Полный текст (432 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
حكم الِاسْتِدْرَاك لَا تَأْثِير لَهُ فِي رفع حكم الْمُبْتَدَأ، وَإِذا خففنا (لَكِن) كَانَ رفعا مَا بعْدهَا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر، وَحكم الِاسْتِدْرَاك بَاقٍ، فَثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن دُخُول هَذَا الْمَعْنى فِي (لَكِن) لَا يُؤثر فِي حكم الْمُبْتَدَأ.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم صَار الْعَطف على مَوضِع (إِن) أَجود من الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع من غير توكيد؟
قيل: هُوَ ضَعِيف فِي كل مَوضِع، وَإِنَّمَا ضعف لِأَن الْفِعْل وَالْفَاعِل كالشيء الْوَاحِد، وَرُبمَا يسْتَتر الضَّمِير الْفَاعِل فِي الْفِعْل، فَلَو عطفنا على الضَّمِير من غير توكيد، لصرنا قد عطفنا على بعض الْفِعْل، أَو على نفس الْفِعْل، فقبح الْعَطف لهَذَا الْمَعْنى، فَإِذا أكد الضَّمِير صَار التوكيد عوضا من اتِّصَال الضَّمِير بِالْفِعْلِ واختلاطه بِهِ، فكأنا قد عطفنا على ظَاهر.
وَأما الْعَطف على مَوضِع (إِن وَلَكِن) فَحسن فِي نَفسه، لِأَنَّهُ لَا مَانع مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ الْعَطف على الْموضع يعرض فِيهِ مَا ذكرنَا من الْقبْح، وَكَانَ الْعَطف على مَوضِع الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي كل مَوضِع قبيحا من غير توكيد، فَاجْتمع مَعَ شَيْء غير مستقبح، وَجب أَن يكون الْعَطف على الْموضع أقوى من الْعَطف على الضَّمِير، لسلامته من الْقبْح، وَحُصُول الْقبْح فِي الْعَطف على الضَّمِير يدل على صِحَة مَا ذَكرْنَاهُ، أَنه لَا فرق بَين أَن تَقول: جَاءَنِي هَذَا وَعَمْرو، وَبَين قَوْلنَا: جَاءَنِي زيد وَعَمْرو، وَإِن كَانَ (زيد) يتَبَيَّن فِيهِ الْإِعْرَاب، و (هَذَا) لَا يتَبَيَّن فِيهِ الْإِعْرَاب، فَكَذَلِك حكم (إِن) وَمَا بعْدهَا، لَا فرق بَين الْعَطف على الْموضع وَبَين الْعَطف على الْمُبْتَدَأ لَو تجرد من (إِن) .
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَل يجوز أَن تعطف على الْموضع قبل تَمام الْخَبَر، نَحْو قَوْلك: إِن زيدا وَعَمْرو قائمان؟
стр. 107
قيل لَهُ: لَا، فَإِن قَالَ: فَمَا الْفَصْل بَين جَوَازه بعد تَمام الْخَبَر وامتناعه قبل الْخَبَر؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الَّذِي منع من الْمَسْأَلَة الأولى، أَن شَرط مَا يعْمل فِي الِاسْم أَن يعْمل فِي الْخَبَر، فَإِذا قُلْنَا: إِن زيدا قَائِم، ف (زيد) : نصب ب (إِن) ، وقائم: رفع ب (إِن) . وَإِذا قُلْنَا: إِن زيدا وَعَمْرو قائمان، وَجب أَن يرفع (عَمْرو) بِالِابْتِدَاءِ، لِأَنَّهُ عطف على مَوضِع الِابْتِدَاء، وَوَجَب أَن يعْمل فِي خبر عَمْرو الِابْتِدَاء، وَفِي خبر زيد (إِن) ، وَقد اجْتمعَا فِي لَفْظَة وَاحِدَة، وَهُوَ قَوْله: قائمان، فَكَانَ يُؤَدِّي إِلَى أَن يعْمل فِي اسْم وَاحِد عاملان، وَهَذَا فَسَاد، فَلهَذَا صحت الْمَسْأَلَة.
وَالْفراء (٢٣ / ب) يُجِيز مثل الْمَسْأَلَة الأولى إِذا كَانَ اسمان، أَحدهمَا مكني، أَو مُبْهَم لَا يتَبَيَّن فيهمَا الْإِعْرَاب، نَحْو: إِنَّك وَزيد ذاهبان، وَإِن هَذَا وَعَمْرو منطلقان. وَمَا ذَكرْنَاهُ من الْحجَّة فِيمَا يتَبَيَّن فِيهِ الْإِعْرَاب، لَا يُغير حكم الْعَامِل عَن عمله، بل حكمه فِيهَا وَفِيمَا يتَبَيَّن فِيهِ الْإِعْرَاب سَوَاء. فَإِن قلت: إِن زيدا وَعَمْرو قَائِم، فَأَرَدْت الْخَبَر، جَازَت الْمَسْأَلَة، والأجود فِي تقديرها أَن يكون الْمَحْذُوف خبر الِاسْم الثَّانِي، وَإِنَّمَا اخترنا الْوَجْه الأول، لِأَن الْخَبَر يَلِي الِاسْم الثَّانِي، فَلَا يبْقى علينا من التَّوَسُّع فِي الْمَسْأَلَة إِلَّا حذف خبر الأول، وَلَو قَدرنَا حذف الثَّانِي، لأوجب ذَلِك اتساعين فِي الْمَسْأَلَة، وهما حذف الأول وَالتَّقْدِير فِي الْخَبَر الْمَذْكُور الْمُتَقَدّم، وَقد جَاءَ فِي الشّعْر كَقَوْل الشَّاعِر:
стр. 108
(فَمن يَك أمس بِالْمَدِينَةِ رَحْله ... فَإِنِّي وقيار بهَا لغريب)
فَأتى بِخَبَر وَاحِد اكْتِفَاء بِمَا ظهر، وَإِنَّمَا جَوَّزنَا الْوَجْه الثَّانِي لِأَنَّهُ صَحِيح الْمَعْنى، وَهَذَا التَّقْدِير الَّذِي جوزناه لَيْسَ بممتنع مثله فِي الْكَلَام إِن شَاءَ الله، وَيدل على حسن الْوَجْه الثَّانِي إِدْخَال اللَّام فِي قَوْله: لغريب، وَإِنَّمَا يحسن دُخُول هَذِه اللَّام فِي خبر (إِن) ، فَأَما دُخُولهَا فِي خبر الْمُبْتَدَأ فضعيف، وَإِنَّمَا يجوز ذَلِك على تَقْدِير مُبْتَدأ مَحْذُوف: كَأَنَّك وقيار لَهو غَرِيب، لِأَن حق هَذِه اللَّام أَلا تدخل على الْمُبْتَدَأ، فَلَمَّا رأيناها فِي هَذَا الْبَيْت دَاخِلَة على الْخَبَر، دلّ ذَلِك على أَن الْخَبَر للْأولِ.
стр. 109
(بَاب الْأَفْعَال الَّتِي ترفع الْأَسْمَاء وتنصب الْأَخْبَار)
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب لهَذِهِ الْأَفْعَال أَن ترفع الْأَسْمَاء وتنصب الْأَخْبَار، وَلَيْسَت بِأَفْعَال مُؤثرَة، وَإِنَّمَا يخبر عَنهُ بهَا عَمَّا مضى، ويخبر عَمَّا يسْتَقْبل، وَلَا يخبر أَنه قد وَقع فعل على مفعول، نَحْو قَوْلك: كَانَ زيد قَائِما؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن هَذِه الْأَفْعَال لما كَانَت عبارَة عَن الْجمل، وَجب من حَيْثُ كَانَت أفعالا أَن يجْرِي حكم مَا بعْدهَا كحكمه بعد الْأَفْعَال، وَلَو أبطلنا عَملهَا لحصل بعْدهَا اسمان مرفوعان من غير عطف وَلَا تَثْنِيَة، وَهَذَا لَا يُوجد لَهُ نَظِير فِي الْأَفْعَال الْحَقِيقِيَّة، فَوَجَبَ أَن ترفع أحد الاسمين، ليَكُون الْمَرْفُوع كالفاعل، وتنصب الثَّانِي ليَكُون كالمفعول، فَلهَذَا وَجب أَن ترفع الْأَسْمَاء وتنصب الْأَخْبَار.
وَالدَّلِيل على أَنَّهَا أَفعَال وجود التَّصَرُّف فِيهَا، واتصال الضَّمِير بهَا الَّذِي لَا يتَّصل إِلَّا بالأفعال، كَقَوْلِك: كَانَ يكون فَهُوَ كَائِن ومكون، كَمَا تَقول: ضرب يضْرب فَهُوَ ضَارب، وَتقول: كنت، كَمَا تَقول: ضربت.
فَهَذَا دَلِيل قَاطع على أَنَّهَا أَفعَال. وَكَذَلِكَ أَيْضا (لَيْسَ) فعل، لِأَنَّك تَقول: لست، كَمَا تَقول: ضربت.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الَّذِي منع (لَيْسَ) من التَّصَرُّف؟
стр. 110
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَنه لما دَخلهَا معنى النَّفْي، ضارعت (مَا) الَّتِي للنَّفْي، حَتَّى أَن بعض الْعَرَب يجْرِي (لَيْسَ) مجْرى (مَا) ، فَلَمَّا دَخلهَا شبه الْحُرُوف - والحروف لَا تتصرف - لم تتصرف هِيَ أَيْضا، وألزمت وَجها وَاحِدًا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فلأي زمَان تسْتَعْمل؟
قيل لَهُ: لنفي الْحَال والاستقبال (٢٤ / أ) كَقَوْلِك: لَيْسَ زيد قَائِما أمس.
فَإِن قيل: لم خصت بِنَفْي الْحَال دون الْمَاضِي؟
قيل: لما كَانَ الأَصْل فِيهَا أَن تتصرف فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة وضعت مَا تستحقه من التَّصَرُّف، لشبه الْحَرْف، وَجب أَن يبْقى لَهَا أَكثر حكمهَا، وَلَا يزيلها الشّبَه من أَكثر حكمهَا، فَجعلت لنفي زمانين ومنعت زَمَانا وَاحِدًا، وَهُوَ الْمَاضِي، لِأَن لفظ زمَان الْحَال والاستقبال وَاحِد، لما تضمن من كَثْرَة الْفَائِدَة، وَيجوز أَن تكون لما بقيت لنفي الْحَال والاستقبال اللَّذين يدل عَلَيْهِمَا لفظ الْمَاضِي، استغني عَن أَن يسْتَعْمل مِنْهَا لفظ الْمُضَارع.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا اسْتعْمل لفظ الْمُضَارع وَأسْقط لفظ الْمَاضِي؟ فَفِي ذَلِك ثَلَاثَة أجوبة:
أَحدهَا: أَن الْحُرُوف أشبه بِالْفِعْلِ الْمَاضِي من الْمُضَارع، لِأَن الْمَاضِي مَبْنِيّ كبنائها، وَقد بَينا أَن بِدُخُول النَّفْي أشبهت الْحُرُوف، فَوَجَبَ أَن يسْتَعْمل اللَّفْظ الَّذِي أشبه الْحُرُوف دون مَا لَا يشبهها، فَلهَذَا خصت بالماضي.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْمَاضِي أخف فِي اللَّفْظ من الْمُسْتَقْبل، فَوَجَبَ أَن يسْتَعْمل الأخف، لأَنا نصل بِهِ إِلَى مَا لَا نصل بالأثقل.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن الْمُضَارع فرع على الْمَاضِي من جِهَة اللَّفْظ، أَلا ترى أَن
стр. 111
لفظ الْمَاضِي لَيْسَ فِيهِ زَائِد، وَلَفظ الْمُضَارع يتَضَمَّن لفظ الْمَاضِي وَزِيَادَة حرف، فَكَانَ اسْتِعْمَال لفظ الأَصْل أولى من اسْتِعْمَال لفظ الْفَرْع.
