← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7003

علل النحو

ابن الوراق

Полный текст (432 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إِن زيد قَائِما وعمرا كَلمته، فالاختيار فِي (عَمْرو) الرّفْع، لِأَنَّك لم تبتدئ بِفعل، إِذْ كَانَت (إِن) حرفا، وَهِي وَإِن غيرت اللَّفْظ فَمَا بعْدهَا فِي حكم المبتدإ، فَلهَذَا اختير الرّفْع فِي (عَمْرو) ، وَيجوز النصب، كَمَا جَازَ فِي الِابْتِدَاء بإضمار فعل مثل الْفِعْل الَّذِي قد عمل فِي الضَّمِير، فَإِن قلت: ضربت زيدا وَعَمْرو قَائِم، أَو يقوم، لم يجز فِي (عَمْرو) إِلَّا الرّفْع، لِأَنَّك لم تذكر بعد الْوَاو فعلا يجوز أَن يعْمل فِي (عَمْرو) وَلَيْسَ بمعطوف على الِاسْم الأول فَيدْخل فِي حكمه، وَلكنه عطف جملَة قَائِمَة بِنَفسِهَا على جملَة مثلهَا، فَلهَذَا لم يجز نصب مَا بعد الْوَاو، لِأَنَّك لَو نصبت بَقِي الْفِعْل أَو الِاسْم الَّذِي بعده مُتَعَلقا إِذْ لَا يتَعَلَّق بِمَا قبله من الْكَلَام. فَإِن قلت: زيد ضَربته وَعَمْرو كَلمته، كنت فِي (عَمْرو) بِالْخِيَارِ، إِن شِئْت نصبته، وَإِن شِئْت رفعته، وَإِنَّمَا اعتدل النصب وَالرَّفْع هَاهُنَا، لِأَنَّك بدأت بِالِاسْمِ فِي أول الْكَلَام وشغلت الْفِعْل بِالضَّمِّ، وَإِن قدرت مَا بعد الْوَاو كَأَنَّهُ مَعْطُوف على الْهَاء، اختير النصب فِي (عَمْرو) ، ليَكُون مَا بعد الْوَاو الْفِعْل، كَمَا أَن الْمُضمر مَحْمُول على الْفِعْل، فَإِن قدرت مَا بعد الْوَاو اسْما مُبْتَدأ بِمَنْزِلَة الْمَعْطُوف عَلَيْهِ رفعت، واختير الرّفْع، فَإِن دخلت ألف الِاسْتِفْهَام على الِاسْم وَقد اشْتغل الْفِعْل، اختير النصب، كَقَوْلِك: أزيدا ضَربته؟ وَإِنَّمَا اختير النصب، لِأَن الِاسْتِفْهَام وَقع على الْفِعْل فَصَارَ حرف الِاسْتِفْهَام يطْلب الْفِعْل، فَيجب أَن يضمر الْفِعْل وَيكون الْموضع الَّذِي يَقْتَضِي الْفِعْل أولى بالإضمار، فَإِذا وَجب إِضْمَار الْفِعْل قبل الِاسْم وَجب النصب، وَالرَّفْع جَائِز على المبتدإ وَالْخَبَر، وَإِنَّمَا جَازَ الرّفْع لِأَن الِاسْتِفْهَام قد يَقع بعده الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، كَقَوْلِك: أَزِيد قَائِم؟ فَكَمَا جَازَ الِابْتِدَاء بعد حرف

стр. 177

الِاسْتِفْهَام، وَإِن كَانَ خبر المبتدإ اسْما، فَكَذَلِك يجوز الرّفْع فِي الِاسْم، وَإِن كَانَ خبر المبتدإ فعلا، إِذْ الْفِعْل المشتغل بالضمير لَا تسلط لَهُ على المبتدإ، فَجرى مجْرى الِاسْم، فَلهَذَا جَازَ، فاعرفه. وَكَذَلِكَ إِذا أدخلت عَلَيْهِ (٣٨ / ب) حرف النَّفْي، كَقَوْلِك: مَا زيد ضَربته عمرا كَلمته، وَإِنَّمَا اختير النصب، لِأَن النَّفْي لما كَانَ غير وَاجِب ضارع الِاسْتِفْهَام، فاختير فِيهِ النصب، كَمَا يخْتَار فِي الِاسْتِفْهَام، وَالرَّفْع أحسن فِي الِاسْتِفْهَام، لِأَن النَّفْي تَقْدِيره أَن يدْخل على الْمُوجب، كَأَنَّك أدخلت (مَا) على قَوْلك: زيد ضَربته، فَلَمَّا دخل النَّفْي على شَيْء قد اسْتَقر فِيهِ الرّفْع، كَانَ بَقَاؤُهُ على مَا كَانَ عَلَيْهِ حسنا. فَإِن قيل: فَهَلا كَانَ الرّفْع الْمُخْتَار لأجل هَذِه الْعلَّة؟ قيل لَهُ: إِنَّمَا ذكرنَا أَن النَّفْي يدْخل على لفظ الْإِيجَاب على طَرِيق التَّقْدِير، وَلَيْسَ ذَلِك بِوَاجِب، أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَا جَاءَنِي أحد، وَلَو قدرت الْكَلَام مُوجبا لم يجز، فَبَان أَن النَّفْي قَائِم بِنَفسِهِ، وَرُبمَا دخل على الْكَلَام الْمُوجب، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يدْخل النَّفْي بَطل الْإِيجَاب، وَصَارَ الحكم للنَّفْي، وَحصل مضارعا للاستفهام، واختير النصب بِحُصُول مضارعته للاستفهام فِي اللَّفْظ، وَحسن الرّفْع لما ذَكرْنَاهُ من التَّقْدِير. وَاعْلَم أَنَّك إِذا جِئْت فِيهِ بِالْأَمر وَالنَّهْي والمجازاة، فالرفع فِيهَا بعيد، كَقَوْلِك: زيد اضربه وَزيد لَا تضربه، وَإِن زيد تكرمه يأتك، وَالنّصب هُوَ الْمُخْتَار، وَالرَّفْع قبح، وَإِنَّمَا قبح الرّفْع، لِأَنَّهَا أَشْيَاء لَا تكون إِلَّا بِالْفِعْلِ، فبعدت من الرّفْع، وَإِنَّمَا جَازَ الرّفْع، لِأَنَّك بدأت ب (زيد) وشغلت

стр. 178

الْفِعْل عَنهُ بضميره، فَامْتنعَ من الْعَمَل فِي (زيد) فَشبه بِقَوْلِك: زيد ضَربته، إِذْ كَانَ الرّفْع لَا يُغير الْمَعْنى، واستخف إِذْ كَانَ فِيهِ إِسْقَاط تَقْدِير فعل مُضْمر، وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ يجوز فِي الْأَمر وَالنَّهْي. فَإِن قَالَ قَائِل: من شَرط خبر المبتدإ أَنه يجوز فِيهِ الصدْق وَالْكذب، وَالْأَمر وَالنَّهْي لَا يجوز أَن يكون فيهمَا، فَكيف جَازَ أَن يقعا خَبرا للمبتدإ؟ قيل: جَازَ ذَلِك بِحمْل الْكَلَام على مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ أَن الأَصْل: اضْرِب زيدا، فَإِذا قدمت (زيدا) مَرْفُوعا، وشغلت الْكَلَام بضميره، فَمَعْنَى الْكَلَام بَاقٍ، وَإِنَّمَا رفع بشبه لَفظه بالمبتدإ وَالْخَبَر، فَلَمَّا وجدنَا مساغ جَوَاز رَفعه، لِأَن فِيهِ تَقْدِير إِسْقَاط تَقْدِير الْفِعْل الْمُضمر، جَوَّزنَا رَفعه، وَحمل فِي الحكم على مَعْنَاهُ، وَأما إِذا رفعت الِاسْم بعد حرف الْجَزَاء، فَلَا يجوز أَن ترفعه بِالِابْتِدَاءِ، لِأَن حُرُوف الشَّرْط أَلْفَاظ تَقْتَضِي الْفِعْل، فَلَا يجوز أَن يَخْلُو مِنْهُ، وَمَعَ ذَلِك فَلَو رفعت الِاسْم بِالِابْتِدَاءِ، لم يجز جزم الْفِعْل بعده، لفصلها بَين حرف الشَّرْط وَمَا قد عمل فِيهِ الِاسْم، لِأَن الْجَازِم مَعَ المجزوم، كالجار مَعَ الْمَجْرُور، وأضعف حَالا، فَلهَذَا جَاءَ فِي الْجَزَاء الْأَمر وَالنَّهْي، وَإِن اشْتَركَا فِي قبح الرّفْع فيهمَا فَإِن قَالَ قَائِل: فَبِأَي شَيْء يرفع الِاسْم بعد حرف الْجَزَاء، وَقد شغلت الْفِعْل بضميره، وَهُوَ مفعول فِي الْمَعْنى؟ قيل لَهُ: يرفع على إِضْمَار فعل مَا لم يسم فَاعله، كَأَنَّك قلت: إِن يكرم زيد تكرمه يأتك، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الْفِعْل إِذا لم يسم فَاعله لَا يتَغَيَّر معنى، وَلَو سميت فَاعِلا لم يكن ينْقض عمله، فجريا مجْرى وَاحِدًا، فَوَجَبَ إِضْمَار فعل مَا لم يسم فَاعله، ليَصِح رفع (زيد) . فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ (٣٩ / أ) إِذا رفعت (زيدا) بِالْفِعْلِ الْمُضمر فقد جزمت الْفِعْل الظَّاهِر ب (إِن) ، وَقد فصلت بَينهمَا، فَكيف جَازَ ذَلِك وَقد امْتنعت مِنْهُ، إِذْ لم يظْهر الْفِعْل؟

стр. 179

فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (إِن) عملت فِي الْفِعْل الْمُضمر، وَالْفِعْل الظَّاهِر تَبْيِين لَهُ وتوكيد، والفصل بَين التوكيد والمؤكد، وَالْبَيَان والمبين، بِشَيْء يتَعَلَّق بِالْأولِ جَائِز، فَلهَذَا حسن جزم الثَّانِي إِذا أضمرت الْفِعْل. وَاعْلَم أَن حكم (هلا، وَألا، وَلَوْلَا، ولوما) فِي اخْتِيَار النصب بَينهَا كَحكم حُرُوف الْجَزَاء، كَقَوْلِك: هلا زيدا ضَربته، فَإِن رفعت فعلى إِضْمَار فعل مَا لم يسم فَاعله، وَلَا يجوز رَفعه بِالِابْتِدَاءِ، لِأَنَّهَا حُرُوف تَقْتَضِي الْفِعْل، إِذْ كَانَ فِيهَا معنى الْأَمر والتحضيض، فجرت مجْرى الْجَزَاء. وَاعْلَم أَن الْفِعْل إِذا كَانَ لَا يصل إِلَّا بِحرف جر لم يضمر، وَلَكِن يضمر فعل فِي مَعْنَاهُ، لِأَن حرف الْجَرّ لَا يجوز إضماره، وحرف الْجَرّ مَعَ الْمَجْرُور كالشيء الْوَاحِد، وَعمل حُرُوف الْجَرّ كعمل حُرُوف الْجَزْم، فَكَمَا لَا يجوز إِضْمَار الْجَازِم، فَكَذَلِك لَا يجوز إِضْمَار الْجَار، وَعلة ذَلِك أجمع أَنَّهَا عوامل ضِعَاف، إِذْ كَانَت حروفا، وَإِنَّمَا يحذف الْعَامِل لقُوته، كالفعل لجَوَاز عمله مقدما ومؤخرا، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْحُرُوف لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا، وَهِي جوامد فِي أَنْفسهَا، لم يجز إضمارها، إِذْ كَانَ عَملهَا مؤخرة أَضْعَف من عَملهَا فِيمَا قبلهَا، فاعرفه فَإِن قَالَ قَائِل: فقد أجزتم إِضْمَار (رب) فِي قَوْله: وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس؟ قيل لَهُ: إِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الْوَاو صَارَت عوضا. فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جوزتم إِضْمَار (من) بِاتِّفَاق النَّحْوِيين فِي قَوْلهم:

стр. 180

بكم دِرْهَم اشْتريت ثَوْبك؟ قيل لَهُ: إِنَّمَا جَازَ إِضْمَار (من) هُنَا لدُخُول الْبَاء فِي (كم) ، لأَنهم استثقلوا إحاطة حرفين خافضين باسم، وَالْمعْنَى لَا يشكل، وَقَوي (من) فِي هَذَا الْكَلَام، فَكَانَ قُوَّة مَعْنَاهَا فِي قَوْلهم: بكم درهما، عوضا مِنْهَا.

