← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 6996

مسائل خلافية في النحو

أبو البقاء العكبري

Полный текст (81 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَإِذا تقرر هَذَا الْمَعْنى جِئْنَا إِلَى مَسْأَلَة الْخلاف، وَقد نَص سِيبَوَيْهٍ على اشتقاق الْفِعْل من الْمصدر وَهُوَ قَوْله فِي الْبَاب (الأول) : (أما الافعال فأمثلة أخذت من لفظ احداث الْأَسْمَاء، وبنيت لما مضى وَلما هُوَ كَائِن لم يَنْقَطِع، وَلما سَيكون) . وَأخذت: بِمَعْنى اشْتقت، واحداث الْأَسْمَاء: مَا كَانَ مِنْهَا عبارَة عَن الْحَدث وَهُوَ الْمصدر. وَالدَّلِيل على أَن الْفِعْل مُشْتَقّ من الْمصدر طرق، مِنْهَا وجود حد الِاشْتِقَاق فِي الْفِعْل. وَذَلِكَ ان الْفِعْل يدل على حدث وزمان مَخْصُوص، فَكَانَ مشتقا وفرعا على الْمصدر، كَلَفْظِ (ضَارب، ومضروب) . وَتَحْقِيق هَذِه الطَّرِيقَة ان الِاشْتِقَاق يُرَاد لتكثير الْمعَانِي، وَهَذَا الْمَعْنى لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي الْفَرْع الَّذِي هُوَ الْفِعْل، وَذَلِكَ ان الْمصدر لَهُ معنى وَاحِد وَهُوَ دلَالَته على الْحَدث فَقَط، وَلَا يدل على الزَّمَان بِلَفْظِهِ، وَالْفِعْل يدل على الْحَدث وَالزَّمَان الْمَخْصُوص، فَهُوَ

стр. 37

بِمَنْزِلَة اللَّفْظ الْمركب، فانه يدل على أَكثر مِمَّا يدل (عَلَيْهِ) الْمُفْرد، وَلَا تركيب الا بعد الافراد، كَمَا انه لَا دلَالَة على الْحَدث وَالزَّمَان الْمَخْصُوص الا بعد الدّلَالَة على الْحَدث وَحده. وَقد مثل ذَلِك بالنقرة من الْفضة. فانها كالمادة الْمُجَرَّدَة عَن الصُّورَة. فالفضة من حَيْثُ هِيَ فضَّة لَا صُورَة لَهَا. فَإِذا صِيغ مِنْهَا خَاتم أَو مرْآة أَو قَارُورَة كَانَت تِلْكَ الصُّورَة مَادَّة مَخْصُوصَة. فَهِيَ فرع عَن الْمَادَّة الْمُجَرَّدَة. كَذَلِك الْفِعْل. هُوَ دَلِيل الْحَدث وَغَيره. والمصدر دَلِيل الْحَدث وَحده. فَبِهَذَا يتَحَقَّق كَون الْفِعْل فرعا لهَذَا الاصل. طَريقَة أُخْرَى: هِيَ ان تَقول: الْفِعْل يشْتَمل لَفظه على حُرُوف زَائِدَة على حُرُوف الْمصدر. تدل تِلْكَ الزِّيَادَة على معَان زَائِدَة على معنى الْمصدر، فَكَانَ مشتقا من الْمصدر، كاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَالْمَكَان وَالزَّمَان، كضارب ومضروب. .

стр. 38

وَبَيَانه انك تَقول فِي الْفِعْل: ضرب. فَتحَرك الرَّاء، فيختلف معنى الْمصدر. ثمَّ تَقول: سيضرب. فتدل هَذِه الصِّيغَة على معنى آخر. ثمَّ تَقول: اضْرِب، وتضرب، ونضرب، فتأتي بِهَذِهِ الزَّوَائِد على حُرُوف الاصل وَهِي: الضَّاد وَالرَّاء وَالْبَاء. مَعَ وجودهَا فِي تِلْكَ الامثلة، وَمَعْلُوم ان مَا لَا زِيَادَة فِيهِ أصل لما فِيهِ الزِّيَادَة. . طَريقَة اخرى: وَهِي ان الْمصدر لَو كَانَ مشتقا من الْفِعْل لادى ذَلِك إِلَى نقص الْمعَانِي الأول، وَذَلِكَ يخل بالأصول. بَيَانه ان لفظ الْفِعْل يشْتَمل على حُرُوف زَائِدَة، وَمَعَان زَائِدَة، وَهِي دلَالَته على الزَّمَان الْمَخْصُوص وعَلى الْفَاعِل الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة والمؤنث والحاضر وَالْغَائِب. والمصدر يذهب ذَلِك كُله إِلَّا الدّلَالَة على الْحَدث، وَهَذَا نقض للأوضاع الأول. الِاشْتِقَاق يَنْبَغِي أَن يُفِيد تشييد الاصول، وتوسعة الْمعَانِي وَهَذَا عكس اشتقاق الْمصدر من الْفِعْل. وَاحْتج الْآخرُونَ من ثَلَاثَة أوجه:

стр. 39

أَحدهَا: ان الْمصدر (مفعل) وبابه أَن يكون صادرا عَن غَيره، فَأَما أَن يصدر عَنهُ غَيره فَكَذَا. وَالثَّانِي: أَن الْمصدر يعتل باعتلال الْفِعْل، والاعتلال حكم تسبقه علته، فَإِذا كَانَ الاعتلال فِي الْفِعْل أَولا، وَجب أَن يكون أصلا، وَمِثَال ذَلِك قَوْلك: صَامَ صياما، وَقَامَ قيَاما، فالواو فِي (قَامَ) أصل، اعتلت فِي الْفِعْل فاعتلت فِي (الْقيام) . وَأَنت لَا تَقول: اعتل (قَامَ) لاعتلال (الْقيام) . وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن الْفِعْل يعْمل فِي الْمصدر كَقَوْلِك: ضَربته ضربا، ف (ضربا) مَنْصُوب بِضَرْب. وَالْعَامِل مُؤثر فِيهِ وَالْقُوَّة تجْعَل الْقوي اصلا لغيره. وَالْجَوَاب: أما الْوَجْه الأول: فَلَيْسَ بِشَيْء، وَذَلِكَ أَن الْمصدر مُشْتَقّ من: صدرت عَن الشَّيْء، إِذا وليته صدرك، وَجَعَلته وَرَاءَك، وَمن ذَلِك قَوْلهم: المورد والمصدر، يشار بِهِ إِلَى المَاء الَّذِي ترد عَلَيْهِ الْإِبِل، ثمَّ تصدر عَنهُ، وَلَا معنى لهَذَا إِلَّا أَن الْإِبِل تتولى عَن المَاء،

