاة الأمر فإذا فعلت ما أضمرته وازمعته بادهت الجمهور بما تعودوا غيره فلم ينقادوا له دفعة وحسدك من لا يخالفك في العقد على اتحاده ذلك بك دونه فلن تستغن في نقل الملك من قبيلة غلى اخرى عن حروب تتوالى عليك حتى تضجرك وأنا سببها فتراني حينئذ بعين المقت والبغضة وتنطوي فيما فعلت إلى الندامة والحسرة فيحيط اجر ما انتدبت له من تلك الفعلة - هذا إذا رزقت في مغازيك الفلح والنصرة وأما إن جرى الأمر بخلافه فقد زال ملكك ولم يستقر بي قرار ما دمت في دار السلام إلى أن أتحول إلى بخوت بحشاشتي إلى دار الحرب وعبدة الأصنام فما الذي يدعوك إلى التعرض للحتوف والمهالك وأنا الآن حيث أسكن معظم مبجل فاضل النعمة على كل تاني ودهقان نافذ الأمر في القاصي والداني لاترتفع فوق يدي يد رئيس أو عامل أو أمير فخل بيني وبين ما رزقني الله تعالى لا تهنأ به تهنؤك ولا تستنكف كُم هو أنظف واطهر كثيراً من شفاه دسمة وثغور وسخة وأنفاس بخرة تولع ليلاً ونهاراً بتقبيلها ولست تأنف منها ولا تستقذرها وسل الله ما فيه صلاح دينك ودنياك وارتهن دعائي لك بالخير في عقباك - فأضغى معز الدولة إلى قوله وقبّل رأسه وعينيه وصرفه إلى وطنه مكرماً معظماً ولم يتخلف عنه من ينشد ما قيل بفكرة ثاقبة ويعمل عليه -
إذا كنت في نعمة فأرعها ... فان المعاصي تزيل النعم
فبه تنال النجاة في الدنيا والآخرة ورضى أولياء النعم من الله تعالى ومن الأنس -
ترويحة
стр. 11
الناس كلهم بنو أب وأشباه في الصور لايخلون فيما بينهم عن التنافس والتحاسد الذي في غرائزهم بتضاد أمشاجهم وأمزجتهم وطبائعهم والاشتمال على ما للعين منذ عهد ابنى آدم المقربين قرباناً مقبولاً من احدهما مردوداً على الآخر لولا ما يزع عن ذلك من خوف جل من الله تعالى أو عاجل من السلطان وما يكن السلطان قوياً نافذ الأمر صادق الوعد لم تتم له سياسة من تحت يده فكل واحد منهم يرى انه مثله وانه احق بما له وملكه ولهذا قصر الملك على قبيلة اتنقبض أيدي سائر القبائل عنه ثم على شخص فضل أشخاصها ثم على نسل له ولي عهد فصار الملك ملكا لهم ثم أضيف غلى ذلك حال معجز بلغ به غاية القوة وهو التأييد السماوي والأمر الإلهي بالنص على نسب لا يتعدى عموده كما كانت عليه الفرس في الكاسرة وكما كان عليه الأمر في الإسلام من قصور الإمامة على قريش ومن وجبت له المودّة لهم بالقربى وكما أعتقد أهل التُبّت في خاقانهم الأول أنه ابن الشمس نزل من السماء في جوشن وأهل كابل أيام الجاهلية في برهمكين أول ملوكهم من الأتراك أنه خلق في غار هناك يسمى الآن بغبرة فخرج منها متقلسا وأمثال ذلك من أساطير الأمم الصادرة من حكمه بجمع للناس طوعا على الطواعية وبحسم الأطماع عن نيل كل أحد رتبة الملك - وكما تميز الملوك عن غبرهم بهذه الخصال كذلك تمموا التميز بإعلاء الأيوانات وتوسيع القصور وترحيب الرحب والميادين ورفع المجالس على السرر - كل ذلك سموا غلى السماء وإشرافا على الخاص والعام من العلاء - وإليه ذهب البحتري في قوله -
وليس للبدر إلا ما حبيت به ... ان يستنير وان تعلو منازله
ولم تكن للزيادة في القدرة حيلة فجعلوها بالتيجان والقلانس وأستطالوا بالأيدي حتى وصفت ببلوغ الكواكب كما سمى الهند أحد ملوكهم مهاباهو أي طويل العضد والفرس بهمن أرشير ريونددست في ذرى الجبال كل ذلك علامات اعلو الهمّة وانبساط اليد بالقدرة - ثم تزينوا بصنوف الزينة المثمنة ليحلو في القلة جلالة الأموال في العيون فتتوجه إليهم الأطماع ويناط بهم الآمال واحتالوا بحيل تفاوضت في البدعة والحسن والغرابة للغوص على سرائر الخاص من البطانة وأفعال العام من الرعية ومقابلتها بواجبها في إسراع ذلك على تنازح الديار بالفتوح المتناقلة والبرد المرتبة والسفن المطيرة والحمامات الهادية الطاوية للمسافات حاملة للوامر والأمثلة في المدد اليسيرة حتى خيفوا في السر والعلن واجتنبت خيانتهم فيهما ونوقف على ذلك من أخبار دهاة الملوك وجبابرتهم
ترويحة
الملوك أحوج الناس إلى جمع الأموال لأنهم بها يملكون الأزمة ويسيرون العنة - قال المنصور لحاجبه؟ يا ربيع أنا أجمع الأموال فان الناس يبخلوننى وقد بر انى الله من هذه الشيمة الذميمة ولكني لمّا رأيتهم عبي الدينار والدرهم رمت أستعبادهم بهما إذا احتاجوا إليهما ثم كانا معي وليس جمعهم لها خزنا بالحقيقة وكنزا فان التفرق إلى مجموعاتهم أسرع من الماء إلى الحدور لكثرة الأفواه الفاغرة نحو نعمهم والأيدي المشمولة إلى عطياتهم وضلاتهم والأعين الطامحة إلى الاهلة الطالعة لحلول أرزاقهم وجراياتهم والأصابع اللاعبة بحسبان أيام أطماعهم وفروضهم ولذلك هم اشفق من النقاد وأخوف من انقطاع الأمداد - فكل مجموع لا محالة متفرق وما تفرق إلى نفاد - وليد كرنى من الأمير الماضي يمين الدولة محمود ﵀ وما ذكرنا في طباعه أثبت وأحكم يدل على انه لم يكن يفرغ من فريسة قصدها وظفر بها إلا ويخيل بصره بعدها لخرى يزحف إليها ويحوزها كأنه مبتغى الوادي إلى أنفاق مرتب او مسرف فيه - وحملتني النشوة على ما لم يزل كان يشكوه مني ويجفوني بضجره به فقلت؟ اشكر ربك واسأله واستحفظه راس المال وهو الدولة ولإقبال فما جمعت تلك الذخائر إلا بهما ولن يقاوم بأسرها خرج يوم واحد غير منتظم بزولهما فأمسك ومن اعتبر قولي بحال الأمير الشهيد مسعود أعلى الله درجاته بسعادة الشهادة تحقق حقه عند الحادثة عليه وزوال النظام عن أمره وعمّا في يديه كيف تبددت أمواله الدثرة مكتسبها والموروثة في يوم كيوم الدخان ثم تلاشت هباء منثورا لم يكشف عن عاد ربه فقرأ لو لم يظهر في كسير جبرا وكان امر الله تعالى قدرا مقدورا -
ترويحة
стр. 12
الدفائن الباقية تحت الأرض ضائعة في بطن الأرض تكون في الأغلب لطبقتين من الناس شديدتي التباين متباعدتين القصيين وهما أهل السلطنة وأهل المسكنة - أما المساكين فانهم إذا تعودوا الأستماحة اعتمدوها في القوت علما منهم بإنها رأس المال لا ينقص وخاصة مع الألحاف في السؤال والألحاح في الطلب فإذا استغنوا بها عن شري مطعم أو مشرب أخذوا في جمع الفلوس والحبات والقراريط ذودا إلى ذود يصرفون الفلوس بالدراهم والدراهم بالدنانير وليس لهم امين غير الأرض لأنها تؤدى ما تستودع وبأمانتها جرى المثل فقيل، آمن من الأرض - ثم يموت أكثرهم إما فجاءة من خشونة التدبير وإفراط التقتير وإما في سوء حال لا ييأس فيه مع الحرص من الأقبال والإبلال ولا تسمح نفسه فيما شقي في جمعه ان يكون لغيره حتى يتفوه بالإيصاء به فيبقى مدفونا قل أو كثر - وأما الملوك فلكثرة نوائبهم يعدون الذخائر للعدد ويحصنون الأموال في القلاع والمعاقل وان يكون حمل ذلك إليها مستور التوسط النقلة والحفظة وبينها فيحتاجون معها إلى خبايا لا يطلع عليها غيرهم - فمنهم من لا يراقب الله تعالى في الأتيان على ناقليها إلى المدافن ومنهم من يحتاط في ذلك ويحتال بإيداع الفعلة صناديق فارغة ويتولى سوق البغال معهم إلى المواضع فإذا أخرج القوم؟ بالليل من تلك الصناديق لم يعرفوا أثرهم من العالم وإذا فرغوا من الدفن أعيدوا غليها وردوا فحصل المرام وبعد عنه الأثام - ولهذا شريطة هي أن لا يحمل منهم النفر مرتين فان تعافصوا فيه ولا يستعدوا فقد اغفل بعضهم هذه الشريطة والمرشح للعمل مترصد فيه للمعاودة وقد جعل في اسفل الصندوق ثقبة واعد مع نفسه كيسا من أرز اخذ ينثرها قليلا قليلا واقتفاها في الغد حتى فازوا بالمذخور ولم يقف صاحبه عى الحال الا بعد عشرين سنة لما احتاج أليها ولم يجد فيه غير حساب بهلول - ثم يعرض للمدخر حالات تبقى الكنوز تحت الارض ولا توجد الا اتفاقا او بحال من حوادث السيول وغيرها تدل عليه - فقد بقيت اموال بجكم الماكاني في المدافن التي ولع بها لما بادهته الطعنة تلف فيها كما بقيت اموال ابي علي محمد بن الياس في مفاوز كرمان لما انتقل عنها الى الصغد مكرها من ابنه غير مختار - (رب ساع لقاعد آكل غير حامد) -
ترويحة
стр. 13
لما احتاج الملوك في حركاتهم وانتقالاتهم الاختيارية والاضطرارية إلى أصحاب أموال تصحبهم من اجلها خدمهم وينزاح بهم العلل في اخراجاتهم وعوارضهم وكان الورق أخف محملا من المثمن به في المصالح نظروا الى الفاضل عليه في ذلك فوجدوه العين فان المثمن من المطالب يكون عشرة أضعاف ما يحصل بالورق على الاصل القديم المعين في الديات والزكوات وان تغير بعد ذلك لعزازة الوجود ونزارته في بعض الأحايين دون بعض او لفساد النقود - وأما في اصل الجبلة في كل عالم فان الذهب اعز وجودا من الفضة والفضة اقل وجودا من النحاس ويناسبها صغر الحجم وعظمه ورجحان الوزن ونقصانه - ثم من العجب ما في زرويان من معدن واحد يعطى جواهر هذه الأجناس الثلاثة بتفاضل مقارب لهذه النسبة وذلك ان عطية الوقر فيه من الذهب وزن عشرة دراهم ومن الفضة وزن خمسين درهما ومن النحاس خمسة عشر منا - فلهذا اثروا العين على الورق في الاصطحاب وخف عليهم محمله وحين لم يأمنوا الواقعات النائبة سجالا وقد عرف أن النجاء فيها بالقلة والخفة مالوا الى الجواهر اذ كان حجمها عند حجم الذهب اقل قدرا من حجم الذهب عند الفضة وحجم الفضة عندما يشتري بها من المصالح فاصطحبوها معهم وقرنوها بأنفسهم ولكنها عند إلجاء تلك الحوادث الى التنكر - ربما صارت ساعية بهم دالة عليهم كما نم بفتية الكهف عتق السكة في الورق حتى اتجهت عليهم التهمة بوجود ذخيرة عتيقة - وذلك ان الجواهر خاصة من آلات الملوك فاذا كانت عند غيرهم مما لا يليق بحاله تلونت الظنون فيه بأنها أما مسروقة والسارق مطلوب وأما متملكة حقا لمتنكر من الكبار ومثله مرصود - وقد كان فضلاء الملوك يجمعون الأموال في بيوتها من المساجد ويجلبونها من اجل وجوهها - ثم يكنزونها بالتفرقة في أيدي حماة الحريم ثم الدافعين مغار العدو عن الحوزة إذ كانت أول فكرتهم أخر عملهم - وهم كالخلفاء الراشدين ومن تشبه بهم مقتديا مثل عمر بن عبد العزيز والكثير من المروانية والقليل من العباسية أذ كانوا يرون ما قلدوه عبأ ثقيلا قد حملوه ويحتسبونه محنة ابتلوا بها وكانوا يجتهدون في نقص أصرها ويتحرجون عن التردي في وزرها - يحكى عن قاطني أحد البلاد في أقاصي بلاد المغرب أن الأمارة تدور فيما بين اعيانهم وثباتهم على نوب يقوم بها من ينوبه ثلاثة اشهر ثم ينعزل عنها بنفسه عند انقضاء أمدها فيتصدق شكرا فيرجع إلى أهله مسرورا كأنما انشط من عقال ويشتغل بشأنه - وذلك لأن حقيقة الامارة والرياسة هي هجر الراحة لراحة المسوسين في أصناف مظلومهم من مظالمهم وأتعاب البدن في الذياد عنهم وحمايتهم في أهليهم وأموالهم ودمائهم وأنصاب النفس في إنشاء التدابير للقتال دونهم والذب عن جمهورهم وما يجمعونه له من الوظائف المقسطة بينهم كالأجرة المفروضة لحارس المحلة مثل ما يجمع المبذرق الرفقة بحسب فعله وقدر رتبته وقد انقضى ذلك بانقضاء زمانه - ولكل زمان مراسم يجب ان تراعى في اهله واىزلال النظام بعد التشابه والالتئام -
ترويحة
إنما حرم شرب الماء في أواني الذهب والفضة لمل تقدم ذكره من انقطاع النفع العام بها واتجاه قول الشيطان عليه (وآمرنهم فليغيرون خلق الله) ولنكتة ربما قصدت فيه وهي ان هذه الاواني لاتكون الا للملوك دون السوقة وللأنام بين الأيام من الضيق والسعة دول تدول وأحوال تحول فاذا صرف ما حقه يبث في الأعوان الى تلك أواني اتكالا على كثرة القنية أيام الرخاء ثم دار الزمان واتى بضده أحوج الى سبكها وطبعها دراهم ودنانير ففترت النيلت بظهور الضيقة وطمع الأعداء بانتشار خبر الضعف والإفلاس بين الناس فهم عبيد الطمع وما نعو الحقوق إذا أمكن وهو المعنى المظنون به انه محشو تحت التحريم فلن يخلو الشرع الشريف من مصلحة عامة او خاصة دنياوية أو آخرية وفق الله تعالى الكافة للتأمل واعتبار المستأنف بالماضي وصانهم بالقناعة عن احقاب الاوزار ورزقهم السلامة من الغاشين والدعار بمنه وكرمه -
فصل
стр. 14
نريد ألان نخوض في تعديد الجواهر والأعلاق النفسية المذخورة في الخزائن ونفرد لها مقالة تتلوها ثانية في أثمان المثمنات وما يجانسها من الفلزات فكلاهما رضيعا لبان في بطن الأم وفرسا رهان في الزينة والنفع ويكون مجموعها تذكرة لي في خزانة الملك الأجل السيد المعظم المؤيد شهاب الدولة وقطب الملة وفخر الأمة أبي الفتح مودود بن مسعود بن محمود قرن الله بشبابه اغتباطا وزاد يده بالنصر تطاولا وانبساطا فانه لما فوض الى الله تعالى أمره تولى إعزازه ونصره ونصب حب الله بين عينيه عفا عن من استغاث باسمه وأمّن من استأمن بذكره وأخفى صدقاته بعد صلاته البادية ليفوز بما هو خير له في السر والعلانية حقق الله آماله وتقبل أعماله بمنه وسعة جوده - ولم يقع إلى من هذا الفن غير كتاب أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي في الجواهر والأشباه قد افترع فيما عذرته وظهر ذروته كاختراع البدائع في كل ما وصلت اليه يده من سائر الفنون فهو أمام المحدثين وأسوة الباقين - ثم مقالة لنصر بن يعقوب الدينوري الكاتب عملها بالفارسية لمن لم يهتد لغيرها وهو تابع للكندي في أكثرها - وسأجتهد في أن لا يشذ عني شيء مما في مقالتيهما مع مسموع لي من غيرهما وان كانت طبقة الجوهر بين في أخبارهم المتداولة بينهم غير بعيدة عن طبقة القناص والبازياريين في أكاذيبهم وكبائرهم التي لو انفطرت السماوات والأرض لشيء غير أمر الله لكاتبه ولنا ببطليموس أسوة في تأمله من تحريصات التجار الذين لم يجد بدا من الاستماع منهم لتصحيح أطوال البلاد وعروضها من أخبارهم بالمسافات والعلامات - والله تعالى استوفق لما قدرت واستعينه على ما نويت والله الموفق -
