Полный текст (81 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
١ - مَسْأَلَة (الْكَلَام وَالْجُمْلَة)
الْكَلَام عبارَة عَن الْجُمْلَة المفيدة فَائِدَة تَامَّة، كَقَوْلِك: زيد منطلق، وَإِن تأتني أكرمك، وقم، وصه، وَمَا كَانَ نَحْو ذَلِك.
فَأَما اللَّفْظَة المفردة نَحْو (زيد) وَحده، وَنَحْو ذَلِك، فَلَا يُسمى كلَاما، بل كلمة.
هَذَا قَول الْجُمْهُور وَذهب شرذمة من النَّحْوِيين إِلَى ان
стр. 2
الْكَلَام يُطلق على الْمُفِيد وَغير الْمُفِيد اطلاقا حَقِيقِيًّا.
وَالدَّلِيل على القَوْل الأول انه لفظ يعبر باطلاقه عَن الْجُمْلَة المفيدة، فَكَانَ حَقِيقَة فِيهَا كالشرط وَجَوَابه، وَالدَّلِيل على انه يعبر بِهِ عَنْهَا لَا إِشْكَال فِيهِ، إِذْ هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَخْصِيصه بذلك دون غَيره، وَبَيَان اخْتِصَاصه بهَا من سِتَّة أوجه:
احدها: انه يُطلق بازائها، فَيُقَال: هَذِه الْجُمْلَة كَلَام، والاصل فِي الاطلاق الْحَقِيقَة.
وَالثَّانِي: ان الْكَلَام تؤكد بِهِ الْجُمْلَة، كَقَوْلِك: تَكَلَّمت كلَاما، وكلمته كلَاما، والمصدر الْمُؤَكّد نَائِب عَن اعادة الْجُمْلَة، الا ترى ان قَوْلك قُمْت قيَاما وتكلمت كلَاما تَقْدِيره: قُمْت قُمْت، لَان الاصل فِي التوكيد اعادة الْجُمْلَة بِعَينهَا، وَلَكنهُمْ آثروا الا يُعِيدُوا الْجُمْلَة بِعَينهَا، فجاؤوا بمفرد فِي مَعْنَاهَا والنائب عَن الشَّيْء يُؤَدِّي عَن مَعْنَاهُ.
стр. 3
وَالثَّالِث: ان قَوْلك (كَلمته) ، عبارَة عَن انك افهمته معنى بِلَفْظ وَالْمعْنَى الْمُسْتَفَاد بالافهام تَامّ فِي نَفسه، فَكَانَت الْعبارَة عَنهُ مَوْضُوعَة لَهُ لَا مبينَة عَنهُ، وَالْكَلَام هُوَ معنى: كَلمته.
وَالرَّابِع: ان مصدر (تَكَلَّمت) التَّكَلُّم، وَهُوَ مشدد الْعين، فِي الْفِعْل والمصدر، وَالتَّشْدِيد للتكثير وادنى التكثير الْجُمْلَة المفيدة، أما (كلمت) فمشدد أَيْضا، وَهُوَ دَلِيل الْكَثْرَة، ومصدره: التكليم. وَالتَّاء وَالْيَاء فِيهِ عوض عَن التَّشْدِيد.
وَالْخَامِس: ان الاحكام الْمُتَعَلّقَة بالْكلَام لَا تتحق إِلَّا بِالْجُمْلَةِ المفيدة، فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ ، وَمَعْلُوم ان الاستجارة لَا تحصل الا بعد سَماع الْكَلَام التَّام الْمَعْنى، والكلمة الْوَاحِدَة لَا يحصل بهَا ذَلِك، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ ، والتبديل صرف مَا يدل اللَّفْظ عَلَيْهِ إِلَى غير مَعْنَاهُ، وَلَا يحصل ذَلِك بتبديل الْكَلِمَة الْوَاحِدَة، لِأَن الْكَلِمَة الْوَاحِدَة إِذا بدلت بغَيْرهَا كَانَ ذَلِك نقل لُغَة إِلَى لُغَة أُخْرَى، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقد كَانَ فريق مِنْهُم﴾
стр. 4
) وانما عقلوا الْمَعْنى التَّام، ثمَّ حرفوه عَن جِهَته. وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ . وَمن ذَلِك تَعْلِيق الْيَمين بِسَمَاع الْكَلَام، فانه لَو قَالَ: وَالله لَا سَمِعت كلامك، فَنَطَقَ بِلَفْظَة وَاحِدَة لَيْسَ فِيهَا معنى تَامّ لم يَحْنَث.
وَالسَّادِس ان الْعَرَب قد تتجوز بالْقَوْل عَن العجماوات، كَقَوْل الشَّاعِر:
(امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني ... سلا، رويدا قد مَلَأت بَطْني)
وَهُوَ كثير فِي استعمالهم، وَلَا ينْسب الْكَلَام إِلَى مثل ذَلِك، فَلَا يُقَال: تكلم الْحَوْض. وَلَا الْحَائِط وَلَا سَبَب لذَلِك الا (ان) الْكَلَام حَقِيقَة فِي الْفَائِدَة التَّامَّة، وَالْقَوْل لَا يشْتَرط فِيهِ ذَلِك
стр. 5
وَإِذا ثَبت مَا ذَكرْنَاهُ بِأَن انه حَقِيقَة فِي الدّلَالَة على الْجُمْلَة التَّامَّة الْمَعْنى.
فان قيل: يتَوَجَّه عَلَيْهِ اسئلة:
احدها: ان اطلاق اللَّفْظ على الشَّيْء لَا يلْزم مِنْهُ الْحَقِيقَة، فان الْمجَاز يُطلق على الشَّيْء، كَمَا يُقَال للْعَالم بَحر، وللشجاع اسد، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿جدارا يُرِيد أَن ينْقض﴾ و ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ ، وكل ذَلِك مجَاز وَقد اطلق على هَذَا الْمَعْنى، فَلَا يلْزم من الاطلاق على مَا ذكرْتُمْ الْحَقِيقَة.
