← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7003

علل النحو

ابن الوراق

Полный текст (432 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عَلامَة للأشخاص، إِلَّا أَن مَا ذَكرْنَاهُ عَن الْخَلِيل من إِضَافَة هَذِه الْأَسْمَاء يدل على ضعف قَول الْأَخْفَش، وَالْوَجْه عِنْد الْأَخْفَش: أَن (إيا) الِاسْم، وَمَا اتَّصل بهَا لَا مَوضِع لَهُ ك (التَّاء) . وَغَيره أَنه بِكَمَالِهِ اسْم، ليعلم أَنه لَيْسَ بمضاف، وَلم يعبأ بِالَّذِي ذكره الْخَلِيل، إِذْ كَانَ عِنْده شاذا، وَيجوز أَن تدخل الشُّبْهَة على من أَضَافَهُ، لما رأى آخِره يتَغَيَّر، كتغير الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ، إِن شَاءَ الله. وَقَالَ أهل الْكُوفَة: إِن (الْكَاف وَالْهَاء وَالْيَاء) هِيَ الْأَسْمَاء، وَإِن (إيا) عمدتها، وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بلحاق التَّثْنِيَة وَالْجمع لما بعد (إيا) وَلُزُوم (إيا) لفظا وَاحِدًا، وَهَذَا القَوْل ظَاهر السُّقُوط، وَذَلِكَ أَنه لَا يجوز أَن يبْنى الِاسْم مُنْفَصِلا على حرف وَاحِد، فَلذَلِك لم يجز أَن يقدر هَذَا التَّقْدِير، وَيدل على فَسَاد قَوْلهم أَيْضا انه لَا يجوز أَن يكون أَكثر الْكَلِمَة تبعا لأقلها، لِأَن ذَلِك نقض مَا يبْنى عَلَيْهِ الْكَلَام، وَلَيْسَ احتجاجهم بلحاق التَّثْنِيَة وَالْجمع لما بعد (إيا) مِمَّا يدل على أَنَّهَا هِيَ الْأَسْمَاء. فَأَما على مَذْهَب الْخَلِيل: فَلَا شُبْهَة فِي تثنيتها وَجَمعهَا، إِذْ كَانَت اسْما مُضَافا إِلَيْهَا، وَأما على قَول الْأَخْفَش: فَلَا يلْزم أَيْضا، لِأَن الْحُرُوف لما زيدت (٥٩ / ب) للدلالة على الْأَشْخَاص جَازَ أَن يلْحقهَا التَّثْنِيَة وَالْجمع، ك (الْكَاف) الَّتِي هِيَ حرف، وَمَعَ ذَلِك تثنى وَتجمع، فَبَان بِمَا ذَكرْنَاهُ فَسَاد مَا اعتمدوا عَلَيْهِ، لِأَن مَا بعْدهَا عَلامَة للمخاطب وَالْغَائِب والمتكلم، فَلم يكن بُد من لحاق عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع.

стр. 282

وَمِمَّا يُقَوي قَول الْخَلِيل أَن بعض النَّحْوِيين ذكر أَن (إيا) على وزن (فعلى) ، وَأَنه مُشْتَقّ من الْآيَة، وَالْآيَة: الْعَلامَة، يُقَال: رَأَيْت آيَة فلَان، أَي: شخصه، فَأصل (إيا) على هَذَا القَوْل أَن تكون الْهمزَة فَاء الْفِعْل، وَالْيَاء عينه، وَالْألف الْآخِرَة زَائِدَة، لِأَن (آيَة) أَصْلهَا: أيية، وَغَيره يَقُول: أَصْلهَا: أَيَّة، فَلَمَّا اشتق لفظ (إيا) مِنْهَا - والاشتقاق إِنَّمَا هُوَ للأسماء الظَّاهِرَة - دلّ [على] أَن (إيا) مظهرة، وَقد ذكره سِيبَوَيْهٍ فِي (كِتَابه) ، فَيجوز أَن يكون مُوَافقا لقَوْل الْأَخْفَش، فَوجه قَوْله الْمُوَافق لقَوْل الْخَلِيل: أَن الْعَرَب لما أضافت (إيا) فِي الْمِثَال الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَجب أَن تكون مُضَافَة. وَجَاز قَول الْأَخْفَش أَن يكون إضمارا، لِأَنَّهَا لما اسْتعْملت اسْتِعْمَال الْمُضمر، كَانَت كعلامة الْمَرْفُوع، أَلا ترى أَنَّك مَتى قدرت على التَّاء لم تأت ب (أَنْت) ، فَكَمَا اتَّفقُوا على أَن (أَنْت) مُضْمر، وَجب أَن يكون (إيا) مضمرا، وَمَعَ هَذَا فَإِن (إيا) لَو كَانَت اسْما مظْهرا، لحسن أَن تَقول: ضربت إياك. فَإِن قيل: فقد قَالَ الشَّاعِر:

стр. 283

(كأنا يَوْم قرى إِ ... نما نقْتل إيانا) قيل لَهُ: إِن الشَّاعِر إِنَّمَا أَرَادَ: نقْتل أَنْفُسنَا، فَلَمَّا رأى (إيانا) تقوم مقَام النَّفس فِي الْمَعْنى، فعلى ذَلِك جَازَ على طَرِيق الِاسْتِعَارَة. فَإِن قيل: كَيفَ جَازَ إِضَافَة الْمُضمر؟ قيل لَهُ: إِن (إيا) لما كَانَت لَا تنْتَقل من الْإِضَافَة، وَلَا يحصل لَهَا معنى بانفرادها، وَلم تقع قطّ إِلَّا معرفَة، فتحتاج إِلَى التنكير، وخالفت فِي موضعهَا سَائِر الْمُضْمرَات، جَازَ أَن تخص بِالْإِضَافَة، عوضا مِمَّا منعته. وَإِنَّمَا جَازَ كسرهَا فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ كَرَاهَة لخروجهم من الْكسر إِلَى الضَّم، إِذْ كَانَ ذَلِك لَا يُوجد فِي أبنيتهم لَازِما، وَلِأَن الْكسر من الْيَاء، فَاخْتَارُوا فِي الْيَاء أَيْضا مَا اخْتَارُوا مَعَ الْكسر، وَجَاز الضَّم على الأَصْل، إِذْ لَيْسَ بِلَازِم للهاء، لِأَنَّهُ قد يكون مَا قبلهَا مضموما ومفتوحا. وَأما ضمير الْغَائِب الْمُتَّصِل، الْمَنْصُوب وَالْمَرْفُوع، فأصله الضَّم، كَقَوْلِك: رَأَيْته، وَجَاءَنِي غُلَامه، وَإِنَّمَا وَجب أَن يبْنى على الضَّم، لِأَن الْهَاء حرف خَفِي، وَقد بَينا أَن الْمُضمر يجب أَن يبْنى على حَرَكَة، فَاخْتَارُوا الضَّم، لِأَنَّهُ أقوى الحركات، فَصَارَ تَقْوِيَة للهاء وبيانا لَهَا، وَكَذَلِكَ أتبعوا الْهَاء واوا على طَرِيق التبين لَهَا، وَلَيْسَت الْوَاو من بِنَاء الِاسْم، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّهَا تسْقط فِي الْوَقْف، كَقَوْلِك: رَأَيْته، وَلَو كَانَت من الأَصْل لم تسْقط. وَاعْلَم أَن الِاخْتِيَار - إِذا وصلت الضَّمِير - أَن تلْحقهُ الْوَاو، إِذا تحرّك مَا قبله، وَيجوز حذف هَذِه الْوَاو فِي الشّعْر، لِأَن الضمة تسْقط فِي الْوَقْف،

стр. 284

قَالَ الشَّاعِر فِي حذف الْوَاو: (وَمَا لَهُ من مجد تليد وَمَا لَهُ ... من الرّيح حَظّ لَا الْجنُوب وَلَا الصِّبَا) فَإِن انْكَسَرَ مَا قبل الْوَاو، وَكَانَ مَا قبلهَا ياءا كسرتها، وانقلبت الْوَاو يَاء للكسرة، وَالِاخْتِيَار إِثْبَات (٦٠ / أ) الْيَاء، إِذا تحرّك مَا قبل الْهَاء. وَيجوز حذف الْيَاء والاجتزاء بالكسرة، كَمَا جَازَ حذف الْوَاو، وَيجوز الضَّم على الأَصْل لِأَن الْهَاء إِذا كَانَ قبلهَا حرف مد، فالاختيار أَلا تلحقها وَاو، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿خذوه فغلوه﴾ ، و ﴿فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ﴾ ، و ﴿عَلَيْهِ مَا حمل﴾ ، وَإِنَّمَا حذفوا الْوَاو، لِأَن قبل الْمُضمر حرف مد، وَالْهَاء تشبه بِحرف الْمَدّ، لِأَنَّهَا خَفِيفَة، فاجتمعت ثَلَاثَة أحرف متجانسة وَلَيْسَ بَين الساكنين حرف حُصَيْن، فَصَارَ كاجتماع ساكنين، وَلذَلِك اخْتَارُوا حذف الْوَاو، وَيجوز إِثْبَاتهَا على الأَصْل. وَأما الْمُؤَنَّث: فأثبتوا الْألف بعد الْهَاء، نَحْو: ضربتها، وأكرمتها، وَإِنَّمَا ألْحقُوا الْألف للفصل بَين ضمير الْمُذكر وَضمير الْمُؤَنَّث، وَكَانَت الْألف أولى بالمؤنث، لِأَنَّهَا أخف الْحُرُوف، والمؤنث أثقل من الْمُذكر، لِأَن التَّنْوِين يُبدل مِنْهُ ألف فِي الْوَقْف، فَيجب أَلا يخْتَلف، وَلِأَن الزَّوَائِد الَّتِي لحقت الْهَاء يجب إِسْقَاطهَا، لمجيء عَلامَة التَّثْنِيَة، إِذْ الْهَاء تقوى بِمَا زيد عَلَيْهَا للتثنية، فَلم تحتج إِلَى الزِّيَادَة الَّتِي

