Полный текст (432 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (مَا) لما زيدت على الْمَكْسُورَة، وَجب أَن تزاد هِيَ على (مَا) لتشاكلها لفظ الْمَكْسُورَة، وَفِي ذَلِك أَيْضا تَحْقِيق للنَّفْي، إِذْ كَانَ أصل النَّفْي ب (مَا) ، و (إِن) قد اسْتعْملت للنَّفْي، فَصَارَ إدخالها عَلَيْهَا مؤكداً لمعناها.
فَأَما (لما) : فَفِيهَا من الشَّرْط، كَقَوْلِك: لما جَاءَ زيد جِئْت، و (إِن) هِيَ أصل الْجَزَاء فَلم تزد (إِن) على (لما) ، لِئَلَّا يكون الأَصْل تَابعا للفرع، أَعنِي بالفرع: (لما) المشهبة لبَعض حُرُوف الْجَزَاء، لما فِيهَا من معنى الْجَزَاء، وخصوا (لما) بالمفتوحة، أَعنِي: (أَن) ، لِأَنَّهُ لما كَانَ فِيهَا معنى التوقع، أَعنِي: فِي (أَن) ، وَكَانَت غير مُحَققَة للشَّيْء، وَتدْخل بعد أَفعَال الرَّجَاء وَالْخَوْف، خصت بِالزِّيَادَةِ بعد (لما) لتوكيد مَعْنَاهَا، وَالله أعلم.
стр. 317
٤٦ - بَاب أَم وأو
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب أَن يكون الْجَواب فِي (أم) بِأحد الاسمين، وَيَقَع الْجَواب فِي (أَو) ب (لَا أَو نعم) ؟
قيل لَهُ: أَن تَرْتِيب (أم) أَن تقع سؤالا بعد سُؤال ب (أَو) وَذَلِكَ أَن (أَو) مَعْنَاهَا أحد الشَّيْئَيْنِ، وَلَا تنْتَقل عَن هَذَا الْمَعْنى، استفهاماً كَانَت أَو خَبرا، كَقَوْلِك: جَاءَنِي زيد أَو عَمْرو، فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام: جَاءَنِي أَحدهمَا، وَإِنَّمَا تخبر أَن أحد الشخصين جَاءَك، فَإِذا استفهمت عَن هَذَا فَقلت: أجاءك زيد أَو عَمْرو؟ فَإِنَّمَا تسْأَل عَن أَحدهمَا، لِأَن الْمَعْنى: أَحدهمَا جَاءَك، فَلَمَّا كَانَت فِي الِاسْتِفْهَام سؤالا عَن وَاحِد غير معِين، جرت مجْرى السُّؤَال عَن وَاحِد معِين، كَقَوْلِك: هَل زيد عنْدك؟ فَلَمَّا كَانَ الْجَواب ب (لَا) ، إِن لم يكن عِنْده زيد، أَو ب (نعم) إِن كَانَ عِنْده زيد، وَجب أَيْضا أَن يكون الْجَواب على هَذَا السَّبِيل، لحُصُول أحد الشَّيْئَيْنِ عِنْده بِغَيْر عينه، فَبينا لَهُ بعد ذَلِك ب (أم) ، لتعيين الشَّخْص، فَيَقُول: أَزِيد أم عَمْرو؟ فَلَمَّا كَانَت (أم) ترتيبها على مَا ذَكرْنَاهُ، لم يجز أَن يَقع الْجَواب ب (لَا) ، لِأَن المستفهم قد اسْتَقر عِنْده حُصُول شخص من الشخصين، وَلَا يبْقى هَذَا الِاعْتِقَاد الَّذِي أوجبه حكم اللَّفْظ أَلا يكون عِنْد المسؤول أَحدهمَا، فَلذَلِك لم يجز أَن يَقع الْجَواب فِي (أم) إِلَّا بِأحد الشخصين، فَإِن كَانَ المسؤول يعْتَقد أَن السَّائِل قد أَخطَأ فِي هَذَا الِاعْتِقَاد أَنه لَيْسَ عِنْده وَاحِد من الشخصين، أَجَابَهُ
стр. 318
بِأَن يَقُول: لَيْسَ عِنْدِي وَاحِد مِنْهُمَا، ليبين لَهُ فَسَاد اعْتِقَاده.
وَاعْلَم أَن (أم) - الَّتِي تكون مَعَ ألف الِاسْتِفْهَام - بِمَنْزِلَة (أَي) ، امتحانها أَن يحذف لفظ الْألف وَأم، وَيجمع مَا يَلِي الْألف وَأم إِلَى جَانب، وَيصِح الْكَلَام، فَمَتَى كَانَت أم مَعَ ألف الِاسْتِفْهَام على هَذَا السَّبِيل، فَهِيَ بِمَنْزِلَة (أَي) وَالْجَوَاب يَقع فِيهَا بِأحد الاسمين، كَقَوْلِك: أَزِيد عنْدك أم عَمْرو؟ أَلا ترى أَنه يَصح أَن تَقول: أَيهمَا عنْدك؟ فَلَو قلت: أَزِيد عنْدك أم عَمْرو؟ لَكَانَ هَذَا الْكَلَام سؤالين، وَلم تكن (أم) مَعَ الْألف بِمَنْزِلَة (أَي) ، أَلا ترى أَنَّك لَو جمعت الاسمين إِلَى جنب (أَي) ، لصار اللَّفْظ: أَيهمَا عنْدك عنْدك؟ فَيكون الظرفان من غير فَائِدَة، وتكريرهما على هَذَا السَّبِيل فَاسد، فَلَا يصير بِمَنْزِلَة (أَي) ، وَصَارَ السؤالان مفردين، وَكَذَلِكَ (٦٧ / أ) إِذا كَانَ قبل الِاسْتِفْهَام ألف، فَهُوَ سُؤال مُبْتَدأ، وَفِيهِمَا إضراب عَمَّا قبلهَا، خَبرا كَانَ أَو استفهاماً، فَلذَلِك شبهوها ب (بل) ، لِأَن فِيهَا إضراباً عَمَّا قبلهَا.
وَأما (أم) : فَهِيَ وَإِن دَخلهَا معنى الإضراب عَمَّا قبلهَا فَمَعْنَى الِاسْتِفْهَام حَاصِل، وتخالف الْألف من جِهَة أَن الْألف مُبْتَدأ بهَا فِي الِاسْتِفْهَام كَقَوْلِك: أَزِيد عنْدك؟ فَأم لَا يبتدأ بهَا، لِأَنَّهَا قد أدخلت بعد الْألف عاطفة مَا بعْدهَا على مَا يَلِي الْألف، فَلَمَّا أَدخل (أم) فِي حُرُوف الْعَطف - وحروف الْعَطف لَا يبتدأ بهَا - لم يجز الِابْتِدَاء بهَا لما ذَكرْنَاهُ.
وَاعْلَم أَن (أم) لما دَخلهَا معنى التَّسْوِيَة بَين الشَّيْئَيْنِ فِي الْجَهَالَة، نَحْو قَوْلك:
стр. 319
أَزِيد عنْدك أم عَمْرو؟ فَلَمَّا سَاغَ فِيهَا هَذَا الْمَعْنى، جَازَ أَن يستعان فِي كل مَوضِع أردنَا فِيهِ التَّسْوِيَة بَين الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِك: قد علمت أَزِيد عنْدك أم عَمْرو، فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام خبر وَلَفظه اسْتِفْهَام، وَإِنَّمَا دخل الِاسْتِفْهَام هَا هُنَا لما أردنَا من معنى التَّسْوِيَة بَين الاسمين فِي الْعلم، والفائدة فِي ذَلِك أَن الْمُتَكَلّم أَرَادَ أَن يعلم المسؤول أَنه قد علم مَا كَانَ يسْأَل عَنهُ، وَلم يخرج فِي اللَّفْظ معينا على الشَّخْص بِعَيْنِه، ليخرج المسؤول أَن يسْأَله عَن ذَلِك ولضرب من الْعِوَض، فَلذَلِك دخلت أم وَالْألف فِي هَذَا الْموضع، إِن شَاءَ الله.
стр. 320
٤٧ - بَاب مَا ينْصَرف وَمَا لَا ينْصَرف
إِن قَالَ قَائِل: من أَيْن زعمتم أَن أصل الْأَسْمَاء الصّرْف؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْأَسْمَاء كلهَا نوع وَاحِد، وَإِنَّمَا منع الصّرْف بَعْضهَا بشبهها فِي الْفِعْل، وَالْفِعْل حَادث لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الِاسْم، فَإِذا اسْتَقر التَّنْوِين لبَعض الْأَسْمَاء، وَجب أَن يكون لجميعها، لاشتراكها فِي الاسمية، وَصَارَ مَا منع التَّنْوِين إِنَّمَا هُوَ من أجل شبهه بِالْفِعْلِ الْحَادِث.
فَإِن قيل: فَمَا الَّذِي أحْوج إِلَى دُخُول التَّنْوِين؟
قيل لَهُ: لِأَن وَاضع اللُّغَة لما علم أَن بعض الْأَسْمَاء مشبهة بِالْفِعْلِ وَبَعضهَا لَا يشبه الْفِعْل، ألحق التَّنْوِين مَا لم يشبه الْفِعْل، ليَكُون لحاق التَّنْوِين فصلا بَين مَا ينْصَرف وَمَا لَا ينْصَرف، فَصَارَ للاسم أصلان، أَحدهمَا: أَن الْأَسْمَاء تسْتَحقّ التَّنْوِين لَو لم تشبه الْفِعْل، لِأَنَّهُ زِيَادَة لَا يحْتَاج إِلَيْهَا، فَلَمَّا قدر حُدُوث الْفِعْل ألحق التَّنْوِين لبَعض الْأَسْمَاء، فَصَارَ هَذَا الأَصْل الثَّانِي، وَهُوَ لحاق التَّنْوِين فِي الِاسْتِعْمَال، لِأَن الأَصْل الْمُسْتَحق لما قبل حُدُوث الْفِعْل.