стр. 181

(٢١ - بَاب حَتَّى) إِن قَالَ قَائِل: مَا الأَصْل فِي (حَتَّى) ، أَن تكون عاطفة أم جَارة؟ قيل لَهُ: الأَصْل فِيهَا أَن تكون جَارة، ودخولها فِي بَاب الْعَطف حملا على الْوَاو، وَالدَّلِيل على أَن أَصْلهَا الْجَرّ أَنَّهَا إِذا جعلت عاطفة لم تخرج من معنى الْغَايَة، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: جَاءَنِي الْقَوْم حَتَّى زيد، ومررت بالقوم حَتَّى زيد، ف (زيد) بعض الْقَوْم، وَإِذا رفعت أَيْضا على الْعَطف، فَهُوَ بعض الْقَوْم، وَلَو كَانَ أَصْلهَا الْعَطف لوَجَبَ أَن يكون مَا بعْدهَا من غير جنس مَا قبلهَا، إِذا كَانَت حُرُوف الْعَطف هَكَذَا حكمهَا، نَحْو قَوْلك،: جَاءَنِي زيد وَعَمْرو، وَلَا يجوز جَاءَنِي زيد حَتَّى عَمْرو، وَكَذَلِكَ لَا يجوز الْخَفْض على الْغَايَة، فَهَذَا دَلِيل على أَنَّهَا أصل الْغَايَة. فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن أشبهت الْوَاو؟ قيل: لِأَن أصل الْغَايَة أَن تدخل مَا بعْدهَا فِي حكم مَا قبلهَا، أَلا ترى أَن قَوْلك: ضربت الْقَوْم حَتَّى زيد، مَعْنَاهُ: أَن الضَّرْب وَقع على زيد، كَمَا أَنَّك لَو قلت: ضربت الْقَوْم وزيدا، لَكَانَ (زيد) مَضْرُوبا، فَلَمَّا اشْتَركَا فِي الْمَعْنى حملت (حَتَّى) على الْوَاو. فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم وَجب أَن يكون مَا بعد (حَتَّى) جُزْءا مِمَّا قبلهَا؟ قيل لَهُ: لِأَن مَعْنَاهَا أَن تَأتي لاخْتِصَاص مَا يَقع عَلَيْهِ، إِمَّا لرفعته أَو لدناءته،

стр. 182

وَذَلِكَ إِذا قلت: ضربت الْقَوْم، فَلَا بُد أَن يكون الْقَوْم عِنْد الْمُخَاطب (٣٩ / ب) مخصوصين معروفين، وَفِيهِمْ دنيء ورفيع، فَإِذا قلت: ضربت الْقَوْم حَتَّى زيد، فَلَا بُد أَن يكون زيد إِمَّا أرفعهم أَو دونهم، ليدل بِذكرِهِ أَن الضَّرْب قد انْتهى إِلَى الرفعاء أَو إِلَى الخبثاء، وَلَو لم يكن (زيد) بِهَذِهِ الصّفة، لم يكن لذكره إِيَّاه فَائِدَة، إِذْ كَانَ قَوْلك: ضربت الْقَوْم، يشْتَمل على (زيد) ، فَلَمَّا كَانَ لَا بُد من ذكر (زيد) على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَجب أَن يكون بَعْضًا مِمَّا قبله، ليدل على هَذَا الْمَعْنى، ولهذه الْعلَّة لَا يجوز أَن تَقول: ضربت الرِّجَال حَتَّى النِّسَاء، لِأَن النِّسَاء لَيْسَ من نوع الرِّجَال، وَلَا يتَوَهَّم دخولهن مَعَ الرِّجَال، فَلهَذَا لم يجز، وَإِذا قلت: ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدا ضَربته، فَذكرت بعد (حَتَّى) اسْما وفعلا من جنس الْفِعْل الْمُتَقَدّم، وَكَانَ ناصبا لضمير الِاسْم، فلك فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: الْخَفْض على الْغَايَة، وَإِذا خفضت الِاسْم صَار الْفِعْل الَّذِي بعد الِاسْم مؤكدا للْفِعْل الْمُتَقَدّم، وَلَا مَوضِع لَهُ، وَإِن نصبته أضمرت فعلا ينصبه، وَصَارَ الْفِعْل الظَّاهِر تَفْسِيرا للْفِعْل الْمُضمر، وَلَا مَوضِع لَهما من الْإِعْرَاب، لِأَن الْفِعْل الْمُضمر مَعْطُوف على الْمُبْتَدَأ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْفِعْل الْمُبْتَدَأ بِهِ لَا مَوضِع لَهُ من الْإِعْرَاب، فَكَذَلِك حكم مَا عطف عَلَيْهِ، والمفسر لَهُ يجْرِي مجْرَاه، فَإِذا رفعت الِاسْم صَار مُبْتَدأ، وَالْفِعْل الَّذِي بعده فِي مَوضِع خَبره، وعَلى هَذَا الْوَجْه يصير مَوضِع الْفِعْل رفعا، لِأَنَّهُ فِي مَوضِع خبر الْمُبْتَدَأ. وَأما إِذا كَانَ بعد (حَتَّى) اسمان فَلَا يجوز الرّفْع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر، وَذَلِكَ أَن حرف الْجَرّ لَا يجوز أَن يخْفض أَكثر من اسْم وَاحِد إِلَّا على طَرِيق الِاشْتِرَاك

стр. 183

والنعت، فَلَو خفضت الِاسْم الأول فِي قَوْلك: ضربت الْقَوْم حَتَّى زيد غَضْبَان، بَقِي (غَضْبَان) بِلَا شَيْء يخفضه وَلَا يرفعهُ وَلَا ينصبه، وَهَذَا يَسْتَحِيل أَن يكون مُفْرد مُعرب بِغَيْر شَيْء يعربه، فَلهَذَا بَطل الْجَرّ، وَصَارَ (حَتَّى) هَا هُنَا بِمَنْزِلَة الْوَاو. وَأما بَيت الفرزدق: (فواعجبا حَتَّى كُلَيْب تسبني ... كَأَن أَبَاهَا نهشل أَو مجاشع) فَلَو ذكرنَا قبل (حَتَّى) لفظ السب، كَقَوْلِك: يَا عجبا يسبني النَّاس حَتَّى كُلَيْب تسبني، لجَاز فِي (كُلَيْب) الرّفْع والجر، فالرفع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر، والجر على الْغَايَة، وَيكون (تسبني) توكيدا للسب الْمُتَقَدّم، وَإِذا رفعت فعلى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر، إِلَّا أَن الْبَيْت لما لم يذكر فِي أَوله السب، لم يجز أَن تخْفض (كليبا) ، لِأَنَّهُ يبْقى مُعَلّقا بِغَيْر شَيْء، فَلهَذَا لم يجز عندنَا إِلَّا الرّفْع، وَقد أجَاز الْخَفْض فِيهِ أهل الْكُوفَة وحملوا الْكَلَام على الْمَعْنى، والأجود قَوْلنَا، لِأَن اللَّفْظ لَهُ حكم، وَلَيْسَ كل مَا جَازَ على الْمَعْنى يجوز على الْعَطف، فاعرفه.

стр. 184

- ﷺ َ - (٢٢ - بَاب مَا تنصبه الْعَرَب وترفعه) إِن قَالَ قَائِل: بِأَيّ شَيْء تنصب (وَرَاءَك) فِي قَوْلك: (وَرَاءَك أوسع لَك) ؟ الْمَعْنى الْمُقدر هُوَ: تَأَخّر وَرَاءَك. فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم حسن النصب فِي قَوْلك: مَا صنعت وأباك؟ قيل لَهُ: لِأَن ضمير الْمَرْفُوع لَا يحسن الْعَطف عَلَيْهِ إِلَّا أَن يُؤَكد، فَعدل بِهِ إِلَى النصب، لقبح الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع، فَإِن أكدت الضَّمِير، قلت: مَا صنعت أَنْت وَأَبُوك، حسن الرّفْع، وَالنّصب (٤٠ / أ) جَائِز، فاعرفه. وَاعْلَم أَنه لَيْسَ كل فعل يحسن فِيهِ هَذَا، لَو قلت: قُمْت وعمرا، لم يحسن، وَيجوز مَعَ ذَلِك، وَالْأَحْسَن أَن يسْتَعْمل هَذَا الْبَاب فِي كل فعل بِمَعْنى (مَعَ) ، أَلا ترى أَن قَوْلك: مَا صنعت، يَقْتَضِي (مَعَ) ، إِذْ كَانَ قَوْلك: مَا صنعت، يَقْتَضِي مصنوعا مَعَه، فَلهَذَا حسن تَقْدِير (مَعَ) فِي هَذِه الْأَفْعَال. فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن جَازَ أَن تنوب الْوَاو عَن معنى (مَعَ) ؟ قيل لَهُ: لِأَن (مَعَ) تَقْتَضِي مُشَاركَة مَا بعْدهَا مَعَ مَا قبلهَا، كَقَوْلِك: جَاءَنِي زيد مَعَ عَمْرو، فعمرو قد شَارك زيدا فِي الْمَجِيء، كَمَا شَاركهُ لَو قلت: جَاءَنِي زيد وَعَمْرو، فَلهَذَا قَامَت مقَامه. وَاعْلَم أَن المفعولات الَّتِي ذَكرنَاهَا إِنَّمَا نسبت إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ من أجل الْمَعْنى، فَسُمي الْمصدر مَفْعُولا مُطلقًا، لِأَن الْعَامِل أحدثه. وَسمي (زيد) وَمَا جرى مجْرَاه من المفعولات مَفْعُولا بِهِ، لِأَن الْفَاعِل لم يفعل زيدا، وَإِنَّمَا هِيَ أَفعَال تحل بزيد،

стр. 185

فلأجل تقديرنا أَن الْفَاعِل حل بِهِ، سمي مَفْعُولا بِهِ، وَكَذَلِكَ سمي الظّرْف مَفْعُولا فِيهِ، لِأَن معنى الْفِعْل أَنه حل فِيهِ. وَكَذَلِكَ الْحَال إِذا كَانَ معنى قَوْلنَا: أَقمت ضَاحِكا، أَي: إقامتي فِي هَذِه الْحَال. وَكَذَلِكَ قَوْلنَا: جئْتُك مَخَافَة الشَّرّ، فَسُمي أَيْضا من أَجله، لِأَن اللَّام مقدرَة.