стр. 285

فِي الْوَاحِد، فَإِذا وَجب إِسْقَاطهَا، رجعت الْهَاء إِلَى الأَصْل، واستوى لفظ الْمُؤَنَّث والمذكر، فَإِذا جمعت فَالْأَصْل أَن تلْحق وَاو بعد الْمِيم، كَمَا ذكرنَا فِيمَا تقدم، وَالْأَحْسَن حذفهَا، كَقَوْلِك: ضربتهم، وَالْأَصْل: ضربتهمو، فحذفت الْوَاو كَمَا ذكرنَا. وَأما الْمُؤَنَّث: فدليله نون مُشَدّدَة، نَحْو: ضربتهن، وَإِنَّمَا شددت النُّون لِأَنَّك لما زِدْت للمذكر حرفين، وهما الْمِيم وَالْوَاو، اخْتَارُوا أَيْضا أَن يُزَاد للمؤنث حرفان، لاشْتِرَاكهمَا فِي الْجمع، وَلَا يجوز تَخْفيف النُّون لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: زَوَال المعادلة بَين الْمُذكر والمؤنث، فِيمَا ذَكرْنَاهُ. وَالثَّانِي: أَن الاستثقال الَّذِي كَانَ فِي الْوَاو، وَالْخُرُوج عَن نَظِير الْأَسْمَاء لَيْسَ بموجود فِي النُّون، فَلذَلِك لم يُخَفف. فَأَما الْكَاف الَّتِي للمخاطب فتفتح للمذكر، وتكسر للمؤنث، وَإِنَّمَا اختير الْكسر للمؤنث، لِأَن الْيَاء قد ثبتَتْ فِي بعض الْمَوَاضِع فِيهَا علم التَّأْنِيث، نَحْو: أَنْت تضربين، وَالْكَسْر من الْيَاء، فَلذَلِك اختير للمؤنث، وَلم يكن للضم مدْخل هَاهُنَا لِأَن الْفَتْح يُغني عَنهُ، وَهُوَ أخف مِنْهُ فِي ذَلِك، سقط حكمه هَاهُنَا، فَإِذا ثنيت ضممت الْكَاف، وَالْعلَّة فِي ضمهَا فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع كالعلة فِي التَّاء فِي (أنتن، وأنتما) وَحكم الْمُؤَنَّث فِي تَشْدِيد النُّون كحكمه فِي (أَنْتُمَا) لعِلَّة وَاحِدَة. وَاعْلَم أَن الْفَصْل إِنَّمَا دخل فِي الْكَلَام، ليبين أَن مَا بعْدهَا خبر، وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: زيد هُوَ الْعَاقِل، علم بِهَذَا الضَّمِير أَن مَا بعده خبر وَلَيْسَ بنعت، فَلَمَّا كَانَت عِلّة،

стр. 286

لم يجز أَن يَقع إِلَّا بَين كلامين، أَحدهمَا مُحْتَاج إِلَى الآخر، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مَا قبله تَاما، لم يحْتَج إِلَيْهِ، إِذْ كَانَ إِنَّمَا دخل لينبئ عَن تَمام مَا بعده، وَإِنَّمَا جعل ضمير الْمَرْفُوع مُخْتَصًّا بِهَذَا الْمَعْنى الأول، إِذْ كَانَ الرّفْع أول أَحْوَال الِاسْم، فَلَمَّا كَانَ سَابِقًا للضمير الْمَنْصُوب - وَهُوَ مَعَ ذَلِك أخف فِي اللَّفْظ مِنْهُ - كَانَ أقوى فِي الاتساع وَالتَّصَرُّف (٦٠ / ب) من ضمير الْمَنْصُوب. وَإِنَّمَا وَجب أَن يَقع الْفَصْل فِي كل مَوضِع لَا يخل سُقُوطه بِمَعْنى الْكَلَام، لِأَنَّهُ لَو أخل، لم يكن فصلا، وَكَانَ دَاخِلا لمعناه ولافتقار الْكَلَام إِلَيْهِ، فَلذَلِك وَجب أَن يَجْعَل فصلا فِي كل مَوضِع لَا يخل سُقُوطه بالْكلَام، فَلَمَّا كَانَ الْفَصْل يَقع بالضمير، وَالضَّمِير معرفَة، لم يجز أَن يَقع إِلَّا بَين معرفتين، أَو مَا قاربهما، إِذْ كَانَ قد دخل ليبين مَا قبله وَمَا بعده، فَوَجَبَ أَن يكون مَا قبله وَمَا بعده مجانسا لَهُ، فَلذَلِك لم يجز أَن يكون مَا قبله وَمَا بعده نكرَة مَحْضَة وَلَا أَحدهمَا.

стр. 287

(٤٠ - بَاب أَي) اعْلَم أَن (أيا) موضوعها أَن تكون جُزْءا مِمَّا تُضَاف إِلَيْهِ، وَهُوَ على كل حَال مِمَّا يتَجَزَّأ، كَقَوْلِك: أَي الرِّجَال عنْدك؟ فَهِيَ فِي هَذِه الْحَال من الرِّجَال جُزْء، وَإِذا قلت: أَي الثِّيَاب عنْدك؟ فَهِيَ فِي هَذِه الْحَال من الثِّيَاب، وعَلى هَذَا يجْرِي حكمهَا فِي جَمِيع مَا يتَجَزَّأ، وَقد بَينا أَن الِاسْتِفْهَام لَا يعْمل فِيهِ مَا قبله، وَإِنَّمَا لم يحْتَج فِي الِاسْتِفْهَام إِلَى صلَة توضح الْمَوْصُول، والمستفهم لَا يعلم مَا يستفهم عَنهُ، فَلذَلِك لم يجز أَن توصل فِي الِاسْتِفْهَام. وَكَذَلِكَ الشَّرْط وَالْجَزَاء لَا يجوز أَن يكون مَعْلُوما، لِأَنَّهُ مِمَّا يجوز أَن يكون، وَيجوز أَلا يكون، فَلم يحْتَج أَيْضا فِي الْجَزَاء إِلَى صلَة. وَاعْلَم أَنه لَا يجوز أَن يَلِي (أيا) إِذا كَانَت استفهاما من الْأَفْعَال، إِلَّا أَفعَال الْقُلُوب، لِأَنَّك تحْتَاج أَن تلغيها، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يعْمل فِي الِاسْتِفْهَام مَا قبله، وخصت أَفعَال الْقُلُوب بذلك، لِأَنَّهَا قد تلغى فِي الْخَبَر إِذا توسطت بَين المفعولين. وَيكون مَعْنَاهَا بَاقِيا، فَلذَلِك جَازَ أَن تدخل على الِاسْتِفْهَام، وَلَا تعْمل فِيهِ، وَيكون مَعْنَاهَا بَاقِيا. وَأما الْأَفْعَال المؤثرة فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن تدخل على الِاسْتِفْهَام، لِأَنَّك إِن أدخلتها على الِاسْتِفْهَام، وَجب أَن تعملها، وَلَا يجوز أَن تعْمل مَا قبل الِاسْتِفْهَام فِيهِ، فَلَا يجوز لذَلِك دُخُولهَا عَلَيْهِ. فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ من شَرط الْعَامِل أَن يكون قبل الْمَعْمُول فِيهِ، إِذا قلت:

стр. 288

أَيهمْ تضرب؟ فَنصبت (أيا) ب (تضرب) ، وَتَقْدِير: أَيهمْ تضرب؟ أَن تكون (تضرب) قبل (أَي) فقد جَازَ أَن يعْمل مَا قبل الِاسْتِفْهَام فِيهِ وتعمل فِيهِ الْأَفْعَال المؤثرة؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (أيا) نائبة عَن شَيْئَيْنِ: أَولهمَا: الِاسْم، وَالثَّانِي: حرف الِاسْتِفْهَام، فَإِذا قلت: أَيهمْ تضرب؟ فالتقدير: أزيدا تضرب؟ فَصَارَ الْفِعْل حكمه بعد الِاسْتِفْهَام، فَلم يجز تَقْدِيمه - لما ذكرنَا - على (أَي) . وَاعْلَم أَن (أيا) إِذا كَانَت بِمَعْنى (الَّذِي) ، فَصلتهَا تجْرِي مجْرى (الَّذِي) ، إِلَّا أَن بعض الْعَرَب قد اسْتعْمل حذف المبتدإ مَعَ (أَي) ، أَكثر من استعمالهم حذفه مَعَ (الَّذِي) ، كَقَوْلِك: لَأَضرِبَن أَيهمْ قَائِم، وَالْأَصْل: لَأَضرِبَن أَيهمْ هُوَ قَائِم، فَإِذا حذفوا الْمُبْتَدَأ، ألزموا (أيا) الضَّم، فَعِنْدَ سِيبَوَيْهٍ أَن الضَّم فِي (أَي) ضم بِنَاء، وَأَنَّهَا تجْرِي فِي هَذَا الْموضع مجْرى (قبل وَبعد) . وَأما الْخَلِيل فَيَقُول: (أَي) مَرْفُوعَة، وَإِنَّمَا رفعت فِي هَذَا الْموضع على الْحِكَايَة، كَأَنَّهُ قَالَ: لَأَضرِبَن الَّذِي يُقَال لَهُم أَيهمْ قَائِم، فالضرب وَاقع على (الَّذِي) (٦١ / أ) دون (أَي) . وَأما يُونُس فَيَقُول: ألغوا الْفِعْل كَمَا ألفوا أَفعَال الْقُلُوب. والأقوى عِنْدِي من هَذِه الْأَقْوَال قَول سِيبَوَيْهٍ.

стр. 289

وَإِنَّمَا وَجب بِنَاء (أَي) فِي هَذِه الْحَال لمخالفتها أخواتها فَلَمَّا خرجت عَن حكم نظائرها نقصت رُتْبَة، فألزمت الْبناء للنقص الَّذِي دَخلهَا من حذف المبتدإ. فَإِن قَالَ قَائِل: قد وجدنَا الْمُفْرد إِذا بني فِي حَال إِفْرَاده أعرب فِي حَال إِضَافَته، و (أَي) إِذا حذفت الْمُضَاف مِنْهَا أعربتها، كَقَوْلِك: لَأَضرِبَن أيا أَبوهُ قَائِم، وَهَذَا قلب حكم المبنيات؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْإِضَافَة إِنَّمَا ترد الْمَبْنِيّ فِي حَال الْإِفْرَاد إِلَى الْإِعْرَاب، وَإِذا اسْتحق الْبناء، لم يجز أَن يكون للإضافة تَأْثِير فِي حَال الْإِعْرَاب، وَنَظِير ذَلِك (لدن) هِيَ مَبْنِيَّة فِي حَال الْإِضَافَة، لِأَنَّهَا اسْتحقَّت ذَلِك فِي هَذِه الْحَال، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿من لدن حَكِيم عليم﴾ وَكَذَلِكَ حكم (أَي) خصت بِالْبِنَاءِ على الضَّم، لِأَنَّهُ أقوى الحركات، فَتَصِير قوته كالعوض من الْمَحْذُوف، وَبَعض الْعَرَب يعربها على الأَصْل، لِأَن الْمَحْذُوف مُرَاد فِي النِّيَّة، فَكَأَنَّهُ مَوْجُود. فَأَما قَول يُونُس فضعيف جدا، لما ذَكرْنَاهُ من ضعف إِلْغَاء الْأَفْعَال المؤثرة وَأما قَول الْخَلِيل فبعيد أَيْضا، قدر الْحَرَكَة، وَلَيْسَ الْكَلَام بمنقاد إِلَيْهَا، وَإِذا سَاغَ حمل الْكَلَام على ظَاهره، كَانَ أولى من عدوله إِلَى خلاف ظَاهره من غير ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى ذَلِك.

