Полный текст (432 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
(١٣ - بَاب مَا لم يسم فَاعله)
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب إِذا حذف الْفَاعِل أَن يُقَام مقَامه اسْم مَرْفُوع؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل، فَلَمَّا حذف فَاعله على الْحَقِيقَة استقبح أَن يَخْلُو من لفظ الْفَاعِل، فَلهَذَا وَجب أَن يُقيم مقَام اسْم الْفَاعِل اسْما مَرْفُوعا، أَلا ترى أَنهم قَالُوا: مَاتَ زيد، وَسقط الْحَائِط، فَرفعُوا هَذِه الْأَسْمَاء وَإِن لم تكن فاعلة فِي الْحَقِيقَة، وَإِن شِئْنَا جعلنَا الرّفْع فِي الْمَفْعُول الَّذِي قَامَ مقَام الْفَاعِل بعلة أُخْرَى، وَهُوَ حمله على الْفَاعِل، فَمن جِهَة اشتراكهما فِي الْفِعْل صَار خَبرا عَن الْمَفْعُول الَّذِي يتَعَدَّى الْفِعْل إِلَيْهِ مَفْعُولا آخر، كَمَا أقيم مقَام الْفَاعِل؟
قيل: لَا يجب ذَلِك لِأَن الْفِعْل لَيْسَ يفْتَقر إِلَى الْمَفْعُول، كافتقاره إِلَى الْفَاعِل، أَلا ترى أَنَّك قد تقتصر على الْفَاعِل وَحده فِي الْفِعْل الْمُتَعَدِّي فَلَا تذكر الْمَفْعُول، كَقَوْلِك: ضربت وأكرمت، فَإِذا جَازَ إِسْقَاطه فِي هَذَا الْموضع من غير إِقَامَة شَيْء مقَامه، فَكَذَلِك أَيْضا إِذا أقيم مقَام الْفَاعِل لم يجب أَن يُقيم غَيره مقَامه.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم وَجب ضم أول الْفِعْل وَكسر ثَانِيه، إِذا لم يسم فَاعله، وهلا ترك الْفِعْل على حَاله؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا يحب تَغْيِير الْفِعْل إِذا حذفت الْفَاعِل، لِأَن الْمَفْعُول يَصح أَن يكون فَاعِلا للْفِعْل، هَل الْمَفْعُول فَاعل فِي الْحَقِيقَة؟ وَقد قَامَ مقَام الْفَاعِل، فَلهَذَا وَجب تَغْيِير الْفِعْل، وَإِنَّمَا غير أَوله بِالضَّمِّ، لِأَن الضَّم من عَلَامَات الْفَاعِل،
стр. 142
وَكَانَ هَذَا الْفِعْل دَالا على فَاعله، فَوَجَبَ أَن يُحَرك بحركة مَا يدل عَلَيْهِ، وَقد بَينا فِي (شرح كتاب سِيبَوَيْهٍ) الْكَلَام فِي هَذَا وَالْخلاف فِيهِ، وَإِنَّمَا نذْكر هُنَا النكت الَّتِي لَا بُد مِنْهَا وَلَا يلْزم عَلَيْهَا سُؤال.
فَإِن قَالَ قَائِل قَائِل: فَلم كسر ثَانِيه؟
قيل: لما حذف فَاعله الَّذِي لَا يخلوا مِنْهُ، جعل لفظ الْفِعْل على بِنَاء لَا يشركهُ فِيهِ بِنَاء من أبنية الْأَسْمَاء، وَلَا من أبنية الْفِعْل الَّذِي (٣١ / أ) قد سمي فَاعله، فَبنِي على هَذِه الصِّيغَة لهَذِهِ الْعلَّة، وَلَو فتح ثَانِيه أَو حرك بِالضَّمِّ لم تخرج عَن الْأَمْثِلَة الَّتِي فِي الْأَسْمَاء.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم كَانَت الْأَفْعَال المعتلة مَكْسُورَة الْأَوَائِل، نَحْو: سير وَقيل؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن أصل أوائلها الضَّم، وفيهَا ثَلَاث لُغَات للْعَرَب، أَجودهَا: كسر أوائلها، وَالثَّانيَِة: الْإِشَارَة إِلَى الضَّم من غير تَحْقِيق، وَالثَّالِثَة وَهِي أضعفها: ضمهَا على الأَصْل، وقلب مَا يَليهَا واوا، نَحْو قَوْلك: سور، وَقَول، وبوع وصوغ الْخَاتم، إِلَّا أَن الْكسر يستثقل فِي الْوَاو وَالْيَاء، فقلبت إِلَى أول الْكَلِمَة، وسكنت الْوَاو وَالْيَاء. فَأَما الْيَاء فتسلم لانكسار مَا قبلهَا، وَأما الْوَاو فتنقلب لسكونها وانكسار مَا قبلهَا يَاء، وَأما من أَشَارَ إِلَى الضَّم فأرادوا الدّلَالَة على أَن أصل أَوَائِل هَذِه الْأَفْعَال الضَّم، وَأما الَّذِي لَا يضم فيحذف الْحَرَكَة من الْوَاو وَالْيَاء، وَلَا ينقلها إِلَى مَا قبلهَا، فتسكن الْوَاو وَالْيَاء، وَقبل كل وَاحِد مِنْهُمَا ضمة، فَأَما الْوَاو فتسلم لانضمام مَا قبلهَا، وَأما الْيَاء فتنقلب واوا لانضمام مَا قبلهَا، وَكَذَلِكَ تنْقَلب إِذا كَانَ مَا قبلهَا مضموما فِي سَائِر الْكَلَام، نَحْو قَوْلك: موقن،
стр. 143
وَأَصله الْيَاء، لِأَنَّهُ من أيقنت، وَكَذَلِكَ حكم الْوَاو إِذا سكنت وانكسر مَا قبلهَا أَن تنْقَلب يَاء فِي جَمِيع الْكَلَام، كَقَوْلِك: ميزَان، وميعاد، فَأصل الْيَاء الْوَاو، لِأَنَّهَا من الْوَعْد وَالْوَزْن، وَإِنَّمَا اخترنا الْوَجْه الأول، وَهُوَ نقل الْحَرَكَة إِلَى أول الْكَلِمَة، لِأَنَّهُ أخف فِي اللَّفْظ، إِذْ كَانَ ذَوَات الْوَاو كذوات الْيَاء، وَيكون بعض الْحُرُوف المنقلب حَاصِلا فِي الْكَلِمَة، فَلهَذَا كَانَ الْوَجْه الأول مُخْتَارًا، وَالْوَجْه الثَّانِي يقرب من الأول، وَلَفظ الْوَجْه الأول مَوْجُود فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ زِيَادَة فِي الدّلَالَة على أصل الْكَلِمَة، وَإِنَّمَا لم تكن هَذِه الزِّيَادَة أقوى من الْوَجْه الأول، لِأَن على الْمُتَكَلّم مشقة فِي الْإِشَارَة إِلَى الضَّم مَعَ حُصُول الْكسر فِي الْحَرْف، فَيصير كَأَنَّهُ جَامع بَين كسرة وضمة فِي حَال وَاحِدَة، وَهَذَا محَال، فَلَمَّا قَارب فِي هَذَا الحكم لهَذِهِ الزِّيَادَة الْمحَال، وَهُوَ مَعَ هَذَا فِيهِ تكلّف، كَانَ الأول السَّالِم مِمَّا ذكرنَا أَجود، إِن شَاءَ الله.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ساغت الْعبارَة فِي قَوْلكُم: إِن الْأَفْعَال تَنْقَسِم قسمَيْنِ: أَحدهمَا مُتَعَدٍّ، ثمَّ قُلْتُمْ مَعَ هَذَا مَا لَا يتَعَدَّى يتَعَدَّى إِلَى أَرْبَعَة أَشْيَاء، وَهَذَا فِي الظَّاهِر متناقض؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَشْيَاء لَا يقصر فعل من الْأَفْعَال أَن يتَعَدَّى إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَفْعَال كلهَا مُتَسَاوِيَة فِي التَّعَدِّي إِلَيْهَا، وَكَانَ بَعْضهَا يتَعَدَّى إِلَى زِيَادَة عَلَيْهَا، وَبَعضهَا لَا يتَعَدَّى إِلَى هَذِه الزِّيَادَة، صَار مَا جَازَ تعديته إِلَى زِيَادَة عَلَيْهَا مُتَعَدِّيا، إِذْ زَاد حكمه على الْفِعْل الَّذِي لَا يُجَاوز هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة، فَلهَذَا ساغت الْعبارَة بِمَا سَأَلت عَنهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن وَجب أَن يكون كل فعل لَا يقصر عَن الْمُتَعَدِّي إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة؟
стр. 144
قيل لَهُ: لِأَن كل فعل إِنَّمَا يتَعَدَّى على حسب دلَالَته على مَا يتَعَدَّى إِلَيْهِ، وَمَتى لم يدل الْفِعْل (٣١ / ب) على مَا يتَعَدَّى إِلَيْهِ لم يَصح تعديه إِلَيْهِ، فَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرنَا، وَقد علمنَا أَن الْمصدر يدل على الْمصدر وعَلى الزَّمَان، فقد حصل فِيهِ دلَالَة على الْمصدر فيتعدى إِلَيْهِ وَهُوَ الْمَفْعُول الْمُطلق، وتعدى أَيْضا إِلَى الزَّمَان، وَهُوَ مفعول فِيهِ، لدلالته عَلَيْهِ، وَقد أحَاط الْعلم أَن الْفِعْل لَا بُد لَهُ من مَكَان يعْمل فِيهِ، فَصَارَ فِي الْفِعْل أَيْضا دلَالَة على الْمَكَان، إِلَّا أَن الْفِعْل دلَالَته على الزَّمَان وعَلى الْمصدر من جِهَة لَفظه، ودلالته على الْمَكَان من جِهَة الْمَعْنى، وَلِأَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل، وَلَا بُد للْفَاعِل من هَيْئَة يكون عَلَيْهَا، وَهُوَ الْحَال نَحْو قَوْلك: قَامَ زيد ضَاحِكا، فَصَارَ من الْفِعْل أَيْضا دلَالَة على [الْهَيْئَة] فَلهَذَا نعدي كل فعل إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة، لاشتراك الْأَفْعَال فِي الحكم الَّذِي ذَكرْنَاهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم منعتم أَن تقوم الْحَال مقَام الْفَاعِل؟
قيل: لِأَن كل فَاعل يجوز أَن يضمر، فَلَو أَقمت الْحَال مقَام الْفَاعِل لجَاز إضمارها، وكل مُضْمر بعد ذكره يجب أَن يكون معرفَة، وَهِي لَا تكون إِلَّا نكره، فَلهَذَا لم يجز أَن تقوم مقَام الْفَاعِل.
وَأما الظروف والمصادر فَتكون معرفَة ونكرة، فَلهَذَا جَازَ أَن نقيمها مقَام الْفَاعِل، وَإِذا لم تسم الْفَاعِل فِي الْأَفْعَال غير المتعدية أَقمت الْمصدر والظرف من الزَّمَان أَو الْمَكَان مقَام الْفَاعِل، وَالْأَحْسَن إِذا أَقمت هَذِه الْأَشْيَاء مقَام الْفَاعِل أَن تكون
стр. 145
معرفَة أَو منعوتة، كَقَوْلِك: ذهب ذهَاب حسن، وَذهب يَوْم الْجُمُعَة، وَلَو قلت: ذهب ذهَاب، أَو ذهب وَقت، لم يحسن، لِأَنَّهُ (لَا) فَائِدَة فِي ذَلِك، إِذْ كَانَ الْفِعْل يدل على وُقُوع ذهَاب فِي وَقت.