فَإِن قَالَ قَائِل: من أَيْن صَارَت الْعِلَل التسع توجب منع الصّرْف؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْفِعْل لما ثَبت أَنه فرع على الِاسْم، وَكَانَت هَذِه
стр. 321
الْعِلَل فروعاً، أَن التَّعْرِيف دَاخل على التنكير، وَذَلِكَ أصل فِي الْأَسْمَاء وَتلك الْأَسْمَاء الْأَجْنَاس، وَهِي نكرات، حَتَّى يدْخل عَلَيْهَا مَا يعرف الْعين الْوَاحِد من الْجِنْس، فَثَبت أَن التَّعْرِيف فرع على التنكير، وَكَذَلِكَ التَّأْنِيث فرع على التَّذْكِير، لِأَن كل شَيْء يَقع عَلَيْهِ اسْم، وَالشَّيْء مُذَكّر، فَوَجَبَ بِهَذَا (٦٧ / ب) أَن يكون الأَصْل التَّذْكِير، وَمَعَ ذَلِك فَإِن لفظ التَّأْنِيث زَائِد على لفظ التَّذْكِير، كَقَوْلِك: قَائِم وقائمة، وَمَا كَانَ زَائِدا فَهُوَ مَرْفُوع عَن الأَصْل، لزيادته عَلَيْهِ، والعجمة فرع، لِأَنَّهَا دخيلة فِي كَلَام الْعَرَب.
وَالْجمع فرع على الْوَاحِد لِأَنَّهُ مركب مِنْهُ.
وَمِثَال الْفِعْل فرع، وَمَا أشبه الْفَرْع فَحكمه حكم الْفَرْع، إِذْ كَانَ أصل الْبناء الَّذِي يمْنَع الصّرْف هُوَ الْأَفْعَال دون الْأَسْمَاء، أَلا ترى أَن الْمِثَال الَّذِي يشْتَرك فِيهِ الْفِعْل حكمه حكم الْفَرْع، وَالِاسْم لَا يمْتَنع الصّرْف، كَرجل سميته ب (ضرب) ، لِأَن نَظِيره من الْأَسْمَاء جمل، فَصَارَ الْمثل الَّذِي يُوجب منع الصّرْف مُخْتَصًّا بِالْفِعْلِ، فَلذَلِك كَانَ فرعا فِي الأسم.
وَالصّفة فرع، لِأَنَّهَا تَابِعَة للموصوف، وَمن أَجله دخلت، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ هَذِه الْأَشْيَاء فروعاً، شابهت الْفِعْل لما ذَكرْنَاهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم يمْتَنع الِاسْم من الصّرْف بِوُجُود هَذِه الْفُرُوع فِيهِ؟
قيل لَهُ: لِأَن الشّبَه من وَجه وَاحِد لَيْسَ بِقَوي، وَذَلِكَ أَن شَيْئَيْنِ متشابهين يتشابهان من وَجه وَاحِد فَصَاعِدا، فَلَمَّا كَانَ الشّبَه من وَجه وَاحِد لَا تَأْثِير لَهُ، لم يثقل الِاسْم بِهَذَا الشّبَه، فيزول عَن أَصله، وَهُوَ الصّرْف، فَإِذا اجْتمع فِي الِاسْم فرعان مِمَّا ذكرنَا، أَو فروع مِمَّا تقوم مقَام فرعين ثقل الِاسْم، والتنوين زِيَادَة عَلَيْهِ، فمنعوه وشبهوه بِالْفِعْلِ، وَجعلُوا جَرّه كنصبه، إِذْ كَانَ الْجَرّ لَا يدْخل
стр. 322
الْأَفْعَال، فَلَمَّا أشبه هَذَا النَّوْع الْأَفْعَال منعُوهُ مَا لَا يدخلهَا، وَهُوَ الْجَرّ، وَجعلُوا لَفظه كَلَفْظِ الْمَنْصُوب، كَمَا جعلُوا النصب فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع كالجر لما بَينهمَا من المشابهة.
وَاعْلَم أَن (أفعل) إِذا كَانَ صفة مثل: أصفر وأحمر، وَسميت بِهِ لم ينْصَرف عِنْد سِيبَوَيْهٍ، وَالصرْف فِي النكرَة عِنْد الْأَخْفَش.
فحجة سِيبَوَيْهٍ: أَن (أفعل) قبل أَن سمي بِهِ اسْم، وَإِن كَانَ صفة وَقد كَانَ فِي حَال التنكير غير منصرف، فَإِذا سميت بِهِ فَحكم الصّفة لم يرْتَفع عَنهُ، وَتصير التَّسْمِيَة بِهِ كالعارية، فَإِذا نكر عَاد إِلَى مَوضِع قد كَانَ لَا ينْصَرف فِيهِ، وَالدَّلِيل على صِحَة ذَلِك إِجْمَاع النَّحْوِيين على قَوْلهم: مَرَرْت بنسوة أَربع، فيصرفون أَرْبعا، لِأَنَّهُ اسْم اسْتعْمل وَصفا، وَلَو راعوا فِيهِ حكم الْوَصْف، لم ينْصَرف فِي هَذِه الْحَال، لِأَنَّهُ على وزن الْفِعْل وَهُوَ صفة، فَلَمَّا تقوى حكم الِاسْم، بِأَن استعملوه صفة، وَكَذَلِكَ أَنه وَإِن اسْتعْمل اسْما فَحكم الصّفة بَاقٍ، فَلذَلِك انْصَرف.
وَأما الْأَخْفَش: فَذهب إِلَى أَن (أَحْمَر) إِنَّمَا امْتنع من الصّرْف فِي النكرَة، لِأَنَّهُ على وزن الْفِعْل وَهُوَ صفة، فَإِذا سمي بِهِ زَالَ عَنهُ حكم الصّفة، فَامْتنعَ من الصّرْف لِأَنَّهُ معرفَة، وَلِأَنَّهُ على وزن الْفِعْل، فَإِذا نكرته بقيت عِلّة وَاحِدَة، وَهِي وزن الْفِعْل، فَلذَلِك انْصَرف، وَقد بَينا فَسَاد هَذَا القَوْل.
وَأما إِن سميت رجلا: يشْكر أَو يزِيد، وَمَا أشبه ذَلِك فَإِنَّهُ ينْصَرف فِي النكرَة،
стр. 323
لِأَن (يزِيد ويشكر) وأشباههما قبل التَّسْمِيَة أَفعَال، فَلَو سميت بهَا، انْتَقَلت عَن أَصْلهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَصَارَت الْأَسْمَاء لَا يتَعَلَّق الْفِعْل بهَا، وامتنعت من الصّرْف بِوُجُود التَّعْرِيف وَمِثَال الْفِعْل، فَإِذا (٦٨ / أ) نكرتها انصرفت، لبَقَاء عِلّة وَاحِدَة فِيهَا.
وَأما أَحْمَر وَمَا كَانَ على وزن (أفعل) من فلَان، مِمَّا يسْتَعْمل فِي التَّفْضِيل، نَحْو قَوْلك: زيد أفضل من عَمْرو، وَأحسن من فلَان، فَإنَّك إِن سميت بهَا - أَعنِي بِوَاحِد من هَذِه الصِّفَات - فَحكمه كَحكم (أَحْمَر) ، وَالْخلاف كالخلاف فِي (أَحْمَر) ، أَعنِي إِن سميت بِهَذِهِ الصِّفَات مَعَ (من) فَإِن سميت بإحداها دون (من) انْصَرف فِي النكرَة فَلَا خلاف، وَإِنَّمَا انْصَرف فِي النكرَة، لِأَنَّهُ قد زَالَ عَن حكم الصّفة، لِأَنَّهُ اسْتعْمل صفة ب (من) ، فَلَمَّا سميته ب (أفعل) دون (من) كَانَ كَأَن لم تسمه بِالصّفةِ، وَكَانَ الَّذِي مَنعه من الصّرْف فِي حَال التَّسْمِيَة: التَّعْرِيف وَوزن الْفِعْل، فَإِذا نكرته زَالَت عَنهُ إِحْدَى العلتين، فَانْصَرف فِي النكرَة.
وَاعْلَم أَن مَا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف من أَسمَاء الْمُؤَنَّث أوسطه سَاكن فبعض الْعَرَب يصرفهُ، وَبَعض الْعَرَب لَا يصرفهُ، وَالْفرق بَينهمَا أَن العجمة فِي الِاسْم لَيست كَحكم الزَّائِد عَلَيْهِ، لِأَن لُغَة الْعَجم مُشْتَركَة بِسَائِر اللُّغَات، فَلهَذَا لم يثقل حكمهَا، وَانْصَرف الِاسْم، إِذْ كَانَ على ثَلَاثَة أحرف، متحركاً أوسطها أَو سَاكِنا. وَأما التَّأْنِيث فَحكمه زَائِد على حكم الْمُذكر، وَإِن لم يكن لفظ
стр. 324
التَّأْنِيث مَوْجُودا فِيهِ، إِلَّا أَنه مراعى من جِهَة الحكم، وَالدَّلِيل على ذَلِك: أَنَّك لَو صغرت هنداً، اسْم امْرَأَة، لَقلت: هنيدة، فَعلمت أَن عَلامَة التَّأْنِيث مُرَاعَاة فَصَارَ التَّأْنِيث أثقل لفظا وَمعنى، فَلذَلِك صَار حكم التَّأْنِيث أقوى من حكم العجمة.