стр. 290

(٤١ - بَاب من) اعْلَم أَن (من) مَبْنِيَّة، لِأَنَّهَا فِي الِاسْتِفْهَام نائبة عَن حرف الِاسْتِفْهَام، وَفِي الشَّرْط نائبة عَن حرف الشَّرْط، وَفِي الْخَبَر بِمَنْزِلَة (الَّذِي) فقد صَارَت كبعض اسْم، فَوَجَبَ بناؤها فِي جَمِيع الْمَوَاضِع، وخصت بِالسُّكُونِ لِأَنَّهَا لم تقع متمكنة، وَهِي تقع على من يعقل، كَقَوْلِك: من فِي الدَّار؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن يُقَال: زيد أَو عَمْرو، وَلَا يُقَال: حمَار وَلَا ثوب. وَحكمهَا فِيمَا يعْمل فِيهَا، وَيمْنَع من الْعَمَل فِيهَا، كَحكم _ (أَي) ، فَإِذا قَالَ الرجل: رَأَيْت رجلا، فَقلت: منا، فِي الْجَواب، وَإِنَّمَا ألحقت (من) ألفا، لتبين أَنَّك تسْأَل عَن الرجل الْمَذْكُور، إِذْ كَانَ مَنْصُوبًا، وَكَذَلِكَ تزيد واوا فِي الرّفْع، وياء فِي الْجَرّ، وَإِنَّمَا زادوا هَذِه الْحُرُوف بدل الْإِعْرَاب، أَنهم يطْلبُونَ هَذِه العلامات فِي الدرج، فَلَو أعربوا (من) ، لسقط إعرابها فِي الْوَقْف، إِذْ كَانَ الْإِعْرَاب لَا يُوقف عَلَيْهِ، فعوضوا مِنْهُ هَذِه الْحُرُوف، إِذْ كَانَت تقع دلَالَة على الْإِعْرَاب فِي نَحْو قَوْلك: أَخُوك، وأخاك، وأخيك. فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جعلُوا الْعَلامَة فِي لفظ (من) ، وَلم يَأْتُوا بِلَفْظ الرجل مَنْصُوبًا، فيقولوا: من رجلا؟ كَمَا يَقُولُونَ ذَلِك فِي المعارف الْأَعْلَام؟ . فَالْجَوَاب عَن ذَلِك: أَن النكرَة لَا تدل على شخص بِعَيْنِه، وتكررها يدل على أشخاص مُخْتَلفَة لما ذَكرْنَاهُ أَنَّهَا غير دَالَّة على شخص بِعَيْنِه، أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: رَأَيْت رجلا، وَجَاءَنِي رجل، لَكَانَ الظَّاهِر أَن يكون الَّذِي جَاءَك غير الَّذِي رَأَيْته، فَلَو قَالُوا: من رجلا؟ لجَاز أَن يتَوَهَّم أَن المسؤول عَنهُ (رجلا) غير الْمَذْكُور،

стр. 291

فَلذَلِك لم يَأْتُوا بِلَفْظ النكرَة، (٦١ / ب) وَجعلُوا الْعَلامَة فِي (من) . فَأَما المعارف والأعلام فَجَاز حكايتها، لِأَن الِاسْم الْعلم يدل على شخص بِعَيْنِه وَلَو كرر، فَلذَلِك جَازَ حكايتها. وَاعْلَم أَن هَذِه العلامات إِذا لحقت (من) فِي حَال الْإِفْرَاد والتثنية وَالْجمع والتأنيث فَإِنَّمَا تثبت فِي الْوَقْف، فَإِذا وصلت سَقَطت، وَذَلِكَ أَنهم جعلُوا مَا اتَّصل بالْكلَام عوضا من هَذِه الزِّيَادَة، لِأَن هَذِه العلامات جعلت بدل الْإِعْرَاب فِي الِاسْتِفْهَام، وَمَا كَانَ من الْإِعْرَاب إِنَّمَا يثبت فِي الْوَصْل دون الْوَقْف، وَكَانَت هَذِه العلامات قد أُقِيمَت مقَام الْإِعْرَاب، فَوَجَبَ أَن تثبت فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ وَكَذَلِكَ وَجب إِثْبَاتهَا فِي الْوَقْف، إِذْ كَانَ فِي الْوَصْل قد وَقع مِنْهَا عوض، وَأما إِذا قلت فِي الْمُؤَنَّث: (مِنْهُ) ، فحركت النُّون، وَلم تحركها فِي التَّثْنِيَة، إِذا قلت: منتين، لِأَن هَاء التَّأْنِيث لَا يكون مَا قبلهَا إِلَّا مَفْتُوحًا، فَلذَلِك حركت النُّون فِي قَوْلك: منَّة، وَإِنَّمَا سكنتها فِي (منتين) ، لِأَن عَلامَة التَّأْنِيث قد صَارَت فِي وسط الْكَلِمَة، فَجَاز أَن يتَوَهَّم فِيهَا غير التَّأْنِيث، وَتجْعَل بِمَنْزِلَة (أُخْت) ، وَإِنَّمَا دعاهم إِلَى ذَلِك تَحْرِيك نون (من) ، وَقد وجدنَا مساعداً إِلَى تسكينها، إِذْ كَانَت مَبْنِيَّة، وَلَا يجوز أَن تحرّك نون التَّثْنِيَة وَالْجمع وتاء الْمُؤَنَّث فِي قَوْلك: شَاءَت، لِأَن تحريكها إِنَّمَا يجب فِي الدرج، إِذا أدرجت، فَلَمَّا ثَبت لما ذَكرْنَاهُ أَنه لَا يجوز تَحْرِيك العلامات فِي الْوَصْل، وَكَانَت الحركات لَا يُوقف عَلَيْهَا، وَجب إسكانها على مَا ذَكرْنَاهُ.

стр. 292

وَأما (أَي) إِذا استفهمت بهَا عَن نكرَة، فَإنَّك تعربها، لِأَنَّهَا متمكنة يدخلهَا الْإِعْرَاب، فَوَجَبَ أَن يلْحقهَا الْإِعْرَاب عَلامَة للحكاية، إِذْ كَانَت متمكنة، فَتَقول، إِذا قَالَ الرجل رَأَيْت رجلا: أيا يَا هَذَا؟ وأيين؟ فِي التَّثْنِيَة، وأيين؟ فِي الْجمع، وَكَذَلِكَ: أَيَّانَ وأيون فِي الرّفْع. وَاعْلَم أَن بعض الْعَرَب يصل وَيبقى الْعَلامَة، وَذَلِكَ قَلِيل، من ذَلِك قَول الشَّاعِر: (أَتَوا نَارِي فَقلت: منون أَنْتُم؟ ... فَقَالُوا الْجِنّ، قلت: عموا ظلاما) وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك على التَّشْبِيه ب (أَي) ، لاشْتِرَاكهمَا فِي الِاسْتِفْهَام وَالْجَزَاء وَالْخَبَر. وَبَعض الْعَرَب يوحد (من) فِي جَمِيع الْجِهَات، فَيَأْتِي بِالْوَاو وَالْألف وَالْيَاء، فَيَقُول: منا، للْوَاحِد الْمَنْصُوب والمثنى وَالْمَجْمُوع، وَكَذَلِكَ: منو ومني، فِي الرّفْع والجر، وَإِن ثنى وَجمع، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن (من) فِيهَا معنى الْعُمُوم، فَلَمَّا كَانَت تقع على الْجَمَاعَة ولفظها وَاحِد، جَازَ أَيْضا أَن تقع هَا هُنَا هَذَا الْموقع. وَأما المعارف الْأَعْلَام فقد بَينا جَوَاز الْحِكَايَة فِيهَا، وَبَعض الْعَرَب لَا يَحْكِي اكْتِفَاء بِوُقُوع السُّؤَال عقب الْكَلَام للمخاطب، وَمن يَحْكِي فغرضه الْبَيَان عَن الْمخبر

стр. 293

عَنهُ بِعَيْنِه، لِئَلَّا يتَوَهَّم سواهُ، فَأَما إِذا عطفت بِالْفَاءِ وَالْوَاو، فَقلت: وَمن زيد؟ أَو: فَمن زيد؟ فكلهم يبطل الْحِكَايَة، لِأَن حُرُوف الْعَطف لَا يبتدأ بهَا، وفيهَا دَلِيل على أَن هَذَا السُّؤَال مَعْطُوف بِهِ على كَلَام الْمُخَاطب، فاستغنوا عَن الْحِكَايَة. وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت: رَأَيْت زيدا، فَقلت: من زيدا؟ ف (من) فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ، وَزيد: مَوْضِعه أَيْضا رفع، لِأَنَّهُ خبر (٦٢ / أ) الِابْتِدَاء، وَإِنَّمَا نصبته بالحكاية. فَأَما مَا لم يكن اسْما علما: فَأكْثر الْعَرَب لَا تحكيه، وَإِن كَانَ معرفَة، لِأَنَّهُ لم يكثر الْكَلَام بِهِ كَثْرَة الْأَسْمَاء الْأَعْلَام، فَجَاز فِي الْأَسْمَاء الْأَعْلَام الْحِكَايَة، وَتعْتَبر مَا تستحقه من الْإِعْرَاب، لكثرتها فِي كَلَامهم، فَأَما مَا سواهُ فَلم يكثر، فَبَقيَ على الأَصْل، لِأَن مَا بعد (من) يجب أَن يكون مَرْفُوعا على خبر (من) ، وَبَعض الْعَرَب يَحْكِي مَا لم يكن سَمَاعا، حملا على الْأَسْمَاء والأعلام، وَاعْلَم أَنَّك إِذا عطفت، فَقلت: رَأَيْت زيدا وعمراً، أَو نعت الِاسْم، فَقلت: رَأَيْت زيدا الظريف، لم يجز فِي الْكَلَام الْحِكَايَة، لِأَن طول الْكَلَام قد دلّ على أَن المسؤول عَنهُ هُوَ الَّذِي يقوم بِنَفس الْخَبَر، يبعد الْوُقُوع سُؤال آخر عَن غير الْمَذْكُور، فَأَما الِاسْم الْعلم إِذا نَعته ب (ابْن) وأضفت إِلَى الِاسْم أَبَا الأول، أَو كنيته نَحْو: رَأَيْت زيد بن عَمْرو، فالحكاية جَائِزَة فِيهِ، لِأَنَّهُ قد صَار مَعَ (ابْن) كالشيء الْوَاحِد فَفَارَقَ سَائِر النعوت، لِأَنَّهَا لم تكْثر فِي الِاسْتِعْمَال مَعَ الْمَوْصُوف بهَا، ككثرة (ابْن) إِذا كَانَ مُضَافا إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ.

стр. 294

٤٢ - بَاب الْجَواب بِالْفَاءِ اعْلَم أَن الْفَاء أَصْلهَا الْعَطف، وحروف الْعَطف لَا يجوز أَن تعْمل، لِأَنَّهَا من الْحُرُوف الَّتِي يَليهَا الِاسْم مرّة، وَالْفِعْل مرّة، وَقد بَينا أَن من الْحُرُوف مَا كَانَ على هَذَا السَّبِيل لم يعْمل شَيْئا، فَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذَكرْنَاهُ، وَوجدنَا الْعَرَب تنصب الْفِعْل بعد الْفَاء فِي جَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ، علمنَا أَن النصب إِنَّمَا وَجب بغَيْرهَا، وَإِنَّمَا هُوَ بإضمار (أَن) ، وَوجه تَقْدِير (أَن) بعد الْفَاء أَن تقدر مَا قبلهَا تَقْدِير الْمصدر الْمُقدم قبلهَا، كَقَوْلِك: مَا تَأتِينِي فتحدثني، وَالتَّقْدِير: مَا يكون مِنْك إتْيَان فَحَدِيث، وَإِنَّمَا وَجب أَن تقدر مَا قبل الْفَاء بِتَقْدِير الْمصدر، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَن يكون مَا قبلهَا فعلا وفاعلاً، أَو مُبْتَدأ وخبراً، وَالْفِعْل يدل على الْمصدر، وَالْجُمْلَة أَيْضا يجوز أَن تجْعَل فِي تَقْدِير فعل وفاعل، كَقَوْلِك: لَيْت زيدا عندنَا فنكرمه، أَي: لَيْت كونا من زيد فإكراماً. وعَلى هَذَا يجْرِي جَمِيع مَا يَقع قبل الْفَاء، إِذا نصبت مَا بعْدهَا، وَإِنَّمَا كَانَت (أَن) بالإضمار أولى، لِأَن الأَصْل فِي حُرُوف النصب أَن يَليهَا الْمَاضِي والمضارع، فلقوتها كَانَت أولى بالإضمار من أخواتها، وَجَاز أَن تضمر، وتعملها وَإِن كَانَت حرفا، لِأَن الْفَاء قد صَارَت عوضا مِنْهَا، وَلم يجز إظهارها، لِأَن مَا قبلهَا فِي تَقْدِير الْمصدر من غير إِظْهَار اللَّفْظ، فَلَمَّا كَانَ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مصدرا غير مظهر، اخْتَارُوا أَن تكون (أَن) مضمرة بعد الْفَاء، ليشاكل مَا قبلهَا. وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت: مَا تَأتِينِي فتحدثني، فلك فِيهِ وَجْهَان: النصب