وَيحْتَمل وَجها رَابِعا، وَهُوَ: أَن هَذَا الْفِعْل لما خُولِفَ بِهِ عَن طَرِيق أخواته من الْأَفْعَال، جعل لَفظه مُخَالفا لحكم مَا يَنْفِيه، ليدل بِهِ الْخلاف فِي الأَصْل على أَنه قد ألزم وَجها وَاحِدًا، وَلَو استعملوا من (لَيْسَ) الْمُضَارع لم يكن فِي الْمُسْتَقْبل على خُرُوجه من الأَصْل، وَجَاز أَن يشك فِي اسْتِعْمَال لفظ الْمَاضِي فَعدل بِهِ إِلَى جِهَة ترفع الشَّك من هُنَا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم لَزِمت بعض هَذِه الْأَفْعَال (مَا) نَحْو: مَا زَالَ، وَمَا انْفَكَّ، وَمَا برح، وَمَا فتئ، وَمَا دَامَ، وَهل ل (مَا) فِيهَا حكم وَاحِد؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (مَا) فِي (دَامَ) وَحدهَا مُخَالفَة ل (مَا) فِي بَاقِي الْأَفْعَال، وَذَلِكَ أَن (مَا) فِي (مازال) نفي من سَائِر الْأَفْعَال للنَّفْي، وَهِي فِي (مَا دَامَ) لغير النَّفْي، وَأَن (مَا) مَعَ ذَلِك بِمَنْزِلَة الْمصدر النَّائِب عَن الْفِعْل، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه لَا يَصح الِابْتِدَاء بهَا، وَإِنَّمَا تسْتَعْمل مُتَعَلقَة بِفعل، كَقَوْلِك: إِنِّي أنتظرك مَا دمت قَائِما، وَالْمعْنَى: وَقت دوَام قيامك، فموضوع الْوَقْت نصب بانتظارك، فَلَمَّا حذفت الْوَقْت صَار مَوضِع (مَا دَامَ) نصبا، لقِيَامه مقَام الْوَقْت، كَمَا تَقول: أنتظرك خفوق النَّجْم، وَلَو كَانَت فِي (مَا دَامَ) للنَّفْي لوَجَبَ أَن يبتدأ بهَا، كَمَا يبتدأ بأخواتها من الْأَفْعَال الَّتِي مَعهَا، كَقَوْلِك: مَا زَالَ زيد قَائِما، وَمَا انْفَكَّ عَمْرو ذَاهِبًا، فَبَان بذلك اخْتِلَاف حكم مَا ذَكرْنَاهُ. وَإِنَّمَا لَزِمت هَذِه الْأَفْعَال (مَا) سوى (دَامَ) لِأَن فِيهَا معنى النَّفْي، وَذَلِكَ أَن قَول الْقَائِل: زَالَ زيد وبرح، أَي: انْتَفَى من هَذِه الْمَوَاضِع، وفتئ بِمَنْزِلَة زَالَ فِي الْمَعْنى، وانفك
стр. 112
مَعْنَاهُ: افترق، والافتراق (٢٤ / ب) بِمَعْنى الانتفاء، لِأَنَّهُ زَوَال عَن حَال الِاجْتِمَاع.
فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَفْعَال متضمنة لِمَعْنى النَّفْي، وَمن شَرط النَّفْي إِذا دخل عَلَيْهِ نفي صَار إِيجَابا، أَلا ترى أَن قَول الْقَائِل: مَا زَالَ زيد ذَاهِبًا، مَعْنَاهُ: أَنه ذَاهِب، فَلهَذَا خصت بِالنَّفْيِ، وَغَيرهَا من الْأَفْعَال لَا تَتَضَمَّن النَّفْي، وَإِنَّمَا هِيَ للْإِيجَاب الْمَحْض، نَحْو، كَانَ وَأصْبح وَمَا أشبههما، فَإِن أردْت الْإِيجَاب جردتهما من حُرُوف النَّفْي، فَإِن أردْت النَّفْي أدخلت (مَا) ، فاعلمه.
وَاعْلَم أَن (كَانَ) تسْتَعْمل على ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَن ترفع الِاسْم وتنصب الْخَبَر، على مَا ذَكرْنَاهُ، فَهَذِهِ إِنَّمَا هِيَ عبارَة عَن الزَّمَان فَقَط.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تقع ملغاة من الْعَمَل وَالْمعْنَى، وَقد تكون ملغاة من الْعَمَل دون الْمَعْنى، وَأحسن ذَلِك فِيهَا إِذا أردْت الإلغاء أَن تؤخرها أَو توسطها.
فمما جَاءَت فِيهِ ملغاة فِي الْمَعْنى وَاللَّفْظ: الإلغاء بعد التوكيد، وتحسين اللَّفْظ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ ، وَالْمعْنَى: كَيفَ نُكَلِّم من صَار فِي المهد صَبيا، ف (صَبيا) : نصب على الْحَال، وَالْعَامِل فِيهِ: نُكَلِّم،
стр. 113
وَالتَّقْدِير: كَيفَ نُكَلِّم من هُوَ فِي المهد فِي حَال الصِّبَا، وَلَو جعلت (كَانَ) معنى الْمَاضِي لخرج عِيسَى ﵇ من أَن يكون لَهُ اخْتِصَاص بِهَذَا الحكم من بَين سَائِر النَّاس، أَلا ترى أَن جَمِيع النَّاس قد كَانُوا صبيانا فِي المهود، فَدلَّ بعجب الْقَوْم من قَول مَرْيَم أَن عِيسَى ﵇ يتَكَلَّم فِي حَال الصِّبَا.
فَأَما مَا تدخل فِيهِ ملغاة فِي الْعَمَل دون الْمَعْنى، فنحو قَوْلك: زيد كَانَ قَائِم، وَالْمعْنَى: زيد قَائِم كَانَ، فقد أفادت (كَانَ) معنى الْمُضِيّ، وَإِن لم تعْمل.
وَاعْلَم أَن كَانَ مَتى ألغيت فَلَا بُد لَهَا من فَاعل فِي الْمَعْنى، لِأَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من الْفَاعِل، فَإِذا قلت: زيد قَائِم كَانَ، فَالْمَعْنى: كَانَ الْكَوْن، فالكون هُوَ الْفَاعِل ل (كَانَ) ، وَهُوَ بِمَعْنى الْجُمْلَة الْمُتَقَدّمَة، وَمثله قَول الشَّاعِر:
(سراة بني أبي بكر تساموا ... على - كَانَ - المسومة العراب)
أَي: على المسومة العراب كَانَ تساميهم.
وَالْوَجْه الثَّالِث من أَحْكَام (كَانَ) : أَن تكون بِمَعْنى (وَقع، وَحدث) فَتكون فعلا حَقِيقِيًّا، فيرتفع الِاسْم بعد (كَانَ) كارتفاعه بعد قَامَ بقام، وَلَا تحْتَاج إِلَى خبر، وَمَتى ذكرت بعْدهَا اسْما صفة نكرَة كَانَت مَنْصُوبَة على الْحَال، كَقَوْلِك: كَانَ الْأَمر، أَي: حدث وَوَقع، فَإِن قلت: كَانَ الْأَمر معجبا، نصبت (معجبا) على الْحَال، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض﴾
стр. 114
فِي قِرَاءَة من رفع (التِّجَارَة) ، أَي: إِلَّا أَن تقع التِّجَارَة، وَمثله قَول الشَّاعِر:
(فدى لبنى ذهل بن شَيبَان نَاقَتي ... إِذا كَانَ يَوْم ذُو كواكب أَشهب)
أَي: إِذا وَقع يَوْم.
وَاعْلَم أَن (زَالَ) الَّتِي تحْتَاج إِلَى اسْم وَخبر أَصْلهَا (فعل يفعل) كعلم يعلم، تَقول من ذَلِك: زَالَ يزَال، كَمَا تَقول: خَافَ يخَاف، فَأَما الَّتِي تَقول فِيهَا: زَالَ يَزُول، فَلَيْسَتْ من هَذَا الْبَاب فِي شَيْء، وَلكنهَا تسْتَعْمل فِي غَيرهَا من الْأَفْعَال، كَقَوْلِك: زَالَ زيد عَن الْمَكَان يَزُول عَنهُ، وَأما الأولى فَلَا تسْتَعْمل إِلَّا (٢٥ / أ) بِحرف النَّفْي لما ذَكرْنَاهُ.
وَأما (مَا دَامَ) فقد تسْتَعْمل بِغَيْر (مَا) ، وَإِذا لم ترد الْمصدر وَالدّلَالَة على الْوَقْت، كَقَوْلِك: دَامَ زيد على الشّرْب يَدُوم.
وَاعْلَم أَن (دَامَ) الَّتِي تسْتَعْمل مَعَ (مَا) لَا يسْتَعْمل مِنْهَا الْمُسْتَقْبل، فَلَا يجوز أَن تَقول: مَا يَدُوم زيد قَائِما، وَإِنَّمَا ألزموه الْمَاضِي، لِأَن الْقَائِل إِذا قَالَ: أَنا أنتظرك مَا دمت قَائِما، فَإِنَّمَا يخبر عَن حَال وَقت دَوَامه، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنى الْمَقْصُود لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا لزم لفظا وَاحِدًا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم اخترتم أَن يكون الِاسْم فِي هَذِه الْأَفْعَال معرفَة؟
قيل لَهُ: لِأَن هَذِه الْأَفْعَال وَبَاب (إِن) إِنَّمَا تدخل على المبتدإ وَالْخَبَر، وَمن
стр. 115
شَرط الْخطاب أَن يكون مَبْنِيا على المعادلة بَين المتخاطبين، فَإِذا أردْت أَن تخبر غَيْرك عَن اسْم بِخَبَر لَا يعرفهُ جَازَ أَن ينْصَرف عَن اسْتِمَاع خَبره، لِأَن الْإِنْسَان لَا يتَوَهَّم بِخَبَر من لَا يعرفهُ، وَمَعَ هَذَا فَيكون الْمُتَكَلّم لم يعدل فِي المخاطبة، إِذْ لم يستو علم من يخاطبه فِي معرفَة الْمخبر عَنهُ مَعَ علمه، فَإِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ معرفَة اهتم الْمُخَاطب بِخَبَرِهِ، وتساويا فِي المخاطبة، فَلهَذَا اختير أَن يكون المتبدأ معرفَة، وَإِنَّمَا جوزوا فِي الشّعْر أَن يكون الِاسْم نكرَة، لِأَن الِاسْم وَالْخَبَر يرجعان إِلَى شخص وَاحِد، وَلَا تشبه هَذِه الْأَفْعَال الْأَفْعَال المؤثرة، نَحْو قَوْلك: ضرب زيد عمرا، وَإِنَّمَا افْتَرَقت لدُخُول هَذِه الْأَفْعَال على المبتدإ وَالْخَبَر، فَوَجَبَ أَن يكون تَرْتِيب مَا تعْمل فِيهِ كترتيب المبتدإ وَالْخَبَر، وَأما ضرب وأخواته من الْأَفْعَال فَلَيْسَتْ دَاخِلَة على شَيْء مُسْتَغْنى قبل دُخُولهَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يخبر بهَا عَن سَبَب مَا يَقع عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِك أبدا يُوجب أَن يكون الْفَاعِل أبدا معرفَة للمتكلم وَلَا للمخاطب، لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج أَن يكون الْفَاعِل معرفَة، لِأَنَّهُ لَا يتَوَهَّم بالفاعل أصلا، وَيكون اهتمامه وعنايته بالمفعول، فَإِذا كل وَاحِد من الْفِعْل وَالْمَفْعُول لَهُ حكم وَفَائِدَة تخْتَص دون صَاحبه لم يجب اعْتِبَار معادلة الْفَاعِل مَعَ الْمَفْعُول، بل يجب أَن يختبر اهتمام الْمخبر بالفاعل وَالْمَفْعُول، فَيقدم لَهُ مَا يعلم أَنه أهم عِنْده، فَاعِلا كَانَ أَو مَفْعُولا، فَلهَذَا اخْتلف حكم بَاب (كَانَ) وَحكم مَا ذَكرْنَاهُ من الْأَفْعَال المؤثرة، وَمِمَّا جَاءَ فِي الشّعْر فِي جعل الِاسْم نكرَة، وَالْخَبَر معرفَة قَول الشَّاعِر:
стр. 116
(كَأَن سلافة من بَيت رَأس ... يكون مزاجها عسل وَمَاء)
الْعَسَل نكرَة، وَهِي اسْم (كَانَ) ، والمزاج معرفَة، وَهُوَ الْخَبَر، وَإِنَّمَا حسن مثل هَذَا لِأَن الْعَسَل اسْم جنس، فتعريفه كتنكيره فِي الْمَعْنى، وقلما يُوجد فِي أشعارهم أَن يكون الْخَبَر معرفَة مَحْضَة، وَالِاسْم نكرَة مَحْضَة، لما ذَكرْنَاهُ من قبح ذَلِك.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم يحسن فِي النَّفْي أَن تخبر بالنكرة، نَحْو قَوْلك: مَا كَانَ أحد مثلك، و (أحد) نكرَة، وَمن أَي وَجه كَانَ فِي النَّفْي، وَلم يجز فِي الْإِيجَاب؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن مَوضِع (كَانَ) مَوضِع الْإِخْبَار للفائدة، فَمَتَى حصل فِيهَا فَائِدَة للمخاطب جَازَ اسْتِعْمَالهَا، فَلَو قَالَ قَائِل: كَانَ رجل قَائِما، لم يكن فِي هَذَا الْكَلَام فَائِدَة للمخاطب، لِأَن الْمُخَاطب يعلم أَن الدُّنْيَا لم تخل من رجل قَائِم، وَلَو قَالَ لَهُ: كَانَ رجل فِي الدَّار قَائِما، لكَانَتْ لَهُ فِي ذَلِك فَائِدَة، لِأَن الْمُخَاطب قد يجهل أَن يكون فِي الدَّار رجل قَائِم، فَإِذا كَانَت الدَّار مُعينَة، فقد بَان بِمَا ذَكرْنَاهُ أَنه لَا تخْتَلف الْمعرفَة والنكرة فِي الْإِخْبَار عَنْهَا، إِذا كَانَ فِي الْخَبَر فَائِدَة، إِلَّا من جِهَة الْحسن والقبح، وَجَاز أَن يخبر عَن النكرَة، لِأَن الْمُخَاطب مستفيد مَا قد كَانَ يجوز أَن يجهله، أَلا ترى أَنَّك إِذا تَقول: مَا كَانَ أحد مثلك، فقد يجوز أَن يكون يعْتَقد أَن لَهُ مثلا، ثمَّ يَسْتَفِيد بخبرك عَنهُ خلاف مَا كَانَ يَعْتَقِدهُ، فقد بَان أَن فِي هَذَا الْخَبَر - وَإِن كَانَ نكرَة - فَائِدَة، وَإِن لم يجز اسْتِعْمَال عكس هَذَا فِي الْوَاجِب، نَحْو: كَانَ أحد مثلك، لِأَن (أحدا) اسْم عَام، وَالنَّفْي يَصح أَن يَقع
стр. 117
على عُمُوم الْأَشْيَاء، وَلَا يَصح إِيجَابهَا، أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: مَا جَاءَنِي أحد، لصَحَّ الْكَلَام، وَلَو قلت: جَاءَنِي أحد، كَانَ محالا، إِذا أردْت ب (أحد) النَّاس أَجْمَعِينَ، وَإِنَّمَا اخْتصَّ النَّفْي بِهَذَا، لِأَنَّهُ قد يَصح نفي الضدين، وَلَا يَصح إثباتهما، نَحْو قَوْلك: زيد لَيْسَ بالأبيض وَلَا الْأسود، وَلَا يجوز أَن تَقول: زيد أَبيض أسود، فَجَاز أَن يخْتَص النَّفْي بِبَعْض الْعبارَات الَّتِي للْعُمُوم، لِأَن فِي الْعُمُوم اجْتِمَاع الأضداد، كَمَا جَازَ أَن يخْتَص بِجَوَاز نفي الضدين، وَلم يجز وُقُوع الْعُمُوم الْمُخْتَص بِالنَّفْيِ فِي الْإِيجَاب، كَمَا لَا يجوز اجْتِمَاع الضدين فِي جَوْهَر وَاحِد.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ تَقْدِيم الْخَبَر على هَذِه الْأَفْعَال، وَلم يجز تَقْدِيم الِاسْم؟
قيل لَهُ: إِن الِاسْم الْمَرْفُوع فِي هَذِه الْأَفْعَال مشبه بالفاعل، وَالْخَبَر مشبه بالمفعول، وَمن شَرط الْمَفْعُول أَنه يجوز أَن يتَقَدَّم على الْفَاعِل وَالْفِعْل، وَلَا يجوز تَقْدِيم الْفَاعِل على الْفِعْل لما سنبينه فِي بَاب (الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ) ، فجوزنا تَقْدِيم الْخَبَر على الْفِعْل تَشْبِيها بالمفعولات، وامتنعنا من تَقْدِيم الِاسْم، كَمَا امتنعنا من تَقْدِيم الْفَاعِل، فاعلمه.
وَاعْلَم أَن سِيبَوَيْهٍ قد نَص على جَوَاز تَقْدِيم خبر (لَيْسَ) فِي مَسْأَلَة، وَإِن كَانَ فِيهَا معنى النَّفْي، وَوجه جَوَازه: أَن (لَيْسَ) فعل فِي نَفسهَا، وَإِنَّمَا منعت من التَّصَرُّف للاستغناء عَن نفي الزَّمَان الْمَاضِي بغَيْرهَا، وَلما ذَكرْنَاهُ من الْعِلَل، وَهَذَا الْمَعْنى لَيْسَ تنقص بِهِ فِي ذَاتهَا، وَهِي مَعَ ذَلِك تعْمل فِي جَمِيع الْأَسْمَاء، الْمعرفَة
стр. 118
والنكرة، والمضمرة وَالظَّاهِرَة، فَوَجَبَ أَن يجوز تَقْدِيم خَبَرهَا عَلَيْهَا، كَمَا يجوز فِي غَيرهَا من الْأَفْعَال. وَلَا يلْزم جَوَاز مَا تعْمل فِيهِ (نعم وَبئسَ) وَفعل التَّعَجُّب، لِأَن (نعم وَبئسَ) لَا يعملان فِي المعارف غير الْأَجْنَاس، فقد نقصتا من دَرَجَة (لَيْسَ) ، فَجَاز أَن يمْتَنع تَقْدِيم الْمَفْعُول عَلَيْهَا، وَأما فعل التَّعَجُّب فقد أجروه - وَإِن كَانَ فعلا - مجْرى الْأَسْمَاء، فصغروه كَمَا يصغرون الْأَسْمَاء، فَبعد عَن حكم الْأَفْعَال الْحَقِيقِيَّة، وَمَعَ هَذَا فَلَا يتَّصل بضمير الْفَاعِل، وَإِنَّمَا يضمر فِيهِ الْفَاعِل بعد نقص بِمَا ذَكرْنَاهُ عَن رُتْبَة (لَيْسَ) ، وَمَعَ هَذَا لَا يؤنث، وَهَذَا مِمَّا يُوجب نقص فعل التَّعَجُّب عَن حكم (لَيْسَ) فقد افْتَرقَا فِي (٢٦ / أ) جَوَاز تَقْدِيم الْمَفْعُول.
فَإِن قَالَ قَائِل: ف (عَسى) يصل بِهِ ضمير الفاعلين وَيُؤَنث، وَمَعَ هَذَا فَلَا يجوز تَقْدِيم مَفْعُوله عَلَيْهِ، نَحْو قَوْلك: عَسى زيد أَن يقوم، ف (أَن يقوم) فِي مَوضِع نصب ب (عَسى) ، وَلَا يجوز أَن يتَقَدَّم الْمَفْعُول نَحْو: أَن يقوم عَسى زيد؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (عَسى) - وَإِن كَانَت على مَا ذكره السَّائِل - فَلَيْسَتْ مِمَّا تعْمل فِي جَمِيع الْأَسْمَاء، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون مفعولها إِلَّا (أَن) مَعَ الْفِعْل، وَلَو قلت: عَسى زيد الْقيام أَو قيَاما، لم يجز لِأَنَّهَا جعلت لتقريب الْفِعْل، وَإِن أدخلت على الْفِعْل الْمُضَارع كَانَ مُسْتَقْبلا مَحْضا، فَوَجَبَ أَن يُؤْتى بِلَفْظ الِاسْتِقْبَال الْمَحْض، ليَصِح تقريبه، وَلم يجز اللَّفْظ بِنَفس الْمصدر، لِأَنَّهُ لَا يدل على زمَان بِعَيْنِه، فَلَمَّا صَارَت (عَسى) تخْتَص بِالْعَمَلِ فِي بعض الْأَسْمَاء دون بعض، نقصت عَن رُتْبَة (لَيْسَ) فمنعت من تَقْدِيم مفعولها.
стр. 119
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَل يجوز تَقْدِيم الْخَبَر على (مَا دَامَ وَمَا زَالَ) ؟
قيل لَهُ: لَا يجوز ذَلِك عِنْدِي، فَأَما امْتِنَاعه فِي (مَا دَامَ) فَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْمصدر، وَمَا تعلق بِالْمَصْدَرِ فَمن صلته، وَمَا فِي الصِّلَة لَا يتَقَدَّم على الْمَوْصُول، لِأَنَّهُ يجْرِي مِنْهُ مجْرى بعض الِاسْم، وَبَعض الِاسْم لَا يتَقَدَّم على بعض، فَلم يجز تَقْدِيم خبر (مَا دَامَ وَمَا زَالَ) ، ف (مَا) الدَّاخِلَة على (زَالَ) للنَّفْي، وَمَا دخل فِي حكم النَّفْي لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ، لِأَن الْمُوجب للنَّفْي حرف، والحروف ضِعَاف، وَلَيْسَت لَهَا قُوَّة الْفِعْل، فَلم يجز تَقْدِيم مَا أوجبه حكمهَا عَلَيْهَا لِضعْفِهَا، فَلهَذَا لم يتَقَدَّم الْخَبَر على (مَا زَالَ) ، وَلَا على مَا فِي أَوله (مَا) للنَّفْي من سَائِر الْأَفْعَال.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلَو كَانَت (مَا) فِي (مَا زَالَ) للنَّفْي، لجَاز أَن تَقول: مَا زيد إِلَّا قَائِما، فَلَمَّا امْتنعت هَذِه الْمَسْأَلَة فِي ذَلِك، علمنَا أَنَّهَا مُخَالفَة لحكم (مَا) الدَّاخِلَة على (كَانَ) فِي قَوْلك: مَا كَانَ زيد الا قَائِما؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن هَذِه الْمَسْأَلَة إِنَّمَا امْتنعت من (مَا زَالَ) لِأَن حكم الِاسْتِثْنَاء أَن يبطل حكم النَّفْي، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: مَا كَانَ زيد قَائِما، نفيت الْقيام، وَإِذا قلت: مَا كَانَ زيد إِلَّا قَائِما، أثبت الْقيام، فَصَارَ بِمَنْزِلَة قَوْلك: كَانَ زيد قَائِما، وَكَذَلِكَ لَو جَوَّزنَا الِاسْتِثْنَاء بعد (مَا زَالَ) ، لصار التَّقْدِير: زَالَ زيد قَائِما، وَقد بَينا أَن ذَلِك لَا يسْتَعْمل إِلَّا بِحرف النَّفْي، وَإِدْخَال حُرُوف الِاسْتِثْنَاء يبطل مَا وضعت عَلَيْهِ، فَلهَذَا منعناها الِاسْتِثْنَاء، وَلَيْسَ امتناعها عَن جَوَاز الِاسْتِثْنَاء لما ذَكرْنَاهُ يخرج عَن أَن تكون للنَّفْي، لِأَن (لَيْسَ) لَا تَخْلُو إِذا أدخلت على (زَالَ)
стр. 120
من أَن تكون للنَّفْي أَو لغيره، فَلَو كَانَت لغير النَّفْي لم يجز أَن تخرج (زَالَ) عَن موضعهَا فِي الْمَعْنى، فَلَمَّا وجدنَا مَعْنَاهَا يَنْقَلِب بِدُخُول (مَا) عَلَيْهَا، علمنَا أَنَّهَا للنَّفْي، فَوَجَبَ أَن يجْرِي عَلَيْهَا حكم النَّفْي، وَإِن كَانَت جملَة الْكَلَام فِي معنى الْإِيجَاب.
وَقد أجَاز بعض النَّحْوِيين تَقْدِيم خبر (مَا زَالَ) عَلَيْهَا لما ذَكرْنَاهُ من الشّبَه، وَشبههَا بِالْإِيجَابِ.