وَأما إِذا سميت امْرَأَة ب (زيد) فكثير من النَّحْوِيين لَا يصرفون، ويفرقون بَينه وَبَين هِنْد، وَالْفرق بَينهمَا أَن (زيدا) من أَسمَاء الْمُذكر، وخفيف فِي الِاسْم، فتسميتك الْمُؤَنَّث بِهِ إِخْرَاج لَهُ من حكم الأخف، فَصَارَت عِلَّتَانِ، التَّعْرِيف والتأنيث، فَلذَلِك لم ينْصَرف فِي الْمعرفَة، وَلَيْسَ كَذَلِك حكم (هِنْد) ، لِأَنَّهُ من أَسمَاء الْمُؤَنَّث، لم يحصل فِيهِ حكم يُوجب ثقله، فَلذَلِك جَازَ أَن تجْعَل خفته مقوامة لأحد الثقيلين.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الْفرق بَين تَسْمِيَة الْمُذكر بمؤنث على ثَلَاثَة أحرف، وَبَين تَسْمِيَة بِمَا زَاد على الثَّلَاثَة؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن مَا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف ينْصَرف، متحرك الْأَوْسَط كَانَ أَو سَاكِنا، وَلَا ينْصَرف مَا زَاد على ثَلَاثَة أحرف، كَرجل سميته ب (قدم) ، فَإِنَّهُ ينْصَرف، وَلَو سميته ب (عقرب) لم ينْصَرف،
стр. 325
والفصل بَينهمَا أَن الْمُؤَنَّث إِذا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف فَسُمي مذكراً، فَإِنَّهُ ينْتَقل عَن حكم التَّأْنِيث بِالْكُلِّيَّةِ، وَيصير إِلَى الْمُذكر، وَالدَّلِيل على ذَلِك: أَنَّك لَو صغرته بعد التَّسْمِيَة لم تزد الْهَاء فِيهِ، وَلَو كَانَ حكم التَّأْنِيث فِيهِ بَاقِيا، لظهرت هَاء التَّأْنِيث فِي التصغير، فَهَذِهِ الدّلَالَة أعلمتنا أَنه قد انْتقل عَن حكم التَّأْنِيث، وَصَارَ مذكراً.
وَأما مَا زَاد على ثَلَاثَة أحرف، وَهُوَ مؤنث، فَإِن الْحَرْف الرَّابِع جعل مثل هَاء التَّأْنِيث، وَالدَّلِيل على ذَلِك: أَنَّك لَو صغرت عقربا قبل التَّسْمِيَة وَبعدهَا، لم يثبت فِيهَا هَاء، فَعلمنَا أَن الْحَرْف الرَّابِع قد أجري مجْرى حرف التَّأْنِيث، فَإِذا سميت بِهِ مذكراً، فَإنَّك سميته بِمَا فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث، فَلذَلِك لم ينْصَرف، وَفَارق حكم الثَّلَاثَة.
(٦٨ / ب) وَاعْلَم أَن مَا عدل من الْعدَد نَحْو: أحاد وثناء إِلَى معشر وعشار، فَفِي منع صرفه وُجُوه:
أَحدهَا: قد ذَكرْنَاهُ فِي الشَّرْح.
وَالثَّانِي: أَنه عدل عَن اللَّفْظ وَالْمعْنَى، فَقَامَ هَذَا الْعدْل مقَام علتين، وَالدَّلِيل على أَنه عدل عَن مَعْنَاهُ، أَنه لَا يسْتَعْمل فِي مَوضِع مَا يسْتَعْمل فِيهِ الْأَعْدَاد غير
стр. 326
المعدولة، أَلا ترى أَنَّك تَقول: جَاءَنِي اثْنَان وَثَلَاثَة، وَلَا يجوز أَن تَقول: جَاءَنِي مثنى وَثَلَاث، حَتَّى تقدم قبله جمعا، لِأَنَّهُ جعل بَيَانا لترتيب الْفِعْل.
فَإِذا قَالَ الْقَائِل: جَاءَنِي الْقَوْم مثنى، فقد أخبرنَا أَن تَرْتِيب مجيئهم قد وَقع اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَإِنَّمَا الْأَعْدَاد أَنْفسهَا فَإِنَّمَا الْأَغْرَاض فِيهَا الْأَخْبَار عَن مِقْدَار الْمَعْدُود دون غَيره، فقد بَان بِمَا ذكرنَا اخْتِلَافهمَا فِي الْمَعْنى، فَلذَلِك جَازَ أَن تقوم الْعلَّة مقَام علتين، لأيجاب حكمين مُخْتَلفين.
وَوجه ثَالِث: أَن الظَّاهِر فِي هَذِه الْأَعْدَاد المعدولة أَن تكون معدولة من الْمُؤَنَّث، فَإِذا كَانَ المعدول من الْمُؤَنَّث الَّذِي لَا هَاء فِيهِ، كَانَ أخف، فَصَارَ معنى التَّأْنِيث الَّذِي فِيهَا مَعَ الصّفة علتين، فَلذَلِك لم ينْصَرف.
فَأَما (آخر) : فَالَّذِي أوجب أَن يكون معدولاً عَن الْألف وَاللَّام، أَن الْوَاحِدَة مِنْهُ (أُخْرَى) ، مثل (الفعلى) ، وَبَاب (الفعلى والأفعل) تسْتَعْمل بِالْألف وَاللَّام أَو ب (من) ، كَقَوْلِك: زيد أفضل من عَمْرو، وَإِن شِئْت قلت: زيد الْأَفْضَل، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: زيد آخر من عَمْرو، كَمَا يُقَال: أقدم من عَمْرو، إِلَّا أَنهم حذفوا (من) ، وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن معنى (الآخر) بعد أول، فَلَمَّا صَار لَفظهَا مقتضياً لِمَعْنى (من) ، أسقطوا (من) اكتفاءاً بِدلَالَة اللَّفْظ عَلَيْهَا، وَالْألف وَاللَّام تعاقب (من) ، فَلَمَّا جَازَ اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر (من) جَازَ اسْتِعْمَالهَا أَيْضا بِغَيْر ألف وَلَام، فَصَارَ (الآخر وَالْأُخْرَى) معدولين عَن حكم نظائرهما، لِأَن الْألف وَاللَّام استعملا فيهمَا، ثمَّ حذفا، وَالدَّلِيل أَن الْعدْل إِنَّمَا كَانَ على طَرِيق الَّذِي ذَكرْنَاهُ دون الآخر وَالْأُخْرَى، أَنه لَو كَانَ الآخر وَالْأُخْرَى قد استعملا بِالْألف وَاللَّام، ثمَّ
стр. 327
عدلا عَن الِاسْتِعْمَال، لوَجَبَ أَن يبْقى حكم التَّعْرِيف بِالْألف وَاللَّام فيهمَا، كَمَا أَن (سحر) لما عدل عَن اسْتِعْمَال الْألف وَاللَّام بَقِي معرفَة فَدلَّ تنكير آخر وَأُخْرَى أَنَّهُمَا لم يعدلا عَمَّا استعملا فِيهِ، وَإِنَّمَا عدلا عَن نظائرهما.
فَإِن قَالَ قَائِل: فالخروج عَن الأَصْل يُوجب للاسم الْبناء، فَهَلا بنيتم أخر وَأُخْرَى لخروجها عَن نظائرهما؟
قيل لَهُ: إِن آخر وَأُخْرَى، وَإِن خرجا عَن حكم نظائرهما، فَلَيْسَ هُوَ خُرُوجًا مبايناً لما عَلَيْهِ الْأَسْمَاء، وَإِنَّمَا خُرُوج عَن تَعْرِيف إِلَى حكم تنكير، وَأكْثر الْأَسْمَاء يلْحقهَا التَّعْرِيف والتنكير، فَلم يكن لهَذِهِ الْمُخَالفَة قُوَّة توجب فِي آخر وَأُخْرَى.
وَأما مَا خرج من الْأَسْمَاء عَن نَظَائِره، وَصَارَ بِهَذَا الْخُرُوج مشبها للحروف، فَهَذَا الْمُسْتَحق للْبِنَاء، فَلذَلِك لم يسْتَحق آخر وَأُخْرَى الْبناء، لِأَنَّهُ قد نقص بِهَذَا الْعدْل دَرَجَة عَن حكم فِي أخواته، فَجعل هَذَا من أَقسَام الْعِلَل الْمَانِعَة للصرف، فَاجْتمع فِي أخر وَأُخْرَى فِي حَالَة التنكير الْعدْل على مَا ذَكرْنَاهُ وَالصّفة، فَلذَلِك لم ينصرفا.