стр. 295

وَالرَّفْع، فالنصب على مَا قدرناه، وَمعنى الْكَلَام إِذا نصبت على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون مَعْنَاهُ: مَا تَأتِينِي فَكيف تُحَدِّثنِي؟ أَي: الَّذِي يمْنَع من الحَدِيث ترك الْإِتْيَان، وَإِنَّمَا دخل هَذَانِ المعنيان فِي معنى حكم الْمَنْصُوب، لِأَن الْفَاء قد بَينا أَنَّهَا للْعَطْف، وَيجب أَن يكون الثَّانِي بعد الأول، فَلَمَّا كَانَ (٦٢ / ب) معنى قَوْلك: مَا يكون مِنْك إتْيَان فَحَدِيث، مُنْقَطِعًا من الأول، مُتَّصِلا من أصل اللَّفْظ، جَازَ أَن يَنْفِي الْإِتْيَان، وَيتَعَلَّق الحَدِيث بِهِ، وينتفي مَعَه، لدُخُول معنى الِاتِّصَال فِي الْفَاء. وَأما الرّفْع فعلى وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الْفِعْل مَعْطُوفًا على مَا قبله، وَيكون النَّفْي قد تنَاول الْإِتْيَان على حِدة، والْحَدِيث على حِدة، أَي: مَا تَأتِينِي، وَمَا تُحَدِّثنِي. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون الْإِتْيَان منفياً، وَيكون مَا بعد الْفَاء مُبْتَدأ وخبراً على طَرِيق الِاسْتِئْنَاف، كَأَنَّك قلت: مَا تَأْتِينَا فَأَنت تحدثنا، فَيكون الحَدِيث كَائِنا، والإتيان منفياً، وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون﴾ ، وَقَوله: ﴿لَا يقْضى عَلَيْهِم فيموتوا﴾ ، فَإِنَّمَا رفع (يَعْتَذِرُونَ) بالْعَطْف على (يُؤذن) ، أَي: لَيْسَ يُؤذن لَهُم، وَلَا يَعْتَذِرُونَ وَقد قرئَ بِالنّصب على تَقْدِير: لَا يكون إِذن فعذر، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَو أذن لَهُم اعتذروا، وَلَكِن سَبَب الْعذر ارْتِفَاع الْإِذْن، فَفِي نصب الثَّانِي يجب الأول، وَفِي الرّفْع لَيْسَ لأَحَدهمَا تعلق بِالْآخرِ.

стр. 296

وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يقْضى عَلَيْهِم فيموتوا﴾ ، فَإِنَّمَا جَاءَ مَنْصُوبًا، لِأَن الْمَوْت لَيْسَ بفعلهم، وَلَا يَقع مُبْتَدأ مِنْهُ، كَمَا يَصح وُقُوع الِاعْتِذَار مِنْهُ من المعتذر، فَصَارَ الْقَضَاء سَببا للْمَوْت، فَلذَلِك وَجب النصب، وَلَا يحسن رَفعه لِأَنَّهُ. وَجب أَن يكون الْمَوْت وَقع مُبْتَدأ الحكم فِيهِ من الميتين، وَيجوز الرّفْع فِيهِ بالْعَطْف على (يقْضى) ، ويستدل بِالْمَعْنَى، إِذا كَانَ قد ينْسب فعل الْمَوْت إِلَى الْإِنْسَان، وَأَن الله تَعَالَى هُوَ الْفَاعِل، فَيصير التَّقْدِير: لَا يقْضى عَلَيْهِم وَلَا يموتون، لِأَن الله لَا يُرِيد مَوْتهمْ. وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه لَهُ﴾ ، فَوجه الرّفْع فِيهِ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف، فَهُوَ يضاعفه، وَيكون مَعْنَاهُ: وَإِن مُبْتَدأ أَنه يضاعفه إِذا أقْرض. وَأما وَجه النصب: فتقديره: من يكون مِنْهُ قرض فيضاعف لَهُ، فَيكون سَبَب المضاعفة هُوَ الْقَرْض من جِهَة اللَّفْظ، وَفِي الرّفْع يكون من جِهَة الْمَعْنى، إِذا حَملته على الِابْتِدَاء، وَإِن حَملته على الْعَطف أردْت معنى النصب، وَأما قَول الشَّاعِر:

стр. 297

(فَلَا زَالَ قبر بَين بصرى وجاسم ... عَلَيْهِ من الوسمي جود ووابل) (فينبت حوذانا وعوفاً منوراً ... سأتبعه من خير مَا قَالَ قَائِل) فَإِنَّمَا اختير الرّفْع فِي (ينْبت) ، وَإِن كَانَ النصب جَائِزا، لِأَن النصب اخْتِيَار عَن حُصُول الإنبات، وَفِي النصب يصير دُعَاء وسبباً للإنبات، فَلَمَّا كَانَ الرّفْع أبلغ لثبات النَّبَات بالضمير اختير الرّفْع، وَالنّصب جَائِز. وَاعْلَم أَن الْجَواب بِالْوَاو يُوجب (أَن) ، لِأَن الْوَاو للْعَطْف، وَقد بَينا أَن حُرُوف الْعَطف لَا تعْمل شَيْئا، وَإِذا وجدنَا الْفِعْل مَنْصُوبًا بعْدهَا، وَجب أَن يكون مَنْصُوبًا بغَيْرهَا، وَهُوَ (أَن) ، كَمَا قُلْنَا فِي الْفَاء، وَأَنَّك تقدر مَا قبلهَا تَقْدِير الْمصدر، كَقَوْلِك: (لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن) ، أَي: لَا يكن مِنْك أكل وَشرب، وَمَعْنَاهُ: لَا يجمع بَينهمَا، لِأَن الْوَاو مَعْنَاهَا الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ، فعلى هَذَا يجْرِي حكمهَا، (٦٣ / أ) وَأما قَول طفيل الغنوي: (وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي لَيْسَ نافعي ... ويغضب مِنْهُ صَاحِبي بقؤول)

стр. 298

فَعِنْدَ سِيبَوَيْهٍ: أَن الِاخْتِيَار نصب (يغْضب) ، وَالرَّفْع جَائِز. وَعند أبي الْعَبَّاس الْمبرد: أَن الرّفْع هُوَ الْمُخْتَار، وَالنّصب جَائِز. فحجة سِيبَوَيْهٍ أَن الْوَاو مُتَعَلقَة بِالنَّفْيِ الَّذِي فِي صدر الْكَلَام، وَالتَّقْدِير: مَا أَنا بقؤول للشَّيْء الَّذِي لَيْسَ نافعي، وَاللَّام الَّتِي فِي قَوْله: (للشَّيْء) فِي مَوضِع نصب ب (قؤول) ، فَلَمَّا كَانَ اسْتِقْرَار الْكَلَام على هَذَا الْمَعْنى، صَار تَقْدِيره أَنه مِمَّا يَقع من الشَّيْء الَّذِي هَذِه حَاله. وَأما الرّفْع: فبالعطف على (نافعي) . وَإِنَّمَا ضعف النصب عِنْد أبي الْعَبَّاس، لِأَن الْغَضَب لَيْسَ مِمَّا يُقَال، وَأَن مَا يُقَال الشَّيْء الَّذِي يَقع مِنْهُ الْغَضَب. وَأما الرّفْع فَلَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل، فَلذَلِك اخْتَار أَبُو الْعَبَّاس الرّفْع، وَعدل عَن النصب.

стр. 299

٤٣ - بَاب المجازاة اعْلَم أَن أصل حُرُوف المجازاة (إِن) ، وَإِنَّمَا وَجب أَن تكون الأَصْل، لِأَنَّهَا لَا تخرج عَن الْجَزَاء، وَلَا تخْتَص بِالِاسْتِعْمَالِ فِي بعض الاشياء دون بعض، وَسَائِر مَا يجازى بِهِ سواهَا قد يخرج من بَاب الْجَزَاء إِلَى غَيره. وَمن الْجَزَاء: (من، وَمَا، واي، وَمَتى، وَأَيْنَ، وأنى) وكل هَذِه تسْتَعْمل استفهاماً، وَتخرج من بَاب الْجَزَاء. وَأما (مهما) : فَفِيهَا وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون الأَصْل فِيهَا (مَا) ، فزيدت عَلَيْهَا (مَا) ، كَمَا تزاد على (إِن) ، فَصَارَ اللَّفْظ (ماما) ، فأبدلوا من الْألف الأولى (هَاء) ، لِأَنَّهَا من مخرجها، كَرَاهَة لتكرار اللَّفْظ، فَصَارَ اللَّفْظ (مهما) ، وَقد بَينا أَن (مَا) تسْتَعْمل فِي غير المجازاة. وَالثَّانِي: أَن يكون الأَصْل فِيهَا (مَه) ، مثل (صه) بِمَعْنى: اسْكُتْ، ثمَّ زيد عَلَيْهَا (مَا) ، وَهَذِه أَيْضا لَا تخْتَص بالجزاء. وَإِنَّمَا سَاغَ دُخُولهَا فِي الْجَزَاء، لِأَن الْجَزَاء قد يُجَاب بِجَوَاب الشَّرْط وَهُوَ غير وَاجِب، فَجَاز أَن يسْتَعْمل بعد أَلْفَاظه.