стр. 40

وَتصرف عَنهُ صدورها، فَيُقَال: قد صدرت عَن المَاء، وَقد شاع فِي الْكَلَام قَول الْقَائِل: فلَان موفق فِيمَا يُورد ويصدر، وَفِي موارده ومصادره، وكل ذَلِك بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكرْنَاهُ. وَبِهَذَا يتَحَقَّق كَون الْفِعْل مشتقا من الْمصدر لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْمَكَان الَّذِي يصدر عَنهُ. أما الْوَجْه الثَّانِي: فَغير دَال على دَعوَاهُم، وَذَلِكَ ان الاعتلال شَيْء يُوجِبهُ التصريف، وَثقل الْحُرُوف، وَبَاب ذَلِك الافعال لَان صيغها تخْتَلف لاخْتِلَاف مَعَانِيهَا، ف (قَامَ) مثلا، اصله (قوم) فأبدلت الْوَاو ألفا لتحركها فَإِذا ذكرت الْمصدر (من ذَلِك) كَانَت الْعلَّة الْمُوجبَة للتغيير قَائِمَة فِي الْمصدر وَهُوَ الثّقل. وَجَوَاب آخر وَهُوَ ان الْمصدر الْأَصْلِيّ هُوَ (قوم) كَقَوْلِك: صور ثمَّ اشتققت مِنْهُ فعلا، واعللته لما ذكرنَا، فعدلت عَن قوم إِلَى (قيَاما) لتناسب بَين اللَّفْظَيْنِ، للمعنيين المشتركين فِي الاصل. يدل على ذَلِك ان الْمصدر قد يَأْتِي صَحِيحا غير معتل، وَالْفِعْل يجب فِيهِ الاعتلال، مثل: الصَّوْم. وَالْقَوْم، وَالْبيع، فَإِذا

стр. 41

اشتققت مِنْهَا افعالا اعللتها، فَقلت: صَامَ، وَقَامَ، وَبَاعَ، فقد رَأَيْت كَيفَ جَاءَ الاعلال فِي الْفِعْل دون الْمصدر، فَاخْتلف الثِّقَة بِمَا علل بِهِ. وَأما الْوَجْه الثَّالِث: فَهُوَ فِي غَايَة السُّقُوط، وَبَيَانه من أوجه ثَلَاثَة: أَحدهَا: ان الْعَامِل والمعمول من قبيل الالفاظ، والاشتقاق من قبيل الْمعَانِي، وَلَا يدل احدهما على الآخر اشتقاقا. وَالثَّانِي: ان الْمصدر قد يعْمل عمل الْفِعْل، كَقَوْلِك: يُعجبنِي ضرب زيد عمرا، فَلَا يدل ذَلِك على أَنه اصل. وَالثَّالِث: ان الْحُرُوف تعْمل فِي الاسماء والافعال، وَلَا يدل ذَلِك على انها مُشْتَقَّة أصلا، فضلا عَن أَن تكون مُشْتَقَّة من الاسماء والافعال. وَالله اعْلَم.

стр. 42

(وَكَأَنَّهُم قد عطروك بِمَا ... يتزود الهلكي من الْعطر) (وَكَأَنَّهُم قد قلبوك على ... ظهر السرير وظلمة الْقَبْر) (يَا لَيْت شعري كَيفَ أَنْت على ... ظهر السرير وَأَنت لَا تَدْرِي) (أَو لَيْت شعري كَيفَ أَنْت إِذا ... غسلت بالكافور والدر) (أَو لَيْت شعري كَيفَ أَنْت إِذا ... وضع الْحساب صَبِيحَة الْحَشْر) (مَا حجتي فِيمَا اتيت وَمَا ... قولي لرَبي بل وَمَا عُذْري) (إِن اكن قد فقدت رشدي اَوْ ... اقبلت مَا اسْتَدْبَرت من امري) (يَا سوأتا مِمَّا اكْتسبت وَيَا ... أسفي على مَا فَاتَ من عمري) وَقَالَ أَيْضا: (أيا من لَيْسَ لي مِنْهُ مجير ... بعفوك من عذابك استجير) (أَنا العَبْد الْمقر بِكُل ذَنْب ... وانت السَّيِّد الْمولى الغفور) (فَإِن عذبتني فبسوء فعلي ... وان تغْفر فَأَنت بِهِ جدير) (أفر إِلَيْك مِنْك وَأَيْنَ إِلَّا ... إِلَيْك يفر مِنْك المستجير) وَله أَيْضا: (دب فِي الفناء سفلا وعلوا ... وَأرَانِي اموت عضوا فعضوا) (ذهبت شرتي بجدة نَفسِي ... وتذكرت طَاعَة الله نضوا) (لَيْسَ من سَاعَة مَضَت فِي إِلَّا ... نَقَصْتنِي بمرها بِي جزوا) (لهف نَفسِي على لَيَال وَأَيَّام ... سلكتهن لعبا ولهوا) (قد أسأنا كل الأساءة يارب ... فصفحا عني إلهي وعفوا)

стр. 43

٧ - مَسْأَلَة (الِاخْتِلَاف فِي الإسم الْمُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم) لَيْسَ فِي الْكَلَام كلمة لَا معربة وَلَا مَبْنِيَّة، وَذهب قوم إِلَى ذَلِك، فَقَالُوا فِي الْمُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم نَحْو: غلامي، وداري، هُوَ لَا مُعرب وَلَا مَبْنِيّ وَحجَّة الْأَوَّلين أَن الْقِسْمَة تقضي بانحصار هَذَا الْمَعْنى فِي الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين: المعرب والمبني، لَان المعرب هُوَ الَّذِي يخْتَلف آخِره باخْتلَاف الْعَامِل فِيهِ لفظا أَو تَقْديرا، والمبني مَا لزم آخِره حَرَكَة أَو سكونا، وَهَذَانِ ضدان لَا وَاسِطَة بَينهمَا، لَان الِاخْتِلَاف وَعدم الِاخْتِلَاف يقتسمان قسيمي النَّفْي والاثبات، وَلَيْسَ

стр. 44

بَينهمَا مَا لَيْسَ بمثبت وَلَا منفي، يدل عَلَيْهِ ان الاضداد قد تكْثر، مثل الْبيَاض والحمرة والسواد، وَلَكِن لكل وَاحِد مِنْهَا حَقِيقَة فِي نَفسه، وَالنَّفْي والاثبات لَيْسَ بَينهمَا وَاسِطَة هِيَ ضد يُنبئ عَن حَقِيقَة كالحركة والسكون. وَاحْتج الْآخرُونَ بِأَن الْمُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم لَيْسَ بمعرب إِذْ لَو كَانَ معربا لظهرت فِيهِ حَرَكَة الْإِعْرَاب لانه يقبل الْحَرَكَة، وَلَيْسَ بمبني إِذْ لَا عِلّة للْبِنَاء هُنَا، فَلَزِمَ أَن يَنْتَفِي الوصفان هُنَا وَيجب ان يعرف باسم يَخُصُّهُ، وتلقيبه بالخصي مُوَافق لمعناه، لَان الْخصي مَعْدُوم فَائِدَة الذكورية، وَلم يثبت لَهُ صفة الانوثية، فَهُوَ فِي الْمَعْنى كالمضاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم، فانه كَانَ قبل الْإِضَافَة معربا (فَلَمَّا عرضت لَهُ الْإِضَافَة زَالَ عَنهُ الاعراب، وَلم يثبت لَهُ صفة الْبناء) ، كَمَا ان السَّلِيم الذّكر والخصيين عرض لَهُ إِزَالَتهَا وَلم يصر