وَاعْلَم أَن الظروف مَتى أردْت أَن تقيمها مقَام الْفَاعِل فَلَا بُد من أَن تخرجها من حكم الظّرْف وتجعلها مفعولات، كزيد وَعَمْرو، على سَعَة الْكَلَام. فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الْفَصْل بَين جعلهَا مَنْصُوبَة على الظّرْف وَبَين أَن تجْعَل مفعولات كزيد؟
قيل لَهُ: الْفَصْل بَينهمَا أَنَّهَا إِذا كَانَت مَنْصُوبَة على الظّرْف تَضَمَّنت (فِي) اسْتغْنَاء بِدلَالَة الظّرْف عَلَيْهِ، أَلا ترى أَن قَوْلك: قُمْت الْيَوْم، إِنَّمَا مَعْنَاهُ: قُمْت فِي الْيَوْم، فَحذف (فِي) فوصل الْفِعْل إِلَى الْيَوْم، وَإِنَّمَا ينْفَصل حكم الظّرْف وَغَيره من المفعولين فِي الْإِضْمَار، إِذا قيل لَك: أضمر الْيَوْم، قلت: قُمْت فِيهِ، فأظهرت حرف الْجَرّ، وَإِذا قيل لَك: أضمر زيدا، فِي قَوْلك: ضربت زيدا، قلت: ضَربته، فانفصل الْإِضْمَار فِي اللَّفْظ، وَإِنَّمَا أظهرت الْمُضمر لِأَن لفظ الْمُضمر يدل على اللَّفْظ دون غَيره، فأظهرت (فِي) لتدل بهَا على أَن الْمُضمر ظرف، فَكَمَا كَانَ الظّرْف يتَضَمَّن (فِي) وَهُوَ مفعول، شبه بالمفعول الَّذِي لَا يتَضَمَّن حرف الْجَرّ، لاشْتِرَاكهمَا فِي كَونهمَا مفعولين، فَصَارَ حمل الظّرْف على الْمَفْعُول يفيدنا تَخْفيف اللَّفْظ وَإِسْقَاط حرف الْجَرّ من تقديرنا، وَلم يجز حمل الْمَفْعُول على الظّرْف لِأَن تِلْكَ توجب فعلا فِي النِّيَّة وَاللَّفْظ، وَإِنَّمَا حمل الْمَفْعُول على الظّرْف لما ذَكرْنَاهُ من
стр. 146
الخفة، فَإِذا جعلت الظّرْف مَفْعُولا على سَعَة الْكَلَام أضمرته، كَمَا تضمر الْمَفْعُول (٣٢ / أ) فَقلت: الْيَوْم قمته، كَمَا تَقول: زيد ضَربته، قَالَ الشَّاعِر:
(وَيَوْم شهدناه سليما وعامرا ... قَلِيل سوى الطعْن النهال نوافله)
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الَّذِي أحْوج إِلَى نقل هَذِه الظروف إِذا أُقِيمَت مقَام الْفَاعِل؟
قيل لَهُ: لِأَن الْفِعْل لَا يتَعَلَّق بِهِ الْفَاعِل بِوَاسِطَة بَينه وَبَين الْفِعْل، فَلَو لم تنقل هَذِه الظروف إِلَى بَاب الْمَفْعُول، كَمَا قد أقمناها مقَام الْفَاعِل، وَهِي مَعَ ذَلِك متضمنة لحرف الْجَرّ، وَلَيْسَ ذَلِك حد الْفَاعِل، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن يكون مَا قَامَ مقَامه لَا يحْتَاج إِلَى حرف الْجَرّ، فَهَذَا سَبَب نقل هَذِه الظروف.
فَإِن قَالَ قَائِل: فالمصدر لَا يتَضَمَّن حرف الْجَرّ فَهَل يحْتَاج إِلَى نقل؟
قيل لَهُ: نعم، وَإِنَّمَا وَجب نَقله لِأَن الْفِعْل يدل عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نذكرهُ بعد الْفِعْل توكيدا، كَقَوْلِك: ضربت ضربا، وَالَّذِي أوجب لَهَا النَّقْل شَيْئَانِ:
أَحدهمَا: أَن النَّقْل لَا بُد لَهُ من فَاعل، فَصَارَ اعْتِمَاد الْكَلَام على الْفَاعِل، والمصدر لَو لم يذكر لدل عَلَيْهِ الْفِعْل، فَلم يجز أَن نقيمه مقَام الْفَاعِل على أَصله، لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى أَن يصير الْفَاعِل لَا يحْتَاج إِلَيْهِ، فَوَجَبَ أَن تنقله إِلَى حكم الْمَفْعُول الَّذِي يدل الْفِعْل عَلَيْهِ، لتحصل الْفَائِدَة، وَلَا يجوز إِسْقَاطه.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْمصدر لما كَانَ يذكر لتوكيد الْفِعْل جرى مجْرى الْفِعْل، فَصَارَ قَوْلك: قُمْت قيَاما، فَلَمَّا كَانَ الْفِعْل لَا يقوم مقَام الْفَاعِل، وَكَذَلِكَ مَا
стр. 147
يقوم مقَامه - وَهُوَ الْمصدر - لَا يجوز أَن تُقِيمهُ مقَام الْفَاعِل حَتَّى تغيره وتنقله إِلَى حكم الْمَفْعُول.
وَاعْلَم أَن الْفِعْل الَّذِي لَا يتَعَدَّى يجوز أَن تعديه بِإِدْخَال الْهمزَة على أَوله، كَقَوْلِك: ذهب زيد، ثمَّ تَقول: أذهب زيد، وَيجوز أَن تعديه بِحرف الْجَرّ، فَتَقول: ذهب زيد بِعَمْرو، وَهَذَانِ القسمان يطردان، وَيجوز أَن تعديه بتَشْديد عين الْفِعْل، كَقَوْلِك: عرف زيد عمرا، وَتقول: عرفت زيدا عمرا، فَإِذا عديت الْفِعْل بِحرف جر فلك أَن تقيم الِاسْم الْمَجْرُور مَعَ الْحَرْف مقَام الْفَاعِل، كَقَوْلِك: ذهبت بزيد، فَإِن ذكرت بعده ظرفا أَو مصدرا فَأَنت بِالْخِيَارِ، إِن شِئْت أَقمت الظّرْف والمصدر مقَام الْفَاعِل، فَصَارَ مَوضِع حرف الْجَرّ مَعَ الْمَجْرُور نصبا، وَإِن شِئْت أَقمت حرف الْجَرّ مَعَ الِاسْم مقَام الْفَاعِل ونصبت الظّرْف والمصدر، وَإِنَّمَا كنت بِالْخِيَارِ لِأَن الِاسْم الْمَجْرُور إِنَّمَا يحسن أَن تُقِيمهُ مقَام الْفَاعِل بِأَن تقدره تَقْدِير اسْم غير مجرور، كَأَنَّك قلت: أذهب زيد، إِذا كَانَت الْبَاء والهمزة تقومان مقَاما وَاحِدًا، فَلَمَّا كَانَ الْمَجْرُور يحْتَاج إِلَى تَقْدِير فعل، كَمَا تحْتَاج الظروف والمصادر، اسْتَوَى حكمهَا، فَلهَذَا صَارَت بِالْخِيَارِ، وَإِن كَانَ مَعَ الْمَجْرُور اسْم لَيْسَ بظرف وَلَا مصدر، لم يجز أَن تقيم الْمَجْرُور مَعَ حرف الْجَرّ مقَام الْفَاعِل، كَقَوْلِك: أعطي لزيد دِرْهَم، فَإِنَّمَا لم يجز ذَلِك لِأَن الدِّرْهَم مفعول يحْتَاج إِلَى ضرب من النَّقْل، فَوَجَبَ إِذا ذكر الْفَاعِل أَن يسْتَعْمل مَا لَا يحْتَاج إِلَى نقل، إِذْ كَانَ أسبق فِي الحكم مِمَّا يحْتَاج إِلَى نقل، فلهذه الْعلَّة لم يجز أَن تقيم الظروف والمصادر مقَام الْفَاعِل، إِذْ كَانَ مَعهَا مَفْعُولا غير مُسْتَعْمل بِحرف جر، إِذْ كَانَت المصادر والظروف (٣٢ / ب) تحْتَاج إِلَى نقل، وَالْمَفْعُول بِهِ لَا يحْتَاج إِلَى نقل.
стр. 148
وَاعْلَم أَن الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعولين يَنْقَسِم قسمَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن تدخل على المبتدإ وَالْخَبَر، نَحْو: (ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا) .
وَالْآخر: أَلا يدْخل على المبتدإ وَالْخَبَر، نَحْو: أَعْطَيْت وكسوت، وامتحانها بِأَن تسْقط الْفِعْل وَإِن كَانَ مَا بَقِي من المفعولين يَصح مِنْهُ كَلَام فَهُوَ الْقسم الأول، أَلا ترى أَنَّك إِذا تَقول: ظَنَنْت زيدا أَخَاك، فحذفت (ظَنَنْت) وَجَاز أَن تَقول: زيد أَخُوك، فَإِذا قلت: أَعْطَيْت زيدا درهما، ثمَّ حذفت (أَعْطَيْت) فَالْوَجْه أَن تقيم مقَام الْفَاعِل الْمَفْعُول الأول، كَقَوْلِك: أعطي زيد درهما، وَإِنَّمَا كَانَ الِاخْتِيَار هَذَا، لِأَن الْمَفْعُول الأول فَاعل فِي الْمَعْنى لأجل الْمَفْعُول الثَّانِي، لِأَنَّهُ أَخذه، فَوَجَبَ أَن تقيم مقَام الْفَاعِل من هُوَ فَاعل فِي الْحَقِيقَة، إِلَّا أَنه يجوز أَن تقيم الثَّانِي مقَام الْفَاعِل وَإِذا لم يشكل أَنه مَأْخُوذ، كَقَوْلِك: أعطي دِرْهَم زيدا، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لاشْتِرَاكهمَا فِي الْفَائِدَة، وَأَن الْفِعْل تعدى إِلَيْهِمَا على طَريقَة وَاحِدَة، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: أَعْطَيْت، فَلَيْسَ فِي الْكَلَام دلَالَة على أَن الْمُعْطِي زيد وَعَمْرو، حَتَّى تَقول: زيدا وعمرا، فتبينه، وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي اللَّفْظ دلَالَة على مَا أعطي زيد، حَتَّى تبينه، فَتَقول: درهما أَو دِينَارا، فَلهَذَا جَازَ إِقَامَة الثَّانِي مقَام الْفَاعِل، فَأَما إِذا كَانَ الثَّانِي مِمَّا يَصح أَن يكون آخِذا للْأولِ، فَلَا يجوز أَن تقيم مقَام الْفَاعِل إِلَّا الأول لِئَلَّا يَنْقَلِب الْمَعْنى، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: أَعْطَيْت زيدا عمرا، فَإِنَّمَا يعلم أَن زيدا أَخذ عمرا، بترتيب اللَّفْظ لِأَنَّك لَو قدمت عمرا، وأخرت زيدا لصار عَمْرو هُوَ الْآخِذ لزيد، فقد بَان لَك أَن الْفَاعِل مِنْهُمَا يعلم بترتيب اللَّفْظ دون الْإِعْرَاب، فَلهَذَا وَجب أَن تقيم الأول مقَام الْفَاعِل، وَأما قَوْلك: أَعْطَيْت زيدا
стр. 149
درهما، فقد علم أَن الدِّرْهَم مَأْخُوذ وَلَا يجوز أَن يكون آخِذا لزيد، فَلم يشكل رَفعه، إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ يدل على المُرَاد. وَأما (ظَنَنْت) فَالْوَجْه أَن تقيم الْمَفْعُول الأول أَيْضا مقَام الْفَاعِل، كَقَوْلِك: ظَنَنْت زيدا أَخَاك، فَإِذا لم تسم الْفَاعِل قلت: ظن زيد أَخَاك، وَإِنَّمَا اختير هَذَا الْوَجْه لِأَن قَوْلك: ظَنَنْت أَخَاك، يدل على أَن زيدا مَعْرُوف، والأخوة مَشْكُوك فِيهَا، لِأَن الشَّك إِنَّمَا يَقع فِي الْخَبَر، فَلَو قدمت (الْأَخ) وأخرت (زيدا) لصار تَرْتِيب اللَّفْظ يدل على هَذَا الْمَعْنى، فَلَو جوزت التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، انْقَلب الْمَعْنى فَلهَذَا لم يجز إِلَّا أَن تَقول: ظَنَنْت زيدا أَخَاك، فَيكون الأول معرفَة، وَالثَّانِي نكرَة، فَيجوز على هَذَا الْوَجْه أَن تقيم الْمَفْعُول الثَّانِي مقَام الْفَاعِل، إِلَّا أَن الْمُبْتَدَأ حَقه أَن يكون معرفَة، وَالْخَبَر نكرَة، فَصَارَ من أجل هَذِه الدّلَالَة ظَاهر الْكَلَام يدل على أَن الشَّك وَقع فِي خبر زيد لَا فِي زيد.