فَإِن قَالَ قَائِل: (٦٩ / أ) فَكيف جَازَ أَن تَقول: جَاءَتْنِي امْرَأَة أُخْرَى، وَلم يجز أَن تَقول: جَاءَتْنِي امْرَأَة فضلى؟
قيل لَهُ: لما كَانَ أُخْرَى قد أجري مجْرى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام اللَّتَان تعاقبان (من) جَازَ أَن تَقول: جَاءَتْنِي الْمَرْأَة الفضلى، صَار (أُخْرَى) - وَإِن لم يكن فِيهِ
стр. 328
الْألف وَاللَّام - بِمَنْزِلَة مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام من أخواته، وَإِنَّمَا لم يجز أَن تَقول: جَاءَتْنِي امْرَأَة فضلى، لِأَنَّهُ يجب أَن تستعمله بِالْألف وَاللَّام، فَتَقول: جَاءَتْنِي الْمَرْأَة الفضلى. فَأَما إِذا استعملتها ب (من) لم يجز فِيهِ لفظ التَّأْنِيث وَكَانَ على لفظ التَّذْكِير فِي الْمُذكر والمؤنث، كَقَوْلِهِم: مَرَرْت بِرَجُل أفضل مِنْك، وبامرأة أفضل مِنْك، وَكَذَلِكَ حكمه فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع إِذا اسْتعْمل ب (من) ، وافترقا إِذا اسْتعْمل بِالْألف وَاللَّام، فثني وَجمع وأنث، قيل لَهُ: الْفَصْل بَينهمَا أَنَّك إِذا قلت: زيد أفضل من عَمْرو، فَإِنَّمَا تقصد إِلَى فضل زيد على عَمْرو، فَصَارَ الْفضل هَا هُنَا: بِمَعْنى الْمصدر، والمصدر قد بَينا أَنه لَا يثنى وَلَا يجمع وَلَا يؤنث، فَلذَلِك لزم طَريقَة وَاحِدَة.
وَأما مَا دَخلته الْألف وَاللَّام فَيصير وَصفا للذات، كَقَوْلِك: زيد الْأَفْضَل، فَلَمَّا صَار صفة للذات جرى مجْرى أصفر وأحمر، فَكَمَا أَن أصفر وأحمر يثنى وَيجمع، فَكَذَلِك الأفعل والفعلى.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم صَار مَا فِي آخِره ألف وَنون، نَحْو: عُثْمَان، وبابه يمْتَنع من الصّرْف؟
قيل لَهُ: لِأَن الْألف وَالنُّون فِي آخِره زائدتان، كالألف وَالنُّون فِي سَكرَان، وهاء التَّأْنِيث لَا تدخل على مَا كَانَ مثل عُثْمَان من الْأَسْمَاء، كَمَا لَا تدخل هَاء التَّأْنِيث على سَكرَان، فَجرى مجْرَاه، فَلذَلِك لم ينْصَرف فِي الْمعرفَة، وَانْصَرف فِي النكرَة، لِأَنَّهُ لم يبلغ بالشبه مبلغ سَكرَان، وَذَلِكَ أَن سَكرَان مشابه لباب (حَمْرَاء)
стр. 329
من أَكثر الْوُجُوه، وَعُثْمَان أشبه مَا أشبه الْمُؤَنَّث، فَلذَلِك صَارَت عِلّة الشّبَه فِي عُثْمَان أقل حكما مِنْهَا فِي سَكرَان.
فَأَما (عُرْيَان) فمنصرف وَإِن كَانَ صفة، وَفِيه ألف وَنون، لِأَن الْألف وَالنُّون فِي عُرْيَان ليسَا بمنزلتهما فِي (سَكرَان) ، وَذَلِكَ أَن هَاء التَّأْنِيث تدخل فِيهِ كَقَوْلِك امْرَأَة عُرْيَانَة، وَإِنَّمَا سَاغَ ذَلِك لِأَنَّهُ صفة، وَعُثْمَان وبابه أَسمَاء لَا تغير عَن موضعهَا، فَلَمَّا خَالَفت الْألف وَالنُّون فِي (عُرْيَان) الْألف وَالنُّون فِي (سَكرَان) لم تشبها ألفي التَّأْنِيث، فَلذَلِك انْصَرف.
وَاعْلَم أَن مَا جعل من الْأَسْمَاء اسْما وَاحِدًا نَحْو: حَضرمَوْت، ومعدي كرب، وقالي قلا، وبعل بك، وَمَا أشبه ذَلِك فِيهِ وَجْهَان:
إِن شِئْت جعلت الْإِعْرَاب فِي آخر الِاسْم الثَّانِي، فبينت الِاسْم الأول على الْفَتْح، إِلَّا أَن يكون فِي آخِره يَاء فتبنيه على السّكُون، نَحْو: معدي كرب.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تضيف وَتجْعَل الْإِعْرَاب فِي آخر الِاسْم الأول.
стр. 330
وَإِنَّمَا جَازَ الْوَجْهَانِ جَمِيعًا: لِأَن أحد الاسمين غير الآخر، فَجَاز أَن تشبهه بالمضاف والمضاف إِلَيْهِ، وَلِأَن الاسمين جَمِيعًا هما لشخص وَاحِد، فَيجوز أَن تقدر الِاسْم الأول فِي حَشْو الْكَلِمَة الثَّانِيَة، فَإِذا صَار الِاسْم الأول فِي تَقْدِير بعض اسْم، وَجب أَن يبْقى، إِذْ كَانَ بعض الِاسْم مُبينًا (٦٩ / ب) وَإِنَّمَا بني على الْفَتْح، لِأَن تركيب الاسمين اسْما وَاحِدًا مستثقل، فَوَجَبَ أَن يخْتَار لَهُ أخف الحركات لثقله، وَإِنَّمَا وَجب أَن يبْنى الِاسْم الأول على حركته، لِأَنَّهُ كَانَ آخر الْحُرُوف حرف إِعْرَاب، وحرف الْإِعْرَاب يسْتَحق الحركات لما أزيل الْإِعْرَاب، لما دخله من الْبناء، لم يخل من الْحَرَكَة ليدل بحركته أَنه مِمَّا اسْتحق الْإِعْرَاب، إِذْ كَانَ يَاء قبلهَا كسرة، لم يدخلهَا من الحركات إِلَّا الْفَتْح، فَلَمَّا كَانَ حكم هَذِه الْيَاء فِي حَال الْإِعْرَاب أنقص رُتْبَة من غَيرهَا، وَكَانَت الْحُرُوف الَّتِي تستثقل فِيهَا الحركات تبنى على الْفَتْح، وَجب أَن تنقص الْيَاء رُتْبَة من الْفَتْح فِي هَذِه الْحَال، وَلَيْسَ بعد الْفَتْح أنقص رُتْبَة من السّكُون، فَلذَلِك ثبتَتْ على السّكُون، وَبَعض الْعَرَب يسكنهَا أَيْضا فِي حَال الْإِضَافَة، لتدل بإسكانها أَنَّهَا مِمَّا يسْتَحق السّكُون فِي حَال الْبناء، ومساغ الْإِضَافَة فِي هَذِه الْأَسْمَاء غير وَاجِب، فَجَاز أَن تُعْطى الْبناء، لجَوَاز الْأَمريْنِ فِيهَا، وَاعْلَم أَن الِاسْم الثَّانِي إِذا كَانَ مِمَّا يعلم تنكيره انْصَرف فِي حَال الْإِضَافَة، نَحْو: بعلبك وحضرموت.
وَأما معدي كرب: فبعض الْعَرَب يصرف كرباً، وَبَعْضهمْ لَا يصرفهُ، فَمن صرف فَلِأَن لَفظه لفظ مُذَكّر، فَحَمله على أصل الْأَسْمَاء من الصّرْف، وَمِنْهُم من لَا يصرف لِأَنَّهُ اعْتقد فِي (كرب) أَنه مؤنث.
стр. 331
وَاعْلَم أَنَّك إِذا سميت رجلا بِفعل لَا نَظِير لَهُ فِي الْأَسْمَاء لم ينْصَرف، نَحْو: دحرج، وَضرب، إِذا لم تسم فَاعله، فَإِن سميته بِفعل على لفظ مَا سمي فَاعله، وَله نَظِير فِي الْأَسْمَاء انْصَرف، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَن أصل الْأَسْمَاء الصّرْف، وَإِنَّمَا تثقل الْأَسْمَاء إِذا كَانَت على وزن يخْتَص بِالْفِعْلِ، فتثقل لثقل الْفِعْل، فَإِذا كَانَ الْمثل مُشْتَركا للاسم وَالْفِعْل، كَانَ حمل الِاسْم على أَصله أولى من نَقله عَنهُ، إِذا لم يغلب عَلَيْهِ مَا يُوجب الثّقل، وَقد حُكيَ عَن عِيسَى بن عمر أَنه لَا يصرف رجلا سمي ب (ضرب) ، ويحتج بقول الشَّاعِر:
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا ... مَتى أَضَع الْعِمَامَة تعرفوني)
فَحكى أَن الشَّاعِر لم ينون، وَهُوَ على وزن (ضرب) ، فَدلَّ على أَن (ضرب) لَا ينْصَرف.