стр. 45

بذلك انثى. وَالْجَوَاب عَمَّا ذَكرُوهُ من وَجْهَيْن: احدهما: انا نقُول: هُوَ مُعرب تَارَة، لَكِن ظُهُور الْحَرَكَة فِيهِ مستثقل كَمَا يستثقل على الْيَاء فِي المنقوص وكما يمْتَنع على الْألف. وَلم يمْنَع ذَلِك من كَونه معربا. وَتارَة تَقول: هُوَ مَبْنِيّ. وَعلة بنائِهِ أَن حركته صَارَت تَابِعَة للياء فَتعذر أَن تكون دَالَّة على الْإِعْرَاب. وَلذَلِك أشبه الْحَرْف. لانه أصل قبل الْإِضَافَة وَصَارَ بعد الْإِضَافَة تَابعا للمضمر الَّذِي هُوَ فرع كَمَا أَنَّك تحرّك السَّاكِن لالتقاء الساكنين حَرَكَة بِنَاء. وَلذَلِك إِذا وجدت فِي المعرب كَانَت بِنَاء. كَقَوْلِنَا: لم يسد. وَلم يصر هَذَا الْفِعْل معربا، وضمه، وفتحه، وكسره بِنَاء. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تَسْمِيَته خَصيا خطأ. لَان الْخصي ذكر على التَّحْقِيق. وَإِنَّمَا زَالَ عَنهُ بعض أَعْضَائِهِ وَحَقِيقَة الذكورية وَحكمهَا

стр. 46

باقيان. وَلَا يجوز أَن يُقَال: لَيْسَ بِذكر وَلَا انثى. وَالله أعلم.

стр. 47

٨ - مَسْأَلَة (هَل الاعراب أصل فِي الْمُضَارع) المعرب بِحَق الأَصْل هُوَ الِاسْم، وَالْفِعْل الْمُضَارع مَحْمُول عَلَيْهِ، وَقَالَ بعض الْكُوفِيّين: الْمُضَارع أصل فِي الْإِعْرَاب أَيْضا. وَحجَّة الْأَوَّلين أَن الْإِعْرَاب أُتِي بِهِ لِمَعْنى لَا يَصح إِلَّا فِي الِاسْم، فاختص بِالِاسْمِ، كالتصغير وَغَيره من خَواص الِاسْم، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الأَصْل عدم الْإِعْرَاب، لِأَن الأَصْل دلَالَة الْكَلِمَة على الْمَعْنى اللَّازِم لَهَا، وَالزِّيَادَة على ذَلِك خَارِجَة عَن هَذِه الدّلَالَة. وَإِنَّمَا يُؤْتى بهَا لتدل على معنى عَارض يكون تَارَة. وَالْمعْنَى الَّذِي يدل عَلَيْهِ الْإِعْرَاب كَون الِاسْم فَاعِلا أَو مَفْعُولا أَو مُضَافا إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ يفرق بَين هَذِه الْمعَانِي، وَهَذِه الْمعَانِي تصح فِي الْأَسْمَاء، وَلَا تصح فِي الْأَفْعَال، فَعلم أَنَّهَا لَيست أصلا، بل هِيَ

стр. 48

فرع مَحْمُول على الاسماء فِي ذَلِك. وَاحْتج الْآخرُونَ بِأَن الْإِعْرَاب فِي الْفِعْل يفرق بَين الْمعَانِي، فَكَانَ أصلا كاعراب الْأَسْمَاء وَبَيَانه قَوْلك: اريد أَن ازورك فيمنعني البواب. إِذا رفعت كَانَ لَهُ معنى وَإِذا نصبت كَانَ لَهُ معنى، وَكَذَلِكَ قَوْلك: لَا يسعني شَيْء ويعجز عَنْك إِذا نصبت كَانَ لَهُ معنى، وَإِذا رفعت كَانَ لَهُ معنى آخر، وَكَذَلِكَ بَاب الْجَواب بِالْفَاءِ والواء، نَحْو: لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن. وَهُوَ فِي ذَلِك كالاسم، إِذا رفعت كَانَ لَهُ معنى وَإِذا نصبت أَو جررت كَانَ لَهُ معنى آخر. وَالْجَوَاب: أما إِعْرَاب الْفِعْل فَلَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ فهم الْمَعْنى، بل الْمَعْنى يدْرك بالقرائن المحققة بِهِ، والإشكال يحصل فِيهِ بالحركة الَّتِي لَا يقتضيها الْمَعْنى، لَا بِعَدَمِ الْحَرَكَة، أَلا ترى أَن قَوْله: أُرِيد أَن أزورك فيمنعني البواب، لَو سكنت الْعين لفهم الْمَعْنى، وَإِنَّمَا

стр. 49

يشكل إِذا نصبتها، وَإِنَّمَا جَاءَ الْإِشْكَال من جِهَة الْعَطف لَا بِالنّظرِ إِلَى نفس الْفِعْل، إِذْ لَا فرق بَين قَوْلك: يضْرب زيد، فِي الضَّم وَالْفَتْح وَالْكَسْر والسكون، فانه فِي كل حَال يدل على الْحَدث وَالزَّمَان. وَكَذَلِكَ إِذا قلت: لم يضْرب، وَلنْ تضرب، فان الْفِعْل منفي، ضممت أَو فتحت أَو سكنت، وَكَذَلِكَ: لَا يسعني شَيْء ويعجز عَنْك. إِذا فتحت أردْت الْجَواب، وَإِذا ضممت عطفت، وَلَو أهملته لفهمت الْمَعْنى: وَكَذَلِكَ لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن. وَالْحَاصِل من ذَلِك كُله أَمر عرض بالْعَطْف، وحرف الْعَطف يَقع على معَان، فَلَا بُد من تَخْلِيص بَعْضهَا من بعض، فبالحركة يفرق بَين مَعَاني حرف الْعَطف، وَلَا يفرق بَين معنى الْفِعْل وَمعنى لَهُ آخر. وَالله أعلم.