وَأما مَا يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفعولين، فَإِنَّهُ وَجب أَن يقوم الأول مِنْهُم مقَام الْفَاعِل لِأَنَّهُ الْفَاعِل فِي الْمَعْنى، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: علم زيد عمرا خير النَّاس، وَجب أَن يكون (زيدا) فَاعِلا، فَإِن قلت: أعلم الله زيدا عمرا خير النَّاس. صَار (زيد) مَفْعُولا، فَإِذا لم تسم الْفَاعِل وَجب أَن تقيم مقَام الْفَاعِل من كَانَ فَاعِلا فِي الأَصْل، وَاعْلَم أَن الِاسْم إِذا قَامَ مقَام الْفَاعِل جرى (٣٣ / أ) مجْرى الْفَاعِل فِي الْإِضْمَار والإظهار، فَتَقول على هَذَا، إِذا أَقمت نَفسك مقَام الْفَاعِل: ضربت، كَمَا تَقول: قُمْت، إِذا كنت فَاعِلا على الْحَقِيقَة، وَكَذَلِكَ تَقول: زيد ضرب، فَترفع (زيدا) بِالِابْتِدَاءِ، ويستتر ضَمِيره فِي الْفِعْل، كَمَا تَقول: زيد قَامَ، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَنَّهُ قَامَ مقَام الْفَاعِل فِي اللَّفْظ فِي حَال الْإِضْمَار، كَمَا وَجب أَن يُسَاوِيه فِي حَال الْإِظْهَار.
стр. 150
(١٤ - بَاب ظَنَنْت وحسبت وَعلمت وخلت وَأَخَوَاتهَا)
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب أَن تتعدى هَذِه الْأَفْعَال إِلَى مفعولين؟
قيل لَهُ: لِأَن أَصْلهَا أَن تدخل على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، والمبتدأ لَا بُد لَهُ من خبر، فَوَجَبَ لدخولها عَلَيْهِمَا أَن ينتصبا.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَنْت إِذا قلت: ظَنَنْت زيدا خَارِجا، فالشك إِنَّمَا وَقع فِي خُرُوجه لَا فِي زيد، فَلم وَجب أَن ينْتَصب زيد؟
فَأَما الْفَائِدَة من ذكره فَليعلم من الَّذِي وَقع الشَّك فِي خُرُوجه، فَلَو لم يذكر زيد لم يعلم صَاحب الْخُرُوج، فَلهَذَا وَجب ذكر زيد. وَإِنَّمَا عمل فِيهِ الْفِعْل نصبا إِذْ كَانَ هُوَ وَالْخَبَر شَيْئا وَاحِدًا، وَالْفِعْل قد اسْتغنى بفاعله، فَوَجَبَ نَصبه، إِذْ قد جرى مجْرى الْمَفْعُول الْمَحْض.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ التَّعَدِّي فِي هَذِه الْأَفْعَال فِي الْجُمْلَة، وَلَيْسَت بمؤثرة فِي الْمَفْعُول، إِذْ كَانَ الْفَاعِل يخبر عَمَّا اسْتَقر فِي قلبه من علم أَو شكّ؟
قيل لَهُ: هِيَ وَإِن لم تكن مُؤثرَة فقد تعلق الظَّن بمظنون، وَلَيْسَ كل فعل يعْمل يكون مؤثرا، أَلا ترى أَنَّك تَقول: ذكرت زيدا، وَإِن كَانَ مَيتا، فَإِذا حصل الْفِعْل تعلق بمفعول تعدى إِلَيْهِ، فَلهَذَا جَازَ أَن تتعدى هَذِه الْأَفْعَال.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ إلغاؤها إِذا توسطت بَين المفعولين أَو تَأَخَّرت؟
قيل لَهُ: لِأَنَّك إِذا ابتدأت بِالِاسْمِ، فقد حصل على لفظ الْيَقِين، كَانَت هَذِه
стр. 151
الْأَفْعَال ضَعِيفَة فِي الْعَمَل، وَوَجَب أَن يحمل الْخَبَر على مَا اعْتقد عَلَيْهِ الْكَلَام، وَهُوَ الْيَقِين، وَجعل الْفِعْل فِي هَذَا الْموضع فِي تَقْدِير الظّرْف، وَإِن أوجب شكا فِي الْجُمْلَة، كَقَوْلِك: زيد منطلق فِي ظَنِّي فَلَمَّا كَانَ قَوْلك: (فِي ظَنِّي) لَا يعْمل فِيمَا قبله، جعل أَيْضا: زيد منطلق ظَنَنْت، كَأَنَّك قلت: فِي ظَنِّي.
وَأما من أعمل الْفِعْل إِذا توَسط أَو تَأَخّر، فَلِأَنَّهُ حمل الْكَلَام على مَا فِي نِيَّته من الشَّك، فَصَارَ الْفِعْل - وَإِن تَأَخّر - مقدما فِي الْمَعْنى، فَلهَذَا جَازَ إعماله.
فَإِن قَالَ قَائِل: فقد وجدنَا الْعَرَب تَقول: حسبت ذَاك، فتكتفي باسم وَاحِد، وَكَذَلِكَ تَقول: حسبت أَن زيدا منطلق، ف (أَن) وَمَا بعْدهَا فِي تَقْدِير اسْم، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْمصدر، كَأَنَّك قلت: حسبت انطلاق زيد، وَلما تكلم بِهَذَا التَّقْدِير لم يَصح؟
قيل: أما قَوْلهم: حسبت ذَاك. فَفِيهِ وَجْهَان:
أَحدهمَا: أَن يكون ذَاك إِشَارَة إِلَى الْمصدر، كَأَنَّك قلت: حسبت ذَاك الحسبان، وكل فعل يجوز أَن يقْتَصر على فَاعله، إِن شِئْت عديته إِلَى الْمصدر أَو الظّرْف أَو الْحَال، فَلَمَّا كَانَ لَيْسَ يُرَاد بِهِ الْمُبْتَدَأ حَتَّى يحْتَاج إِلَى خبر، جَازَ قَوْلك: حسبت ذَاك، فَجرى مجْرى (حسبت) فَقَط.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن (ذَاك) يعبر بِهِ عَن الْجُمْلَة، فَلَمَّا صَار عبارَة عَن الْجُمْلَة
стр. 152
جَازَ أَن يكْتَفى بِهِ عَن المفعولين، أَلا ترى أَن الْقَائِل يَقُول: زيد منطلق (٣٣ / ب) فَتَقول لَهُ: قد بَلغنِي ذَاك، تُرِيدُ بِهِ مَا تقدم من الْجُمْلَة، وَأما اقتصارهم ب (أَن) وَمَا بعْدهَا عَن المفعولين، فَلِأَن (أَن) تدخل على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، كدخول (ظَنَنْت) عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا حصل بعد (أَن) مَا تَقْتَضِيه هَذِه الْأَفْعَال اسْتغنى الْكَلَام بذلك، لِأَن الْفَائِدَة قد حصلت، وَصَارَ دُخُول (أَن) لتوكيد الظَّن، وَأما إِذا أسقطت لفظ الْجُمْلَة بعد (أَن) وَجئْت بِلَفْظ الْمصدر لم يجز الِاقْتِصَار على ذَاك، إِذْ كَانَت لَيْسَ فِي لفظ الْجُمْلَة، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم مُفْرد، وَقد بَينا أَن هَذِه الْأَفْعَال لدخولها على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر لَا يقْتَصر بهَا على مفعول وَاحِد.
وَفِي إِيجَاب المفعولين بعد هَذِه الْأَفْعَال عِلّة أُخْرَى، وَهُوَ أَن قَوْلك: حسبت زيدا مُنْطَلقًا، قد بَينا أَن الحسبان قد وَقع فِي الانطلاق، فَلَو اقتصرت على ذكر الانطلاق لم يعلم لمن هُوَ، وَلَو ذكرت (زيدا) وَحده كنت قد أتيت باسم لم يَقع فِيهِ شكّ، فاقتصرت عَلَيْهِ، وَلَا يجوز أَن تَأتي بِلَفْظ لَا فَائِدَة بِهِ، فَصَارَ كل وَاحِد من المفعولين لَا بُد لَهُ من الآخر، فاعرفه.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم صَار بعض هَذِه الْأَفْعَال قد يجوز أَن يتَعَدَّى إِلَى وَاحِد مرّة، وَإِلَى اثْنَيْنِ، وَهُوَ: (ظَنَنْت وَرَأَيْت وَعلمت وَوجدت) وَالْقسم الثَّانِي لَيْسَ لَهُ إِلَّا طَريقَة وَاحِدَة؟
قيل لَهُ: لِأَن (حسبت وخلت) قد علمت أَن بَابهَا الشَّك، وَهُوَ التَّعَدِّي إِلَى مفعولين، وحولت (ظَنَنْت) من بَاب الشَّك إِلَى بَاب التُّهْمَة، إِذْ كَانَ ذَلِك إخراجا لَهَا عَن أَصْلهَا، وَجَوَاز هَذَا الْمَعْنى فِي وَاحِدهَا يُغني عَن سائرها، فَلهَذَا خَالَفت (ظَنَنْت) أخواتها.
стр. 153
فَأَما (علمت وَرَأَيْت وَوجدت) فاستعملت على الْمَعْنيين اللَّذين ذكرناهما فِي الشَّرْح، فَجَاز أَن يخْتَلف عَملهَا لاخْتِلَاف مَعْنَاهَا.
وَأما الْأَفْعَال الَّتِي تتعدى إِلَى مفعولين إِذا لم يسم فاعلها، نَحْو: أعلمت وأريت وأنبئت، ونبئت، فَالْأَصْل: علم وَرَأى ونبأ وأنبأ، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهَا الْهمزَة، وشددوا عين الْفِعْل، صَارَت متعدية إِلَى ثَلَاثَة مفعولين، وَقد بَينا أَن الْمَفْعُول كَانَ فِي الأَصْل مصدرا، فَلم يجز إِلَّا تعديتها، وَكَانَ أَبُو عُثْمَان الْمَازِني يُجِيز الِاقْتِصَار على الْمَفْعُول الأول، كَقَوْلِك: أعلمت زيدا، وتسكت، وعَلى هَذَا الْقيَاس يجوز ذَلِك فِي ثَانِي الْأَفْعَال، ليجري الْأَمر فِيهَا مجْرى وَاحِدًا، وَاعْلَم أَن (أعلمت) إِذا لم تسم الْفَاعِل فِيهَا، ثمَّ وسطتها بَين المفعولين، فَالْقِيَاس فِيهَا أَلا تلغى كإلغاء (ظَنَنْت) لِأَنَّهَا قد صَارَت بِالنَّقْلِ الَّذِي دخل فِيهَا بِمَنْزِلَة الْفِعْل الْمُتَعَدِّي فِي الْحَقِيقَة، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: أعلمت زيدا عمرا خير النَّاس، فقد أوصلت إِلَى زيد علما، كَمَا أَنَّك إِذا قلت: أَعْطَيْت زيدا درهما، فقد أوصلت إِلَى زيد درهما، فَلهَذَا خَالَفت بَاب (ظَنَنْت وأخواته) فاعلمه.