المقالة الاولى
في الجواهر
ابتدأ نصر بن يعقوب بتعديد اسامي المشهورين من طبقة الجوهريين في الأيام المروانية والعباسية مثل عون العبادي وايوب الأسود البصري وبشر بن شاذان وصباح ويعقوب المندي وأبي عبد الرحمن بن الجصاص وابن خباب ورأس الدنيا وابن بهلول وتحامينا اتبأعهلان هذه العدوة تتكاثر في الأزمنة والأمكنة وتشتهر عند الملوك الاجلة وتتفاضل بحسب العلم والفطنة وفوق كل ذي علم عليم -
الياقوت
وأول هذه الجواهر وأنفسها وأغلاها الياقوت - قال الله تعالى في تشبيه الحور العين في مقر الثواب (كأنهن الياقوت والمرجان) واليواقيت بالقسمة الأولى أنواع منها الأبيض والأكهب والأصفر والأحمر ولم يعن منها فى هذه الصفة غير أشخاص الأحمر فان الكهبة في الوجه والجلد من عوارض المخنوقين والملطومين والصفرة من لوازم الماروقين والخائفين - قال الحمزة بن الحسن الأصفهاني ان اسمه بالفارسية ياكند والياقوت معربة فان الفرس كانوا يلقبونه بسبج أسمور اي دافع الطاعون وهو سبج بالفارسية وقد وصف أحره في الكتب المعمولة في خواص الأحجار بما ذكر حمزة في معنى لقبه - والهند يسمونه بدْمَ راكك ويختارون منه المشبع الحمرة الصافي الشفاف وكان بدم اسمه وهو راك وبدم صفت له وانه في لغتهم اسم للنيلوفر الأحمر ويكثر الابيض في مستنقاعتهم وحياضهم دون الاكهب المسمى بالنيل على وجه التشبيه فلم نره في أرضهم إلا ان كان مجلوبا إليهم عارية لديهم وهذا الاكهب محمر عند الليل في الضلام خيالا لا حقيقة لحمرته تلك فإذا أعيد إلى نور الشمس عادت كهبته الأصلية ويشاركه فيها كل وردة كهباء كحب النيل وأمثاله من الزهر وهى أيضا تحمر بمس الخل أياها كما يخضر الورد الأحمر المبلول بالماء إذا نثر عليه مردا سنج مبيض بالتربية وذلك به وترك ساعة فانه يخرج بين الزنجارية والفستقية
стр. 15
ولون الياقوت الأحمر يترتب فيما بين طرفين أحدهما أقصى الغاية المطلوبة منه والأخر أقصى الرذالة التي تسقط عندها الرغبة فيه فأجوده الرماني ثم البهرماني ثم الأرجواني ثم اللحمي ثم الجلناري ثم الوردي - فمنهم من توسط بين الأرجواني والحمى لونا بنفسجيا وأكثرهم لا يفرقون بين ذلك الأرجواني وبين ذلك البنفسجي - وأسماء هذه المراتب مقولة على وجه التفرس في التشبه ولهذا تختلف في كل موضع وعند كل فرقة - وقد قيل في الرماني والبهرماني انهما صفتان لموصوف واحد الا أن الأول برسم أهل العراق والأخر برسم أهل الجبل وخرسان؟ وشهد لهذا ترتيب الكندي الوانه فانه جعل البهرماني أعلى درجاته وقيل في أعتار لون رمانية بالمثال أن يقطر على صفيحة فضة خالصة مجلوة دم قرمزي فيحصل عليها لون الياقوت الرمانى وهو الدم المعتدل المحمود في العروق والدم الذي في الايمن من تجويفي القلب قرمزي - وابتدأ الكندي بالوردي آخذا من جنبه البياض الى لون الورد ووضع الخيرى فوقه لفضل حمرته على الوردي وزيادة الفرفيرية فيه وهى كالبنفسجية تأخذ من الوردية الى ان تبلغ مشابه وردة الخيري - وفوقه الاحمر العصفري في صبغ العصفر الناصع المشرق التابع للزردج ثم البهرمان العصفرى الخالص الذي لا يشوبه شيء من النشاستج الزردج يتفاضل من عند الأحمر أن ينتهي عند الغاية وهى البهرماني فكل واحد من هذه الألوان يختلف في الصفات التي هي جودة الصبغ ووفورة وكثرة الماء والشعاع والنقاء من العيوب وتتفاضل أثمانه بحسب ذلك - قال نصر في تعديدها؟ الوردي المشمع الذي على لون الورد الأحمر الصافي المضيء - والرابع الجمري الذي على لون الجمر المتقد - واضن الخيري الذي في كتاب الكندي هو تصحيف الجمري والله أهلم - والرماني يضرب من بين الوردي والجمري - وقيل في كتاب مجهول؟ إن خير اليواقيت البهرمانى ثم المورّد - وقيل في الارجواني انه شديد الحمرة فان كان دونه فهو بهرمانى والبهرمان هو العصفر يقال ثوب مبهرم اى معصفر - ولس يعنون في صفة الياقوت زهرته فأنها صفراء رطبة لحمية يابسة وانما يعنون صبغة السائل بعد خروج نشاستجه الأصفر الذي هو سلافته السابقة والمعصفر بالرمان إلف وموافقة فلا يجود جريا له الابه - ثم بعد الرمان ما ينوب عنه من الحموضات - والجريال ربما أوقع على نفس العصفر كقول النابعة الجعدى -
ورقيق حاشية الإزار تركته ... بثيابه كعصارة الجريال
والجريال الراووق وربما اوقع على اللون دون حامله كقول الأعشى في تشبيه الخمر -
وسبيئة مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريا لها
وقال الخليل بن أحمد - البهرمان ضرب من العصفر - فان كان كما قال فهو أجود ضروبه حتى يوصف الياقوت به - وقال السري الرفاء في كتاب المشموم ان العصفر لغة حميرية، وقال حمزة العصفر معلاب وفارسية هسكفر فان نباته هسك والقرطم هسك دانه وماؤه آفة وهو العندم وورده بهرامه ويعرب على البهرم والبهرمان والبهرامج وهو الذي يصبغ به الثياب - وانا اظن كوكب المريخ سمى بالفارسية بهرام للونه الأحمر - والعصفر بالهنديو كُسُنْب وفي كتاب المشاهير، أن الرنف بهرامج البر وهذا يقتضيه العصفر البرى وقال ابو حنيفة الدينورى في كتاب النباب، الرنف من شجر الجبال وهو المعروف بالخلاف البلخى - وبهرامبج البر ينضم ورقه الى قضبانه بالليل وينتشر بالنهار وهو في الأصل فارسي ومنه مانوره مشرب حمره هادب النور - فأما ما ذكره من انضمام أوراقه بالليل فليس كانضمام اللينوفر والآذريون وانما هو انسدال باسترخاء وأوراق الخلاف البلخي ويسمى ببلخ سرشك باسم مائه الذي يعتصر منه ويقطر منه بالتصعيد اصغر من اوراق السوسن ولكنها تشابهها في اصطفافها على قصبها سماطين أعنى صفين فإذا طلعت الشمس قابلها السماطان بوجههما فإذا غربت فكذلك وفي نصف النهار ينضم السماطان منتصبين نحوهما ينسدلان على تحت كالذابلين هكذا حال سائر الأوراق في دورانها مع الشمس الا ان ذلك في بعضها اظهر وفي بعضها أخفى بحسب رقة الرطوبة التي فيها ولطافة الجرم - وإما ما ذكره حمزة في حريال العصفرانه العندم عند أصحاب اللغة نبت احمر بالبادية يذكرون انه اكبر من الثفاء أعنى الحرف ولذلك حملوه على كل احمر كما فعل حمزة وحمله آخرون على البقم لأن طبيخه غير مغاير لجريال العصفر - وقال العجاج
стр. 16
يجيش من بين تراقيه دمه ... كمرجل الصباغ جاش بَقَّمُه
فالبقم والعندب يشتركان في تشبيه الدم بهما - ورق ابقم كورق السذاب ويباع بخيبر المعروف بصفير وزنا كل وزن تل وكل تل مائة قاطية وكل قاطية منا وربع وسعره هناك كل تل بطينة ستة عشر ماشجة والماشجة أربع دوانيق ذهب وصرف ذهبهم على نصف دينار النيسابورى - وحمل قوم العندم على الأيدع وهو عروق السدر - وقال أبو حنيفة مخبرا عن بعض ولم اسمعه من غيره - وقال في ديوان كتاب الأدب؛ ان العندم هو دم الأخوين ويسمى بالفارسية خون سيازشان لاعتقادهم فيه انه ينبت من دم سياوش بن كيكاؤس المفسوح على الارض - وقريب منه تسمية الهند اياهما باندورت يعنون دم باندو وهم قوم جرى بينهم وبين اعمامهم الملقبين بكورو حروب مشهورة اجلت عن تفاني الفريقين في القتال - قال العجاج
فادرع القوم سرابيل الدم ... على النحور كرشاش العندم
وقال ايضا
من أسد خفان يخال العندما ... منه بلبات وخطم أسحما
ومثله كثير واذا لم يكن يخلو من شعر عربي عن ذكر العندم وتشبيه الدم به والشراب وأمثالهما ثم اختلفوا في ماهية هذا الاختلاف المبين عن الجهل به - لم يستنكر خفاء اسم المجسطى على أهل التنجيم وهو كتاب لهم أليه الإسناد وعليه الاعتماد وليس على غايته ازدياد ثم لا يعرفون معنى اسمه وبأية لغة هو فليس بيونانى - قال ابن دريد في الأرجوان؛ انه فارسي معرب وهو اشد الحمرة ويقال له القرمز وانه إذا بولغ في نعت حمرة الثوب قيل ثوب ارجواني وثوب بهرماني أما التعريب فانه بالفارسية كل أرغَوان - وترى هذه الزهرة على شجرة لا تنشق جدا وهي صغار مشبعة بالحمرة الضاربة الى الخمرية عديمة الرائحة نزهة في المنظر - وسواء أن كان عربيا او معربا فانه مستعمل بين العرب - وقال عمرو بن كلثوم
كأن ثيابنا منا ومنهم ... خضبن بأرجوان او طلينا
والأرجوان لباس قياصرة الروم وكان لبسه فيما مضى محظورا على السوقة وذكر انه دم حَلَزون عرفه اهل بلد صور من خطم كلب كان أكل هذا الحيوان في الساحل فتلون فوه بدمه - وذكر بان ينال الثنوى في جملة ما كتب عنه بحضرة الساسانية - أن لباس عظيم قتاي الأرجوان وهو له خاصة لا يلبسه غيره وقال جالينوس في دود القرمز انه إن اخذ من البحر وهو طرى برد وهذا يوهم ما حكى عن اهل صور - ولنرجع إلى ما كنا فيه مما أنحرمنا عنه إلا لإشباع التفهيم - ونقول - أن الكندى عدد العيوب الأصلية في الياقوت وهي النمش في سنخه ولا حيلة لإزالتهما إذا كثرت وفشت وغاصت وعمقت - وخلط الحجارة تسمى الحرمليات والحرمل هو الأبيض ويسمى بالفارسية كُنجَدَه - والرَيم وهو الوسخ فيه يشبه الطين - والثقب المانع عن الشفاف ونفوذ الضياء وهو كالصدع في الزجاجة والبلور إذا صودمت فانكسرت وتتميز حتى يخرج به منه الماء وهذا يكون طبيعيا في الأصل ويكون عارضا بعده - ومنها اختلاف الصبغ في الأجزاء حتى يكون في بعض أشبع وفي بعض اضعف فيصير بذلك أبلق - ومنها غمامة صدفية بيضاء متصلة به من جانب ويسمى الأسين فان لم يكن غائرا فيه ذهب به الحك والا فلا حيلة في الغائر - ثم يقول، إن المعدن من معدن وهو الإقامة فكأن المطلوب منه ما أقام فيه دهورا وأن مستنبطيه يقيمون على استخراجه فلا يسأمون من حفر الغيران عليه ومعدن اليواقيت هو جزيرة سرنديب في غب من بحر هر كند وفي الجبال التي تحاذيها على الساحل - وقد ذكروا في أحمرها - انه يحفر في معدنه عن رضراض فيوجد في خلالها مغلفا كالرمان في قشره وليس بذلك مستبعد فاللعل البدَ خشى يوجد كذلك في غلاف كالبلورى - وجميع المشفات في الأصل مياه مائعة قد تحجرت يد لك عليه اختلاط ما ليس من جنسها من نفاخة الهواء وقطرة ماء وورق الحشيش وقطع الخشب كما سنذكره في البلور - وكل سائل فانه في حال أنمياعه غير مستغن عن وعاء يمسكه ويمنعه عن الانتشار إلى ان يجمد ويمتنع عن السيلان ثم يبقى عليه وقاية له وهذا منها بالأمر الكلي معلوم - فإما كيفية جمودها وسببه وحصول الألوان المختلفة لها فلا مدخل للعقول القائسة الى معرفة ذلك أصلا وإنما هو مفوض إلى علم صائغها الله عز وجل
стр. 17
ثم يشهد لما قلنا الياقوت فانه لنا أحوج إلى الأخماء كي يصفو لونه وتخلص حمرته عما عسى أن يكون فيها من بنفسجية ثم لم يتجرد عن تراب يخالطه ورمل يتخلله أو حجارة هوائية تمازجه نظروا الى ذلك فان قارب وجهه قعروا سطحه الأعلى حتى يذهب ما فيه من نقصان يلحق وزنه بنقصان جرمه وزوال الاستواء عن وجهه ولا يعود بشين لأنه يشابه تقعيرا قد اتفق له في اصل الخلقة وان عمق عن سطحه ثقبوا إليه ثقبة ليطرقوا لخروج الهواء منها لئلا يتشقق في الحمى - ويمكن أن تكون هذه الثقوب هي التي عناها ابو تمام في قوله -
نفق المديح ببايه فكسوته ... عقدا من الياقوت غير مثقب
العقد هي القلادة إذا كانت من القرنفل تسمى سخابا وعبر بالنفاق عن تتابع الصلات وبعقد الياقوت بما اكتسبه من الثناء واكثر العقود تكون للأيدي فجعله مكافأة لليد الفائضة بالأعطية ولما شبه المدح بعقد الياقوت وتمامه بالثقب نفاه رجوعا في التشبيه الى التحقيق ليعلم انه عقد غير مؤتلف من الأحجار إنما هو من فائق الأشعار على مثال ما يقول البحترى -
ننظم منها لؤلؤ في سلوكه ... ومن عجب تنظيم ما لم يثقب
وللواواء المشقي
ارى الدر يثقبه الناظمون ... ولم يثقبوا اذ فكيف انتظم
وقوله غير مثقب يدل على غاية الصفاء والنقاء والبراءة من العيوب المذكورة إذا عناها ومن المحشوة بمسامير الذهب فأنها توهم رم انكسار وحينئذ لا يعنى بها الثقب المقصود للسلك فان العقد لا ينعقد الا بها والاكتساء هو عبارة عن اللبس ولن يتم الا بحصول السلك فيها على ان لها باعتراضه في جوفه وإنسلاك ما ليس في جنسه في وسطه خيطا من تنقيص الرونق فالنقاء إذا لا يكمل إلا بعد الثقوب والثقوب إذ هي من جنس العيوب أيضا فإذا الثقوب من القوادح في محاسن الياقوت - قال أبو نواس في وصف الخمر -
أنى بذلت لها لما سمعت بها ... صاعا بصاع من الياقوت ما ثقبا
وللواواء المشقي
أرى الدر يثقبه الناظمون ... ولم يثقبوا اذا فكيف انتظم
وقوله غير مثقب يدل على غاية الصفاء والنقاء والبراءة من العيوب المذكورة إذا عناها ومن المحشوة بمسامير الذهب فأنها توهم رم انكسار وحينئذ لا يعنى بها التثب المقصود للسلك فان العقد لا ينعقد إلا بها والاكتساء هو عبارة عن اللبس ولن يتم ألا بحصول السلك فيها على ان لها باعتراضها في جوفه وانسلاك ما ليس من جنسه في وسطه خيط من تنقيص الرونق فالنقاء إذا لا يكمل إلا بعدم الثقوب إذ هي من جنس العيوب أيضا فإذا الثقوب من القوادح في محاسن الياقوت - قال أبو نواس في وصف الخمر -
أني بذلت لها لما سمعت بها ... صاعا بصاع من الياقوت ما ثقبا