وَفِي هَذَا الْبَيْت وَجْهَان غير مَا ذهب إِلَيْهِ عِيسَى بن عمر:
أَحدهمَا: أَن يكون أَرَادَ الشَّاعِر الْحِكَايَة، لِأَنَّك إِذا سميت رجلا
стр. 332
ب (ضرب) جَازَ أَن تحكي حَال التَّثْنِيَة وَالْجمع، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك، لِأَنَّهُ قد كَانَ قبل التَّثْنِيَة لَهُ حَال مُسْتَقِرَّة فِي الِاسْتِعْمَال، فَصَارَت فِي التَّسْمِيَة كالمستعارة، فَلذَلِك جَازَ أَن يحْكى حَاله، فَكَانَ التَّقْدِير: أَنا ابْن الَّذِي يُقَال لَهُ جلا الْأُمُور وكشفها.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تقدر فِي (جلا) ضميراً، وَإِذا قدر فِيهِ ضمير، لم تجز فِيهِ إِلَّا الْحِكَايَة، لِأَنَّهُ جملَة، وَالتَّسْمِيَة بالجمل لَا تجوز فِيهَا إِلَّا الْحِكَايَة.
فَإِذا سميت رجلا ب (قيل أَو رد) صرفته، لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ فِي الأَصْل وَزنه (فعل) فالكسرة فِي وَسطه قد زَالَت، وَخرج إِلَى نَظِير الْأَسْمَاء، نَحْو: ديك وبر، وَالِاعْتِبَار فِي منع الصّرْف ثقل الْفِعْل، فَلَمَّا زَالَ اللَّفْظ الَّذِي يخْتَص بِاللَّفْظِ زَالَ حكم الْفِعْل، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك لَو سميت رجلا (مَسَاجِد) لم تصرفه، لثقل اللَّفْظ، فَلَو صغرته انْصَرف، لِأَنَّهُ يصير على لفظ (مسيجد) ، (٧٠ / أ) فيزول عَنهُ الثّقل الَّذِي أوجب منع الصّرْف، وَهُوَ الشّبَه بِالْجمعِ، وَلَيْسَ كَذَلِك ثقل التَّأْنِيث، لِأَنَّهُ لَا يعْتَبر فِي التَّأْنِيث ثقل لفظ الْمَعْنى، فَلذَلِك افترق حكم التَّأْنِيث وَحكم الشّبَه بِالْفِعْلِ، إِذْ كَانَ الْفِعْل لَيْسَ لَهُ إِلَّا حكم وَاحِد، وَهُوَ ثقل اللَّفْظ.
وَاعْلَم أَن تَقْدِير المعدول من بَاب (فعل) أَن يكون المعدول عَنهُ معرفَة نَحْو:
стр. 333
عمر، من عَامر، وَزفر، من زَافِر، عدل إِلَى هَذَا اللَّفْظ للتَّخْفِيف، فَبَقيَ حكم التَّعْرِيف الَّذِي كَانَ فِي أصل، فَلذَلِك لم ينْصَرف.
стр. 334
٤٨ - بَاب أَسمَاء الْأَرْضين
اعْلَم أَن الأَصْل فِي أَسمَاء الْبلدَانِ التَّأْنِيث، لغلبته عَلَيْهَا فِي كَلَامهم، وَإِنَّمَا يذكر بَعْضهَا، وَقد ذكرنَا مَا يذكر مِنْهَا، وَإِنَّمَا سَاغَ فِيهَا هَذَا، لِأَن تأنيثها لَيْسَ بحقيقي، وَإِنَّمَا تؤنث إِذا ذهب بهَا مَذْهَب الْبقْعَة والبلدة، فَلَمَّا كَانَت الْبلدَانِ كلهَا يسوغ فِيهَا هَذَانِ التقديران، جَازَ أَن يذكر وَيُؤَنث، وَاعْلَم أَن مَا غلب فِي كَلَامهم تذكيره يجوز تأنيثه، على مَا ذكرنَا، إِذا قدر مؤنثاً لم ينْصَرف، وَكَذَلِكَ مَا غلب عَلَيْهِ فِي كَلَامهم التَّأْنِيث جَازَ أَن يذكر، على أَن يُرَاد بذلك الِاسْم الْمَكَان والبلد فَيصْرف.
وَإِنَّمَا سَاغَ تذكير مَا ذكرنَا مِنْهَا، لِأَنَّهَا كَثِيرَة فِي كَلَامهم، إِذْ كَانَت أَمَاكِن قريبَة من الْعَرَب، نَحْو حراء وقباء، وَمَا أشبه ذَلِك.
فَأَما وَاسِط: فَإِنَّمَا غلب عَلَيْهِ التَّذْكِير لهَذَا الْمَعْنى.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم صَار الْغَالِب على الْبلدَانِ التَّأْنِيث؟
قيل لَهُ: قد لحقها نقص من جِهَة الْمَعْنى، وَذَلِكَ أَن الأَرْض بأسرها تسمى أَرضًا ومكاناً، وَلَيْسَ كَذَلِك حكم الْجمل، أَلا ترى أَن بعض الْأَسْمَاء
стр. 335
لَا تسمى باسم جملَة، فَلَمَّا نقصت الْأَمَاكِن عَن حكم الْأَسْمَاء، صَارَت مضارعة للتأنيث، إِذْ كَانَ التَّأْنِيث أنقص حكما من حكم التَّذْكِير.
وَوجه آخر: أَن الْبَلَد لما كَانَ اسْما لأماكن كَثِيرَة، فشابه الْجمع، إِذْ كَانَ مُشْتَمِلًا على أشخاص كَثِيرَة، فَمن حَيْثُ أنث الْجمع أنث أَسمَاء الْبلدَانِ.
وَوجه ثَالِث: أَن الْبَلَد خص ببيئة مَخْصُوصَة تخَالف بهَا غَيره من الْبلدَانِ، جرى مجْرى الدَّار، إِذْ كَانَت الدَّار والبلد إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِمَا للإقامة فيهمَا وَالسُّكْنَى، فَمن حَيْثُ كَانَ الْغَالِب على الدَّار التَّأْنِيث، وَجب أَيْضا أَن يغلب على الْبلدَانِ التَّأْنِيث، وَالله أعلم.
стр. 336
٤٩ - بَاب مَا كَانَ من أَسمَاء النِّسَاء معدولا
اعْلَم أَن مَا كَانَ على (فعال) ، تُرِيدُ بِهِ الْأَمر، فَإِنَّمَا اسْتحق الْبناء، لِأَنَّهُ قَامَ مقَام فعل الْأَمر، كَقَوْلِهِم: تراك زيدا، تُرِيدُ: اترك زيدا، وَكَذَلِكَ: مناع زيدا، أَي: امْنَعْ زيدا، فَلَمَّا قَامَ مقَام فعل، وَجب أَن يبْنى على السّكُون، فَالتقى فِي آخِره ساكنان، فَكسر الآخر، لالتقاء الساكنين على أصل مَا يجب فيهمَا إِذا التقيا.
وَاعْلَم أَن سِيبَوَيْهٍ يُجِيز الْقيَاس على مَا سمع من كَلَام الْعَرَب فِي هَذَا الْبَاب فيجيز: ضَارب زيدا، أَي: اضْرِب زيدا، وَإِنَّمَا جَازَ الْقيَاس على (دراك) وبابه لِكَثْرَة الْعدْل فِي بَاب الْأَفْعَال الثلاثية، فَلَمَّا كثر واطرد أجَاز الْقيَاس عَلَيْهِ.
وَأما مَا كَانَ معدولاً من الْفِعْل الرباعي، فَالْقِيَاس لَا يجوز عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لم يسمع إِلَّا فِي حرفين: أَحدهمَا: عرعار، وَهِي (٧٠ / ب) لعبة يَلْعَبُونَ بهَا، وقرقار، من السَّحَاب المقرقر بالرعد، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(قَالَت لَهُ ريح الصِّبَا قرقار ... فاختلط الْمَعْرُوف بالإنكار)
فَلَمَّا لم يكثر، لم يجز الْقيَاس عَلَيْهِ.
وَأما مَا ذَكرْنَاهُ عَن الصّفة الْغَالِبَة، وَمَا كَانَ فِي معنى الْمصدر، وَمَا كَانَ اسْما
стр. 337
غَالِبا فعلة بنائِهِ حمله على فعل الْأَمر، وَإِنَّمَا حملت لِأَنَّهَا مُشَاركَة لَهُ فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى، وَأما من جِهَة اللَّفْظ فلاشتراكهما فِي الْعدْل، وأنهما مؤنثان، فَلَمَّا شاركت هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة (فعال) الَّتِي لِلْأَمْرِ من جَمِيع وجوهها حملت عَلَيْهَا، وَالدَّلِيل أَن (فعال) الَّتِي لِلْأَمْرِ قَول الشَّاعِر:
(ولأنت أَشْجَع من أُسَامَة إِذْ ... دعيت: نزال ولج فِي الذعر)
فَقَالَ: دعيت، وَإِنَّمَا سَاغَ التَّأْنِيث هَا هُنَا، لأَنهم يُرِيدُونَ: النزلة، والمصادر قد تكون مُؤَنّثَة، فَلذَلِك سَاغَ التَّأْنِيث فِي (فعال) ، كَأَنَّهُ مصدر مؤنث أقيم مقَام الْفِعْل.