стр. 154
(١٥ - بَاب نعم وَبئسَ)
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب أَن يلْزم (نعم وَبئسَ) الْجِنْس؟
فَفِي ذَلِك وَجْهَان:
أَحدهمَا: يحْكى عَن الزّجاج أَنَّهُمَا لما وضعا للمدح والذم الْعَام خصا بِأَن يليهما لفظ عَام.
وَالْوَجْه الآخر: أَن لفظ الْجِنْس إِنَّمَا وَجب تَقْدِيره إِلَى جنب (نعم وَبئسَ) ليدل بذلك على أَن الممدوح قد حصل لَهُ من الْفضل مَا فِي الْجِنْس، فَإِذا قلت: نعم الرجل زيد، دللت بِلَفْظ (الرجل) أَنه فَاضل فِي الرِّجَال، وَكَذَلِكَ إِذا قلت: نعم الظريف زيد، دللت بذلك أَن زيدا (٣٤ / أ) ممدوح فِي الظراف، فَلهَذَا وَجب تَقْدِير الْجِنْس.
فَإِن قَالَ قَائِل: من أَيْن جَازَ فِي (نعم وَبئسَ) أَربع لُغَات، وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا ثَانِيه حرف حلقي، مِمَّا هُوَ على ثَلَاثَة أحرف، اسْما كَانَ أَو فعلا، نَحْو: فَخذ، وحروف الْحلق سِتَّة، وَهِي الْهمزَة وَالْهَاء والحاء وَالْخَاء وَالْعين والغين؟
стр. 155
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن حُرُوف الْحلق لما كَانَ بَعْضهَا مستعليا، وَبَعضهَا قريب من الْألف، فالهمزة مقاربة الْألف، وَالْفَتْح قريب من الكسرة، أتبع الْفَتْح الْكسر، ليَكُون الْكَلَام على طَريقَة وَاحِدَة، كَمَا يتبع الْفَتْح الْألف الممالة، فَلَمَّا جَازَ إتباع الكسرة تتَابع فِي الْفِعْل كسرتان، فسكن الثَّانِي للاستثقال.
فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا كَانَ الإسكان جَائِزا فِي أصل الْفِعْل قبل إتباعه، فَفِيمَ الإسكان بعد ذَلِك؟
قيل لَهُ: لِأَن الإسكان بعد الِاتِّبَاع أقوى، لِأَن إسكان فَتْحة بعْدهَا كسرة أقوى من إسكان كسرة قبلهَا فَتْحة، لثقل الكسرتين، فَيجوز أَن يكون أتبعوا ليَكُون أَعلَى فِي الإسكان.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن زعمتم أَن أصل هذَيْن الْفِعْلَيْنِ (فعل) ، وهلا كَانَ على (فعل) أَو (فعول) ؟
قيل لَهُ: الدَّلِيل على أَن (فعل) لَا يجوز إسكانه لخفة الْفَتْح، فَيسْقط أَن يكون على (فعل) ، وَجَوَاز كسر أَولهمَا دلَالَة (فعل) دون (فعل) ، لِأَن الثَّانِي لَو كَانَ مضموما فيهمَا لم يجز كسر الأول، لِأَنَّهُ لَا كسر بعده، فتكسر الأول للكسرة الَّتِي بعده، وَلَا يجوز أَن يكون الأَصْل فيهمَا كسر الأول وَضم الثَّانِي، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي أبنيتهم، وَلَا يُوجد فِي كَلَامهم كسرة بعْدهَا ضمة لَازِمَة، فَوَجَبَ أَن يَكُونَا (فعل) لما ذَكرْنَاهُ.
стр. 156
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم زعمتم أَنَّهُمَا فعلان، وَقد وجدنَا الْعَرَب تدخل عَلَيْهِمَا حرف الْجَرّ كَقَوْل الشَّاعِر:
(أَلَسْت بنعم الْجَار يؤلف بَيته ... )
وَرُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا بشر بمولودة فَقيل لَهُ: نعم المولدة مولودتك، فَقَالَ: وَالله مَا هِيَ بنعم المولودة، نصرها بكاء، وبرها سَرقَة؟
قيل لَهُ: أما الدَّلِيل على أَنَّهُمَا فعلان ثبات عَلامَة التَّأْنِيث فيهمَا على حد ثباتهما فِي الْفِعْل، نَحْو: نعمت وبئست، كَمَا تَقول قَامَت وَقَعَدت، فَلَو كَانَا اسْمَيْنِ، لَكَانَ الْوَقْف عَلَيْهِمَا بِالْهَاءِ، فَلَمَّا وقف عَلَيْهِمَا بِالتَّاءِ، علم أَنَّهُمَا فعلان، وليسا باسمين.
وَأما كَونهمَا حرفين فَلَا شُبْهَة فِي بُطْلَانه، لاستتار الضَّمِير فيهمَا، وَلَا يسْتَتر ضمير الْفَاعِل إِلَّا فِي الْأَفْعَال. وَأما جَوَاز دُخُول الْبَاء عَلَيْهِمَا فَإِن ذَلِك عندنَا على معنى الْحِكَايَة، كَأَنَّهُ حكى مَا قَالَ لَهُ، وحروف الْجَرّ تدخل على الْفِعْل الَّذِي
стр. 157
لَا شُبْهَة فِيهِ على هَذَا الْوَجْه، كَمَا قَالَ:
(وَالله مَا زيد بنام صَاحبه ... )
فَإِذا جَازَ دُخُول الْبَاء على طَرِيق الْحِكَايَة، فَلَيْسَ بمنكور دُخُول الْبَاء على (نعم) الَّتِي فِيهَا بعض الْإِشْكَال، فقد ثَبت بِمَا أوردناه أَنَّهَا فعل لَا اسْم، وَالله أعلم.
فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا نصبتم النكرَة بعد (نعم وَبئسَ) على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ، لِأَن فيهمَا إِضْمَار الْفَاعِل، فَهَل يجوز إِظْهَار ذَلِك الْفَاعِل مَعَ بَقَاء الْمَنْصُوب؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن سِيبَوَيْهٍ يمْنَع مِنْهُ، وَأما أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فقد اخْتَارَهُ، وَهُوَ قَوْلك: نعم الرجل رجلا زيد. فَأَما امْتنَاع جَوَازه فَلِأَن أحد الرجلَيْن يكفى عَن الآخر، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا اسْم للْجِنْس، فَلَا وَجه للْجمع بَينهمَا، (٣٤ / ب) وَأَبُو الْعَبَّاس أجَازه على طَرِيق التوكيد.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم خصت بِجَوَاز الْإِضْمَار قبل الذّكر؟
قيل لَهُ: لِأَن الْمُضمر قبل الذّكر على شريطة التَّفْسِير فِيهِ شُبْهَة من النكرَة، إِذْ كَانَ لَا يفهم إِلَى من يرجع حَتَّى تفسره، وَقد بَينا أَن (نعم وَبئسَ) لَا يجوز أَن يليهما معرفَة مَحْضَة، فَصَارَ الضَّمِير على شريطة التَّفْسِير لما فِيهِ الْألف وَاللَّام من أَسمَاء الْجِنْس.
стр. 158
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الْفَائِدَة فِي هَذَا الْإِضْمَار، وهلا اقتصروا على قَوْلهم: نعم الرجل زيد؟
قيل لَهُ: الْفَائِدَة تَخْفيف اللَّفْظ، وَذَلِكَ أَنهم إِذا أضمروا فِيهَا، احتاجوا إِلَى مُفَسّر نكرَة مَنْصُوبَة وَهِي أخف من معرفَة فِيهَا الْألف وَاللَّام، فَلَمَّا كَانَ الْمُضمر لَا يظْهر، وَكَانَ مَا يفسره خَفِيفا، أضمروا فِيهَا، ليخف اللَّفْظ عَلَيْهِم، وَلَو اقتصروا على إِضْمَار الْفَاعِل، لَكَانَ ذَلِك شَائِعا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا ثنوا الضَّمِير وجمعوه، كَمَا يثنون الِاسْم الظَّاهِر، نَحْو: نعم الرّجلَانِ الزيدان؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَنهم إِنَّمَا أضمروا على شريطة التَّفْسِير، ليخف اللَّفْظ، فَلَمَّا كَانَ الْمُفَسّر يثنى وَيجمع، وَفِيه دلَالَة على أَن الْمُضمر يجْرِي مجْرَاه، استغنوا عَن تَثْنِيَة الضَّمِير بِمَا أظهرُوا من تَثْنِيَة الْمُفَسّر وَجمعه، فَلَو ثنوا الضَّمِير وجمعوه، لوَلِيّ (نعم وَبئسَ) اسمان لَيْسَ فِي لَفْظهمَا دلَالَة على الْجِنْس، فَلهَذَا لم يثن وَيجمع الْمُضمر فيهمَا.
إِذا قلت نعم الرجل زيد، فزيد رفع بِالِابْتِدَاءِ، وَنعم الرجل: خَبره، وَلَيْسَ فِي الْجُمْلَة ضمير يرجع إِلَى المبتدإ، وَمثل هَذَا لَا يجوز فِي غير هذَيْن الْفِعْلَيْنِ؟
قيل لَهُ: لم يجز فِي غَيرهمَا من الْأَفْعَال لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن قَوْلك: زيد قَامَ الرجل، لَو جوزناه لالتبس الْكَلَام، لِأَن قَوْلك: قَامَ الرجل، يجوز أَن يكون كلَاما تَاما قَائِما بِنَفسِهِ، فَلَا يعلم هَل هُوَ خبر الِابْتِدَاء، أَو هُوَ اسْتِئْنَاف جملَة أُخْرَى مُنْقَطِعَة مِمَّا قبلهَا، وَأما (نعم الرجل) فَلَا
стр. 159
يتَوَهَّم فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يقْتَصر عَلَيْهِ، فَصَارَ تعلقه بِمَا قبله كتعلق الضَّمِير بِمَا قبله، كَقَوْلِك: زيد قَامَ، فَجرى الْمظهر بعد (نعم وَبئسَ) مجْرى الْمُضمر فِي غَيرهمَا من الْأَفْعَال.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن قَوْلك: زيد نعم الرجل، مَحْمُول على مَعْنَاهُ، إِذْ كَانَ قَوْلك: نعم الرجل، يقوم مقَام (زيد) الممدوح فِي الرِّجَال، فَلَمَّا قَامَ مقَامه فِي الْمَعْنى اكْتفي بِهِ، وَلم يكن فِي غَيره من الْأَفْعَال هَذَا الْمَعْنى، فَلهَذَا اخْتلفَا.
فَإِن قَالَ قَائِل: من أَيْن حسن إِسْقَاط عَلامَة التَّأْنِيث من (نعم وَبئسَ) إِذا وليهما مؤنث، وَلم يجز فِي غَيرهمَا من الْأَفْعَال؟
قيل لَهُ: قد ذكرنَا فِي الشَّرْح وَجها آخر أَجود مِنْهُ، وَهُوَ أَن الْمُؤَنَّث الَّذِي يَلِي (نعم وَبئسَ) يجب أَن يكون اسْم جنس يجْرِي مجْرى الْجمع، وَالْفِعْل إِذا كَانَ للْجَمَاعَة - وَإِن كَانُوا مؤنثين - ذكر فعلهم، كَقَوْلِك: قَامَ النسْوَة، فَلهَذَا حسن التَّذْكِير فِي هذَيْن الْفِعْلَيْنِ.