وَاعْلَم أَن (أَمْسَى وَأصْبح وأضحى) قد تسْتَعْمل على وَجه آخر، فَيُقَال: صَار زيد إِلَى عَمْرو، فَلَيْسَتْ هَاهُنَا الدَّاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، لِأَنَّك لَو أسقطتها من الْكَلَام، لم يجز أَن تَقول: عَمْرو إِلَى زيد، دون صَار (٢٦ / ب) فَعلمنَا بِهَذَا التَّقْدِير أَنَّهَا لَيست الدَّاخِلَة على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر، وَلكنهَا دَاخِلَة لِمَعْنى الِانْتِقَال والصيرورة، وَلذَلِك جَازَ فِيهَا هَذَا الِاسْتِعْمَال، وَصَارَ زيد إِلَى عَمْرو، وَكَذَلِكَ قد تَقول: أَمْسَى زيد، وَأصْبح عَمْرو، وأضحى عبد الله، وتسكت، وَيكون الْمَعْنى: دخل زيد فِي وَقت الْمسَاء، وَدخل عَمْرو فِي وَقت الصَّباح، وَدخل عبد الله فِي وَقت الضحاء، كَمَا تَقول: أظهر الرجل، إِذا دخل فِي وَقت الظهيرة، و (بَات) تسْتَعْمل لِليْل، و (أضحى) للنهار، و (ظلّ) تسْتَعْمل فيهمَا جَمِيعًا، وَإِن كَانَ الْأَشْهر أَن تسْتَعْمل فِي النَّهَار.
стр. 121
(١٠ - بَاب (مَا))
إِن قَالَ قَائِل: مَا الَّذِي منع من تَقْدِيم خبر (مَا) عَلَيْهَا؟
قيل لَهُ: لِأَنَّهَا حرف مشبه بِالْفِعْلِ، فَلم تبلغ قوتها أَن تتصرف فِي معمولها، إِذْ كَانَت هِيَ فِي نَفسهَا لَا تتصرف.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الَّذِي أوجب إبِْطَال عَملهَا إِذا فصلت بَين الِاسْم وَالْخَبَر ب (إِلَّا) ؟
قيل لَهُ: لِأَن (إِلَّا) توجب الْخَبَر، فَبَطل معنى (مَا) ، فَإِنَّمَا هِيَ مشبهة ب (لَيْسَ) من جِهَة الْمَعْنى لَا اللَّفْظ، فَإِذا زَالَ الْمَعْنى بَطل عَملهَا، لِأَن الشّبَه قد زَالَ فَرَجَعت إِلَى أَصْلهَا، وَاعْلَم أَن الأقيس فِي (مَا) إِلَّا تعْمل شَيْئا، وَإِنَّمَا كَانَ الأقيس فِيهَا هَذَا، لِأَنَّهَا تدخل على الِاسْم وَالْفِعْل، كَمَا تدخل حُرُوف الِاسْتِفْهَام عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يعْمل الْعَامِل فِي الْجِنْس إِذا استبد بِهِ دون غَيره، وَهَذَا أصل فِي العوامل، و (مَا) فِي هَذَا لَيست بالأسماء أولى مِنْهَا بالأفعال، وَلَكِن أهل الْحجاز لما رأوها بِمَعْنى (لَيْسَ) ، تَنْفِي مَا فِي الْحَال والمستقبل أجروها مجْراهَا فِي الْعَمَل، وأصل مَوضِع عمل الْأَفْعَال أَن يكون فاعلها قبل مفعولها، فَرفع مَا عملت فِيهِ، فَقدم على منصوبها تَشْبِيها ب (لَيْسَ) على أصل مَوضِع عمل الْأَفْعَال، فَإِذا زَالَت (مَا) عَن تَرْتِيب الأَصْل بَطل عَملهَا، وَرجعت إِلَى مَا تستحقه من الْقيَاس، وَهَذِه الْعلَّة
стр. 122
كَافِيَة فِي (مَا) وانصرافها عَن الْعَمَل.
وَاعْلَم أَن (إِن) الْخَفِيفَة الْمَكْسُورَة الْألف قد تدخل على (مَا) زَائِدَة، إِلَّا أَنَّهَا مَتى دخلت عَلَيْهَا بَطل عَملهَا، للفصل بَينهَا وَبَين مَا تعْمل فِيهِ، إِذْ كَانَت حرفا ضَعِيفا، وَجَرت فِي بطلَان عَملهَا إِذا دخلت (إِن) عَلَيْهَا مجْرى (إِن) إِذا دخلت (مَا) عَلَيْهَا، نَحْو: إِنَّمَا زيد قَائِم، فَصَارَت (إِن) مَعَ (مَا) كَمَا مَعَ (إِن) فِي قَوْلك: إِنَّمَا زيد قَائِم.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَيجوزُ إِدْخَال الْبَاء على خبر (مَا) إِذا تقدم، وَمَا الْفَائِدَة فِي إدخالها؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَنه غير مُمْتَنع إِذا أَدخل الْبَاء على خبر (مَا) إِذا تقدم كَقَوْلِك: مَا بقائم زيد، وَالْأَحْسَن تَأْخِيرهَا، وَأما فَائِدَة دُخُول الْبَاء فلوجهين:
أَحدهمَا: التوكيد للنَّفْي، وَالثَّانِي: أَن تقدر أَنَّهَا جَوَاب لمن قَالَ: إِن زيدا لقائم، فالباء أدخلت بِإِزَاءِ اللَّام فِي خبر (إِن) .
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم كَانَت الْبَاء أولى بِالزِّيَادَةِ من بَين سَائِر الْحُرُوف؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَنَّهَا حرف وَاحِد لَا تفِيد إِلَّا الإلصاق، فَلَمَّا أَرَادوا نفي الْخَبَر ل (مَا) أدخلُوا الْبَاء على الْخَبَر للإلزاق، وَالْمعْنَى بِالْبَاء، فَلهَذَا كَانَت أولى من سَائِر الْحُرُوف بِالزِّيَادَةِ فِي هَذَا الْموضع على مَا بَيناهُ.
وَإِنَّمَا قبح أَن تلِي الْبَاء (مَا) لما كَانَ قبح أَن تلِي لَام التوكيد ل (إِن) .
وَأما السَّبَب فِي قبح الْمَوْضِعَيْنِ أَن اللَّام للتوكيد و (إِن) للتوكيد، فاستقبح
стр. 123
الْجمع بَين توكيدين، وَالْبَاء (٢٧ / أ) قد بَينا أَنَّهَا لتوكيد النَّفْي، فقبح أَيْضا أَن يجمع بَينهمَا لاشْتِرَاكهمَا فِي الْمَعْنى.
فَإِن قَالَ قَائِل: فقد جوزت أَن تلِي الْبَاء (مَا) فِي قَوْلك: مَا بقائم زيد، وَاللَّام لَا يجوز أَن تدخل على (إِن) بِحَال، فَمَا الْفَصْل بَينهمَا؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن اللَّام مجردها يُفِيد التوكيد للجملة الَّتِي تدخل عَلَيْهَا كَمَا تفِيد (إِن) ، وهما جوابان للقسم، فقبح الْجمع بَينهمَا لاشْتِرَاكهمَا فِي معنى وَاحِد، وَأما الْبَاء فَلَيْسَتْ فِي نَفسهَا للنَّفْي، وَإِنَّمَا هِيَ مُؤَكدَة لمعناها، وَلأَجل مخالفتها فِي الْمَعْنى لحكم النَّفْي جَازَ أَن تليه، فَلهَذَا خَالَفت اللَّام الْبَاء لما ذَكرْنَاهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ تَقول: جَاءَنِي الْقَوْم كلهم أَجْمَعُونَ، فتجمع بَين توكيدين، فَهَلا جَازَ الْجمع بَين اللَّام وَإِن؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (أَجْمَعِينَ) يُفِيد مَا لَا يفِيدهُ (كلهم) ، وَذَلِكَ أَن قَول الْقَائِل: جَاءَنِي الْقَوْم كلهم، يُفِيد مجيئهم، وَالدَّلِيل على أَنه لم يبْق بَعضهم، و (أَجْمَعُونَ) يُفِيد مَا أَفَادَ (كلهم) وَيزِيد اجْتِمَاعهم فِي حَال الْمَجِيء، فَلَمَّا اخْتلف معنى التوكيدين، جَازَ الْجمع بَينهمَا، وقبح الْجمع بَين (اللَّام وَإِن) لاتِّفَاقهمَا فِي الْمَعْنى.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ قد تَقول: جَاءَنِي الْقَوْم أَجْمَعُونَ أكتعون أبصعون، وكل هَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي بعد (أَجْمَعِينَ) لَا تفِيد إِلَّا مَا تفِيد (أَجْمَعُونَ) وَقد جمعت
стр. 124
بَين توكيدين بِمَعْنى وَاحِد؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْأَسْمَاء الَّتِي بعد (أَجْمَعِينَ) لَا معنى لَهَا فِي نَفسهَا، وَلَا تسْتَعْمل بِحَال مُفْردَة، وَإِنَّمَا أتبع (أَجْمَعِينَ) بهَا لتحسين الْمَعْنى وتوكيده، فَلهَذَا جَازَ الْجمع بَينهمَا، وَتقول: مَا زيد قَائِما وَلَا قَاعِدا أَبوهُ، فلك فِي (قَاعد) الرّفْع وَالنّصب، فالنصب على أَن تعطف (قَاعِدا) على (قَائِم) ، وترفع (الْأَب) بقاعد. فعلى هَذَا الْوَجْه إِذا ثبتَتْ الْمَسْأَلَة قلت: مَا الزيدان قَائِمين وَلَا قَاعِدا أبواهما، أفردت الْفِعْل، لِأَنَّهُ فعل الْأَبَوَيْنِ، وَمن شَرط الْفِعْل إِذا ظهر فَاعله بعده أَلا يثنى وَلَا يجمع، وَإِن كَانَ اسْما أجروه مجْرى الْفِعْل فِي هَذَا الْموضع، فَلهَذَا أفردته. وَأما (قَائِم) فَإِنَّمَا تثنيته فِي الْمَسْأَلَة لِأَن فِيهِ فَاعِلا مضمرا يرجع إِلَى زيد.
وَأما الرّفْع فِي (قَاعد) فعلى أَن تجْعَل (الْأَب) مُبْتَدأ، و (قَاعِدا) خَبره، فَإِذا قدرته هَذَا التَّقْدِير صَار ابْتِدَاء وخبرا، لِأَنَّك إِذا أفردت مَا بعد حرف الْعَطف - فَالْخَبَر مقدم - قبح الرّفْع، وَإِن لم تقدر مَا بعد حرف الْعَطف، فالرفع وَاجِب، لِأَنَّهُ ابْتِدَاء وَخبر، وعَلى هَذَا الْوَجْه ثني (قَاعِدا) ، فَتَقول: مَا الزيدان قائمان
وَلَا قاعدان أبواهما، لِأَن النِّيَّة فِي (قَاعِدين) التَّأْخِير، ففيهما ضمير فَاعل، وَفِي النِّيَّة، فَلهَذَا وَجب.
وَتقول: (مَا كل إِبْرَاهِيم أَبُو إِسْحَاق) ، تنون (إِبْرَاهِيم) وَلَا تنون (إِسْحَاق) وَإِن كَانَا معرفتين أعجميين، والفصل بَينهمَا أَن كل اسْم مُفْرد فَلَا بُد من أَن يكون نكرَة يدل على جنسه، أَعنِي الْمُسَمّى باسمه إِذا نحي بِهِ هَذَا النَّحْو، و (كل) إحاطة، فَإِذا وَقعت على علم نكرته، ودلت بِالْوَاحِدِ الَّذِي تقع عَلَيْهِ على جنسه، فَلَمَّا جَاءَ (إِبْرَاهِيم) بعد (كل) صَار نكرَة، أَي أحد أمة، كل وَاحِد
стр. 125
يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم انْصَرف ولحقه التَّنْوِين، وَأما إِسْحَاق فَلم يدْخل عَلَيْهِ مَا يُزِيلهُ عَن تَعْرِيفه، فَبَقيَ على امْتِنَاعه (٢٧ / ب) من الصّرْف، وَلَو قلت: مَا كل أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم، لصرفنا (إِسْحَاق) لوُقُوعه بعد (كل) ، وَلم نصرف إِبْرَاهِيم لبَقَاء تَعْرِيفه. [مَا كل] سَوْدَاء [تَمْرَة] وَلَا بَيْضَاء [شحمة] ، فِي الْكتاب، وَإِن وَقعت بعد (كل) ، لِأَن (كل) اسْم علم مُمْتَنع من الصّرْف فِي الْمعرفَة، ينْصَرف فِي النكرَة لخفة النكرَة، وكل صفة على (فعلاء) لَا تَنْصَرِف فِي معرفَة وَلَا نكرَة، فَلهَذَا امْتنع (سَوْدَاء وبيضاء) من الصّرْف، وَلم تُؤثر فِيهِ (كل) فاعرفه.
