Полный текст (432 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَالثَّالِث: الْمُضَاف إِلَى الْمعرفَة.
وَإِنَّمَا صَار الِاسْم أخص من هَذِه الْأَشْيَاء، لِأَنَّهُ وضع فِي أول أَحْوَاله عَلَيْهِ وَصفا وَاحِدًا من بَين سَائِر الْأَشْخَاص، وَلَيْسَ كَذَلِك مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، لِأَن الْألف وَاللَّام توجب على الْمُخَاطب تذكر العهود، وَالِاسْم الْعلم تذكرة، إِذْ كَانَ مَوْضُوعا لَا يُشَارِكهُ فِي هَذَا الِاسْم غَيره، والعهد قد يَقع فِي أَشْيَاء مُخْتَلفَة، فَلَمَّا كَانَت الْألف وَاللَّام توجب مَا ذكرنَا من التَّذَكُّر حَتَّى يعرف الشَّخْص بِعَيْنِه، صَار أنقص رُتْبَة مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى تذكرة.
وَأما الْمُبْهم: فَلَيْسَ مَوْضُوعا لشَيْء بِعَيْنِه، أَلا ترى أَن الْإِشَارَة لَا تخْتَص بزيد دون عَمْرو، فَلَمَّا احْتَاجَ المشير إِلَى الشَّخْص أَن يُمَيّز بَين الشخصين حَتَّى يعرف الْمشَار إِلَيْهِ بِعَيْنِه، صَار هَذَا الحكم أنقص رُتْبَة من الْأَعْلَام، لِأَنَّهُ يعرف بِغَيْرِهِ فَصَارَ تَعْرِيفه فرعا، فَلذَلِك صَار أنقص من الْأَعْلَام مرتبَة.
وَأما الْمُضمر: فَإِنَّهُ لَا يجوز نَعته، لِأَنَّك لَا تضمره حَتَّى يعرفهُ الْمُخَاطب.
وَأما مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام: فَلَا يجوز أَن ينعَت بالأسماء المبهمة، لَو قلت: مَرَرْت بِالرجلِ هَذَا، وَأَنت تجْعَل (٥٢ / ب) (هَذَا) نعتا ل (الرجل) لم يجز، لِأَن الْمُبْهم أخص مِمَّا فِيهِ الْألف وَاللَّام، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن تَعْرِيف مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام يتَعَلَّق بِالْقَلْبِ وَالْعين جَمِيعًا، فَصَارَ مَا فِيهِ تعريفان أقوى مِمَّا فِيهِ تَعْرِيف وَاحِد، وَلذَلِك جَازَ أَن تنْعَت الْمُبْهم بِمَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، وَلم (يجز) أَن
стр. 247
ينعَت مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام بالمضاف إِلَى الْأَعْلَام والمضمرات، لِأَن الْعلم الْمُضَاف أَكثر تعريفا مِمَّا فِيهِ الْألف وَاللَّام لما بَيناهُ، والمضاف يكْتَسب تعريفا من الْمُضَاف إِلَيْهِ، فَيصير الْمُضَاف إِلَى الْعلم والمضمر كَأَن فِيهِ تعريفهما، فَلذَلِك لم يجز أَن يكون نعتا لما فِيهِ الْألف وَاللَّام.
وَأما المبهمات: فَإِنَّمَا أَصْلهَا أَن تنْعَت بأسماء الْأَجْنَاس، لِأَن الْإِشَارَة تقع أَولا إِلَى ذَات الشَّخْص، فَيَنْبَغِي إِذا أشكل أَمر الْإِشَارَة أَن يبين بِمَا تَقْتَضِيه الْإِشَارَة، وَهُوَ اسْم، وَإِذ ذكرت الْجِنْس فَمَا أشكل بعد ذَلِك ذكرت الصّفة المشتقة من الْأَفْعَال، كَقَوْلِك: يَا هَذَا الرجل الظريف، وَقد يجوز أَن تَقول: مَرَرْت بِهَذَا الظريف، على وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن تجْعَل (الظريف) عطف بَيَان ل (هَذَا) .
وَالثَّانِي: أَن تقيم الصّفة مقَام الْمَوْصُوف.
وَلَا يجوز أَن تنْعَت المبهمات بالمضاف الَّذِي فِيهِ الْألف وَاللَّام، لِأَن الْإِشَارَة تطلب الْعَهْد من الْألف وَاللَّام، وَكَذَلِكَ صَارَت المبهمات مَعَ نعوتها كالشيء الْوَاحِد، وَلَا يجوز الْفَصْل بَينهمَا لما أحدثت فِي نعتها من الْمَعْنى، وَهُوَ إبِْطَال الْعَهْد، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك تَقول جَاءَنِي هَذَا الرجل، من غير تقدمة ذكر، وَلَو قلت: جَاءَنِي الرجل، وَلم يتَقَدَّم عهد بَيْنك وَبَين الْمُخَاطب فِيهِ، لم يجز، فَبَان أَن الْألف وَاللَّام يسْقط مِنْهَا حكم الْعَهْد بِالْإِشَارَةِ، وَلَو جَازَ أَن تنْعَت المبهمات بالمضاف إِلَى الْألف وَاللَّام، لصار الْمُضَاف معرفَة بهما، وَصَارَ فِي حكم
стр. 248
الْمَعْهُود، وَلأَجل تقدم الْإِشَارَة يجب أَن يكون الْمشَار إِلَيْهِ غير مَعْهُود، لِأَنَّهُ لَا يجوز اسْم فِي حَال وَاحِدَة معهودا، وَهُوَ غير مَعْهُود.
وَاعْلَم أَن فِي الْأَسْمَاء أَسمَاء تُضَاف إلىالمعرفة وَلَا تكون معرفَة، لمعان تدخل فِيهَا، فَمن ذَلِك: (شبهك وَمثلك) ، لم يتعرفا بِالْإِضَافَة، لِأَن الْمُمَاثلَة تكون من جِهَات، وَإِنَّمَا تفِيد الْمُخَاطب أَنه مثله، وَلَيْسَ يعلم من أَي وَجه يماثله، فَلذَلِك لم يتعرفا أَلا يكون شخصان وَقد اشتهرا فِي الشّبَه بَين النَّاس، فَيكون على هَذَا الْوَجْه معرفَة، فَتَقول: مَرَرْت بِرَجُل مثلك وشبهك، الْمَعْرُوف بشبهك، فَلذَلِك تعرف على هَذَا الْوَجْه.
وَأما (حَسبك) بِمَعْنى: حسب الِاكْتِفَاء، وَهُوَ مُبْهَم، فَلذَلِك لم يتعرف.
وَأما (شبيهك) : فَلَا يكون إِلَّا معرفَة لِأَنَّهُ من أبنية الْمُبَالغَة، فَصَارَت الْمُبَالغَة فِيهِ تُؤدِّي عَن شبه الْمَعْرُوف، فَلذَلِك تعرف.
وَأما (غَيْرك) : فَلَا يكون إِلَّا نكرَة، لِأَن مَعْنَاهُ عِنْد الْمُخَاطب مَجْهُول، فَلذَلِك لم يَقع معرفَة.
وَأما بَاب (حسن الْوَجْه) : فَالْأَصْل فِيهِ أَن يسْتَعْمل فِي غير المتعدية، نَحْو: ظريف، وَحسن، وكريم، وَمَا أشبه ذَلِك، فَتَقول: مَرَرْت بِرَجُل حسن وَجهه،
стр. 249
ف (حسن) : نعت ل (الرجل) ، وَالْهَاء فِي (وَجهه) ترجع إِلَى الرجل، وَالْوَجْه: فَاعل لِلْحسنِ، فَإِن ثنيت الأول أَو (٥٣ / أ) جمعته، أَو أنثته لم تغير لفظ (حسن) ، لِأَن الْوَجْه مُذَكّر، وَالْفِعْل إِنَّمَا يؤنث إِذا كَانَ فَاعله مؤنثا، فَلَمَّا كَانَ فَاعل ال (حسن) مذكرا لَيست فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث، وَلم يثن وَلم يجمع لظُهُور فَاعله، فَإِن نقلت الضَّمِير من (الْوَجْه) إِلَى (حسن) صَار الْفِعْل للضمير، وَوَجَب أَن تعْتَبر حَال الضَّمِير، فَإِن كَانَ مذكرا ذكرت فعله، وَإِن كَانَ مؤنثا لحقته عَلامَة التَّأْنِيث، وَلم يعْتد ب (الْوَجْه) ، وثنيته وَجمعته بِحُصُول الضَّمِير فِيهِ، فَإِذا اسْتَقر مَا ذَكرْنَاهُ فَبَقيَ (الْوَجْه) يحْتَاج إِلَى إِعْرَاب، وَلَيْسَ يجوز أَن يبْقى مَرْفُوعا، لِأَنَّهُ لَا يكون لفعل وَاحِد فاعلان، فَسقط رَفعه، وَلم يبْق لَهُ من الْإِعْرَاب إِلَّا النصب، والجر أولى بِهِ، لِأَن هَذِه الصّفة لَيست بِمَعْنى فعل مُتَعَدٍّ، فَيسْتَحق مَا بعْدهَا النصب، فَوَجَبَ أَن يجْرِي مجْرى: غُلَام زيد، إِلَّا أَنَّك لما نقلت الضَّمِير من (الْوَجْه) اخْتَارَتْ الْعَرَب أَن تعوض مِنْهُ الْألف وَاللَّام، لِأَن الْألف وَاللَّام هما بِمَعْنى الضَّمِير، لِأَنَّهُمَا يعرفان مَا دخلا عَلَيْهِ، كَمَا يعرف الضَّمِير، وَمَعَ ذَلِك فَإِن الْألف وَاللَّام لما كَانَت للْعهد، والمعهود غَائِب جرتا مجْرى الضَّمِير، إِذْ كَانَ للْغَائِب، أَعنِي الضَّمِير، فَلذَلِك كَانَتَا بِالْعِوَضِ أولى من سَائِر الْحُرُوف، فَتَقول على هَذَا: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه، وبامرأة حَسَنَة الْوَجْه، وَقد يجوز أَن تنون الصّفة، وتنصب الْوَجْه، تَشْبِيها بضارب، وَإِنَّمَا جَازَ أَن يحمل عَلَيْهِ، لاشْتِرَاكهمَا فِي الصّفة، وأنهما اسْما فاعلين، والتثنية والتأنيث تلحقهما، فجريا مجْرى شَيْء وَاحِد، فَجَاز أَن يحمل أَحدهمَا على الآخر، فَتَقول: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه، وَيجوز أَلا تعوض من الضَّمِير، لِأَنَّهُ قد علم أَن الْوَجْه للْأولِ، إِذْ كَانَت هَذِه الصّفة لَيست متعدية، وَكَانَ إِسْقَاطهَا أخف عَلَيْهِم. فَإِذا أسقطت الْألف وَاللَّام، جَازَ لَك وَجْهَان: الْجَرّ وَالنّصب، فالجر
стр. 250
على الأَصْل، وَالنّصب على التَّشْبِيه بالمفعول.