السُّؤَال الثَّانِي: ان الاطلاق يكون حَقِيقَة مُشْتَركَة، اَوْ جِنْسا تَحْتَهُ مُفْرَدَات، فالمشترك كَلَفْظِ الْعين، وَالْجِنْس مثل: الْحَيَوَان، فان الْحَيَوَان حَقِيقَة فِي الْجِنْس، وَالْوَاحد مِنْهُ حَقِيقَة ايضا، فَلم لَا يكون الْكَلَام والكلمة من هَاتين الحقيقتين
وَالسُّؤَال الثَّالِث: ان الْكَلَام مُشْتَقّ من (الْكَلم) ، وَهُوَ الْجرْح، وَالْجَامِع بَينهمَا التَّأْثِير، والكلمة كَذَلِك لَان الْحُرُوف
стр. 6
الاصول مَوْجُودَة فِيهَا، وَهِي مُؤثرَة ايضا إِذا كَانَت تدل على معنى، وَهِي جُزْء الْجُمْلَة التَّامَّة الْفَائِدَة، والجزء يُشَارك الْكل فِي حَقِيقَة وَضعه. الا ترى ان الْحق يثبت بِشَاهِدين مثلا، وكل وَاحِد مِنْهُمَا شَاهد حَقِيقَة، واثبات الْحق بهما لَا يَنْفِي كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاهدا، كَذَلِك هَا هُنَا، أَلا ترى أَن قَوْلك: قَامَ زيد. يشْتَمل على جزأين، كل وَاحِد مِنْهُمَا يُسمى كلمة لدلالته على معنى، وَتوقف الْفَائِدَة التَّامَّة على حكم يَتَرَتَّب على الْمَجْمُوع، وَلَا يَنْفِي ذَلِك اشْتِرَاك الجزأين فِي الْحَقِيقَة، وعَلى هَذَا ترَتّب التحريف والتبديل، إِذْ كَانَ كُله حكما يُسْتَفَاد بِالْجُمْلَةِ، وَلَا يَنْفِي حَقِيقَة الْوَضع.
ثمَّ مَا ذكرتموه معَارض بقوله تَعَالَى: ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم﴾ وَبِقَوْلِهِ: ﴿كلمة الَّذين كفرُوا السُّفْلى وَكلمَة الله هِيَ الْعليا﴾ و ﴿وتمت كلمة رَبك صدقا وعدلا﴾ وَمَعْلُوم انه أَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْجُمْلَة المفيدة، واذا وَقعت الْكَلِمَة على الْمُفْرد جَازَ ان يَقع الْكَلَام على الْمُفْرد.
стр. 7
وَالْجَوَاب:
اما الاطلاق فدليل الْحَقِيقَة، إِذْ كَانَ الْمجَاز على خلاف الاصل، وانما يُصَار اليه بِقَرِينَة صارفة عَن الأَصْل، والاصل عدم الْقَرَائِن، ثمَّ ان الْبَحْث عَن الْكَلَام الدَّال على الْجُمْلَة المفيدة لَا يُوجد لَهُ قرينَة، بل يُسَارع إِلَى هَذَا الْمَعْنى من غير توقف على وجود قرينَة، وَهَذَا مثل لفظ الْعُمُوم إِذا اطلق حمل على الْعُمُوم من غير ان يحْتَاج الى قرينَة تصرف إِلَيْهِ، بل ان وجد تَخْصِيص احْتَاجَ إِلَى قرينَة.
وَأما السُّؤَال الثَّانِي فَلَا يَصح على الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين، اما الِاشْتِرَاك فَفِيهِ جوابان احدهما انه على خلاف الاصل اذا كَانَ يخل بالتفاهم، الا ترى انه اذا اطلق لفظ: الْعين، لم يفهم مِنْهَا مَا يَصح بِنَاء الحكم عَلَيْهِ، وَالْكَلَام انما وضع للتفاهم، وانما عرض الِاشْتِرَاك من اخْتِلَاف اللُّغَات. وَالثَّانِي ان الِاشْتِرَاك هُنَا لَا يتَحَقَّق، لَان الْكَلَام والكلمة من حَقِيقَة وَاحِدَة، وَلَكِن الْكَلَام مَجْمُوع شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا، والكلمة اللَّفْظَة المفردة وَلَا اشْتِرَاك بَينهمَا. وانما الْكَلَام مُسْتَفَاد بالاوصاف والاجتماع، وَلَيْسَ كَذَلِك الْمُشْتَرك، بل كل
стр. 8
وَاحِدَة من الفاظه كالأخرى فِي كَونهَا مُفْردَة.
وَأما الْجِنْس فَغير مَوْجُود هُنَا، لَان الْجِنْس يفرق بَينه وَبَين واحده بتاء التَّأْنِيث، نَحْو: تَمْرَة وتمر، وَهَذَا غير مَوْجُود فِي الْكَلَام والكلمة، بل جنس الْكَلِمَة: كلم وَلَيْسَ وَاحِد الْكَلَام: كلامة فَبَان انه لَيْسَ بِجِنْس.
واما السُّؤَال الثَّالِث فخارج عَمَّا نَحن فِيهِ، وَبَيَانه ان اشتقاق الْكَلِمَة من (الْكَلم) وَهُوَ التَّأْثِير، وَالْكَلَام تَأْثِير مَخْصُوص لَا مُطلق التَّأْثِير، والخالص غير الْمُطلق، يدل عَلَيْهِ ان الْكَلم الَّذِي هُوَ الْجرْح مُؤثر فِي النَّفس معنى تَاما، وَهُوَ الْأَلَم مثلا. وَالْكَلَام اشبه بذلك، لانه يُؤثر تَأْثِيرا تَاما، واما الْكَلِمَة المفردة فتأثيرها قَاصِر لَا يتم مِنْهُ معنى الا بانضمام تَأْثِير الآخر اليه، فهما مشتركان فِي اصل التَّأْثِير لَا فِي مِقْدَاره
وَأما الْمُعَارضَة بقوله تَعَالَى: ﴿كَبرت كلمة﴾ فَلَا يتَوَجَّه، لَان اكثر مَا فِيهِ انه عبر بالجزء عَن الْكل، وَهَذَا مجَاز ظَاهر، اذا كَانَ الْوَاحِد لَيْسَ بِجمع وَلَا جنس، بل قد يعبر بِهِ عَن الْجمع وَالْجِنْس
стр. 9
مجَازًا، وَوجه الْمجَاز ان الْجُمْلَة تتألف بعض اجزائها إِلَى بعض، كَمَا تتألف حُرُوف الْكَلِمَة المفردة بَعْضهَا إِلَى بعض، فَلَمَّا اشْتَركَا فِي ذَلِك جَازَ الْمجَاز، وَلَيْسَ كَذَلِك التَّعْبِير بالْكلَام عَن الْكَلِمَة، لَان ذَلِك نقيض مَعْنَاهَا.
وَدَلِيل الْمجَاز فِي الْكَلِمَة ظَاهر، وَهُوَ قَوْله: ﴿تخرج من أَفْوَاههم إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾ وَالْكذب لَا يتَحَقَّق فِي الْكَلِمَة المفردة، وانما يتَصَوَّر فِيمَا هُوَ خبر، وَالْخَبَر لَا يكون مُفردا فِي الْمَعْنى.
وَاحْتج الْآخرُونَ بَان الِاشْتِقَاق مَوْجُود فِي الْكَلِمَة وَالْكَلَام بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ التَّأْثِير، فَكَانَ اللَّفْظ شَامِلًا لَهما، يدل عَلَيْهِ انك تَقول: (اما) تَكَلَّمت كلمة، واما تَكَلَّمت بِكَلِمَة، فيؤكد باللفظة المفردة الْفِعْل كَمَا يُؤَكد بالْكلَام، فَيلْزم من ذَلِك اطلاق العبارتين على شَيْء وَاحِد.