ومن معائب الثقوب امكان التسميم بها اذا حشيت بمثل الهلال القاتل بوزن خردلة فان من عادة الجوهريين ان يجعلوا الجوهر في الفم ويرطبوه نفيا لما عسى غشى وجهه من غبار او هبا آت وصقلا له - وأظن ما يحكى عن من آثر عز الاقبار على ذل الحياة في الاسار انه امتص خاتمه فاستراح من العار هو من هذا الجنس - وكانت قلوبطرا بنت بطليموس لما خافت فضيحة الأنوثة من قهر أغسطس إياها أرسلت أفاعي على ثدييها حتى وجدت متوجه جالسة قد اعتمدت رأسها بيمناها لم يظفر بها العدو - وتلك الثقب إما أن تكون جالبة هواء وجلاؤها لا يجدي على الياقوت شيئا فإنها صادرة عن شوب ومعائب في الأصل مقصرة به عن غايته - وأما ان تكون محشونة بما يزيد في حمرة الياقوت فيكون ذلك نوعا من التمويه وحيلة لإتمام نقصان فيه - وكل ذلك من المذام وقد يكون هذا التمويه في الياقوت غير صناعي بأن يكون لون القطعة غير مرضي ثم يتفق فيهال نقطة مشعة الحمرة فتشرق على سأئرها وتلونها بأسرها وتحسنها
стр. 18
وفي كتاب الأحجار المنسوب الى اسم ارسطوطاليس (فما اظنه إلا منحولا عليه) انه ربما اتفق في الياقوت نكتة فاضلة الحمرة على سائرها فإذا نفخ عليه في النار انبسطت النكتة فيه فزادته حسنا وان كانت سوداء ذهب بعض سوادها ويشبهه ما حكى الجاحظ في ياقوت وقع في يد إنسان فابتلعته نعامة ولم يحضر غير نفرين من زنادقة المانوية شاهدها وأتجهة التهمة عليهما عند افتقاده فضربا ضرب التقرير وكل واحد منهما يبرئ صاحبه إذا أخذ في تذليله وحين عرف انهما ثنويان سئل على الحال ووقف على أمر النعامة من غير جهتهما فانهما لم يستحلا تسليمها للقتل أسرع إلى ذبحها وإخراج الجوهر من قانصتها وقد نقص وزنه وحسن لونه لأن حرها قام له مقام النار الحامية ولولا أن هذا كان أمرا مشتهرا لما صار من مسائل المطارحة حتى سئل الشافعي رضى الله عنه عنها فأجاب، إني لست في أمر صاحب الجوهر بشيء لكنه ان كان كيسا عدا على النعامة وذبحها واستخرج جوهره منها ثم ضمن لصاحبها فضل ما بين قيمته حية ومذبوحة - وذهب ابو القاسم بن بابك إلى خلاف ما ذهب اليه أبو تمام فقال -
عليه عقود الدر فصل بينها ... من الدر والياقوت نظم مثقب
وذكر الكندي انه اشترى كيسا فيه حصيات مجلوبة من لمرض الهند غير مصلحة بالنار وانه أحمى بعضها فجاد صبغ أحمرها وكان فيها قطعتان إحداهما شديدة السواد يلوح من شفافها في النور حمرة خفية والأخرى تشف بصبغ أقل وانه نفخ عليهما في البوطقة مدة ينسبك فيها خمسون مثقالا من الذهب وأخرجهما منها لما بردا وقد نقى اقلهما صبغا وقد قارب الوردي قليلا وأما المظلم فانه انسلخ اللون عنه حتى بقي كالبلور السرنديبي وامتحنه فكان أرخى من الياقوت - لا ومن اجل هذا يزيل الإحماء عن أحمره ما عسى إن يمازجه من سائر الألوان فيصفوا منها - قال، ومتى أزال الحمرة دل على ان المحمى ليس بياقوت ولا تنعكس هذه القضية كل ما ثبت حمرته ياقوتا لأن الحديد وليس بياقوت يقوم على النار - وربما اخرج الياقوت من النار حيث يزاول فلم يتم نقاؤه بعد فاستقل عادته إليها او خشي عليه آلافات فترك فإذا وقع في أيدي تجار العراق ورأوا سواده شرهوا الى الزيادة في ثمنه فأحموه بين بوطقتين من الطين الصغدى وهو ابيض صابر على النار قد طين الوصل بينهما وجعل في كوز الخواتيمين مدة أنسباك مثقال ذهب فيها ثم اخرج وطرح عليه نخالة حتى يبرد وقد نقى وزاد في ثمنه - لا اما حيث يزاول فانه بعد الثقب والتنقية من آفات التجاويف يطلونه بطين مأخوذ من معادنه مسحوق بغرىّ فإذا يبس احموه بالحطب في مدة يعرفونها واقلها ساعة وأكثرها يوم وليلة ثم يخرجونه اذا برد وربما أعادوا عليه ان لم يكن نقى بكماله - وقيل في معدن الياقوت انه في جزيرة سرنديت في غبها المعروف بها في موضع يسمى غزوانه يستنبط من الجبل - وسرنديب بالهندية سنكلديب وديب عبارة عن كل جزيرة وأتخيل من معناه انه جزيرة الزيادة ومجمع الجزائر فإنها كإلام للديبجات التي هي جزائر يلحق عددها بالألوف كعادة العرب في الترخيم - قال عمرو بن احمر -
فخر وجال المهرذب شماله ... كسيف السرندي لاح في كف صيقل
стр. 19
وفرضة سرنديب على الساحل وهي بلد منترى بتن والخراسانية يسمونه مَدْرَبَتان وهو اول حدود مملكة خولة وهذا لقب كل من ملكها ومستقر بلد بيجاور فوق هذا الحد نحو الشرق حد سِيَلان ثم بلكران وفيه معدن الياقوت الأصفر والكحلي وفوقه حدرونك وفيه جبل البرق وتحته معدن الياقوت الأحمر - يزعمون ان ذلك البرق يربيه وهذا ليس ببرق كالسحابي المنقدح من جوق الغيم بالريح المحتبس في جوفه إنما هو نار على ذلك الجبل دائمة الاتقاد وشديدة الخفق والاضطرام ولهذا شبهت بالبرق وبها تهتدي المراكب في البحر بالليل كما تهتدى بالنيران المشعلة وراء عبادان في خشبات كنكوان وفي منارة الاسكندرية وليس يرى من هذا البرق بالنهار إلا شبه الدخان - ويذكر المسعودى في كتاب المسالم والممالك جبل الراهون هناك وانه مهبط آدم ﵇ وأظنه معرب رونك - وذكر بعضهم في تقوية أمر المهبط ان الحشائش التي هناك تسمو بعد نباتها قليلا ثم تنعطف نحو الأرض قليلا وتنعطف ثانية نحو العلو ثم تمر على سمته فتكون كأعناق الابل وان ذلك من اجل السجدة التي تعبد الملائكة لآدم ولا يعلمون ان المسجد غير المهبط وقال الكندى؟ ان موضع الياقوت في سحان من جزيرة خلف سرنديب وفيه جبل عظيم يسمى الراهون تحدر منه الرياح السافية السيول الاتية الياقوت وتلك الجزيرة ستون فرسخا في مثلها ويوشك إن يكون من اخبر بها عبر عن الحد بالجزيرة وعن الوراء بخلف لأن الساحل والجزيرة يشتركان بملاقاة الماء من جانب وجوانب ووراء وخلف وان كانا بمعنى واحد في جهات الإنسان فان الوراء يعبر به عن ابعد الشيئين عن مركز القابل وخلف في الجزائر يوقع على الجانب الذي فيه معظم البحر - وذكر نصر هذه الجزيرة إلا أنه سماها مندرى تبن وهذه البلدة كما ذكرنا على ساحل البحر لا جزيرة في البحر - وقالوا ان الشمس اذا أشرقت على اليواقيت رؤى كأنه برق يسمى برق الراهون وليس يسلك أليه لأنه في يد العدو - وهذا من أشباه الخرافات التي سأحكي بعضها عن الفرس - وهذا البرق يكون عند غيبوبة الشمس ويخفى عند شروقها - ويحكى في مثل هذه النار في جبال سواحل الزابج ترى في النهار سوداء وفي الليل حمراء وتظهر على مسيرة أيام ولها صواعق - وقال ان ما احدره السيل من اليواقيت يكون خيرا مما يوجد في التراب الحمأة وليس ذلك بمستنكر ويقاربه ما حاكاه أحد البحريين أن الريح ألجأتهم الى الجبل الأخضر الذي عن شرق جبل البرق فأدلوا الأناجر وارفوا باالمراكب وعلى ساحل ذاك المرسى شجر فاريقون وهو الساذج زعم وفي بعض هذا الاسم مشابه اليونانية وان كان اسمه فيها فوللن وهذا بالهندية كندبير قال - وان خدمهم خرجوا الى الشاطيء ووصفوا عند منصرفهم للناخدا وهو صاحب الناوه اى السفينة نزهة المكان فقصدوه وحمل معه ما يحمل الى المنتزه وألفى وسط الغيضة حوضا وعلى ضفته رجلا شيخا فاتحفه بشيء مما حمله معه من جوز ولوز وتمر وامثال ذلك فقام الشيخ الى مأواه وهو غير بعيد وعاد بدرج من خوص منسوج واخرج منه فصا ياقوتا احمر اكثر من وزن مثقال وألقاه أليه مكافأة على البر فوجه الرجل الى المركب من حمل اليه من الفواكه اضعاف ما كان حمل معه اولا مع تحف من ثياب وفوط وملح أتحف الشيخ بها فجاءه بقطعة أخرى وزنها ستة مثاقيل لكنها كانت رقيقة بسيطو جدا - فسأله الناخدا من اين لك هذا؟ فاخذ بيد التاجر وذهب به الى وادي رمل يابس واخبره ان سيول الامطار تأتي بذلك الا أنه لايتعرض لطلبه لاستغنائه عنه واشتغاله بالنسك والزهادة ثم وعده ان يتكلف ذلك من اجله ويحتمل منه شيئا كثيرا يوصله أليه عند منصرفه ولم يتفق له الالتقاء به - ويتخيل من ذلك ان مجرى الوادي من الجبال التي فيها معادن الياقوت - وكذلك ذكروا في اخبار الصين من كتاب المخزون بان انواع اليواقيت بألوانها ترتفع من سرنديب واكثر ما يظهر لهم في وقت المدوديد حرجه الماء عليهم من كهوف ومغارات ومسايل وان للملك عليها رصدا وحفظة - ولهذا قال بكير الشامي -
ما يهاب الحسام الا بحديه ... وتحسين غمده لايهاب
وقال ابو بكر الخوارزمي -
وانك منهم وكذاك ايضا ... من الماء الفرائد واللآلي
وتسكن دارهم وكذاك سكنى ... الجواهر والزبرجد في الجبال
стр. 20
وربما استنبطوها من المعادن فيخرج االجوهر وقد التصقت به الحجارة فتكسر عنه - ويوافق حديث اسنباطه ان بارض الهند من جملة الحبوب المأكولة من الأرز والعدس وانواع الماش حبا يسمى الكلت اغبر اللون رمادية كأنه كرسنة او جابّبانة قد عصرت بالصبعين حتى عرضت وتفرطحت على هيئة العدسة واعرض منها لفضل جئته وله فى تفتيت حصى المثانة خاصية وقوة بليغة مذكورة في الكتب وزعموا ان فعله يتجاوز هذا الحصى الى الاحجار الجبلية ويبلغ اللى أن مستنبطى الياقوت اذا انتهوا فى المعدن الى موضع ثلب يعتذر عليهم حفره صبوا عليه طبيخ كلت وتركوه مدة يعرفونها فيسهل عليهم بها كسره وتفتيته كما يوقد فى معادن الذهب والفضة على مثله بالخشب والأدهان - والياقوت بصلابته يغلب مادونه من الاحجار ثم يغلبه الألماس فلا يقطعه غير قطعا وخدشا لاكسرا - قال الكندى؟ ان الياقوت لايجلى بخشب العشر الرطب الرطب كغيره وانما يجلى بالماء على صفيحة نحاس يحك عليها مع كلس الجزع اليماني المحرق كاحراق النورة وذالك بعد التسوية بالسنباذج على صفيحة اسراب ربمايسيل ذالك منه الى الماء الموضوع فيه اصل الصفيحة فان كان المطلوب جلاءه غائرا فالشهر مكان الصفيحة النحاسية - قال، ومن خواصه الشعاع فلس من المشفة الاله والصقالة فانه ايضا اشدها صقالة ولذالك يشبه بجمر الغضا لانه اصدق ضوءا واشد حمرة واطول ترمدا - قال الراعى -
جمان وياقوت كأن فصوصه ... وقود الغضا زان الجيوب الروادعا
وقال جوهر يو بلادنا في وقتنا هذا؛ ان ما يوجد منه رمانيا فائقا فان صاحي سرنديب يستأثر به ويكون له خاصة وما دونه فللتجارة والتجار ولذلك لايحمل الى ديارنا الآن شيء من الرماني والذي يوجد فيها فقديم - وذكر بطليموس في كتاب جاوغرافيا جبلا احمر محيطا بجزيرة الياقوت يدخل من البر اليها سيتدير عليها وفي ضمنها مدن وعيون وانهار وما وصف في اطواله وعروضه مقتضى موضعه على الشرق المعمورة في نهايتها وعلى خط الاستواء وما يقاربه ولم يشر الى شيء يعرف به انه معدن الياقوت او انه سمى لحمرته ولا يكاد يعثر على احد يكون عنده منه خبر - وربما سمى بموضع باسم ليس له فيه مسمى ففي البحر الاخضر في حدود الديبجات والزابج الى جزائر ديوه وجاوة جزيرة تعرف بجزيرة الياقوت ليس فيها من سمة وانما سميت بذلك لجمال نسائها كما قيل في نساء غب القمر الذي انما نسب الى القمر لاستدارة شكله ودوران الماء فيه بتعاقب المد والجزر - والغب موضع يدخل فيه البحر الى البر يتحاماه المراكب لأنه ضخاخ والجزر مصب الماء الجاري في البحر اذا اتسع عند مدخله وظنه بعضهم عكس الغب فقال - عنق من الارض يدخل في البحر وليس كذلك
стр. 21
ثم حكى ان صاحب تلك الجزيرة وجه الى الحجاج بن يوسف بنسوة مسلمات ولدن بها من التجار ومات آباؤهن فبقين عطلا واراد به التقرب اليه بذلك فقطع ميدوهم لصوص الديبل والبوارج أصحاب بيره وهي السفن بلغتهم على ذلك المركب واغتصبوا تلك النسوة - فصاحت واحدة منهن من بني يربوع مستغيثة ونادت - يا حجاج - فبلغه الخبر فاجابها بيا لبيك كما اجاب المعتصم نداء الأرملة في ثغور الروم، وامعتصماه - بيا لبيكاه - ثم ان الحجاج راسل داهر بن ججه في تخلية النسوة فلم يعبأ بقوله واجاب بأنه لايقدر على ارتجاعهن من اللصوص فولى محمد بن القاسم بن منبه وهو ابن ستة عشر سنة ثغر السند وشكا اليه عوز الخل واضطرار اصحابه اليه فنقع الحجاج القطن المحلوج في خل خمر ثقيف مرات كل مرة يجففه في الظل حتى يشربه ثم عباه ووجهه اليه ثم كتب بان ينقع منه في الماء يصطنع به ويعمل في الطبيغ فورد محمد السند وكابد داهر بن ججه حتى اهلكه واستولى على السند ومدينتها بمهنو وتسميها الفرس بمناباذ وفي ذبج الاركند برهمنآباذ - ولما دخلها قال، نصرت - فسميت المنصورة وقصد مولتان وفتحها - قال عند دخولها عمرت فسميت المعمورة ولم تشتهر اشتهار المنصورة ولكنها اشتهرت بفرج الذهب اي ثغره وذلك انه جمع الاموال في بيت مقفل مختوم عشرة اذرع في ثمان كان الصب فيه من كوة في السقف فمن اجله سمى المولتان ثغر الذهب اذ كان كالمملوء من الذهب بسبب صنم كان فيه من الخشب مغشى بالسختيان الاحمر في عينيه ياقوتتان نفيستان واسمه ادت باسم الشمس وكان يحج اليه من اقصى البلاد ويحمل اليه الاموال قرابين - فتركه محمد على حاله على وجه الاستصلاح حتى كسره حكم ابن شيبان في قريب من ايام المقتدر وجرت بينه وبين سدنته امور ورفع خزائنه - والله الموفق -
قيم الجواهر الحقق
стр. 22