وَيجوز أَن تدخل الْألف وَاللَّام على الصّفة، لِأَنَّهَا لم تتعرف بِمَا أضيف إِلَيْهَا وَإِن كَانَ معرفَة، وَإِنَّمَا لم تتعرف بِهِ، لِأَن الْمَجْرُور فَاعل فِي الْمَعْنى، وَالْفَاعِل لَا يعرفهُ فعله، فَلَمَّا كَانَت إِضَافَته لَا يتعرف بهَا، وَكَانَ حَقه من جِهَة اللَّفْظ أَن يعرف لعِلَّة، فَلَمَّا منع مَا يكون فِي نَظِيره جوزوا فِيهِ جمع الْألف وَاللَّام وَالْإِضَافَة، فَتَقول: مَرَرْت بزيد الْحسن الْوَجْه، وَيجوز أَن تنصب (الْوَجْه) على التَّشْبِيه بالمفعول، وَإِن أسقطت من الْوَجْه الْألف وَاللَّام، لم يكن إِلَّا مَنْصُوبًا، لِأَن إِضَافَته كَانَت على أَصْلهَا، إِذْ كَانَ شَرط النكرَة إِذا أضيفت إِلَى معرفَة أَن تتعرف، فَلَمَّا جرى فِي بَابه مجْرى إِضَافَة النكرَة إِلَى الْمعرفَة الَّتِي تعرف الْمُضَاف، وَكَانَت الْألف مَعَ هَذِه الْإِضَافَة لَا يَجْتَمِعَانِ أَيْضا أَن تَجْتَمِع الْألف وَاللَّام مَعَ الْإِضَافَة إِلَى النكرَة.
وَاعْلَم أَن الْفَاعِل فِي هَذَا الْبَاب إِذا كَانَ مُضَافا إِلَى سَببه الْمَوْصُوف، جَازَ فِيهِ هَذِه الثَّمَانِية الْأَوْجه، كَقَوْلِك: زيد حسن وَجه أَخِيه، وَزيد حسن وَجه الْأَخ، وَزيد حسن وَجه الْأَخ، وَزيد حسن وَجه أَخ، وَزيد الْحسن الْوَجْه الْأَخ (٥٣ / ب) وَزيد الْحسن وَجه الْأَخ.
وَاعْلَم أَن الْفَائِدَة فِي هَذَا النَّقْل اخْتِصَار الْكَلَام وَالْمُبَالغَة فِي مدح الأول، وَذَلِكَ أَنَّك إِذا نقلت الضَّمِير خف اللَّفْظ بِالنَّقْلِ، لاستتار الضَّمِير فِي الْفِعْل، وَصَارَت الصّفة فِي اللَّفْظ الأول، وَلذَلِك صَار مدحها.
стр. 251
(٣٣ - بَاب التوكيد)
اعْلَم أَن الْغَرَض فِي الْبَدَل خلاف الْغَرَض فِي النَّعْت، وَذَلِكَ أَن النَّعْت إِنَّمَا يُؤثر بِهِ بَيَانا للمنعوت، فَيصير فِي التَّقْدِير كجزء من المنعوت.
وَأما الْبَدَل: فالغرض مِنْهُ أَن يجمع الْمُخَاطب الْبَدَل والمبدل مِنْهُ، على أَنه قد يجوز أَن يفهم بالمبدل مِنْهُ وَحده، وَقد يجوز أَن يفهم بهما جَمِيعًا، كَقَوْلِك: مَرَرْت بأخيك زيد، فالمخاطب يجوز أَن يعرف زيدا باسمه، أَو بِأَنَّهُ أَخ للمخاطب أَو بمجموعهما، فَلهَذَا الْفَصْل بَين الْبَدَل والنعت.
وَأما التوكيد: فالغرض إِثْبَات الْخَبَر عَن الْمخبر عَنهُ، وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: جَاءَنِي زيد نَفسه، أخْبرت أَن الَّذِي تولى الْمَجِيء هُوَ بِعَيْنِه، فَلذَلِك دخل التوكيد فِي الْكَلَام، ولهذه الْعلَّة لم يجز أَن تؤكد النكرَة، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا عين ثَابِتَة كالمعارف، فَلم يحْتَج إِلَى إِثْبَاتهَا إِذا كَانَت لَا تثبت بالتوكيد، فَلهَذَا أسقط التوكيد عَنْهَا، وَلما كَانَت الْمُضْمرَات معارف جَازَ توكيدها، لِأَن أعيانها ثَابِتَة، إِلَّا أَن يكون الْمُضمر مَجْهُولا فَلَا يجوز توكيده كالمضمر بعد (رب) ، نَحْو قَوْلك: ربه رجلا، وكالمضمر بعد (نعم وَبئسَ) وَمَا أشبه ذَلِك.
وَاعْلَم أَن الْأَسْمَاء الَّتِي يُؤَكد بهَا لَهَا مَرَاتِب، ف (النَّفس وَالْعين) : يجب
стр. 252
تقديمهما على كل حَال، وَإِنَّمَا كَانَا بالتقديم أولى، لِأَنَّهُمَا قد يستعملان غير مؤكدين، كَقَوْلِك: نزلت بِنَفس الْجَبَل، وَرَأَيْت عين زيد، فَلَمَّا كَانَا يستعملان مفردين لغير معنى التوكيد، وَكَانَ (كل وأجمعون) لَا يجوز أَن يستعملا إِلَّا تابعين، أَو فِي تَقْدِير التَّابِع وَجب أَن يقدم مَا يقوم بِنَفسِهِ على التَّابِع. وَأما تَقْدِيم (كل) على (أَجْمَعِينَ) فَإِنَّمَا ذَلِك لِأَن (كلا) قد تسْتَعْمل مُبتَدأَة، كَقَوْلِهِم كلهم منطلقون، وَلَا يجوز أَن تَقول: أَجْمَعُونَ منطلقون، فَلَمَّا كَانَت (كل) قد تسْتَعْمل مُبتَدأَة، وَلَيْسَ قبلهَا مَا يتبعهُ، وَكَانَت (أَجْمَعُونَ) لَا تسْتَعْمل إِلَّا تَابِعَة، وَجب أَن يتَقَدَّم الْأَقْوَى، أَعنِي (كلا) . وَأما (أَجْمَعُونَ) فَيقدم على (أكتعين وأبصعين) ، وَإِنَّمَا وَجب تَقْدِيمهَا عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا لَيست بمشتقة اشتقاقا بَينا، و (أَجْمَعُونَ) مَأْخُوذَة من الِاجْتِمَاع الْمَعْرُوف، فَلَمَّا قوي معنى (أَجْمَعِينَ) - لِأَنَّهَا مُشْتَقَّة - تقدّمت (أكتعين) ، وَإِن كَانَ يجوز فِي (أكتعين) أَن يشتق من قَوْلهم: (مر عَلَيْهِ حول كتيع) ، أَي: تَمام، فَإِن تركت (أَجْمَعِينَ) فَقلت: مَرَرْت بالقوم أكتعين، أَو أبتعين، أَو أبصعين، أَو جمعت بَينهَا من غير أَن تذكر (أَجْمَعِينَ) لم يجز، فَزَاد هَذَا الاتباعات من غير أَن يتقدمها (أَجْمَعُونَ) ، فَإِن قدمتها جَازَ أَن تذكر مَا شِئْت بعْدهَا من التوابع، وَإِذا شِئْت قدمت بَعْضهَا على بعض، لِأَنَّهَا مُتَسَاوِيَة فِي هَذَا الحكم، فَلذَلِك اتّفقت أَحْكَامهَا فِي مَا ذَكرْنَاهُ، (٥٤ / أ) وَحكم الْمُؤَنَّث فِي هَذَا كَحكم الْمُذكر.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد علمنَا أَن (كلهم وأنفسهم) يتعرفان بِالْإِضَافَة، فَمن أَيْن
стр. 253
زعمت أَن (أَجْمَعِينَ) معرفَة؟
قيل لَهُ: لِأَن جمعه أقيم مقَام الْإِضَافَة، أَي: مقَام إِضَافَته إِلَى مَا يعرفهُ، إِذْ كَانَ الأَصْل أَن تَقول: مَرَرْت بالقوم أجمعهم، فَحذف لفظ الضَّمِير، وأقيم الْجمع بِالْوَاو وَالنُّون مقَامه.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم كَرهُوا: مَرَرْت بالقوم أجمعهم؟
قيل لَهُ: لِأَن (أجمع) على وزن (أفعل) ، وَمن شَرط (أفعل) إِذا أضيف إِلَى شَيْء أَن يكون بعضه، فَلَو قَالُوا: مَرَرْت بالقوم أجمعهم، لتوهموا أَن الْقَوْم بعض الْهَاء وَالْمِيم، وَإِنَّمَا غرضهم أَن يخبروا عَن جَمِيع الْقَوْم، فَلذَلِك عدلوا عَن إِضَافَته فِي اللَّفْظ، وَأتوا بِالْوَاو وَالنُّون، ليدلوا بذلك على استغراق الْمَذْكُورين.
فَأَما (كلا) : فَهِيَ عِنْد الْبَصرِيين اسْم مُفْرد يدل على اثْنَيْنِ فَمَا فَوْقهمَا.
وَأما الْفراء فَيَقُول: هُوَ مثنى، وَهُوَ مَأْخُوذ من (كل) ، فخففت اللَّام وزيدت الْألف للتثنية، ويحتج بقول الشَّاعِر:
(فِي كلت رِجْلَيْهَا سلامى وَاحِدَة ... كلتاهما مقرونة بزائدة)
فأفرد (كلا) ، وَهَذَا القَوْل لَيْسَ بِشَيْء، وَذَلِكَ أَنه لَو كَانَ مثنى لوَجَبَ أَن
стр. 254
تنْقَلب أَلفه فِي الْجَرّ وَالنّصب يَاء مَعَ الِاسْم الْمظهر، فَلَمَّا وَجَدْنَاهُ بِالْألف فِي جَمِيع الْإِعْرَاب، علمنَا أَن أَلفه لَيست للتثنية، وَمن جِهَة الْمَعْنى، فَإِن معنى (كلا) مُخَالفَة لِمَعْنى (كل) ، لن (كلا) للإحاطة، و (كلا) تدل على شَيْء مَخْصُوص، فَعلمنَا أَيْضا فِي الْمَعْنى أَنه لَيْسَ أَحدهمَا مأخوذا من الآخر، وَإِنَّمَا حذف الشَّاعِر الْألف من (كلتا) للضَّرُورَة، وَقدر أَنَّهَا زَائِدَة، وَمَا يكون ضَرُورَة لَا يجوز أَن يَجْعَل حجَّة.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم صَار (كلا) بِالْيَاءِ فِي النصب والجر مَعَ الْمُضمر، ولزمت الْألف مَعَ الْمظهر، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي الرّفْع مَعَ الْمُضمر بِالْألف؟
قيل لَهُ: إِن حَقّهَا أَن تكون بِالْألف فِي جَمِيع الْجِهَات، كَمَا أَن (معى) لَا تخْتَلف أَلفه إِذا اتَّصَلت بمضمر أَو مظهر، إِلَّا أَن (كلا) لما كَانَت لَا تنفك من الْإِضَافَة، شبهت ب (على وَإِلَى) ، فَجعلت مَعَ الْمُضمر فِي النصب والجر بِالْيَاءِ، لِأَن (كلا) لَا تقع إِلَّا مَنْصُوبَة أَو مجرورة، وَلَا تسْتَعْمل مَرْفُوعَة، فَبَقيت (كلا) فِي الرّفْع على أَصْلهَا مَعَ الْمُضمر، لِأَنَّهَا لم تشبه (على) فِي هَذِه الْحَال.