وَالْجَوَاب عَن هَذَا مَا تقدم فِي جَوَاب السُّؤَال (الثَّالِث) .
وَالله اعْلَم بِالصَّوَابِ.
стр. 10
٢ - مَسْأَلَة (حد الِاسْم)
اخْتلف عِبَارَات النَّحْوِيين فِي حد الِاسْم وسيبويه لم يُصَرح لَهُ بِحَدّ فَقَالَ بَعضهم: الِاسْم مَا اسْتحق الاعراب فِي اول وَضعه، وَقَالَ آخَرُونَ: مَا اسْتحق التَّنْوِين فِي اول وَضعه، وَقَالَ آخَرُونَ: حد الِاسْم مَا سما بمسماه فأوضحه وكشف مَعْنَاهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الِاسْم كل لفظ دلّ على معنى مُفْرد فِي نَفسه. وَلم يدل
стр. 11
على زمَان ذَلِك الْمَعْنى، وَقَالَ ابْن السراج: هُوَ كل لفظ دلّ على معنى فِي نَفسه غير مقترن بِزَمَان مُحَصل، وَزَاد بَعضهم فِي هَذَا دلَالَة الْوَضع.
وَقبل الْخَوْض فِي الصَّحِيح من هَذِه الْعبارَات نبين حد الْحَد الصَّحِيح، والعبارات الصَّحِيحَة فِيهِ مُخْتَلفَة الالفاظ، متفقة الْمعَانِي، فَمِنْهَا: اللَّفْظ الدَّال على كَمَال مَاهِيَّة الشَّيْء، وَهَذَا حد صَحِيح لِأَن الْحَد هُوَ الكاشف عَن حَقِيقَة الْمَحْدُود، وَيُرَاد بالماهية مَا يُقَال فِي جَوَاب: مَا هُوَ واحترزوا بقَوْلهمْ: (كَمَال الْمَاهِيّة) من ان بعض مَا يدل على الْحَقِيقَة قد يحصل من طَرِيق الْمُلَازمَة لَا من طَرِيق الْمُطَابقَة، مِثَاله ان تَقول: حد الانسان هُوَ النَّاطِق، فَلفظ الْحَد يكْشف عَن حَقِيقَة النُّطْق، وَلَا يدل على جنس الْمَحْدُود، وان كَانَ لَا نَاطِق الا الْإِنْسَان، وَلَكِن ذَلِك مَعْلُوم من جِهَة الْمُلَازمَة لَا
стр. 12
من جِهَة دلَالَة اللَّفْظ، ومثاله من النَّحْو: الْمصدر يدل على زمَان مَجْهُول، وَلَيْسَ كَذَلِك، فان لفظ الْمصدر لَا يدل على زمَان الْبَتَّةَ، وانما الزَّمَان من ملازماته، فَلَا يدْخل فِي حَده، وَلَو دخل ذَلِك فِي الْحَد لوَجَبَ أَن يُقَال: الرجل وَالْفرس يدلان على الزَّمَان وَالْمَكَان، اذ لَا يتَصَوَّر انفكاكهما عَنْهُمَا، وَلَكِن لما لم يكن اللَّفْظ دَالا عَلَيْهِمَا لم يدخلا فِي حَده.
وَقَالَ قوم: حد الْحَد هُوَ عبارَة عَن جملَة مَا فرقه التَّفْصِيل. وَقَالَ آخَرُونَ: حد الْحَد مَا اطرد وانعكس، وَهَذَا صَحِيح، لَان الْحَد كاشف عَن حَقِيقَة الشَّيْء، فاطراده يثبت حَقِيقَته اينما وجدت، وانعكاسه ينفيها حَيْثُمَا فقدت، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق، بِخِلَاف الْعَلامَة، فان الْعَلامَة تطرد وَلَا تنعكس، الا ترى أَن كل اسْم دخل عَلَيْهِ حرف الْجَرّ والتنوين وَمَا اشبههما أَيْن وجد حكم بِكَوْن اللَّفْظ اسْما وَلَا يَنْتَفِي كَونه اسْما بامتناع حرف الْجَرّ، وَلَا بامتناع التَّنْوِين.
وَإِذ قدما حَقِيقَة الْحَد فنشرع فِي تَحْقِيق مَا ذكر من الْحُدُود وافساد الْفَاسِد مِنْهَا.
стр. 13
أما قَوْلهم: الِاسْم كل لفظ دلّ على معنى مُفْرد فِي نَفسه، فحد صَحِيح، اذ الْحَد مَا جمع الْجِنْس والفصل، واستوعب جنس الْمَحْدُود، وَهُوَ كَذَلِك هَا هُنَا، الا ترى ان الْفِعْل يدل على مَعْنيين: حدث وزمان، و (امس) وَمَا اشبهه يدل على الزَّمَان وَحده، فَكَانَ الاول فعلا وَالثَّانِي اسْما، والحرف لَا يدل على معنى فِي نَفسه، فقد تحقق فِيمَا ذَكرْنَاهُ الْجِنْس والفصل والاستيعاب.
وَأما قَول ابْن السراج فَصَحِيح ايضا، فان الِاسْم يدل على معنى فِي نَفسه، فَفِيهِ احْتِرَاز من الْحَرْف وَقَوله: غير مقترن بِزَمَان مُحَصل. يخرج مِنْهُ الْفِعْل، فانه يدل على الزَّمَان المقترن بِهِ، واما المصادر فَلَا دلَالَة لَهَا على الزَّمَان، لَا الْمَجْهُول وَلَا الْمعِين، على مَا ذكرنَا. وَمن قَالَ مِنْهُم: يدل على الزَّمَان الْمَجْهُول فقد احْتَرز عَنهُ بقوله: مُحَصل. فان الْمصدر لَا يدل على زمَان معِين.
واما من زَاد فِيهِ (دلَالَة الْوَضع) ، فانه قصد بذلك دفع النَّقْض بقَوْلهمْ: اتيتك مقدم الْحَاج، وخفوق النَّجْم، واتت النَّاقة
стр. 14
على منتجها فان هَذِه مصَادر: وَقد دلّت على زمَان مُحَصل، فَعِنْدَ ذَلِك تخرج عَن الْحَد. واذا قَالَ: دلَالَة الْوَضع لم ينْتَقض الْحَد بهَا لانها دَالَّة على الزَّمَان لَا من طَرِيق الْوَضع، وَذَلِكَ ان مقدم الْحَاج يتَّفق فِي ازمنة مَعْلُومَة بَين النَّاس، لَا انها مَعْلُومَة من لفظ (الْمُقدم) وَالدَّلِيل على ذَلِك انك لَو قلت: اتيتك وَقت مقدم الْحَاج، صَحَّ الْكَلَام، وَظهر فِيهِ مَا كَانَ مُقَدرا قبله.