стр. 300

فَأَما (حَيْثُ) : فظرف من الْمَكَان، وَلَا تسْتَعْمل فِي بَاب الْجَزَاء إِلَّا بِزِيَادَة (مَا) عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ (إِذْ) : هِيَ ظرف من الزَّمَان، وَلَا تسْتَعْمل فِي الْجَزَاء إِلَّا بِدُخُول (مَا) عَلَيْهَا. فقد بَان بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن جَمِيع مَا يسْتَعْمل فِي بَاب الْجَزَاء مدْخل فِيهَا، وَغير مُخْتَصّ بِهِ، فَلذَلِك وَجب أَن تكون (إِن) الأَصْل، وَمَا سواهَا مَحْمُول عَلَيْهَا. وَاعْلَم أَن الْأَسْمَاء كَانَ حَقّهَا أَلا تسْتَعْمل فِي بَاب الْجَزَاء، إِلَّا أَن هَذِه الْمعَانِي حَقّهَا أَن تخْتَص بالحروف، وَتَكون الْأَسْمَاء دَالَّة على المسميات فَقَط، وَإِنَّمَا أدخلوها فِي بَاب الْجَزَاء لفوائد. وَأما (من) : فَجَاز اسْتِعْمَالهَا فِي الْجَزَاء، لِأَن (من) فِيهَا معنى الْعُمُوم لجَمِيع من يعقل، فَلَو اسْتعْملت (إِن) وَحدهَا وغرضك الْعُمُوم، لم يمكنك أَن تقدر جَمِيع الْأَسْمَاء الَّتِي للأشخاص، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: من يأتني أكْرمه، أَن هَذَا اللَّفْظ انتظم الْجَمِيع، أَعنِي: جَمِيع من يعقل، وَإِذا قلت: إِن يأتني زيد أكْرمه، وعددت أشخاصاً كَثِيرَة على التَّفْصِيل، لم يسْتَغْرق جَمِيع من يعقل (٦٣ / ب) وَإِن

стр. 301

توسع فِي ذكر أَقوام، و (من) تَقْتَضِي الْعُمُوم من غير تَكْرِير، فَلذَلِك اسْتعْملت فِي بَاب الْجَزَاء. فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الْفَائِدَة فِي اسْتِعْمَال (أَي) فِي بَاب الْجَزَاء وَهِي لَا تخْتَص لشَيْء، فَهَلا اكْتفي بإضافتها؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَنَّهَا اسْتعْملت لِمَعْنى الِاخْتِصَار، وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: أَي يَأْتِي أكْرمه، نَاب (أَي) عَن قَوْلك: إِن يأتني بعض الْقَوْم أكْرمه، فَلَمَّا كَانَت اخْتِصَار لفظ من (إِن) ، تضمنها معنى الْإِضَافَة، وَلم يكن بُد - أَي: للْقَوْم - من ذكر الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ، اسْتعْملت فِي بَاب الْجَزَاء لما ذَكرْنَاهُ من الِاخْتِصَار. وَأما (مَتى) فقد اسْتعْملت فِي الْجَزَاء، لاختصاصها بِالزَّمَانِ، وفيهَا معنى الْعُمُوم لجَمِيع الْأَوْقَات، فجرت مجْرى (من) فِي جَمِيع من يعقل، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: مَتى تقم أقِم، جمع هَذَا اللَّفْظ جَمِيع الْأَوْقَات، وَلنْ تحْتَاج أَن تخص وقتا بِعَيْنِه، وَلَا يمكنك أَن تقدر جَمِيع الْأَوْقَات. وَحكم (أَيْن) فِي الْمَكَان، كَحكم (مَتى) فِي الزَّمَان. وَأما (أَنى) : فتستعمل بِمَعْنى (كَيفَ) ، وفيهَا معنى الْحَال، وَهِي تَقْتَضِي الْعُمُوم، ويدخلها أَيْضا مَعَ ذَلِك معنى التَّعَجُّب، كَقَوْلِه فِي الِاسْتِفْهَام: ﴿أَنى يكون لي غُلَام﴾ ، كَيفَ يكون لي غُلَام، وفيهَا معنى التَّعَجُّب، فَلَمَّا كَانَت قد تسْتَعْمل فِي الِاسْتِفْهَام على مَا ذَكرْنَاهُ، كَانَ الِاسْتِفْهَام يضارع الْجَزَاء، اسْتعْملت فِيهِ أَيْضا.

стр. 302

وَأما (حَيْثُ) : فَهِيَ مُبْهمَة فِي الْمَكَان، واستعملت فِي بَاب الْجَزَاء، لإحاطتها بالأمكنة. وَأما (إِذْ) : فاستعملت فِي الْجَزَاء بإضمام (مَا) إِلَيْهَا، وَخرجت من حكم الظّرْف، وَإِنَّمَا حكمنَا عَلَيْهَا بالحروف، لِأَن مَعْنَاهَا قد زَالَ، فاستعملت اسْتِعْمَال (إِن) ، أَلا ترى أَنَّهَا تسْتَعْمل فِي المجازاة للمستقبل، كَقَوْلِك: إِذْ مَا تقل أقل، أَي: كَمَا تَقول أَقُول، فَلَمَّا زَالَ عَن حكم الْوَقْت، أجريت مجْرى (إِن) ، فَهَذِهِ فَائِدَة دخلوها، ليكْثر بَاب الْجَزَاء بهَا، وتقوى (إِن) بانضمام حُرُوف إِلَيْهَا، وَلذَلِك أضافوا (إِذْ) وَغَيرهَا، وَإِنَّمَا لَزِمت (إِذْ) مَا، و (حَيْثُ) مَا، فِي بَاب المجازاة، لِأَنَّهُمَا ظرفان يضافان إِلَى الْجمل، فَجعلت (مَا) لَازِمَة لَهما، لتمنعهما من حكم الْإِضَافَة، وتخلصهما من بَاب الْجَزَاء. وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي اسْتعْملت فِي بَاب الْجَزَاء، إِنَّمَا يجْزم مَا بعْدهَا بِتَقْدِير (إِن) ، وَلَكِن حذف لفظ (إِن) اختصاراً واستدلالاً بِالْمَعْنَى، لِأَن الأَصْل أَن تعْمل الْأَفْعَال والحروف، فَأَما الْأَسْمَاء فَلَيْسَ أَصْلهَا أَن تعْمل، وَلذَلِك وَجب تَقْدِير (إِن) ، وَالله أعلم. وَاعْلَم أَن الْجَازِم للشّرط (إِن) ، فَأَما الْجَواب فقد اخْتلف فِيهِ، فَمن

стр. 303

النَّحْوِيين من يَجْعَل الْعَامِل فِيهِ (إِن) أَيْضا، لِأَنَّهُ قد اسْتَقر عَملهَا فِي الشَّرْط، وَالشّرط مفتقر للجواب، فَلَمَّا كَانَت (إِن) عاقدة للجملتين، وَجب أَن تعْمل فيهمَا، وَمن النَّحْوِيين من يَجْعَل الْعَامِل فِي الْجَواب (إِن) وَالشّرط مَعًا، إِذْ كَانَ الْجَواب لَا يَصح مَعْنَاهُ إِلَّا بتقدمهما جَمِيعًا، وَلَيْسَ أَحدهمَا بمنفك من الآخر، فَصَارَ حكمهَا كالنار والحطب فِي بَاب إسخان المَاء بهما، وَهَذَا الْمَذْهَب مَذْهَب أبي الْعَبَّاس. وَاعْلَم أَن الأَصْل فِي بَاب الشُّرُوط وَالْجَزَاء أَن يَكُونَا مضارعين، كَقَوْلِك: إِن تضرب أضْرب، لِأَن (٦٤ / أ) حَقِيقَة الشَّرْط بالاستقبال، فَوَجَبَ أَن يكون اللَّفْظ على ذَلِك، وَيجوز أَن يقعا ماضيين، لِأَن الْمَاضِي أخف من الْمُضَارع، فاستعملوه لخفته، وأمنوا اللّبْس، إِذْ كَانَت حُرُوف الشَّرْط تدل على الِاسْتِقْبَال، وَيجوز أَن يكون الأول مَاضِيا، وَالْجَوَاب مضارعاً، وَلَيْسَ كحسن الْأَوَّلين، لِأَنَّك خَالَفت بَين الشَّرْط وَالْجَوَاب، وهما متساويان فِي الحكم. وَأما إِن جعلت الشَّرْط مضارعاً، وَالْجَوَاب مَاضِيا، فَهُوَ قَبِيح، والفصل

стр. 304

بَينهمَا: أَن الشَّرْط إِذا كَانَ مضارعاً، وَقد عملت فِيهِ (إِن) ، فقبيح أَن يَأْتِي لفظ الْجَواب مُخَالفا لما أوجبه الْحَرْف الْعَامِل. وَأما إِذا كَانَ الأول مَاضِيا، فقد حصل لفظ الأول غير مَعْمُول فِيهِ، وَالْأَصْل أَن يعْمل فِيهِ، فَإِذا جَاءَ الْجَواب مُخَالفا لَهُ فِي اللَّفْظ، فقد جَاءَ مُسْتَعْملا على الأَصْل اسْتِعْمَال الْمُضَارع، فَصَارَ اسْتِعْمَال الأَصْل مقاوماً للْخلاف، فَلذَلِك افْتَرقَا. وَاعْلَم أَن جَوَاب الشَّرْط قد يَقع مُبْتَدأ وخبراً، إِلَّا أَنه مَتى وَقع على هَذَا الْوَجْه، فَلَا بُد من الْفَاء، كَقَوْلِك: إِن يأتني زيد فَأَنا أكْرمه، فَإِن حذفت الْمُبْتَدَأ بَقِي الْفِعْل مَرْفُوعا، لِأَنَّهُ فِي مَوضِع خبر الْمُبْتَدَأ، كَقَوْلِك: إِن يأتني زيد فَأكْرمه، وَالْمعْنَى: فَأَنا أكْرمه، وَإِنَّمَا وَجب إِدْخَال الْفَاء، لِأَن الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر جملَة تقوم بِنَفسِهَا، وَلَيْسَ ل (إِن) فِيهَا تَأْثِير، لِأَنَّهَا لَيست من عوامل الْأَسْمَاء فَلَو جَازَ أَن يَلِي الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر الشَّرْط، لم يعلم أَنه مُتَعَلق بِهِ، وَجَاز أَن يعْتَقد انْقِطَاعه مِمَّا قبله، فأدخلوا الْفَاء ليتصل مَا بعْدهَا بِمَا قبلهَا، وَإِنَّمَا كَانَت أولى من سَائِر حُرُوف الْعَطف، لِأَنَّهَا توجب أَن يكون مَا بعْدهَا عقيب مَا قبلهَا، وَلَيْسَ (الْوَاو) كَذَلِك، لِأَنَّهَا توجب الْجمع بَين شَيْئَيْنِ، وَلَا يكون لَفظهَا دلَالَة على أَن الْجَواب يسْتَحق بِوُقُوع الشَّرْط، وَلم يجز اسْتِعْمَال (ثمَّ) ، لِأَنَّهَا للتراخي، فَإِذا اعْتقد الْمَشْرُوط لَهُ تراخي الْجَزَاء عَن وُقُوع فعله، لم يحرص على الْفِعْل، فَلذَلِك لم يجز اسْتِعْمَال (ثمَّ) ، واستعملت الْفَاء لما ذَكرْنَاهُ، وَقد يجوز حذفهَا فِي الشّعْر، قَالَ الشَّاعِر: (من يفعل الْحَسَنَات الله يشكرها ... وَالشَّر بِالشَّرِّ عِنْد الله مثلان) أَرَادَ: فَالله يشكرها.