стр. 50

بَاب الاعراب

стр. 51

٩ - مَسْأَلَة (عِلّة الْإِعْرَاب) الْإِعْرَاب دخل الْكَلَام ليفرق بَين الْمعَانِي من الفاعلية والمفعولية وَالْإِضَافَة وَنَحْو ذَلِك. وَقَالَ قطرب واسْمه مُحَمَّد بن المستنير: لم يدْخل لعِلَّة، وانما دخل تَخْفِيفًا على اللِّسَان. وَحجَّة الْأَوَّلين أَن الْكَلَام لَو لم يعرب لَا لتبست الْمعَانِي، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: ضرب زيد عَمْرو. وكلم أَبوك أَخُوك. لم يعلم الْفَاعِل من الْمَفْعُول. وَكَذَلِكَ قَوْلهم: مَا أحسن

стр. 52

زيد. وَلَو أهملته عَن حَرَكَة مَخْصُوصَة لم يعلم مَعْنَاهُ لِأَن الصِّيغَة تحْتَمل التَّعَجُّب والاستفهام وَالنَّفْي. والفارق بَينهَا هُوَ الحركات. فان قيل: الْفرق يحصل بِلُزُوم الرُّتْبَة، وَهُوَ تقدم الْفَاعِل على الْمَفْعُول. ثمَّ هُوَ بَاطِل، فان كثيرا من الْمَوَاضِع لَا يلتبس، وَمَعَ هَذَا لزم الْإِعْرَاب، كَقَوْلِك: قَامَ زيد، وَلم يقم عَمْرو، وَركب زيد الْحمار، فان مثل هَذَا لَا يلتبس، وَكَذَلِكَ: كسر مُوسَى الْعَصَا. وَالْجَوَاب: أما لُزُوم الرُّتْبَة، فَلَا يَصح لثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا أَن فِي ذَلِك تضييقا على الْمُتَكَلّم، وإخلالا بمقصود النّظم والسجع، مَعَ مَسِيس الْحَاجة إِلَيْهِ. وَالْإِعْرَاب لَا يلْزم فِيهِ ذَلِك، فان أَمر الْحَرَكَة لَا يخْتَلف بالتقديم وَالتَّأْخِير. وَالثَّانِي: أَن التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير قد لَا يَصح فِي كثير من الْمَوَاضِع، أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول: ضرب غُلَامه زيدا. إِذْ يلْزم

стр. 53

الْإِضْمَار قبل الذّكر لفظا وتقديرا، فتدعو الْحَاجة إِلَى تَقْدِيم. وَكَذَلِكَ قَوْلك: مَا أحسن زيدا، ف (مَا) فِي الاصل فَاعل، وَلَا يَصح تَقْدِيم الْفِعْل عَلَيْهِ. فَأَما مَا لَا يلتبس فانه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يلتبس قَلِيل جدا، فَحمل على الأَصْل الْمُعَلل ليطرد الْبَاب، كَمَا طردوا الْبَاب فِي: أعد، ونعد، وتعد، حملا على: يعد، وَله نَظَائِر كَثِيرَة، وَلِأَن الَّذِي لَا يلتبس فِي مَوضِع قد يلتبس بِعَيْنِه فِي مَوضِع آخر، فَإِذا جعلت الْحَرَكَة فارقة اطردت فِي الملتبس وَغَيره. وَهَذَا لَا يمْنَع أَن يحصل الْفرق بالإعراب، وَتعين الظّرْف لَا سَبِيل إِلَيْهِ، بل اذا وجد عَن الْعَرَب طَرِيق مُعَلل وَجب إثْبَاته، وَإِن صَحَّ أَن يحصل الْمَعْنى بِغَيْرِهِ. وَمثل ذَلِك قد وَقع فِي الاسماء الْمُخْتَلفَة الالفاظ والمعاني وان كل وَاحِد مِنْهَا وضع على معنى يَخُصُّهُ، ليفهم الْمَعْنى على التَّعْيِين. وَلَا يُقَال: هلا وضعُوا اسْما وَاحِدًا على معَان مُتعَدِّدَة، وَيقف الْفرق على قرينَة أُخْرَى كَمَا وَقع فِي الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة، بل قيل: إِن الِاشْتِرَاك على خلاف الأَصْل.

стр. 54

وَمثل ذَلِك قد وَقع فِي الشَّرِيعَة، وَأَن الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ يسْقط الْأَخ من الْأَب، وَهَذَا أحد الْمعَانِي الَّتِي يحملهَا هَذَا الْفَصْل، وَذَلِكَ أَن الْقيَاس لَا يمْنَع أَن يشْتَرك الْجَمِيع فِي الْمِيرَاث من غير تَخْصِيص، لاشْتِرَاكهمَا فِي الانتساب إِلَى الْأَب، والانتساب إِلَى الْأُم فِي هَذَا الْمَعْنى سَاقِط، وَيجوز أَن يكون للْأَخ من الابوين الثُّلُثَانِ، وللأخ من الْأَب الثُّلُث، عملا بالقرابتين، وَيجوز إِسْقَاط الْأَخ من الْأَب، بالأخ من الْأَبَوَيْنِ، لرجحان النّسَب إِلَى الْأَب وَالأُم. وَهَذَا الَّذِي تقرر فِي الشَّرْع، وَهُوَ عمل بِأحد الْمَعْنيين، كَذَلِك هَا هُنَا. وَاحْتج الْآخرُونَ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْفِعْل الْمُضَارع مُعرب لَا يحصل باعرابه فرق، فَكَذَلِك الْأَسْمَاء. وَالثَّانِي: أَن الفاعلية والمفعولية تدْرك بِالْمَعْنَى، أَلا ترى أَن الاسماء الْمَقْصُورَة لَا يظْهر فِيهَا إِعْرَاب ومعانيها مدركة، وَإِنَّمَا أعربت الْعَرَب الْكَلَام لما يلْزم الْمُتَكَلّم من ثقل السّكُون، لِأَن الْحَرْف يقطع عَن حركاته فَيشق على اللِّسَان. قَالُوا: وَيدل على صِحَة مَا ذَكرْنَاهُ أَن حركات الْإِعْرَاب

стр. 55

تتفق مَعَ اخْتِلَاف الْمَعْنى، وتختلف مَعَ اتِّفَاق الْمَعْنى، أَلا ترى أَن قَوْلك: هَل زيد نَائِم مثل قَوْلك: زيد نَائِم. فِي اللَّفْظ، مَعَ اخْتِلَاف الْمَعْنى وقولك: زيد قَائِم، مثل قَوْلك: إِن زيدا قَائِم، فِي الْمَعْنى، إِذْ كِلَاهُمَا إِثْبَات، وَالْإِعْرَاب مُخْتَلف. وَالْجَوَاب: أما إِعْرَاب الْفِعْل الْمُضَارع فَفِيهِ جوابان: أَحدهمَا أَن إعرابه يفرق بَين الْمعَانِي أَيْضا كَمَا ذكرنَا فِي الْمَسْأَلَة قبلهَا. وَالثَّانِي: أَن إِعْرَاب الْفِعْل اسْتِحْسَان لشبهه بالاسماء على مَا ذَكرْنَاهُ هُنَالك. وَأما اخْتِلَاف الْإِعْرَاب واتفاق الْمَعْنى وَعكس ذَلِك، فَلَا يلْزم، لَان هَذِه الْأَشْيَاء فروع عارضة، حملت على الاصول المعللة لضرب من الشّبَه، وَذَلِكَ لَا يمْنَع من ثُبُوت الْإِعْرَاب لِمَعْنى. قَوْلهم: إِنَّهُم أعربوا لما يلْزم من ثقل السّكُون. لَا يَصح لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن السّكُون أخف من الْحَرَكَة، هَذَا مِمَّا لَا ريب فِيهِ، وَلذَلِك كَانَ الْمَبْنِيّ والمجزوم ساكنين.