стр. 160
(١٦ - بَاب حبذا)
إِن قَالَ قَائِل: مَا الأَصْل فِي (حب) ؟
قيل لَهُ: الأَصْل فِيهِ (فعل) على وزن (كرم) ، فحذفت الضمة من الْبَاء الأولى وأدغمت فِي الْبَاء الثَّانِيَة.
وَإِنَّمَا حكمنَا عَلَيْهَا ب (فعل) من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن اسْم الْفَاعِل مِنْهَا (حبيب) ، و (فعيل) أَكثر مَا يكون (٣٥ / أ) لما ماضيه على (فعل) ، نَحْو: كرم فَهُوَ كريم، وَلِأَن الْأَفْعَال إِذا أُرِيد مِنْهَا على مَا يُرَاد فِي (نعم وَبئسَ) ، فَأكْثر مَا يسْتَعْمل على (فعل) كَقَوْلِك: حسن رجلا زيد، فَلَمَّا اسْتعْملت (حبذا) اسْتِعْمَال (نعم) - وَإِن كَانَت نعم على وزن (فعل) - وَجب أَن يحمل (حبذا) على (فعل) ، لِكَثْرَة (فعل) فِي هَذَا الْبَاب.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الَّذِي أحْوج أَن يَجْعَل (حب) مَعَ (ذَا) اسْما وَاحِدًا؟
قيل: يجوز أَن يكون الْغَرَض تَخْفيف اللَّفْظ، لأَنهم إِذا قدروها بِمَنْزِلَة شَيْء استغنوا عَن تَثْنِيَة (ذَا) وتأنيثه، فَلهَذَا جعلا شَيْئا وَاحِدًا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم صَار لفظ التَّذْكِير أولى من لفظ التَّأْنِيث؟
قيل لَهُ: لِأَن الْمُذكر قبل الْمُؤَنَّث، وَهُوَ كالأصل لَهُ، فَلَمَّا أَرَادوا تركيب حرف اسْم، كَانَ تركيبه مَعَ الْمُذكر السَّابِق للمؤنث أولى من الْمُؤَنَّث.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم خص بالتركيب مَعَ (ذَا) من بَين سَائِر الْأَسْمَاء؟
стр. 161
قيل لَهُ: لِأَن (ذَا) اسْم مُبْهَم ينعَت بأسماء الْأَجْنَاس، وَقد بَينا أَن لفظ الْجِنْس يسْتَحق أَن يَقع بعد (نعم وَبئسَ) ، فَوَجَبَ أَن يجْرِي مجْراهَا، فركبوها مَعَ اسْم يَقْتَضِي النَّعْت بِالْجِنْسِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم غلبتم على (حبذا) الاسمية، وقلتم: إنَّهُمَا صَارا بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد؟
قيل: وجدنَا فِي الْأَسْمَاء اسْمَيْنِ جعلا بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد، فَوَجَبَ أَن يحمل (حبذا) على حكم الاسمية، لوُجُود النظير فِي الْأَسْمَاء، وَلم يجز حملهَا على الْفِعْل لعدم النظير.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الِاسْم أقوى من الْفِعْل، فَلَو جعلا شَيْئا وَاحِدًا، وَجب أَن يغلب عَلَيْهِمَا حكم الاسمية، لقُوَّة الِاسْم وَضعف الْفِعْل، فَإِذا وَجب هَذَا، جَازَ أَن تَقول: حبذا زيد، فتجعل (حبذا) اسْما مُبْتَدأ، وَزيد: خَبره، فاعرفه.
стр. 162
(١٧ - بَاب الْإِضْمَار)
إِن قَالَ قَائِل: مَا وَجه تَكْرِير الْعَرَب: الْأسد الْأسد، وَالطَّرِيق الطَّرِيق، إِذا أَرَادوا التحذير؟
قيل لَهُ: وَجه ذَلِك أَنهم جعلُوا أحد الاسمين عوضا من الْفِعْل الْمَحْذُوف، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنهم إِذا أسقطوا أحد الاسمين جوزوا إِظْهَار الْفِعْل، كَقَوْلِك: احذر الْأسد، فَإِذا كرروا لم يظهروا الْفِعْل، فَدلَّ ذَلِك على أَنهم جعلُوا [أحد] الاسمين عوضا من الْفِعْل، وَالْوَجْه أَن يكون الْعِوَض هُوَ الأول، كَمَا أَن الْفِعْل يجب أَن يكون مقدما على الْمَفْعُول.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم قدرتم الْفِعْل فِي (إياك) بِغَيْر تَكْرِير، كَقَوْلِك: إياك، تُرِيدُونَ: إياك احذر؟
قيل لَهُ: لِأَن (إياك) لَا يجوز أَن يَقع فعل قبلهَا، لِأَنَّك لَا تقدر الْكَاف وَلَا يجوز أَن تَقول: ضربت إياك، لِأَنَّك تقدر أَن تَقول: ضربتك، فَلهَذَا وَجب تَقْدِير الْفِعْل بعد (إياك) .
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم لَا تضمر الْفِعْل إِذا كَانَ يتَعَدَّى بِحرف جر؟
قيل لَهُ: لَو أضمرنا لوَجَبَ أَن يبْقى الِاسْم مجرورا، لتقدير حرف الْجَرّ، وَلَو
стр. 163
فعلنَا هَذَا لَكنا قد أضمرنا حرف الْجَرّ، وَهَذَا لَا يجوز، لِأَن حرف الْجَرّ يجْرِي فِي الضعْف مجْرى حُرُوف الْجَزْم، وحروف الْجَزْم لَا تضمر، وَكَذَلِكَ حُرُوف الْجَرّ، وَجُمْلَة الْأَمر أَن جَمِيع الْحُرُوف لَا يجوز إضمارها لِضعْفِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ إِضْمَار الْفِعْل لقُوته، إِذْ كَانَ متصرفا فَيعْمل فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْحُرُوف نَاقِصَة عَن حكم الْفِعْل، لم يجز أَن تعْمل مضمرة، وَأَيْضًا فَإِن (٣٥ / ب) الْمصدر إِذا كَانَ يُمكن أَن يقدر فعلا ينصب بِنَفسِهِ، وَأمكن أَن يقدر فعلا يصل بِحرف جر، وَجب تَقْدِير شَيْء وَاحِد، إِذْ كَانَ تَقْدِيره يَنُوب عَن شَيْئَيْنِ، وَصَارَ بذلك أولى لخفة حكمه.
وَاعْلَم أَن إِضْمَار الْفِعْل يَقع فِي كَلَام الْعَرَب على ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: لَا يجوز إِظْهَاره.
وَالْآخر: يجوز أَن يضمر وَيظْهر.
وَالثَّالِث: لَا يجوز إضماره فَأَما مَا لَا يجوز إِظْهَاره: فنحو مَا ذَكرْنَاهُ من: إياك وزيدا، وَكَذَلِكَ مَا تكَرر من الْأَسْمَاء، نَحْو: الطَّرِيق الطَّرِيق، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ أحد الاسمين مَعْطُوفًا على الآخر لم يجز إِظْهَار الْفِعْل، كَقَوْلِك: رَأسك والجدار.
وَأما مَا يجوز إِظْهَاره وإضماره فَإِنَّهُ يجْرِي ذكر الْفِعْل، أَو يكون الاسمان فِي حَال الْفِعْل، كَقَوْلِك: زيدا، إِذا سَمِعت ذكر ضرب، أَو رَأَيْت إنْسَانا يُرِيد أَن يضْرب، فَأَنت بِالْخِيَارِ إِن شِئْت قلت: اضْرِب زيدا، وَإِن شِئْت حذفت الْفِعْل لدلَالَة الْحَال عَلَيْهِ.
فَأَما الْوَجْه الثَّالِث: فَأن تَقول: زيدا، فتضمر الْفِعْل، وَهُوَ لم يجر لَهُ ذكر، فَهَذَا لَا يجوز، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أَنَّك تُرِيدُ: اضْرِب زيدا، أَو أكْرمه، فَلَمَّا لم يكن
стр. 164
على الضَّمِير دَلِيل لم يجز.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم خصت الْعَرَب (إياك) وَحدهَا من بَين سَائِر أخواتها، فَلم يستعملوا مَعهَا الْفِعْل - وَإِن أفردت - كَقَوْلِك: إياك، إِذا أردْت: احذر؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (إياك) أقاموها مقَام فعل الْأَمر، فَلم يجز إِظْهَار الْفِعْل مَعهَا، أما غَيرهَا من الْأَسْمَاء فَلم يقم مقَام الْفِعْل مَعَه، فَجَاز إِظْهَار الْفِعْل مَعَه، وَإِنَّمَا خص (إياك) بِهَذَا، لِأَنَّهُ اسْم لَا يَقع إِلَّا عَلامَة للمنصوب، فَصَارَ لَفظه يدل على كَونه مَفْعُولا، وَأما غَيره من الْأَسْمَاء فَيصح أَن يَقع مَنْصُوبًا أَو مَرْفُوعا أَو مجرورا، فَلَمَّا لم يخْتَص من الْأَسْمَاء اخْتِصَاص النصب الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِعْل الناصب، لم يقم مقَامه، وَلما اخْتصّت (إياك) بِهَذَا الْمَعْنى، جَازَ أَن تقوم مقَام الْفِعْل، فاعرفه.
стр. 165
(١٨ - بَاب اسْم الْفَاعِل)
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب لاسم الْفَاعِل أَن يجْرِي مجْرى الْفِعْل، إِذا أُرِيد بِهِ الْحَال والاستقبال، وَلم يجز هَذَا الْمَعْنى فِيهِ، إِذا أُرِيد بِهِ الْمُضِيّ، وَلزِمَ وَجها وَاحِدًا، وَهُوَ الْجَرّ؟
قيل لَهُ: لِأَن أصل الْأَسْمَاء أَلا تعْمل إِلَّا الْجَرّ، وأصل الْأَفْعَال أَن تعْمل فِي الْمَفْعُول إِلَّا أَن الْفِعْل الْمُضَارع قد أشبه الِاسْم من وُجُوه، قد ذَكرنَاهَا فِي صدر الْكتاب، أوجبت لَهُ الْإِعْرَاب بعد أَن كَانَ مُسْتَحقّا للْبِنَاء على السّكُون، فَكَذَلِك الِاسْم أَيْضا حمل على الْفِعْل الْمُضَارع فَعمل عمله، وَأما الْفِعْل الْمَاضِي فَلم يشابه الِاسْم مشابهة قَوِيَّة، فَلهَذَا لم يزدْ على الْبناء على الْفَتْح، وَكَذَلِكَ يجب فِي الِاسْم الَّذِي مَعْنَاهُ أَلا يزَال عَن أَصله، وَالْأَصْل فِي الْأَسْمَاء أَلا تعْمل إِلَّا الْجَرّ، لما ذَكرْنَاهُ أَيْضا فِي (بَاب الْجَرّ) فَبَقيَ اسْم الْفَاعِل إِذا أُرِيد بِهِ الْمَاضِي على أَصله، وَجَاز فِي اسْم الْفَاعِل أَن ينصب إِذا أُرِيد بِهِ الْحَال والاستقبال، حملا على الْمُضَارع لما بَينهمَا من الشّبَه.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ فِي اسْم الْفَاعِل - إِذا أُرِيد بِهِ الْحَال والاستقبال - الْجَرّ، وَقد اسْتَقَرَّتْ مشابهته للْفِعْل، وهلا امْتنع من الْجَرّ، كَمَا امْتنع (٣٦ / أ) الْفِعْل الْمُضَارع من الْبناء، إِذْ كَانَ بِحُصُول شبهه بالأسماء يسْتَحق الْإِعْرَاب؟
стр. 166
قيل لَهُ: لِأَن اسْم الْفَاعِل - وَإِن أجري مجْرى الْفِعْل - لم يخرج عَن حكم الاسمية، وَلأَجل كَونه اسْما، جَازَ أَن يجر مَا بعده، وَلأَجل مَا بَينه وَبَين الْمُضَارع من الشّبَه، جَازَ أَن ينصب، وَأما الْفِعْل الْمُضَارع فقد جَازَ فِيهِ أَيْضا الرَّد إِلَى أَصله، وَهُوَ السّكُون، وَذَلِكَ إِذا لحقته عَلامَة جمَاعَة النِّسَاء، كَقَوْلِك: الهندات يضربن، فقد اسْتَوَى حكم نون الْفَاعِل وَالْفِعْل الْمُضَارع، فِيمَا سَأَلت عَنهُ، وَأَيْضًا فَإِن بَين حمل اسْم الْفَاعِل على الْفِعْل الْمُضَارع، وَبَين حمل الْفِعْل على الِاسْم فرقا، وَذَلِكَ أَن الْفِعْل حمل فِي التَّثْنِيَة بِمَا يخْتَص الِاسْم، حمل على الْفِعْل بِهَذَا الْمَعْنى أَيْضا، فَصَارَ حمل الِاسْم على الْفِعْل أنقص حكما من حمل الْفِعْل على الِاسْم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك، وَجب أَلا يَزُول عَن الِاسْم مَا كَانَ يسْتَحقّهُ من جَوَاز الْجَرّ بِهِ، وَلم يجز فِي الْفِعْل السّكُون، لِأَنَّهُ قد انْتقل عَن أَصله، لحُصُول الشّبَه فِيهِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ فِي اسْم الْفَاعِل إِذا أُرِيد بِهِ الْمُضِيّ أَن يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي، نَحْو قَوْلك: زيد معطى عَمْرو درهما أمس؟
قيل لَهُ: فِي ذَلِك وَجْهَان:
أَحدهمَا: أَن يكون الِاسْم مَنْصُوبًا بِفعل مُقَدّر، تَقْدِيره: أَخذ درهما أمس.