وَتقول: مَا زيد قَائِما بل قَاعد، ترفع (قَاعِدا) لِأَنَّهُ وَقع بعد (بل) ، وبل فِيهَا معنى الإضراب عَن الأول، وَالْإِثْبَات لما بعْدهَا، فَصَارَت بِمَنْزِلَة (إِلَّا) ، فَلهَذَا وَجب الرّفْع فِي (قَاعد) .
وَتقول: مَا زيد قَائِما وَلَا أَبوهُ، فَترفع (الْأَب) بقيامه. وَأَبُو الْعَبَّاس يقدر هَذِه الْمَسْأَلَة على تَقْدِير: مَا زيد آكلا شَيْئا إِلَّا الْخبز، وَكَذَلِكَ: مَا زيد قَائِما أحدا إِلَّا أَبوهُ، وَالَّذِي دَعَاهُ إِلَى هَذَا التَّقْدِير أَن الِاسْتِثْنَاء يجب أَن يكون من الْجُمْلَة، و (إِلَّا) بَابهَا الِاسْتِثْنَاء، فَيجب أَن تقدر فِيهَا مَا يَصح أَن يكون الَّذِي بعْدهَا
стр. 126
مُسْتَثْنى مِنْهُ، وَلَيْسَ أحد وَشَيْء، وَإِن كَانَا مقدمين فِي الْمَعْنى من جِهَة اللَّفْظ، بل (الْأَب) مُرْتَفع ب (قَائِم) وَالْخَبَر منتصب بِالْأَكْلِ لَا على طَرِيق الْبَدَل، وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ذَلِك من جِهَة الْمَعْنى، يدلك على صِحَة ذَلِك أَن (أحدا) لم يجر لَهُ ذكر فَيجوز إضماره، وَكَذَلِكَ الشَّيْء يقبح إضماره لِأَنَّهُ مفعول لَا يسْتَتر فِي الْفِعْل، فَعلم أَن التَّقْدِير إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الْمَعْنى لَا اللَّفْظ.
стр. 127
(١١ - بَاب الِابْتِدَاء وَخَبره)
فَإِن قَالَ قَائِل: لم اسْتحق الْمُبْتَدَأ الرّفْع، وَبِأَيِّ شَيْء يرْتَفع؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الرافع لَهُ التعرية من العوامل، وَلَيْسَت بِلَفْظ.
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن العوامل اللفظية إِنَّمَا جعلت عَلَامَات للْعَمَل، إِلَّا أَنَّهَا تعْمل شَيْئا، فَإِذا كَانَ معنى الْعَامِل اللَّفْظِيّ إِنَّمَا هُوَ عَلامَة، فالعلامة قد تكون حُدُوث الشَّيْء وَعَدَمه، أَلا ترى أَن ثَوْبَيْنِ أبيضين متساويين لَو أردنَا أَن نفصل بَينهمَا، فسودنا أَحدهمَا، لَكَانَ المسود مُنْفَصِلا من الآخر، وَالْآخر مُنْفَصِلا مِنْهُ، وَإِن لم تكن فِيهِ عَلامَة، فَكَذَلِك عدم الْعَامِل عَلامَة أَيْضا، فَإِذا قد ثَبت أَن التعرية من العوامل عَامل، فَالَّذِي يجب أَن يبين: لم خص بِعَمَل الرّفْع دون غَيره؟ وَإِنَّمَا خص بِالرَّفْع لِأَن الْمُبْتَدَأ أول الْكَلَام، فَوَجَبَ لما اسْتحق الْإِعْرَاب أَن يعْطى أول حَرَكَة الْحُرُوف مخرجا، وَهُوَ الضَّم.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الْمُبْتَدَأ مُحدث عَنهُ، كَمَا أَن الْفَاعِل مُحدث عَنهُ، فَلَمَّا اسْتحق الْفَاعِل الرّفْع - لَعَلَّه سنذكرها فِي بَابه - حمل الْمُبْتَدَأ عَلَيْهِ.
стр. 128
وَأما أَبُو إِسْحَاق الزّجاج فَكَانَ يَجْعَل الْعَامِل فِي المبتدإ مَا فِي نفس الْمُتَكَلّم من معنى الْإِخْبَار، قَالَ: لِأَن الِاسْم لما كَانَ لَا بُد لَهُ من حَدِيث يحدث عَنهُ، صَار هَذَا الْمَعْنى هُوَ الرافع للمبتدإ، وَالصَّحِيح مَا بدأنا بِهِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر كَمَا رتبه أَبُو إِسْحَاق لما جَازَ أَن ينْتَصب الِاسْم بِدُخُول عَامل عَلَيْهِ، لِأَن دُخُول الْعَامِل لَا يُغير معنى الحَدِيث عَن الِاسْم، فَلَو كَانَ ذَلِك الْمَعْنى عَاملا، لما جَازَ أَن يدْخل عَامل وَهُوَ بَاقٍ، وَأما الْعلَّة الأولى فَلَا يلْزم عَلَيْهَا هَذَا السُّؤَال، لِأَن الْعَامِل فِي (٢٨ / أ) المبتدإ - على مَا رَأَيْنَاهُ - تعريته من العوامل اللفظية، فَمَتَى دخل عَامل لَفْظِي على المبتدإ زَالَ الْعَامِل الَّذِي هُوَ التعرية، فَلم يدْخل عَامل على عَامل.
فَإِن قَالَ قَائِل: من أَيْن وَجب الرّفْع لخَبر المبتدإ؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْمُبْتَدَأ لما كَانَ لَا بُد لَهُ من خبر، كَمَا أَن الْفِعْل لَا بُد لَهُ من فَاعل، صَار الْخَبَر مَعَ المبتدإ كالفاعل مَعَ الْفِعْل، فَكَمَا وَجب رفع الْفَاعِل وَجب رفع الْخَبَر.
وَوجه آخر: أَن الْمُبْتَدَأ لما كَانَ الْعَامِل فِيهِ التعرية من العوامل، وَلَيْسَت بِلَفْظ، وَكَانَ الْخَبَر هُوَ الْمُبْتَدَأ، وَجب أَن يحمل عَلَيْهِ فِي الْإِعْرَاب، كَمَا يحمل النَّعْت على المنعوت.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد رَأينَا الْمُبْتَدَأ ينصب، وَالْخَبَر مَرْفُوع، كَقَوْلِك: إِن زيدا أَخُوك، فَلَو كَانَت عِلّة رَفعه أَنه هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْمَعْنى - وَقد جرى النَّعْت - لوَجَبَ أَن ينْتَصب كَمَا ينصب الْمُبْتَدَأ؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَنا قد احترزنا من هَذَا السُّؤَال، وَذَلِكَ أَنا جعلنَا الْعلَّة فِي
стр. 129
جَوَاز حمل الْخَبَر على المبتدإ، أَن الْعَامِل فِي المبتدإ غير لَفْظِي، وَإِذا كَانَ الْعَامِل لفظيا فِي هَذَا - أَعنِي: إِن زيدا أَخُوك - لم يلْزم هَذَا السُّؤَال، وَإِنَّمَا انْفَصل الْعَامِل اللَّفْظِيّ فِي هَذَا الحكم لِأَن الْعَامِل مشبه بِالْفِعْلِ، وَالْفِعْل يَقْتَضِي فَاعِلا ومفعولا، فَلم يجز أَن يتبع فِي مثل هَذَا الْخَبَر الْمُبْتَدَأ إِذا كَانَ مَنْصُوبًا، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَخْلُو الْفِعْل من فَاعل أَو مَا يقوم مقَامه، وَلَا يجوز أَن يتبعهُ بعامل لَفْظِي، نَحْو: كَانَ زيدا أَخَاك، لِأَنَّهُ لَا يكون للْفِعْل فاعلان، فَلهَذَا لم يلْزم السُّؤَال عَن الْعلَّة الأولى، وَجَاز أَن يَجْعَل الْخَبَر كالمبتدإ فِي الْإِعْرَاب، وَيُشبه بالنعت من حَيْثُ كَانَ الْعَامِل غير لَفْظِي.
فَإِن قيل: قد علمنَا بِمَا ذكرت الْعَامِل فِي المبتدإ، فَمَا الْعَامِل فِي الْخَبَر؟
فَفِي ذَلِك جوابان:
أَحدهمَا: أَن الِابْتِدَاء وَحده عَامل فِي الْخَبَر، كَمَا كَانَ فِي المبتدإ، وَإِنَّمَا وَجب أَن يعْمل فِي الْخَبَر قِيَاسا على العوامل اللفظية، نَحْو: (إِن وَكَانَ وظننت) فَكل هَذِه عاملة فِي المبتدإ وَالْخَبَر، لِأَن نَظِير الِابْتِدَاء (ظَنَنْت) لِأَن (ظَنَنْت) قد عملت فِي المبتدإ وَالْخَبَر عملا وَاحِدًا، وَهُوَ الرّفْع.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون الْعَامِل فِي الْخَبَر الْمُبْتَدَأ والابتداء جَمِيعًا، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك، لِأَن الْمُبْتَدَأ لَا يَنْفَكّ من الِابْتِدَاء، فَلَا يَصح للْخَبَر معنى إِلَّا بمقدمتهما جَمِيعًا، فَوَجَبَ أَن يَكُونَا جَمِيعًا العاملين. وكلا الْقَوْلَيْنِ جيد.
وَاعْلَم أَن الْمُبْتَدَأ إِذا كَانَ خَبره ظرفا، أَو اسْما مُتَعَلقا بِحرف جر، فتقديمه وتأخيره سَوَاء، كَقَوْلِك: زيد عنْدك، وعندك زيد، فزيد مُرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ: المَال لزيد، ولزيد المَال.
стр. 130
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ إِذا قُلْنَا: زيد عنْدك، فعندك: مَنْصُوب بإضمار فعل تَقْدِيره: زيد اسْتَقر عنْدك، فَإِذا قدمت (عنْدك) على (زيد) فَكيف يصلح أَن ترفع (زيدا) بِالِابْتِدَاءِ وَقد تقدمه (اسْتَقر) وَهُوَ فعل؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (اسْتَقر) لَو كَانَ تَقْدِيره على مَا سَأَلت عَنهُ لم يجز أَن ترفع (زيدا) بِالِابْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا (اسْتَقر) مُؤخر بعد ذكر الِابْتِدَاء وَخَبره.
فَإِن قيل: (٢٨ / ب) فَمن أَيْن لَك أَن التَّقْدِير يجب على مَا ذكرت دون أَن يكون على مَا سَأَلنَا عَنهُ؟
قيل لَهُ: الدَّلِيل على ذَلِك أَنا نقُول: إِن عنْدك زيدا، فتنصب (زيدا) ب (إِن) ، وَلَو كَانَ (اسْتَقر) مُقَدرا بَين (عنْدك، وزيدا) لم يجز أَن تتخطاه (إِن) فتعمل فِي (زيد) ، فقد بَان بِمَا ذكرنَا أَن الظّرْف تقدم أَو تَأَخّر فَلَا يمْنَع الِاسْم من الِابْتِدَاء.