وَالتَّحْقِيق فِيهِ ان الْحُدُود تكشف عَن حَقِيقَة الشَّيْء الْمَوْضُوع اولا، فَإِذا جَاءَ مِنْهَا شَيْء على خلاف ذَلِك لعَارض، لم ينْتَقض الْحَد بِهِ، وَيَأْتِي نَظَائِر ذَلِك فِيمَا يمر بك من الْمسَائِل.
فَأَما من قَالَ هُوَ مَا اسْتحق الاعراب فِي اول وَضعه، اَوْ مَا اسْتحق التَّنْوِين، فَكَلَام سَاقِط جدا، وَذَلِكَ ان اسْتِحْقَاق الشَّيْء لحكم يَنْبَغِي ان يسْبق الْعلم بحقيقته، حَتَّى يرتب عَلَيْهِ الحكم، الا ترى انه لَو قَالَ فِي لَفْظَة (ضرب) : هَذَا اسْم، لانه يسْتَحق
стр. 15
الاعراب فِي أول وَضعه لاحتجت ان تبين أَنه لَيْسَ باسم، وَلَا يعْتَرض فِي ذَلِك بالاعراب وَعَدَمه، وَلَو قَالَ قَائِل: انا اعربه، اَوْ احكم باستحقاقه الاعراب، لقيل لَهُ: مَا الدَّلِيل على ذَلِك، فَقَالَ: لانه اسْم، فَيُقَال لَهُ: مَا الدَّلِيل على انه اسْم فان قَالَ بعد ذَلِك: لانه يسْتَحق الاعراب، ادى الى الدّور لانه لَا يثبت كَونه اسْما الا بِاسْتِحْقَاق الاعراب، وَلَا يسْتَحق الاعراب الا بِكَوْنِهِ اسْما، وَهَكَذَا سَبِيل التَّنْوِين وَغَيره.
واما قَول الآخر: مَا سما بمسماه، فحد مَدْخُول ايضا، وَذَلِكَ انه اراد مَا سمى مُسَمَّاهُ، وَلِهَذَا قَالَ: فأوضحه، فَجعل فِي الْحَد لفظ الْمَحْدُود، وَإِذا كُنَّا لَا نعلم معنى الِاسْم فَكيف يَجْعَل فِيمَا يُوضحهُ لفظا مشتقا مِنْهُ، وَذَلِكَ ان الِاشْتِقَاق يَسْتَدْعِي فهم الْمُشْتَقّ مِنْهُ اَوْ لَا، ثمَّ يُؤْخَذ مِنْهُ لفظ آخر يدل على معنى زَائِد.
стр. 16
قَالَ عبد القاهر فِي شرح (جمله) : حد الِاسْم مَا جَازَ الاخبار عَنهُ. قَالَ: وَالدَّلِيل على ذَلِك من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا انه مطرد ومنعكس، وَهَذَا امارة صِحَة الْحَد، وَالثَّانِي ان الْفِعْل لَا يَصح الاخبار عَنهُ، والحرف لاحظ لَهُ فِي الاخبار، فعين ان يكون الِاسْم هُوَ الْمخبر عَنهُ، اذ لَا يجوز ان تَخْلُو الْكَلِمَة من اسناد الْخَبَر إِلَيْهَا. واذا (كَانَ) الْفِعْل والحرف وَالِاسْم لَا يسند إِلَيْهِ خبر ارْتَفع الْأَخْبَار عَن جملَة الْكَلَام.
وَالدَّلِيل على انه لَيْسَ بِحَدّ وانما هُوَ عَلامَة - وَقد اخْتَار ذَلِك عبد القاهر فِي شرح الايضاح - ان هَذَا اللَّفْظ يطرد وَلَا ينعكس، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْلك: اذ، واذا، وايان، واين، وَغير ذَلِك، وانها
стр. 17
اسماء وَلَا يَصح الاخبار عَنْهَا، فَعِنْدَ ذَلِك يبطل كَونه حدا. وَالْوَجْه الثَّانِي: ان قَوْلك: مَا جَازَ الاخبار عَنهُ لَا يُنبئ عَن حَقِيقَة وَضعه، وانما هُوَ من احكامه، وَلذَلِك لَو ادّعى مُدع ان لَفْظَة (ضرب) يَصح الاخبار عَنْهَا بِأَن يَقُول: ضرب اشْتَدَّ، كَمَا تَقول: الضَّرْب مشتد، لم يَصح معارضته بِالْمَنْعِ الْمُجَرّد حَتَّى يبين وَجه الِامْتِنَاع، وَالْحَد لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل يُقَام عَلَيْهِ، لانه لفظ مَوْضُوع على الْمَعْنى، وَدلَالَة الالفاظ على الْمعَانِي لَا تثبت بالمناسبة وَالْقِيَاس.
فَإِن قيل: إِذا، وَإِذا، وَنَحْوهمَا، يَصح الاخبار عَنْهَا من حَيْثُ انها أَوْقَات وأمكنة، وَكِلَاهُمَا يَصح الاخبار عَنهُ، وانما عرض لَهَا انها لَا تقع إِلَّا ظروفا، فَمن حَيْثُ هِيَ ظروف لَا يخبر عَنْهَا، وَمن حَيْثُ هِيَ اوقات وأمكنة يَصح الْإِخْبَار عَنْهَا، أَلا ترى انك لَو قلت: طَابَ وقتنا واتسع مَكَاننَا. كَانَ خَبرا صَحِيحا.
وَالْجَوَاب ان كَونهَا ظروفا اوصاف انضمت إِلَى كَونهَا وقتا
стр. 18
ومكانا، لم تسْتَعْمل الا بِهَذِهِ الصّفة، فَهِيَ كالخصوص من الْعُمُوم، وَالْخُصُوص لَا يحد بِحَدّ الْعُمُوم، الا ترى ان الانسان حَيَوَان مَخْصُوص وَلَا يحد بِحَدّ الْحَيَوَان الْعَام، لِأَن ذَلِك يسْقط الْفَصْل الَّذِي يُمَيّز بِهِ من بَقِيَّة انواع الْحَيَوَان، وَالْحَد مَا جمع الْجِنْس والفصل وَالْوَقْت الَّذِي يدل عَلَيْهِ (إِذا) هُوَ الْجِنْس، وَكَونه ظرفا بِمَنْزِلَة الْفَصْل كالنطق فِي الْإِنْسَان، وَبِهَذَا يحصل جَوَاب قَوْله: يطرد وينعكس، لأَنا قد بَينا انه لَا ينعكس.
وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
стр. 19
٣ - مَسْأَلَة (ادلة اسمية كَيفَ)
كَيفَ اسْم بِلَا خلاف، وانما ذَكرنَاهَا هَاهُنَا لخفاء الدَّلِيل على كَونهَا اسْما، وَالدَّلِيل على كَونهَا اسْما، من خَمْسَة أَشْيَاء.