فَأَما (كلتا) الَّتِي للمؤنث: فَبين أَصْحَابنَا فِيهَا اخْتِلَاف، أما سِيبَوَيْهٍ
стр. 255
فَيَقُول: ألفها للتأنيث، وَالتَّاء بدل من لَام الْفِعْل، وَهِي وَاو، وَالْأَصْل (كلوا) ، وَإِنَّمَا أبدلت تَاء، لِأَن فِي التَّاء علم التَّأْنِيث، وَالْألف فِي (كلتا) نَظِير (يَا) مَعَ الْمُضمر، فَتخرج عَن علم التَّأْنِيث، فَصَارَ إِبْدَال الْوَاو تاءا تَأْكِيدًا للتأنيث، فَلهَذَا أبدلوها. وَأما الْجرْمِي، فَكَانَ يَقُول: وَزنهَا (فعتل) وَالتَّاء مُلْحقَة، وَالْألف لَام الْفِعْل. وَقَول سِيبَوَيْهٍ أقوى، لِأَن التَّاء فِي (كلتا) لَو كَانَت للإلحاق الْمَحْض، وَلَيْسَ فِيهَا من حكم التَّأْنِيث مَا ذَكرْنَاهُ، لوَجَبَ أَن تثبت فِي النِّسْبَة، فَيُقَال: كلتوي، أَجمعُوا على إِسْقَاطهَا فِي النِّسْبَة دلّ ذَلِك على أَنهم قد أجروها مجْرى التَّاء فِي (أُخْت) .
стр. 256
(٣٤ - بَاب التَّمْيِيز)
اعْلَم أَن التَّمْيِيز إِنَّمَا وَجب أَن ينصب على التَّشْبِيه بالمفعول، لِأَن مَا قبله تَقْدِير الْفَاعِل على طَرِيق (٥٤ / ب) التَّشْبِيه، وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: عِنْدِي عشرُون درهما، فالنون منعت الدِّرْهَم من الْجَرّ، كَمَا منع الْفَاعِل من الرّفْع، يَعْنِي من رفع الْمَفْعُول، فَصَارَت النُّون كالفاعل، وَصَارَ التَّمْيِيز كالمفعول.
وَكَذَلِكَ قَوْلهم: خَمْسَة عشر درهما، وَإِنَّمَا انتصب الدِّرْهَم لِأَن التَّنْوِين فِيهِ مُقَدّر، وَإِنَّمَا حذف لأجل الْبناء، كَمَا يحذف لمنع الصّرْف، وكل تَنْوِين حذف للإضافة وللألف وَاللَّام، فَحكمه مُرَاد، لِأَنَّهُ لم يدْخل على الْكَلِمَة مَا يُعَاقِبهُ، فَلذَلِك وَجب النصب.
وَكَذَلِكَ إِذا قلت: لي مثله وزنا، فالهاء منعت (الْوَزْن) من الْجَرّ، فَصَارَت الْهَاء كالفاعل، فَلذَلِك انتصب (الْوَزْن) .
وَاعْلَم أَنه لَا يجوز أَن تقدم شَيْئا من التَّمْيِيز على مَا قبله لِأَن الْعَامِل فِيهِ ضَعِيف، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفعل متصرف، والمنصوب بِهِ مفعول فِي الْحَقِيقَة، فَلذَلِك ضعف تَقْدِيمه.
وَأما قَوْلهم: (هُوَ يتصبب عرقا، ويتفقأ شحما) ، فَفِيهِ خلاف.
أما سِيبَوَيْهٍ: فَكَانَ لَا يرى التَّقْدِيم فِي هَذَا الْبَاب، وَإِن كَانَ الْعَامِل فِيهِ فعلا.
стр. 257
وَأما الْمَازِني: فَكَانَ يُجِيز تَقْدِيم التَّمْيِيز، إِذا كَانَ الْعَامِل فِيهِ فعلا، ويشبهه بِالْحَال.
فَأَما حجَّة سِيبَوَيْهٍ فِي امْتِنَاعه من ذَلِك، فَإِن التَّمْيِيز فِي هَذِه الْأَفْعَال فَاعل فِي الْحَقِيقَة وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: تصبب عرقا، فالفاعل الْعرق فِي الْمَعْنى وَلكنه نقل عَنهُ إِلَى الشَّخْص، فَلَمَّا كَانَ فَاعِلا فِي الْمَعْنى، وَكَانَ الْفَاعِل فِي الأَصْل لَا يجوز تَقْدِيمه إِلَّا على نِيَّة التَّأْخِير، كَذَلِك لَا يجوز أَن يقدم هَذَا إِذْ كَانَ فَاعِلا.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد جَاءَ فِي الشّعْر قَوْله:
(أتهجر ليلى بالفراق حبيبها؟ ... وَمَا كَانَ نفسا بالفراق تطيب)
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (النَّفس) مَنْصُوبَة بإضمار فعل على طَرِيق التَّبْيِين، كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا كَانَ تطيب بالفراق، ثمَّ قَالَ: نفسا، فَإِذا أمكن أَن يكون مَنْصُوبًا ب (أَعنِي) ، لَا ب (تطيب) ، لم يكن لمن احْتج بِهِ حجَّة على سِيبَوَيْهٍ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم نقلت هَذِه الْأَسْمَاء عَن كَونهَا فاعلة، وَلم تسْتَعْمل على أَصْلهَا؟
قيل لَهُ: الْفَائِدَة فِي ذَلِك أَنهم أَرَادوا أَن يجْعَلُوا الْفِعْل للجثة، ويجعلوا هَذِه الْأَسْمَاء تبيينا، لِأَن الجثة تُوصَف بذلك، فقد يُمكن أَن يكون المتصبب مِنْهَا الْعرق
стр. 258
وَغَيره، فَإِذا جعلُوا الْفِعْل للجثة، جَازَ أَن يتَّصل بهَا جَمِيع مَا بتعلق بهَا، وَلَو جعل الْفِعْل للعرق، فَقَالُوا: تصبب عرق زيد، وتصبب مَاء زيد، لم يكن فِيهِ دلَالَة على ذَلِك مُتَّصِل بِهِ، فَلذَلِك تغير الْفِعْل على فَاعله لهَذَا الْمَعْنى، فاعرفه.
стр. 259
(٣٥ - بَاب الِاسْتِثْنَاء)
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب أَن ينصب الْمُسْتَثْنى من الْمُوجب، نَحْو: جَاءَنِي الْقَوْم إِلَّا زيدا، وَلم يجز الْبَدَل مِنْهُ، كَمَا جَازَ فِي النَّفْي، نَحْو: مَا جَاءَنِي أحد إِلَّا زيد؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْبَدَل مُسْتَحِيل، وَذَلِكَ أَن الْمُبدل مِنْهُ يجوز أَن يقدر كَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام، وَإِذا قَدرنَا على هَذَا، صَار اللَّفْظ: جَاءَنِي إِلَّا زيد، لِأَنَّهُ يُوجب مَجِيء الْعَالم بأجمعهم إِلَيْهِ سوى زيد، وَلَيْسَ يَسْتَحِيل هَذَا فِي النَّفْي، لِأَنَّك إِذا قلت: مَا جَاءَنِي أحد إِلَّا زيد، فَالْكَلَام صَحِيح، لِأَنَّهُ يجوز أَن ينفى مَجِيء الْعَالم سوى مَجِيء زيد، فَلذَلِك لم يجز الْبَدَل فِي الْإِيجَاب.
فَإِن قَالَ قَائِل: (٥٥ / أ) فَلم صَار الْبَدَل فِي النَّفْي أَجود من النصب على الِاسْتِثْنَاء؟
فَفِي ذَلِك جوابان:
أَحدهمَا: أَن الْبَدَل مُطَابق للفظ مَا قبله، وَمَعْنَاهُ وَمعنى الِاسْتِثْنَاء سَوَاء، فَلَمَّا كَانَ الْمَعْنى وَاحِدًا، كَانَت مُطَابقَة اللَّفْظ أولى من اخْتِلَاف يُوجب تَغْيِير حكم، فَلذَلِك كَانَ الْبَدَل أَجود.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْبَدَل يجْرِي فِي تعلق الْعَامِل بِهِ كمجراه فِي سَائِر الْكَلَام وَيعْمل فِيهِ من غير تَشْبِيه، فَغَيره والمنصوب على الِاسْتِثْنَاء يشبه بالمفعول بِهِ، فَكَانَ مَا يجْرِي على الأَصْل أقوى من الْمُشبه.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا جعلتم (إِلَّا) هِيَ العاملة فِي الِاسْتِثْنَاء دون التَّشْبِيه بالمفعول؟
стр. 260
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (إِلَّا) لَو كَانَت عاملة مَا جَازَ أَن يَقع (مَا) بعْدهَا مُخْتَلفا، فَلَمَّا وجدنَا مَا بعْدهَا مُخْتَلفا، مَنْصُوبًا ومخفوضا وَمَرْفُوعًا، وَمَعْنَاهَا قَائِم، علمنَا أَنَّهَا لَيست بعاملة، وَيدل على ذَلِك أَيْضا أَنا لَو وَضعنَا فِي موضعهَا (غير) لانتصب (غير) ، كَقَوْلِك: جَاءَنِي الْقَوْم غير زيد، فَلَمَّا انتصب (غير زيد) وناب عَن (إِلَّا) ، علمنَا أَن الناصب هُوَ الْفِعْل الْمُتَقَدّم، إِذْ كَانَ الشَّيْء لَا يعْمل فِي نَفسه، فصح أَن الْمَنْصُوب فِي الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا عمل فِيهِ فعل مُتَقَدم لَا (إِلَّا) ، وَإِنَّمَا كَانَ النصب الْوَجْه فِيمَا لَيْسَ من جنس الأول، لِأَنَّهُ مَتى حمل عَلَيْهِ فِي الْبَدَل، وَجب أَن يحمل الْكَلَام على الْمجَاز، وَيقدر الِاسْم الأول كَأَنَّهُ من جنس الثَّانِي، إِذْ شَرط الْبَدَل أَن يكون هُوَ الْمُبدل أَو بعضه، فَلَمَّا كَانَ حمل مَا لَيْسَ من جنس الأول على الثَّانِي يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل، فَإِن النصب الْوَجْه، لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل.
стр. 261
(٣٦ - بَاب الْحُرُوف الَّتِي يجر بهَا من حُرُوف الِاسْتِثْنَاء)
اعْلَم أَن (حاشى) عِنْد سِيبَوَيْهٍ حرف، وَعند أبي الْعَبَّاس الْمبرد فعل، وَيجوز أَن تكون حرفا وفعلا.
فَأَما حجَّة سِيبَوَيْهٍ: أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا حرفا بِإِجْمَاع النَّحْوِيين، على أَنَّهَا لَا تكون صلَة ل (مَا) مَعَ كَونهَا متصرفة عِنْدهم، دلّ ذَلِك على أَنَّهَا لَيست بِفعل.
وَاحْتج أَبُو الْعَبَّاس فِي كَونهَا فعلا بأَشْيَاء:
أَحدهَا: قَول النَّابِغَة:
(وَلَا أحاشي من الأقوام من أحد ... )
فَلَمَّا تصرفت علم أَنَّهَا فعل.
وَمِنْهَا: أَنه قَالَ: وجدنَا الْحَذف يدخلهَا، كَقَوْلِك: حاش لزيد، والحذف إِنَّمَا يَقع فِي الْأَفْعَال والأسماء دون الْحُرُوف. وَمِنْهَا: أَنه قَالَ: سمع من الْعَرَب: (اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَلمن سمع حاشى
стр. 262
الشَّيْطَان وَأَبا الْأصْبع) .