وَأما أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: فَكَانَ يُجِيز أَن يرفع (زيدا) بِتَقْدِير (اسْتَقر) إِذا تقدّمت الظروف، ويجيز مَا ذَكرْنَاهُ عَن سِيبَوَيْهٍ، فَإِذا لزم الْأَخْفَش مَا ذَكرْنَاهُ من قَوْلك: إِن عنْدك زيدا، لم يلْزمه على هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي يرفع (زيدا) ب (اسْتَقر) ، وَتبطل الْمَسْأَلَة، وَهَذَا القَوْل ضَعِيف، لِأَنَّهُ لَيْسَ أحد من الْعَرَب حُكيَ عَنهُ الِامْتِنَاع من قَوْلك: إِن عنْدك زيدا، وَمَا أشبه هَذَا من الْمسَائِل، فَلَو كَانَ مَا ذهب إِلَيْهِ الْأَخْفَش من أحد الْوَجْهَيْنِ صَحِيحا لوَجَبَ أَن يحْكى ذَلِك عَن الْعَرَب، وَلَو أسقطنا عَنهُ الْإِلْزَام من جِهَة الْعَرَب لَكَانَ الْقيَاس يُؤَيّد قَول سِيبَوَيْهٍ، ويضعف قَول الْأَخْفَش فِيمَا يقدره بِهِ، وَذَلِكَ أَنه لَا خلاف فِي جَوَاز تَقْدِيم خبر المبتدإ، على
стр. 131
المبتدإ نَحْو قَوْلك: عمرا زيد ضَارب، فَإِذا ثَبت جَوَاز هَذَا، فَيرجع إِلَى قَوْلنَا: زيد عنْدك، زيد: مُبْتَدأ بِلَا خلاف، وعندك: نَائِب عَن الْخَبَر، وَهُوَ (اسْتَقر) ، والظرف مفعول فِيهِ، فَإِذا قدمنَا الظّرْف فَيجب أَن يبْقى الْمُبْتَدَأ على مَا كَانَ عَلَيْهِ، لِأَن تَقْدِيم مفعول الْخَبَر لَا يُوجب تَقْدِيم الْخَبَر، أَلا ترى أَنَّك تَقول: زيد ضَارب عمرا، فَإِذا قدمت (عمرا) على (زيد) لم تخرج (زيدا) من أَن يكون مُبْتَدأ، وَلم يجب تَقْدِيم (ضَارب) مَعَ تَقْدِيم (عمرا) ، وَكَذَلِكَ إِذا قدمنَا الَّذِي يعْمل فِيهِ الْخَبَر، لم يجب تَقْدِيم الْخَبَر، فاعلمه.
وَاعْلَم أَن الْمُبْتَدَأ إِذا كَانَ جثة لم يجز أَن يكون خَبره ظرفا لزمان، كَقَوْلِك: زيد يَوْم الْجُمُعَة، وَإِنَّمَا امْتنع من ذَلِك لِأَن الْغَرَض فِي الْخَبَر إِفَادَة الْمُخَاطب، فَلَا يجوز أَن يجهله، وَقد علمنَا أَن زيدا وَغَيره من الْأَشْخَاص لَا يَخْلُو من الزَّمَان، حَيا كَانَ أَو مَيتا، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْخَبَر يُعلمهُ الْمُخَاطب، لم يستفد بِهِ ( ... . .) فَوَجَبَ أَن يسْقط التَّكَلُّم بِهِ، إِذْ لَا فَائِدَة فِيهِ، وَأما إِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ غير جثة فظرف الزَّمَان يكون خَبرا، كَقَوْلِك: الْقِتَال يَوْم الْجُمُعَة، وَإِنَّمَا صَحَّ ظرف الزَّمَان أَن يكون خَبرا لما لَيْسَ بجثة - أَعنِي المصادر - للفائدة الْوَاقِعَة فِي الْخَبَر، إِذْ كَانَ الْقِتَال قد يَخْلُو من يَوْم الْجُمُعَة، فَصَارَ الْمُخَاطب مُسْتَقْبلا للْخَبَر، فَلهَذَا صَحَّ الْكَلَام.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ قد قَالُوا: الْهلَال اللَّيْلَة، والهلال جثة، فَمَا وَجه ذَلِك؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا اسْتعْمل هَذَا الْكَلَام عِنْد توقع رُؤْيَة الْهلَال، فَإِن كَانَ جَائِزا أَن يحدث، وجائزا أَن يظْهر حسن الْكَلَام معنى الْحُدُوث، فَصَارَ التَّقْدِير: اللَّيْلَة
стр. 132
حُدُوث الْهلَال، ثمَّ حذفت (الْحُدُوث) وأقمت (الْهلَال) مقَامه، فَلم يخرج ظرف الزَّمَان فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من أَن يكون خَبرا لمصدر دون جثة، وعَلى هَذَا الْوَجْه يجوز أَن تَقول: الْيَوْم زيد، إِذا كنت متوقعا لقدومه، فَيصير التَّقْدِير: الْيَوْم قدوم زيد، وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد عِنْد الْعَرَب مَا ذَكرْنَاهُ، أَنهم لَا يَقُولُونَ: الْقَمَر اللَّيْلَة، وَلَا الشَّمْس الْيَوْم، لِأَنَّهُمَا كائنان لَا محَالة.
стр. 133
(١٢ - بَاب الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ)
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب (٢٩ / أ) أَن يرفع الْفَاعِل، وَينصب الْمَفْعُول بِهِ؟
فَفِي ذَلِك أوجه:
أَحدهَا: أَنهم فصلوا هَذَا الْفَصْل بَين الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ بِالنّصب، لِأَن الْفَاعِل أقل من الْمَفْعُول فِي الْكَلَام، وَذَلِكَ أَن الْفِعْل الَّذِي يتَعَدَّى يجوز أَن تعديه إِلَى أَرْبَعَة أَشْيَاء، فَلَمَّا كَانَ الْفَاعِل أقل فِي الْكَلَام من الْمَفْعُول، جعلت لَهُ الْحَرَكَة الثَّقِيلَة، وَجعل لما تقدم فِي كَلَامهم الْحَرَكَة الْخَفِيفَة ليعتدلا.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الْفَاعِل قد بَينا أَنه مشبه للمبتدإ، إِذْ كَانَ هُوَ وَالْفِعْل جملَة، فَحسن عَلَيْهَا السُّكُوت، كَمَا أَن الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر جملَة يحسن عَلَيْهَا السُّكُوت، فَلَمَّا وَجب للمبتدإ أَن يكون مَرْفُوعا، حمل الْفَاعِل عَلَيْهِ.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الْفَاعِل لما كَانَ فِي التَّرْتِيب أسبق من الْمَفْعُول وَجب أَن يعْطى حَرَكَة أول الْحَرْف مخرجا، كَمَا أَنه قبل الْمَفْعُول، وَإِنَّمَا وَجب الِابْتِدَاء بالفاعل على الْمَفْعُول، لِأَنَّهُ الْفِعْل مِنْهُ يحدث، فَصَارَ أَحَق بالتقديم من الْمَفْعُول، فَوَجَبَ لهَذِهِ الْعلَّة أَن يرتب قبله، وَأَيْضًا فَإِن الْفِعْل يَسْتَغْنِي بالفاعل عَن الْمَفْعُول، نَحْو: قَامَ زيد، فَصَارَ الْمَفْعُول فضلَة يذكر بعد الْفَاعِل، فَلهَذَا وَجب تَقْدِيم الْفَاعِل عَلَيْهِ.
وَوجه آخر فِي اسْتِحْقَاق الْفَاعِل الرّفْع: أَن الْفَاعِل أقوى من الْمَفْعُول، لِأَنَّهُ يحدث الْفِعْل، فَوَجَبَ أَن يعْطى أقوى الحركات، وَهُوَ الضَّم، وَالْمَفْعُول لما كَانَ
стр. 134
أنقص أعطي أَضْعَف الحركات، وَهُوَ الْفَتْح.
فَإِن قَالَ قَائِل: بِأَيّ شَيْء يرْتَفع الِاسْم وينتصب؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الِاسْم إِنَّمَا يرْتَفع بالإخبار عَنهُ، فَلهَذَا لم يخْتَلف حَاله فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات، لِأَنَّهُ فِي كلا الْحَالين مخبر عَنهُ، وَالْفِعْل هُوَ الْعَامِل فِيهِ وَفِي الْمَفْعُول.
وَبَعض النَّحْوِيين يَجْعَل الْعَامِل فِي الْمَفْعُول الْفِعْل وَالْفَاعِل مَعًا، وَهَذَا خطأ، لِأَن الْفِعْل قد اسْتَقر أَنه عَامل فِي الْفَاعِل، فَيجب أَيْضا أَن يكون هُوَ عَاملا فِي الْمَفْعُول، لِأَن الْفِعْل بِمُجَرَّدِهِ لَا يَصح أَن يعْمل فِي الْمَفْعُول، فَإِذا اسْتَقر للْفِعْل الْعَمَل لم يجز أَن يضيف إِلَيْهِ فِي الْعَمَل مَا لَا تَأْثِير لَهُ فِي هَذَا الْبَاب، إِذْ كَانَ زيد وَعَمْرو وَمَا أشبههما لَا يَصح أَن يعملا فِي غَيرهمَا من الْأَسْمَاء، لِأَنَّهُ لَو جَازَ للاسم أَن يعْمل فِي الِاسْم، لم يكن الْمَفْعُول فِيهِ أولى بِالْعَمَلِ من الْعَامِل فِيهِ، إِذْ هما مشتركان فِي الاسمية.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا اقتصروا على أَن يكون الْفَاعِل مقدما على الْمَفْعُول، واستغنوا عَن الْإِعْرَاب؟
قيل لَهُ: لَو فعلوا هَذَا لضاق الْكَلَام عَلَيْهِم، وَفِي كَلَامهم الشّعْر الْمَوْزُون، وَلَا بُد أَن يَقع فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير لينتظم وَزنه، فَجعلُوا للْفَاعِل عَلامَة يعرف بهَا أَيْن وَقع، وَكَذَلِكَ الْمَفْعُول.
стр. 135
فَأَما إِذْ كَانَت الْأَسْمَاء لَا يتَبَيَّن فِيهَا الْإِعْرَاب، فَالْوَاجِب أَن يكون الْفَاعِل الْمُقدم، وَالْمَفْعُول الْمُؤخر، كَقَوْلِك: ضرب مُوسَى عِيسَى، فَإِن نعت أَحدهمَا بِمَا يتَبَيَّن فِيهِ الْإِعْرَاب جَازَ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، لزوَال اللّبْس، نَحْو: ضرب عِيسَى الظريف مُوسَى، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ أحد الاسمين لَا يَصح أَن يكون إِلَّا فَاعِلا أَو مَفْعُولا، جَازَ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، لِأَن هَذَا الْمَعْنى بَين فِي الْإِعْرَاب، نَحْو: كسر الحبلى الْعَصَا، فالكسر إِنَّمَا يَقع على الْعَصَا (٢٩ / ب) دون الْمَرْأَة، فَيجوز التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير.