احدها: انها دَاخِلَة تَحت حد الِاسْم، وَذَاكَ انها تدل على معنى فِي نَفسهَا، وَلَا تدل على زمَان ذَلِك الْمَعْنى.
وَالثَّانِي: انها تجاب بِالِاسْمِ، وَالْجَوَاب على وفْق السُّؤَال، وَذَلِكَ قَوْلهم: كَيفَ زيد فَيُقَال صَحِيح أَو مَرِيض اَوْ غَنِي اَوْ فَقير، وَذَلِكَ انها سُؤال عَن الْحَال، فجوابها مَا يكون حَالا.
стр. 20
وَالثَّالِث: انك تبدل مِنْهَا الِاسْم فَتَقول: كَيفَ زيد اصحيح ام مَرِيض. وَالْبدل هَاهُنَا مَعَ همزَة الِاسْتِفْهَام نَائِب عَن قَوْلك: اصحيح زيد أم مَرِيض وَالْبدل يُسَاوِي الْمُبدل (مِنْهُ) فِي جنسه.
وَالرَّابِع: ان من الْعَرَب من يدْخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ، قَالُوا على كَيفَ تبيع الاحمرين وَقَالَ بَعضهم: انْظُر إِلَى كَيفَ يصنع. وَهَذَا شَاذ فِي الِاسْتِعْمَال، وَلكنه يدل على الاسمية.
وَالْخَامِس: ان دَلِيل السبر والتقسيم اوجب كَونهَا اسْما، وَذَلِكَ ان يُقَال لَا تَخْلُو كَيفَ من ان تكون اسْما أَو فعلا أَو حرفا. فكونها حرفا بَاطِل، لِأَنَّهَا تفِيد مَعَ الِاسْم الْوَاحِد فَائِدَة تَامَّة كَقَوْلِك: كَيفَ زيد والحرف لَا ينْعَقد بِهِ وبالاسم جملَة مفيدة، فَأَما (يَا) فِي النداء، فَفِيهَا كَلَام يذكر فِي مَوْضِعه.
стр. 21
وَكَونهَا فعلا بَاطِل أَيْضا لوَجْهَيْنِ: احدهما أَنَّهَا لَا تدل على حدث وزمان، وَلَا على الزَّمَان وَحده. وَالثَّانِي ان الْفِعْل يَليهَا بِلَا فصل، كَقَوْلِك: كَيفَ صنعت، وَلَا يكون ذَلِك فِي الافعال الا ان يكون فِي الْفِعْل الاول ضمير، كَقَوْلِك: اقبل يسْرع. أَي أقبل زيد أَو رجل.
وَإِذا بَطل القسمان ثَبت كَونهَا اسْما لِأَن الاسماء هِيَ الْأُصُول وَإِذا بطلت الْفُرُوع حكم بِالْأَصْلِ.
وَالله اعْلَم بِالصَّوَابِ.
стр. 22
٤ - مَسْأَلَة (اشتقاق لفظ اسْم)
الِاسْم مُشْتَقّ من السمو عندنَا، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: من الوسم، فالمحذوف عندنَا لامه، وَعِنْدهم فاؤه.
لنا فِيهِ ثَلَاثَة مسالك، الْمُعْتَمد مِنْهَا ان الْمَحْذُوف يعود فِي
стр. 23
التصريف إِلَى مَوضِع اللَّام، فَكَانَ الْمَحْذُوف هُوَ اللَّام كالمحذوف من: ابْن.
وَالدَّلِيل على عوده إِلَى مَوضِع اللَّام انك تَقول: سميت، واسميت. وَفِي التصغير: سمي. وَفِي الْجمع: أَسمَاء وأسام، وَفِي فعيل مِنْهُ (سمي) ، أَي: اسْمك مثل اسْمه.
وَلَو كَانَ الْمَحْذُوف من اوله لعاد فِي التصريف إِلَى أَوله وَكَانَ يُقَال: اوسمت، ووسمت، ووسيم، ووسيم، واوسام.
وَهَذَا التصريف قَاطع على أَن الْمَحْذُوف هُوَ اللَّام.
فان قيل: هَذَا اثبات اللُّغَة بِالْقِيَاسِ، وَهِي لَا تثبت بِهِ، وَالثَّانِي ان عود الْمَحْذُوف إِلَى الْأَخير لَا يلْزم مِنْهُ ان يكون الْمَحْذُوف من الْأَخير، بل يجوز ان يكون مقلوبا. وَقد جَاءَ الْقلب كثيرا عَنْهُم، كَمَا قَالُوا: لهي ابوك. فأخروا الْعين إِلَى مَوضِع اللَّام وَقَالُوا: الجاه، واصله: الْوَجْه وَقَالُوا اينق واصله انوق.
стр. 24
وَقَالُوا قسى، واصله: قووس، وَقَالُوا فِي: الفوق. فقا والاصل: فَوق. وَإِذا كثر فِي كَلَامهم جَازَ ان يحمل مَا نَحن فِيهِ عَلَيْهِ.
وَالْجَوَاب:
أما الأول فَغير صَحِيح، فانا لَا نثبت اللُّغَة بِالْقِيَاسِ، بل يسْتَدلّ بِالظَّاهِرِ على الْخَفي، خُصُوصا فِي الِاشْتِقَاق، فان ثُبُوت الاصل وَالزَّائِد والمحذوف لَا طَرِيق لَهُ على التَّحْقِيق الا الِاشْتِقَاق، وَيدل عَلَيْهِ لفظ: ابْن، فانهم قَالُوا: بني، وَأَبْنَاء، وتبنيت، والبنوة علم ان الحذوف لامه.
وَأما دَعْوَى الْقلب فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ، فان الْقلب مُخَالف للْأَصْل، فَلَا يُصَار إِلَيْهِ مَا وجدت عَنهُ مندوحة، وَلَا ضَرُورَة هُنَا تَدْعُو إِلَى دَعْوَى الْقلب. وَيدل على ذَلِك ان الْقلب لَا يطرد هَذَا الاطراد، الا ترى أَن جَمِيع مَا ذكر من المقلوبات يجوز اخراجه على الأَصْل.
стр. 25
المسلك الثَّانِي:
انا اجمعنا على ان الْمَحْذُوف قد عوض عَنهُ فِي اوله فَوَجَبَ ان يكون الْمَحْذُوف فِي آخِره، كَمَا ذكرنَا فِي: ابْن. وانما قُلْنَا ذَلِك لوَجْهَيْنِ: احدهما: انا عرفنَا من طَريقَة الْعَرَب انهم إِذا حذفوا من الأول عوضوا اخيرا مثل: عدَّة وزنة. وَإِذا حذفوا من آخِره، عوضوا من أَوله مثل: ابْن. وَهنا قد عوضوا فِي اوله فَكَانَ الْمَحْذُوف من آخِره.