وَمِنْهَا أَنه قَالَ: لَو كَانَت حرفا لما جَازَ أَن يتَّصل بهَا لَام الْجَرّ، إِذْ كَانَ حرف الْجَرّ لَا يدْخل على حرف جر.
وَجَمِيع مَا ذكره أَبُو الْعَبَّاس يُمكن تَأْوِيله، فَإِذا أمكن تَأْوِيله، كَانَ مَا حكى سِيبَوَيْهٍ أولى، لِأَن ذَلِك مُتَعَلق بالحكاية عَن الْعَرَب، فَلذَلِك صَار قَول سِيبَوَيْهٍ أقوى.
وَأما قَول النَّابِغَة، فَإِنَّمَا اشتق من (حاشى) ، كَمَا يَقُول الْقَائِل: قد حولق الرجل، وبسمل، إِذا قَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وببسم الله، فَكَذَلِك تَقْدِير قَول النَّابِغَة، أَي: هَذَا الْمَعْنى الَّذِي فِي (حاشى) لَا يمْتَنع قَوْله لجَمِيع النَّاس.
فَإِذا أعمل ذَلِك، لم يكن فِي الْبَيْت حجَّة.
فَأَما الْحَذف الَّذِي ذكره فقد يُوجد فِي الْحَرْف مثله، نَحْو (رب ومذ) ، فَيجوز أَيْضا أَن يحذف من (حاشى) ، لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاهَا، ولاتصال الْكَلَام بهَا.
وَأما الْجمع بَينهَا وَبَين اللَّام، فتقدير ذَلِك (٥٥ / ب) أَن تكون اللَّام الَّتِي للجر مُتَعَلقَة بِفعل آخر، أَو تكون زَائِدَة، فَإِذا كَانَت زَائِدَة فَلَا شُبْهَة فِي الْكَلَام وَإِذا كَانَت مُتَعَلقَة بِفعل، فالتقدير فِي قَوْلك: ضربت الْقَوْم حاشى لزيد، لِأَنَّك لما قلت: حاشى، أردْت أَن تبين من الْمُمَيز، فَقلت: لزيد، أَي: أَعنِي.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يتَبَيَّن كَلَام غير تَامّ، وَإِنَّمَا يتَبَيَّن الْكَلَام إِذا تممه الْمُتَكَلّم وَلم يفهمهُ الْمُخَاطب، فَحِينَئِذٍ يجب الْبَيَان؟
قيل: قد حكى سِيبَوَيْهٍ مثل هَذِه الْمَسْأَلَة، فَقَالَ: (إِنَّه الْمِسْكِين أَحمَق) وَقَالَ: هَذَا على طَرِيق التَّبْيِين، يَعْنِي: هُوَ الْمِسْكِين، فَإِذا كَانَ قد بَين، فَهُوَ وَخبر
стр. 263
(إِن) بعد لم يحصل، لِأَنَّهُ قَوْله: أَحمَق، فَجَاز مثل هَذَا على هَذَا، إِن شَاءَ الله.
(وَأما خلا) : فَلَا خلاف فِي كَونهَا فعلا وحرفا، وَإِذا كَانَت فعلا نصبت مَا بعْدهَا، لِأَن فِيهَا ضمير الْفَاعِل، لِأَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل، فَلَمَّا اسْتغنى الْفِعْل بفاعله، صَار الْمُسْتَثْنى فضلَة كالمفعول، فَلذَلِك انتصب.
فَإِن قدرت (خلا) حرفا خَافِضًا خفضت مَا بعْدهَا.
وَنَظِير خلا (عدا) ، لِأَنَّهَا قد تكون حرفا وفعلا، فَإِذا أدخلت (مَا) على (خلا) لم يجز أَن تكون إِلَّا فعلا، لِأَن (مَا) إِنَّمَا توصل بِالْفِعْلِ إِذا كَانَت مصدرا، لِأَنَّهَا تصير مَعَ الْفِعْل مصدرا، وَلَا يجوز أَن توصل بالحروف، فَلذَلِك وَجب أَن تكون (خلا) مَعَ (مَا) فعلا غير حرف، فَإِذا كَانَت فعلا وَجب النصب فِيمَا بعْدهَا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا مَوضِع (مَا) مَعَ (خلا) ؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن يكون نصبا، لِأَنَّهُ اسْم جَاءَ بعد اسْتغْنَاء الْفِعْل بفاعله، فَلذَلِك وَجب أَن يكون موضعهَا نصبا.
وَأما (غير) : فَهِيَ اسْم، وَتَقَع فِي الِاسْتِثْنَاء موقع (إِلَّا) ، فَإِن كَانَ الِاسْم الَّذِي قبلهَا مَرْفُوعا منفيا رفعتها، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مخفوضا خفضتها، وَإِنَّمَا وَجب مَا ذكرنَا، لِأَن (غير) عاملة، فَإِذا حلت مَحل (إِلَّا) ، وَجب أَن يخْفض
стр. 264
الْمُسْتَثْنى على جَمِيع الْوُجُوه، وَلَا بُد ل (غير) من إِعْرَاب، فَنقل إِعْرَاب الْمُسْتَثْنى إِلَيْهِ، ليدل ذَلِك على أَنَّهَا قَامَت مقَام حرف الِاسْتِثْنَاء.
وَأما (سَوَاء) الممدودة: فَيجب أَن تكون مَنْصُوبَة بِالْفِعْلِ الَّذِي قبلهَا على جَمِيع الْجِهَات، لِأَنَّهَا ظرف غير مُتَمَكن، فَلم يجز أَن ينْقل إِلَيْهَا الْإِعْرَاب مِمَّا بعْدهَا، فَترفع وتخفض، لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى تمكنها، وَهِي غير متمكنة، فَلذَلِك لَزِمت وَجها وَاحِدًا.
وَحكم الْمَقْصُورَة كَحكم الممدودة، وَإِن لم يظْهر فِيهَا الْإِعْرَاب.
وَاعْلَم أَن الْجرْمِي ترْجم بَاب الِاسْتِثْنَاء بالحروف على طَرِيق الْمُسَامحَة، إِذْ كَانَ أصل الْبَاب (إِلَّا) ، فَلذَلِك غلب حكم التَّرْجَمَة للحروف.
فَإِن قَالَ قَائِل: لأي شَيْء أَن اصل الِاسْتِثْنَاء ب (إِلَّا) ؟
قيل لَهُ: لِأَنَّهُ لَا يخرج عَن مَعْنَاهُ، وَلَا يُفِيد غَيره. وَأما سواهَا مِمَّا يسْتَثْنى بِهِ، فَيخرج عَن الِاسْتِثْنَاء لمعان تدخله، فَصَارَ فِي الحكم زَائِدا على حكم (إِلَّا) ، فَوَجَبَ أَن يكون فرعا فِي الْبَاب، إِذْ زَاد حكمه على مَا يَقْتَضِيهِ حكم الْبَاب، وَكَانَت (إِلَّا) مُخْتَصَّة بِمَا يَقْتَضِيهِ الْبَاب، فَلذَلِك وَجب أَن تكون أصلا فِي الْبَاب، وَإِنَّمَا اسْتثْنِي
стр. 265
بِجَمِيعِ مَا ذكرنَا على طَرِيق التَّشْبِيه ب (إِلَّا) .
فَأَما (غير) فَإِنَّمَا دخلت فِي الِاسْتِثْنَاء، لِأَنَّهَا توجب إِخْرَاج من عدى الْمُضَاف (٥٦ / أ) إِلَيْهَا من الحكم الْمُتَقَدّم فعلهَا، كَقَوْلِك: مَرَرْت بِرَجُل غَيْرك، فَمَعْنَاه: أَنِّي اقتطعت بمروري آخر من النَّاس كلهم، وَالِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا هُوَ اقتطاع شَيْء من شَيْء، فَلَمَّا ضارعت معنى الِاسْتِثْنَاء، أدخلت فِيهِ حكم (سوى) ، وَحكم (سوى) كَحكم (غير) لتقارب مَا بَينهمَا من الْمَعْنى.
فَأَما (حاشى) : فمعناها تَنْزِيه الْمَذْكُور بعْدهَا عَمَّا حصل لغيره، فَصَارَت مُنْقَطِعَة لَهُ من غَيره، فَلذَلِك دخلت فِي الِاسْتِثْنَاء.
فَأَما (خلا وَعدا) : فمعناهما الْمُجَاوزَة، والمجاوزة للشَّيْء فِيهَا معنى الِانْقِطَاع لمن جاوزته دون غَيره فَلذَلِك أدخلها فِي الِاسْتِثْنَاء.
فَأَما (لَيْسَ وَلَا يكون) : فاستعملتا أَيْضا فِي الِاسْتِثْنَاء، لِأَن النَّفْي يُوجب إِخْرَاج الْمَنْفِيّ من حكم غير الْمَنْفِيّ، فَإِن ثَبت لَهُ معنى آخر فَصَارَ فِيهَا معنى الِانْقِطَاع فدخلا فِي حكم الِاسْتِثْنَاء فَإِنَّمَا خصا بِهَذَا [هَذِه] الْأَفْعَال من بَين سَائِر الْأَفْعَال، لِأَن (لَيْسَ) تَضَمَّنت معنى النَّفْي، فَلَو اسْتعْمل غَيرهَا احْتِيجَ إِلَى حرف آخر مَعهَا، فَلَو تَضَمَّنت معنى حرف النَّفْي، كَانَت أولى بِالِاسْتِعْمَالِ، لنيابتها عَن فعل وحرف، إِذْ هِيَ لتضمنها معنى الْحَرْف تشبه ب (إِلَّا) .
وَأما (إِلَّا أَن يكون) : فاستعملت لِكَثْرَة دوران (أَن وَيكون) فِي الْكَلَام.
стр. 266
وَاعْلَم أَن (لَيْسَ وَلَا يكون) : مَعْنَاهُمَا فِي الِاسْتِثْنَاء معنى الْإِيجَاب، لِأَنَّهُمَا أقيما مقَام (إِلَّا) للْإِيجَاب، فَلذَلِك لم يَكُونَا للنَّفْي، فَإِذا قلت: أَتَانِي الْقَوْم لَيْسَ زيدا، فَهُوَ بِمَعْنى قَوْلك: أَتَانِي الْقَوْم إِلَّا زيدا، وَإِنَّمَا اسْتَويَا فِي هَذَا الحكم لِأَن (إِلَّا) تخرج مَا بعْدهَا من حكم مَا قبلهَا، كَمَا أَن النَّفْي لَهُ هَذَا الحكم، فَلهَذَا اسْتَويَا.