стр. 186

(٢٣ - بَاب وَهُوَ مَا كَانَ من الْأَفْعَال يتَعَدَّى بِحرف جر) اعْلَم أَن الأَصْل فِي هَذَا الْبَاب أَن يتَعَدَّى الْفِعْل بِحرف الْجَرّ، وَإِنَّمَا حذف حرف الْجَرّ اسْتِخْفَافًا، وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ، وَأكْثر مَا يحذف مِنْهُ حرف الْجَرّ إِذا كَانَ فِي الْفِعْل دَلِيل عَلَيْهِ، أَلا ترى أَن قَوْلك: اخْتَرْت الرِّجَال زيدا، أَن لفظ الِاخْتِيَار يَقْتَضِي تبعيضا، فَلهَذَا جَازَ حذف (من) لدلَالَة الْفِعْل عَلَيْهَا، وَمِنْه مَا يحذف اسْتِخْفَافًا لكثرته فِي كَلَامهم، كَقَوْلِهِم: نصحت زيدا، وسميتك زيدا، وكنيتك أَبَا عبد الله، لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء قد كثرت فِي كَلَامهم فاستخفوها، فحذفوا حرف الْجَرّ. وَكلتك ووعدتك، حذفوا حرف الْجَرّ، إِذْ لَا يشكل مَعْنَاهُمَا. فَأَما الْبَاء فِي قَوْلك: لست بمنطلق، فَلَيْسَتْ مَا تَقْتَضِيه مِنْهَا (لَيْسَ) اقْتِضَاء الْأَفْعَال لحرف الْجَرّ، إِذْ كَانَت (لَيْسَ) تعْمل فِي الْخَبَر، كعمل (كَانَ) فِي خَبَرهَا، وَإِنَّمَا تدخل فِي خبر (لَيْسَ) على طَرِيق التوكيد للنَّفْي، لما ذَكرْنَاهُ فِي بَاب (مَا) ، فاعرفه، وَقد تحْتَمل أَن تجْعَل من قَوْلك: من أحد، مفيدة، وَذَلِكَ أَن (أحدا) تسْتَعْمل بِمَعْنى الْعُمُوم، فَإِذا قلت: مَا جَاءَنِي أحد، جَازَ أَن يتَوَهَّم إِيجَاب، و (أحد) قد دخلت من جِهَة الْمَعْنى، وَصَارَ اللَّفْظ مُخْتَصًّا لنفي الْجِنْس

стр. 187

(٢٤ - بَاب التَّعَجُّب) إِن قَالَ قَائِل: لم خصت (مَا) من بَين سَائِر الْأَسْمَاء بالتعجب؟ قيل لَهُ: لإبهامها، وَالشَّيْء إِذا أبهم كَانَت النَّفس مشرفة إِلَيْهِ، وَالدَّلِيل على أَن (مَا) أَشد إبهاما من (من وَأي) ، أَنَّهَا تقع على مَا لَا يعقل، وعَلى صفة من يعقل، و (من) تخْتَص بِمن يعقل، فَصَارَت (مَا) أَعم، وَمَعَ ذَلِك فَإِن (مَا) وَاقعَة على الشَّيْء الَّذِي يتعجب مِنْهُ، وَذَلِكَ أَن الشَّيْء لَيْسَ مِمَّا يعقل، فَلم يجز إِدْخَال (من) هُنَا. وَأما (أَي) فَهِيَ متضمنة للإضافة، وَالْإِضَافَة توضحها، فَلذَلِك لم تقع هَذَا الْموقع. فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا استعملوا (الشَّيْء) إِذْ كَانَ أبهم الْأَشْيَاء؟ قيل لَهُ: إِن (الشَّيْء) رُبمَا يسْتَعْمل للتقليل (٤٠ / ب) ، وَلَو قلت: شَيْء أحسن زيدا، لجَاز أَن يعْتَقد أَنَّك تقلل الْمَعْنى الَّذِي حسن زيدا، فتجنبوه لهَذَا الْوَجْه، وَأَيْضًا فَإِن الْغَالِب على قَوْلك: شَيْء حسن زيدا، أَنه إِخْبَار عَن معنى مُسْتَقر، وَمَا تتعجب مِنْهُ يَنْبَغِي أَن يَسُرك فِي الْحَال، فَأَما مَا قد اسْتَقر وَعرف، فَلَا يجوز التَّعَجُّب مِنْهُ، فَلهَذَا خصت من بَين سَائِر الْأَسْمَاء بالتعجب. فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم خص فعل التَّعَجُّب بِأَن يكون مَنْقُولًا من الثَّانِي؟ قيل لَهُ: إِن النَّقْل لَا يكون إِلَّا بالأفعال الثلاثية، كَقَوْلِك: قَامَ زيد، ثمَّ تَقول: أقمته، وَكَذَلِكَ تَقول: حسن زيد، فتخبر عَنهُ، ثمَّ تَقول: أحسنته، إِذا

стр. 188

أردْت أَنَّك حسنته، نقلت هَذِه الْأَفْعَال إِلَى لفظ الرباعي، فَصَارَ: مَا أحسن زيدا، بِمَنْزِلَة: شَيْء أحسن هُوَ زيدا، فَصَارَ (زيد) مَفْعُولا يَجْعَل الْفِعْل لغيره. فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم لَا يجوز فِي الْأَفْعَال الرّبَاعِيّة فِي غير التَّعَجُّب؟ قيل لَهُ: فِي ذَلِك وُجُوه: أَحدهَا: أَنه لَو جَازَ النَّقْل فِي الرباعي، لجَاز فِي الخماسي والسداسي، وَلَو جَازَ ذَلِك أَيْضا لصار السداسي سباعيا، وَلَيْسَ فِي الْأَفْعَال مَا هُوَ على سَبْعَة أحرف، فَلَمَّا كَانَ نقل الرباعي يُؤَدِّي إِلَى الْخُرُوج عَن الْكَلَام، لم يجز. وَوجه آخر: أَن الْأَفْعَال الْأُصُول تقع على ضَرْبَيْنِ: ثلاثي ورباعي، فَجَاز نقل الثلاثي ليحمل على الرباعي الَّذِي هُوَ الأَصْل، فَلَو نقل الرباعي لم يكن لنا أصل يرد إِلَيْهِ، فَلهَذَا لم يجز. وَوجه ثَالِث: وَهُوَ أَن الثلاثي أخف الْأَبْنِيَة، فلخفته جَازَ أَن تزاد عَلَيْهِ الْهمزَة للنَّقْل، وَمَا زَاد على الثلاثي فَهُوَ ثقيل، فَلم تجز الزِّيَادَة فِيهِ. فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم خصت الْهمزَة من بَين سَائِر الْحُرُوف؟ قيل لَهُ: لِأَنَّهَا أقرب إِلَى حُرُوف الْمَدّ، إِذْ كَانَت من مخرج الْألف، وَالْألف لَا تكون الِابْتِدَاء بهَا، وَكَانَت أولى من الْهَاء، لِأَنَّهَا قد كثر زيادتها فِي هَذَا الْموضع، نَحْو: أصفر وأحمر، وَمَا أشبه ذَلِك، فَلَمَّا كثر زيادتها أَولا كَانَت

стр. 189

أولى من سَائِر الْحُرُوف. فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن زعمتم أَن (أحسن) فِي التَّعَجُّب فعل، وَمَا تنكرون أَن يكون اسْما لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن التصغير يدْخلهُ، كَقَوْلِك: مَا أحيسن زيدا. وَالثَّانِي: أَنه يَصح الْأَسْمَاء، كَقَوْلِك: مَا أقوم زيدا، وَالْفِعْل معتل، فَيُقَال: أَقَامَ زيد عمرا، وَلَا يُقَال: أقوم زيد عمرا؟ قيل لَهُ: الدَّلِيل على أَنه فعل لُزُوم الْفَتْح لآخره، وَلَو كَانَ اسْما لوَجَبَ أَن يرفع إِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ، أَلا ترى أَنَّك تَقول: زيد أحسن من عَمْرو، ترفع، وَإِن فتحتها قلت مَا أحسن زيدا، فتفتح، وَلَو كَانَ الَّذِي بعْدهَا اسْما لارتفع، فَلَمَّا لزمَه الْفَتْح دلّ على أَنه فعل مَاض. فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن دلّ عَلَيْهِ قَول الْفراء: إِنَّمَا يفتح آخِره، ليفرق بَينه وَبَين الِاسْتِفْهَام، وَالْأَصْل فِيهِ الِاسْتِفْهَام؟ قيل لَهُ: هَذَا لَا يجوز، وَذَلِكَ أَن للاستفهام معنى مباينا لِمَعْنى التَّعَجُّب، وَإِذا تباينت الْمعَانِي لم يجز أَن يَجْعَل أَحدهمَا أصلا للْآخر، فَإِذا كَانَ قد فسد أَن يَجْعَل الِاسْتِفْهَام أصلا للتعجب ثَبت مَا ذَكرْنَاهُ. وَأما احتجاجهم بِالتَّصْغِيرِ فساقط، وَذَلِكَ أَن فعل التَّعَجُّب قد لزم طَريقَة وَاحِدَة، فَجرى فِي اللَّفْظ مجْرى الْأَسْمَاء، فأدخلوا عَلَيْهِ التصغير تَشْبِيها بِالِاسْمِ، وَلَيْسَ يجب أَن يكون الشَّيْء إِذا حمل على

стр. 190

غَيره لشبه بَينهمَا (٤١ / أ) أَن يخرج من جنسه، إِلَّا أَن اسْم الْفَاعِل قد عمل عمل الْفِعْل، وَلم يُخرجهُ ذَلِك إِلَى أَن يكون اسْما، وَكَذَلِكَ فعل التَّعَجُّب - وَإِن صغر تَشْبِيها بِالِاسْمِ - فَلَا يجب أَن يكون اسْما. وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الْفِعْل يدل على مصدره، وَإِذا زادوا يَاء التصغير أَرَادوا تحقير الْجِنْس الَّذِي وَقع فِيهِ التَّعَجُّب، وَهُوَ الْمصدر بِعَيْنِه، فَلم يُمكنهُم لعدم لفظ الْمصدر، فأدخلوا التصغير على الْفِعْل، وهم يُرِيدُونَ بِهِ الْمصدر، لِأَنَّهُ شَبيه بِهِ ودال عَلَيْهِ، فَإِذا كَانَ التصغير دخل على الْفِعْل على طَرِيق الْعَارِية لَا على طَرِيق التَّحْقِيق، لم يكن تصغيره دلَالَة على أَنه اسْم، وَأما تَصْحِيحه فَلَمَّا ذَكرْنَاهُ من تشبيهه بِالِاسْمِ، إِذْ قد لزم طَريقَة وَاحِدَة، كَمَا يَصح الِاسْم. فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا أوجه تَصْحِيح الِاسْم؟ قيل لَهُ: ليفصل بَينه وَبَين الْفِعْل، وَذَلِكَ أَن مَا كَانَ على (أفعل) - وَهُوَ صفة - لَا ينْصَرف، فَإِذا لم ينْصَرف، لم يدْخلهُ الْجَرّ وَلَا التَّنْوِين، كَمَا أَن الْفِعْل لَا يدْخلهُ جر وَلَا تَنْوِين، فَلَو أعللنا الِاسْم كَمَا يعل الْفِعْل لم يَقع بَينهمَا فصل، فَجعل التَّصْحِيح فصلا بَينه وَبَين الْفِعْل، وَإِنَّمَا كَانَ الِاسْم الصَّحِيح أولى من الْفِعْل، لِأَن الْفِعْل يتَصَرَّف فَتدخل الحركات على حُرُوف الْمَدّ فِي تصاريف الْفِعْل، وَذَلِكَ مستثقل، وَالِاسْم يلْزم طَريقَة وَاحِدَة، وَالْحَرَكَة إِنَّمَا تدخل على حُرُوف الْمَدّ فِي الِاسْم فِي مَوضِع وَاحِد، فَكَانَ أولى بالتصحيح من الْفِعْل لما ذَكرْنَاهُ. وَأما (دَار، وَبَاب) فَإِنَّمَا أعلا لِأَن الْجَرّ والتنوين يدخلهما، فَيَقَع بهما