فاما قيم الجواهر فليس لها قانون ثابت على حال لايتعير باختلاف الامكنة ومضى الازمنة وتلون الشهوات بحسب الامزجة وانحطاطها الى هوى الرؤساء فيها وابتياعها اياهم ثم حدود احوالها من جهة الكثرة والقلة الموجبتين فيها تداول العزة والذلة والذي سنذكره من قيمتها فهو بالاضافة الى زماننا وحواليه وببلد غزنة وما يليه والعين بعراة هراة فهو المستعمل فيه - وان عرفنا غير ذلك اشرنا اليه - فقد حكى عن المتقدمين ان قيمة وزن المثقال من البهرمان الذي لاغاية وراءه خمسة الآف دينار وقيمة نصف مثقال ألفي دينار ولا قيمة لما اتزن مثقالين والاختيار اليك في تقويمه - وذكر الجوهريون الآن ان فص الياقوت الرماني اذا كان مشبع اللون صافيا ومن معائب الثقب والنمش والحرملات والغمامات بريئا ثم كان ممسوح الوجه مستويا ومربعا مستطيلا اذا كان هو المختار من اشكاله ثم المضاربى بعده وشابه أسفله السندان فقد بلغ اقصى محامد الصفات وسموه نجما والنجم باللؤلؤ اليق من باب التشبيه الصادق - قالوا - وزن الطسوج من هذا الفص النجم الموصوف يقوم بانفراده في الابتداء بخمسة دنانير وضعفه بضعفها والدانق اعنى سدس المثقال بثلاثين دينارا وضعه باربعة أضعاف ونصف المثقال بأربع مائة دينار والمثقال بألف دينار والمثقال والنصف بالفى دينار - وما رأينا زعموا ارجح من هذا المقدار بتلمك الصفات على ان المثقال منه نادر كندرة اللؤلؤ المختار الموازن اياه - ودانق الياقوت اعز واشرف في تزايد الوزن من دانق اللؤلؤ قالوا والمثقال من البهرمان الذي وصفوه دون الرماني بدرجة يسوى بحسب ذلك ثماني مائة دينار - ومن الارجواني خمي مائة دينار ومن كل واحد من اللحمى والجلنارى مائة دينار ويقاربهما الوردى الصافى وربما اتفق فيما عدا الرماني من الانواع ما يتزن عشرين مثقالا الى ثلاثين مثقالا - قال الكندى - في أعظم ما رأينا في الاحمر وزن مثقال وثلث وارجح منه قليلا وأما سماعه وحكاية فعشرة مثاقيل وأعظم ما رأينا من الوردى ثلاثون مثقالا - وقال نصر - جودة الياقوت في الشبع من اللون واستكمال الماء والرونق والصفاء والشعاع والبراءة من المعائب فعلى هذا الاصل يتبع العلو في الغلاء استيفاء هذه الصفات ويوجب البهرمان الغلاء ثم العصفرى بعده ثم الجمرى ثم الوردى - ومعلوم ان كل ما شبه به من الوردى والاصفرى واللحمى انواعا يختلف فيها اللون ومثاله الوردى - فانا نأخذ من الابيض اليقق ثم يشرب حمرة يسيرة ويزيد فيها الى ان شيابه الخدود الحمر ثم يزداد حتى يقارب الشقائق ويميل الى شيء من السواد فكما انه يعنى بتفضيل الوان اليواقيت بتشبيهها كذلك واجب على المعتنى بالتقرير والتفهيم بنوع المشبه به ويجتهد بتقرير حاله وضروبه وامكنته - ووقع الى كتاب مكتوب في الشام في زمان عبد الملك بن مروان قد اشتمل على نكت من هذا الفن وقيم الجواهر وقته دلت على ان الياقوت الاحمر وفائق اللؤلؤ كانا زمانئذ في القيمة ومقدار الثمن كفرسي رهان - وسأذكر في مل باب من ذلك ما هو وفقه ولفقه -
أشباه اليواقيت
ومن اشباه اليواقيت الاحمر يسمى كركند اي الياقوت الاصم لانه منعقد ضعيف الشفاف كدر لايجاوز قيمته اى كهب قال الكندى؟ واجود انواع الكركند واشدها شبها بالياقوت العصفرى هو المعروف بالسندبا وله شعاع ما ومنه ما يجلى بجلود الجرب وهو ارخاها واردأها - وبعده نوع شبيه بالملح لايقبل الجلاء وهو اخس اصنافه - ومن الاشباه نوع يوجد في معادن الياقوت يسمى كُربُز سهل المكسر وردى اللون حسن المنظر وللينه يغلبه كركند حتى يكسره وان لم يساوه في الحسن - وله مراتب كمراتب الياقوت وبهرمانه يشلبه البهرمان الغاية من الياقوت حتى ربما انه ذهب امره على كثير من مبرزى الجوهريين اذا تغافلوا عن تحقيق امنحانه فراح عليهم ياقوتا - وهذا الكربز لايختص بمشابه الاحمر فانما له ألوان تشبه بكل واحد منها نظيره من الوان اليواقيت - قال حمزة في صفته؟ انه نوع من الجواهر ظاهره كالياقوت ولامرجوح له ويعرب على الجربز فقال للرجل الخب كربز وجربز وكرك بزد - وذكر الكندى في اشباه الياقوت الاحمر الا فلح الاحمر يغلط المبرزين تغليط الكربز اياهم - وما نحكيه عن الكندى فاكثر الأسامى فيه منقول عن كتابة غير مسموع على فساد نسخته التي معنا والاعتراف ابلغ الاعتذار
стр. 23
قال نصر في اشباهه؟ انها اربع الكركند والكركهن والجربز والبيجاذى الذهبي اللون - والياقوت يخدش الكركند واكثر انواعه شعاعا ألسنديا وهو أحمر يضرب الى صفرة ويقبل لون الياقوت في النار ومنه كالملح لايقبل الجلاؤ - ومنه ابلج لايتخلف عن الياقوت الا بالرخاوة وهذا هو الذى حكيناه عن الكندى افلح وبينا العذر فيه - قال والكركهن احمر يضرب قليلا الى السواد ولا يضيء الا في الشمس ولا يصبر على النار ويكون معه صفرة كصفرة الياقوت الاصفر - ويكون منه خلوقي وزيتي وفسستقي وآسمانجونى يرى هذه الألوان اذا قلبته كما يريها أبو قلمون وأبو براقش واصفره يروج في اعداد الياقوت الاصفر لولا تخلفه عنه في الشعاع وقبوا الجلاء - وكلها توجد في معادن الياقوت ما خلا الا بلج فانه يجلب من سرنديب - والجربز اشدها صقالا واكثرها بالياقوت البهرمان في اللون والماء والشعاع شبها - وربما غلط فيه المبرز الا أن يمتحنه بالنار ويحكه بالياقوت - والبيجاذى الذهبي هو اللعل البدخشى ومن البيذاجى ما يشتد شبهه بالياقوت ثم لايخفى على ذوى البصر بالصناعة لونه وقل ما يكون له كشعاعه وقيل في الفرق بين لونيهما ان الياقوت كالنار الصافية والبيجاذى كالنار ذات الدخان - وعلى مثله حال الكركند والابلج في تخلف شعاعهما عن شعاع الياقوت واقربها لحوقا به الجربز ثم السنديا من الكركند واجود امتحانات الاشباه هو الياقوت الخالص وانه يجرحها بحدته وينمشها في الحك ولا ينفعل عنها كانفعالها عنه - وقال الكندى؟ كانت الاشباه فيما مضى تباع في أعداد اليواقيت وتقيم كقيمتها وان ايوب الاسود البصرى كان يبيع الكركند والجربز والافلح من االمهدى بألوف دنانير على انها يواقيت حتى اطلعه عون العبادى من بني سليم على تمويه ايوب وأعلمه ان هذه الاشباه اذا دخلت النار لاتصبر عليها صبر الياقوت الاحمر الخالص فانه يزداد بها حسنا وجودة فادخل المهدى أحجار كل واحد منهما الى النار فاحترق الكركند ما يزن ثثلاث مثاقيل ومن الافلح خمس مثاقيل -
اخبار في اليواقيت والجواهر
ذكر الجواهريون ان لملك سرنديب قطعة ياقوت مستطيلة على هيئة نصاب السكين يديم تقليبها في مفه ووزنها خمسة وخمسين مثقاى ولم يخبر احد باكثر من هذا المقدار وكنت سمعت انه وجد في سرنديب بين الرضاض ياقوت كبير احمر مغلف وانه لما كشطت عنه الغشاوه ظهر منها على هيئة الصليب فنحت واحمى وحمل الى ملك الروم فاشتراه بمال له خطر ورصع به جبين تاجه الا انها حكاية مطلقة ليست بصادرة عن ركن يركن اليه - فان حقت شابهت ما ذكر في سبب تنصر قسطنطين المظفر من ظهور شهاب في السماء على هيئة الصليب ةانه جعله شعارا راياته على مثال صورته فرزق الفلح والنصر في حروبه بعد ان لم يكن له مقاومة بعسكر عدوه
стр. 24
وفي كتاب اخبار الخلفاء - ان المتوكل جلس لهدايا النيروز فقدم اليه كل علق نفيس وكل ظريف فاخر وان طبيبه جبريل بن بختيشوع دخل فكان يانس به فقال - ما ترى في هذا اليوم - قال، مثل خربشات الشحاذين اذ ليس لها قدر واقبل على ما معى - ثم اخرج من كمه درج آبنوس مضبب بالذهب وفتحه عن حرير أخضر انكشف عن ملعقة كبيرة جوهر لمع منها شهاب ووضعها بين يديه - فراى المتوكل ما لا عهد له بمثله وقال، من اين لك هذا؟ قال، من الناس الكرام - ثم حدث، انه صار الى ابي من أم جعفر زبيدة في ثلاث مرات بثلاث مائة ألف دينار بثلاث شكايات عالجها فيها واحداها انها شكت عارضا في حلقها منذر بالخناق فأشار عليها بالفصد والتطفئة والتغذى بحسو وصفه فاخضر على نسحته في غضارة صينية عجيبة الصفة فيها هذه الملعقة فغمزني ابي على رفعها ففعلت ولففتها في طيلسانى وجاذبنيها الخادم فقالت له لاطفه ومره بردها وعوضه منها عشرة الآف دينار - فامتنعت وقال أبي، يا ستي ان ابني لم يسرق قط فلا تفضحيه في اول كراته لئلا ينكسر قلبه - فضحكت ووهبتها له ولى - هذا وان لم يكن في خبر نسيج الملعقة فلمعان الشعاع في الحكاية يدل من الياقوت على احمره - وسأل عن الآخرتين فقال، انها اليه تغير النكهة باخبار احدى بطانتها اياها وذكرت ان الموت اسهل عليها من ذلك، فجوعها الى العصر واطعمها سمكا وسقاها دردى نبيذ دقل باكراه فغثت نفسها وقذفت فكرر عليها ذلك ثلاثة ايام ثم قال لها، تنكهى في وجه من اخبرك بذلك واستخبريه هل زال - والثالث انها اشرفت على التلف من فواق شديد كان يسمع من خارج الحجرة فأمر الخدم باصعاد جوابي الى سطح الصحن وتصفيفها حوله على الشفير وملأها ماء وجلس خادم خلف كل جب حتى اذا صفق بيده على الاخرى دفعوها الى وسط الدار ففعلوا وارتفع لذلك صوت شديد ارعبها فوثبت وزايلها الفواق - وكانت الجواهر تغرر في ايام بني أمية واوائل ايام دولة بني العباس حتى قالوا انه كان يعمل منها أوان واهذا قال الشافعي في كتاب حرملة، لايجوز استعمال أواني الياقوت والبلور لأن قيمتها قيمة الذهب والسرف فيها اكثر من السرف فيه - وقال في الأم، ان استعمالها مباح لأن المعنى خص الذهب والفضة باالمنع - وحدث بعض الواردين من العراق ان عند ابي طاهر بن بهاء الدولة الذي كان يلى الصبرة ثم ملك بغداد قطعة كبيرة من ياقوت احمر مغروسة في سبيكة ذهب ويسميها جبلا وكأنه كان لفخر الدولة فقد شابهه وصفا - وذكر الحسن والحسين الاخوان الرازيان ان الامير يمين الدولة محمود ﵀ أراهما ياقوتا على مثل حبة العنب وزنها اثنا عشر مثقالا وانهما قوماها بعشرين الف دينار فصدقهما وقال، هذا كان لتروجنبال الشاه وكان رهنه عند بعض تجارهم على اربع مائة الف درهم ولو لم يسو عنده عشرين الف دينار لما ما كان فكه على انه لم يضاه المثقال والنصف ولا المثقال من الرمانى المربع الموصوف اولا بالنجم - ويحكى عن جولة ان له منه قطعة كبيرة مركبة على آلة الاركاب يأخذها نفران باطراف الاربع حتى يضع هو رجله عليها ويطأ الجوهر فيرفعونه الى العمارية ويستوى فيها على ظهر البغلة - وذكر الأخوان، انه اشترى للأمير الشهيد مسعود اسعد الله درجاته بما نال من الشهادة ايام اقامه بالرى وارض الجبل ياقوت احمر مستطيل على صورة أسد بسبعة الآف دينار نيسلبورية وقيل انه الجيل فكأنه الذى كان يملكه سياه وزير أخي قابوس فانه أخذه عوضا عن حصته من ملك ابيه وكان يحكى انه كأسد اذا قبض الكف عليه كان باديا من جانب الخنصر والابهام - وكانوا يتحدثون اجازته على الرصد بسرنديب شبه الخرافة ان مخرجه حلق رأسه وصاغ له فروة من نحاس ثقبها حتى صارت كالمنخل وجعل فيها موضعا للجوهر وسعه عند نقره القفا وادخل رأسه فيها ولبث الى ان نبت شعره المحلوق وبرز من الثقب والتف على تلك الفروة حتى أخفاها وتوكأ على عكازة وذهب عريانا في صورة المكدين الى ان اجتاز على موضع التعرض - وكنت رأيت بخوارزم في جملة ما كان يصدر في كل سنة من الهدايا الى الامير يمين الدولة سكينا نصابه ياقوت احمر اذا قبضت اليد عليه رؤى طرفاه فوق القبضة وتحتها ولكنه كان منعقدا - فذكرت بعد فصوله انه ربما كان كركندا ثم لم اسمع له خبر بعد ذلك
стр. 25
فاما التسمية بالجبل فهو ظن منهم انه سمة تستحق بالعظم في الجثة حتى صار وا يسمون كل ما كان من اليواقيت اعظم حجما وانما هو سمة لثقل الثمن او تشبيه بجوهر رمانى او بهرمانى كان في خزانة الخلفاء مثل الكف في غلظ صالح ونواتى بارزة منه ووزنه ثلاثون مثقالا ولقبه جبلية - وكان فيها آخر مستطيل معقف رأسه لطرف الصنج اسمه العنقاء وزنه احد وعشرون مثقالا - وكان فيها المنقار بوزن خمسة عشر مثقالا - وذكروا انه كان على خلقة طائر من ياقوت احمر ومنقاره اصفر وهو الاعجوبة وذكر نصر في المنقار، انه كان فصا ووزنه مثقالان الا دانق وانه فاق الجبل في اللون والماء ولم يشر الى علة تسميته بالمنقار - قال، وكان لخالة المقتدر فص يلقب بورقة الآس لانه كان على مقدارها وزنه مثقال الا شعيرتان وشراؤه ستين الف درهم وكان فيها البحر من ياقوت احمر وزنه ثمانية وعشرين مثقالا الا انه كان رقيقا ومقعرا بحيث كان يمكن الشرب فيه - الى سائر ما كان فيها من الجواهر الملقبة وغير الملقبة لأن الجواهر كانت قنية الاكاسرة مجتمعة من لدن اردشير بن بابك يرثها عن القائمين بعده كابر عن كابر الى انقلاب دولتهم نحو العرب فألقت ارض فارس الى الدولة المتجددة اقلادها واخرجت الى اصحابها اثقالها، وحال الخلفاء الاربعة في الانقباض عنها وصرفها الى سائر المسلمين ظاهرة وكذلك من قام بعدهم من ينس أمية ومروان فقد كانت دولتهم عربية لم يترعن فيها غير نفر أو نفرين فاتسعت الجواهر المذكورة في ايامهم وامتلأت بها خزائنهم ثم فاجأتهم الدولة العباسية فكانت في مبدأها لما جمعوا كالذر ذودا تمشت ما وجدت واشترطته فانتقل الى ملكهم واقبلوا على انمائه والزيادة منه ولم تزل جواهر الخلافة في الازدياد الى ايام المقتدر فأنه كان ذا أم مستولية ومؤثرا لما لا فلاح لمثله معه من مجالسة النساء في اللعب والبطالة فوقع في الاموال كاللص المغير وتجاوزها الى الجواهر فبذرها فيهن وضيعها بايديهن واحتشم وزيره العباس ورام اسكاته بالاشراك في النهب وتلويثه بالخيانة ليعمى عليه وانفذ اليه من الجواهر ما يعظم مقداره تكرمة له فردها العباس قائلا، انها زينة الاسلام وعدة الخلافة وليس تفريقها بصواب - فخجل وصار سبب ذلك ثقله على قلبه - ولما ولى علي بن عيسى من مكة وكان قد نفى اليها بعد الوزارة ولقى المقتدر اجرى حديث سمط اخذ من ابن الجصاص بثلاثين الف دينار من مال موافقته وسأله عنه فقال، هو في الخزانة - زساله ان يحضره فطلب ولم يعثر على اثر فأخرجه حينئذ علي بن عيسى من كمه وقال، قد اشترى لي بمصر واذا وقع هذا في الجوهر ففى ماذا يقع؟ فأشتد على المقتدر وعلى بن عيسى واتاهما به زيدان القهر مان وكيف لا وبشحها يضرب المثل ولكنما لم تحقق صفتها فنحكيها بالتفضيل - وقال الصادق في قوله -