وَالْوَجْه الثَّانِي، وَهُوَ أجودهما: أَن الْفِعْل الْمَاضِي لما كَانَ قد بني على حَرَكَة لما بَينه وَبَين الِاسْم من الشّبَه، وَجب أَن يكون لهَذَا الشّبَه تَأْثِير فِي الِاسْم، فَجعل هَذَا فِي الْمَعْنى يجوز أَن يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ أَن تَقول: هَذَانِ الضاربان زيدا، وَأَنت تُرِيدُ الْمَاضِي بِهَذَا القَوْل؟
стр. 167
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن أصل الْكَلَام: هَذَانِ اللَّذَان ضربا زيدا، فانتصب (زيد) بِالْفِعْلِ، لِأَن الْعَرَب تختصر بعض كَلَامهَا فتنقل لفظ (اللَّذين) إِلَى الْألف وَاللَّام، لِأَن الْفِعْل لَا يَصح دُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ، فَلَا بُد أَن ينْقل إِلَى لفظ الِاسْم وَهُوَ (ضَارب) ، ليَصِح دُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ، وَصَارَ لفظ (الضاربان زيدا) مَنْصُوبًا بِمَعْنى الْفِعْل الْمُقدر، فَلهَذَا جَازَت الْمَسْأَلَة، فاعلمه.
وَاعْلَم أَن الْمَفْعُول لَا يتَقَدَّم على اسْم الْفَاعِل إِذا كَانَ فِيهِ الْألف وَاللَّام، نَحْو
قَوْلك، هَذَا الضَّارِب زيدا، فَلَو قلت: زيدا هَذَا الضَّارِب، لم يجز، وَإِنَّمَا لم يجز لِأَن الْألف وَاللَّام بِمَعْنى (الَّذِي) فَمَا بعْدهَا فِي صلَة (الَّذِي) ، وَمَا فِي الصِّلَة لَا يتَقَدَّم على الْمَوْصُول، فَلهَذَا لم يجز.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن جَازَت الْإِضَافَة مَعَ الْألف وَاللَّام، مَعَ التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي هَذَا الْبَاب، كَقَوْلِك: هَذَانِ الضاربا زيد، والضاربو عَمْرو، وَلم يجز ذَلِك فِي الْمُفْرد، نَحْو قَوْلك: الضَّارِب زيد؟
قيل: أما جَوَاز الْإِضَافَة فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع، فَلِأَن النُّون إِذا ثبتَتْ وَجب نصب الِاسْم بعْدهَا، كَمَا يجب نَصبه إِذا نونت الِاسْم فِي قَوْلك: ضَارب عمرا، فَكَمَا أَنه إِذا حذفت النُّون خفضت الِاسْم، وَجب أَيْضا إِذا حذفت النُّون من التَّثْنِيَة وَالْجمع أَن
стр. 168
تخْفض الِاسْم. وَأما قَوْلك: هَذَا الضَّارِب زيدا، فالألف وَاللَّام قد قَامَت مقَام التَّنْوِين، فَلم يكن فِي الِاسْم شَيْء يحذف مِنْهُ لأجل الْإِضَافَة، فَلهَذَا لم يجز الْجَرّ فِيهِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فقد قَالُوا: زيد الضَّارِب (٣٦ / ب) الرجل، فأضافوا إِلَى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، وَإِن لم يكن فِيهِ تَنْوِين؟
قيل لَهُ: جَازَت الْإِضَافَة تَشْبِيها من جِهَة اللَّفْظ، كَقَوْلِك: زيد الْحسن الْوَجْه، وكما قَالُوا: الْحسن الْوَجْه، تَشْبِيها بِقَوْلِك: الضَّارِب الرجل، وسنبين وَجه الشّبَه بَينهمَا فِي (بَاب الصّفة) ، فَصَارَ جَوَاز إِضَافَة (الضَّارِب) إِلَى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام من الْأَسْمَاء، نَحْو قَوْلك: هَذَانِ الغلاما زيد، كَمَا قلت: الضاربا زيد.
قيل لَهُ: الْفَصْل بَينهمَا أَن جَوَاز الْإِضَافَة فِيمَا بعد (الضَّارِب) لما ذَكرْنَاهُ من جَوَاز وُقُوعه مَنْصُوبًا بعْدهَا بِحَال، فَلهَذَا لم تجز إضافتها، أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: هَذَانِ الغلامان زيد، لم يجز، فَلهَذَا لم تجز الْإِضَافَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا جوزت الْإِضَافَة فِي هَذَا من غير هَذَا التَّقْدِير؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا لم تجز، لِأَن الْفَصْل فِي الْإِضَافَة تَخْصِيص الْمُضَاف وتعريفه، فَإِذا كَانَت فِي الْمُضَاف الْألف وَاللَّام تعرف بهما، وَلم يحْتَج إِلَى تَعْرِيف آخر من جِهَة الْإِضَافَة، فَلهَذَا لم يجز، فاعرفه.
стр. 169
(١٩ - بَاب مَا يعْمل من المصادر)
إِن قَالَ قَائِل: من أَيْن جَازَ أَن يعْمل الْمصدر - وَهُوَ أصل الْفِعْل - عمل الْفِعْل؟
قيل لَهُ: من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن الْفِعْل لما كَانَ مشتقا مِنْهُ، وَكَانَ فِي الْمصدر لفظ الْفِعْل جَازَ أَن يعْمل عمله، إِذْ كل وَاحِد مِنْهُمَا يدل على الآخر.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنَّك إِذا قلت: أعجبني ضرب زيد عمرا، فَالْمَعْنى: [أعجبني] أَن ضرب زيد عمرا، فَلَمَّا كَانَ الْمصدر مُقَدرا ب (أَن وَالْفِعْل) ، صَار الْعَمَل فِي الْمَعْنى للْفِعْل، فَلَمَّا حذف لفظ الْفِعْل بَقِي حكمه، فَلهَذَا جَازَ أَن يَقع بعد الِاسْم مَرْفُوعا ومنصوبا، إِذا نونته أَو أدخلت فِيهِ ألفا ولاما، وَإِذا أسقطت الْألف وَاللَّام أَو التَّنْوِين وَجَبت الْإِضَافَة، لِأَن الْمصدر اسْم، مَا لم يحل بَينه وَبَين مَا يعْمل فِيهِ الْحَائِل - أَعنِي التَّنْوِين - وَجب خفض مَا بعده.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد ادعيت أَن الْمصدر اسْم للْفِعْل، فَمن أَيْن وَجب لَهُ ذَلِك؟
قيل لَهُ: فِي ذَلِك وُجُوه:
أَحدهَا: إِجْمَاع النَّحْوِيين على تَسْمِيَته مصدرا، والمصدر فِي اللُّغَة: هُوَ الْموضع الَّذِي تصدر مِنْهُ الْإِبِل وترده، فَلَمَّا اسْتحق هَذَا الِاسْم، وَجب أَن يكون الْفِعْل هُوَ الصَّادِر عَنهُ.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الْفِعْل يدل على مصدر وزمان، والمصدر يدل على نَفسه فَقَط، فَلَمَّا كَانَ الْمصدر أحد الشَّيْئَيْنِ اللَّذين دلّ عَلَيْهِمَا الْفِعْل بِالْوَاحِدِ من
стр. 170
الِاثْنَيْنِ، فَلهَذَا وَجب أَن يكون الْمصدر أصلا للْفِعْل.
وَوجه ثَالِث: وَهُوَ أَن الْمصدر اسْم، وَالِاسْم يقوم بِنَفسِهِ، كَقَوْلِك: ضربك وجيع، كَمَا تَقول: والدك عَالم، فقد لحق الْمصدر بالأسماء بِالْقيامِ بِنَفسِهِ، وَالْفِعْل لَا يَسْتَغْنِي عَن الِاسْم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن مَا لَا يحْتَاج إِلَى غَيره أصلا فِي نَفسه، وَهُوَ الِاسْم، وَمَا افْتقر إِلَى غَيره فرعا، وَهُوَ الْفِعْل، وَهَذَا الدَّلِيل على أَن الْفِعْل مَأْخُوذ من الْمصدر، لَا أَن الْمصدر مَأْخُوذ من الْفِعْل.
فَإِن قَالَ قَائِل: فقد وجدنَا الْمصدر يُؤَكد بِهِ الْفِعْل، كَقَوْلِك: ضربت ضربا، والتأكيد بعد الْمُؤَكّد؟
قيل: هَذَا غلط، (٣٧ / أ) وَذَلِكَ أَن الْمصدر - وَإِن أطلقنا عَلَيْهِ أَنه توكيد - فَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنه بعد الْمُؤَكّد فِي اللَّفْظ، كَمَا أَنَّك لَو قلت: ضربت ضربت، وَجَاءَنِي زيد زيد، وكررت الِاسْم وَالْفِعْل، لَكَانَ المكرر توكيدا للْأولِ، وَلَيْسَ الأول أصلا لَهُ، من سَبَب أَنه جَاءَ قبله، وَأَيْضًا فَإِن قَوْلك: ضربت ضربا، مَعْنَاهُ: أَنَّك أوقعت فعلا، فالمصدر مفعول، كَقَوْلِك: ضربت زيدا، فَلَو اعْتبرنَا تَرْتِيب اللَّفْظ، وَكَون الْفِعْل عَاملا فِيمَا بعده، وجعلناه أصلا لهَذِهِ الْعلَّة، لوَجَبَ أَن يكون الْفِعْل قبل الِاسْم - أَعنِي: قبل (زيد) فِي قَوْلك: ضربت زيدا، وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَسْمَاء - وَوَجَب مَا هُوَ أقبح من هَذَا، وَهُوَ أَن تكون الْحُرُوف أصلا للْفِعْل وَالِاسْم، إِذا كَانَت عوامل فيهمَا، فَلَمَّا بَطل هَذَا سقط الْإِلْزَام.