стр. 26
وَالثَّانِي: ان الْعِوَض مُخَالف للبدل، فبدل الشَّيْء يكون فِي مَوْضِعه، والعوض يكون فِي غير (مَوضِع) المعوض مِنْهُ فَلَو كَانَت الْهمزَة عوضا من الْوَاو فِي اوله لكَانَتْ بَدَلا من الْوَاو، وَلَا يجوز ذَلِك، إِذْ لَو كَانَت كَذَلِك لكَانَتْ همزَة مَقْطُوعَة، وَلما كَانَت الف وصل حكم بِأَنَّهَا عوض.
فَإِن قيل: التعويض فِي مَوضِع لَا يوثق بَان المعوض عَنهُ فِي غَيره، لَان الْغَرَض مِنْهُ تَكْمِيل الْكَلِمَة، وَأَيْنَ كملت حصل غَرَض التعويض، أَلا ترى أَن همزَة الْوَصْل فِي: اضْرِب وبابه، عوض من حَرَكَة أول الْكَلِمَة وَقد وَقعت فِي مَوضِع الْحَرَكَة.
فَالْجَوَاب
ان التعويض - على مَا ذكرنَا - يغلب على الظَّن ان مَوْضِعه
стр. 27
مُخَالف لموْضِع المعوض مِنْهُ، لما ذكرنَا من الْوَجْهَيْنِ. قَوْلهم: الْغَرَض تَكْمِيل الْكَلِمَة، لَيْسَ كَذَلِك، وانما الْغَرَض الْعُدُول عَن اصل إِلَى مَا هُوَ اخف مِنْهُ، والخفة تحصل بمخالفة الْموضع، فَأَما تعويضه فِي مَوضِع مَحْذُوف فَلَا تحصل مِنْهُ خفَّة، لَان الْحَرْف قد يثقل بموضعه، فَإِذا ازيل عَنهُ حصل التَّخْفِيف.
المسلك الثَّالِث:
ان اشتقاق الِاسْم من السمو مُطَابق للمعنى، فَكَانَ الْمَحْذُوف الْوَاو كَسَائِر الْمَوَاضِع، وَبَيَانه ان الِاسْم اُحْدُ اقسام الْكَلم، وَهُوَ اعلى من صَاحِبيهِ إِذْ كَانَ يخبر بِهِ وَعنهُ، وَلَيْسَ كَذَلِك صَاحِبَاه، فقد سما عَلَيْهِمَا، ولان الِاسْم يُنَوّه بِالْمُسَمّى، وَيَرْفَعهُ للاذهان بعد خفائه، وَهُوَ معنى السمو.
فَإِن قيل:
هَذَا معَارض باشتقاقه من الوسم، فان الْمَعْنى صَحِيح، كَمَا ان الْمَعْنى فِيمَا ذكرتموه صَحِيح. فبماذا يثبت التَّرْجِيح
стр. 28
قيل:
التَّرْجِيح مَعنا لوَجْهَيْنِ: احدهما: ان تَسْمِيَة هَذَا اللَّفْظ اسْما اصْطِلَاح من ارباب هَذِه الصِّنَاعَة وَقد ثَبت من صناعتهم علو هَذَا اللَّفْظ على الآخرين، وَمثل هَذَا لَا يُوجد فِي اشتقاقه من الوسم.
وَالثَّانِي: انه يتَخَرَّج بِمَا ذكرنَا من المسالك الْمُتَقَدّمَة.
أما حجتهم فقد قَالُوا: الِاسْم عَلامَة الْمُسَمّى، والعلامة تؤذن بانه من الوسم وَهِي الْعَلامَة، فَيجب أَن يكون مشتقا مِنْهَا.
وَالْجَوَاب عَنهُ مَا تقدم من الْأَوْجه الثَّلَاثَة.
على ان اتِّفَاق الاصلين فِي الْمَعْنى، وَهُوَ الْعَلامَة، لَا يُوجب ان يكون احدهما مشتقا من الآخر، أَلا ترى ان: دمثا، ودمثرا، سَوَاء فِي الْمَعْنى، وَلَيْسَ أَحدهمَا مشتقا من الآخر، وَكَذَلِكَ: سبط، وسبطر. وابعد من ذَلِك: الْأسد، وَاللَّيْث، بِمَعْنى وَاحِد، وَلَا يجمعهما الِاشْتِقَاق.
стр. 29
٥ - مَسْأَلَة (حد الْفِعْل)
اخْتلفت عِبَارَات النَّحْوِيين فِي حد الْفِعْل، فَقَالَ ابْن السراج وَغَيره: (حَده: كل لفظ دلّ على معنى فِي نَفسه، مقترن بِزَمَان مُحَصل) .
وَهَذَا هُوَ حد الِاسْم، الا انهم أضافوا إِلَيْهِ: لفظ (غير) ليدْخل فِيهِ الْمصدر، وَإِذا حذفت (غير) لم يدْخل فِيهِ الْمصدر، لِأَن الْفِعْل يدل على زمَان مُحَصل، ولان الْمصدر لَا يدل على تعْيين الزَّمَان.
وان شِئْت اضفت إِلَى ذَلِك دلَالَة الْوَضع، كَمَا قيدت حد
стр. 30
الِاسْم بذلك، وانما زادوا هَذِه الزِّيَادَة لِئَلَّا ينْتَقض ب (لَيْسَ، وَكَانَ) النَّاقِصَة.
وَقَالَ أَبُو عَليّ: (الْفِعْل مَا اسند إِلَى غَيره، وَلم يسند غَيره إِلَيْهِ) وَهَذَا يقرب من قَوْلهم فِي حد الِاسْم: مَا جَازَ الاخبار عَنهُ، لِأَن الاسناد والاخبار متقاربان فِي هَذَا الْمَعْنى.
وَهَذَا الْحَد رسمي، إِذْ هُوَ عَلامَة، وَلَيْسَ بحقيقي، لِأَنَّهُ غير كاشف عَن مَدْلُول الْفِعْل لفظا، وانما هُوَ تَمْيِيز لَهُ بِحكم من احكامه.
وَالَّذِي قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي الْبَاب الأول: (وَأما الْأَفْعَال فأمثلة أخذت من لفظ احداث الاسماء، وبنيت لما مضى، وَلما يكون (وَلم يَقع) ، وَلما هُوَ كَائِن لم يَنْقَطِع) . وَقد أَتَى فِي هَذَا بالغاية، لانه جمع فِيهِ قَوْله (أَمْثِلَة) ، والامثلة بالأفعال احق مِنْهَا بالأسماء والحروف، وَبَين انها مُشْتَقَّة من المصادر، وَقَوله: (من لفظ احداث الْأَسْمَاء) . رُبمَا أَخذ عَلَيْهِ انه اضاف الاحداث إِلَى الْأَسْمَاء،
стр. 31
والأحداث للمسميات لَا للأسماء. وَهَذَا الْأَخْذ غير وَارِد عَلَيْهِ لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا ان المُرَاد بأحداث الاسماء مَا كَانَ فِيهَا عبارَة عَن الْحَدث، وَهُوَ الْمصدر، لانه من بَين الاسماء عبارَة عَن الْحَدث، وَهُوَ من بَاب اضافة النَّوْع إِلَى الْجِنْس.