стр. 305

وَاعْلَم أَن جَوَاب الشَّرْط فعلا كَانَ، أَو مُبْتَدأ وخبراً، كَانَ الْغَرَض فِي الْجَواب اسْتغْنَاء الْكَلَام، فاستغنى الْكَلَام بِهِ، إِلَّا أَنه لَا يجوز أَن تعْمل فِيهِ (إِن) ، لِأَنَّهَا حرف، والحروف ضَعِيفَة الْعَمَل، فَلَا يجوز أَن تعْمل فِيمَا قبلهَا، كَقَوْلِك: أكرمك إِن تأتني، وَالْأَحْسَن إِذا قدمت الْجَواب أَن يكون مَا بعد (إِن) فعلا مَاضِيا، ليَكُون مَا بعْدهَا غير مَعْمُول فِيهِ كجوابها، وَيحسن أَن يكون مضارعاً، لِأَن الْجَواب قد تقدم، وَجَاءَت على أَصْلهَا، وَلَيْسَ ذَلِك كتأخير الْجَواب لما ذَكرْنَاهُ من مُخَالفَة الأَصْل. وَاعْلَم أَن الْفِعْل لَيْسَ لَهُ من الْأَحْكَام فِي بَاب التَّبْعِيض مَا للأسماء، فَلذَلِك لم يدْخل فِيهِ بدل التَّبْعِيض من الْكل، وَلم يجز أَن يُبدل الْفِعْل من الْفِعْل، إِلَّا أَن يكون فِي مَعْنَاهُ، لِأَن الْبَدَل تَبْيِين، فَلَا يجوز أَن يبين الشَّيْء بِمَا لَا تعلق بَينه وَبَين الْمُبين لَهُ، وَلَا يجوز أَن يُبدل الْفِعْل من الْفِعْل، إِذْ لم يكن فِي مَعْنَاهُ، إِلَّا على طَرِيق الْغَلَط، (٦٤ / ب) كَمَا يَقع ذَلِك فِي الْأَسْمَاء. وَاعْلَم أَن الْفِعْل الْمُضَارع إِنَّمَا يرْتَفع إِذا وَقع موقع الْحَال، لِأَنَّهُ قد وَقع موقع الِاسْم، وَمَعَ ذَلِك فعوامل الْأَسْمَاء لَا تعْمل فِي الْأَفْعَال، وَلذَلِك اسْتحقَّت الرّفْع، وَقد بَينا هَذَا فِيمَا مضى. وَاعْلَم أَن جَوَاب الْأَمر وَالنَّهْي وَالنَّفْي والاستفهام وَالتَّمَنِّي وَالْعرض، إِنَّمَا الْجَزْم، لِأَن مَا تقدمه يتَضَمَّن معنى الشَّرْط، أَلا ترى أَن قَوْلك: أَيْن بَيْتك أزرك؟ مَعْنَاهُ: إِن تعلمني بَيْتك أزرك، وَكَذَلِكَ إِذا قلت: ائْتِنِي أكرمك، وَكَذَلِكَ: لَا تأتني أضربك، مَعْنَاهُ: إِن تأتني أضربك، وليت زيدا عندنَا نكرمه، مَعْنَاهُ: لَو كَانَ زيد عندنَا أكرمناه.

стр. 306

و (لَو) : تضارع (إِن) لِأَنَّهَا تَقْتَضِي جَوَابا، كَقَوْلِك: لَو تكون عندنَا لأكرمناك، فَصَارَ بِمَنْزِلَة: إِن تكن عندنَا أكرمناك. وَكَذَلِكَ حكم الْعرض، فَلَمَّا تَضَمَّنت هَذِه الْأَسْمَاء معنى الشَّرْط، قدر مَعهَا (إِن) فانجزم الْجَواب بِتَقْدِير حرف الشَّرْط، فَإِن رفعت الْفِعْل فِي جوابها فعلى وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الْفِعْل فِي مَوضِع الْحَال، كَقَوْلِك: ائْتِنِي أكرمك. وَأما الْوَجْه الثَّانِي: فعلى تَقْدِير خبر ابْتِدَاء، كَأَنَّك قلت: ائْتِنِي فَأَنا أكرمك؟ وَأما جَوَاز حذف (أَن) وَنصب الْفِعْل بإضمارها فَهُوَ قَبِيح عِنْد الْبَصرِيين، وَذَلِكَ مثل قَول طرفَة: (أَلا أَيهَا ذَا الزاجري أحضر الوغى ... وَأَن أشهد اللَّذَّات هَل أَنْت مخلدي) فَالْوَجْه الرّفْع فِي (أحضر) ، لِأَن (أَن) مَوْصُولَة بِالْفِعْلِ، وَلَا يجوز حذف الْمَوْصُول وتبقية الصِّلَة، وَمَعَ ذَلِك فَهِيَ عَامل ضَعِيف، لِأَنَّهُ حرف من الْحُرُوف، وَلَا يجوز أَن تعْمل الْحُرُوف مضمرة، وَقد أَجَازُوا النصب فِيهِ، وَوجه جَوَازه إِظْهَار (أَن) فِي آخر الْبَيْت، وَهُوَ قَوْله: (وَأَن أشهد اللَّذَّات)

стр. 307

فَصَارَت (أَن) فِي هَذَا الْموضع كالعوض من الْمَحْذُوف. وَأما إِذا لم يكن فِي الْكَلَام (أَن) تنعطف على المضمرة، فَهُوَ غير جَائِز. والكوفيون يجيزون مثل هَذَا، ويجعلون هَذَا مثل (أَن) بعد الْفَاء فِي الْجَواب، إِن شَاءَ الله.

стр. 308

٤٤ - بَاب إِضَافَة أَسمَاء الزَّمَان إِلَى الْفِعْل وَالْفَاعِل والمبتدأ وَالْخَيْر اعْلَم أَنه لَا يُضَاف من الْأَسْمَاء إِلَى الْجمل إِلَّا ظروف الزَّمَان، و (حَيْثُ) من ظروف الْمَكَان، وَإِنَّمَا خصت ظروف الزَّمَان بذلك لوجوه: أَحدهَا: أَن الْفِعْل يدل على مصدر وزمان، وَالزَّمَان أحد الشَّيْئَيْنِ اللَّذين يدل عَلَيْهِمَا الْفِعْل، فَإِذا أضيفت الظروف من الزَّمَان إِلَى الْأَفْعَال، صَارَت بِمَنْزِلَة إِضَافَة الْبَعْض إِلَى الْكل، مثل: خَاتم حَدِيد. وَآخر: يحْكى عَن الْأَخْفَش أَنه قَالَ: لما كَانَت ظروف الزَّمَان بأجمعها، خاصها وعامها لَا يمْتَنع أَن يكون ظرفا يتَعَدَّى الْفِعْل إِلَيْهَا بِغَيْر وَاسِطَة، وظروف الْمَكَان مَا كَانَ مِنْهَا خَاصّا لَا يتَعَدَّى الْفِعْل إِلَيْهِ، نَحْو: قُمْت فِي الدَّار، كَمَا تَقول: يَوْم الْجُمُعَة، أضيفت ظروف الزَّمَان إِلَى الْجمل عوضا من اخْتِصَاص ظروف الْمَكَان بِمَا ذَكرْنَاهُ. وَلما جَازَ أَن تُضَاف ظروف الزَّمَان إِلَى الْفِعْل وَالْفَاعِل، جَازَ أَن تُضَاف إِلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، لِأَن الْفِعْل وَالْفَاعِل جملَة كالمبتدأ وَالْخَبَر. وظروف الزَّمَان تَقْتَضِي الْفِعْل، فَصَارَت كشيء وَاحِد من هَذَا الْوَجْه، وَكَانَ الْفِعْل أَيْضا يدل على مصدره، فقولنا: (٦٥ / أ) هَذَا يَوْم قيام زيد، كَقَوْلِنَا: هَذَا يَوْم يقوم زيد، فقد تضمن يَوْم الْقيام، فاعرفه. وَأما (حَيْثُ) : فَجَاز إضافتها إِلَى الْجمل، لِأَنَّهَا ضارعت (إِذْ) بِسَبَب

стр. 309

أَنَّهَا مُبْهمَة فِي الْمَكَان، كإبهام (إِذْ) فِي الزَّمَان الْمَاضِي، فَكَمَا وَجب أَن تُضَاف (إِذْ) إِلَى الْجمل أوجبوا إِضَافَة (حَيْثُ) إِلَيْهَا، للشبه الَّذِي بَينهمَا والمضارعة. وَاعْلَم أَن ظرف الزَّمَان إِذا أضفته إِلَى الْفِعْل الْمَاضِي، جَازَ لَك فِيهِ وَجْهَان: الْإِعْرَاب وَالْبناء، كَقَوْلِك: أعجبني يَوْم قُمْت، فَترفع (الْيَوْم) بِفِعْلِهِ، وَيجوز أَن تفتحه، وَيكون مَوْضِعه رفعا، وَإِنَّمَا جَازَ بِنَاؤُه، لِأَنَّهُ أضيف إِلَى فعل مَبْنِيّ، فأجري مجْرَاه، واختير فَتحه، لِأَن الْكسر وَالضَّم بعد الْوَاو مستثقلان، فعدلوا بِهِ إِلَى الْفَتْح، وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر: (على حِين عاتبت المشيب على الصِّبَا ... وَقلت: ألما أصح والشيب وازع!) وَأما من أعرب: فَلِأَن الظّرْف مُتَمَكن فِي نَفسه، وَهَذِه الْإِضَافَة اسْتحقَّهَا لما ذَكرْنَاهُ، فَوَجَبَ أَن يبْقى على حَال تمكنه، لِأَن مَا اسْتَحَقَّه من الْإِضَافَة لعِلَّة أوجبت لَهُ ذَلِك، وَقد يجوز أَن يبْنى مَعَ الْمُضَارع أَيْضا، كَقَوْلِك: أعجبني يَوْم تقوم، إِلَّا أَن الْإِعْرَاب مَعَ الْمُضَارع أحسن لما ذَكرْنَاهُ. وَأما جَوَاز الْبناء: فَلِأَن ظروف الزَّمَان قد خَالَفت جَمِيع الْأَسْمَاء بإضافتها إِلَى الْجمل، وَخُرُوج الشَّيْء عَن نَظَائِره نقص لَهُ، فَوَجَبَ لهَذَا النَّقْص أَن تبنى، وَالله أعلم.

стр. 310

٤٥ - بَاب إِن وَأَن إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب أَن تكسر (إِن) فِي الِابْتِدَاء؟ قيل: للفصل بَينهمَا، أَعنِي: بَين (إِن وَأَن) . فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الْحَاجة إِلَى الْفَصْل بَينهمَا؟ قيل لَهُ: لِأَن (أَن) الْمَفْتُوحَة وَمَا بعْدهَا فِي تَقْدِير اسْم، والمكسورة لَا تكون مَعَ مَا بعْدهَا اسْما، فَلَمَّا اخْتلف حكمهمَا، وَجب الْفَصْل بَينهمَا. فَإِن قيل: فَلم خصت بِالْكَسْرِ، وخصت الْأُخْرَى بِالْفَتْح؟ قيل لَهُ: لِأَن الْكسر أثقل من الْفَتْح، و (أَن) الْمَفْتُوحَة قد قُلْنَا: إِنَّهَا وَمَا بعْدهَا اسْم، فقد طَالَتْ بصلتها، والمكسورة مُفْردَة الحكم، فَهِيَ أخف مِنْهَا، فَوَجَبَ أَن يفتح الأثقل، وَيكسر الأخف ليعتدلا. فَإِن قيل: فَلم كسرت بعد القَوْل، وَإِذا كَانَ فِي خَبَرهَا اللَّام؟ قيل: لِأَنَّهَا فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ مُبتَدأَة فِي الحكم، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَن القَوْل إِنَّمَا وضع فِي الْكَلَام ليحكى بِهِ، والحكاية من شَأْنهَا أَلا تغير لفظ المحكي، فَإِذا قَالَ الْقَائِل: إِن زيدا منطلق، فَأَرَدْت أَن تحكي كَلَامه، وَجب أَن تَقول: قَالَ عَمْرو: إِن زيدا منطلق، كَمَا تَقول: قَالَ عَمْرو: زيد منطلق، فَصَارَ مَا بعد القَوْل يجْرِي مجْرَاه فِي حَال الِابْتِدَاء، فَلذَلِك كسرت بعد القَوْل.