стр. 191

الْفَصْل بَين الِاسْم وَالْفِعْل، فَلم يجب تصحيحهما، فحملا على الْفِعْل فِي الإعلال لِأَنَّهُ أخف. وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت: مَا أحسن مَا قَامَ زيد، ف (مَا) الثَّانِيَة مَعَ الْفِعْل مصدر، وَزيد: فَاعل الْقيام، وَلَا تحْتَاج (مَا) إِلَى ضمير يرجع إِلَيْهَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة (أَن) فِي هَذَا الْموضع، وَإِن كَانَت بِمَنْزِلَة (الَّذِي) لم تجز الْمَسْأَلَة، لِأَنَّهَا فِي صلتها ضمير يرجع إِلَيْهَا، فَإِن أردْت أَن تجعلها بِمَنْزِلَة (الَّذِي) قبح، وَكَانَ لَفظه: مَا أحسن مَا قَامَ زيد إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ تَقول: مَا أحسن مَا كَانَ زيد، إِذا جعلت (كَانَ) بِمَنْزِلَة (وَقع) وَجعلت (مَا) وَالْفِعْل مصدرا، فَإِن نصبت زيدا ب (كَانَ) جَعلتهَا بِمَنْزِلَة (الَّذِي) ، وَجعلت فِي (كَانَ) ضميرا يرجع إِلَيْهَا، ونصبت زيدا على خبر (كَانَ) ( ... . .) قبح أَن تجْعَل (مَا) بِمَنْزِلَة (الَّذِي) فِي هَذَا الْموضع، لِأَن (مَا) إِنَّمَا تقع على ذَات مَا لَا يعقل، وَأحسن لَا يعقل، وَلَا يحسن أَن تقع على ذَات مَا يعقل، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: مَا كَانَ فِي الدَّار؟ لَكَانَ الْجَواب: حمَار أَو ثَوْر، وَلَا يجوز أَن يكون الْجَواب: زيد

стр. 192

وَلَا عَمْرو، إِلَّا أَنه جَازَ مَا ذَكرْنَاهُ، لِأَن الصّفة هُوَ الْمَوْصُوف، فَإِن قلت: مَا أظرف مَا كَانَ زيد، وَمَا أعلم مَا كَانَ زيد، كَانَ محالا، لِأَن (مَا) مَعَ الْفِعْل بِمَنْزِلَة الْمصدر، فَيصير التَّقْدِير: مَا أظرف كَون زيد، وَمَا أعلم كَون زيد، والكون لَا يُوصف بالظرف وَالْعلم. فَإِن نصبت (زيدا) على أَن تجْعَل (مَا) بِمَنْزِلَة (الَّذِي) جَازَ ذَلِك، فاعرفه. وَاعْلَم أَن الألوان والخلق إِنَّمَا لم يشتق مِنْهُمَا فعل للتعجب لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن أصل أفعالها أَن يسْتَعْمل على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف، وَذَلِكَ أَن (عور) أَصله فِي الِاسْتِعْمَال (اعور) ، وَكَذَلِكَ (حول) (٤١ / ب) أَصله (احول) . وَمَا زَاد على الثلاثي من الْأَفْعَال فِي بَاب الِاسْتِعْمَال لم يجب أَن يبْنى مِنْهَا فعل التَّعَجُّب، لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاط الزَّوَائِد مِنْهُ حَتَّى يرجع إِلَى ثَلَاثَة أحرف، ثمَّ تدخل عَلَيْهِ همزَة التَّعَدِّي، وَإِسْقَاط الزَّوَائِد مِنْهُ يبطل مَعْنَاهُ، فَلهَذَا لم يجز أَن يبْنى من الألوان، وَلَا مِمَّا زَاد على ثَلَاثَة أحرف من الْأَفْعَال، وَإِن كَانَ زيدا، إِلَّا أَن تكون الزَّوَائِد لَو حذفت لم يخل بِمَعْنى، فقولك: مَا أفقر زيدا، وَإِن كَانَ الْمُسْتَعْمل: افْتقر زيد، لِأَنَّك رددت (افْتقر) إِلَى (أفقر) ، فَكَانَ اللَّفْظ لَا يُغير من معنى الْكَلِمَة، فَلهَذَا جَازَ، وَكَذَلِكَ تَقول: مَا أعطَاهُ للدرهم، وأولاه

стр. 193

بالجميل، لِأَنَّك رددت (أولى وَأعْطى) إِلَى أَصلهمَا، ثمَّ نقلتهما بِالْهَمْزَةِ، فأصلهما وَاحِد، فَلهَذَا جَازَ نقل (أعْطى وَأولى) . فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن زعمتم أَن الأَصْل فِي (عور) : اعور، وَمَا تنكرون أَن أَصله (عور) لَا (اعور) ؟ قيل: الدَّلِيل على مَا ذَكرْنَاهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه قد اطرد فِي هَذِه الألوان والخلق أَن يَجِيء على (افْعَل) ، كَقَوْلِك: اصفر واخضر، وَلَا يَجِيء على (فعل) نَحوا، فَدلَّ امْتنَاع فعل التَّعَجُّب من جَمِيعهَا أَنه مَرْفُوع فِي الِاسْتِعْمَال، فَإِن الأَصْل فِي الِاسْتِعْمَال الْفِعْل المطرد فِي جَمِيع الْبَاب. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن (أفعل) أثقل من (فعل) ، وَمن كَلَامهم جَوَاز التَّخْفِيف من الثقيل، أَعنِي أَنهم ينتقلون من الثقيل إِلَى الْخَفِيف، وَإِنَّمَا نقل (عور) من (اعور) ، و (حول) من (احول) ، وَلَيْسَ من كَلَامهم أَن ينقلوا الْخَفِيف إِلَى الثقيل، إِذا اتفقَا فِي الْمَعْنى، اعني الْخَفِيف والثقيل، لِأَن نقل الْخَفِيف يُوجب تكلفا لَا فَائِدَة فِيهِ، إِذا كَانَا فِي هَذَا الْموضع قد اتفقَا فِي الْمَعْنى، وَمثل هَذَا لَا يَقع من حَكِيم، فَدلَّ استعمالهم (عور واعور) بِمَعْنى وَاحِد، أَن (عور) مخفف من (اعور) ، وَيجوز أَن يعتل فِي امْتنَاع اشتقاق الْفِعْل من الألوان والخلق بِمَا يحْكى عَن الْخَلِيل، وَهَذِه الْأَشْيَاء لما كَانَت مُسْتَقِرَّة فِي الشَّخْص وَلَا تكَاد تَتَغَيَّر، جرت مجْرى ( ... .) الثَّلَاثَة الَّتِي لَا يعْنى للْفِعْل فِيهَا ك (الْيَد وَالرجل) ، فَكَمَا لَا تَقول: مَا أيداه، وَلَا: مَا أرجله،

стр. 194

إِذْ كَانَا اسْمَيْنِ لَيْسَ بجاريين على فعل، فَكَذَلِك لَا يجوز فِي الألوان والخلق اشتقاق فعل التَّعَجُّب حملا على (الْيَد وَالرجل) . وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت: أحسن بزيد، وأظرف بِعَمْرو، فالباء يجوز أَن يكون موضعهَا رفعا ونصبا، وَالْأَظْهَر أَن يكون مَوضِع الْبَاء وَمَا بعْدهَا رفعا، لِأَن (أحسن) فعل، وَلَا بُد للْفِعْل من فَاعل، وَوَجَب أَن تكون الْبَاء مَعَ الِاسْم فِي مَوضِع الْفَاعِل، فَهَذَا هُوَ الظَّاهِر. وَأما من جوز أَن يكون موضعهَا رفعا ونصبا، فَإِنَّهُ يَقُول: فِي الْفِعْل الْفَاعِل، وَهُوَ (أحسن) ، كَمَا أضمر فِيهِ، إِذا كَانَ بعد (مَا) فَاعل قدر الثَّانِي مضمرا، صَار حرف الْجَرّ مَعَ مَا تعلق بِهِ فِي مَوضِع الْمَفْعُول، وَهَذَا القَوْل ضَعِيف، وَإِنَّمَا ضعف وَفَارق: مَا أحسن زيدا، وَإِنَّمَا جَازَ الْإِضْمَار فِي: مَا أحسن، لتقدم (مَا) عَلَيْهِ، وَمَا: اسْم مُبْتَدأ، وَأحسن: فِي مَوضِع خَبره، فَلم يكن بُد من تَقْدِير ضمير يرجع إِلَى الْمُبْتَدَأ. وَأما قَوْله: أحسن بزيد، فَلم يتَقَدَّم قبله مَا يدل على الْإِضْمَار (٤٢ / أ) ، فَإِذا أمكننا أَن نحمل الْكَلَام على ظَاهره، كَانَ ذَلِك أولى من التَّأْوِيل الْبعيد. فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا وَجه اسْتِعْمَال فعل التَّعَجُّب على لفظ الْأَمر، وَإِدْخَال الْبَاء مَعَه؟ قيل لَهُ: يجوز أَن يكون أَرَادوا بذلك الْمُبَالغَة فِي الْمَدْح، فأدخلوا الْبَاء لأَنهم قدروه بِأَحْسَن: اثْبتْ بزيد، فَلَمَّا أَرَادوا هَذَا الْمَعْنى أدخلُوا الْبَاء، إِذْ كَانَ (اثْبتْ) يتَعَدَّى بِحرف الْجَرّ، ودخلة معنى: حسن جدا، لِأَن لفظ الْأَمر فِيهِ طرف من

стр. 195

الْمُبَالغَة، فَلهَذَا أجازوه. وَيجوز فِي إِدْخَال الْبَاء وَجه آخر، وَهُوَ أَنهم أَرَادوا أَن يفصلوا بَين لفظ الْأَمر الَّذِي هُوَ يُرَاد بِهِ التَّعَجُّب وَبَينه، إِذْ كَانَ أمرا فِي الْحَقِيقَة. وَاعْلَم أَن لفظ: أحسن بزيد، لَا يتَغَيَّر لوَاحِد خاطبت أَو لاثْنَيْنِ أَو لجَماعَة، أَو لمؤنث أَو لمذكر، كَقَوْلِك: يَا زيد أحسن بِعَمْرو، وَيَا هِنْد أحسن بِعَمْرو، وَإِنَّمَا لم يخْتَلف لَفظه لِأَنَّك لست تَأمره أَن يفعل شَيْئا، وَإِنَّمَا هَذَا اللَّفْظ بِمَنْزِلَة قَوْلك: مَا أحسن عمرا، فَكَمَا أَن: مَا أحسن عمرا، لَا يتَغَيَّر، فَكَذَلِك مَا قَامَ مقَامه. وَاعْلَم أَن الْفَصْل بَين فعل التَّعَجُّب وَمَا عمل فِيهِ لَا يجوز، هَكَذَا ذكر سِيبَوَيْهٍ، وَقد أجَاز بَعضهم الْفَصْل بَينهمَا بالظروف وحروف الْجَرّ. فَأَما امْتنَاع الْفَصْل فَلِأَن (احسن) قد لزم طَريقَة وَاحِدَة، فقد شابه من هَذَا الْوَجْه الْحُرُوف فِي الْعَمَل، وَكَانَ الْمَنْصُوب بعده - وَإِن كَانَ معرفَة - يشبه التَّمْيِيز، وَإِن كَانَ لَيْسَ بتمييز فِي الْحَقِيقَة، وَوجه شبهه بالتمييز أَنَّك إِذا قلت: مَا أحسن، فقد أبهمت، فَإِذا ذكرت زيدا أَو عمرا، بيّنت من الَّذِي قصد بالإخبار عَنهُ بِهَذَا الْمَعْنى، وَإِن لم تجْعَل نَصبه على هَذَا الْمَعْنى، لِأَن فعله مقول عَنهُ، فَجرى مجْرى الْمَفْعُول الَّذِي يتَعَدَّى إِلَيْهِ الْفِعْل، وَخرج من حكم التَّمْيِيز، وَهُوَ مَعَ ذَلِك: يجْرِي مجْرى الْمثل،