стр. 56

وَالْوَجْه الثَّانِي: لَو كَانَ ذَلِك من أجل الثّقل لفوض زِمَام الْخيرَة إِلَى الْمُتَكَلّم، وَكَانَ يسكن إِذا شَاءَ ويحرك إِذا شَاءَ، فَلَمَّا اتَّفقُوا على أَن تسكين المتحرك، وتحريك السَّاكِن بِأَيّ حَرَكَة شَاءَ الْمُتَكَلّم لحن، دلّ على فَسَاد مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ. وَالله أعلم.

стр. 57

١٠ - مَسْأَلَة (الِاخْتِلَاف فِي عِلّة جعل الْإِعْرَاب فِي آخر الْكَلِمَة) اخْتلفُوا فِي جعل الْإِعْرَاب فِي آخر، فَقَالَ بَعضهم، إِنَّمَا كَانَ لِأَن الاعراب دَال على معنى عَارض فِي الْكَلِمَة، فَيجب أَن تستوفى الصِّيغَة الْمَوْضُوعَة لمعناها اللَّازِم، ثمَّ يُؤْتى بعد ذَلِك بالعارض كتاء التَّأْنِيث، وياء النّسَب. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا جعل أخيرا لَان الْإِعْرَاب يثبت فِي الْوَصْل دون الْوَقْف، فَكَانَ فِي مَوضِع يَتَأَتَّى الْوَقْف عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَخير. وَقَالَ قطرب: إِنَّمَا جعل أخيرا لتعذر جعله وسطا، إِذْ لَو كَانَ

стр. 58

وسطا لاختلطت الابنية، وَرُبمَا أفْضى إِلَى الْجمع بَين ساكنين، أَو الِابْتِدَاء بالساكن، وكل ذَلِك خطأ لَا يُوجد مثله فِيمَا إِذا جعل أخيرا. قَالَ قطرب: وَالْمذهب الأول فَاسد، لِأَن كثيرا من الْمعَانِي الْعَارِضَة تدخل فِي أول الْكَلِمَة ووسطها قبل اسْتِيفَاء الصِّيغَة، نَحْو الْجمع والتصغير، وَهُوَ معنى عَارض. وَالْجَوَاب: ان الْعِلَل الْمَذْكُورَة كلهَا صَحِيحَة، وأمتنها عِنْد النّظر الصَّحِيح هُوَ الأول، وَأما مَا نقض بِهِ من التصغير وَالْجمع فَلَا يَصح لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن التصغير وَالْجمع مَعْنيانِ يحدثان فِي نفس الْمُسَمّى، وهما التكثير والتحقير، فَلذَلِك كَانَت علاماتهما فِي نفس الْكَلِمَة، لِأَن التكثير مَعْنَاهُ ضم اسْم إِلَى اسْم، وَهُوَ مسَاوٍ لَهُ فِي الدّلَالَة على الْمَعْنى، فَكَانَ الدَّال على الْكَثْرَة دَاخِلا فِي الصِّيغَة، كَمَا أَن إِضَافَة أَحدهمَا إِلَى الآخر دَاخل فِي الْمَعْنى. وَلَيْسَ كَذَلِك الْمَعْنى الَّذِي يدل عَلَيْهِ الْإِعْرَاب، فان كَونه فَاعِلا لَا

стр. 59

يحدث فِي الْمُسَمّى معنى فِي ذَاته بل هُوَ معنى عَارض أوجبه عَامل عَارض. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن التصغير وَالْجمع من قبيل الْمعَانِي الَّتِي يقْصد إِثْبَاتهَا فِي نفس السَّامع، فَيجب أَن يبْدَأ بهَا، أَو تقرن بالصيغة، لتثبت فِي نفس السَّامع مَعْنَاهَا قبل تَمام الْمَعْنى الْأَصْلِيّ بِدُونِهَا. وَهَذَا كَمَا جعل الِاسْتِفْهَام وَالنَّفْي فِي أول الْكَلَام ليستقر مَعْنَاهُ فِي النَّفس، وَلَو أخر لثبت فِي النَّفس معنى ثمَّ أزيل، وَلَيْسَ كَذَلِك الْإِعْرَاب، لَان الصِّيغَة الْمُجَرَّدَة عَن الْإِعْرَاب لَا تَنْفِي كَون الِاسْم فَاعِلا أَو مَفْعُولا، حَتَّى إِذا جَاءَ الْإِعْرَاب بعد ذَلِك أَزَال الْمَعْنى الأول. وَكَذَلِكَ الالف وَاللَّام جعلت أَولا ليثبت التَّخْصِيص فِي الْمُسَمّى، وَلَا يُؤْتى بهَا أخيرا لِئَلَّا يحدث التَّخْصِيص بعد الشياع.

стр. 60

وَاحْتج الْآخرُونَ الَّذين قَالُوا: بِأَن الْإِعْرَاب لَا يَنْبَغِي أَن يكون مَوْضِعه أخيرا بِأَنَّهُ دَال على معنى فِي الْكَلِمَة، فَوَجَبَ أَن يكون فِي أَصْلهَا، كالتصغير وَالْجمع والتعريف وَالنَّفْي والاستفهام وَغير ذَلِك، وَإِنَّمَا عدل إِلَى الاخير لما ذَكرْنَاهُ من اخْتِلَاط الْأَبْنِيَة. وَالْجَوَاب عَن هَذَا قد سبق. وَالله أعلم.

стр. 61

١١ - مَسْأَلَة (الِاخْتِلَاف فِي حَقِيقَة الصّرْف) الصّرْف هُوَ التَّنْوِين وَحده، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ التَّنْوِين والجر. حجَّة الْأَوَّلين من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه معنى يُنبئ عَنهُ الِاشْتِقَاق، فَلم يدْخل فِيهِ مَا لَا يدل عَلَيْهِ الِاشْتِقَاق كَسَائِر أَمْثَاله. وَبَيَانه أَن الصّرْف فِي اللُّغَة هُوَ الصَّوْت الضَّعِيف، كَقَوْلِهِم: صرب نَاب الْبَعِير، وصرفت البكرة، وَمِنْه صريف الْقَلَم. وَالنُّون الساكنة فِي آخر الْكَلِمَة صَوت ضَعِيف فِيهِ غنة كغنة الاشياء الَّتِي ذكرنَا.