стр. 311

وَأما كسرهَا إِذا كَانَت اللَّام فِي خَبَرهَا، فَإِن هَذِه اللَّام هِيَ لَام الِابْتِدَاء، كَقَوْلِك: لزيد أفضل من عَمْرو، فَإِذا أدخلت وَجب أَن تكسر (إِن) قبلهَا، لِأَن (إِن) من عوامل الْأَسْمَاء، فَلَا يجوز أَن تدخل على اللَّام، وَإِنَّمَا تدخل على الِاسْم، فَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذَكرْنَاهُ، صَار الأَصْل: إِن زيدا منطلق، فَإِذا أدخلت اللَّام لم يجز أَن تغير (إِن) عَن حَالهَا، كَمَا لَا تغير اللَّام الْمُبْتَدَأ عَن حَاله، فَيصير اللَّفْظ: لِأَن زيدا منطلق، إِلَّا أَن اللَّام (٦٥ / ب) و (إِن) مَعْنَاهُمَا وَاحِد، لِأَنَّهُمَا للتوكيد، ويقعان جَوَابا للقسم، فَلَمَّا اتّفق مَعْنَاهُمَا، كَرهُوا الْجمع بَينهمَا، فأخروا اللَّام، وَإِنَّمَا كَانَت أولى بِالتَّأْخِيرِ، لِأَن (إِن) عاملة، وَالْعَامِل أقوى مِمَّا لَيْسَ بعامل، فَوَجَبَ تَأْخِير الأضعف، وَهُوَ اللَّام، فَإِذا أخرتها جَازَ أَن تدْخلهَا على الِاسْم، إِذا فصلت بَينه وَبَين (إِن) بظرف أَو حرف جر، كَقَوْلِك: إِن فِي الدَّار لزيداً، وَإِن شِئْت أدخلتها على الْخَبَر، إِذا كَانَ مُتَأَخِّرًا، كَقَوْلِك: إِن زيدا لفي الدَّار. وَاعْلَم أَنَّك إِذا خففت هَذِه الْمَكْسُورَة، جَازَ أَن تعملها وتنوي التَّشْدِيد، لِأَنَّك لم تحذف التَّشْدِيد حذفا لَازِما، فَصَارَ حكمهَا مراعى، فَلذَلِك جَازَ أَن تحذفها وَيبقى الحكم (إِن) على الْعَمَل، كَقَوْلِك: لم يَك زيد مُنْطَلقًا، وَمن أبطل عَملهَا، فَإِنَّهُ شبهها بِالْفِعْلِ من جِهَة اللَّفْظ دون الْمَعْنى، فَلَمَّا زَالَ لَفظهَا سقط شبهها بِالْفِعْلِ، فَوَجَبَ أَن يبطل عَملهَا، وَحكم الْمَفْتُوحَة الْمُشَدّدَة فِي التَّخْفِيف

стр. 312

والتثقيل وَجَوَاز الْعَمَل، إِلَّا فِي خصْلَة وَاحِدَة، وَهُوَ أَن (إِن) الْمَكْسُورَة إِذا خففت ارْتَفع مَا بعْدهَا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر، و (أَن) الْمَفْتُوحَة الْمُشَدّدَة إِذا خففت أضمر فِيهَا اسْمهَا، كَقَوْلِك: قد علمت أَن زيد قَائِم تَقْدِيره: أَنه زيد قَائِم، فالهاء المضمرة اسْم (أَن) . وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك فِي (أَن) الْمَفْتُوحَة، وَلم يجب ذَلِك فِي الْمَكْسُورَة، لِأَن الْمَفْتُوحَة قد قُلْنَا: إِنَّهَا وَمَا بعْدهَا اسْم، فَلَا تَخْلُو من عَامل يعْمل فِيهَا، فَلم يجز إِلْغَاء حكمهَا، فَلذَلِك وَجب أَن يضمر اسْمهَا، لثبات حكمهَا فِي الْكَلَام، وَأما الْمَكْسُورَة فَهِيَ تقع فِي صدر الْكَلَام، فَإِذا ارْتَفع مَا بعْدهَا، لم تكن بِنَا ضَرُورَة إِلَى تَقْدِير اسْم فِيهَا، لِأَنَّهُ يُمكن أَن تقدرها حرفا غير عَامل من الْحُرُوف غير العوامل، نَحْو هَل وبل، وَمَا أشبهه. وَاعْلَم أَن أَفعَال الْقُلُوب تَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهَا: يَقِين، نَحْو: عرفت وَعلمت. وَالثَّانِي: شكّ ورجاء، نَحْو: رَجَوْت وَخفت. وَالثَّالِث: متوسط بَين الْيَقِين وَالشَّكّ، وَهُوَ الظَّن والحسبان. وَأما (علمت) وَنَحْوهَا فَلَا يجوز أَن تقع بعْدهَا (أَن) المخففة من الثَّقِيلَة مُشَدّدَة وَغير مُشَدّدَة، نَحْو: قد علمت أَنَّك تقوم، فَإِذا خففتها - وَبعدهَا الْفِعْل - أضمرت الِاسْم، على مَا ذكرنَا، وعوضت من التَّخْفِيف، إِذا كَانَ بعْدهَا الْفِعْل أحد أَرْبَعَة أَشْيَاء:

стр. 313

أَحدهَا: السِّين، وَالْآخر: سَوف، وَالثَّالِث: قد، وَالرَّابِع: لَا، كَقَوْلِك: قد علمت أَن ستقوم، كَمَا قَالَ الله : ﴿علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى﴾ ، وَكَذَلِكَ: علمت أَن سَوف تقوم، وَعلمت أَن قد قُمْت، وَهَذِه الْأَعْرَاض الثَّلَاثَة مَتى دخلت بعد (أَن) لم تكن إِلَّا مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. وَأما (لَا) : فقد تقع عوضا وَغير عوض، فَإِذا كَانَت عوضا ارْتَفع الْفِعْل بعْدهَا، لِأَنَّهَا فِي مَوضِع خبر (أَن) ، وَإِذا لم تكن عوضا وَكَانَت (أَن) خَفِيفَة انتصب الْفِعْل بعْدهَا، كَقَوْلِه : ﴿وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة﴾ ، وَقُرِئَ بِالرَّفْع، فَمن رفع جعل (أَن) مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، وأضمر اسْمهَا، وَجعل (لَا) عوضا، فارتفع الْفِعْل، لِأَنَّهُ فِي مَوضِع خبر (أَن) وَمن نصب جعل (أَن) خَفِيفَة نَفسهَا، وَلم يَجْعَل (لَا) عوضا، فَعمِلت (أَن) فِي الْفِعْل فنصب بهَا، وَهَذَا الْقسم الثَّانِي (٦٦ / أ) من الْأَفْعَال يجوز أَن تقع بعده الْمُشَدّدَة والمخففة، وَإِنَّمَا جَازَ فِيهِ وَجْهَان، لِأَنَّهُ متوسط بَين الْعلم وَالْخَوْف، فَإِذا غلب أحد طَرفَيْهِ، وَهُوَ الْعلم، صَار بِمَنْزِلَة لَو شددت (أَن) بعده، وَإِذا غلب الطّرف الثَّانِي، وَهُوَ الرَّجَاء

стр. 314

أَو الْخَوْف، لم يجز أَن يَقع بعده إِلَّا (أَن) الْخَفِيفَة نَفسهَا الناصبة للأفعال، لِأَن بَاب الرَّجَاء وَالْخَوْف لَيْسَ بِأَمْر مستو، والمشددة إِنَّمَا تدخل لتحقيق الْكَلَام، فَجَاز أَن تدخل بعد الْعلم، وَمَا جرى مجْرَاه، لِأَنَّهُ شَيْء ثَابت فتحققه ب (أَن) . وَأما الرَّجَاء وَالْخَوْف فَلَمَّا لم يكن شَيْئا ثَابتا، اسْتَحَالَ تَحْقِيقه، فَلذَلِك لم يجز أَن تدخل بعده الْمُشَدّدَة، إِلَّا على ضرب من التَّأْوِيل، وَحمله على بَاب الظَّن، إِذْ كَانَ قد أجري مجْرى الْعلم لما ذَكرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ يجوز أَن تجْرِي الْحُرُوف مجْرى الظَّن، لما بَينهمَا من المشابهة. فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم زعمتم أَن (أَن) لَيست باسم، وَأَنَّهَا مَعَ بعْدهَا اسْم، وخالفت حكم (الَّذِي) بِالْفَصْلِ بَينهمَا؟ قيل لَهُ: إِن (أَن) لَو كَانَت فِي نَفسهَا اسْما، لم يجز أَن تَخْلُو صلتها من ضمير يرجع إِلَيْهَا، كَمَا أَن (الَّذِي) لما كَانَ اسْما فِي نَفسه، لم يجز أَن يُوصل بجملة إِلَّا وفيهَا ذكر يرجع إِلَيْهِ، أَلا ترى أَنَّك تَقول: قد علمت أَنَّك تقوم، وَلَا يجوز: علمت الَّذِي أَنْت تقوم، حَتَّى تَقول: إِلَيْهِ، فَلذَلِك افْتَرقَا. وَاعْلَم أَن (إِن) الَّتِي تزاد بعد (مَا) ، إِنَّمَا زيدت بعد (مَا) لتلغي مَعهَا (مَا) ، فَلَا تعْمل، أَعنِي (مَا) فِي لُغَة أهل الْحجاز، وَإِنَّمَا وَجب إبِْطَال عَملهَا عِنْد دُخُول (إِن) عَلَيْهَا، كَمَا وَجب إبِْطَال عمل (إِن) ، إِذا دخلت (مَا) عَلَيْهَا، وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا مضى، وَيجوز أَن يكون زادوها بعد (مَا) لتوكيد معنى النَّفْي، إِذْ كَانَت (إِن) قد تسْتَعْمل للنَّفْي. وَاعْلَم أَن (إِن) الَّتِي بِمَعْنى (مَا) مُخْتَلف فِيهَا، فبعض النَّحْوِيين يعملها

стр. 315

عمل (مَا) فِي لُغَة أهل الْحجاز، كَقَوْلِك: إِن زيد قَائِما، وَبَعْضهمْ لَا يعملها، فَمن أعملها فلمشاركتها ل (مَا) فِي الْمَعْنى، وَإِنَّمَا أعملت عمل (لَيْسَ) من جِهَة النَّفْي، لَا من جِهَة اللَّفْظ، فَلَمَّا شاركت (إِن) ل (مَا) فِي الْمَعْنى، وَجب أَن يَسْتَوِي حكمهمَا، وَمن لم يجز ذَلِك، فحجته أَن الْقيَاس فِي (مَا) أَلا تعْمل شَيْئا، فَإِذا خَالَفت الْعَرَب جِهَة الْقيَاس، فَلَيْسَ لنا أَن نتعدى ذَلِك، لِأَن الْقيَاس لَا يُوجِبهُ، وَالْأَصْل أَن يكون مَا بعْدهَا مُبْتَدأ وخبراً، فَلذَلِك لم تعْمل. وَاعْلَم أَن (أَن) الْمَفْتُوحَة تقع بِمَنْزِلَة (أَي) الَّتِي تسْتَعْمل على طَرِيق الْعبارَة والحكاية، وَيجب أَن يكون مَا بعْدهَا كلَاما تَاما، وَالَّذِي بعْدهَا عبارَة عَنهُ، فَإِن لم يكن فِي مَعْنَاهُ لم يجز، وَجعلُوا (أَي) لهَذَا الْمَعْنى ليَكُون لَهُم حرف يعبر عَن الْمَعْنى، وَيكون بَاب القَوْل يحْكى بِهِ اللَّفْظ بِعَيْنِه، فَلذَلِك وضعت (أَن) بِمَنْزِلَة (أَي) للعبارة. وَأما (إِن) الَّتِي بِمَعْنى (نعم) فَإِنَّمَا اسْتعْملت على هَذَا الْوَجْه، لِأَن (نعم) إِيجَاب واعتراف، و (إِن) تَحْقِيق وَإِثْبَات، فلتضارعهما فِي الْمَعْنى حملت (إِن) على (نعم) . فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم زيدت (أَن) الْمَفْتُوحَة بعد (لما) ، وَلم تزد الْمَكْسُورَة وزيدت الْمَكْسُورَة بعد (مَا) ، وَلم (٦٦ / ب) تزد الْمَفْتُوحَة؟