стр. 196

لَا يُفَارِقهُ لَفظه فِي الْمُذكر والمؤنث والتثنية وَالْجمع، والأمثال حَقّهَا أَلا تغير عَمَّا سَمِعت، فَلَمَّا اجْتمع فِي فعل التَّعَجُّب هَذِه الْجِهَات الَّتِي ذَكرنَاهَا منع الْفَصْل بَينه وَبَين مَفْعُوله، إِذْ كَانَت الْأَشْيَاء حَقّهَا أَلا يفصل بَينهَا وَبَين مَا تعْمل فِيهِ. فَأَما من أجَاز الْفَصْل بَينه وَبَين معموله بالظرف وحروف الْجَرّ، فَقَالَ: إِن فعل التَّعَجُّب وَإِن لم يتَصَرَّف، فَلَيْسَ يكون أَضْعَف من الْحُرُوف، لِأَنَّهُ لم يخرج من الْفِعْل إِذْ لم يتَصَرَّف , وَقد وجدنَا الْحُرُوف الناصبة يفصل بَينا وَبَين مَا تعْمل فِيهِ بالظروف، فَكَانَ فعل التَّعَجُّب أولى بِجَوَاز الْفَصْل، وَهَذَا لَا يدْخل على مَا ذَكرْنَاهُ، لِأَن اجْتِمَاع الْأُمُور الَّتِي ذَكرنَاهَا مجموعها منع الْفِعْل، وَأما إِذا انْفَرد بعض أَوْصَافه، فَلَيْسَ يجب أَن يجْرِي حكمه مجْرى مَجْمُوع الْأَوْصَاف. فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَت الْعَرَب: مَا أحسن بِالرجلِ أَن يفعل الْجَمِيل، والتعجب وَمَا عمل فِيهِ لحرف الْجَرّ؟ قيل لَهُ: لَا يلْزم، وَذَلِكَ إِن كَانَ أوقع التَّعَجُّب، فَإِن وَقع بهَا فَهِيَ وَمَا بعْدهَا مصدر، والمصدر الرجل الْمَخْصُوص، لِأَن معنى الْكَلَام: مَا أحسن فعل إِلَّا جميل بِالرجلِ، فالمدح والذم إِنَّمَا يقعان بأسماء الْأَفْعَال، فَصَارَ (بِالرجلِ) - وَإِن كَانَ مَخْصُوصًا - يرجع التَّعَجُّب إِلَيْهِ، فَلم يَقع الْفَصْل، لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى هُوَ المتعجب مِنْهُ، فَأَما مَا كَانَ من حُرُوف الْجَرّ والظروف الَّتِي لَا تجْرِي هَذَا المجرى فِيمَا تعلّقت بِهِ، فَلَا يجوز الْفَصْل بَينهمَا لما ذَكرْنَاهُ من الْفَصْل بَينهمَا. وَاعْلَم أَنَّك إِذا رججت فعل التَّعَجُّب إِلَى نَفسك قلت: مَا أحسنني، زِدْت

стр. 197

نونا قبل يَاء الْمُتَكَلّم، ليسلم الْفِعْل، وَأَنت بِالْخِيَارِ إِن شِئْت سكنت النُّون الأولى وأدغمتها فِي النُّون الثَّانِيَة، وَإِن شِئْت أظهرت النونين، وَهَذَا أَجود، لِأَن الْمَفْعُول مُنْفَصِل مِمَّا قبله، وَكَذَلِكَ إِذا جمعت. فَأَما إِذا رددت إِلَى نَفسك فِي حَال الِاسْتِفْهَام زِدْت يَاء مُجَرّدَة على النُّون وكسرتها، لِأَن يَاء الْمُتَكَلّم لَا يكون مَا قبلهَا إِلَّا مكسورا فَإِن ثنيت أَو جمعت قلت: مَا أحسننا، فرجعة الفتحة إِلَى النُّون لزوَال الْيَاء، وَيجوز أَيْضا الْإِدْغَام، فَأَما إِذا رددت الْفِعْل فِي النَّفْي إِلَى نَفسك، قلت: مَا أَحْسَنت، سكنت النُّون، لمجيء تَاء الْمُتَكَلّم، وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا مضى، فَإِن جمعت قلت: مَا أحسنا، بِالْإِدْغَامِ، لَا غير لِأَن النُّون فِي (أحسن) تسكن، وَلَا يجوز تحريكها، فَلَمَّا لقيتها النُّون الثَّانِيَة، وَهِي متحركة، التقى حرفان من جنس وَاحِد، وهما فِي تَقْدِير كلمة وَاحِدَة، وَإِذا كَانَ الْفِعْل وَالْفَاعِل كالشيء الْوَاحِد فَلهَذَا، وَجب الْإِدْغَام.

стр. 198

(٢٥ - بَاب النداء) إِن قَالَ قَائِل: مَا بَال الِاسْم الْمُفْرد مَبْنِيا، والمضاف معربا، وَإِذ مثلت مَا انتصب عَلَيْهِ الْمُضَاف، كَانَ هُوَ الْمُفْرد فِي ذَلِك سَوَاء، كَقَوْلِك: دَعَوْت زيدا، ودعوت عبد الله، فَإِذا جِئْت ب (يَا) اخْتلفَا؟ قيل: هَذَا الَّذِي ذكرت إِنَّمَا هُوَ عبارَة الْكَلِمَة، وَأَنت إِذا قلت: يَا زيد، فلست مُقبلا على مُخَاطب بِهَذَا الحَدِيث عَن زيد، إِنَّمَا خطابك فِيهِ لزيد، وَإِذا قلت: دَعَوْت زيدا، فَأَنت مُخَاطب غير زيد بِهَذَا، وَلَو خاطبت بِهَذَا زيدا، لَقلت: دعوتك، وَلم تقل: دَعَوْت زيدا، والتأويل تَأْوِيل فعل، وَالْمعْنَى معنى خطاب، فَوَقع (زيد) بَين حالتين، بَين الْمخبر عَنهُ - وَهُوَ غَائِب، لِأَنَّهُ معرض عَنْك - وَبَين الْمُخَاطب، لِأَنَّك تُرِيدُ غَيره. فضارع المكني، لِأَنَّك إِذا خاطبت فَإِنَّمَا تَقول: أَنْت فعلت، وَإِيَّاك أردْت، وهما اسمان مبنيان، فَلَمَّا خُوطِبَ المنادى باسمه الَّذِي يَقع فِيهِ الحَدِيث عَنهُ عِنْد من يُخَاطب، صَار غير مُتَمَكن فِي هَذَا الْموضع، فَعدل عَن الْإِعْرَاب إِلَى الْبناء، لِأَنَّهُ وَقع موقع اسْم مَبْنِيّ. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا بَال هَذَا الْمُفْرد كَانَ بِنَاؤُه على حَرَكَة؟ قيل لَهُ: لِأَن المنادى من قبل كَانَ مُسْتَحقّا للإعراب، وكل اسْم كَانَ معربا ثمَّ أزيل عَنهُ الْإِعْرَاب لعِلَّة عرضت فِيهِ، وَجب أَن يبْنى على حَرَكَة، ليَكُون بَينه وَبَين غَيره من الْأَسْمَاء الَّتِي لم تقع قطّ معربة فرق، نَحْو: (من وَكم وَمَا) فَلهَذَا وَجب أَن يبْنى المنادى على حَرَكَة. فَإِن قيل: فَلم صَار الضَّم أولى من سَائِر الحركات؟

стр. 199

قيل لَهُ: لِأَن الْفَتْح مَبْنِيّ على أصل لَو بني عَلَيْهِ لم يعلم أمعرب هَذَا أم مَبْنِيّ، إِذْ كَانَ فِي الْأَسْمَاء مَا لَا ينْصَرف، فَلَو ناديته وفتحته لم يعلم أَنه مَنْصُوب على أصل مَا يسْتَحقّهُ المنادى أَو مَبْنِيّ، فَسقط الْفَتْح لما ذَكرْنَاهُ، وَلم يجز الْكسر، (٤٣ / أ) لِأَن الْمُضَاف إِلَى الْمُتَكَلّم الِاخْتِيَار فِيهِ حذف الْيَاء والاجتزاء بالكسرة عَنْهَا، نَحْو: يَا غُلَام أقبل، فَلَو كسرت المنادى، لم يعلم أَنه مُفْرد أَو مُضَاف، فَسقط الْكسر أَيْضا، فَلم يبْق إِلَّا الضَّم، فَلهَذَا خص بِالضَّمِّ. فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ النكرَة (و) الْمُضَاف مخاطبين كالمفرد، فَهَلا يبنيا لوقوعهما موقع المكني، كَمَا يبْنى الْمُفْرد؟ قيل لَهُ: الْفَصْل بَينهمَا من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْمُفْرد وَقع بِنَفسِهِ موقع المكني، أَلا ترى أَنه يتعرف بِنَفسِهِ كَمَا يتعرف المكني، وَأما الْمُضَاف فيتعرف بالمضاف إِلَيْهِ، فَلم يقم مقَام المكني فِي جَمِيع أَحْكَامه، كَمَا رفع الْمُفْرد، وَأما النكرَة فبعيدة الشّبَه بالمكني، فَلم يجز بناؤها. وَالْوَجْه (الثَّانِي) : أَنا لَو سلمنَا أَن الْمُضَاف والنكرة وَقعا موقع المكني، كوقوع الْمُفْرد لم يلْزم بناؤهما، لِأَنَّهُ عرض فِي الْمُضَاف مَا يمْنَع الْبناء، وَكَذَلِكَ مَا يقوم مقَامه، وَأما النكرَة فَنصبت للفصل بَينهَا وَبَين النكرَة الْمَقْصُود قَصدهَا، فبنيت النكرَة الْمَحْضَة على أصل الْبناء، وبنيت النكرَة الْمَقْصُود قَصدهَا، إِذْ كَانَت هِيَ المخرجة