وَأما بَنو تَمِيم: فيخالفون فِيمَا كَانَ من (فعال) اسْما غَالِبا، فيجرونه مجْرى مَا لَا ينْصَرف، وَإِنَّمَا وافقوا أهل الْحجاز فِي الصّفة والمصدر، لِأَن الصّفة مضارعة للْفِعْل، والمصدر مُشْتَقّ مِنْهُ الْفِعْل، فَيعْمل عمله، فَصَارَ بِهَذَا أَيْضا مضارعاً للْفِعْل، فكأنهم لما بنوا (فعال) الَّتِي قَامَت مقَام فعل، بنوا أَيْضا (فعال) الَّتِي يُرَاد بهَا الصّفة والمصدر لمضارعتها الْفِعْل، وَأما (فعال) المعدولة عَن اسْم علم
стр. 338
فَلَيْسَ بمضارع للْفِعْل، وَقد كَانَ قيل: الْعدْل لَا ينْصَرف، لِأَنَّهُ معرفَة مؤنث، وَالْعدْل لَا يُخرجهُ عَن حكمه من منع الصّرْف، لِأَن كَثْرَة الْعِلَل الْمُوجبَة لمنع الصّرْف لَا تخرج الِاسْم عَن هَذَا الحكم، فَلذَلِك أجروه مجْرى مَا لَا ينْصَرف، وَقد احْتج أَبُو الْعَبَّاس لأهل الْحجاز بِأَن قَالَ: إِن هَذِه الْأَسْمَاء قبل الْعدْل كَانَت لَا تَنْصَرِف، وَالْعدْل يزيدها نقصا، وَلَيْسَ بعد النَّقْص لما لَا ينْصَرف إِلَّا الْبناء، فَلذَلِك بنيت، وَقد بَينا أَن هَذِه الْعلَّة لَيست بِشَيْء، وَالدَّلِيل على ذَلِك: أَن كَثْرَة الْعِلَل الْمُوجبَة لمنع الصّرْف لَا توجب للأسماء الْبناء، أَلا ترى أَنَّك لَو سميت رجلا ب (حُبْلَى) لم ينْصَرف، وَألف التَّأْنِيث وَحدهَا تمنع من الصّرْف فِي حَال التنكير، فانضمام عِلّة التَّعْرِيف إِلَيْهَا لم تخرج الِاسْم إِلَى الْبناء، فَكَذَلِك الْعدْل أَيْضا لَا يُوجب الْبناء، وَإِنَّمَا اسْتحقَّت الْبناء لما ذَكرْنَاهُ من الشّبَه ب (فعال) الَّتِي لِلْأَمْرِ.
وَاعْلَم أَن بني تَمِيم يوافقون أهل الْحجاز فِيمَا كَانَ آخِره رَاء، نَحْو قَوْلهم للكوكب: حضار، وسفار: لماء مَعْرُوف، وَإِنَّمَا اخْتَار بعض بني تَمِيم الْكسر، لِأَن الإمالة فَاشِية فِي لُغَة تَمِيم، ليوافقوا لغتهم، ويسهل اللَّفْظ عَلَيْهِم بِهِ، ويكونوا قد ذَهَبُوا فِي عِلّة الْبناء إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ أهل الْحجاز وَبَعض بني تَمِيم فِيمَا [كَانَ] آخِره رَاء، بِمَنْزِلَة مَا لَيْسَ فِي آخِره رَاء، وَيصير على قِيَاسه.
стр. 339
٥٠ - بَاب التصغير
اعْلَم أَنه وَجب ضم أول المصغر لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن أَصْغَر الحركات الضَّم، لِأَنَّهَا تخرج من بَين الشفتين وتنضم عَلَيْهِ الشفتان، وَلَيْسَ الْفَتْح كَذَلِك، وَلَا الْكسر، لِأَن الْفَتْح يخرج من الْحلق، وَمَا خرج من الْحلق لَا يُوجب انضمام الشفتين، وَالْكَسْر يخرج من وسط اللِّسَان، وَلَا يُوجب ذَلِك انضمام (٧١ / أ) الشفتين، فَجعلُوا الْحَرَكَة الصُّغْرَى أولى بالمصغر، ليشاكل مَعْنَاهُ. وفتحوا ثَانِيه، لِأَن الْفَتْح متسع الْمخْرج وَفِيه بَيَان الضَّم.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن المصغر قد صَار متضمناً للمكبر، فشابه فعل مَا لم يسم فَاعله، فَوَجَبَ ضم أول المصغر.
وَيُمكن أَن يُعلل بعلة أُخْرَى، وَهُوَ أَن يُقَال: إِن المصغر لما كَانَ لَهُ بِنَاء وَاحِد، جمع لَهُ جَمِيع الحركات الَّتِي تخْتَلف فِي الْأَبْنِيَة، للزومه طَريقَة وَاحِدَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم وَجب أَن يلْزم التصغير وَجها وَاحِدًا، وَلم تخْتَلف أبنيته اخْتِلَاف الْجمع؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْجمع يكون قَلِيلا وَكَثِيرًا، وَلَيْسَ لَهُ غَايَة يَنْتَهِي
стр. 340
إِلَيْهَا، وَقد خص بأسماء تدل على الْقلَّة وَالْكَثْرَة، كالآحاد والعشرات، والمئين والألوف، وَمَا زَاد على ذَلِك أَيْضا من تضاعيفها، والتصغير إِنَّمَا الْغَرَض فِيهِ الْإِخْبَار عَن تحقير، وَذَلِكَ أَن التصغير اسْم أقيم مقَام الْوَصْف، فاختص هَذَا الْوَصْف بالتحقير، وَجعل تغييرها زِيَادَة، بَدَلا من قَوْلهم: حقير، وَكَانَ هَذَا معنى وَاحِدًا، وَجب أَن يلْزم لفظا وَاحِدًا، فَلهَذَا خَالف حكم الْجمع.
فَإِن قَالَ قَائِل: التصغير ثقيل للشَّيْء، فَكيف صَار لَفظه بِزِيَادَة حرف عَلَيْهِ؟
قيل لَهُ: إِن الزِّيَادَة قد تكون نقصا، إِذا كَانَ الشَّيْء غير مُحْتَاج إِلَيْهِ، وَقد بَينا أَن الْحُرُوف المزيدة على الِاسْم تقوم مقَام الْوَصْف، فَصَارَت زِيَادَته على بِنَاء الِاسْم المكبر نقصا فِيهِ، إِذْ قَامَت مقَام مَا يُوجب نَقصه.
وَاعْلَم أَن مَا كَانَ على أَكثر من أَرْبَعَة أحرف لَا بُد من حذف حرف مِنْهُ، إِلَّا أَن يكون على خَمْسَة أحرف، ورابعه حرف لين، وَاو أَو يَاء أَو ألف، زَوَائِد، فَإِن كَانَ على ذَلِك لم يحذف مِنْهُ شَيْء، وَإِنَّمَا وَجب الْحَذف مِمَّا ذَكرْنَاهُ، لطول الِاسْم، وبحمله على الْجمع، وَذَلِكَ أَن الْجمع مستثقل، فَحذف من الْجمع، لِأَن التصغير مضارع للْجمع، لِأَنَّهُ فرع على الْوَاحِد، وَلذَلِك حذف الِاسْم إِذا طَال، وَإِنَّمَا لم يحذف مِنْهُ إِذا كَانَ على خَمْسَة أحرف، ورابعه مَا ذَكرْنَاهُ من الْحُرُوف، لِأَن كل مَحْذُوف مِنْهُ حرف أَو حرفان، يجوز أَن يعوض قبل آخِره مِنْهُ حرف لين، وَهِي يَاء سَاكِنة، وَهُوَ زِيَادَة فِي الْكَلِمَة، كَانَ مَا هُوَ ثَابت فِيهَا أولى بالثبات، وَإِنَّمَا جَازَ الْعِوَض بِمَا ذَكرْنَاهُ، لِأَن مَا بعد يَاء التصغير مكسور، فكأنهم
стр. 341
استغنوا بالكسرة، وإشباع الكسرة يُوجب يَاء، فَلَمَّا كَانَ ذَلِك سهلاً عَلَيْهِم، زادوا الْيَاء لما ذَكرْنَاهُ.
وَاعْلَم أَن الِاسْم إِذا كَانَ على خَمْسَة أحرف أصُول حذفت آخر حرف مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ بالحذف أولى، لِأَن التصغير إِلَيْهِ انْتهى، وَهُوَ الَّذِي أوجب طول الْكَلِمَة، وَمَعَ ذَلِك فَلِأَن آخر الْكَلِمَة يلْحقهَا تَغْيِير الْإِعْرَاب، فَلذَلِك وَجب أَن يكون أولى بالحذف مِمَّا كَانَ قبله فِي الْكَلِمَة، فَإِذا كَانَ على الْكَلِمَة الَّتِي على خَمْسَة أحرف حرف وَاحِد زَائِد، حذفته أَيْن كَانَ، كَقَوْلِك فِي تَصْغِير مدحرج: دحيرج، وَفِي جحنفل: جحيفل، وَإِن شِئْت عوضت من كل مَا تحذف مِنْهُ يَاء قبل آخِره، وَكَانَت إِلَيْهِ أولى بِالْعِوَضِ، لِأَنَّهَا أمكن حُرُوف الْمَدّ، إِذْ كَانَت تخرج من وسط اللِّسَان، وَالْوَاو من الشّفة، وَالْألف من أقْصَى الْحلق، والمتوسط أقوى من المتطرف، وَمَعَ ذَلِك فقد بَينا أَن مَا بعد يَاء التصغير (٧١ / ب) يجب أَن يكسر، وَالْيَاء من جنس الكسرة فتبعتها، وَإِنَّمَا كَانَ حذف الزَّائِد أولى، لِأَن الأَصْل هُوَ الَّذِي بنيت عَلَيْهِ الْكَلِمَة، وَالزَّائِد دخيل، فَلَمَّا وَجب حذف حرف من هَذِه الْجُمْلَة، كَانَ مَا كَانَ يزِيد على الشَّيْء أولى بالحذف من حذف مَا كَانَ من الأَصْل، لاعتماد الْكَلِمَة عَلَيْهِ.