стр. 316

فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (مَا) لما زيدت على الْمَكْسُورَة، وَجب أَن تزاد هِيَ على (مَا) لتشاكلها لفظ الْمَكْسُورَة، وَفِي ذَلِك أَيْضا تَحْقِيق للنَّفْي، إِذْ كَانَ أصل النَّفْي ب (مَا) ، و (إِن) قد اسْتعْملت للنَّفْي، فَصَارَ إدخالها عَلَيْهَا مؤكداً لمعناها. فَأَما (لما) : فَفِيهَا من الشَّرْط، كَقَوْلِك: لما جَاءَ زيد جِئْت، و (إِن) هِيَ أصل الْجَزَاء فَلم تزد (إِن) على (لما) ، لِئَلَّا يكون الأَصْل تَابعا للفرع، أَعنِي بالفرع: (لما) المشهبة لبَعض حُرُوف الْجَزَاء، لما فِيهَا من معنى الْجَزَاء، وخصوا (لما) بالمفتوحة، أَعنِي: (أَن) ، لِأَنَّهُ لما كَانَ فِيهَا معنى التوقع، أَعنِي: فِي (أَن) ، وَكَانَت غير مُحَققَة للشَّيْء، وَتدْخل بعد أَفعَال الرَّجَاء وَالْخَوْف، خصت بِالزِّيَادَةِ بعد (لما) لتوكيد مَعْنَاهَا، وَالله أعلم.

стр. 317

٤٦ - بَاب أَم وأو إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب أَن يكون الْجَواب فِي (أم) بِأحد الاسمين، وَيَقَع الْجَواب فِي (أَو) ب (لَا أَو نعم) ؟ قيل لَهُ: أَن تَرْتِيب (أم) أَن تقع سؤالا بعد سُؤال ب (أَو) وَذَلِكَ أَن (أَو) مَعْنَاهَا أحد الشَّيْئَيْنِ، وَلَا تنْتَقل عَن هَذَا الْمَعْنى، استفهاماً كَانَت أَو خَبرا، كَقَوْلِك: جَاءَنِي زيد أَو عَمْرو، فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام: جَاءَنِي أَحدهمَا، وَإِنَّمَا تخبر أَن أحد الشخصين جَاءَك، فَإِذا استفهمت عَن هَذَا فَقلت: أجاءك زيد أَو عَمْرو؟ فَإِنَّمَا تسْأَل عَن أَحدهمَا، لِأَن الْمَعْنى: أَحدهمَا جَاءَك، فَلَمَّا كَانَت فِي الِاسْتِفْهَام سؤالا عَن وَاحِد غير معِين، جرت مجْرى السُّؤَال عَن وَاحِد معِين، كَقَوْلِك: هَل زيد عنْدك؟ فَلَمَّا كَانَ الْجَواب ب (لَا) ، إِن لم يكن عِنْده زيد، أَو ب (نعم) إِن كَانَ عِنْده زيد، وَجب أَيْضا أَن يكون الْجَواب على هَذَا السَّبِيل، لحُصُول أحد الشَّيْئَيْنِ عِنْده بِغَيْر عينه، فَبينا لَهُ بعد ذَلِك ب (أم) ، لتعيين الشَّخْص، فَيَقُول: أَزِيد أم عَمْرو؟ فَلَمَّا كَانَت (أم) ترتيبها على مَا ذَكرْنَاهُ، لم يجز أَن يَقع الْجَواب ب (لَا) ، لِأَن المستفهم قد اسْتَقر عِنْده حُصُول شخص من الشخصين، وَلَا يبْقى هَذَا الِاعْتِقَاد الَّذِي أوجبه حكم اللَّفْظ أَلا يكون عِنْد المسؤول أَحدهمَا، فَلذَلِك لم يجز أَن يَقع الْجَواب فِي (أم) إِلَّا بِأحد الشخصين، فَإِن كَانَ المسؤول يعْتَقد أَن السَّائِل قد أَخطَأ فِي هَذَا الِاعْتِقَاد أَنه لَيْسَ عِنْده وَاحِد من الشخصين، أَجَابَهُ

стр. 318

بِأَن يَقُول: لَيْسَ عِنْدِي وَاحِد مِنْهُمَا، ليبين لَهُ فَسَاد اعْتِقَاده. وَاعْلَم أَن (أم) - الَّتِي تكون مَعَ ألف الِاسْتِفْهَام - بِمَنْزِلَة (أَي) ، امتحانها أَن يحذف لفظ الْألف وَأم، وَيجمع مَا يَلِي الْألف وَأم إِلَى جَانب، وَيصِح الْكَلَام، فَمَتَى كَانَت أم مَعَ ألف الِاسْتِفْهَام على هَذَا السَّبِيل، فَهِيَ بِمَنْزِلَة (أَي) وَالْجَوَاب يَقع فِيهَا بِأحد الاسمين، كَقَوْلِك: أَزِيد عنْدك أم عَمْرو؟ أَلا ترى أَنه يَصح أَن تَقول: أَيهمَا عنْدك؟ فَلَو قلت: أَزِيد عنْدك أم عَمْرو؟ لَكَانَ هَذَا الْكَلَام سؤالين، وَلم تكن (أم) مَعَ الْألف بِمَنْزِلَة (أَي) ، أَلا ترى أَنَّك لَو جمعت الاسمين إِلَى جنب (أَي) ، لصار اللَّفْظ: أَيهمَا عنْدك عنْدك؟ فَيكون الظرفان من غير فَائِدَة، وتكريرهما على هَذَا السَّبِيل فَاسد، فَلَا يصير بِمَنْزِلَة (أَي) ، وَصَارَ السؤالان مفردين، وَكَذَلِكَ (٦٧ / أ) إِذا كَانَ قبل الِاسْتِفْهَام ألف، فَهُوَ سُؤال مُبْتَدأ، وَفِيهِمَا إضراب عَمَّا قبلهَا، خَبرا كَانَ أَو استفهاماً، فَلذَلِك شبهوها ب (بل) ، لِأَن فِيهَا إضراباً عَمَّا قبلهَا. وَأما (أم) : فَهِيَ وَإِن دَخلهَا معنى الإضراب عَمَّا قبلهَا فَمَعْنَى الِاسْتِفْهَام حَاصِل، وتخالف الْألف من جِهَة أَن الْألف مُبْتَدأ بهَا فِي الِاسْتِفْهَام كَقَوْلِك: أَزِيد عنْدك؟ فَأم لَا يبتدأ بهَا، لِأَنَّهَا قد أدخلت بعد الْألف عاطفة مَا بعْدهَا على مَا يَلِي الْألف، فَلَمَّا أَدخل (أم) فِي حُرُوف الْعَطف - وحروف الْعَطف لَا يبتدأ بهَا - لم يجز الِابْتِدَاء بهَا لما ذَكرْنَاهُ. وَاعْلَم أَن (أم) لما دَخلهَا معنى التَّسْوِيَة بَين الشَّيْئَيْنِ فِي الْجَهَالَة، نَحْو قَوْلك:

стр. 319

أَزِيد عنْدك أم عَمْرو؟ فَلَمَّا سَاغَ فِيهَا هَذَا الْمَعْنى، جَازَ أَن يستعان فِي كل مَوضِع أردنَا فِيهِ التَّسْوِيَة بَين الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِك: قد علمت أَزِيد عنْدك أم عَمْرو، فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام خبر وَلَفظه اسْتِفْهَام، وَإِنَّمَا دخل الِاسْتِفْهَام هَا هُنَا لما أردنَا من معنى التَّسْوِيَة بَين الاسمين فِي الْعلم، والفائدة فِي ذَلِك أَن الْمُتَكَلّم أَرَادَ أَن يعلم المسؤول أَنه قد علم مَا كَانَ يسْأَل عَنهُ، وَلم يخرج فِي اللَّفْظ معينا على الشَّخْص بِعَيْنِه، ليخرج المسؤول أَن يسْأَله عَن ذَلِك ولضرب من الْعِوَض، فَلذَلِك دخلت أم وَالْألف فِي هَذَا الْموضع، إِن شَاءَ الله.

стр. 320

٤٧ - بَاب مَا ينْصَرف وَمَا لَا ينْصَرف إِن قَالَ قَائِل: من أَيْن زعمتم أَن أصل الْأَسْمَاء الصّرْف؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْأَسْمَاء كلهَا نوع وَاحِد، وَإِنَّمَا منع الصّرْف بَعْضهَا بشبهها فِي الْفِعْل، وَالْفِعْل حَادث لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الِاسْم، فَإِذا اسْتَقر التَّنْوِين لبَعض الْأَسْمَاء، وَجب أَن يكون لجميعها، لاشتراكها فِي الاسمية، وَصَارَ مَا منع التَّنْوِين إِنَّمَا هُوَ من أجل شبهه بِالْفِعْلِ الْحَادِث. فَإِن قيل: فَمَا الَّذِي أحْوج إِلَى دُخُول التَّنْوِين؟ قيل لَهُ: لِأَن وَاضع اللُّغَة لما علم أَن بعض الْأَسْمَاء مشبهة بِالْفِعْلِ وَبَعضهَا لَا يشبه الْفِعْل، ألحق التَّنْوِين مَا لم يشبه الْفِعْل، ليَكُون لحاق التَّنْوِين فصلا بَين مَا ينْصَرف وَمَا لَا ينْصَرف، فَصَارَ للاسم أصلان، أَحدهمَا: أَن الْأَسْمَاء تسْتَحقّ التَّنْوِين لَو لم تشبه الْفِعْل، لِأَنَّهُ زِيَادَة لَا يحْتَاج إِلَيْهَا، فَلَمَّا قدر حُدُوث الْفِعْل ألحق التَّنْوِين لبَعض الْأَسْمَاء، فَصَارَ هَذَا الأَصْل الثَّانِي، وَهُوَ لحاق التَّنْوِين فِي الِاسْتِعْمَال، لِأَن الأَصْل الْمُسْتَحق لما قبل حُدُوث الْفِعْل. فَإِن قَالَ قَائِل: من أَيْن صَارَت الْعِلَل التسع توجب منع الصّرْف؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْفِعْل لما ثَبت أَنه فرع على الِاسْم، وَكَانَت هَذِه
следующие страницы →