стр. 200

عَن بَابهَا، وَكَانَت أولى بالتغيير. فَإِن قَالَ قَائِل: فقد وجدنَا مُضَافا مَبْنِيا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿من لدن حَكِيم عليم﴾ ؟ قيل لَهُ: إِنَّمَا ترد الْإِضَافَة الِاسْم إِلَى الْإِعْرَاب، إِذا لم يكن الْمُضَاف مُسْتَحقّا للْبِنَاء فِي حَال الْإِضَافَة، وَهُوَ مُتَضَمّن للإضافة كالمنادى، أَلا ترى أَنه لَا تلْزمهُ الْإِضَافَة فِي جَمِيع أَحْوَاله، وَأما (لدن) لَيْسَ لَهَا حَال تنفك بهَا من الْإِضَافَة، فَلَمَّا كَانَ الْبناء يلْزمه فِي حَال إِضَافَته، لم يجز إعرابه. فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ إِذا خاطبت إنْسَانا، فَقلت لَهُ: أَنْت تفعل، فقد يجوز أَن يشكل عَلَيْهِ خطابك لَهُ، إِذْ كَانَ هَذَا اللَّفْظ يصلح أَن يكون لَهُ وَلغيره، فَهَلا جعل المنادى كالمضمر، إِذْ كَانَ مُخَاطبا، وَإِن وَقع فِيهِ اللّبْس الَّذِي ذكرته؟ قيل: الْفَصْل بَينهمَا أَن المنادى معرض عَمَّن يُنَادِيه، وَلَيْسَ يعلم أَنه الْمَقْصُود إِلَّا بِنَفس اللَّفْظ فَقَط، وَاللَّفْظ لَا يدل عَلَيْهِ دون غَيره، فاحتجنا إِلَى ذكر اسْمه. وَأما الْمُخَاطب غير المنادى فثم إِشَارَة بيد أَو عين مَعَ اللَّفْظ، فَصَارَ هَذَا الْمَعْنى يضْطَر الْمُخَاطب إِلَى الْعلم بِأَنَّهُ مَقْصُود بِالْخِطَابِ، فَلهَذَا استغني بالمضمرات عَن الْأَسْمَاء الظَّاهِرَة. وَاعْلَم أَن المنادى الْمعرفَة فِيهِ اخْتِلَاف، فَمن النَّحْوِيين من يَقُول: إِن تَعْرِيفه الَّذِي كَانَ فِيهِ قبل النداء قد بَطل، وَحدث فِيهِ تَعْرِيف آخر بالنداء، وَأما ابْن السراج

стр. 201

فَيَقُول: تَعْرِيفه بَاقٍ فِيهِ، والأجود القَوْل الأول، وَإِنَّمَا كَانَ أَجود لِأَن الِاسْم الْعلم تَعْرِيفه من جِهَة الْقَصْد، وَإِذا اجْتمع الْقَصْد إِلَى النداء تعرف المنادى، أَلا ترى أَن قَوْلك: يَا رجل، معرفَة بِالْقَصْدِ و (يَا) ، فَوَجَبَ إِذا نادينا زيدا وَمَا أشبهه أَن يبطل تَعْرِيفه من جِهَة النِّيَّة، وَيصير مَا حصل لَهُ من التَّعْرِيف و (يَا) ، إِذا كَانَ هَذَا التَّأْوِيل مُمكنا فِي (زيد) وَمَا أشبهه، فَحمل الشَّيْء على مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ حَاصِل لَهُ فِي الْحَال أولى. وَأما مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن السراج فَإِنَّهُ رأى أَن بعض الْأَسْمَاء لَا يَقع فِيهَا اشْتِرَاك، نَحْو: الفرزدق، (٤٣ / ب) قَالَ: والتنكير إِنَّمَا هُوَ باشتراك الْأَسْمَاء، وَهَذِه شُبْهَة ضَعِيفَة، لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يُسمى بالفرزدق أشخاص كَثِيرَة، إِذْ كَانَت التَّسْمِيَة لَيست بمحظورة، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، صَار حكم جَمِيع الْأَسْمَاء وَاحِدًا فِي جَوَاز الِاشْتِرَاك فِيهَا، فَوَجَبَ أَن يكون الْأَمر على مَا ذكرنَا أولى، وَلَا يجوز وَجه آخر فِي إِيجَاب تنكير الْأَسْمَاء، أَن يُقَال لما كَانَ المكني لَا يخْتَص بشخص دون شخص فِي حَال النداء، ثمَّ ذكرنَا أَن الِاسْم الْعلم وَقع فِي مَوْضِعه، وَجب أَن يحصل فِي مَوْضِعه جَهَالَة، حَتَّى يتَبَيَّن بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ، كَمَا حصل ذَلِك فِي الْمُضمر الَّذِي قَامَ مقَامه. وَاعْلَم أَن الْمُفْرد الْمعرفَة إِذا نَعته بمفرد معرفَة، فلك فِي النَّعْت وَجْهَان: الرّفْع وَالنّصب، فَأَما الرّفْع: فبالحمل على اللَّفْظ، وَأما النصب: فبالحمل على الْموضع. فَإِن قَالَ قَائِل: أما الْحمل على الْموضع فَمُسلم، لِأَن الْموضع نصب، فَمن أَيْن

стр. 202

حمل النَّعْت على اللَّفْظ، وَهَذِه الْحَرَكَة لَيست بحركة إِعْرَاب، فَإِذا جَازَ الْحمل على اللَّفْظ، فَهَلا جَازَ أَيْضا النَّعْت على لفظ مَا لَا ينْصَرف، كَقَوْلِك: مَرَرْت بعثمان الظريف؟ قيل لَهُ: إِنَّمَا جَازَ حمل النَّعْت على اللَّفْظ فِي المنادى، لِأَن الضَّم قد اطرد فِي كل مُفْرد، فَصَارَ اطراده يجْرِي مجْرى عَامل أوجب لَهُ ذَلِك، فشبهت الضمة فِي المنادى بحركة الْفَاعِل، لما ذَكرْنَاهُ من الاطراد، وَإِنَّمَا يجب ذَلِك فِي عَامل الرّفْع، وَإِنَّمَا قبح فِيمَا لَا ينْصَرف فِي حَال الْجَرّ، فَلَيْسَ ذَلِك بمطرد فِي اسْم، فَصَارَت الفتحة عارضة، فَلم تبلغ من قوتها أَن تشبه بالحركة الَّتِي تجب من أجل عَامل، فَإِذا كَانَ كَذَلِك، فَإِن حمل النَّعْت على الْموضع الَّذِي قد عمل فِيهِ عَامل وَاحِد، وَلم يجز حمل النَّعْت على حَرَكَة عارضة لما ذَكرْنَاهُ. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ جَازَ أَن يكون النَّعْت معربا والمنعوت مَبْنِيا؟ قيل لَهُ: لِأَن المنعوت اسْتحق الْبناء لعِلَّة فِيهِ، وَهُوَ كَونه منادى، وَأما النَّعْت فَلَيْسَ بمنادى، فَلم تعرض لَهُ عِلّة الْبناء، فَوَجَبَ أَن يكون معربا، رفعته أَو نصبته أَلا ترى أَن مَا لَا ينْصَرف ينعَت بالمنصرف، إِذا لم تعرض فِيهِ عِلّة تمنع الصّرْف، فقد بَان لَك أَن المنادى وَإِن كَانَ مَبْنِيا فنعته مُعرب. فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم لَا يجوز الرّفْع فِي نعت الْمُضَاف، حملا على لفظ المنادى، كَمَا يجوز الرّفْع فِيهِ إِذا كَانَ مُفردا؟ قيل لَهُ: لِأَن نعت الْمُفْرد كَانَ حَقه أَن يحمل على الْموضع، لِأَنَّهُ الأَصْل، وَإِنَّمَا تحمله على اللَّفْظ، لِاجْتِمَاع علتين: إِحْدَاهمَا: مَا ذَكرْنَاهُ من اطراد الضَّم فِي كل مُفْرد، وَالثَّانيَِة: أَنه يجوز حذف الْمَوْصُوف وَإِقَامَة الصّفة مقَامه، فَلَمَّا كَانَت

стр. 203

الصّفة المفردة لَو حلت مَحل المنادى ضمت جَازَ فِيهَا الرّفْع، كَمَا يجوز فِيهَا الضَّم، وَأما الصّفة المضافة فَلَيْسَ لَهَا هَذَا الحكم، أَلا ترى أَنَّهَا لَو قَامَت مقَام الْمَوْصُوف لم تكن إِلَّا المنصوبة، فَلم يكن لدُخُول الضَّم وَجه، فلزمت وَجها وَاحِدًا، وَهُوَ النصب. فَأَما مَا لزمَه النصب إِذا كَانَ منادى، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا طَريقَة وَاحِدَة، ونعته أَيْضا لَا يجوز فِيهِ إِلَّا وَجه وَاحِد، وَهُوَ النصب، كَقَوْلِك: يَا عبد الله الظريف، وَيَا رجلا صَالحا، وَيَا خيرا من زيد. وَاعْلَم أَن حكم الْمَعْطُوف أَن يجْرِي حكمه (٤٤ / أ) على مَا يسْتَحقّهُ لَو وليه عَامل الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، إِذْ كَانَ شَرِيكا لَهُ، فَإِذا عطفت على المنادى فاعتبره فِي نَفسك، فَإِن كَانَ مُفردا وَجب لَهُ الضَّم، وَكَانَ الْمَعْطُوف مثله أَيْضا مضموما، وَإِن كَانَ مُضَافا أَو نكرَة أَو مضارعا للمضاف نصب، كَقَوْلِك: يَا زيد، وَيَا عبد الله، وَيَا زيد ورجلا صَالحا، وَيَا زيد وَخيرا من عَمْرو، وَكَذَلِكَ لَو قدمت هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي تسْتَحقّ النصب ثمَّ عطفت عَلَيْهَا بمفرد معرفَة ضممته، إِذْ كَانَ حكم كل وَاحِد مِنْهُمَا كَأَنَّهُ منادى فِي نَفسه، إِلَّا أَن يكون المنادى معرفَة مُفْردَة، فعطفت عَلَيْهَا باسم فِيهِ ألف وَلَام، فَإِنَّهُ يجوز ذَلِك - فِيمَا فِيهِ الْألف وَاللَّام - الرّفْع وَالنّصب، كَقَوْلِك: يَا زيد والْحَارث، وَإِن شِئْت نصبت (الْحَارِث) ، وَقد قرىء بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا: ﴿يَا جبال أوبي مَعَه وَالطير﴾ . وَقَرَأَ الْأَعْرَج

стр. 204

بِالرَّفْع، فَأَما الرّفْع فعلى الْعَطف على اللَّفْظ، وَأما النصب فبالعطف على الْموضع، وَإِنَّمَا جَازَ فِيهِ الْوَجْهَانِ لِأَن (يَا) لَا يَصح أَن تدخل (على) مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، فَلَمَّا لم يجز لما فِيهِ الْألف وَاللَّام أَن يَلِيهِ حرف النداء، لم يكن لَهُ حكم يخْتَص بِهِ كَمَا كَانَ ذَلِك لما ذَكرْنَاهُ من الْأَسْمَاء المضافة والمفردة، فَلَمَّا لم يكن لَهُ حكم يخْتَص بِهِ، وَكَانَ الِاسْم الَّذِي قبله لَهُ لفظ وَمعنى، حمل مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام على اللَّفْظ مرّة، إِذْ كَانَ اللَّفْظ قد يجْرِي مجْرى لفظ الْمَرْفُوع، وَحمل مرّة على الْموضع إِذْ كَانَ نصبا، وَاعْلَم أَن الرّفْع عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَمن تَابعه الْوَجْه، وَأما أَبُو عمر الْجرْمِي وَأَبُو عُثْمَان وَمن تابعهما فَإِنَّهُم يختارون النصب، وَالْحجّة لمن اخْتَار الرّفْع قَوِيَّة، وَذَلِكَ أَن مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام لَفظه لفظ