стр. 171
فَإِن قَالَ قَائِل: قد وجدنَا الْمصدر يعتل باعتلال الْفِعْل، وَيصِح بِصِحَّتِهِ، كَقَوْلِك: قَامَ قيَاما، وَالْأَصْل: قواما، فقلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا، وَجرى الْمصدر على فعل وَقد اعتل، فَإِذا قلت: قاوم، فَصحت الْوَاو، قلت فِي الْمصدر: قواما، فَلم تقلب الْوَاو لصِحَّة الْفِعْل، فَلَمَّا كَانَ الْمصدر يتبع الْفِعْل فِي اعتلاله وَصِحَّته، وَجب أَن يكون الْفِعْل أصلا لَهُ؟
قيل لَهُ: هَذَا غلط بَين، وَذَلِكَ أَن الشَّيْء يحمل على الشَّيْء، لِأَنَّهُمَا من نوع وَاحِد، لِأَن أَحدهمَا أصل للْآخر يحمل عَلَيْهِ، لِئَلَّا يخْتَلف طَرِيق تصاريف الْكَلِمَة، أَلا ترى أَنَّك تَقول: وعد يعد، فتحذف الْوَاو، لوقوعها بَين يَاء وكسرة، [وَقَالُوا: أعد ونعد وتعد. وَالْأَصْل فِيهِ: أوعد ونوعد وتوعد، فحذفوا الْوَاو وَإِن لم تقع بَين يَاء وكسرة] وَلَيْسَ (يعد) أصلا فِي (عد) وَلكنه من نَوعه، فَحمل عَلَيْهِ، لِئَلَّا يخْتَلف تصريف الْفِعْل، وَكَذَلِكَ الْمصدر لما كَانَ مشتقا من لَفظه، صَار بَينهمَا مُنَاسبَة من جِهَة اللَّفْظ فَحمل عَلَيْهِ، وَمِمَّا يدل أَيْضا على فَسَاد مَا ألزمنا الْمُخَالف أَنه من مذْهبه فِي الْفِعْل الْمَاضِي فِي الْقبْح على أَن التَّثْنِيَة فرع على الْوَاحِد، فَإِذا جَازَ للفراء أَن يحمل الأَصْل على الْفَرْع،
стр. 172
وَهُوَ الْمُخَالف لنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، جَازَ لنا أَن نحمل الْمصدر وَإِن كَانَ أصلا للْفِعْل فِي بَاب الإعلال، وَقد استقصينا هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَكْثَرَ من هَذَا الشَّرْح فِي (شرح كتاب سِيبَوَيْهٍ) .
وَاعْلَم أَن الْمصدر يقدر ب (أَن وَالْفِعْل) مَتى لم يعْمل فِيهِ فعله الْمُشْتَقّ مِنْهُ، فَإِن عمل فِيهِ فعله لم يقدر ب (أَن) ، مِثَال قَوْلك: أعجبني ضرب زيد عمرا، فَلَو قلت: ضربت زيدا ضربا، لم يجز أَن تقدره ب (أَن) فَتَقول: ضربت زيدا، وَإِنَّمَا وَجب مَا ذَكرْنَاهُ، لِأَن لفظ الْمصدر لَا يدل على معنى معِين، فَإِذا قلت: أعجبني ضرب زيد، لم يعلم أَنه ضرب مَاض أَو مُسْتَقْبل أَو حَال، فتفصل ب (أَن وَالْفِعْل) لِأَن لفظ الْفِعْل يدل على زمَان مَخْصُوص، فَلهَذَا قدر ب (أَن) إِذا عمل فِيهِ غير فعله، وَأما إِذا عمل فِيهِ فعله فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى تَقْدِيره، لِأَن الْفِعْل الْمُتَقَدّم قد دلّ على الزَّمَان الَّذِي وَقع فِيهِ. وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسغبة يَتِيما ذَا مقربة﴾ إِن قيل: أَيْن فَاعل (الْإِطْعَام) ؟
قيل: هُوَ مَحْذُوف من الْكَلَام، للدلالة عَلَيْهِ.
فَإِن قيل: فَمَا الَّذِي يدل عَلَيْهِ؟
قيل: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا الْعقبَة﴾ ﴿٣٧ / ب﴾ هَذَا خطاب للنَّبِي ﷺ َ - دلّ ذَلِك على أَن الْفَاعِل هُوَ الْمُخَاطب، وَالتَّقْدِير: أَو إطْعَام أَنْت يَتِيما .
стр. 173
فَإِن قيل: فَهَلا كَانَ الْفَاعِل مضمرا فِي (الْإِطْعَام) كَمَا يضمر فِي اسْم الْفَاعِل، كَقَوْلِنَا: أَنْت مطعم، فَفِي (مطعم) ضمير مستتر، كَمَا استتر فِي الْفِعْل، إِذا قلت: تطعم؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن المصادر لَا تقبل الضَّمِير، وَإِن عملت عمل الْفِعْل، وَإِنَّمَا لم يَصح فِيهَا هَذَا لِأَنَّهَا أصل الْأَفْعَال، فجرت مجْرى أَسمَاء الْأَجْنَاس، نَحْو: رجل وَفرس، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَسْمَاء لَا تقبل الضَّمِير، وَجب أَن يكون الْمصدر كَذَلِك، فَإِذا لم يظْهر الْفَاعِل بعْدهَا، فَإِنَّمَا ذَلِك لأجل حذفه للدلالة عَلَيْهِ لَا لاستتاره.
فَإِن قيل: ألستم تَزْعُمُونَ أَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل مظهر أَو مُضْمر، فالمصادر أجريتموها فِي الْعَمَل مجْرى الْفِعْل، فَكيف جَازَ أَن يَخْلُو من لفظ الْفَاعِل؟
قيل لَهُ: إِن الْمصدر، وَإِن عمل عمل الْفِعْل فَيظْهر فِي نَفسه اسْم، وَهُوَ مُتَعَلق بالفاعل وَالْمَفْعُول، فَهُوَ فِي نَفسه اسْم، وَهُوَ مُتَعَلق بالفاعل وَالْمَفْعُول، كَمَا قلت، إِذا كَانَ الْفَاعِل أحدثه، وَالْمَفْعُول بِهِ وَقع بِهِ، فَصَارَ مَا تعلق بِهِ مَعَه كالشيء الْوَاحِد، وكما يجوز أَن يحذف فِي بعض الْكَلَام للدلالة عَلَيْهِ، جَازَ أَيْضا حذف الْفَاعِل.
فَإِن قيل: فَهَلا أجري اسْم الْفَاعِل مجْرى الْمصدر لِأَنَّهُ اسْم من الْمصدر، وَكَيف جَازَ أَن يقبل الضَّمِير وَلم يقبله الْمصدر؟
قيل لَهُ: لِأَن اسْم الْفَاعِل وَالْفِعْل جَمِيعًا فرعان للمصدر، فَلَمَّا جَازَ استتار الْفَاعِل فِي الْفِعْل جَازَ استتاره أَيْضا فِي اسْم الْفَاعِل، لاشْتِرَاكهمَا فِي الفرعية، إِلَّا أَن بَين استتار الْفَاعِل فِي الْفِعْل وَبَين استتاره فِي اسْم الْفَاعِل فرقا، وَهُوَ أَن ضمير الْفَاعِل الْمُسْتَتر فِي الْفِعْل يظْهر فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع، كَقَوْلِك: الزيدان يضربان، والزيدون يضْربُونَ، وَفِي اسْم الْفَاعِل يسْتَتر فِي النِّيَّة وَلَا يظْهر فِي، اللَّفْظ فَإِنَّمَا وَجب ذَلِك فِي اسْم الْفَاعِل، لِأَنَّهُ اسْم فِي نَفسه، فَلَا بُد أَن تلْحقهُ تَثْنِيَة تخصه لنَفسِهِ، فَلم يجز إِظْهَار تَثْنِيَة الضَّمِير مَعَ تَثْنِيَة الِاسْم، لِأَن ذَلِك يُوجب الْجمع بَين تثنيتين، وَهَذَا محَال.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ تقدرون قَوْلهم: أعجبني أكل الْخبز، وَالْخبْز مفعول؟
стр. 174
قيل لَهُ: فِي ذَلِك تقديران:
أَحدهمَا: أَن يكون الْمصدر مُقَدرا ب (أَن) وَفعل لم يسم فَاعله، فالتقدير: أعجبني أَن أكل الْخبز.
وَالثَّانِي: أَن الْمصدر اسْم مُتَعَلق بالفاعل وَالْمَفْعُول، وَقد بَينا أَنه يجوز أَن يكْتَفى بالفاعل مَعَ الْمصدر وَحده، وَكَذَلِكَ يكْتَفى بالمفعول مَعَ الْمصدر، فَجَاز إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول، إِذْ لَيْسَ مفتقرا إِلَيْهِ من جِهَة اللَّفْظ، فاعرفه.
стр. 175
(٢٠ - بَاب مَا يشْتَغل عَنهُ الْفِعْل)
اعْلَم أَنَّك إِذا قلت: زيد ضَربته، فالاختيار الرّفْع فِي (زيد) ، وَالنّصب جَائِز، وَإِنَّمَا اختير الرّفْع لِأَن الرّفْع بِغَيْر إِضْمَار، وَالنّصب بإضمار، فَكَانَ ترك الْإِضْمَار أولى، لِأَنَّهُ أخف مؤونة من النصب، وَلَيْسَ أَيْضا فِي الْكَلَام مَا يَقْتَضِي إِضْمَار فعل، فَهَذَا كَانَ الرّفْع أولى، وَأما إِذا قلت: ضربت زيدا وعمرا كَلمته، فالاختيار نصب عَمْرو (٣٨ / أ) ، وَالرَّفْع جَائِز، وَإِنَّمَا اختير النصب فِي (عَمْرو) لِأَن وَاو الْعَطف حَقّهَا أَن يكون مَا بعْدهَا مشاكلا لما قبلهَا، فَلَمَّا بدأت بِالْفِعْلِ، كَانَ إِضْمَار الْفِعْل بعد الْوَاو أولى، لتَكون قد عطفت فعلا على فعل، فَلهَذَا اختير النصب، وَالرَّفْع جَائِز على أَن يَجْعَل مَا بعد الْوَاو النصب، مَتى كَانَ الْفِعْل الَّذِي بعد الْوَاو ابْتِدَاء وخبرا، فَتَصِير عاطفا جملَة على جملَة.
وَاعْلَم أَنه مَتى كَانَ الْمُبْتَدَأ بِهِ الْفِعْل فلاختيار فِيمَا بعد الْوَاو النصب، مَتى كَانَ الْفِعْل الَّذِي بعد الْوَاو ناصبا لضمير الِاسْم الَّذِي يَلِي الْوَاو عَاملا فِي سَببه، وَسَوَاء كَانَ الْفِعْل الْمُبْتَدَأ بِهِ مِمَّا ينصب أَو يرفع أَو يتَعَدَّى بِحرف جر، كَقَوْلِك فِيمَا يرفع: جَاءَ زيد وعمرا كَلمته، وَكَذَلِكَ لَو قلت: جَاءَنِي زيد وعمرا كلمت أَبَاهُ، لِأَنَّك بدأت فِي جَمِيع هَذِه الْمسَائِل بِالْفِعْلِ، فَإِن قلت:
стр. 176
إِن زيد قَائِما وعمرا كَلمته، فالاختيار فِي (عَمْرو) الرّفْع، لِأَنَّك لم تبتدئ بِفعل، إِذْ كَانَت (إِن) حرفا، وَهِي وَإِن غيرت اللَّفْظ فَمَا بعْدهَا فِي حكم المبتدإ، فَلهَذَا اختير الرّفْع فِي (عَمْرو) ، وَيجوز النصب، كَمَا جَازَ فِي الِابْتِدَاء بإضمار فعل مثل الْفِعْل الَّذِي قد عمل فِي الضَّمِير، فَإِن قلت: ضربت زيدا وَعَمْرو قَائِم، أَو يقوم، لم يجز فِي (عَمْرو) إِلَّا الرّفْع، لِأَنَّك لم تذكر بعد الْوَاو فعلا يجوز أَن يعْمل فِي (عَمْرو) وَلَيْسَ بمعطوف على الِاسْم الأول فَيدْخل فِي حكمه، وَلكنه عطف جملَة قَائِمَة بِنَفسِهَا على جملَة مثلهَا، فَلهَذَا لم يجز نصب مَا بعد الْوَاو، لِأَنَّك لَو نصبت بَقِي الْفِعْل أَو الِاسْم الَّذِي بعده مُتَعَلقا إِذْ لَا يتَعَلَّق بِمَا قبله من الْكَلَام.