فلا كانت الدنيا اذ ساها النسا ... وان سسن يوما فالسلام على الدنيا
وان ترشدها هدى على صدقه فقل من تحمد من النساء كزبيدة في اكثر الفضائل وسبحتها من يواقيت رمانية كالبنادق مخروزة بمثل شرائح البطيخة - اذا وجد منها الآن شيء عرف بها ونسب اليها والدر المثقوب بالتصليب من امرها لتتخذ منها للوصائف ثيابا منسوجة منها - وخبر قردها ومقتله وصلاتها عليه واستماعها مرثيته وبكاها عليه من القوادح في العقل - وحكايتها محظورة لعظم الحرمة - ثم ماذا يقال بعدها في من لايصلح ان يكون ترابا لموطأها - وقد كان الخلفاء قبل المقتدر يبسطون ايديهم في الجواهر بقدر لايجحف ولا يلامون عليه - وكان في جملة حظيات الرشيد واحدة لم ترزق جارية من الجمال ما رزقته هي وكان الرشيد اذا اتحفهن بشيء ردت المذكورة حصتها وهو يغتاظ من ذلك واتفق يوما انه نثر عليهن جواهر لها قيم فالتقطنها ولم تمد تلك اليها يدا ثم احضر جواهر غيرها وخيرهن فيها فاخترن وقال لتلك، لم لا تختارين اسوة صوحبك؟ قالت، ان كان لي ما أختاره فسافعل وجاءت وأخذت بيده وقالت له، هذا أختياري من جميع جواهر العالم فأعجب بها الرشيد وسماها خاصلة وفاقت سائرهن في الحظوة منه في الثوائب واصلات والمواهب واتفق ان جائزة الرشيد تأخرت عن ابي نواس فقال -
لقد ضاع شعرى على بابكم ... كما ضاع در على خالصه
стр. 26
واتصل ذلك بخالصة فشكته الى الرشيد فاستحضره وقال له يا فاسق ما حملك على هذا؟ فأجابه، ان الغلط وقع من الراوى بظنه الهمزة عينا - فأظهر الرضا به منخدعا للتكرم ومرضيا للشاكية - ومتى يذهب ذلك على مثل الرشيد وهو من جهابذة الشعر - وكما حكى عن عمر بن الخطاب وهو مع ذلك يتغابى فيه ويذب عن الحطيئة في هجائه الزبرقان لولا إفساد حسان بن ثابت ما رامه عمر من اصلاح ذات البين وقطع لسان الحطيئة عن نفسه الاصطناع ولم يزل هو واولو الهمم العالية والانفس الأبية يقتفون أثر رسول الله ﷺ في أمره بقطع لسان الشاعر بشفر البر ويتغفلون عن الشعراء اذا ساء أدبهم عند الهيم في واد لايعنيهم شأنه - ألا ترى تغافل عبيد الله وزير المعتضد عن علي بن بسام وقوله عند موت احد لبنيه -
قل لأبي القاسم المرجى ... قابلك الدهر بالعجائب
مات لك ابن زينا ... وعاش ذو النقص والمعائب
حياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصائب
وبلغ عبي اللّع خبرها فدعا بالبسامى وقال له، يا علي كيف قلت؟ فاتقى الشر وقال مرتجلا، قد قلت -
قل لأبي القاسم المرجى ... لن يدفع الموت كف غالب
لئن تولى بما تولى ... وفقده اعظم المصائب
لقد خطت لك المنايا ... عن حامل عنك للنوائب
وانما اقتبس من قول ابن المعتز في تسلية عبيد الله -
قل للوزير كذا الزمان وصرفه ... والمرء ذو أجل يصير اليه
فلقد غبنت الدهر اذ شاطرته ... بأبي الحسين وقد ربحت عليه
وابو محمد الجليل مضابه ... لكن يمين المرء خير يديه
ولما خرج من عنده جمح به طبعه الى اعادة الاساءة فقال -
ابلغ وزير الامير عني ... وناد ياذا المصيبتين
يموت خلف الندى ويبقى ... خلف المخازى أبو الحسين
فانت من ذا عميد قلب ... وانت من ذا سخين عين
حياة هذا كموت هذا ... فالطم على الرأس باليدين
فانتشرت الابيات الاولى في الالسن وتمثل بها في كل شيء وهدت في لعب الشطرنج كالعادة من غير قصد - فحدث ابن حمدون النديم انه لعب بالشطرنج مع المعتضد يوما ما اذ دخل عب الله وهو يستأذنه في شيء ثم انصرف بما مثل له في ذلك الامر فلما ولى انشد المعتضد - حياة هذا كموت هذا - واشتغل باتمام الدست وهو يكرر البيت وعاد القاسم اليه لأمر آخر والمعتضد مشتغل بلعبه مكرر لما أنشد لاه عنه لايشعر بدخوله فاحتال ابن حمدون لتعريفه بحضوره فرفع اليه رأسه واستحيا منه حتى ظهرت حمرة التشوير في وجهه - وقال له؟ يا ابا الحسين (قد حمله الخجل على التكنية) لم لاتقطع لسان هذا الماجن ةتدفع شره عنك؟ فانصرف القاسم مبادرا وللفرصة في البسامى مهتبلا وامر بطلبه للتشفى منه ودهش ابن حمدون لذلك حتى ارتعشت يده وفسد لعبه إشفاقا على البسامى أن يلحقه مكروه فقال المعتضد؟ ما بدا لك؟ فقال يا أمير المؤمنين ان القاسم ليصطلى لباره وكالى به قطع لسان البسامى من فرط الحنق والرجل احد نبلاء الشعراء وفيما يناله سبه على امير المؤمنين - فامر باحضار القاسم وساله عما عمنل في حق البسامى فقال؟ تقدمت الى مؤنس بإحضاره لأقطع لسانه - قال؟ انما أمرناك ان تبره وتصله وتكرمه ليعدل عن هجائك الى مدحك - قال؟ يا امير المؤمنين لو عرفته حق المعرفة وسمعت قوله لاستجزت قطع لسانه - فاستدركها المعتضد وتبسم وقال؟ انما امرنا بتخريب البحيرة لذلك فتقدم انت باحضاره واخرج اليه ثلثمائة دينار فان ذلك احسن بنا من غيره؟ ففعل وخلع عليه وولاه بريد الصيمرة ولم يزل بعمارة البحيرة وتحفيفها بالرياض وانفق على الأبنية ستين الف دينار وكان يخلو فيها مع جواريه وله فيما بينهن حظية ستمى ذُريره فقال البسامى -
ترك الناس بحيرة ... وتخلى في البحيره
قاعدا يضرب بالطبل ... على حر ذريره
стр. 27
وبلغ المعتضد ذلك فلم يظهر لأحد انه سمعه وامر بتخريب ما استعمره منها - نرجع الآن الا ما كنا فيه فنقول غن الجبل المشهور الذي ينتحل اسمه لغيره فانه كان فصا من ياقوت احمر على اقصى النهاية في النفاسة ذكر ابراهيم بن المهدي انه اشترى لبيه بثلثمائة الف دينار وكانت أكياسا لما نضد بعضها على بعض كالجبل وانه وهبه للهادي ووهب للرشيد الخاتم المعروف باسماعيل من زمردة لم ير مثلها وفيها ثقبة وطلب لها سنين ما يشابهها ليسد تلك الثقبة به حتى وجده بعد حين وعمل ما يهندم فيها واحضر الصواغ وصاغوا بين يديه خاتما وطلى المنحوت بمصطكي ليركبه في ثقبة الفص فوضعه الرشيد على كفه ينظر اليه معتبرا للمشابه بينهما فوقعت عليه ذبابة وتعلق برجلها وطارت وذهبت به فقال الرشيد - صدق الله تعالى في قوله (ضعف الطالب والمطلوب) ولما استخلف الهادي ودخل عليه الرشيد رأى الاسماعيلي في يده فحسده عليه وأراد ان يقترن بالجبل - وحين خرج من عنده أتبعه الفضل بن الربيع مع اسمعيل الاسود بان يبعث الاسماعيلي اليه وان لم يفعل فجئني برأسه - ولقه الربيع واخبره بالقصة فقال - والله لا أعطيه الا بيدي - فرجع مع الى ان بلغا الجسر فأخرجه من اصبعه وقال يا فضل أهو الاسماعيلي؟ قال - نعم فرمى به في دجلة - وطلبوه فلم يوجد الى أن استخلف الرشيد ومضت من خلافته سنة وكان بالخلد يذكر ما عاملع به موسى فتذكر الخاتم وامر الفضل بالغوص لطلبه فقال - يا سيدي قد طلب مرارا وانى لأظن ان قد علاه اكثر من اربع اذرع من الطين لتطاول المدة - ثم مضى الفضل بالغواصين فقال له احدهم قف موقف الرشيد وارم بمدره في قدر الخاتم كما رمى به - ففعل واول ما غاص الغواص في مسقط المدره بعد ان قدر ما يميل الماء به الى ان بلغ القرار اخرج الخاتم بعينه كما هو وقرنه الرشيد بالجبل كما اراد الهادي ولم يكن ان تبلغه المقادير ما اراد وذكر نصر انه كان احمر بهرمانا معصفرا صافيا يتزن ثلاثة مثاقيل غير دانق وقيمة مائة الف الف دينار ثم ان الرشيد كان شديد الولوع بالجواهر حريصا على اقتنائها وانه بعث بالصباح الجوهري جد الكندي الى صاحب سرنديب لابتياع جواهر في ناحيته فاكرمه الملك ورحب به وأراه خزانة جواهره وهو يقلبها ويتعجب من جلالتها وعظن اجرامها الى ان بلغ ياقوتا احمر ولم يكن راى في خزائن الملوك مثله فاشتد اعجابه وقال له الملك؟ هل لك عهد بمثله قال؟ لا والله - قال فهل تقدر على توقيمه اذ عجز الكل عنه - قال؟ افعل - وشق ذلك على الملك وقال له؟ كنت استرجح عقلك فكذبت فراستي فيك لادعائك ما اعجز الكافة - قال الصباح؟ ما اخطأت فراستك وان اردت صدقتها فاجمع عندك من ذوي البصر بأمر الجواهر - فجمعهم واستحضر الصباح ملاءة وبسطها ودفع أطرافها الى اربع نفر يمسكونها في الهواء ثم رمى بالياقوتة فوق الملاءة بأقصى قوته ولما سقطت على الملاءة قال للملك قيمتها ان تنصب العين على الارض الى ان تعلو الى حيث بلغت بالرمى - فاستحسن القوم قوله في اعينهم وعين الملك وامر فحشى فوه بالجوهر الرائق وخلع عليه وصرفه بقضاء ماورد له - وحدث السلامى عن اللحام ان ابا البشر السيرافي كام عند خاله بسرنديب ذات ليلة فاحضر فص ياقوت احمر وكان يضعه على احرف الكتاب يقرأه وتعجب الحاكي من ذلك ظنا منه أن ذلك في ظلام الليل وان يضيء مشف من غير ضياء واقع عليم من مضيء؟ وكان ذلك الياقوت كنصف كرة بسطحها نحو الكتاب فالخطوط الدقائق تقرأ بمثلها من البلور لأن الخط يغلظ من ورائها في المنظر والسطور تتسع وعلل ذلك موكلة الى صناعة المناظر
стр. 28
ومما يشبه امر الاسماعيلي ان الامير امين الدولة ركب يوما ببلخ الى المتصيد وتعرض لخ مستميح من اهل بخارا يدعو ويبرم وكان يضجر بامثاله فامر ان يعلى بالمقارع واتفق ان حرك يده فسقط الفص من الخاتم وذلك بمراى من البخاري المصفوع فتربص البخاري مرور الموكب ثم جاء ورفع الفص من الطريق ووقع بصر الامير على الخاتم عندما انصرف فأمر بطلب الفص وشدد فيه ثم ركب من الغد وقد وقف له البخاري في موقفه بالامس وعاد الى اضجاره فامر بشدخ رأسه بالدبابيس - فقال له البخاري، ان كنت غير معطيني شيئا من مالك فخذ ما معي من مالك - وناوله الفص فبهت له وساله عن خبره فأخبره بالقصة - قال، ارغمني الله بك - وامر بثلثمائة دينار وقال - خذها ولا تشكرني عليها فليست بعطيتي انما هي من الله تعالىولو كانت الى ما اعطيتك واحدا - واعجب من هذا ان رجلا من اهل فراوة يسمى احمد بن الحسن اليزيدي كان مولعا بالشراب خالعا عذاره فيه وانه شرب ذات ليلة مع اصحابه في ربض الجرجانية بخوارزم وندر الفص من خاتمه وهو لايشعر به الى الغد وقد نسى الموضع واتى على الحديث سنتان فدق عليه بابه ليلا وقال، ان الفقيه الاخشيدي الخطيب انفذ اليك هذا الفص - واذابه فص خاتمه تامفقود فغدا اليه وسأله عنه وكان لذلك الفقيه اتانين شيوى فيها اللبنات اجرا - فقال، كنت واقفا عند الاتون وحاملو اللبن ينقلونها من الظهور الى الارض فوقعت من يد احدهم لبنة وانكسرت زظهر من مكسرها هذا الفص وعرفته من اسمك المكتوب عليه - وخلاف هذا ان المأمون لمل قدم بغداد منصرفا من خراسان اهدى اليه الفضل ابن الربيع فص ياقوت لم ير مثله فأخذ المأمون يقلبه ويحمله من يد الى يد ويقول لجلسائه، ما رأيت احسن من هذا الفص - ثم حدثهم ان ابا مسلم سرح زياد بن صالح الى الصين فوجه اليه بفص وقع من جهته البى ابي العباس السفاح فوهبه لعبد الله بن علي وصار منه الى المهدي ثم الى الرشيد فبينما هو يرمي قوس جلاهق اذ ندر الفص من خاتمه وكرب ذلك الموضع، حواليه فلم يعثر له على اثر واغتم له جدا - واشترى صاحب المصلى فصاعد يم المثل بعشرين الف دينار وبعث به اليه ليسليه عنه فلما نظر اليه قال اين هذا من فصى؟ ثم قال المأمون، لأضعن من قدر هذه الحجارة النى لامعنى لها - ورده على الفضل وقال لرسوله، قل له ذهبت دولتك يا ابا العباس ولما رجع الفص الى الفضل وجم له وقال لأحد بطانته، ان المأمون لايعيش من يومه الا اقل من سنة - وما امسى الا ودق اتاه الخبر بالقصة فأسرها ولم يبدها الى ان حال الحول وركب في جناره العباس بن المسيب فعرض له بباب اللشام بعض اولاد الفضل ودعا له وانتسب فاستدناه حتى قرب من ركابه فانحنى اليه وادنى اليه رأسه مسرا ثم قال أعلم ابا العباس ان الوقت قد مضى - والله لقد كان عمر بن عبد العزيز اشد وضعا من هذه الحجارة مع عفاف نفسه عنها وعن امثالها بل وعن الدنيا كلها وقد كان يملكها وانه سمع ان ابنه عبد الله اشترى فصا بالف درهم فكتب اليه اما بعد فقد بلغني انك اتخذت خاتما اشتريت فصه بالف درهم فعزيمة منه اليك إلا بعته واطعمت بثمنه الف جائع وعملت خاتما من ورق فصه منه وكتبت عليه؛ رحم الله امرء عرف قدره ففعل ما امره به - واما ذهاب فص الرشيد بين الباب والدار فيمكن ان يفوز به احد الكرابين الارضين في طلبه ويمكن ان ينقض طائر وهو في الهواء ثم يهوى الى الارض فيبتلعه لحما فيأخذه بفيه ثم يرمي به اذا تباعد - وكان مع عبد الله بن مروان بن محمد فص احمر قيمته الف دينار مكتسى بمقربة (وهو) ينشى راجلا في منصرفه من ارض النوبة ويقول ليت لي به دابة أركبها وقال بعض اهل مروان - لم يكن لنا في هربنا شيء انفع من الجوهر الخفيف الثمن الذي لايجاوز قيمته الخمسة دنانير اذ الصبي والخادم يخرجه ويبيعه وكنا لانجترئ على اخراج الثمين من الجوهر فما كان ينفعنا كثرة ىثمنه بل كان يضرنا وهذا كما لم ينفع يزدجرد ما معه من الجوهر في منطقته بدل اربعة دراهم طلبها منه الطحان بل كان فيها حتفه تحت الطاحونة ولهذا قل ما تجد مجوسيا خاليا عن اربعة دراهم تصحبه اينما كان اعتبارا بيزدجر
стр. 29