فَإِن قَالَ قَائِل: الْمَفْعُول إِذا تقدم على الْفِعْل بَقِي مَفْعُولا، وَالْفَاعِل إِذا تقدم على الْفِعْل خرج من أَن يكون فَاعِلا وارتفع بِالِابْتِدَاءِ؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْمَفْعُول إِذا تقدم على الْفِعْل فَلَيْسَ ثمَّ عَامل آخر يُوجب نصب الْمَفْعُول، فَيجب أَلا يخرج عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَال التَّأْخِير، وَأما الْفَاعِل فَإِنَّهُ إِذا تقدم على الْفِعْل أمكن أَن يقدر لَهُ عَامل غير الْفِعْل، وَهُوَ الِابْتِدَاء وَعَمله رفع، كعمل الْفِعْل فِي الْفَاعِل، فَلَمَّا كَانَ الِابْتِدَاء سَابِقًا لذكر الْفِعْل، وَجب أَن يعْمل فِيهِ، وَأما الْمَفْعُول إِذا تقدم على الْفِعْل فَلَيْسَ ثمَّ قبله عَامل لَفْظِي وَلَا وهمي غير الْفِعْل الَّذِي قدم قبله، إِذْ خلا ذَلِك الْفِعْل من ضمير، وَلَا سَبِيل إِلَى ضمير حَتَّى يرجع إِلَى مَذْكُور قبله، فرتبة الْمَفْعُول بَاقِيَة مَعَ التَّقْدِيم لما ذَكرْنَاهُ، ورتبة الْفَاعِل ذَاهِبَة مَعَ التَّقْدِيم من أجل الِابْتِدَاء الَّذِي لَا يظْهر لَهُ عَامل لَفْظِي.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا نوي بالفاعل التَّأْخِير، وَإِذا نوي بِهِ التَّأْخِير لم يجز كَونه مُبْتَدأ؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن هَذَا لَا يَصح، وَذَلِكَ أَن شَرط الْفَاعِل إِذا كَانَ بعد الْفِعْل أَن يقوم مقَامه غَيره وَهُوَ مَوْجُود، نَحْو: قَامَ زيد، فمحال أَن تذكر فَاعِلا
стр. 136
للْقِيَام من غير عطف وَلَا تَثْنِيَة مَعَ وجود زيد، فَلَمَّا كَانَ زيد إِذا تقدم على الْفِعْل بِهَذِهِ الْمنزلَة اسْتَحَالَ وجود فَاعل سواهُ، فَإِذا جَازَ أَن يكون لهَذَا الْفِعْل فَاعل سوى زيد، علمنَا بِهَذِهِ الدّلَالَة أَن زيدا قد خرج من أَن يكون فَاعِلا، نَحْو قَوْلك: زيد قَامَ أَبوهُ، فالقيام للْأَب لَا محَالة، فَوَجَبَ أَن يكون (زيد) مرتفعا بِغَيْر هَذَا الْفِعْل، وَهُوَ الِابْتِدَاء.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الْفَاعِل لَو كَانَ مرتفعا بِفِعْلِهِ إِذا تقدم، لم يخْتَلف حَال الْفِعْل، فَلَمَّا وَجَدْنَاهُ مُخْتَلفا، علمنَا أَنه لَيْسَ مرتفعا بِفِعْلِهِ إِذا تقدم على الْفِعْل، وَذَلِكَ ظُهُور عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع، كَقَوْلِك: الزيدان قاما، والزيدون قَامُوا.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَت الْعَرَب: (أكلوني البراغيث) فأظهروا عَلامَة الْجمع فِي الْفِعْل، وَإِن كَانَ الْفَاعِل كَمَا يظهرونها إِذا تقدم على الْفِعْل؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا يحْكى مثل هَذَا على طَرِيق الشذوذ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيم فِي كَلَامهم، وَلَو كَانَ لَا فرق بَين تَقْدِيم الْفَاعِل وتأخيره، لوَجَبَ أَن يَسْتَوِي اسْتِعْمَال الْفِعْل فِي كَلَامهم، فَلَمَّا اخْتلف - على مَا ذَكرْنَاهُ - حَال الْفِعْل لم يَصح الِاعْتِرَاض بِمَا يجْرِي مجْرى الشذوذ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا السَّبَب فِي إِظْهَار عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي الْفِعْل إِذا تقدمه الْفَاعِل، وَلم يحسن إِذا تَأَخّر الْفَاعِل؟
стр. 137
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْفَاعِل إِذا تقدم الْفِعْل ارْتَفع بِالِابْتِدَاءِ، ولابد للْفَاعِل من فعل، فَإِذا لم يظْهر الْفَاعِل بعده استتر فِيهِ ضمير الْفَاعِل، كَقَوْلِك: زيد قَامَ، وَالتَّقْدِير: زيد قَامَ هُوَ، وَإِذا ثنيت ضَمِيره، فَقلت: الزيدان قاما، وَإِذا جمعت زيدا جمعت الضَّمِير، فَقلت: الزيدون قَامُوا، وَإِذا تقدم الْفِعْل لم يَجْعَل فِيهِ ضمير، وَالْأَفْعَال لَا تثني فِي أَنْفسهَا وَلَا تجمع، فَلهَذَا أفردت لَفظهَا فَقلت: قَامَ الزيدان، وَقَامَ الزيدون.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم استتر ضمير الْوَاحِد إِذا كَانَ لوَاحِد، وَلم يسْتَتر إِذا كَانَ لاثْنَيْنِ فَصَاعِدا؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من أَن يكون لَهُ فَاعل وَاحِد، وَقد يَخْلُو من اثْنَيْنِ فَصَاعِدا، فَإِذا قدمنَا اسْما مُفردا قبل الْمَفْعُول، لم نحتج إِلَى إِظْهَار الْفَاعِل لدلَالَة تقدم الْأَسْمَاء عَلَيْهِ وإحاطة الْعلم بِهِ، فَإِنَّهُ لَا بُد للْفِعْل من هَذَا الْفَاعِل، وَأما إِذا ثنيت الِاسْم فَلَو أفردت فعلهمَا لم يعلم أَن الْفِعْل للاثنين، إِذْ قد يَخْلُو من ذَلِك فَوَجَبَ أَن تظهر عَلامَة التَّثْنِيَة، لِئَلَّا يدْخل الْكَلَام لبس، وَلِئَلَّا يعْتَقد الْمُخَاطب انْقِطَاع الْفِعْل عَن الاسمين الْمُتَقَدِّمين، وَأَنه خبر مُبْتَدأ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا وَجه قَول الْعَرَب: (أكلوني البراغيث) ؟
قيل لَهُ: فِي ذَلِك وُجُوه.
أَحدهَا: أَن يكون الْكَلَام على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، أَي: البراغيث أكلوني، وَهَذَا الْأَشْبَه بِهِ.
وَوجه آخر: أَنه يجوز أَن يكون الْإِضْمَار وَقع على شريطة التَّفْسِير، فَيكون
стр. 138
(البراغيث) بَدَلا من الْوَاو.
وَوجه ثَالِث:: وَهُوَ الَّذِي قَصده سِيبَوَيْهٍ، أَن تكون الْوَاو عَلامَة للْجمع، كَمَا التَّاء فِي الْفِعْل عَلامَة للتأنيث وَيُرَاد بهَا أَن الْفِعْل لمؤنث، فَكَذَلِك يُرَاد بِالْوَاو أَن الْفِعْل لجَماعَة.
فَلَو قَالَ قَائِل: إِذا كَانَ الْفِعْل قد يكون لوَاحِد، وَقد يكون لجَماعَة، كَمَا يكون للمذكر والمؤنث، فَهَلا لَزِمت عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي الْفِعْل، كَمَا لَزِمت عَلامَة التَّأْنِيث؟
فالفصل بَينهمَا أَن التَّأْنِيث لَازم للاسم، لِأَنَّهُ معنى لَا يَنْفَكّ عَنهُ الْمُؤَنَّث، فَوَجَبَ أَن تلْزم علامته، وَأما التَّثْنِيَة وَالْجمع فَلَيْسَتْ بلازمة، لِأَن مَا يثنى وَيجمع يجوز عَلَيْهِ الْإِفْرَاد، فَلهَذَا لم تلْزم علامتهما كَمَا تلْزم فِي الِاسْم، فاعرفه.
وَاعْلَم أَن الْوَاو الَّتِي تكون عَلامَة للْجمع هِيَ حرف وَلَيْسَت باسم، وَالَّتِي هِيَ ضمير أَسمَاء الفاعلين هِيَ اسْم لَا حرف، وَإِنَّمَا وَجب أَن تكون الأولى حرفنا لِأَنَّهَا دخلت عَلامَة، كَمَا تدخل تَاء التَّأْنِيث عَلامَة، والعلامة حَقّهَا أَن تكون بالحروف لَا بالأسماء، فَلهَذَا افْتَرقَا.
فَإِن قَالَ قَائِل: مَا الدَّلِيل على أَن لفظ التَّثْنِيَة وَالْجمع اللاحقين للْفِعْل هما عَلامَة على مَا ذكرْتُمْ وليستا بتثنية الْفِعْل وَلَا جمعه؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْأَفْعَال لَا تصح تثنيتها وَلَا جمعهَا من وُجُوه:
أَحدهَا: أَن الْفِعْل لَو ثني وَجمع من أجل أَنه من اثْنَيْنِ أَو جمَاعَة، لجَاز أَيْضا أَن يثنى وَيجمع مَعَ فَاعل وَاحِد، إِذْ كَانَ الْفِعْل قد يتَكَرَّر من الْفَاعِل الْوَاحِد، كَمَا يتَكَرَّر من الفاعلين، فَكَانَ أولى بتثنيته وَجمعه مَعَ الْوَاحِد، لِأَن الْفَاعِل إِذا كَانَ أَكثر من وَاحِد، جَازَ أَن يقْتَصر بِمَا ظهر من تَثْنِيَة الْفَاعِل وَجمعه عَن تَثْنِيَة الْفِعْل وَجمعه،
стр. 139
فَلَمَّا كَانَ هَكَذَا سقط تَثْنِيَة الْفِعْل وَجمعه من كَلَامهم، علمنَا أَن الْفِعْل فِي نَفسه لَا يثنى وَلَا يجمع.
وَوجه آخر: أَن الْفِعْل يدل على معنى وزمان، وَلَيْسَ هما دون الآخر، وَصَارَ فِي الْمَعْنى كَأَنَّهُ اثْنَان، ومحال أَن تدخل تَثْنِيَة على تَثْنِيَة، فَلهَذَا لم يثن.
وَوجه آخر، وَهُوَ ثَالِث: أَن الْفِعْل يدل على مصدر مُبْهَم، والمصدر الْمُبْهم لَا يثنى وَلَا يجمع، فَكَذَلِك مَا يدل عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا سَقَطت (٣٠ / ب) تَثْنِيَة الْمصدر لِأَنَّهُ اسْم لجنس الضَّرْب وَالْأكل وَمَا أشبههَا، وَالْجِنْس يدل على الْوَاحِد فَمَا فَوْقه، فَلَا معنى للتثنية وَالْجمع إِلَّا أَن تخْتَلف أَنْوَاعه، كَقَوْلِك: ضربت زيدا ضربتين، إِذا كَانَ أَحدهمَا شَدِيدا، وَالْآخر خَفِيفا، وعَلى هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وتظنون بِاللَّه الظنونا﴾ أَي: ظنونا مُخْتَلفَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: هلا غيرت أَوَائِل الْأَفْعَال المستعارة نَحْو: مَاتَ زيد، وَرخّص السّعر، لِأَن فاعلها لم يذكر، كَمَا يُغير أول الْفِعْل إِذا لم يسم فَاعله، نَحْو: ضرب زيد؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن أَفعَال الِاسْتِعَارَة يَنْبَغِي أَن يكون مَا ارْتَفع بهَا فَاعِلا، لِأَن الْمَعْنى قد علم، وَذَلِكَ أَن الْمَوْت والرخص لَا يَصح أَن يفعلهما غير الله تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ إِذا قلت: سقط الْحَائِط، لم يكن للحائط فعل فِي الْحَقِيقِيَّة، وَإِنَّمَا الْفِعْل فِي ذَلِك لله ﵎، وَعلم هَذَا غير خَفِي على أحد من الْأُمَم، فَلَمَّا أَمن اللّبْس فِي هَذِه الْأَفْعَال لم يحْتَج إِلَى فَاعل. وَأما قَوْلك: ضرب زيد عمرا، فزيد "
стр. 140
فَاعل للضرب، وَعَمْرو: مفعول، وَقد يَتَأَتَّى من عَمْرو الضَّرْب، فَإِن حذفت زيدا أَقمت عمرا مقَامه، فَلَو علم تغير الْفِعْل، لم يعلم أعمرو فَاعل أم مفعول، فَلهَذَا وَجب تَغْيِير الْفِعْل.
стр. 141
(١٣ - بَاب مَا لم يسم فَاعله)
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب إِذا حذف الْفَاعِل أَن يُقَام مقَامه اسْم مَرْفُوع؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل، فَلَمَّا حذف فَاعله على الْحَقِيقَة استقبح أَن يَخْلُو من لفظ الْفَاعِل، فَلهَذَا وَجب أَن يُقيم مقَام اسْم الْفَاعِل اسْما مَرْفُوعا، أَلا ترى أَنهم قَالُوا: مَاتَ زيد، وَسقط الْحَائِط، فَرفعُوا هَذِه الْأَسْمَاء وَإِن لم تكن فاعلة فِي الْحَقِيقَة، وَإِن شِئْنَا جعلنَا الرّفْع فِي الْمَفْعُول الَّذِي قَامَ مقَام الْفَاعِل بعلة أُخْرَى، وَهُوَ حمله على الْفَاعِل، فَمن جِهَة اشتراكهما فِي الْفِعْل صَار خَبرا عَن الْمَفْعُول الَّذِي يتَعَدَّى الْفِعْل إِلَيْهِ مَفْعُولا آخر، كَمَا أقيم مقَام الْفَاعِل؟
قيل: لَا يجب ذَلِك لِأَن الْفِعْل لَيْسَ يفْتَقر إِلَى الْمَفْعُول، كافتقاره إِلَى الْفَاعِل، أَلا ترى أَنَّك قد تقتصر على الْفَاعِل وَحده فِي الْفِعْل الْمُتَعَدِّي فَلَا تذكر الْمَفْعُول، كَقَوْلِك: ضربت وأكرمت، فَإِذا جَازَ إِسْقَاطه فِي هَذَا الْموضع من غير إِقَامَة شَيْء مقَامه، فَكَذَلِك أَيْضا إِذا أقيم مقَام الْفَاعِل لم يجب أَن يُقيم غَيره مقَامه.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم وَجب ضم أول الْفِعْل وَكسر ثَانِيه، إِذا لم يسم فَاعله، وهلا ترك الْفِعْل على حَاله؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا يحب تَغْيِير الْفِعْل إِذا حذفت الْفَاعِل، لِأَن الْمَفْعُول يَصح أَن يكون فَاعِلا للْفِعْل، هَل الْمَفْعُول فَاعل فِي الْحَقِيقَة؟ وَقد قَامَ مقَام الْفَاعِل، فَلهَذَا وَجب تَغْيِير الْفِعْل، وَإِنَّمَا غير أَوله بِالضَّمِّ، لِأَن الضَّم من عَلَامَات الْفَاعِل،
стр. 142
وَكَانَ هَذَا الْفِعْل دَالا على فَاعله، فَوَجَبَ أَن يُحَرك بحركة مَا يدل عَلَيْهِ، وَقد بَينا فِي (شرح كتاب سِيبَوَيْهٍ) الْكَلَام فِي هَذَا وَالْخلاف فِيهِ، وَإِنَّمَا نذْكر هُنَا النكت الَّتِي لَا بُد مِنْهَا وَلَا يلْزم عَلَيْهَا سُؤال.