وَاعْلَم أَن (لَيْسَ، وَلَا يكون) إِذا أُرِيد بهما الِاسْتِثْنَاء ففيهما ضمير اسمهما، وَلَا يثنى ذَلِك الضَّمِير وَلَا يجمع، وَلَا يؤنث، وَإِن كَانَ مَا قبله مؤنثا، كَقَوْلِك: جَاءَنِي النسْوَة لَيْسَ فُلَانَة، وَتَقْدِير الْمُضمر: لَيْسَ بَعضهم فُلَانَة، وَكَذَلِكَ: لَا يكون بَعضهم فُلَانَة، وَإِنَّمَا قدر الضَّمِير بِتَقْدِير (الْبَعْض) ، لِأَن الْبَعْض يَنْتَظِم الْوَاحِد فَمَا فَوْقه، وَهُوَ مُذَكّر فِي اللَّفْظ، وَإِن كَانَ مُضَافا إِلَى مؤنث، فَلذَلِك لزما وَجها وَاحِدًا، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك، لِأَنَّهُمَا قاما مقَام الْحَرْف، أَعنِي (إِلَّا) ، وَكَانَت (إِلَّا) لَا يخْتَلف لَفظهَا فِي جَمِيع الْوُجُوه، وَجب أَيْضا أَن يكون مَا قَامَ مقَامهَا على لفظ وَاحِد، فَيجْرِي مجْراهَا، وَيدل اسْتِعْمَاله على هَذَا الْوَجْه أَنه خَارج عَن أَصله، وملحق بِحكم غَيره.
وَأما إِذا جعلت (لَيْسَ، وَلَا يكون) صِفَات لما قبلهَا، وَلم تجعلها استثناءا، ثنيت وجمعت، وأنثت، فَقلت: أَتَتْنِي امْرَأَة لَيست فُلَانَة، وعَلى هَذَا فقس، وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ يَنْتَظِم فِي جَمِيع هَذَا الْبَاب، إِن شَاءَ الله.
стр. 267
(٣٧ - بَاب كم)
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب أَن تبنى (كم) ؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا وَجب بناؤها فِي الْخَبَر، لِأَنَّهَا نقيضة (رب) وَرب حرف، فَوَجَبَ أَن تجْرِي نقيضتها مجْراهَا، إِذْ كَانَ قد دَخلهَا معنى الْحَرْف، وَوَجَب بناؤها فِي الِاسْتِفْهَام، لتضمنها معنى حرف الِاسْتِفْهَام، فقد اسْتحق الْبناء لما ذَكرْنَاهُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَإِنَّمَا وَجب أَن تبنى على السّكُون، ليَكُون بَينه وَبَين مَا لَهُ حَال تمكن فصل، وَإِنَّمَا وَجب (٥٦ / ب) أَن يخْفض بهَا فِي الْخَبَر، وَينصب بهَا فِي الِاسْتِفْهَام لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَنَّهَا فِي الْخَبَر نقيضة (رب) ، فَكَمَا وَجب الْخَفْض ب (رب) وَجب الْخَفْض بنقيضتها.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن (كم) فِي الْخَبَر للكثرة، وَفِي الِاسْتِفْهَام يَقع الْجَواب عَنْهَا بِالْقَلِيلِ وَالْكثير من الْأَعْدَاد، لِأَن المستفهم لَا يدْرِي قدر مَا يستفهم عَنهُ، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: كم رجلا أَتَاك؟ جَازَ أَن يَقُول: ثَلَاثَة، أَو مائَة، لاحْتِمَال الْأَمريْنِ جَمِيعًا.
стр. 268
فَلَمَّا كَانَت (كم) تقع فِي الِاسْتِفْهَام للتكثير والتقليل، صَار متوسط الحكم بَين الْقَلِيل وَالْكثير، فَجعل لَهَا حكم الْأَعْدَاد المتوسطة بَين الْكَثِيرَة والقليلة، وَمَا بَين الْمِائَة إِلَى الْعشْرَة فَمَا دونهَا، فالعشرة فَمَا دون للقلة، وَالْمِائَة فَمَا فَوْقهَا للكثرة، وَمَا بَينهمَا هُوَ الْمُتَوَسّط، فَلذَلِك جَازَ أَن ينصب بهَا فِي الِاسْتِفْهَام، وَجعلت فِي الْخَبَر خافضة، حملا على لفظ الْعدَد الْكثير، أعنى الْمِائَة فَمَا فَوْقهَا، وَإِنَّمَا خصت بِأَن جعلت صدر الْكَلَام، لدُخُول معنى الِاسْتِفْهَام فِيهَا، وَجعلت فِي الْخَبَر كَذَلِك، لِأَنَّهَا نقيضة (رب) ، وَرب تقع صدر الْكَلَام، لِأَن فِيهَا معنى النَّفْي، إِذْ كَانَت الْقلَّة نفي الْكَثْرَة، فَلَمَّا دَخلهَا معنى النَّفْي - وَالنَّفْي لَهُ صدر الْكَلَام - حملت عَلَيْهَا لما ذَكرْنَاهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ أَن يعْمل فِيهَا مَا تجر من بَين سَائِر العوامل؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْجَار وَالْمَجْرُور كالشيء الْوَاحِد، فَلَا يجوز انْفِصَال الْجَار من الْمَجْرُور وقيامه بِنَفسِهِ، كَمَا يجوز انْفِصَال الرافع من الْمَرْفُوع، والناصب من الْمَنْصُوب، فَصَارَ تَقْدِيم الْجَار عَلَيْهِ ضَرُورَة، وَلم يجز تَقْدِيم ذَلِك فِي الرافع والناصب، إِذْ لَيْسَ مُضْطَرّا فِيهِ إِلَى ذَلِك. وَاعْلَم أَنَّك إِذا قدرت دُخُول الْجَار عَلَيْهَا بِحَال الِاسْتِفْهَام، قدرت الِاسْتِفْهَام على حرف الْجَرّ، كَقَوْلِك: على كم جذعا بَيْتك مَبْنِيّ؟
وَإِنَّمَا وَجب التَّقْدِير على مَا ذكرنَا، لِئَلَّا يتَقَدَّم الْعَامِل على حرف الِاسْتِفْهَام.
وَأما فِي الْخَبَر فالعلة فِيهَا مَا ذكرنَا، وَالْجَار دَاخل عَلَيْهَا من غير توَسط، إِن شَاءَ الله.
وَاعْلَم أَن النصب فِيهَا على تَقْدِير تَنْوِين فِيهَا، كَمَا أَن النصب بِخَمْسَة عشر وَأَخَوَاتهَا على تَقْدِير التَّنْوِين بهَا، فَمن خفض بهَا فِي الِاسْتِفْهَام فعلى وَجْهَيْن:
стр. 269
أَحدهمَا: أَن يكون قدر حذف التَّنْوِين، وَلم يَجْعَلهَا كخمسة عشر، بل جعلهَا بِمَنْزِلَة الْعدَد الَّذِي لَا ينون.
وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون الْخَبَر بِتَقْدِير (من) ، لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاهَا فِي هَذَا الْموضع. وَإِنَّمَا نصب بهَا فِي الْخَبَر، وَقدر التَّنْوِين فِيهَا، وَجعلهَا بِمَنْزِلَة المستفهم بهَا.
وَاعْلَم أَنَّك إِذا نصبت بهَا فِي حَال اسْتِفْهَام، لم يجز أَن يكون بعْدهَا الِاسْم إِلَّا مُفردا نكرَة، كَمَا لَا يجوز أَن يذكر بعد الْعشْرين إِلَّا اسْم مُفْرد نكرَة.
فَأَما فِي الْخَبَر: فَيجوز أَن يذكر بعْدهَا الْفِعْل، خفضت أَو نصبت، لِأَنَّهَا تجْرِي مجْرى: ثَلَاثَة أَثوَاب، وَثَلَاثَة أثوابا، إِذا نون كَمَا نون فِي الْعشْرين، وَرُبمَا جَازَ الْفَصْل بَينهَا وَبَين مَا تنصبه، نَحْو قَوْلك: كم عنْدك غُلَاما، وَإِن كَانَ مثل هَذَا لَا يجوز فِي الْعشْرين، لَا تَقول: هَؤُلَاءِ عشرُون عنْدك غُلَاما، وَرُبمَا سهل ذَا فِي (كم) ، لِأَنَّهُ جعل الْفَصْل فِيهَا عوضا مِمَّا منعته من التَّمَكُّن، ولزومها طَريقَة وَاحِدَة، وَلم يجز ذَلِك فِي (٥٧ / أ) الْعشْرين، لِأَنَّهَا متمكنة، فمنعت تَأَخّر معمولها على الْعَامِل، فَلذَلِك ضعف الْفَصْل بَينهَا وَبَين معمولها.
стр. 270
(٣٨ - بَاب لَا)
اعْلَم أَن (لَا) تنصب الِاسْم تَشْبِيها ب (إِن) ، لِأَنَّهَا نقيضتها، وَهِي تدخل على الْأَسْمَاء، كدخول (إِن) عَلَيْهَا، فَوَجَبَ أَن تنصب الْأَسْمَاء، كَمَا تنصب (إِن) ، وَإِنَّمَا بنيت الْأَسْمَاء من (لَا) لوجوه:
أَحدهَا: أَنه جَوَاب لِقَوْلِك: هَل من رجل فِي الدَّار؟ وَالْجَار وَالْمَجْرُور بِمَنْزِلَة الشَّيْء مَا هُوَ جَوَابه، إِذا كَانَ الناصب مَعَ الْمَنْصُوب لَا يكون كالشيء الْوَاحِد.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن تكون (من) مقدرَة بَين (لَا) وَمَا تعْمل فِيهِ، فَيكون الأَصْل: لَا من رجل فِي الدَّار، فَلَمَّا حذفت (من) تضمن الْكَلَام معنى الْحَرْف، والحروف مَبْنِيَّة، فَوَجَبَ أَن تبنى (لَا) مَعَ مَا بعْدهَا، لتضمنها الْحُرُوف.
وَوجه ثَالِث: أَنَّهَا لما كَانَت مشبهة بالحروف فِي الْعَمَل، وَكَانَت الْحُرُوف مشبهة بِالْفِعْلِ وَصَارَت فرعا للفرع، فضعفت، فَجعل الْبناء فِيهَا دَلِيلا على ضعفها.
وَاعْلَم أَن النكرَة الَّتِي تبنى مَعَ (لَا) فِي المفردة - وَإِن كَانَت مَوْصُولَة أَو مُضَافَة - لم يجز الْبناء فِيهَا، لِأَن التَّنْوِين يصير فِي وسط الْكَلِمَة، فَيجْرِي مجْرى سَائِر الْحُرُوف، والمضاف إِلَيْهِ يقوم مقَام التَّنْوِين، فَيمْتَنع أَيْضا من الْبناء، وَذَلِكَ نَحْو قَوْله: لَا غُلَام رجل عنْدك، وَلَا خيرا من زيد عنْدك، فَصَارَ مَا عوض فِيهَا يمْنَع من الْبناء، كَمَا منع ذَلِك فِي المنادى. وَاعْلَم أَن النكرَة الَّتِي
стр. 271
تنصبها (لَا) ، أَعنِي: لَا يُرَاد بهَا الْجِنْس، وَلَا يُرَاد بهَا نفي شخص وَاحِد، لِأَنَّهَا جَوَاب تَقْتَضِي الْجِنْس، وَلَيْسَ يُرَاد بهَا نفي شخص وَاحِد، فَإِذا قلت: لَا رجل عنْدك، فَالْمَعْنى: لَا وَاحِد من هَذَا الْجِنْس عنْدك وَلَا أَكثر مِنْهُ.
وَاعْلَم أَن (لَا) (و) مَا تعْمل فِيهِ فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ، وَلَا بُد لَهُ من خبر، وَحكم خَبره - إِن كَانَ اسْما - أَن يكون مَرْفُوعا كَخَبَر المبتدإ، إِذْ كَانَ هُوَ الأول، كَقَوْلِك: لَا رجل أفضل مِنْك، ف (أفضل مِنْك) : خبر الِابْتِدَاء.