قال نصر - كان للامير الرضى نوح بن منصور السامانى زوج خاتم يسمى كل واحد منهما بطيخة فص احدهما ياقوت احمر وكحبة العنب والآخر ألماس مجانس له في القدر والشكل فقيل انه لم ير الناس اعظم حبة منه - وكان ملوك الاسلام يعظمون بيت الله الكعبة ويهدون اليه ما استحسنوه تمثيلا بعبد المطلب حين احتفر بئر زمزم زكان مطموسا فوجدوا فيها اسيافا قلعية صرفها الى باب الكعبة وغز الى ذهب مرصعين احدهما الى تحلية الباب وعلق الآخر في داخلها تاسيا بالنبي ﷺ في تعليقه البرسم الذهبي الذي اهداه اليه باذان الفارسي من اليمن عند اسلامه يريه التبرؤ من المجوسية وترك رسومها وابتدأ بعده في مثل عمر بن الخطاب فعلق الهلالين المحمولين اليه من فتح المدائن مع الكاودوشة والقدحين المعمولين من جوهر فات الثمن والقيمة وكانت كلها مرصعة بالجوهر الفاخر والزبرجد المرتفع في الكعبة - ثم بعث يزيد بن معاوية بهلالين كانا في الكنيسة بدمشق مرصعين بالكبريت الاحمر أي الياقوت الرمانى وبلغ الهلال منهما مائة الف دينار فلم يبعهما يزيد ولكنه بعث بهما الى الكعبة مع قدحين احدهما عقيق والآخر مها وقارورتين احداهما عقيق والاخرى من ياقوت - وضرب عبد الله بن الزبير بابي الكعبة بصفائح الذهب - وحمل عبد الملك بن مروان الى الكعبة شمستين وقدحين من قوارير والبس الاسطوانة الوسطى بصفائح الذهب - وبعث الوليد بن عبد الملك قدحين لم يذكر في الكتب حالهما - وبعث السفاح اليها صحيفة خضراء من زبرجد اشتراها باربعة آلاف دينار - وبعث المنصور بالقارورة الفرعونية مع لوح عظيم من فضة كان اهداه اليه ملك الروم - وبعث المأمون مع الاصنام الذهبية والفضية المأخوذة من اصبهبذ كابل لما أسلم وبالياقوتة التي كانت تعلق على وجه الكعبة في المواسم - وبعث المتوكل اليها شمسة من ذهب مكللة بالدر والياقوت والزبرجد وكانت وكانت سلسلتها تعلق كل موسم وكانت قبيحة بنت المعتز ادخرت من الجواهر شيئا كثيرا لم تنتفع به في دين او دنيا ولم تغث به ابنها حين طلب منه الاتراك خمسين الف دينار على أن يقتلوا صالح بن وصيف ويريحوه منه فلاذ بأمه وشحت عليه وما زادت في الجواب على ان لا مال لها - ووجد صالح بعد قتله المعتز لها في مخبأ ثلاثة اسفاط في اولها قدر مكوك من زمرد لم يقدر المتوكل ولا غيره على مثله وفي سفط دونه قدر نصف مكوك حب كبار ما ظن ان مثله يقع ويكون في ايدي العالم وفي الثالث دونه قدر نصف كيلجة ياقوت احمر ما سمع بصفة مصله وقومت لصالح عوضا على البيع بالفي دينار ومع تلك الاسفاط من غير الجواهر ما قيمته الف الف دينار قد ضيعتها بجهالة وشح نفس بعد تضييع الابن وتوهين الخلافة وما رحت تجارتها غير الافتضاح بارتكاب صالح منها ما خرجت به الى الحج حرمانة عريانة تفضح بالفضيحة بالدعاء عليه - وما ايذكر من الجواهر غير معلومة بالتفضيل فان منها ما حكى عن عامل خراسان وقد وجد لبعض الاكاسرة نخلة مصوغة من ذهب عليها انواع الجواهر منظومة بين السعف على مثال البسر والتمر فحملها الى مصعب بن الزبير بالعراق وقومت بالفي الف دينار فقال لجلسائه من ترون اهلا لها؟ قالوا - انت فدعها لولدك - قال - ر ولكني ادفعها الى رجل قدم لدينا يدا وهو انفع لهم منا - ادفعوها الى عبد الله بن ابي فروة - فأخذها - ولما دخل المسلمون الى نهاوند وجمع المسلمون الاسلاب اللا السائب صاحب الاقباض اقبل الهربذ الى حذيفة بن اليمان وقال له هل لك ام تؤمنني حتى اخبرك بما اعلم؟ قاله - نعم فهات ما معك قال - ان النحيرجان اودعني ذخيرة كسرى فان امنتني وامنت من شئت؟ وسميت اخرجها لك - قال - قد اعطيتك ذلك - فجاء فسفطين عظيمين ليس فيهما غير اليواقيت والدر واجمع رأي المسلمين عل تخصيص عمر بها دونهم وقدم السائب بهما عليه فقال له - ادخلهما بيت المال حتى انظر في شأنهما والحق انت بجندك - ففعل وبات عمر يروى في ذلك وحين اصبح اناخا بعيرهما سواء وقال للسائب - الحق بامير المؤمنين ففعل فلما رآه قال - مالي وم لابن ام السائب بل ما لابن ام السائب ولي خذ هذين السفطين لا أبالك واحملهما الى حيث حملتهما منه واصرف ثمنهما في عطية المسلمين - ففعل ما امره به ووضعها في مسجد الكوفة فابتاعهما عمر بن حريث بألفي الف درهم وباعهما في ارض الاعاجم بأربعة آلاف الف درهم
стр. 30
وفي سنة اثنين وتسعين عبر طارق مولى موسى بن نصير من جانب ارض المغرب الى الاندلس فقتل ملكها في المعركة وهو في قبة مكللة بأنواع الجواهر على سرير كذلك تجره دابتنا على رسم العجلات التي كانت اليونان تسميها مراكب القتال والهند اتو وهي الرخاخ في الشطرنج - ثم كان الواحد من البرابرة يجيء بالحمل ليس فيه غير الجواهر والديابيج المنسوجة فيبيعه جزافا من العربي بدهم الى درهمين - ثم سار موسى بن نصير في سنة ثلاث وتسعين الى الاندلس قتلقاه طارق مولاه وسار معه الى مدينة طليطلة من الاندلس وفتحاها وأصابن مائدة سميت باسم سليمان بن داود كعادة العوام في نسبة كل ما استغربوا صنعته واستعبدوا عمله اليه وينسب كل بناء وغواص من الشياطين المقهورين وكانت تلك المائدة خلطين من ذهب وفضة مرصعة بالجواهر في ثلاثة اطواق يحملها البغل - ففك طارق منها احدى قوائمها بأخرى من حديد لسوء ظن وأخذ بالحزم في الانف ووجد في بعض المدن التي افتتحهابيت فيه اربعة وعشرون تاجا من تيجان ملوكهم لم يهتد لقيمة التاج منها فكأنها كانت تحفظ لكل ملم مضى منهم حتى يعرف بها عددهم وتواريخ ملكهم او أن ذلك كان سنة مشروعة لهم - وفي سنة ست وتسعين خرج موسى الى الوليد بن عبد الملك واهدى له المائدة فقال طارق للوليد - انا اصبتها دونه ولكنى احتشمتها فتركتها له - فكذبه الوليد وكان قد استظهر بقائمتها فقال - سل موسى عنها. فقال - هكذا اصبتها - وحينئذ اخرج طارق قائمتها الاصلية فعرف الوليد صدقه واجازه وكذب موسى - وحاصر خالد بن برمك اصبهبذي الجبل والمصمغان في قلعة بجبال طبرستان فلما ضاق الامر بهما سألاه الأمان والنزول على حكم امير المؤمنين فأجابهما اليه وخرجا فوكل بالباب من يمنع من اخراج شيء من الفئ منها - وعمد رجل الى سنور فشق بطنه زحشاه بجواهر ثم خالطه ورمى به الى خارج الحصن ولم يحظ بتقديم الاطلاع فاتفق رجل من العسكر قريب من موقعه فأخذه وجاء به الى خالد فأمر بالتشديد في حفظه في الخزائن اذ كانت الاكاسرة وقت هربهم من العراق الى مروا ودعوا ملوك الجبل نفيس جواهرهم وخف اموالهم وذخائرهم فوجد خالد من ذلك ما لم يدر له قيمة - وكان بارض الدوار صنم يسمى زون معمول من ذهب وعيناه ياقوتتان فقلعهما عبد الرحمن بن سمرة وقطع يدا الصنم ثم قال لمرزبانها دونك الذهب والجوهر فما اردنا بما فعلت الا انه اعلمك انه لاينفع عابده ولا يضر معانده - وقالوا؟ واتى المنصور رجل واخبره انه دخل ناووس فىن الملك من الاكاسرة فرأى عليه تاجا من الجواهر واللالى قد فات القيمة وانه كره ان يمد يده لشيء منها دون إخباره بها - فامر المنصور ان يضرب سبعين سوطا وينادى عليهظ هذا جزاء من تخطى عرصة ملك حيا كان او ميتا وهذا هو مستوجب السياسة ومقتضى المروءة والحرية لكن من درس الاخبار واطلع منها على افعال العرب في العجم عند انتزاع ارضهم ونعمتهم وعلى الموجود في قبور بني امية حين نبشها عبد الله بن علي بعلة الثأر والترة وحرص المنصور على الاموال يعلم بطلان هذا الخبر وان كان فيه تحسين الادب - وفي اخبار الفرس التي لاتخلو من زيادتهم امر الاكاسرة وتفضيل ملكهم والمملكة التي لهم ان صاحب سرنديب حمل الى انوشر وان سبع الغوص وعشرة افيلة ومائتي الف ساجة واهدى صاحب الصين فرسا بفارسه منضودا من درر وعيناهما من ياقوت احمر وثوب صيني عشاري لازوردى الارض فيه صورة االملك بتاجه وحلله وهو في اثوابه والخدم على راسه تحمل ذلك الثوب جارية قد غابت في شعرها وفاقت اقرانها حسنا وجمالا والثوب في صندوق من ذهب - واهدى اليه ملك الهند الف مناعود يذوب بالنار حتى يكتب بسواده الذائب وجا ياقوت احمر مملؤ من الدر وعشرة امناء كافور كاالفستق خلقه واكبر منه وفرشا من جلود الحيات موشى الين من الحرير وجاريه في قدر سبعة اذرع وانفذ خاقان مائة جوشن مذهبة ومفضضة بعد التذهيب واربعة آلاف مناسك تبتى
стр. 31
وقالوا انه كان في جملة اموال خزانة ابرويز المسماة بهار خرم بالمدائن التي هي طيسفون واظن انها سميت مدائن لانها كانت دار مقر شاهنشاه فهي ايضا مدينة المدائن يعد العين والورق واواني الذهب والفضة احد عشر سفطا في كل واحد ثلاثون الف حجر ياقوت احمر وعشرة اسفاط في كل سفط اثنى عشر الف قصبة زمرد في كل سفط الف نافجة مسك ومن الكافور مائة جراب كلها مما لايأباه الا مكان وتوجه له الوجوه - فربما خفط في الخبر شؤيطة الامكان في الاوعية وما وعت عددا ومساحة والتفاضب في الاكثر والاقل من الاشرف والارذل وكل ما ارتفع عنه الامتناع فقد تنقبض عنه يد الانتقاد الخفاء موضع الصدق فيه والكذب - واما الخرافات المضحكة التي ربما يتلهى باستماعها فكثيرة عندهم جدا ويكفي منها ما يتصل بهذا الذي نحن فيه وهو قولهم في ابرويز انه خص بسستة عشر خصلة اعجزت غيره واعوزت عند من سواه وتعديدها يمل ويخرج عما نحن فيه بصدده - وبما شهد الجبال لتردد الصدى بها في تجاويفها واحدها كوراوند وكان من حجر على هيئة بقرة وانه كان مدفونا فعثر عليه ورفع الى الحسين جد بدر بن حسنويه ووقف على انه موراوند وكان يصب فيه الشراب فلا يزال يسقى ولا ينقطع ولو كثر الشراب فجربه الى ان طلبه منه كردى من اقاربه كان حمل اليه رأس عدوه فلم يجد بدا من اسعافه به ووسوس الخلق بفعله وكسره بنصفين ليقف على خبر ما فيه فوجد في جوفه عصارين قد شُدّ ناصية احدهما بناصية الآخر يعصران عنب ذهب - فرام جبر ما كسره فاعياه وبطل امره - وحكلا ابن زكرياء في كتاب الخواص، ان بمصر كنيسة فيها ميتان على سرير يخرج الزيت من تحته كذلك فما ينقطع واستغفر الله من هذا - ومما زعموا الكنز المحترق وهو ان خزانة كانت له بأرض فارس مشحونة بالعين والورق وانواع الجواهر والعطر والادهان وقع فيها حريق من الصواعق ودام ايقاده اربعة اشهر وقتلت رائحته الحيوانات الى اربعين فرسخا حوله ولم يخبر احد باخباره الا يعتاقها مدعاها كعادته في امثاله من الحادثات ولما انطفأت النار بذاتها وخمد وقودها فتشوا رماد المحترق وما انسبك تحته فوجدوا البسيطة كلها ياقوتا احمر قطعة واحدة متحدة فسرى عنه وسربه اذ كانت قيمته مثل ما في الدنيا من النعم عشرة ألاف مرة وبه ترأس على نظرائه وفاق من تقدم وتأخر عنه من ملوك الارض وأمر أن يخرط منها مائة لوح في كل لوح الف مثقال وما بقى من أواني الشرب وشرب في جميعها - وكيفية ما كان فهذا في الارض ويكاد أن يتصابر الانسان عليه فيحتمل الاذى فيه ولكن ما يقال على السموات وكونها من هذه الخسائس الأرضية غير محتمل عند من لايزن الخير والشر ولا يوزن بين الفضل والسرف بهذه الاثمان ولا يتدبر قول الله تعالى (لن ينال اللّ؟ هـ لحومها ولا دمائها ولكن يناله التقوى منكم) حق تدبر حتى يتحقق به كيفيات ما يستحق الفرح به وتميز النفيس من الخسيس فيصبر باعراضه عن الباطل بمن ارتضاهم الله من عباده في قوله تعالى (وذا مروا باللغو مروا كراما واذا خاطبهم الجاهل قالوا سلاما) - ومما يضحك ايضا ما ذكر في كتب الفتوح، ان سعد كتب الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، لني احصيت في الفئ صندوقا من ذهب مقفلا بذهب ولم افتحه وان رجلا يعطى فيه ما لا سماه وورد الجواب بأن بعه فما احسبه الا من حماقات العجم - ففعل وفتحه المشتري فأفضى الى درج فتحه واذا فيه كتاب فاحضر من يقرؤه واذا فيه تسريحة واحدة للحية من جانب الحلق انفع من الف تسريحة من عند الخد - فاستقاله المشتري وكتب بذلك الى عمر بن الخطاب واجابه؟ ان يستحلفه أكان مقيلنا لو وجد فيه كنزا اكثر مما امل - فسئل وقال، ما كنت مقيلكم - وقال، ونحن ايضا لانقيلك - وفي مثل هذا قال اسمعيل بن علي في بعضهم:
كالسفط المقفل قد زخرفت ... حاشيه بفنون النقط
يقزا من غر به مشرحا ... كم جوهر ضمن هذا السفط
حتى اذا اسلمه قفله ... لم يك الا الريح فيه فقط
باب سائر الجواهر واليواقيت
стр. 32