стр. 62

وَأما الْجَرّ فَلَيْسَ صَوته مشبها لما ذكرنَا، لانه حَرَكَة، فَلم يكون صرفا، كَسَائِر الحركات، أَلا ترى أَن الضمة والفتحة فِي آخر الْكَلِمَة حَرَكَة وَلَا تسمى صرفا. وَالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ أَن الشَّاعِر إِذا اضْطر إِلَى صرف مَا لَا ينْصَرف جر فِي مَوضِع الْجَرّ، وَلَو كَانَ الْجَرّ من الصّرْف لما أُتِي بِهِ من غير ضَرُورَة إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَن التَّنْوِين دعت الضَّرُورَة إِلَيْهِ لإِقَامَة الْوَزْن، وَالْوَزْن يقوم بِهِ سَوَاء كسر مَا قبله أَو فتح، فَلَمَّا كسر حِين نون علم أَنه لَيْسَ من الصّرْف، لِأَن الْمَانِع من الصّرْف قَائِم، وَمَوْضِع الْمُخَالفَة لهَذَا الْمَانِع الْحَاجة إِلَى إِقَامَة الْوَزْن فَيجب أَن يخْتَص بِهِ. الْوَجْه الثَّالِث: أَن مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام لَو أضيف لكسر فِي مَوضِع الْجَرّ مَعَ وجود الْمَانِع من الصّرْف وَذَلِكَ يدل على أَن الْجَرّ سقط تبعا لسُقُوط التَّنْوِين بِسَبَب مشابهة الِاسْم الْفِعْل، والتنوين سقط لعِلَّة أُخْرَى، فَيَنْبَغِي أَن يظْهر الْكسر الَّذِي هُوَ تبع لزوَال مَا كَانَ سُقُوطه تَابعا لَهُ. وَاحْتج الْآخرُونَ من وَجْهَيْن:

стр. 63

أَحدهمَا: أَن الصّرْف من التَّصَرُّف، وَهُوَ التقلب فِي الْجِهَات، وبالجر يزْدَاد تقلب الِاسْم فِي الْإِعْرَاب فَكَانَ من الصّرْف. وَالثَّانِي: انه اشْتهر فِي عرف النَّحْوِيين ان غير المنصرف مَا لَا يدْخلهُ الْجَرّ مَعَ التَّنْوِين، وَهَذَا حد، فَيجب أَن يكون الْحَد دَاخِلا فِي الْمَحْدُود. وَالْجَوَاب عَن الأول من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن اشتقاق الصّرْف مِمَّا ذَكرْنَاهُ، لَا مِمَّا ذكرُوا، وَهُوَ أقرب إِلَى الِاشْتِقَاق. وَالثَّانِي أَن تقلب الْكَلِمَة فِي الْإِعْرَاب لَو كَانَ من الصّرْف لوَجَبَ أَن يكون الرّفْع وَالنّصب صرفا، وَكَذَلِكَ تقلب الْفِعْل بالاشتقاق لَا يُسمى صرفا، وَإِنَّمَا يُسمى تَصرفا وتصريفا. وَأما مَا اشْتهر فِي عرف النَّحْوِيين فَلَيْسَ بتحديد للصرف، بل هُوَ حكم مَا لَا ينْصَرف، فَأَما مَا هُوَ حَقِيقَة الصّرْف فَغير ذَلِك، ثمَّ هُوَ بَاطِل بالمضاف، وَمَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، فان تقلبه أَكثر، وَلَا يُسمى منصرفا. وَالله أعلم.

стр. 64

١٢ - مَسْأَلَة (الِاخْتِلَاف فِي حَقِيقَة الاعراب) ذهب أَكثر النَّحْوِيين إِلَى ان الْإِعْرَاب معنى يدل اللَّفْظ عَلَيْهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ لفظ دَال على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول مثلا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار عِنْدِي. احْتج الاولون من أوجه: أَحدهَا: أَن الْإِعْرَاب اخْتِلَاف آخر الْكَلِمَة لاخْتِلَاف الْعَامِل فِيهَا، وَالِاخْتِلَاف معنى لَا لفظ، كمخالفة الاحمر الابيض.

стр. 65

وَالثَّانِي: أَن الْإِعْرَاب يدل عَلَيْهِ مرّة الْحَرَكَة، وَتارَة الْحَرْف، كحروف الْمَدّ فِي الاسماء السِّتَّة، والتثنية، وَالْجمع، وَمَا هَذِه سَبيله لَا يكون معنى وَاحِدًا، بل هُوَ دَلِيل على الْمَعْنى، وَالدَّلِيل قد يَتَعَدَّد والمدلول عَلَيْهِ وَاحِد. وَالثَّالِث: ان الحركات تُضَاف إِلَى الْإِعْرَاب، فَيُقَال: حركات الْإِعْرَاب، وَهِي ضمة إِعْرَاب، وَإِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه ممتنعة، وَكَذَلِكَ الحركات تُوجد فِي الْمثنى وَلَيْسَت إعرابا. وَاحْتج الْآخرُونَ بِأَن الاصل فِي الْإِعْرَاب الْحَرَكَة، ونها ناشئة عَن الْعَامِل، كَقَوْلِك: قَامَ زيد، فالضمة حَادِثَة عَن الْفِعْل، وَالْفِعْل عَامل، وَالْعَمَل نتيجة الْعَامِل، وَالْعَمَل هُوَ الْحَرَكَة. فَأَما كَون الِاسْم فَاعِلا أَو مَفْعُولا فَهُوَ معنى مُجَرّد عَن عَلامَة لفظية يجوز أَن تدْرك بِغَيْر لفظ، كَمَا يدْرك الْفرق بَين المبنيات بِالْمَعْنَى، مَعَ الحكم بِالْبِنَاءِ، كَقَوْلِك: ضرب هَذَا هَذَا. وَكَذَلِكَ فِي المعرب نَحْو: كلم مُوسَى عِيسَى. فَعلم أَن الْإِعْرَاب هُوَ الْحَرَكَة الْمَخْصُوصَة.