فَإِن قلت: زيد ضَربته وَعَمْرو كَلمته، كنت فِي (عَمْرو) بِالْخِيَارِ، إِن شِئْت نصبته، وَإِن شِئْت رفعته، وَإِنَّمَا اعتدل النصب وَالرَّفْع هَاهُنَا، لِأَنَّك بدأت بِالِاسْمِ فِي أول الْكَلَام وشغلت الْفِعْل بِالضَّمِّ، وَإِن قدرت مَا بعد الْوَاو كَأَنَّهُ مَعْطُوف على الْهَاء، اختير النصب فِي (عَمْرو) ، ليَكُون مَا بعد الْوَاو الْفِعْل، كَمَا أَن الْمُضمر مَحْمُول على الْفِعْل، فَإِن قدرت مَا بعد الْوَاو اسْما مُبْتَدأ بِمَنْزِلَة الْمَعْطُوف عَلَيْهِ رفعت، واختير الرّفْع، فَإِن دخلت ألف الِاسْتِفْهَام على الِاسْم وَقد اشْتغل الْفِعْل، اختير النصب، كَقَوْلِك: أزيدا ضَربته؟ وَإِنَّمَا اختير النصب، لِأَن الِاسْتِفْهَام وَقع على الْفِعْل فَصَارَ حرف الِاسْتِفْهَام يطْلب الْفِعْل، فَيجب أَن يضمر الْفِعْل وَيكون الْموضع الَّذِي يَقْتَضِي الْفِعْل أولى بالإضمار، فَإِذا وَجب إِضْمَار الْفِعْل قبل الِاسْم وَجب النصب، وَالرَّفْع جَائِز على المبتدإ وَالْخَبَر، وَإِنَّمَا جَازَ الرّفْع لِأَن الِاسْتِفْهَام قد يَقع بعده الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، كَقَوْلِك: أَزِيد قَائِم؟ فَكَمَا جَازَ الِابْتِدَاء بعد حرف
стр. 177
الِاسْتِفْهَام، وَإِن كَانَ خبر المبتدإ اسْما، فَكَذَلِك يجوز الرّفْع فِي الِاسْم، وَإِن كَانَ خبر المبتدإ فعلا، إِذْ الْفِعْل المشتغل بالضمير لَا تسلط لَهُ على المبتدإ، فَجرى مجْرى الِاسْم، فَلهَذَا جَازَ، فاعرفه. وَكَذَلِكَ إِذا أدخلت عَلَيْهِ (٣٨ / ب) حرف النَّفْي، كَقَوْلِك: مَا زيد ضَربته عمرا كَلمته، وَإِنَّمَا اختير النصب، لِأَن النَّفْي لما كَانَ غير وَاجِب ضارع الِاسْتِفْهَام، فاختير فِيهِ النصب، كَمَا يخْتَار فِي الِاسْتِفْهَام، وَالرَّفْع أحسن فِي الِاسْتِفْهَام، لِأَن النَّفْي تَقْدِيره أَن يدْخل على الْمُوجب، كَأَنَّك أدخلت (مَا) على قَوْلك: زيد ضَربته، فَلَمَّا دخل النَّفْي على شَيْء قد اسْتَقر فِيهِ الرّفْع، كَانَ بَقَاؤُهُ على مَا كَانَ عَلَيْهِ حسنا.
فَإِن قيل: فَهَلا كَانَ الرّفْع الْمُخْتَار لأجل هَذِه الْعلَّة؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا ذكرنَا أَن النَّفْي يدْخل على لفظ الْإِيجَاب على طَرِيق التَّقْدِير، وَلَيْسَ ذَلِك بِوَاجِب، أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَا جَاءَنِي أحد، وَلَو قدرت الْكَلَام مُوجبا لم يجز، فَبَان أَن النَّفْي قَائِم بِنَفسِهِ، وَرُبمَا دخل على الْكَلَام الْمُوجب، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يدْخل النَّفْي بَطل الْإِيجَاب، وَصَارَ الحكم للنَّفْي، وَحصل مضارعا للاستفهام، واختير النصب بِحُصُول مضارعته للاستفهام فِي اللَّفْظ، وَحسن الرّفْع لما ذَكرْنَاهُ من التَّقْدِير. وَاعْلَم أَنَّك إِذا جِئْت فِيهِ بِالْأَمر وَالنَّهْي والمجازاة، فالرفع فِيهَا بعيد، كَقَوْلِك: زيد اضربه وَزيد لَا تضربه، وَإِن زيد تكرمه يأتك، وَالنّصب هُوَ الْمُخْتَار، وَالرَّفْع قبح، وَإِنَّمَا قبح الرّفْع، لِأَنَّهَا أَشْيَاء لَا تكون إِلَّا بِالْفِعْلِ، فبعدت من الرّفْع، وَإِنَّمَا جَازَ الرّفْع، لِأَنَّك بدأت ب (زيد) وشغلت
стр. 178
الْفِعْل عَنهُ بضميره، فَامْتنعَ من الْعَمَل فِي (زيد) فَشبه بِقَوْلِك: زيد ضَربته، إِذْ كَانَ الرّفْع لَا يُغير الْمَعْنى، واستخف إِذْ كَانَ فِيهِ إِسْقَاط تَقْدِير فعل مُضْمر، وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ يجوز فِي الْأَمر وَالنَّهْي.
فَإِن قَالَ قَائِل: من شَرط خبر المبتدإ أَنه يجوز فِيهِ الصدْق وَالْكذب، وَالْأَمر وَالنَّهْي لَا يجوز أَن يكون فيهمَا، فَكيف جَازَ أَن يقعا خَبرا للمبتدإ؟
قيل: جَازَ ذَلِك بِحمْل الْكَلَام على مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ أَن الأَصْل: اضْرِب زيدا، فَإِذا قدمت (زيدا) مَرْفُوعا، وشغلت الْكَلَام بضميره، فَمَعْنَى الْكَلَام بَاقٍ، وَإِنَّمَا رفع بشبه لَفظه بالمبتدإ وَالْخَبَر، فَلَمَّا وجدنَا مساغ جَوَاز رَفعه، لِأَن فِيهِ تَقْدِير إِسْقَاط تَقْدِير الْفِعْل الْمُضمر، جَوَّزنَا رَفعه، وَحمل فِي الحكم على مَعْنَاهُ، وَأما إِذا رفعت الِاسْم بعد حرف الْجَزَاء، فَلَا يجوز أَن ترفعه بِالِابْتِدَاءِ، لِأَن حُرُوف الشَّرْط أَلْفَاظ تَقْتَضِي الْفِعْل، فَلَا يجوز أَن يَخْلُو مِنْهُ، وَمَعَ ذَلِك فَلَو رفعت الِاسْم بِالِابْتِدَاءِ، لم يجز جزم الْفِعْل بعده، لفصلها بَين حرف الشَّرْط وَمَا قد عمل فِيهِ الِاسْم، لِأَن الْجَازِم مَعَ المجزوم، كالجار مَعَ الْمَجْرُور، وأضعف حَالا، فَلهَذَا جَاءَ فِي الْجَزَاء الْأَمر وَالنَّهْي، وَإِن اشْتَركَا فِي قبح الرّفْع فيهمَا
فَإِن قَالَ قَائِل: فَبِأَي شَيْء يرفع الِاسْم بعد حرف الْجَزَاء، وَقد شغلت الْفِعْل بضميره، وَهُوَ مفعول فِي الْمَعْنى؟
قيل لَهُ: يرفع على إِضْمَار فعل مَا لم يسم فَاعله، كَأَنَّك قلت: إِن يكرم زيد تكرمه يأتك، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الْفِعْل إِذا لم يسم فَاعله لَا يتَغَيَّر معنى، وَلَو سميت فَاعِلا لم يكن ينْقض عمله، فجريا مجْرى وَاحِدًا، فَوَجَبَ إِضْمَار فعل مَا لم يسم فَاعله، ليَصِح رفع (زيد) .
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ (٣٩ / أ) إِذا رفعت (زيدا) بِالْفِعْلِ الْمُضمر فقد جزمت الْفِعْل الظَّاهِر ب (إِن) ، وَقد فصلت بَينهمَا، فَكيف جَازَ ذَلِك وَقد امْتنعت مِنْهُ، إِذْ لم يظْهر الْفِعْل؟
стр. 179
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (إِن) عملت فِي الْفِعْل الْمُضمر، وَالْفِعْل الظَّاهِر تَبْيِين لَهُ وتوكيد، والفصل بَين التوكيد والمؤكد، وَالْبَيَان والمبين، بِشَيْء يتَعَلَّق بِالْأولِ جَائِز، فَلهَذَا حسن جزم الثَّانِي إِذا أضمرت الْفِعْل.
وَاعْلَم أَن حكم (هلا، وَألا، وَلَوْلَا، ولوما) فِي اخْتِيَار النصب بَينهَا كَحكم حُرُوف الْجَزَاء، كَقَوْلِك: هلا زيدا ضَربته، فَإِن رفعت فعلى إِضْمَار فعل مَا لم يسم فَاعله، وَلَا يجوز رَفعه بِالِابْتِدَاءِ، لِأَنَّهَا حُرُوف تَقْتَضِي الْفِعْل، إِذْ كَانَ فِيهَا معنى الْأَمر والتحضيض، فجرت مجْرى الْجَزَاء.
وَاعْلَم أَن الْفِعْل إِذا كَانَ لَا يصل إِلَّا بِحرف جر لم يضمر، وَلَكِن يضمر فعل فِي مَعْنَاهُ، لِأَن حرف الْجَرّ لَا يجوز إضماره، وحرف الْجَرّ مَعَ الْمَجْرُور كالشيء الْوَاحِد، وَعمل حُرُوف الْجَرّ كعمل حُرُوف الْجَزْم، فَكَمَا لَا يجوز إِضْمَار الْجَازِم، فَكَذَلِك لَا يجوز إِضْمَار الْجَار، وَعلة ذَلِك أجمع أَنَّهَا عوامل ضِعَاف، إِذْ كَانَت حروفا، وَإِنَّمَا يحذف الْعَامِل لقُوته، كالفعل لجَوَاز عمله مقدما ومؤخرا، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْحُرُوف لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا، وَهِي جوامد فِي أَنْفسهَا، لم يجز إضمارها، إِذْ كَانَ عَملهَا مؤخرة أَضْعَف من عَملهَا فِيمَا قبلهَا، فاعرفه
فَإِن قَالَ قَائِل: فقد أجزتم إِضْمَار (رب) فِي قَوْله:
وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الْوَاو صَارَت عوضا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جوزتم إِضْمَار (من) بِاتِّفَاق النَّحْوِيين فِي قَوْلهم:
стр. 180
بكم دِرْهَم اشْتريت ثَوْبك؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا جَازَ إِضْمَار (من) هُنَا لدُخُول الْبَاء فِي (كم) ، لأَنهم استثقلوا إحاطة حرفين خافضين باسم، وَالْمعْنَى لَا يشكل، وَقَوي (من) فِي هَذَا الْكَلَام، فَكَانَ قُوَّة مَعْنَاهَا فِي قَوْلهم: بكم درهما، عوضا مِنْهَا.
следующие страницы →