قيل خير اليواقيت بعد انواع الاحمر هو المورد الاصفر ثم الا كهب وأدونه الابيض - قال الاخوان الرازيان، ان القطعة الواحدة ربما جمعت جميع الالوان وانه قد وقع اليهما واحدة كذلك تركبت من كل لون حتى حوت الحمرة والصفرة والخضرة والكهبة والبياض وكانا يعلمان ان النار تسلخ جميعها وتبيضها ولا يبقى منها غير الحمرة الثابتة على حالها فقط فانها لها كالاصل وسائر الالوان كالاعراض تبطل بلإحماق ويبقى الجوهر صافيا كالبلور - وما ذكر الكندي من لقط المعادن التي اشتراها يدل عليه - (الاصفر) قالوا، ان المختار منه هو المشبع الصفرة المقارب بالتشبه بالجلنار من الاحمر وبعده المشمشي ثم الاترجي ثم التبني ولا يزال يتراجع بضعف اللون الى ان يقارب البياض ثم يبلغه - وقيمة اجوده اذا اتزن مثقالا مائة دينار ثم تتناقص القيمة بانحطاط الرتبة حتى يبلغ مثقاله الدينار الواحد - وقال الكندى، ومن اشباهه الكركهن في جميع انواعه - فمنه الخلوقى والزيتي والفستقي وبو قلمون يوجد فيه كل لون من الخلوقية والصفرة والخضرة والسماوية ترى فيه هذه الوان عند تحريكه فيتلون ضروبا كبوبراقش في تلون ريشه بحسب الظل والضح ووضعهما منه - قال، والكركهن الاصفر مغالط لانه لايغادر اصفر الياقوت الا في الشعاع والحك فأما الرطوبة فانها رطبة جدا - وقول الكندى في الالوان المختلفة انها تترا يا فيه الحركات يدل انها ليست فيه ذاتية انما هي مخايل - أبو قلمون وأبو براقيش وقد يرى في مكاسر البلورى في الشمس هذه الالوان على احسن ما يكون - كذلك يراها في ضيق فتح عينيه واشرف عليها رشعرة حاجبه ووسطها بين عينيه وعين الشمسي - وقال نصر اول هذا النوع الاصفر الناقع ذو الماء والرونق والشعاع - والثاني الخلوقي وهو اشبع لونا ثم الجلنارى اشبع من الخلوقي واوفر ضياء وهو أجودها (الأكهب) قالوا ان اجوده الطاوسى ثم الآسمانجونى ثم النيلي ثم الآبجون وهو اقرب الى البياض - ومن انواعه الكحلي والنفطي وان ضربا الى السواد وقيمة وزن المثقال من الطاوسي عشرة دنانير ثم ينحط فيما بعده الى ان يبلغ الدينار - قال نصر، ان للاكهب مراتب تتفاضل بالشبع من اللون فأوله الآسمانجونى الازرق ثم اللازوردى ثم النيلي ثم الحكحلي وهو اشبعها - وقال الكندى، انه ربما كان في آسمانجونى صفرة فيدخل النار قليلا بمقدار ما تنسلخ عنه الصفرة وان اخطأ الفاعل ذهبت الكهبة معها - وهذا من قوله دليل على ان الضفرة اقل بقاء فيه من الكهبة - وقال، ان اعظم ما رأينا من آسمانجونىه حول الارعين مثقالا ومن الابيض ما يقاربه - وقد كان عندنا في الخزانة بخوارزم قطعة بين الآسمانجونى والكحلي وزنها ارجح قليلا من ستين مثقالا وقد خرط منها جارية مقعية ركبتاها على صدرها وذقنها عليهما ويداها على ظنبوب الساقين شبكت الاصابع بعضها في بعض - وذكر الكندى في الكيس المشترى انه كان فيه سائر الحصى في المنظر وما بلآثار وانعام التأمل بحد النور فقد اشتملت على ان تكون من احمر الياقوت واصفره وآسمانجونيه - ومن اصناف الكركند والكركهن الاصفر والفستقي والوزيتي والخلوقي ومن ضروب الجربز ما هو شديد الحمرة ومنها رقيقها ولن تظهر الوانها الا بعد الحك فصوصا ثم جود الاحماء منه ما كان احمر - وقرئ علىّ من كتاب هندي في نوع الاكهب ان اجوده واصلبه هو مشبع اللون المدور الشكل خلقة واذا قوبل به الشمس مال لونه الى السواد - وزعم بعض البحريين انهم بلغوا في سيرهم جبلا مطلا على كهف كالزاوية فيه من ماء البحر كالدردور وان ركاب المراكب انتقلوا منه الى القوارب ودخلوا بها تحت تلك الظلة يلزمون حواشي الماء ويتقون وسطه ويحذرونه وكانت اليواقيت الكهب تلمع من خلل السقف المتعالي فيرمونه بالمشاقيص والمعابل العراض النصول حتى تنكسر من الجبال عراضا تساقط فيلتقطون قطاعا منها ما يقع منه على يبس الشاطئ او ضحضاح الماء المتباعد عن الوسط ويتركون ما وراءه بالقرب منه حتى جمعوا من ذلك جملة وباعوها من الحكاكين - وقال الكندى ان من الافلح الآسمانجونى ما يغالط فيروج مكان سميه من الياقوت - ومنه ما يميل الى السواد وهو اردأ النوعين - قال، وجميع الاشباه تجلب من معادن الياقوت الا الافلح فانه يجلب من مندرون من بلاد سرنديب وكأنه عنى مندرى تبن الفرضة
стр. 33
ولو قايست بين أعظم ما يوجد من كل لون من الوان الياقوت وجدته بحسب ما لها من الرتب في القيمة ووجدت الصغر في الجثة مقرونا بالعزة والعظم فيها مع الكثرة على مثال الفلزات وما ذكرناه من مقادير الذهب والفضة والنحاس من جواهرها في الحفيرة الواحدة بحسب صروفها في القيمة - واما اوزان اليولقيت اذا تساوت في الحجم واختلفت في اللون بحسب ما اعتبرناه وتولينا امتحانه - واما الاكهب فانا وجدناه اثقل من الاحمر بشيء يسير أو همت قلته في سبب انه ما كان في الاحمر من الثقب وانها لصغرها لم تطرق للماء فيدخلها وبقيت خالية من الماء مملؤة من الهواء على مثال السحارة فان ضيق الثقب في اسفلها لايسوغ الهواء ان يدخلها مع خروج الماء منها - فان وسعت حتى وسعت الهواء والماء معا سال الماء منها - وقد كان عملنا في هذا الامتحان مائيا فقصرت عليه مقالة تضمنت حقائقه وأدى الى أن الاكهب اذا كان في الوزن مائة كان وزن الاحمر الذي يساويه في الحجم سبعة وتسعين وثمن ولإزالة الكسر يكون نسبة وزن الاحمر الى وزن الاكهب نسبة السبعمائة والسبعة والسبعين الى الثماني مائة ولم يتفق لنا عرض شيء من هذه الالوان على هذا الامتحان وما اظن الابيض منه والاخضر والاسود يخالف الاكهب فانها صم كصممه وثقال كثقله عديمة الخلل غير مثقوبة كالاحمر - وقد جعلنا وزن المائة من الاكهب قطبا في قياس سائر ما عداه واليه نرجع كالجوع الى القانون - واما الكندى فانه قال في الياقوت بالاطلاق انه اثقل الجواهر المساوية لقدره في الفسحة اي سعة المكان فان سعتهبقدر المتمكن ومساحتهما وهما تعليميان غير طبيعيين واحدة ولم بفعل فيه لونا عن لون ولو كان وصف الجواهر بعدم الذوب لكان اشد مبالغة في الاحتياط فان الذهب والزئبق والاسرب يفضل عليه في الثقل - (الاخضر) قالوا ان خير اخضره الزيتي ثم الفستقي ثم ينحط لونه بالتدريج حتى يبلغ البياض وقيمته لا تبعد عن قيمة الاكهب - قال أبو العباس العمانى - ان من الاكهب جنسا يسمى أو قلة وهو أقلها لونا وأردأها والينها - واظن ان الذي سماه الكندى الافلح وان جعله في كتابه بالحاء وان نصراهو الصائب في ذكره بالجيم فانه حينئذ تعريب او قلة وهو الافلج - قال الاخوان الرازيان - الذي رفعه الامير امين الدولة من بيت الاصنام ببلد ناهورة كان او قلة وكان وزنه اكثر من خمسة وثلاثين مثقالا ومعدنه بالهند ومنزلته من الياقوت منزلة االجمست والبلور منها وكان معلقا على رأس صنم من خمسة وتسعين مثقالا من الذهب - فصل اعضاء وسبك للتكاثر والتفاخر بين الاقران - كان ذكره في كتاب الفتح ياقوتا اكهب ورأيته في الطريق عند منصرفة فوجدته مائل اللون الى خضرة الزجاج غير مشبعة يملأ الكفين مثقوبا في احد اركانه مسلوكا فيها حلقة ذهب وعندها بخطهم كاسم او ما اشبهه - شلته بيدي فاستخففته ولمح ذلك المرء فأخذه من يدي لئلا أتبين فيه بخلاف ما يرى الناس منه
стр. 34
(الابيض والاسود) - قالوا في الاسودانه النفطي والكحلي او هما من انواع الاكهب اذا تراكمن اللون فيهما وتكدر - وأما الابيض فمنه ما يخلس بياضه ومنه ما شابه شيء من الالوان فيحك حتى يصير على الشكل المستعمل في ذلك اللون ويروج مكانه او فيما بينه - وربما ثقبت في الابيض مواضع ولون بما يدخل فيها من الاصباغ للتمويه - ويحمل ذها الابيصض من سرنديب ويكون رزينا باردا في الفم - قال نصر - ابيضه نوعان بلوري ويشابه البلور في البياض والصفاء وكثرة الماء - والاخر مختلف عن الاول في اوصافه التي ذكرناها وفاضل عليه في الصلابة ولهذا انتسب الى الذكورة - ويجري على السنة جمهور الهند كذر حجر القمر وسيمونه جندر كاندأي شعاع القمر وليس بالذي ذكره يحيى النحوي في رده على ابروقلس انه على اللون يظهر على سطحه لطخة بياض وتأخذ في الزيادة بزيادة لون القمر الى بدوره ثم تأخذ في النقصان حتى يضمحل في المحاق ويعود عند الهلال بل تزعم الهند ان الماء يقطر منه اذا وضع في سمرة - وكنت اظنه البلور واحمل عليه في ما ذكر في اخبار السند من اتحاف ملكها الاسكندر في جملة ما أهداه اليه بقدح يمتلي زعموا من ذاته ماء واوجه له بالممكن الكون وجوها وليس يبعد ان يكون ذلك الحجر القمري المذكور - والياقوت الابيض فانه اوزن من البلور والبرودة في الفم من لوازمه وذلك معين على اجتماع الماء عليه قطرات كاجتماعه على اواني الفلزات المملوءة ثلجا الموضوعة في الظل صيفا المظنون بها عند العامة انما رشح من الداخل الى خارج وخاصة في هواء بلاد الهند الحار الرطب وأنى تكون تلك القطرات رشحا وهي ان جمعت في مرات كان لوزنها مقدار ولم ينقص من وزن الآنية بها بما فيها في الوزن متى استوئق من فيها بصمامة محكمة - وذكر سسرد في كتابه المجمل والمفصل هذا الحجر واستعمل ما يقطر منه من الماء في علاجاته وقال؛ ان الذي يرشح من هذه الخرزة نافع من الحميات وارواح السوء - وعند العمامة ان جرم الياقوت يتردد في الوانه بين الاكهب والابيض والاصفر الى ان يبلغ الاحمر - قال الغضائري
ازبسى كستن بحال ازحال شد ياقوت باك ... بيشتر اصفر بباشد لنكهى احمر شود
وهذا بسبب ما سمعوه من الطبيعيين ان الياقوت الاحمر بالغ عاية كما له كما الذهب الابريز في غاية اعتدالة وظنوا ان الياقوت تردد في الوانه وتدرج فيها الى الحمرة ثم وقف لديها اذ ليس وراء الكمال شيء - وان الذهب ايضا يتردد في انواع الذائبات من عند أبويه الزئبق والكبريت واجتاز على الرصاص والنحاس والاسرب والفضة الى ان يستوفى الصبغ والرزانة فوقف فلا يتجلوز رتبة الكمال - لذلك زعموا يزداد في التراب وزنا ولا يستحيل فيه ولم يعن الطبيعيون فيها الا ما يعنون في الانسان انه بالغ اقصى رتبة الكمال بالاضافة الى ما دونه من الحيوان ويذهبون فيه الى سنخه وجوهره لا انه صعد الى الانسانية من انواعها حتى ارتقى من الكلبية الى الدبيه ثم الى القردية الى ان يأنس - وقال ابو بكر علي بن الحسين القهستانى
كذا اليواقيت فيما قد سمعت به، ... من طول تأثير جرم الشمس في الحجر
فان عنى انها اطالت التأثير في اي حجر كان حتى صار بذلك ياقوتا فهو محقق في ظنه وان عنى المادة المستعدة لقبول الياقوتية فهو محقق صادق كما أشرنا في بيته فيب الاصل - وقال منصور مورد - كجا خاك دركاهش ازكيمياست - كيا قوت كرد دهمى رومدر وجميع ما في العالم يستحيل بعضه الى بعض بحسب امتداد زمانه ولكن هذا طريق الشعراء من الاغراق في المدح بالأكاذيب -
ذكر اللعل البدخشى
стр. 35
الجواهر الفاخرة في الاصل ثلاثة وهي الياقوت والزمرد واللؤلؤ ومن حق الترتيب فيها ان يتلو بعضها بعضا الا انه لما جرى في باب الياقوت ذكر لأشباهه وجب الحاق اللعل لها فانه منها واباها - فاقول انه جوهر احمر مشف صاف يضاهي فائق الياقوت في اللون وربما فضل عليه حسنا ورونقا ثم يخلف عنه في الصلابة حتى اسرع التأثير اللى زواياه وحروفه من مماسة الاشياء ومصاكتها ويجاوز ذلمك الى سطوحه المستوية حتىذهب بمائه الى ان يعاد عليه الجلاء بالمارقشيثا وان تنوع انواعا بالوانه ونسب صفره الى الذهب والبيضه الى الفضة واحمره الى النحاس وادكنه الى الحديد فان الذي يستعمله الجلاؤون هو الذهباني لم اتحقق فيه الى الآن اذ لك لخاصية فيه معدومة في سائر انواعه ام هو من جهة كثرته وقلة سائره - وهذا اللعل هو الذي سماه الكندي ونصر بيجاذيا ذهبي اللون ولست اعرف لهذه التسمية علة سوى احتياجه في الجلاء الى ذهبي المارقشيثا واسبعدها مع ذلك انه ليس للذهب بلونه اتصالا يحتمل التشبيه والاختلاط كما ترى في غيره من قطع اللازورد - ونسب نصر معدنه الى بدخشان وقال انه يشترى الى ايام آل بويه بقيمة الياقوت ثم عرفوه فتخلف عن نفاقه بتلك القيمة - وليس بدشخان منه بشيء ولكنه ينسب اليه لأن ممر حامله عليه وفيه يجلى ويسوى فبدخشان له باب ينتشر نمنه في البلاد كما ينسب الهليلج والعود والبرنك الى كابل لأن كابل كان فيما مضى اقرب ثغور الهندالى ارض الاشلام وبها مقر المتلقبين بالشاهية من الاتراك والبراهنة بعدهم فكان كابل ايامئذ كالفرضة المقصودة لجلب تلك السلع منها والا فذلك العود الخالص محمول اليها من سواحل الهند الجنوبية والهليلج من جالهندر وبينهما مسيرة اكثر من شهرين بسير الرفق - والبرنك محمول اليه من نواحى قيرات المصاقبة لحدود كشمير والقندهار - ومعلوم انه لايقوم على النار من انواع اليواقيت غير احمره وان لونى اصفره واكهبه سنسلخان عنها في الحمى لكن احد من يزاول صنعة الحك والجلاء بتلك النواحي اخبر ان هذا الجوهر اللعل يقاوم النار ان احمى بالتديج وتركت البزطقة في الكور الى ان تبرد بالتدريج ايضا فان النار تزيده حسنا وصفاء ولم اشاهد ذلك ولم اتمكن من امتحانه - ومعادن اللعل في بقاع بها قرية تسمى وَرزَقنج على مسيرة ثلاثة ايام من بدخشان بخروخان في مملكة شاهنشاه ومقره شكاسم قريب من تلك المعادن والطريق اليها يتياسر من شكاسم ويمر فيهل بينه وبين شكنان ولهذا استأثر صاحب وخان بغلاوة الجوهر ويجوزه سرا ولايطلق لمستنبطيه حمل شيء عظيم الحجم الى موضع الا بمقدار من الوزن فرضه لهم ورخص في حمله وما زاد عليه فهو له ومحظور عليهم حمله الى غيره - وذكروا في اول ظهور هذا الجوهر ان الجبل هناك انشق وتقطع بزلزلة أرجفت الارض حتى تساقطت الصخور العظام وانقلب الموضع عاليها سافلا وظهر اللعل منه ورأته النساء وظنته صابغا للثياب وسحقته فلم تلون منه شيئا وأرينه رجالهن وانتشر الحديث به وشهر به اصحلب المعادن بأمره فاستنبطوه بالحفر ونسبت المعادن ما اخرج من كل واحد منها نسب اليه كالبلعباسي والسليمانى والرحماني وربما الى ما قاربها من القرى والبقاع كالنيازكى فانها نسبت الى انف جبل هناك سيمى نيازك لا اتصال له بشيء من ذكر النصل
стр. 36