وَالثَّانِي: انه أَرَادَ بالاسماء المسميات، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم﴾ والاسماء لَيست معبودة، وانما المعبود مسمياتها.
وَقَوله: (بنيت لما مضى) الْفَصْل، اشارة إِلَى دلالتها على أَقسَام الزَّمَان: الْمَاضِي، والحاضر، والمستقبل.
فَإِن قيل: يرد على الْحُدُود كلهَا (لَيْسَ) و (كَانَ) النَّاقِصَة، واخواتها، فانها افعال، وَلَا تدل على الْحَدث. وتنعكس بأسماء الْفِعْل نَحْو: صه، ومه، ونزال. فانها اسماء وَقد دلّت على الزَّمَان.
وَالْجَوَاب:
أما (لَيْسَ) فقد ذهب قوم إِلَى انها حرف وَذَلِكَ ظَاهر فِيهَا، لانها تَنْفِي مَا فِي الْحَال. مثل مَا النافية، وَلَا تدل على حدث وَلَا
стр. 32
زمَان، وَلَا تدخل عَلَيْهَا (قد) وَلَا يكون مِنْهَا مُسْتَقْبل.
وَقَالَ الاكثرون: هِيَ فعل لَفْظِي، بِدَلِيل اتِّصَال عَلَامَات الافعال بهَا، كتاء التَّأْنِيث، نَحْو: لَيست. وضمائر الْمَرْفُوع نَحْو: ليسَا، وَلَيْسوا، ولسن، وَلست، وَلست. وانما اقْتصر بهَا على بِنَاء وَاحِد لانها تَنْفِي مَا فِي الْحَال لَا غير، فَهِيَ كَفعل التَّعَجُّب، وحبذ.
وَأما (كَانَ) النَّاقِصَة فأصلها التَّمام، كَقَوْلِك: قد كَانَ الْأَمر، أَي حدث، وَلَكنهُمْ جعلُوا دلالتها على الْحَدث وَبقيت دلالتها على الزَّمَان، وَهَذَا امْر عَارض لَا تنقض بِهِ الْحُدُود الْعَامَّة.
وَأما (صه) وَأَخَوَاتهَا فواقعة موقع الْجمل، ف (صه) نَائِب عَن: اسْكُتْ. و (مَه) عَن: اكفف. و (نزال) عَن: انْزِلْ. وَغير مُمْتَنع ان يوضع الِاسْم أَو الْحَرْف مَوضِع غَيره، الا ترى انك إِذا
стр. 33
قلت: مَا قَامَ زيد كَانَ ذَلِك جملَة. وَإِذا قَالَ الْمُجيب: بلَى. كَانَ حرفا نَائِبا عَن اعادة الْجُمْلَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قد قَامَ زيد.
وَالله أعلم.
стр. 34
٦ - مَسْأَلَة (الِاخْتِلَاف فِي اصل الِاشْتِقَاق)
الْفِعْل مُشْتَقّ من الْمصدر، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْمصدر مُشْتَقّ من الْفِعْل، وَلما كَانَ الْخلاف وَاقعا فِي اشتقاق احدهما من الآخر لزم من ذَلِك بَيَان شَيْئَيْنِ: احدهما: حد الِاشْتِقَاق، وَالثَّانِي: ان الْمُشْتَقّ فرع على الْمُشْتَقّ مِنْهُ.
стр. 35
أما حد الِاشْتِقَاق فأقرب عبارَة فِيهِ مَا ذكره الرماني وَهُوَ قَوْله: (الِاشْتِقَاق (اقتطاع) فرع من اصل يَدُور فِي تصاريفه (على) الأَصْل) فقد تضمن هَذَا الْحَد معنى الِاشْتِقَاق، وَلزِمَ مِنْهُ التَّعَرُّض للفرع وَالْأَصْل.
وَأما الْفَرْع وَالْأَصْل فهما فِي هَذِه الصِّنَاعَة غَيرهمَا فِي صناعَة الاقيسة الْفِقْهِيَّة، والاصل هَا هُنَا يُرَاد بِهِ الْحُرُوف الْمَوْضُوعَة على الْمَعْنى وضعا اوليا، وَالْفرع لفظ يُوجد فِيهِ تِلْكَ الْحُرُوف مَعَ نوع تَغْيِير يَنْضَم إِلَيْهِ معنى زَائِد على الأَصْل، والمثال فِي ذَلِك (الضَّرْب) مثلا، فانه اسْم مَوْضُوع على الْحَرَكَة الْمَعْلُومَة الْمُسَمَّاة (ضربا) وَلَا يدل لفظ الضَّرْب على أَكثر من ذَلِك. فَأَما: ضرب، يضْرب، وضارب، ومضروب، فَفِيهَا حُرُوف الأَصْل، وَهِي الضَّاد وَالرَّاء وَالْبَاء، وزيادات لفظية لزم من مجموعها الدّلَالَة على معنى الضَّرْب، وَمعنى آخر.
стр. 36
وَإِذا تقرر هَذَا الْمَعْنى جِئْنَا إِلَى مَسْأَلَة الْخلاف، وَقد نَص سِيبَوَيْهٍ على اشتقاق الْفِعْل من الْمصدر وَهُوَ قَوْله فِي الْبَاب (الأول) : (أما الافعال فأمثلة أخذت من لفظ احداث الْأَسْمَاء، وبنيت لما مضى وَلما هُوَ كَائِن لم يَنْقَطِع، وَلما سَيكون) .
وَأخذت: بِمَعْنى اشْتقت، واحداث الْأَسْمَاء: مَا كَانَ مِنْهَا عبارَة عَن الْحَدث وَهُوَ الْمصدر.
وَالدَّلِيل على أَن الْفِعْل مُشْتَقّ من الْمصدر طرق، مِنْهَا وجود حد الِاشْتِقَاق فِي الْفِعْل. وَذَلِكَ ان الْفِعْل يدل على حدث وزمان مَخْصُوص، فَكَانَ مشتقا وفرعا على الْمصدر، كَلَفْظِ (ضَارب، ومضروب) .