فَإِن قَالَ قَائِل قَائِل: فَلم كسر ثَانِيه؟
قيل: لما حذف فَاعله الَّذِي لَا يخلوا مِنْهُ، جعل لفظ الْفِعْل على بِنَاء لَا يشركهُ فِيهِ بِنَاء من أبنية الْأَسْمَاء، وَلَا من أبنية الْفِعْل الَّذِي (٣١ / أ) قد سمي فَاعله، فَبنِي على هَذِه الصِّيغَة لهَذِهِ الْعلَّة، وَلَو فتح ثَانِيه أَو حرك بِالضَّمِّ لم تخرج عَن الْأَمْثِلَة الَّتِي فِي الْأَسْمَاء.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم كَانَت الْأَفْعَال المعتلة مَكْسُورَة الْأَوَائِل، نَحْو: سير وَقيل؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن أصل أوائلها الضَّم، وفيهَا ثَلَاث لُغَات للْعَرَب، أَجودهَا: كسر أوائلها، وَالثَّانيَِة: الْإِشَارَة إِلَى الضَّم من غير تَحْقِيق، وَالثَّالِثَة وَهِي أضعفها: ضمهَا على الأَصْل، وقلب مَا يَليهَا واوا، نَحْو قَوْلك: سور، وَقَول، وبوع وصوغ الْخَاتم، إِلَّا أَن الْكسر يستثقل فِي الْوَاو وَالْيَاء، فقلبت إِلَى أول الْكَلِمَة، وسكنت الْوَاو وَالْيَاء. فَأَما الْيَاء فتسلم لانكسار مَا قبلهَا، وَأما الْوَاو فتنقلب لسكونها وانكسار مَا قبلهَا يَاء، وَأما من أَشَارَ إِلَى الضَّم فأرادوا الدّلَالَة على أَن أصل أَوَائِل هَذِه الْأَفْعَال الضَّم، وَأما الَّذِي لَا يضم فيحذف الْحَرَكَة من الْوَاو وَالْيَاء، وَلَا ينقلها إِلَى مَا قبلهَا، فتسكن الْوَاو وَالْيَاء، وَقبل كل وَاحِد مِنْهُمَا ضمة، فَأَما الْوَاو فتسلم لانضمام مَا قبلهَا، وَأما الْيَاء فتنقلب واوا لانضمام مَا قبلهَا، وَكَذَلِكَ تنْقَلب إِذا كَانَ مَا قبلهَا مضموما فِي سَائِر الْكَلَام، نَحْو قَوْلك: موقن،
стр. 143
وَأَصله الْيَاء، لِأَنَّهُ من أيقنت، وَكَذَلِكَ حكم الْوَاو إِذا سكنت وانكسر مَا قبلهَا أَن تنْقَلب يَاء فِي جَمِيع الْكَلَام، كَقَوْلِك: ميزَان، وميعاد، فَأصل الْيَاء الْوَاو، لِأَنَّهَا من الْوَعْد وَالْوَزْن، وَإِنَّمَا اخترنا الْوَجْه الأول، وَهُوَ نقل الْحَرَكَة إِلَى أول الْكَلِمَة، لِأَنَّهُ أخف فِي اللَّفْظ، إِذْ كَانَ ذَوَات الْوَاو كذوات الْيَاء، وَيكون بعض الْحُرُوف المنقلب حَاصِلا فِي الْكَلِمَة، فَلهَذَا كَانَ الْوَجْه الأول مُخْتَارًا، وَالْوَجْه الثَّانِي يقرب من الأول، وَلَفظ الْوَجْه الأول مَوْجُود فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ زِيَادَة فِي الدّلَالَة على أصل الْكَلِمَة، وَإِنَّمَا لم تكن هَذِه الزِّيَادَة أقوى من الْوَجْه الأول، لِأَن على الْمُتَكَلّم مشقة فِي الْإِشَارَة إِلَى الضَّم مَعَ حُصُول الْكسر فِي الْحَرْف، فَيصير كَأَنَّهُ جَامع بَين كسرة وضمة فِي حَال وَاحِدَة، وَهَذَا محَال، فَلَمَّا قَارب فِي هَذَا الحكم لهَذِهِ الزِّيَادَة الْمحَال، وَهُوَ مَعَ هَذَا فِيهِ تكلّف، كَانَ الأول السَّالِم مِمَّا ذكرنَا أَجود، إِن شَاءَ الله.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ساغت الْعبارَة فِي قَوْلكُم: إِن الْأَفْعَال تَنْقَسِم قسمَيْنِ: أَحدهمَا مُتَعَدٍّ، ثمَّ قُلْتُمْ مَعَ هَذَا مَا لَا يتَعَدَّى يتَعَدَّى إِلَى أَرْبَعَة أَشْيَاء، وَهَذَا فِي الظَّاهِر متناقض؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَشْيَاء لَا يقصر فعل من الْأَفْعَال أَن يتَعَدَّى إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَفْعَال كلهَا مُتَسَاوِيَة فِي التَّعَدِّي إِلَيْهَا، وَكَانَ بَعْضهَا يتَعَدَّى إِلَى زِيَادَة عَلَيْهَا، وَبَعضهَا لَا يتَعَدَّى إِلَى هَذِه الزِّيَادَة، صَار مَا جَازَ تعديته إِلَى زِيَادَة عَلَيْهَا مُتَعَدِّيا، إِذْ زَاد حكمه على الْفِعْل الَّذِي لَا يُجَاوز هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة، فَلهَذَا ساغت الْعبارَة بِمَا سَأَلت عَنهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن وَجب أَن يكون كل فعل لَا يقصر عَن الْمُتَعَدِّي إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة؟
стр. 144
قيل لَهُ: لِأَن كل فعل إِنَّمَا يتَعَدَّى على حسب دلَالَته على مَا يتَعَدَّى إِلَيْهِ، وَمَتى لم يدل الْفِعْل (٣١ / ب) على مَا يتَعَدَّى إِلَيْهِ لم يَصح تعديه إِلَيْهِ، فَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرنَا، وَقد علمنَا أَن الْمصدر يدل على الْمصدر وعَلى الزَّمَان، فقد حصل فِيهِ دلَالَة على الْمصدر فيتعدى إِلَيْهِ وَهُوَ الْمَفْعُول الْمُطلق، وتعدى أَيْضا إِلَى الزَّمَان، وَهُوَ مفعول فِيهِ، لدلالته عَلَيْهِ، وَقد أحَاط الْعلم أَن الْفِعْل لَا بُد لَهُ من مَكَان يعْمل فِيهِ، فَصَارَ فِي الْفِعْل أَيْضا دلَالَة على الْمَكَان، إِلَّا أَن الْفِعْل دلَالَته على الزَّمَان وعَلى الْمصدر من جِهَة لَفظه، ودلالته على الْمَكَان من جِهَة الْمَعْنى، وَلِأَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل، وَلَا بُد للْفَاعِل من هَيْئَة يكون عَلَيْهَا، وَهُوَ الْحَال نَحْو قَوْلك: قَامَ زيد ضَاحِكا، فَصَارَ من الْفِعْل أَيْضا دلَالَة على [الْهَيْئَة] فَلهَذَا نعدي كل فعل إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة، لاشتراك الْأَفْعَال فِي الحكم الَّذِي ذَكرْنَاهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم منعتم أَن تقوم الْحَال مقَام الْفَاعِل؟
قيل: لِأَن كل فَاعل يجوز أَن يضمر، فَلَو أَقمت الْحَال مقَام الْفَاعِل لجَاز إضمارها، وكل مُضْمر بعد ذكره يجب أَن يكون معرفَة، وَهِي لَا تكون إِلَّا نكره، فَلهَذَا لم يجز أَن تقوم مقَام الْفَاعِل.
وَأما الظروف والمصادر فَتكون معرفَة ونكرة، فَلهَذَا جَازَ أَن نقيمها مقَام الْفَاعِل، وَإِذا لم تسم الْفَاعِل فِي الْأَفْعَال غير المتعدية أَقمت الْمصدر والظرف من الزَّمَان أَو الْمَكَان مقَام الْفَاعِل، وَالْأَحْسَن إِذا أَقمت هَذِه الْأَشْيَاء مقَام الْفَاعِل أَن تكون
стр. 145
معرفَة أَو منعوتة، كَقَوْلِك: ذهب ذهَاب حسن، وَذهب يَوْم الْجُمُعَة، وَلَو قلت: ذهب ذهَاب، أَو ذهب وَقت، لم يحسن، لِأَنَّهُ (لَا) فَائِدَة فِي ذَلِك، إِذْ كَانَ الْفِعْل يدل على وُقُوع ذهَاب فِي وَقت.
وَاعْلَم أَن الظروف مَتى أردْت أَن تقيمها مقَام الْفَاعِل فَلَا بُد من أَن تخرجها من حكم الظّرْف وتجعلها مفعولات، كزيد وَعَمْرو، على سَعَة الْكَلَام. فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الْفَصْل بَين جعلهَا مَنْصُوبَة على الظّرْف وَبَين أَن تجْعَل مفعولات كزيد؟
قيل لَهُ: الْفَصْل بَينهمَا أَنَّهَا إِذا كَانَت مَنْصُوبَة على الظّرْف تَضَمَّنت (فِي) اسْتغْنَاء بِدلَالَة الظّرْف عَلَيْهِ، أَلا ترى أَن قَوْلك: قُمْت الْيَوْم، إِنَّمَا مَعْنَاهُ: قُمْت فِي الْيَوْم، فَحذف (فِي) فوصل الْفِعْل إِلَى الْيَوْم، وَإِنَّمَا ينْفَصل حكم الظّرْف وَغَيره من المفعولين فِي الْإِضْمَار، إِذا قيل لَك: أضمر الْيَوْم، قلت: قُمْت فِيهِ، فأظهرت حرف الْجَرّ، وَإِذا قيل لَك: أضمر زيدا، فِي قَوْلك: ضربت زيدا، قلت: ضَربته، فانفصل الْإِضْمَار فِي اللَّفْظ، وَإِنَّمَا أظهرت الْمُضمر لِأَن لفظ الْمُضمر يدل على اللَّفْظ دون غَيره، فأظهرت (فِي) لتدل بهَا على أَن الْمُضمر ظرف، فَكَمَا كَانَ الظّرْف يتَضَمَّن (فِي) وَهُوَ مفعول، شبه بالمفعول الَّذِي لَا يتَضَمَّن حرف الْجَرّ، لاشْتِرَاكهمَا فِي كَونهمَا مفعولين، فَصَارَ حمل الظّرْف على الْمَفْعُول يفيدنا تَخْفيف اللَّفْظ وَإِسْقَاط حرف الْجَرّ من تقديرنا، وَلم يجز حمل الْمَفْعُول على الظّرْف لِأَن تِلْكَ توجب فعلا فِي النِّيَّة وَاللَّفْظ، وَإِنَّمَا حمل الْمَفْعُول على الظّرْف لما ذَكرْنَاهُ من
следующие страницы →