وَإِن فصلت بَين (لَا) وَمَا تعْمل فِيهِ بَطل عَملهَا، لِأَنَّهَا مشبهة بالحروف، فَلم تقو على الْعَمَل مَعَ الْفَصْل، وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهَا مَعَ النكرَة المفردة كاسمين جعلا اسْما وَاحِدًا، وَأما مقامهما فَكَمَا أَن الْفَصْل بَين الشَّيْئَيْنِ اللَّذين هما كالشيء الْوَاحِد لَا يجوز، فَكَذَلِك أَيْضا لم يجز الْفَصْل بَين (لَا) وَمَا تعْمل فِيهِ، إِذْ قد جَريا مجْرى شَيْء وَاحِد. وَاعْلَم أَنَّك إِذا رفعت مَا بعد (لَا) فعلى وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: بِالِابْتِدَاءِ، فَإِذا قدرت هَذَا التَّقْدِير، اسْتَوَت الْمعرفَة والنكرة بعْدهَا، إِلَّا أَن الْأَحْسَن - إِذا أردْت هَذَا الْوَجْه - أَن تكَرر فَتَقول: لَا زيد عِنْدِي وَلَا عَمْرو، ليَكُون الْجَواب عَن الْمعرفَة خلاف الْجَواب عَن النكرَة الَّتِي تُؤدِّي معنى
стр. 272
الْجِنْس وَلَا يكون مُفردا، لِأَنَّهُ جَوَاب: أَزِيد عنْدك أم عَمْرو؟ وَلم يحسن الْإِفْرَاد لِأَن هَذَا الْموضع من مَوَاضِع (مَا) ، فاستغنوا بهَا عَن أَن يستعملوا ذَلِك فِي (لَا) ، فَلذَلِك لم يجز الْإِفْرَاد مَا بعد (لَا) فِي هَذَا الْموضع، وَكَذَلِكَ حكم النكرَة بعْدهَا.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تشبهها ب (لَيْسَ) فَترفع (٥٧ / ب) الِاسْم بهَا، فَإِذا قدرتها هَذَا التَّقْدِير، لم تعْمل أَيْضا إِلَّا فِي النكرَة، وَإِن كَانَت قد شبهت ب (لَيْسَ) ، فقد حصل لَهَا الضعْف بشبهها ب (لَيْسَ) ، وَلم يخْتَلف مَعْنَاهَا، فَلذَلِك وَجب فِي الْعَمَل أَن تلْزم طَريقَة وَاحِدَة، أَعنِي: أَن تخْتَص بِالْعَمَلِ فِي النكرَة دون المعارف. وَمَتى فصل بَينهَا وَبَين مَا تعْمل فِيهِ - وَهِي رَافِعَة - فَالْأَحْسَن أَن يبطل عَملهَا، لما ذَكرْنَاهُ من ضعفها.
وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت: لَا مُسلمين، فَتثبت النُّون، فَعِنْدَ سِيبَوَيْهٍ أَن (لَا) مَبْنِيَّة مَعَ التَّثْنِيَة وَالْجمع، كبنائها مَعَ الْوَاحِد، وَلم يجز حذف النُّون، وَإِن حذفت التَّنْوِين من الْوَاحِد، لِأَن النُّون أقوى من التَّنْوِين، أَلا ترى أَنَّهَا تثبت مَعَ الْألف وَاللَّام، والتنوين يسْقط مَعَهُمَا، فقد بَان أَنه لَيْسَ يجب حذف التَّنْوِين، وَإِنَّمَا جرت التَّثْنِيَة وَالْجمع مجْرى الْوَاحِد فِي الْبناء، لِأَن إعرابهما كإعراب الْوَاحِد، فصارا بِمَنْزِلَتِهِ.
وَأما أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فَيمْنَع من ذَلِك، وَيجْعَل التَّثْنِيَة وَالْجمع منصوبين كنصب الْمُضَاف، وَإِنَّمَا امْتنع من ذَلِك، لِأَنَّهُ لم يُوجد فِي كَلَام الْعَرَب اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا، وَالثَّانِي مثنى أَو مَجْمُوع، فَلهَذَا امْتنع مِنْهُمَا، وَقَول سِيبَوَيْهٍ أولى
стр. 273
بِالصَّوَابِ، لأَنا قد نثني حَضرمَوْت ونجمع فَنَقُول: جَاءَنِي حضرموتان. ونجمعه فَنَقُول: حضرموتون. إِذْ كَانَ اسْم رجل، فقد لحقت التَّثْنِيَة وَالْجمع الِاسْم الثَّانِي، وَإِن كَانَ قد جعل اسْما وَاحِدًا، فَكَذَلِك يجب أَيْضا أَن تلْحق عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع فِيمَا بعد (لَا) ، وَلَا يتَغَيَّر من حكم الْبناء شَيْء، كَمَا يتَغَيَّر ذَلِك فِي حَضرمَوْت.
فَأَما الَّذِي لم يُوجد فِي كَلَام الْعَرَب أَن يكون الاسمان جعلا اسْما وَاحِدًا وَالثَّانِي مثنى أَو مَجْمُوع فِي أول أحوالهما.
فَأَما مَا تلْحقهُ عَلامَة التَّأْنِيث وَالْجمع ويزولان عَنهُ، فَلَيْسَ حكمه هَذَا الحكم، فَمن أجل هَذَا أدخلت الشُّبْهَة على أبي الْعَبَّاس، وَالصَّحِيح مَا ذكرنَا عَن سِيبَوَيْهٍ.
وَاعْلَم أَن لَام الْجَرّ تزاد فِي النَّفْي، فَيكون دُخُولهَا كخروجها، فَيصير الِاسْم الَّذِي قبلهَا فِي تَقْدِير الْمُضَاف إِلَى مَا بعْدهَا، كَقَوْلِك: لَا مُسْلِمِي لَك، إِذا قدرت (لَك) زَائِدَة، لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى قد أضفت (مُسْلِمِي) إِلَى الْكَاف، وَلم يعْتد بِاللَّامِ، فَلذَلِك حذفت النُّون، وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك كَرَاهَة أَن يضيفوا الِاسْم من غير توَسط اللَّام، فَيصير فِي اللَّفْظ معرفَة، و (لَا) لَا تعْمل فِي المعارف، فَلَمَّا كَانَ اللَّفْظ يصير معرفَة، استقبحوا ذَلِك، ففصلوا بَينهمَا بِاللَّامِ، وَإِنَّمَا كَانَت اللَّام أولى من سَائِر الْحُرُوف، لِأَن الْإِضَافَة تضمنتها، وَإِن كَانَت محذوفة، أَلا ترى أَن معنى قَوْلك: جَاءَنِي غُلَام زيد، كمعنى قَوْلك: جَاءَنِي غُلَام لزيد، وَإِن كَانَ الأَصْل معرفَة يتعرف بِالْإِضَافَة، فَلَمَّا كَانَت الْإِضَافَة تَتَضَمَّن اللَّام، أظهروها دَلِيلا على أَن الِاسْم نكرَة، وساغ أَيْضا ذَلِك من أجل حذف التَّنْوِين لأجل الْبناء، فَيصير دُخُول اللَّام عوضا من بِنَاء الِاسْم، فَإِن لم ترد بِاللَّامِ الزِّيَادَة أثبت النُّون، وَجعلت
стр. 274
اللَّام وَمَا بعْدهَا خبر الِابْتِدَاء، إِن شِئْت، وَإِن شِئْت (٥٨ / أ) جَعلتهَا صلَة للكاف، وأضمرت الْخَبَر، كَأَنَّك قلت: لَا مُسلمين مملوكان لَك، مِمَّا يعرفهُ الْمُخَاطب من حكم الْخَبَر.
стр. 275
(٣٩ - بَاب الضَّمِير)
إِن قَالَ قَائِل: لم جَازَ أَن يَقع الِاسْم الْمَرْفُوع والمنصوب ضميرا مُنْفَصِلا، وَلم يكن فِي الْمَجْرُور إِلَّا ضميرا مُتَّصِلا؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْمَرْفُوع والمنصوب يجوز أَن يفصل بَينهمَا وَبَين مَا عمل فيهمَا، وَالْمَجْرُور مَعَ الْجَار كالشيء الْوَاحِد، وَلَا يجوز الْفَصْل فيهمَا، فَلَمَّا جَازَ الْفَصْل فِي الْمَرْفُوع والمنصوب، وَجب أَن يكون لَهما ضمير مُنْفَصِل، وأعني بالمنفصل الَّذِي يقوم بِنَفسِهِ، وَلَا يتَّصل بعامل، وَلما كَانَ الْمَجْرُور لَا يجوز انْفِصَاله من عَامله، لم يكن لَهُ إِلَّا ضمير وَاحِد.
فَإِن قَالَ قَائِل: هَل الِاسْم من (أَنا) جملَته أَو بعضه؟
قيل لَهُ: الِاسْم (أَن) ، وَالْألف زيدت لبَيَان حَرَكَة النُّون، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك إِذا وصلت الْكَلَام، قلت: أَن، فَسَقَطت الْألف، كَقَوْلِك: أَن فهمت، وَلَو كَانَت الْألف من نفس الْكَلِمَة لم تسْقط، وَإِنَّمَا كَانَت الْألف أولى بِالزِّيَادَةِ، لِأَنَّهَا أخف الْحُرُوف. وَبَعض الْعَرَب يَجْعَل فِي مَوضِع الْألف الْهَاء، إِذا وقف، فَيَقُول: أَنه، وَهَذَا يدلك على أَن الْألف لَيست من بِنَاء الِاسْم، وَإِنَّمَا زيدت لما ذكرنَا، وَإِنَّمَا كَانَت الْألف أَكثر من الْهَاء، لِأَنَّهَا قد تتصل بالضمير، إِذا كَانَت (أَن) العاملة قد يتَّصل بهَا ضمير الْغَائِب كثيرا، فَلذَلِك كَانَت الْألف أَكثر
стр. 276
اسْتِعْمَالا فِي هَذَا الْموضع من الْهَاء.
وَأما (أَنْت) : فالاسم أَيْضا مِنْهُ (أَن) ، وَالتَّاء زيدت للمخاطب، وَلَيْسَ لَهَا مَوضِع من الْإِعْرَاب، لِأَنَّهَا لَو كَانَت لَهَا مَوضِع من الْإِعْرَاب، لم تخل من أَن تكون رفعا أَو نصبا أَو جرا، وَالتَّاء لَيست من عَلَامَات الْمَجْرُور وَلَا الْمَنْصُوب، فَسقط أَن يكون موضعهَا نصبا أَو جرا، وَلم يجز أَن يكون رفعا، لِأَن الْعَامِل هُوَ (أَن) فِي قَوْلك: مَا قَامَ إِلَّا أَنْت، فَلَو كَانَت (التَّاء) فِي مَوضِع رفع، لَكُنْت قد جعلت للْفِعْل فاعلين من غير اشْتِرَاك بَينهمَا فِي تَثْنِيَة أَو عطف، ويتبين لَك أَنَّهَا لَا مَوضِع لَهَا، إِذا أدخلتها عَلامَة كالهاء الَّتِي تدخل عَلامَة للتأنيث، والعلامات لَا تكون لَهَا مَوَاضِع، لِأَنَّهَا لَيست لَهَا أَسمَاء.