стр. 205

الْمُفْرد، وَهُوَ معرفَة، فَصَارَ التَّعْرِيف فِيهِ بِالْألف وَاللَّام كالتعريف مَعَ (يَا) ، أَلا ترى أَن قَوْلك: يَا رجل، إِذا قصدت قَصده يجْرِي فِي التَّعْرِيف مجْرى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام بِمَنْزِلَة الْمُفْرد الْمعرفَة الْعلم، وَلَو عطفت على الأول - أَعنِي الَّذِي فِيهِ الْألف وَاللَّام - لم يجز فِيهِ إِلَّا الضَّم، وَوَجَب أَن يخْتَار مَا يشاكله، وَهُوَ الرّفْع. وَأما من اخْتَار النصب فقد جعل الْألف وَاللَّام مقَام التَّنْوِين وَالْإِضَافَة، فَلَو كَانَ الِاسْم مُضَافا آمنُوا بِالنّصب، فَكَذَلِك مقَام مقامهما يُوجب لَهما النصب، وَهَذِه الْعلَّة فِيهَا إِدْخَال، وَذَلِكَ أَن التَّقْدِير لَو كَانَ صَحِيحا لوَجَبَ النصب فِي النَّعْت، إِذْ كَانَت فِيهِ الْألف وَاللَّام، وَلم يجز رَفعه كَمَا لم يجز رفع الْمُضَاف، فَلَمَّا كَانَت الْألف وَاللَّام فِي النَّعْت لم توجب نَصبه، علمنَا أَنَّهُمَا لَا يجعلان الِاسْم كالمضاف، وَإِذا كَانَ كَذَلِك جرى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام مجْرى الْمُفْرد الْعلم الْمعرفَة، فَكَانَ الأولى فِيهِ أَن يكون مَرْفُوعا ليشاكل لفظ مَا قبله. وَاعْلَم أَن مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام لَا يجوز أَن تدخل عَلَيْهِ (يَا) إِلَّا اسْم الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا لم يجز ذَلِك لِأَن الْألف وَاللَّام تعريفهما من جنس تَعْرِيف (يَا) مَعَ الْقَصْد، وهما لفظ مُمكن إِسْقَاطه من الْكَلِمَة، فَلَمَّا نابت (يَا) مَعَ الْقَصْد عَنْهُمَا لم يحْتَج إِلَيْهَا، وَالدَّلِيل (٤٤ / ب) على أَن تَعْرِيف الْألف وَاللَّام من جنس تَعْرِيف (يَا) مَعَ الْقَصْد، لِأَنَّك لَو قلت فِي ضَرُورَة الشّعْر: يَا الرجل، لَكَانَ كمعنى: يَا رجل، لِأَن الْألف وَاللَّام تبطل مَعَ الْعَهْد، وَيصير تَعْرِيفهَا للْجِنْس فَقَط، وَالدَّلِيل على أَن الْعَهْد سَاقِط - أَعنِي مَعَ الْعَهْد - أَنه يجوز للشاعر أَن يَقُول:

стр. 206

يَا الرجل، من غير تَقْدِيمه ذكر، فَإِذا كَانَت (يَا) تنوب عَنْهَا، لم يحْتَج إِلَيْهَا، فَهَذَا هُوَ الأَصْل، وَإِن اضْطر شَاعِر فَأدْخل (يَا) على الْألف وَاللَّام جَازَ، كَمَا قَالَ: (فيا الغلامان اللَّذَان فرا ... إياكما أَن تكسبانا شرا) فَوجه ذَلِك أَنه أَرَادَ: يَا أَيهَا الغلامان، فَحذف المنادى وَهُوَ (أَي) ، وَأقَام الصّفة مقَامه. وَأما اخْتِصَاص (يَا) باسم الله تَعَالَى فجواز دُخُول (يَا) عَلَيْهَا فلاجتماع أَشْيَاء فِيهِ لَيست مَوْجُودَة فِي غَيره، أَحدهَا كَثْرَة الِاسْتِعْمَال. وَمِنْهَا: أَنه جرى مجْرى الْأَسْمَاء الْأَعْلَام. وَمِنْهَا: أَن الْألف وَاللَّام لَا يفارقانه. وَمِنْهَا: أَن الأَصْل فِيهِ (إلاه) فَلَمَّا أدخلت فِيهِ الْألف وَاللَّام أسقطت همزَة (إلاه) ، فأدغمت لَام التَّعْرِيف فِي اللَّام الَّتِي بعْدهَا، فَصَارَت الْألف وَاللَّام عوضا من الْهمزَة الساقطة، فَجرى الْألف وَاللَّام فِيهِ مجْرى بعض حُرُوفه، فلاجتماع هَذِه الْجِهَات جَازَ دُخُول (يَا) عَلَيْهِ. فَأَما (الَّذِي وَالَّتِي) : فَلَا يجوز دُخُول (يَا) عَلَيْهِمَا، وَإِن كَانَت الْألف

стр. 207

وَاللَّام لَا يفارقانهما، لِأَنَّهُمَا صفتان، وَلم يكثر استعمالهما، ففارقتا اسْم الله تَعَالَى، وَكَذَلِكَ لَو سميت رجلا بِالْحَارِثِ وَالْعَبَّاس، لم يجز إِدْخَال (يَا) عَلَيْهِمَا لما ذَكرْنَاهُ فِي قلَّة استعمالهما، وَلِأَن الْألف وَاللَّام ليستا فِيهِ بعوض من حرف، فقد بَان لَك اسْم الله تَعَالَى لم اخْتصَّ بِمَا لَا يُشَارِكهُ فِيهِ اسْم، فَلهَذَا جَازَ أَن يخْتَص بِدُخُول (يَا) عَلَيْهِ، وَاعْلَم أَنَّك إِذا ناديته تَعَالَى قطعت أَلفه: يَا ألله اغْفِر لي، وَإِنَّمَا قطعت الْألف لتدل بقطعها أَنَّهَا فِي هَذَا الْموضع قد خَالَفت سَائِر مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، لِأَن هَذَا اسْم قد نُودي نِدَاء مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام أَصْلِيَّة، فَوَجَبَ أَن يُؤْتى بلفظها على لفظ الْألف وَاللَّام الْأَصْلِيَّة، ليطابق لَفظهَا الحكم الَّذِي قد اخْتصّت بِهِ، إِن شَاءَ الله. وَاعْلَم أَنه يجوز أَن تدخل ميما مُشَدّدَة آخر هَذَا الِاسْم بَدَلا من (يَا) ، فلهذه الْعلَّة شددت ليَكُون التَّشْدِيد بِمَنْزِلَة (يَا) إِذْ كَانَت حرفين، فَتَقول: اللَّهُمَّ اغْفِر لي، فتجري مجْرى: يَا ألله اغْفِر لي، وَلَا يحسن الْجمع بَينهمَا إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر، وَإِنَّمَا فتحت الْمِيم لِأَن الْحُرُوف أَصْلهَا السّكُون، فَإِذا زيدت الميمان، وهما ساكنان، لم يجز الْجمع بَين ساكنين، فحركت الْمِيم الثَّانِيَة بِالْفَتْح لالتقاء الساكنين، وَصَارَ الْفَتْح أولى لخفته وَثقل التَّشْدِيد.

стр. 208

وَقد حُكيَ عَن الْفراء: أَن الْمِيم عوض من قَوْلك: يَا ألله أمنا مِنْك بِخَير، فحذفت الْيَاء وَبقيت الْمِيم الَّتِي فِي (أمنا) مُشَدّدَة مَفْتُوحَة. وَهَذَا القَوْل لَيْسَ بِشَيْء من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه يستحسن أَن يُقَال: يَا ألله أمنا مِنْك بِخَير، فتأتي ب (يَا) فِي أول الْكَلَام و (أمنا) فِي آخِره، وَلَو كَانَ على مَا قَالَ لحسن: يَا اللَّهُمَّ اغْفِر لي، فَلَمَّا قبح الْجمع بَين الْمِيم و (يَا) علمنَا أَن الْأَمر فِيهَا على مَا ذَكرْنَاهُ دون مَا ذكره. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنه مستحسن: (٤٥ / أ) اللَّهُمَّ أمنا مِنْك بِخَير، فَلَو كَانَت الْمِيم المُرَاد بهَا مَا ذكر، لحصل فِي الْكَلَام الَّذِي ذَكرْنَاهُ تكْرَار، والتكرار مستقبح، وَحسن اسْتِعْمَاله دَلِيل على فَسَاد مَا قَالَ، إِن شَاءَ الله، فقد ثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن (يَا) لَا تدخل على مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، فَإِن أردْت أَن تذكر اسْما فِيهِ الْألف وَاللَّام جِئْت ب (أَي) وأوقعت حرف النداء عَلَيْهَا، كَقَوْلِك: يَا أَيهَا الرجل أقبل، ف (أَي) هُنَا مَبْنِيَّة على الضَّم ك (زيد) وموضعها نصب، لِأَن لفظ النداء وَقع عَلَيْهَا، وَالرجل: مَرْفُوع وَهُوَ نعت ل (أَي) ، بِمَنْزِلَة قَوْلك: يَا زيد الظريف،

стр. 209

إِلَّا أَن (الرجل) لَا يجوز فِيهِ النصب، كَمَا يجوز فِي (الظريف) ، والفصل بَينهمَا أَن (يَا) إِنَّمَا تدخل وصلَة إِلَى نِدَاء مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، فَصَارَت مَعَه كالشيء الْوَاحِد، فَجرى (يَا) مجْرى الْمُفْرد، فأرادوا أَن يكون لَفظه كَلَفْظِ الْمُفْرد، فَلهَذَا لم يجز النصب فِي نعت (أَي) . وَقد أجَاز الْمَازِني النصب فِيهِ تَشْبِيها بنعت (زيد) ، وَالْوَجْه مَا بدأنا بِهِ لما ذكرنَا من الْعلَّة. وَأَيْضًا فَإِن حق اللَّفْظ أَن يكون اللَّفْظ أخذا من الْمَعْنى، وَالضَّم فِي المنادى قد اطرد حَتَّى جرى مجْرى الْمَفْعُول، فَلَمَّا كَانَ المنادى فِي الْمُفْرد لَهُ لفظ وَمعنى، (صَار) حمل النَّعْت على اللَّفْظ أَكثر، وَقد يجوز أَن يحمل على الْمَعْنى، إِذْ كَانَ المنادى يَصح السُّكُوت عَلَيْهِ، فَيَقَع التَّصَرُّف فِي النَّعْت، فَإِذا كَانَ المنادى لَا يَصح السُّكُوت عَلَيْهِ، لم يجز التَّصَرُّف فِي نَعته، وَحمل على لَفظه. فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن خصت (أَي) من بَين سَائِر الْأَسْمَاء المبهمة بِأَن جعلت وصلَة إِلَى نِدَاء مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام؟ قيل لَهُ: لِأَن (أيا) لَا معنى لَهَا فِي نَفسهَا، وَإِنَّمَا يحسن مَعْنَاهَا لما يُضَاف إِلَيْهَا. وَأما (هَذَا وَذَاكَ) وَمَا أشبههما فلهَا معَان فِي أَنْفسهَا، فَلَمَّا أَرَادوا إِدْخَال اسْم لغير فَائِدَة فِي نَفسه، بل للوصلة إِلَى غَيره، كَانَ (أيا) ، إِذْ لَا معنى لَهُ فِي نَفسه، فَكَانَ أولى بِالزِّيَادَةِ مِمَّا لَهُ معنى فِي نَفسه. فَإِن قيل: فَلم زيدت (هَا) على أَصْلهَا؟