وَإِن كَانَ الِاسْم الَّذِي على خَمْسَة أحرف فِيهِ زائدتان متساويتان - أَعنِي فِي اللحاق - فَأَنت مُخَيّر فِي حذف إِحْدَاهمَا، وَإِنَّمَا كنت بِالْخِيَارِ لتناوبهما، فَلَا بُد
стр. 342
من حذف إِحْدَاهمَا، فَلذَلِك لم يجب الْحَذف لإحداهما بِعَيْنِه دون الآخر.
وَأما مَا كَانَ زِيَادَته مختلفتين: كقلنسوة، وَذَلِكَ أَن النُّون وَالْوَاو فِيهَا زائدتان لغير الْإِلْحَاق، لِأَنَّهُ لَا نَظِير لَهُ فِي الْأُصُول، أَعنِي لوزن قلنسوة، فَلذَلِك لم تكن زيادتهما للإلحاق، فَإِذا صغرته فحذفت النُّون، قلت: قليسية، قلبت الْوَاو يَاء، لانكسار مَا قبلهَا، وَإِنَّمَا انقلبت الْوَاو، وَهِي متحركة، وَالْقلب إِنَّمَا يجب فِي الْوَاو إِذا سكنت وانكسر مَا قبلهَا، لِأَن هَاء التَّأْنِيث فِي التَّقْدِير مُنْفَصِلَة مِمَّا قبلهَا، فَجعلت الْوَاو طرفا مُفْردَة، لتقدير الِانْفِصَال، وَإِذا كَانَت طرفا مُفْردَة، كَانَت سَاكِنة فِي الْوَقْف، فَلذَلِك قلبت يَاء بِتَقْدِير السّكُون فِيهَا فِي الأَصْل، ويدلك على الِانْفِصَال حكم الْهَاء من الِاسْم، أَنَّك لَو صغرت قرعبلانة، لَقلت: قريعبة، فحذفت اللَّام وَالْألف وَالنُّون، وَردت هَاء التَّأْنِيث على المصغر، فَبَان بِمَا ذكرنَا أَن التصغير فِي التَّقْدِير يَقع فِي الِاسْم بِغَيْر هَاء، ثمَّ تلْحقهُ الْهَاء، فَلذَلِك انقلبت الْوَاو فِي قلنسوة، فَإِن عوضت من النُّون يَاء، جِئْت بهَا قبل الْيَاء المنقلبة من الْوَاو فأدغمتها فِيهَا، فَقلت: قليسية.
стр. 343
فَإِن قيل: وقلب الْوَاو يَاء أَنه لَا يجب قَلبهَا إِذا عوضت، لِأَن يَاء الْعِوَض سَاكِنة، وَالْوَاو بعْدهَا متحركة، فقد سبقتها الْيَاء بِالسُّكُونِ، وَمَتى اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء، وَالْأول مِنْهَا سَاكن قلبت الْوَاو يَاء، إِذا كَانَ الأول واواً، وأدغمت الأول فِي الثَّانِي، فَلَمَّا كَانَ قلب الْوَاو يَاء وَاجِبا فِي حَال الْعِوَض، وَكَانَ الْعِوَض فِي كَلَامهم أَكثر، ألزموا الْوَاو الْقلب، فَانْقَلَبت، إِذْ لم يعوضوا، لِئَلَّا يخْتَلف طرفاهما فِي حَال التصغير، وَإِن حذفت الْوَاو، قلت: قلينسة، وَإِذا كَانَت الزائدتان للإلحاق، نَحْو: حبنطى، لِأَنَّهُ مُلْحق بسفرجل، وَالدَّلِيل على زِيَادَة الْألف وَالنُّون أَنه مَأْخُوذ من: حَبط بَطْنه، إِذا انتفخ، فَإِذا صغرته قلت: حبيطي، فحذفت النُّون وقلبت الْألف، لانكسار مَا قبلهَا، وَإِن حذفت الْألف قلت: حبينط.
فَأَما مقعنسس: فالاختيار عِنْد سِيبَوَيْهٍ حذف أحد السينين مَعَ النُّون، فَيصير مقيعس. وَأما أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد: فيختار حذف الْمِيم وَالنُّون، فَيصير تصغيره: قعيسس.
وَإِنَّمَا اخْتَار أَبُو الْعَبَّاس بَقَاء السِّين للإلحاق، وَالْمِيم وَالنُّون زَوَائِد لغير الْإِلْحَاق، والملحق بِمَنْزِلَة الْأَصْلِيّ، فَلَمَّا كَانَ بَقَاء الْأَصْلِيّ أولى من الزَّوَائِد اخْتَار بَقَاء السِّين.
وَأما حجَّة سِيبَوَيْهٍ: فَإِن السِّين وَإِن كَانَت للإلحاق فَهِيَ زَائِدَة، وَالْمِيم وَإِن
стр. 344
كَانَت زَائِدَة لغير الْإِلْحَاق فلهَا معنى، وَهُوَ لُزُومهَا لأسماء الفاعلين والمفعولين، فَصَارَ الْمَعْنى مقاوماً للإلحاق، ثمَّ حصل للميم قُوَّة من وَجْهَيْن اثْنَيْنِ (٧٢ / أ) :
أَحدهمَا: أَنَّهَا فِي أول الْكَلِمَة، وَالسِّين فِي آخرهَا، والأواخر بالحذف أولى من الْأَوَائِل.
وَالثَّانِي: أَن التّكْرَار يثقل عَلَيْهِم، فَكَانَ حذف السِّين أولى، لِاجْتِمَاع التكرير فِيهَا، وَأَنَّهَا طرف.
وَأما منطلق: فالميم وَالنُّون فِيهِ زائدتان لغير الْإِلْحَاق، إِلَّا أَن الْمِيم تدخل لما ذَكرْنَاهُ، وَالنُّون قريبَة من الطّرف، فَكَانَ حذف النُّون أولى، فَتَقول فِي التصغير: مطيلق، وَإِن عوضت قلت: مطيليق.
وَاعْلَم أَن مَا كَانَ من أَسمَاء الْمُؤَنَّث على ثَلَاثَة أحرف، وَلَيْسَت فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث، فَإنَّك ترد إِلَيْهِ عَلامَة التَّأْنِيث فِي التصغير، كَقَوْلِك فِي هِنْد: هنيدة، وَفِي قدر: قديرة إِلَّا سِتَّة أحرف، فَإِن الْعَرَب تجيز حذف الْهَاء مِنْهَا، وَإِنَّمَا وَجب رد هَاء التَّأْنِيث فِي التصغير، لِأَن الِاسْم الْمُؤَنَّث حَقه أَن يكون لَفظه زَائِدا على لفظ الْمُذكر بعلامة ينْفَصل بهَا، والتصغير يرد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا، فكرهوا أَلا يردوا هَاء التَّأْنِيث فِي التصغير، فَيكون الِاسْم قد خلا من عَلامَة التَّأْنِيث فِي كل وَجه مَعَ خفَّة اللَّفْظ، فَوَجَبَ أَن يكون سُكُون التصغير راداً لهاء التَّأْنِيث.
وَأما إِذا كَانَ الِاسْم زَائِدا على ثَلَاثَة أحرف لم يلْحق عَلامَة التَّأْنِيث، كَقَوْلِك فِي تَصْغِير عقرب: عقيرب، وَإِنَّمَا لم يلحقوه عَلامَة التَّأْنِيث، لِأَنَّهُ زَاد
стр. 345
حرفا على الثلاثي، وَلَيْسَ يحْتَاج فِي بنائِهِ إِلَى أَكثر من ثَلَاثَة أحرف.
فَأَما مَا حصل من الْأَسْمَاء على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف، فَإِن المُرَاد بِهِ تَكْثِير الْأَبْنِيَة، لِأَن الْحَاجة تَدْعُو إِلَى هَذِه الْبناء، وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، صَار الْحَرْف الزَّائِد على الثلاثي عوضا من هَاء التَّأْنِيث.
فَأَما الْأَسْمَاء المؤنثة الثلاثية الَّتِي ذكرنَا أَن الْعَرَب تجيز حذف الْهَاء مِنْهَا فَهِيَ: حَرْب، وَدرع الْحَدِيد، وقوس، وَفرس، والناب (للمسنة) من الْإِبِل، وعرس، وَإِنَّمَا سَاغَ حذف الْهَاء من هَذِه الْأَسْمَاء، لِأَن حَربًا كَأَنَّهَا مصدر: حربته حَربًا، والمصدر مُذَكّر، وتسميته بِالْمَصْدَرِ لم يخرج الْمصدر عَن مَعْنَاهُ، فَلذَلِك جَازَ أَن يبْقى حكم الْمصدر فِيهِ، وَإِن كَانَ اسْما مؤنثاً، وَمن أَدخل الْهَاء، فَإِن الْحَرْب مُؤَنّثَة فِي الْمَعْنى، فَصَارَت كامرأة سميتها بزيد، فَيجب أَن تَقول: زييدة، فِي تصغيرها.
وَأما درع الْحَدِيد: فَلِأَنَّهَا تجْرِي مجْرى الدرْع الَّذِي هُوَ الْقَمِيص، وَهُوَ مُذَكّر، فَلَمَّا حصلت هَذِه الدرْع فِي معنى الْمُذكر، أَجَازُوا أَلا تلحقها عَلامَة التَّأْنِيث.