وَأما قَوْلنَا: (هُوَ) ، فالاسم الْهَاء وَالْوَاو جَمِيعًا، وَأهل الْكُوفَة يجْعَلُونَ الِاسْم الْهَاء وَحدهَا، ويستدلون على ذَلِك بِإِسْقَاط الْوَاو فِي التَّثْنِيَة، نَحْو قَوْلك: هما، وَكَذَلِكَ تسْقط فِي الْجمع، نَحْو هم ذاهبون، فَالْجَوَاب فِي هَذَا أَن الْحَرْف يسْقط فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع، إِذا عرضت فِيهِ عِلّة توجب إِسْقَاطه، وَإِن كَانَ الْحَرْف من أصل الْكَلِمَة، أَلا ترى إِذا جَمعنَا قَاضِيا قُلْنَا فِي جمعه: قاضون، فاسقطنا الْيَاء،
стр. 277
وَهِي لَام الْفِعْل، وَلم يدل إِسْقَاطهَا على أَنَّهَا زَائِدَة، وَكَذَلِكَ إِسْقَاط الْوَاو من التَّثْنِيَة وَالْجمع من: هما وهم، لَا يدل على زيادتها.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الْعلَّة الَّتِي من أجلهَا سقط الْوَاو؟
قيل: لِأَنَّهَا لَو لم تسْقط لوَجَبَ ضمهَا، فَكَانَ إِثْبَاتهَا يُوجب أَن تكون مَضْمُومَة وَقبلهَا ضمة، وَذَلِكَ مستثقل، فحذفوها للاستثقال، فَكَانَت الْعلَّة فِي (٥٨ / ب) حذف الْوَاو استثقال الضمة فِيهَا، فَلهَذَا حذفت.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم وَجب أَن تضم، وَهِي مَفْتُوحَة فِي الْإِفْرَاد؟
قيل: لِأَنَّهَا لَو بقيت مَفْتُوحَة، وَقد زيدت عَلَيْهَا الْمِيم وَالْألف، لتوهم أَنَّهُمَا حرفان منفصلان فِي أَمريْن متصلين، فَوَجَبَ أَن تغير الْحَرَكَة الَّتِي كَانَت مستعملة فِي آخِره، كَمَا غيرت فِي قَوْلك: أَنْتُمَا، فدلت الضمة على أَنَّهَا شَيْء وَاحِد، فَلذَلِك وَجب ضم الْوَاو، فاعلمه.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم زيدت الْمِيم فِي التَّثْنِيَة؟
[قيل] : فَفِي ذَلِك جوابان:
أَحدهمَا: أَن التَّثْنِيَة لما كَانَت توجب تَغْيِير الْوَاحِد، كثر اللَّفْظ أَيْضا بِزِيَادَة الْمِيم، إِذْ كَانَت هَذِه المكنيات قد تبنى على حرف وَاحِد، وَأَقل الْأَسْمَاء أصولا يجب أَن يكون على ثَلَاثَة أحرف، فَلذَلِك زادوا الْمِيم.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن القافية إِذا كَانَت مُطلقَة تبعتها ألف، فَلَمَّا زادوا على (أَنْت) ألفا، وَهُوَ ألف التَّثْنِيَة، جَازَ أَن يتَوَهَّم فِي بعض الْأَحْوَال أَنَّهَا ألف الْإِطْلَاق،
стр. 278
كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(يَا مرت بن رَافع يَا أنتا ... أَنْت الَّذِي طلقت عَام جعتا)
فزادوا الْمِيم ليزول اللّبْس، وَإِنَّمَا كَانَت الْمِيم أولى بِالزِّيَادَةِ من بَين سَائِر الْحُرُوف، لِأَنَّهَا من زَوَائِد الْأَسْمَاء والمضمر اسْم، فَلذَلِك وَجب أَن يُزَاد عَلَيْهِ الْمِيم، فَإِذا جمعت زِدْت واوا مَعَ الْمِيم، لتَكون الْوَاو تحل مَحل التَّثْنِيَة، فَتَقول: أنتمو وهمو، إِلَّا أَن هَذِه الْوَاو تحذف اسْتِخْفَافًا، لِأَنَّهُ لَا يشكل حذفه، وَيجوز أَن يتَكَلَّم بهَا على الأَصْل.
فَأَما الْمُؤَنَّث: فَإِنَّهُ فِي التَّثْنِيَة لَا يخْتَلف طريقها، فَلذَلِك اسْتَويَا، فَإِذا جمعت زِدْت نونا مُشَدّدَة، فَقلت: هن، وأنتن، وَإِنَّمَا شددت النُّون لِأَنَّك زِدْت للمذكر حرفين، وهما الْمِيم وَالْوَاو، فَجعلت النُّون مُشَدّدَة لتَكون بِمَنْزِلَة مَا زِدْت للمذكر، وَلم تثقل كثقل الْوَاو، فتخفف، وَلَو خففت أَيْضا لزالت الْمُشَاركَة الَّتِي قصدت بتَشْديد النُّون. فَأَما الْمُتَكَلّم إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ غَيره، وَاحِدًا كَانَ أَو جمعا مؤنثا، أَو جمعا مذكرا، فلفظه (نَحن) ، وَإِنَّمَا لم يثن على لَفظه، لِأَن شَرط التَّثْنِيَة إِذا
стр. 279
اتَّصَلت أَن تكون على لفظ الْوَاحِد، والمتكلم لَا يقْتَرن إِلَيْهِ مُتَكَلم، وَإِنَّمَا يقْتَرن إِلَيْهِ غَائِب أَو مُخَاطب، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: نَحن فعلنَا وَفعلت ذَلِك، كَانَ تَقْدِيره: أَنا وَزيد وَأَنت فعلنَا ذَلِك، وَلم يكن تَقْدِيره: أَنا وَأَنا، فَإِذا كَانَ المنضم إِلَيْهِ من غير جنس الْمُتَكَلّم لم يجز أَن يثنى على لَفظه، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرنَا وَجب أَن يبطل لفظ الْوَاحِد، ويستأنف للتثنية اسْم، لِأَن التَّثْنِيَة أول الجموع، لِأَن معنى الْجمع ضم شَيْء إِلَى شَيْء، فَلَمَّا فَاتَ لفظ التَّثْنِيَة المحققة، وَجب أَن يسْتَأْنف لفظ يدل على الِاثْنَيْنِ فَمَا فَوْقه، فَلذَلِك قَالُوا: نَحن.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جعل ضمير الْمَرْفُوع الْغَائِب الْمُنْفَصِل مستترا، وَظَهَرت عَلامَة الْمُتَكَلّم والمخاطب، نَحْو: قُمْت؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْغَائِب لما كَانَ لَا يذكر إِلَّا بعد تقدمة ذكر، صَار ذكره قبل الْفِعْل كعلامة، فأغنى عَن ذكره عَلامَة أُخْرَى فِي الْفِعْل.
وَأما الْمُخَاطب والمتكلم: فَلَيْسَ (٥٩ / أ) يتَقَدَّم لَهما ذكر، فَلَو استترت علامتهما، لم يكن عَلَيْهِمَا دَلِيل، فَلذَلِك ظَهرت عَلامَة الْغَائِب فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع، نَحْو قَوْلك: الزيدان قاما، والزيدون قَامُوا.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم لم تكتف بتقدم الْأَسْمَاء عَن إِظْهَار الْعَلامَة، كَمَا اكتفيت بِالْوَاحِدِ؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا جَازَ استتار ضمير الْوَاحِد لإحاطة الْعلم أَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل وَاحِد، وَقد يَخْلُو من اثْنَيْنِ وَأكْثر من ذَلِك، فَلَو أسترنا ضمير الِاثْنَيْنِ وَالْجمع، لجَاز أَن يتَوَهَّم أَن الْفِعْل لوَاحِد، فَلذَلِك وَجب إِظْهَار عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع.
стр. 280
وَأما الضَّمِير الْمَنْصُوب: فإياك وإياي وإياه، وَقد اخْتلف فِي هَذَا الِاسْم على وُجُوه:
فَكَانَ الْخَلِيل ﵀ يَقُول: هُوَ اسْم مظهر مُضَاف نَاب عَن الضَّمِير، فاستدل على إِضَافَته بقول الْعَرَب:
(إِذا بلغ الْمَرْء السِّتين فإياه وإيا الشواب) .
فَلَو كَانَ مضمرا لم تجز إِضَافَته، لِأَن الْمُضَاف يقدر قبل الْإِضَافَة نكرَة ثمَّ يُضَاف، لِأَن الْغَرَض فِي الْإِضَافَة تَعْرِيفه، فَلذَلِك وَجب أَن يقدر نكرَة، فَلَو كَانَ الضَّمِير لَا يجوز أَن يكون نكرَة لم يجز أَن يكون مُضَافا
وَأما الْأَخْفَش فَكَانَ يَقُول: إِنَّه اسْم بِكَمَالِهِ، وَذَلِكَ أَن (إيا) لما نابت عَن الْكَاف فِي قَوْلك: ضربتك، كَانَت اسْما بكمالها، وَأَن مَا بعد (إيا) من (الْكَاف وَالْيَاء وَالْهَاء) لَا مَوضِع لَهَا من الْإِعْرَاب، وَأَنَّهَا مُتَعَلقَة ب (إيا) ، كَمَا تتَعَلَّق (التَّاء) من (أَنْت) ب (أَن) .
فألزم على هَذَا القَوْل أَن قيل لَهُ: لم كَانَت اسْما للمضمر، والمظهر يتَغَيَّر آخِره بانتقال الْحُرُوف، وَإِنَّمَا تنْتَقل الْأَوَاخِر بالحركات؟
فَالْجَوَاب لَهُ عَن هَذَا الْإِلْزَام: أَنه قد خص بِمَا ذكره، وَله نَظِير مَعَ ذَلِك، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ: جَاءَنِي أَخُوك، ومررت بأخيك، وَرَأَيْت أَخَاك، فيغيرون هَذِه الْأَسْمَاء بالحروف عَلامَة للإعراب، فبتغير هَذِه الْحُرُوف جَازَ أَن تَتَغَيَّر أواخرها،
стр. 281
عَلامَة للأشخاص، إِلَّا أَن مَا ذَكرْنَاهُ عَن الْخَلِيل من إِضَافَة هَذِه الْأَسْمَاء يدل على ضعف قَول الْأَخْفَش، وَالْوَجْه عِنْد الْأَخْفَش: أَن (إيا) الِاسْم، وَمَا اتَّصل بهَا لَا مَوضِع لَهُ ك (التَّاء) . وَغَيره أَنه بِكَمَالِهِ اسْم، ليعلم أَنه لَيْسَ بمضاف، وَلم يعبأ بِالَّذِي ذكره الْخَلِيل، إِذْ كَانَ عِنْده شاذا، وَيجوز أَن تدخل الشُّبْهَة على من أَضَافَهُ، لما رأى آخِره يتَغَيَّر، كتغير الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ، إِن شَاءَ الله.