стр. 210

قيل: فِي ذَلِك أَقْوَال: أَحدهَا: أَن (أيا) تسْتَعْمل مُضَافَة وَلَا تنفصل من الْإِضَافَة إِلَّا فِي النداء فَلَمَّا حذف مِنْهَا الْمُضَاف عوضت (أَي) هَا. وَقَول آخر: أَنهم أدخلوها توكيدا للنداء. وَوجه ثَالِث: أَن مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام هُوَ المنادى فِي الْمَعْنى، فَلَمَّا لم يَصح دُخُول (يَا) عَلَيْهِ، لما ذَكرْنَاهُ، أدخلُوا على (أَي) هَا للتّنْبِيه، فَلْيَكُن قَائِما مقَام حرف النداء الَّذِي يسْتَحقّهُ الْألف وَاللَّام. وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت: يَا هَذَا الرجل، فلك فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن تقدره تَقْدِير (أَي) أَعنِي وصلَة إِلَى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، فَإِذا قدرت هَذَا التَّقْدِير، لم يجز فِي (الرجل) إِلَّا الرّفْع. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تجْعَل (هَذَا) بِمَنْزِلَة (زيد) ، لِأَن فِي السُّكُوت عَلَيْهِ فَائِدَة، فَإِذا قدرت هَذَا التَّقْدِير صَار (الرجل) بعده بِمَنْزِلَة (الظريف) بعد (زيد) ، فَيجوز لَك حِينَئِذٍ الرّفْع وَالنّصب، فَإِن قلت: يَا أَيهَا الرجل ذُو المَال، فلك فِي (ذِي المَال) الرّفْع وَالنّصب، فالرفع بالنعت ل (الرجل) ، وَالنّصب على الْبَدَل من (أَي) ، وَلَا يجوز أَن تَقول: لِأَنَّهُ نعت، لِأَن المبهمة لَا تنْعَت بالمضاف، وَإِنَّمَا لم يجز أَن يكون الْمُضَاف نعتا ل (أَي) فِي النداء، لِأَن الْمُضَاف يُمكن أَن

стр. 211

(٤٥ / ب) تدخل عَلَيْهِ (يَا) ، وَقد بَينا أَن (أيا) إِنَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهَا وصلَة إِلَى نِدَاء مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، لِامْتِنَاع دُخُول (يَا) عَلَيْهِ، فَإِن كَانَ الْمُضَاف يَصح دُخُول (يَا) عَلَيْهِ، لم يحْتَج إِلَى (أَي) ، فَلهَذَا لم يجز أَن تنْعَت (أيا) بالمضاف، وَأما إِذا قلت: يَا زيد الطَّوِيل ذُو الجمة، فلك فِي (ذِي الجمة) الرّفْع وَالنّصب، فالرفع على النَّعْت ل (زيد) ، وَالنّصب على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن تَجْعَلهُ بَدَلا من (زيد) ، كَأَنَّك قلت: يَا ذَا الجمة. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون نعتا ل (زيد) . وَاعْلَم أَن الْحُرُوف الَّتِي يُنَادى بهَا خَمْسَة وَهِي: (يَا، وأيا، وهيا، وَأي، وَالْألف) . فَأَما الْألف فَلَا تسْتَعْمل إِلَّا للقريب مِنْك، كَقَوْلِك: أَزِيد أقبل، فَإِن كَانَ بَعيدا اسْتعْملت لَهُ (يَا) وَسَائِر الْحُرُوف، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَن الْبعيد مِنْك يحْتَاج إِلَى مد الصَّوْت، وَسَائِر الْحُرُوف - سوى الْألف - فِيهَا حرف مد يمكنك مد الصَّوْت بِهِ، فَلهَذَا وَجب اسْتِعْمَالهَا للبعيد، وَأما الْقَرِيب مِنْك فَلَا يحْتَاج إِلَى مد الصَّوْت، فاختيرت لَهُ الْهمزَة لِأَنَّهُ لَا مد فِيهَا، وَهِي همزَة الِاسْتِفْهَام، وَإِنَّمَا كَانَت الْهمزَة أولى، لِكَثْرَة زيادتها أَولا، وَأما (يَا) فقد تسْتَعْمل للقريب والبعيد، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِيهَا خَاصَّة لِكَثْرَة استعمالهم للبعيد، بِحُصُول مد الصَّوْت فِيهَا، واستعمالهم (أيا، هيا) للقريب على طَرِيق التوكيد والحرص على الْبَيَان. وَاعْلَم أَن حُرُوف النداء قد تحذف، إِذا كَانَ المنادى مِنْك قَرِيبا،

стр. 212

كَقَوْلِك: زيد أقبل، وَغُلَام عَمْرو تعال، فَهَذَا مطرد فِي جَمِيع الْأَسْمَاء إِلَّا النكرَة والمبهم فَإِنَّهُ لَا يجوز إِسْقَاط حرف النداء مِنْهُمَا، لِأَن الْمُبْهم هُوَ من نعت (أَي) ، لِأَنَّك تَقول: يَا هَذَا أقبل، الأَصْل فِيهِ: أَي هَذَا فَيصير (هَذَا) نعتا ل (أَي) كالألف وَاللَّام، فَلَو قلت: هَذَا أقبل، لأجحفت بِالِاسْمِ، إِذا حذفت الْمَوْصُوف وحذفت النداء، لَا يجوز أَن تَقول: رجل أقبل، مِمَّا يكون نعتا ل (أَي) ، وَالْأَصْل: يَا أَيهَا الرجل، فَلَو أسقطت (يَا) مِنْهُ، لَكُنْت قد أجحفت بِهِ، لحذف الْمَوْصُوف وحرف النداء، وَقد كثر حذف حرف النداء فِي الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يُوسُف أعرض عَن هَذَا﴾ ، و ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا﴾ ، وَيجوز أَن يكون الْحَذف كثيرا فِي الْقُرْآن، لِأَن الله تَعَالَى قريب مِمَّن يَدعُوهُ، فَلهَذَا حذف النداء. فَأَما: يَا تيم تيم عدي فَفِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا يختاره الْمبرد: وَهُوَ أَن يكون الأول مُضَافا إِلَى (عدي) ، كإضافة الثَّانِي إِلَيْهِ ثمَّ حذفه، فَبَقيَ مَنْصُوبًا على نِيَّة الْإِضَافَة، وَأما قَول

стр. 213

سِيبَوَيْهٍ فَيجْعَل الِاسْم الأول هُوَ الْمُضَاف إِلَى (عدي) لاعتماد الْكَلَام عَلَيْهِ، وَيصير (تيم) الثَّانِي حَشْو الْكَلَام، فَكَأَنَّهُ مَعَ الأول مُضَافا إِلَى الثَّانِي، وانتصب الثَّانِي بِوُجُود لفظ الْإِضَافَة فِيهِ، وَالْأول مُضَاف فِي الْحَقِيقَة. وَأما (ابْن أم، وَابْن عَم) فَمن فتحهما بناهما، وَالَّذِي أوجب لَهما الْبناء تضمنهما لحرف الْجَرّ وَكَثْرَة استعمالهما، ووقوعهما موقع مَا يجب لَهُ الْبناء، نَحْو: يَا زيد، وَيَا عَمْرو، فلاجتماع هَذِه الْمعَانِي يبْنى، وَاكْتفى بِالْمَعْنَى على إِضَافَة اللَّفْظ، وَهُوَ أَن اللَّام تَقْتَضِي ذَلِك لَا محَالة، فأغنى هَذَا الْمَعْنى عَن إضافتها فِي اللَّفْظ. وَأما من كسر فَالْوَجْه فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ من جعل الاسمين اسْما وَاحِدًا، فَلَمَّا صَارا بِهَذِهِ الْمنزلَة جَريا مجْرى (غُلَام وَصَاحب) ، وتجتزئ بالكسرة، وَكَذَلِكَ يحذف: يَا ابْن أم، وَيَا ابْن عَم.

стр. 214

(٢٦ - بَاب التَّرْخِيم) اعْلَم أَن التَّرْخِيم لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي النداء، لِأَنَّهُ بَاب حذف، (٤٦ / أ) أَلا ترى أَن المنادى الْمُفْرد قد حذف مِنْهُ التَّنْوِين وَالْإِعْرَاب، فَلَمَّا جَازَ حذف التَّنْوِين مِنْهُ وَالْإِعْرَاب، جَازَ أَيْضا حذف بعض حُرُوفه اسْتِخْفَافًا لدلَالَة مَا بَقِي عَلَيْهِ. وَلَا يرخم من الْأَسْمَاء إِلَّا مَا يسْتَحق الْبناء، أما مَا جرى فِي النداء على أَصله فِي النصب، فَلَا يجوز ترخيمه، لِأَنَّهُ فِي النداء بِمَنْزِلَتِهِ فِي غير النداء، فَإِن اضْطر شَاعِر، جَازَ أَن يرخم الِاسْم فِي غير النداء، وَيحمل ذَلِك فِي غير النداء على طَرِيق التَّشْبِيه، وَإِنَّمَا صَار فِي التَّرْخِيم الْمُخْتَار أَن يحذف آخِره وَيبقى مَا قبله على حركته وسكونه، لِأَن الِاسْم فِي الْحَقِيقَة مَوضِع الْحُرُوف، وَإِنَّمَا يحذف هَذَا الْموضع فَقَط، فَوَجَبَ أَن يبْقى مَا قبله على أَصله، ليدل ذَلِك على الْمَحْذُوف، وَإِنَّمَا لم يجز ترخيم مَا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف، مِمَّا لَيْسَ فِي آخِره الْهَاء، لِأَن الْغَرَض فِي التَّرْخِيم تَخْفيف، وَفِي الْأَسْمَاء مَا هُوَ على سَبْعَة أحرف، وَهُوَ نِهَايَة بنائها، وأقلها مَا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف، وَإِنَّمَا نحط السَّبْعَة حَتَّى نبلغ بهَا إِلَى الثَّلَاثَة، فَلَمَّا كَانَت الثَّلَاثَة نهايتها فِي الْحَقِيقَة لم ترخم. وَأما مَا كَانَ ثالثه الْهَاء، فَإِنَّمَا جَازَ ترخيمها، لِأَن الْهَاء

стр. 215

لَيست من بِنَاء الِاسْم، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة اسْم ضم إِلَى اسْم، فَلَمَّا كَانَت فِي الْمَعْنى مُنْفَصِلَة جَازَ حذفهَا. وَأما الْمُبْهم فَلَا يجوز ترخيمه، لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ معرفَة فَهُوَ فِي الأَصْل من نعت (أَي) ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْمَعْنى نعتا صَار غير منادى، فَلهَذَا لم يرخم، وَإِن شِئْت قلت: إِنَّه لما كَانَ نعتا للاسم ثمَّ حذفت المنعوت قبح ترخيمه، لِأَن ذَلِك يكون إجحافا بِهِ. وَأما الْجمل فَلَا يجوز ترخيمها لِأَنَّهَا تحكى، وَذَلِكَ أَنَّك لَو رخمتها بطلت حكايتها. وَأما مَا كَانَ فِي آخِره ألف وَنون زائدتان فَإِنَّمَا حذفا مَعًا فِي التَّرْخِيم لِأَنَّهُمَا زيدا مَعًا فجريا مجْرى زِيَادَة وَاحِدَة. وَأما مَا كَانَ فِي آخِره حرف مد زَائِد فَإِنَّمَا حذف مَعَ حذف الآخر تَشْبِيها بِأَلف (عُثْمَان) ، وَذَلِكَ أَن الْألف فِي (عُثْمَان) سَاكِنة، وَهِي قبل آخِره، وَهِي حرف مد بِمَنْزِلَة الْألف وَاللَّام، فحذفت مَعَ الْألف من (عمار) . وَحكم ألفي التَّأْنِيث كَحكم الْألف وَالنُّون لِأَنَّهُمَا زيدتا أَيْضا مَعًا. فَأَما إِذا حذفت الزائدتان، وَهِي فِي الْأَسْمَاء أقل من ثَلَاثَة أحرف، لم يجز إِلَّا حذف الآخر، لما ذَكرْنَاهُ من الإجحاف بِالِاسْمِ، وكرهوا أَن يبْقى الِاسْم على حرفين. وَأما الْهَاء فَإِنَّمَا وَجب حذفهَا وَحدهَا، طَال الِاسْم أَو قصر، لِأَنَّهَا لَيست من
следующие страницы →