стр. 66

هَذَا هُوَ حجَّة هَؤُلَاءِ. وَالَّذِي أحرره هُنَا أَن أَقُول: إِن الْإِعْرَاب فَارق بَين الْمعَانِي الْعَارِضَة كالفاعلية والمفعولية والتعجب وَالنَّفْي والاستفهام، نَحْو: مَا أحسن زيدا. وَمَا أحسن زيد. وَمَا أحسن زيد. نفس الحركات هُنَا هُوَ الْفَارِق بَين الْمعَانِي، وَإِذا ثَبت أَن الْإِعْرَاب فَارق بَين الْمعَانِي فَالْفرق الْحَاصِل عَن الْفَارِق يعرف تَارَة بِالْعقلِ كمعرفة أَن الِاثْنَيْنِ اكثر من الْوَاحِد، وَأَقل من الثَّلَاثَة. هَذَا مَعْلُوم بِالْعقلِ من غير لفظ يدل عَلَيْهِ. وَتارَة يعرف بالحس، من السّمع وَالْبَصَر واللمس والذوق والشم، فَأَنت تفرق بَين زيد وَعَمْرو فِي التَّسْمِيَة بِمَا تسمعه من اللَّفْظَيْنِ، وتفرق بَين الْأَحْمَر والأبيض بحاسة الْبَصَر، وَبَين الْحَار والبارد والناعم والخشن باللمس، وَبَين الحلو والمر بالذوق. وَبَين الرّيح الطّيبَة والخبيثة بالشم، وَالْإِعْرَاب من قبيل مَا يعرف بحاسة السّمع، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت لإِنْسَان: افرق بَين الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، والمضاف إِلَيْهِ (فِي) ، نَحْو قَوْلك: ضرب زيد غُلَام عَمْرو. فانه إِذا ضم أَولا، وَفتح ثَانِيًا، وَكسر ثَالِثا حصل لَك الْفرق بألفاظه، لَا من طَرِيق الْمَعْنى، فانك أَنْت قد تدْرك هَذَا الْمَعْنى بِغَيْر لفظ، فَدلَّ أَن الْإِعْرَاب هُوَ لفظ الْحَرَكَة.

стр. 67

وَأما مَا أعرب بالحرف فَهُوَ حَاصِل من اللَّفْظ أَيْضا، لِأَن الْحَرْف لفظ، كَمَا أَن الْحَرَكَة لفظ. وَأما كَون الْحَرَكَة (بِنَاء) فِي الْمَبْنِيّ فَلَا يمْنَع أَن تكون إعرابا فِي المعرب، وَيكون الْفرق بَينهمَا أَن حَرَكَة الْإِعْرَاب ناشئة عَن عَامل، فَهِيَ حَرَكَة مَخْصُوصَة، وحركة الْمَبْنِيّ لَيست مَخْصُوصَة بعامل. وَأما إِضَافَة الْحَرَكَة إِلَى الْإِعْرَاب فَلَا تدل على أَنَّهُمَا غيران، بل هُوَ من قبيل إِضَافَة النَّوْع إِلَى الْجِنْس وَهَذَا كَمَا تَقول: رفع الْإِعْرَاب، ونصبه، وجره، فتضيف الرّفْع إِلَى الْإِعْرَاب، وَهُوَ نوع مِنْهُ، يدل على ذَلِك أَن الرّفْع إِعْرَاب بِلَا خلاف، وَكَذَلِكَ النصب والجر، وَمَعْلُوم أَن حَقِيقَة الرّفْع هُوَ الضمة الناشئة عَن الْعَامِل فَيلْزم أَن يكون الْإِعْرَاب لفظا. وَالله أعلم.

стр. 68

١٣ - مَسْأَلَة (أَيهمَا أسبق: حركات الْبناء أم حركات الْإِعْرَاب) اخْتلفُوا فِي حركات الْإِعْرَاب هَل سَابِقَة على حركات الْبناء أَو بِالْعَكْسِ، أَو هما متطابقان من غير تَرْتِيب. فَذهب قوم إِلَى الأول وَهُوَ الْأَقْوَى. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْإِعْرَاب تَابع لفائدة الْكَلَام، وَالْكَلَام مَوْضُوع للتفاهم، فَيجب أَن يكون مُقَارنًا للْكَلَام كمقارنة الْمُفْرد لمعناه. وَبَيَان ذَلِك أَن الْمُفْرد فِي نَحْو قَوْلك: فرس، وَغُلَام، وجبل، مَتى ذكر وَاحِد من هَذِه الْأَلْفَاظ كَانَ مَعْنَاهُ مصاحبا لَهُ، فَإِذا انْتهى اللَّفْظ فهم مَعْنَاهُ عِنْد انتهائه، وَكَذَلِكَ الْكَلَام، الْمَقْصُود مِنْهُ مَا تحصله من الْفَائِدَة عِنْد التخاطب، والتخاطب لَا يكون إِلَّا

стр. 69

بالمركب، فالمفردات تصور الْمعَانِي، والمركبات تفِيد التَّصْدِيق، وَهُوَ الْمَقْصُود الْكُلِّي من وضع الْكَلَام، فَإِذا كَانَ مُقَارنًا للْكَلَام فهم معنى الْمركب عِنْد انْتِهَاء أَلْفَاظه، كَقَوْلِك: أعْطى زيد عمرا درهما، فانك لَا تدْرك معنى هَذِه الْجُمْلَة إِلَّا أَن تعلم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول حَتَّى يسْتَقرّ عنْدك معنى مَا قصد بِالْجُمْلَةِ، فَأَما حركات الْبناء فَلَا تفِيد معنى فِي الْمركب، وَإِنَّمَا هِيَ شَيْء أوجبه شبه الْحَرْف الَّذِي لم يوضع لتفيد حركته معنى. الْوَجْه الثَّانِي: أَن وَاضع اللُّغَة حَكِيم، وَمن حكمته أَن يضع الْكَلَام للتفاهم، وَلَا يتم التفاهم إِلَّا بالإعراب فَوَجَبَ أَن يكون مُقَارنًا للْكَلَام لتحصل فَائِدَة الْوَضع. وَأما الْبناء فَلَا يعرف الْمَعْنى فِيهِ من اللَّفْظ، وَإِنَّمَا يعرف بِجِهَة أُخْرَى، أَلا ترى انك إِذا قلت: ضرب مُوسَى عِيسَى، لم يفهم من اللَّفْظ الْفَاعِل من الْمَفْعُول، وَإِنَّمَا ميزوا بَينهمَا بِأَن ألزموا الْفَاعِل التَّقْدِيم. وَهَذَا امْر خَارج عَن اللَّفْظ، وَالْإِعْرَاب إِمَّا هَذَا اللَّفْظ أَو مَدْلُول اللَّفْظ. وَلَو قَالَ: كسر مُوسَى الْعَصَا فهم الْفَاعِل من الْمَفْعُول من الْمَعْنى، إِذْ قد ثَبت ان المُرَاد بمُوسَى: الكاسر، وبالعصا: المكسور، وَهَذَا أَيْضا خَارج عَن أَدِلَّة الْأَلْفَاظ، إِلَّا أَنه مَعَ