وَقَالَ أهل الْكُوفَة: إِن (الْكَاف وَالْهَاء وَالْيَاء) هِيَ الْأَسْمَاء، وَإِن (إيا) عمدتها، وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بلحاق التَّثْنِيَة وَالْجمع لما بعد (إيا) وَلُزُوم (إيا) لفظا وَاحِدًا، وَهَذَا القَوْل ظَاهر السُّقُوط، وَذَلِكَ أَنه لَا يجوز أَن يبْنى الِاسْم مُنْفَصِلا على حرف وَاحِد، فَلذَلِك لم يجز أَن يقدر هَذَا التَّقْدِير، وَيدل على فَسَاد قَوْلهم أَيْضا انه لَا يجوز أَن يكون أَكثر الْكَلِمَة تبعا لأقلها، لِأَن ذَلِك نقض مَا يبْنى عَلَيْهِ الْكَلَام، وَلَيْسَ احتجاجهم بلحاق التَّثْنِيَة وَالْجمع لما بعد (إيا) مِمَّا يدل على أَنَّهَا هِيَ الْأَسْمَاء.
فَأَما على مَذْهَب الْخَلِيل: فَلَا شُبْهَة فِي تثنيتها وَجَمعهَا، إِذْ كَانَت اسْما مُضَافا إِلَيْهَا، وَأما على قَول الْأَخْفَش: فَلَا يلْزم أَيْضا، لِأَن الْحُرُوف لما زيدت (٥٩ / ب) للدلالة على الْأَشْخَاص جَازَ أَن يلْحقهَا التَّثْنِيَة وَالْجمع، ك (الْكَاف) الَّتِي هِيَ حرف، وَمَعَ ذَلِك تثنى وَتجمع، فَبَان بِمَا ذَكرْنَاهُ فَسَاد مَا اعتمدوا عَلَيْهِ، لِأَن مَا بعْدهَا عَلامَة للمخاطب وَالْغَائِب والمتكلم، فَلم يكن بُد من لحاق عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع.
стр. 282
وَمِمَّا يُقَوي قَول الْخَلِيل أَن بعض النَّحْوِيين ذكر أَن (إيا) على وزن (فعلى) ، وَأَنه مُشْتَقّ من الْآيَة، وَالْآيَة: الْعَلامَة، يُقَال: رَأَيْت آيَة فلَان، أَي: شخصه، فَأصل (إيا) على هَذَا القَوْل أَن تكون الْهمزَة فَاء الْفِعْل، وَالْيَاء عينه، وَالْألف الْآخِرَة زَائِدَة، لِأَن (آيَة) أَصْلهَا: أيية، وَغَيره يَقُول: أَصْلهَا: أَيَّة، فَلَمَّا اشتق لفظ (إيا) مِنْهَا - والاشتقاق إِنَّمَا هُوَ للأسماء الظَّاهِرَة - دلّ [على] أَن (إيا) مظهرة، وَقد ذكره سِيبَوَيْهٍ فِي (كِتَابه) ، فَيجوز أَن يكون مُوَافقا لقَوْل الْأَخْفَش، فَوجه قَوْله الْمُوَافق لقَوْل الْخَلِيل: أَن الْعَرَب لما أضافت (إيا) فِي الْمِثَال الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَجب أَن تكون مُضَافَة.
وَجَاز قَول الْأَخْفَش أَن يكون إضمارا، لِأَنَّهَا لما اسْتعْملت اسْتِعْمَال الْمُضمر، كَانَت كعلامة الْمَرْفُوع، أَلا ترى أَنَّك مَتى قدرت على التَّاء لم تأت ب (أَنْت) ، فَكَمَا اتَّفقُوا على أَن (أَنْت) مُضْمر، وَجب أَن يكون (إيا) مضمرا، وَمَعَ هَذَا فَإِن (إيا) لَو كَانَت اسْما مظْهرا، لحسن أَن تَقول: ضربت إياك.
فَإِن قيل: فقد قَالَ الشَّاعِر:
стр. 283
(كأنا يَوْم قرى إِ ... نما نقْتل إيانا)
قيل لَهُ: إِن الشَّاعِر إِنَّمَا أَرَادَ: نقْتل أَنْفُسنَا، فَلَمَّا رأى (إيانا) تقوم مقَام النَّفس فِي الْمَعْنى، فعلى ذَلِك جَازَ على طَرِيق الِاسْتِعَارَة.
فَإِن قيل: كَيفَ جَازَ إِضَافَة الْمُضمر؟
قيل لَهُ: إِن (إيا) لما كَانَت لَا تنْتَقل من الْإِضَافَة، وَلَا يحصل لَهَا معنى بانفرادها، وَلم تقع قطّ إِلَّا معرفَة، فتحتاج إِلَى التنكير، وخالفت فِي موضعهَا سَائِر الْمُضْمرَات، جَازَ أَن تخص بِالْإِضَافَة، عوضا مِمَّا منعته. وَإِنَّمَا جَازَ كسرهَا فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ كَرَاهَة لخروجهم من الْكسر إِلَى الضَّم، إِذْ كَانَ ذَلِك لَا يُوجد فِي أبنيتهم لَازِما، وَلِأَن الْكسر من الْيَاء، فَاخْتَارُوا فِي الْيَاء أَيْضا مَا اخْتَارُوا مَعَ الْكسر، وَجَاز الضَّم على الأَصْل، إِذْ لَيْسَ بِلَازِم للهاء، لِأَنَّهُ قد يكون مَا قبلهَا مضموما ومفتوحا.
وَأما ضمير الْغَائِب الْمُتَّصِل، الْمَنْصُوب وَالْمَرْفُوع، فأصله الضَّم، كَقَوْلِك: رَأَيْته، وَجَاءَنِي غُلَامه، وَإِنَّمَا وَجب أَن يبْنى على الضَّم، لِأَن الْهَاء حرف خَفِي، وَقد بَينا أَن الْمُضمر يجب أَن يبْنى على حَرَكَة، فَاخْتَارُوا الضَّم، لِأَنَّهُ أقوى الحركات، فَصَارَ تَقْوِيَة للهاء وبيانا لَهَا، وَكَذَلِكَ أتبعوا الْهَاء واوا على طَرِيق التبين لَهَا، وَلَيْسَت الْوَاو من بِنَاء الِاسْم، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّهَا تسْقط فِي الْوَقْف، كَقَوْلِك: رَأَيْته، وَلَو كَانَت من الأَصْل لم تسْقط.
وَاعْلَم أَن الِاخْتِيَار - إِذا وصلت الضَّمِير - أَن تلْحقهُ الْوَاو، إِذا تحرّك مَا قبله، وَيجوز حذف هَذِه الْوَاو فِي الشّعْر، لِأَن الضمة تسْقط فِي الْوَقْف،
стр. 284
قَالَ الشَّاعِر فِي حذف الْوَاو:
(وَمَا لَهُ من مجد تليد وَمَا لَهُ ... من الرّيح حَظّ لَا الْجنُوب وَلَا الصِّبَا)
فَإِن انْكَسَرَ مَا قبل الْوَاو، وَكَانَ مَا قبلهَا ياءا كسرتها، وانقلبت الْوَاو يَاء للكسرة، وَالِاخْتِيَار إِثْبَات (٦٠ / أ) الْيَاء، إِذا تحرّك مَا قبل الْهَاء. وَيجوز حذف الْيَاء والاجتزاء بالكسرة، كَمَا جَازَ حذف الْوَاو، وَيجوز الضَّم على الأَصْل لِأَن الْهَاء إِذا كَانَ قبلهَا حرف مد، فالاختيار أَلا تلحقها وَاو، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿خذوه فغلوه﴾ ، و ﴿فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ﴾ ، و ﴿عَلَيْهِ مَا حمل﴾ ، وَإِنَّمَا حذفوا الْوَاو، لِأَن قبل الْمُضمر حرف مد، وَالْهَاء تشبه بِحرف الْمَدّ، لِأَنَّهَا خَفِيفَة، فاجتمعت ثَلَاثَة أحرف متجانسة وَلَيْسَ بَين الساكنين حرف حُصَيْن، فَصَارَ كاجتماع ساكنين، وَلذَلِك اخْتَارُوا حذف الْوَاو، وَيجوز إِثْبَاتهَا على الأَصْل.
وَأما الْمُؤَنَّث: فأثبتوا الْألف بعد الْهَاء، نَحْو: ضربتها، وأكرمتها، وَإِنَّمَا ألْحقُوا الْألف للفصل بَين ضمير الْمُذكر وَضمير الْمُؤَنَّث، وَكَانَت الْألف أولى بالمؤنث، لِأَنَّهَا أخف الْحُرُوف، والمؤنث أثقل من الْمُذكر، لِأَن التَّنْوِين يُبدل مِنْهُ ألف فِي الْوَقْف، فَيجب أَلا يخْتَلف، وَلِأَن الزَّوَائِد الَّتِي لحقت الْهَاء يجب إِسْقَاطهَا، لمجيء عَلامَة التَّثْنِيَة، إِذْ الْهَاء تقوى بِمَا زيد عَلَيْهَا للتثنية، فَلم تحتج إِلَى الزِّيَادَة الَّتِي
стр. 285
فِي الْوَاحِد، فَإِذا وَجب إِسْقَاطهَا، رجعت الْهَاء إِلَى الأَصْل، واستوى لفظ الْمُؤَنَّث والمذكر، فَإِذا جمعت فَالْأَصْل أَن تلْحق وَاو بعد الْمِيم، كَمَا ذكرنَا فِيمَا تقدم، وَالْأَحْسَن حذفهَا، كَقَوْلِك: ضربتهم، وَالْأَصْل: ضربتهمو، فحذفت الْوَاو كَمَا ذكرنَا.
وَأما الْمُؤَنَّث: فدليله نون مُشَدّدَة، نَحْو: ضربتهن، وَإِنَّمَا شددت النُّون لِأَنَّك لما زِدْت للمذكر حرفين، وهما الْمِيم وَالْوَاو، اخْتَارُوا أَيْضا أَن يُزَاد للمؤنث حرفان، لاشْتِرَاكهمَا فِي الْجمع، وَلَا يجوز تَخْفيف النُّون لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: زَوَال المعادلة بَين الْمُذكر والمؤنث، فِيمَا ذَكرْنَاهُ.
وَالثَّانِي: أَن الاستثقال الَّذِي كَانَ فِي الْوَاو، وَالْخُرُوج عَن نَظِير الْأَسْمَاء لَيْسَ بموجود فِي النُّون، فَلذَلِك لم يُخَفف.
فَأَما الْكَاف الَّتِي للمخاطب فتفتح للمذكر، وتكسر للمؤنث، وَإِنَّمَا اختير الْكسر للمؤنث، لِأَن الْيَاء قد ثبتَتْ فِي بعض الْمَوَاضِع فِيهَا علم التَّأْنِيث، نَحْو: أَنْت تضربين، وَالْكَسْر من الْيَاء، فَلذَلِك اختير للمؤنث، وَلم يكن للضم مدْخل هَاهُنَا لِأَن الْفَتْح يُغني عَنهُ، وَهُوَ أخف مِنْهُ فِي ذَلِك، سقط حكمه هَاهُنَا، فَإِذا ثنيت ضممت الْكَاف، وَالْعلَّة فِي ضمهَا فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع كالعلة فِي التَّاء فِي (أنتن، وأنتما) وَحكم الْمُؤَنَّث فِي تَشْدِيد النُّون كحكمه فِي (أَنْتُمَا) لعِلَّة وَاحِدَة. وَاعْلَم أَن الْفَصْل إِنَّمَا دخل فِي الْكَلَام، ليبين أَن مَا بعْدهَا خبر، وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: زيد هُوَ الْعَاقِل، علم بِهَذَا الضَّمِير أَن مَا بعده خبر وَلَيْسَ بنعت، فَلَمَّا كَانَت عِلّة،
следующие страницы →