وَتَحْقِيق هَذِه الطَّرِيقَة ان الِاشْتِقَاق يُرَاد لتكثير الْمعَانِي، وَهَذَا الْمَعْنى لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي الْفَرْع الَّذِي هُوَ الْفِعْل، وَذَلِكَ ان الْمصدر لَهُ معنى وَاحِد وَهُوَ دلَالَته على الْحَدث فَقَط، وَلَا يدل على الزَّمَان بِلَفْظِهِ، وَالْفِعْل يدل على الْحَدث وَالزَّمَان الْمَخْصُوص، فَهُوَ
стр. 37
بِمَنْزِلَة اللَّفْظ الْمركب، فانه يدل على أَكثر مِمَّا يدل (عَلَيْهِ) الْمُفْرد، وَلَا تركيب الا بعد الافراد، كَمَا انه لَا دلَالَة على الْحَدث وَالزَّمَان الْمَخْصُوص الا بعد الدّلَالَة على الْحَدث وَحده. وَقد مثل ذَلِك بالنقرة من الْفضة. فانها كالمادة الْمُجَرَّدَة عَن الصُّورَة. فالفضة من حَيْثُ هِيَ فضَّة لَا صُورَة لَهَا. فَإِذا صِيغ مِنْهَا خَاتم أَو مرْآة أَو قَارُورَة كَانَت تِلْكَ الصُّورَة مَادَّة مَخْصُوصَة. فَهِيَ فرع عَن الْمَادَّة الْمُجَرَّدَة. كَذَلِك الْفِعْل. هُوَ دَلِيل الْحَدث وَغَيره. والمصدر دَلِيل الْحَدث وَحده. فَبِهَذَا يتَحَقَّق كَون الْفِعْل فرعا لهَذَا الاصل.
طَريقَة أُخْرَى:
هِيَ ان تَقول: الْفِعْل يشْتَمل لَفظه على حُرُوف زَائِدَة على حُرُوف الْمصدر. تدل تِلْكَ الزِّيَادَة على معَان زَائِدَة على معنى الْمصدر، فَكَانَ مشتقا من الْمصدر، كاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَالْمَكَان وَالزَّمَان، كضارب ومضروب. .
стр. 38
وَبَيَانه انك تَقول فِي الْفِعْل: ضرب. فَتحَرك الرَّاء، فيختلف معنى الْمصدر. ثمَّ تَقول: سيضرب. فتدل هَذِه الصِّيغَة على معنى آخر. ثمَّ تَقول: اضْرِب، وتضرب، ونضرب، فتأتي بِهَذِهِ الزَّوَائِد على حُرُوف الاصل وَهِي: الضَّاد وَالرَّاء وَالْبَاء. مَعَ وجودهَا فِي تِلْكَ الامثلة، وَمَعْلُوم ان مَا لَا زِيَادَة فِيهِ أصل لما فِيهِ الزِّيَادَة. .
طَريقَة اخرى:
وَهِي ان الْمصدر لَو كَانَ مشتقا من الْفِعْل لادى ذَلِك إِلَى نقص الْمعَانِي الأول، وَذَلِكَ يخل بالأصول.
بَيَانه ان لفظ الْفِعْل يشْتَمل على حُرُوف زَائِدَة، وَمَعَان زَائِدَة، وَهِي دلَالَته على الزَّمَان الْمَخْصُوص وعَلى الْفَاعِل الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة والمؤنث والحاضر وَالْغَائِب. والمصدر يذهب ذَلِك كُله إِلَّا الدّلَالَة على الْحَدث، وَهَذَا نقض للأوضاع الأول.
الِاشْتِقَاق يَنْبَغِي أَن يُفِيد تشييد الاصول، وتوسعة الْمعَانِي وَهَذَا عكس اشتقاق الْمصدر من الْفِعْل.
وَاحْتج الْآخرُونَ من ثَلَاثَة أوجه:
стр. 39
أَحدهَا: ان الْمصدر (مفعل) وبابه أَن يكون صادرا عَن غَيره، فَأَما أَن يصدر عَنهُ غَيره فَكَذَا.
وَالثَّانِي: أَن الْمصدر يعتل باعتلال الْفِعْل، والاعتلال حكم تسبقه علته، فَإِذا كَانَ الاعتلال فِي الْفِعْل أَولا، وَجب أَن يكون أصلا، وَمِثَال ذَلِك قَوْلك: صَامَ صياما، وَقَامَ قيَاما، فالواو فِي (قَامَ) أصل، اعتلت فِي الْفِعْل فاعتلت فِي (الْقيام) . وَأَنت لَا تَقول: اعتل (قَامَ) لاعتلال (الْقيام) .
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن الْفِعْل يعْمل فِي الْمصدر كَقَوْلِك: ضَربته ضربا، ف (ضربا) مَنْصُوب بِضَرْب. وَالْعَامِل مُؤثر فِيهِ وَالْقُوَّة تجْعَل الْقوي اصلا لغيره.
وَالْجَوَاب:
أما الْوَجْه الأول: فَلَيْسَ بِشَيْء، وَذَلِكَ أَن الْمصدر مُشْتَقّ من: صدرت عَن الشَّيْء، إِذا وليته صدرك، وَجَعَلته وَرَاءَك، وَمن ذَلِك قَوْلهم: المورد والمصدر، يشار بِهِ إِلَى المَاء الَّذِي ترد عَلَيْهِ الْإِبِل، ثمَّ تصدر عَنهُ، وَلَا معنى لهَذَا إِلَّا أَن الْإِبِل تتولى عَن المَاء،
стр. 40
وَتصرف عَنهُ صدورها، فَيُقَال: قد صدرت عَن المَاء، وَقد شاع فِي الْكَلَام قَول الْقَائِل: فلَان موفق فِيمَا يُورد ويصدر، وَفِي موارده ومصادره، وكل ذَلِك بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكرْنَاهُ.
وَبِهَذَا يتَحَقَّق كَون الْفِعْل مشتقا من الْمصدر لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْمَكَان الَّذِي يصدر عَنهُ.
أما الْوَجْه الثَّانِي: فَغير دَال على دَعوَاهُم، وَذَلِكَ ان الاعتلال شَيْء يُوجِبهُ التصريف، وَثقل الْحُرُوف، وَبَاب ذَلِك الافعال لَان صيغها تخْتَلف لاخْتِلَاف مَعَانِيهَا، ف (قَامَ) مثلا، اصله (قوم) فأبدلت الْوَاو ألفا لتحركها فَإِذا ذكرت الْمصدر (من ذَلِك) كَانَت الْعلَّة الْمُوجبَة للتغيير قَائِمَة فِي الْمصدر وَهُوَ الثّقل.
وَجَوَاب آخر وَهُوَ ان الْمصدر الْأَصْلِيّ هُوَ (قوم) كَقَوْلِك: صور ثمَّ اشتققت مِنْهُ فعلا، واعللته لما ذكرنَا، فعدلت عَن قوم إِلَى (قيَاما) لتناسب بَين اللَّفْظَيْنِ، للمعنيين المشتركين فِي الاصل.
يدل على ذَلِك ان الْمصدر قد يَأْتِي صَحِيحا غير معتل، وَالْفِعْل يجب فِيهِ الاعتلال، مثل: الصَّوْم. وَالْقَوْم، وَالْبيع، فَإِذا
следующие страницы →