стр. 70

خُرُوجه عَن دَلِيل اللَّفْظ يقدر الْإِعْرَاب عَلَيْهِ تَقْديرا، وَالتَّقْدِير إِعْطَاء الْمَعْدُوم حكم الْمَوْجُود، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لقِيَام الدَّلِيل على أَن هَذِه الاسماء غير مَبْنِيَّة فَيلْزم ان تكون معربة. وَاحْتج من قَالَ: (حركات الْبناء أصل) بِأَن حَرَكَة الْبناء لَازِمَة، (وحركة) الْإِعْرَاب منتقلة، وَاللَّازِم اصل للمنتقل، وسابق عَلَيْهِ. وَاحْتج من قَالَ: (لَا يسْبق بَعْضهَا بَعْضًا) أَن وَاضع اللُّغَة حَكِيم، فَيعلم من الِابْتِدَاء مَا يُحَرك للاعراب، وَمَا يُحَرك لغيره، فَيجب ان يتساوق وَلَا يتسابق. وَالْجَوَاب عَن شُبْهَة الْمَذْهَب الثَّانِي: ان الْفَرْع وَالْأَصْل لَا يُؤْخَذ من اللُّزُوم والانتقال، بل يُؤْخَذ من جِهَة إِفَادَة الْمعَانِي، وَقد ثَبت ان الاسماء هِيَ الَّتِي يَقع فِيهَا اللّبْس، وانها مجَال الفاعلية والمفعولية، فَكَانَ الْإِعْرَاب مُقَارنًا لَهَا، لِئَلَّا يَقع اللّبْس، ثمَّ يحْتَاج إِلَى إِزَالَته بعد وُقُوعه، وَالْبناء اجنبي عَن ذَلِك. وَالْجَوَاب عَن شُبْهَة الْمَذْهَب الثَّالِث انا لَا نُرِيد السَّبق

стр. 71

بِالزَّمَانِ، بل السَّبق بالرتبة، وَلَا شكّ ان الاعراب سَابق بالرتبة، وَأما الْبناء فَيجوز أَن يكون مُتَأَخِّرًا عَن الْإِعْرَاب، وان يكون مُقَارنًا لَهُ بِالْوَضْعِ. وَالله أعلم.

стр. 72

١٤ - مَسْأَلَة (عِلّة زِيَادَة التَّنْوِين فِي الِاسْم) الْعلَّة فِي زِيَادَة تَنْوِين الصّرْف على الِاسْم أَنه أُرِيد بذلك بَيَان خفَّة الِاسْم، وَثقل الْفِعْل وَقَالَ الْفراء: المُرَاد بِهِ الْفرق بَين المنصرف وَغير المنصرف. وَقَالَ آخَرُونَ: المُرَاد بِهِ الْفرق بَين

стр. 73

الِاسْم وَالْفِعْل. وَقَالَ قوم: المُرَاد بِهِ الْفرق بَين الْمُفْرد والمضاف. وَالدّلَالَة على الْمَذْهَب الاول أَن فِي الْكَلِمَات مَا هُوَ خَفِيف وَمَا هُوَ ثقيل والخفة والثقل يعرفان من طَرِيق الْمَعْنى لَا من طَرِيق اللَّفْظ، فالخفيف مَا قلت مدلولاته ولوازمه، والثقيل مَا كثر ذَلِك فِيهِ، فخفة الِاسْم أَنه يدل على مُسَمّى وَاحِد، وَلَا يلْزمه غَيره فِي تَحْقِيق مَعْنَاهُ، كلفظة: رجل فان مَعْنَاهَا ومسماها الذّكر من بني آدم. وَالْفرس هُوَ الْحَيَوَان الصهال، وَلَا يقْتَرن بذلك زمَان وَلَا غَيره. وَمعنى ثقل الْفِعْل أَن مدلولاته ولوازمه كَثِيرَة، فمدلولاته الْحَدث والزمن، ولوازمه الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَالتَّصَرُّف وَغير ذَلِك، فَإِذا تقرر هَذَا فَالْفرق بَينهمَا غير مَعْلُوم من لَفْظهمَا، فَوَجَبَ أَن يكون على ذَلِك دَلِيل من جِهَة اللَّفْظ، والتنوين صَالح لذَلِك، لانه زِيَادَة على اللَّفْظ، وَالزِّيَادَة ثقل فِي الْمَزِيد عَلَيْهِ، وَالِاسْم يحْتَمل الثّقل،

стр. 74

لِأَنَّهُ فِي نَفسه خَفِيف، وَالْفِعْل فِي نَفسه ثقيل، فَلَا يحْتَمل التثقيل، وَهَذَا معنى ظَاهر، فَكَانَ الْحِكْمَة فِي الزِّيَادَة. وَقَول الْفراء: إِن حمل على معنى صَحِيح فمراده مَا ذكرنَا، وَلَكِن الْعبارَة ركيكة، وَإِن حمل على ظَاهر اللَّفْظ كَانَ تَعْلِيل الشَّيْء بِنَفسِهِ، لِأَنَّهُ يصير إِلَى قَوْلك: التَّنْوِين يفرق بَين مَا ينون وَبَين مَا لَا ينون، وَذَا تَعْلِيل الشَّيْء بِنَفسِهِ. وَأما من قَالَ: فرق بَين الِاسْم وَالْفِعْل، فَلَا يَصح لأوجه: أَحدهَا ان الْفرق بَينهمَا من طَرِيق الْمَعْنى، وَذَلِكَ أَن الِاسْم يدل على معنى وَاحِد وَالْفِعْل على مَعْنيين، وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي حديهما. وَالثَّانِي: أَن العلامات اللفظية بَينهمَا كَثِيرَة، مثل: قد، وَالسِّين، وسوف، وَالتَّصَرُّف، مثل كَونه مَاضِيا ومستقبلا وأمرا، وَالِاسْم يعرف بِالْألف وَاللَّام وَغَيرهمَا. وَالثَّالِث: أَن الِاسْم الَّذِي لَا ينْصَرف لَا تَنْوِين فِيهِ، وَهُوَ مباين للْفِعْل. وَأما من قَالَ: يفرق بَين الْمُفْرد والمضاف، فَقَوله بَاطِل أَيْضا،

стр. 75

من جِهَة أَن الْمُفْرد مُطلق يَصح السُّكُوت عَلَيْهِ، والمضاف مَخْصُوص مُحْتَاج إِلَى مَا بعده، وَأَن الِاسْم الَّذِي لَا ينْصَرف قد يُضَاف، وإضافته غير لَازِمَة فَيكون مُفردا، مَعَ أَنه لَا ينون، فَلَو كَانَ الْمُفْرد لَا يفصل بَينه وَبَين الْمُضَاف إِلَّا بِالتَّنْوِينِ لزم أَلا يكون الْمُفْرد إِلَّا منصرفا.
следующие страницы →