وطلب اللعل ينقسم الى قسمين احدهما بحفر المعدن والآخر بتفتيشه لبن الحصى والتراب النهالة من تقطع تلك الجبال بالرجفات وإسالة السيول الى السفوح ويسمى هذا الطلب هناك تاترى واسنتباط المعادن كالخصال في القمار وكاعتساف الهامه خزافا والقفار والتهور في ركوب البحر لادليل لفاعليها معينا على بلوغ المرام غير التفرس وكذلك هؤلاء يبتدؤن في عمله وأكل الجبل كأكل السوس والأرضة على عمياء ليس فيها الالعل وعسى فان طال بهم الامر على ذلك عادوا بالخسران والخيبة وان وصلوا الى حجر ابيض يشابه الرخام في لونه لين منفرك قد احتف به من جانبيه إما حجر الزنود واما حجر آخر يسمونه غدود على وجه تشبيه بغدد اللحم وهو ابيض يضرب قليلا الى الكهوبة استمروا فيه على العمل وكان اول امارات النجاح في العمل والامل وعند ذلك يفضى بهم الى ما يسمونه شرستة وهو جوهر متفرك اذا أخرج انتشر ولم ينتفع به لكنه عندهم من طلائع المقصود ثم يفضى بهم الى الحفر الى شيء غير متفرك بل متماسك يعمل منه خرز مؤاتية للثقب ونسبته الى المطلوب كنسبة الكركند الى الياقوت اعنى بالكمودة والصمم ونزارة الشفاف غير التام فاذا جاوزوه بلغوا موضع الجوهر - ومما يجرى على ألسنتهم في التشبيه ان هذا جزاء الجوهر كملك مشتهر في الممالك بالسخاء مقصود منها بتأميل العطاء والحباء يحتاج الى قطع مسافة مديدة في فلاة عديمة الماء والمرعى يعيا في قطعها الخريت وهي مثال الجبل المحفور فإذا اقتحمها انتهى الى تخوم المملكة فاستبشر الى بالانتهاء الى العمارة كالاستبشار بالحجر الابيض المبشر بالنجاح - واذا اخترق العمران من قرية الى أخرى شابه الشرستة الاولى والبلد كالثانية وقد بلغ قصر الملك المقصود فيه - وهذا اللعل يوجد في وعاء كأنه من ذلك الحجر الابيض كالبلور واسم الوعاء بما فيه مغل ويختلف بالصغر والعظم فيأخذ من كالبندقة الى قدر البطيخة ولم يذكروا منه ما يفضل الى الثلاثة ارطال - واذا كشطت عنه تلك القشرة بدا الجوهر اما قطعة واحدة وذلك عزيز الوجود واما قطاعا مهندمة كهندام حب الرمان في قشره متفاوتة في الحجم الى ان يبلغ في المغل من القطعة الواحدة الى الكثيرة المتشابهة في الصغر الارزن وربما وجد الجوهر غير متغلف ايضا ويختاف لونه في حفائر معادنه فيميل بعضها الى البياض وفي بعض ال سواد وتخلص الحمرة في بعض كالذي في المعدن المعروف بأبي العباس فانه على غاية الحمرة المشبعة - والذي يعرف بالرحمانى فانه اردأها - واجود الجميع هو المعروف بالنيازكي بهرمان عصفري في غاية الصفاء - وفي ايامنا قيمة ما يكون منه وزن درهم عشرة دنانير هروية فان بلغت القطعة من وزن عشرين درهما الى مائة درهم كانت قيمة كل وزن درهم منه عشرين دينارا الى ثلاثين
стр. 37
وذكر جوهر يو الامير يمين الدولة انهم شاهدوا منه ما يفضل على وزن المائة درهم - فطابق قولهم ما يحكى عن بعضهم انه عثر على مغل اتزن منا ونصفا وانكشفت جادتها عن قطعة واحدة من فائق النيازكي فخاف ان يقبض عليها وتؤخذ منه فكسرها قطعا وحمل احديها الى يمين الدولة وكان وزنها نيف وتسعين درهما - واهذا يقال في ثمن المغل؟ فربما كان فيه غناء من يجده مدة العمر وكنت اسمع فيما مضى ان اللعل يوجد احيانا في وعائه مائعا سائلا واذا ضربته كيفية الهواء استحجر وصلب هكذا سمعنا ايضا احد من مكث في تلك النواحي وانكره سائر المخبرين وليس انكارهم يفيد يقينا على امتناع ذلك فربما كان ذلك في الندرة ولم يتفق لهم ولا وصل خبره بهم اذ تقرر في باب البلور تحجره بعد الميعان في غاية الرقة - ويوجد من جوهر هذا اللعل بنفسجي واكهب واخضر واصفر وقد شاهت من هذه الالوان شيئا لم يشبع خضرة اخضره شبع المينا الاخضر بل كان بالزجاج اكثر شبها - وذكر الحكاك الذي حكيت عنه ان بعض الكبار بتلك تانواحى احمى الاخضر بمشهده مرات متوالية فما استحال عن لونه ولم تقدح النار فيه قدحة في الزمرد - واكثر ما يوجد هذا الاخضر من التراب والحصى في التفتيش أما اصفره فانه لايصبر على النار ولكنه يتغير - وهذا مضاه لما ذكره الكندى في اكهب الياقوت اذا شابته صفرة ثم انه ليس في رزنق الياقوت الاصفر حتى يكون من اشباهه ولا في ماء اصفر المينا وهذا ارخى انواعه واقبله للتفتت والتناثر ويوجد هذا الاصفر في جميع حفائر المعادن ويكثر وجوده بالقرب من قرية ورزفنج في سفح الجبل قرب الماء وهناك معدن يعرف بناونولون جوهره مشمشي - وأما البنفسجى الضارب الى الكهوبة فيوجد حول المعدن البلعباسي وفوق ذها المعدن معدن يعرف بالشريفي يغلب السواد في جوهره على الحمرة حتى يخفى شفافه حمرته الا اذا اقيم بازاء الشمس بينها وبين البصر - وعلى ظهر الجبل الذى فيه هذا المعدن يوجد البلور على هيئة نبات السكر النباتي ولقد حمل الى منه نوع اكهب فكان كالياقوت الكحلى الناصع - وأما وجود قطعة واحدة بعضها احمر وبعضها اصفر فهو مما يكثر التحدث به وذكر بعض الجوهريين انه يكون منه قطعة واحدة تجمع الاحمر والاصفر والاخضر مختلطة لا بالتماس بين المتميزات ولكن باتحاد المادة واتصال الملونات بتلك الالوان وهي في ذاتها واحدة - وكان نصر بن الحسن بن فيروزان مولعا بجمع الغرائب وخاصة من الحصى والاحجار وذكر ان عنده ياقوت احمر في عرض الكف وطلبه من خوارزم شاه ليراه فاهداه اليه وكان غلظا مقاربا لغلظ الاصبع في عرض يستر الكف اذا أطبق عليه ووجهه محبب كالاترج والعنب المندمج وبطنه مسطح ولونه احمر يضرب قليلا الى الخمرية غير تام الصفاء واخبر انه وجد بأرض الهند ملتحما على حجر وانه امر بحكه بالسنبادج حتى تميز منه ولما لم يقم للمبرد قلنا انه بعض الاشباه - واتفقت لي اعجوبة في غار مشرف على بطحاء متاخمة بقصيا على قرب فرسخين من قرية سالياهة نحو كشمير وفي جباله وذلك اني لمحت على ارض ذلك المغار نصف كرة حمراء في قدر الرمانة الكبيرة زظننتها من مشابه ما وجد نصر بن الحسن وقربت منها وزاولتها فاذا انها نصف كرة من طين قد نبت عليها حبات كحبات الرمان على حمرة تامة رمانية تلمع في وسط كل حبة نواة دقيقة مستطيلة وقدر كل حبة منها كحبتين او ثلاث من حب الرمان السمين متطاولة الخلقة وقد برز اصل كل واحدة الى الطين مثل ما يبرز من حبة الرمان كالخيط وينغرس في شحمه فأخرجت نواها وزرعتها فلم تنجب - وتعجبت من حصول حب على طين من غير توسط شجرة او نبات بينهما - فاما قياس ما بين اللعلوالياقوت الاكهب المتساوى المساحة فهو سبعون وثلث وثمن عند المائة - ولا يزال اللغويون والشعراء يشتقون الاسامى للتفاؤل والتيمن والتشاءم - فقد كتب الحاكم ابو سعد بن دوست النيسابورى الى صديق له عقيب النثر -
ففي الخاتم لاشك ... على الودين ختمان
فلولا الفأل ما كان ... قبول المال من شان
البيجاذى
стр. 38
البيجاذى الداعى الى ذكره هل هنا انه من اشباه الياقوت ولان الكندى ونصرا جعلا اللعل جنسا وفصلا منه بالنسبة الى الذهب - والبيجاذى لايخلو من حمرته ما يضرب بها الى سمة من البنفسج وخيره السرنديبى المشبع الحمرة والمتلهب اللون بالصفاء وكل ما كان اصلب جرما واعظم جثة واحمل لزغب الري المنتوف فهو انفس وربما بلغت قيمة وزن الدرهم منه دينارا - قال الكندى؟ انه ظهر اولا في جبل الراهون ثم ظهر له معدن بين وخان وشكنان فبي موضع يدعى يدخشان من اطراف طخارستان وهذا هو اللعل والامشتغلون بامره لايقرنون ذكره بالبيجاذى ولا يرون بينهما وصلة ما - والمتوجه من بدخشان الى شنكشان يتيا من عنه جبال مباينة لمعادن اللعل ويعرف البيجاذى هناك بالسحرى نسبة الى قرية بحدود وخان هذا اسمها - وما يقع الى كشمير من البيجاذى من المعادن الشكنانية فانه من نواحي الجبال التي قصبتها هبليك الى شكنان مسيرة يومين والى كدكد مستقر شاه بلول سبعة ايام من حدود تشرف على قاع كشمير وقصبة اردستان - قال الكندى؟ وان البيجاذى يوجد في معادن الياقوت وطابقته حكاية الحكاك انها مقدمة الياقوت بمنزلة شرشستة الباينة لجوهر اللعل وان البيجاذى اينما وجد فممكن ان يكون هناك ياقوت وان لم يجب ذلك - ثم ذكر احد العلوية بتلك النواحى (انه) اخرج من بين دقاق البيجاذى قطع يواقيت رمانية في الغاية قصر وزن كل واحدة منها عن وزن دانق - وقد رأيت عند الامير يمين الدولة مما حمل اليه من بيوت الاصنام ببلد ناهورة قطعة بيجاذى على هيئة الحصاة الململمة بجريان الماء مطاولة الشكل مفرطحة في غاية الضاربة الى شيء من الخمرية وعلى نهاية الصفاء والنقاء قدرت وزنها فيما بين العشرين درهما والثلاثين ولم اشلها بيدي - واما النسبة بين البيجاذى والياقوت الاكهب في الوزن فلم يتفق لي امتحانهما واظن تخمينا انها تكون موافقة الى ما ذكرناه في اللعل - وقال الصنوبرى -
لا وانصباب مدامة مشمولة ... كدم الذبيح يصب في خرداذى
في بطن جوهرة كان فرندها ... ماء يذوّب فيه فص بجاذى
وقال منصور القاضي الهروي
فان يرتجون البدر في العام مرة ... يلذ عامه من كاشف بملاذ
كما جذبت قلبي جفونك لم يكن ... ليحسن جذب التبن فص بجاذى
وقال ايضا
اذا انت طالعت الهلال تركته ... بغور ويبدو من كسوف على أمن
كما سلبت عيناك قلبي لم يكن ... ليجذب بيجاذيه ورق التبن
وقال ايضا
يا من وقع الكسوف بدر ... كنت له لمحة المحاذى
كما سلبت الفؤاد منى ... ما سلب التبنة البجاذى
стр. 39
ولسنا نجتزئ على حكاية ما ليس بمسموع - ومنه ما في كتاب الكندى من اشباهه وانواعه والخربون وهو لا يختلف عن نوع منه يسمى أسبيد جشمة الا بفتور ويعلوه كالسحابة فاما للاسبيد جشمة فقد ذكره حمزة في الجواهر وانه جوهر كالبيجاذى - وذكر نصر بن احمد بن الخطي انه حجر يجلب من ارض المغرب الى مصر أدون من الياقوت واصفى نمن البيجاذى واشبع لونا من المعل البدخشي يسمى اسبيد جشمة ويعرف بالغروى وقيمة المثقال منها تبلغ ثلاثين دينارا مغربية - قال - ولم ار منه الا خرزات تبلغ الواحدة منها في الوزن نصف مثقال - وقال ابو القاسم بن صالح الكرمانى انه يشبه الجزع لكنه شفاف وفيه كالدخانية يتختم به الشيعة بفارس وكان سبب ذلك وجلبه من ناحية المغرب ظهور اصحاب مصر بها قبل ورودهم مصر - قال، وليس فيه كثير ثمن اذ لايرغب فيه غيرهم - وذكر نصر في اسبيد جشمة انه نوع من البيجاذى وفيه صفرة العقيق الرومى حسن اللون ويزاد في تحسينه بتبطين الفص منه في الخاتم - قال الكندى، انه شديد الحمرة لايمازجه بنفسجية بل تشوبه صفرة خلوقية وانه رطب جدا وان منه نوع اصفى يشبه العقيق الرومى ويتخلف عن الصبغ عن الخرجون ويعرف بالزردول - ونوع آخر يضرب الى الصفرة اصم عديم الماء يعرف بالتاربان - قال ومزاولة جميع اصنافه في الحك والجلاء على مثل ما يستعمل في اللزمرد ويحفر اسفله ليضيء على البطائن فانه لايضيء بغير حفر الا اذا كان في غاية النقاء والرطوبة مشابها للياقوت فيضيء حينئذ على ملاسة اسفله وذلك نادر شاذ - قال، قد يتفق في البيجاذى الخراساني ان يخرج بوزن رطل اعنى الكندى ونصر جوهر اسمياه الماذينج كان يجلب من جبل في حدود سندان فوق ارض اليبل وقد انقطع معدنه ونفد ما فيه ووصفاه بشدة الحمرة وشابهاه الكركند مع ميله الى السواد لايمكنه من الاضاءة الا بلالباطنة ويتخلف عن البيجاذى وربما بلغ ربعه او خمسه - وقال المتجرون انه كان يبلغ وزن القطعة منه رطلا - وفي الزهر سمى له او هو سمى ذلك على وجه التشبيه - قال الصنوبرى -
الى لازوردو فيروزج ... وماذينج اللون اسرنج
ودل لونه على اقتران ذكره باسرنج كاقتران الاكهبين قبلهما والاسرنج آنك محرق وبالكبريت محمر على مثال الزنجفر - وذكر حمزة في جملة ما ذكر حجر اسماه المنك وزعم انه كان عند ملوك الفرس لا لون له وكان يبطن ببطانة فيؤدى لونها وهذه صفة المها والياقوت الابيض - والهند يفعلون مثل ذلك في البلور - وكنت ارى مثل ذلك على برانج صنم سومنات التي كانت يتزين بها وهي من ذهب في سعة تقلرب الذراعين وسمك اكثر من شبر ونصف يتهندم بعضها في بعض ويرتفع على رأسه حتى يصير كالاسطوانة وعلى تاجه فوقها انصلف لكر من المها قد بطنت في القاعدة وما في الترصيع من جوانبه باللك فكانت تحمر منه في المنظر - وذكر حمزة ايضا ماذه سورى وانه كان عرب على الماسورى ولم يشر الى ما يفهم منه مائيته - والله الموفق -
الألماس
انما قدمت ذكر الألماس على ما ذكر مما بقى من مثمنة الجواهر التي لها رياسة اعنى اللؤلؤ زالزمرد لأنه الفاعل في الياقوت الفاعل فيما دونه وغيره منفعل بشيء فوقه ولا متأثر مما دونه الا بالمقدار الذى يخصه فعله من جهة انه من جملة الكائنات الفاسدات وان امتد ببقائه أزمنة وسنوات منزلته منها من جميعها منزلة السيد المطاع من السفل والرعاع - والمناسبة بينه وبين الياقوت اقرب الناسبات بالرزانة والصلابة وقرب الجوار في المعدن وقهر الغير بالثقب والقطع على ان اللؤلؤ جنس حيوانى مائى على خلاف الجواهر الارضية الموات الجماد ومنفصل عنها بالنمو ثم لن يقدح تأخير ذكره مما له الشرف والرساية والنفاسة - واسم الألماس بالهندية هيرا وبالرومية اذا مسوايضا ادمنطو قال الكندى معناه الذى لاينكسر وهو بالسريانية ألمياس وكيفاد الأماس وكأن معناه حجر الألماس وخاصيته لنه لايكسره شيء ويكسر كل شيء - ويظن بعضههم ان الظران هو الألماس وليس به وانما هو اسم مأخوذ من الظر وهو القطع الذى منه تسمى الظران ظرانا وهو ماء الحديد الذكر المسقى - وامنا الفولاذ يشهد لذلك ما في اوائل كتاب يوشع سيف من ظران - وهذا نص يسقط معه معنى الألماس من الظران على ما يجيء منه في الشعر معجم الظاء - قال امرؤ القيس
стр. 40
تطاير ظران الحصى بمناسم ... صلاب العجى ملثومها غير أمعرا
كأن صليل المرو حين تشذه ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا
بجسرة ينجل الظرّان منسمها ... اذا توقد في الديمومة الظرر
следующие страницы →