وَأما الْفرس: فَإِنَّهُ يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، والمذكر سَابق التَّأْنِيث، فَيبقى
стр. 346
حكم تصغيره على لفظ الْمُذكر، وَإِن عَنى بِهِ الْمُؤَنَّث على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْحَرْب.
وَأما الْقوس: فَيجوز أَن يكون ذهب بِهِ إِلَى مَذْهَب الْعود، وَهِي مَعَ ذَلِك على لفظ الْمصدر.
وَأما الناب فِي الْإِبِل: فَجَاز حذف الْهَاء مِنْهَا فِي التصغير، لِأَنَّهُ مُذَكّر فِي الأَصْل، وَإِنَّمَا سميت المسنة من الْإِبِل ناباً لسُقُوط نابها عِنْد كبرها، فَصَارَ حكم الناب الَّذِي هُوَ السن بَاقِيا، فَلذَلِك جَازَ أَن يصغر على أَصله.
وَأما الْعرس: فَجَاز تذكيره، لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى: التَّعْرِيس، وَهُوَ اجْتِمَاع الْقَوْم إِذا نزلُوا من سفر، لِيُصْلِحُوا أُمُورهم، فَصَارَ الْعرس بِمَنْزِلَتِهِ، فَلذَلِك جَازَ أَن تحذف مِنْهُ عَلامَة التَّأْنِيث.
стр. 347
فصل
وَأما مَا كَانَ من الْأَسْمَاء ثَانِيه ألفا، فَإِن كل مصغر لَا بُد من تَحْرِيك ثَانِيه بِالْفَتْح، فَإِذا وَجب تَحْرِيك الثَّانِي، وَجب هُنَا تَحْرِيك الْألف، فَلَا بُد من قَلبهَا (٧٢ / ب) إِلَى حرف سواهَا، لِأَن الْألف لَا تكون إِلَّا سَاكِنة، فَإِذا وَجب قَلبهَا، فأصلها أولى من حرف قريب مِنْهَا.
فَأَما المجهولة نَحْو: ألف ضَارب، وَمَا أشبه ذَلِك، فَإِنَّمَا وَجب قَلبهَا واواً، لِأَن أول المصغر مضموم، فَجعل قَلبهَا إِلَى أقرب الحركات مِنْهَا، والضمة من الْوَاو، فَوَجَبَ أَن تنْقَلب واواً.
وَأما إِذا كَانَت الْألف وَالْوَاو ثالثتين، فَإِنَّمَا وَجب قَلبهَا يَاء فِي التصغير، لِأَن من شَرط يَاء التصغير أَن ينكسر مَا بعْدهَا، وَإِذا كَانَت الْألف وَالْوَاو ثالثتين، فياء التصغير تقع بعدهمَا، فتلحق الكسرة للألف وَالْوَاو، فَلَمَّا وَجب قبل الْألف يَاء، كَانَ قَلبهَا إِلَى الْيَاء أولى لخفتها، ومجانسة حركتها.
وَأما إِذا كَانَ الثَّالِث واواً، فَلَا بُد من كسرهَا، فتلتقي الْوَاو وَالْيَاء، وَقد سبقت الْوَاو الْيَاء بِالسُّكُونِ، وَمَا الْتَقت الْوَاو وَالْيَاء الأول مِنْهُمَا سَاكن فَلَا بُد من قلب الْوَاو يَاء، وإدغام الأول فِي الثَّانِي، وَإِنَّمَا وَجب قلب الْوَاو إِلَى الْيَاء، لِأَن الْيَاء أقوى من الْوَاو، وَلِأَنَّهَا من وسط اللِّسَان، وَالْوَاو من الشّفة، وَالْوسط أقوى من الطّرف، فَلَمَّا كَانَت أقوى مِنْهَا وأخف، وَجب أَن تكون الْغَلَبَة لَهَا، فَلذَلِك وَجب أَن تَقول فِي عَجُوز: عجيز. فَإِن كَانَت الْوَاو أَصْلِيَّة أَو مُلْحقَة، جَازَ فِيهَا وَجْهَان. الْقلب، وَالْإِقْرَار لَهَا على صورتهَا، فالأصلية نَحْو: أسود، تَقول فِي تصغيره: أسيد، لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَيجوز أَن تَقول: أسيود، وَإِنَّمَا وَجب هَذَا الْوَجْه، لِأَنَّهَا
стр. 348
تظهر فِي الْجمع، إِذا قلت: أساود، والتصغير وَالْجمع من وَاد وَاحِد، لما ذَكرْنَاهُ من تشابههما، فَلَمَّا وَجب إِظْهَار الْوَاو فِي الْجمع، وَكَانَت ألف الْجمع بِمَنْزِلَة يَاء التصغير، أَجَازُوا أَيْضا إِظْهَار الْوَاو بعد يَاء التصغير، حملا على الْجمع. وَأما وَاو عَجُوز فتنقلب فِي الْجمع، كَقَوْلِك: عَجَائِز، فَلذَلِك لم يجز إظهارها فِي التصغير. وَأما الملحقة فنحو: الْوَاو من الْجَدْوَل، لِأَنَّهُ مُلْحق بِجَعْفَر، فالأجود أَن تَقول: جديل، على الأَصْل، وَيجوز الْإِظْهَار، كَمَا جَازَ فِي الأَصْل.
وَأما إِذا كَانَت الْوَاو لَام الْفِعْل فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْقلب، كَقَوْلِك فِي قشوة: قشية، وَلَا يجوز: قشيوة، وَإِنَّمَا لم يجز ذَلِك، لِأَن الْقلب، قد بَينا أَنه الْمُخْتَار فِي الْوَاو، إِذْ كَانَت عينا، وَهُوَ أقوى مِنْهَا، إِذا كَانَت لاماً، فَإِذا كَانَ الْقلب مُخْتَارًا فِي الْأَقْوَى لزم الأضعف.
وَاعْلَم أَن مَا كَانَت فِيهِ هَاء التَّأْنِيث، فَإنَّك إِذا صغرته رَددتهَا فِيهِ بعد طرحك زَائِدَة أَو زائدتين أَو زَوَائِد، إِن كَانَت فِيهِ، أَو حذفت بعض الْكَلِمَة، لتصيرها بهَا إِلَى بِنَاء التصغير، كَقَوْلِك، فِي قرعبلانة: قريعبة، وَإِنَّمَا وَجب رد هَاء التَّأْنِيث، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة اسْم ضم إِلَى اسْم، فَلَيْسَ يجب أَن يعْتد بهَا، فَلذَلِك وَجب أَن تلْحق فِي الِاسْم بعد التصغير.
стр. 349
وَأما ألف التَّأْنِيث فَلَا يجوز فِيهَا ذَلِك، لِأَنَّهَا تجْرِي مجْرى الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه يعْتد بهَا فِي الْجمع، كَقَوْلِك: فِي جمع حُبْلَى: حبالى، فَلَمَّا اعْتد بهَا فِي الْجمع حذفت إِذا طَال الِاسْم فِي التصغير، وهاء التَّأْنِيث لَا تزاد فِي الْجمع، لِأَنَّك إِذا جمعت الِاسْم جمع تكسير نقضت بناءه، واستأنفت لَهُ بِنَاء آخر، وَمَا كَانَ ( ... .) إِلَى الْوَاحِد من غير حُرُوفه، فَلَا يجب أَن يتبع الْجمع؛ إِذْ حكم الْوَاحِد الْمَتْبُوع قد بَطل، فَأَما ألف التَّأْنِيث (٧٣ / أ) فَلَمَّا كَانَت مِمَّا يبْنى عَلَيْهِ الِاسْم، وَجَرت مجْرى حُرُوفه الْأَصْلِيَّة، وَجب أَن يعْتد بهَا فِي الْجمع، فَإِذا ثَبت أَن ألف التَّأْنِيث كالأصل، وَكُنَّا نحذف الأَصْل فِي التصغير، إِذا زَادَت حُرُوفه على أَرْبَعَة أحرف، وَجب أَن تحذف ألف التَّأْنِيث، إِذا كَانَت خماسية، فَإِذا كَانَ مَعهَا حرف زَائِد، كنت بِالْخِيَارِ، إِن شِئْت حذفتها، وَبقيت الزَّائِد، وَإِن شِئْت حذفت الزَّائِد وبقيتها، كَقَوْلِك فِي تَصْغِير حبارى - إِن حذفت ألف التَّأْنِيث -: حبير، وَذَلِكَ أَن الْألف الأولى تنْقَلب يَاء، وتدغم فِيهَا يَاء التصغير، لما ذكرنَا قبل، وَإِن كَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: حبيرة، فَيجْعَل هَاء التَّأْنِيث عوضا من ألف التَّأْنِيث، لِأَن الِاسْم قد كَانَ مؤنثاً بِالْألف، فَلَمَّا حذفتها وَكَانَ يجوز أَن تعوض مِنْهَا يَاء قبل آخر الِاسْم، جعل الْعِوَض هَاء التَّأْنِيث، ليَكُون فِيهَا دلَالَة على التَّأْنِيث، وَكَانَ غَيره لَا يخْتَار ذَلِك، لِأَن ألف التَّأْنِيث لما ثَبت أَنَّهَا كالأصل، وَجب أَن تحذف
стр. 350
وَلَا تحْتَاج إِلَى عَلامَة ثَانِيَة، إِذْ كَانَ لَيْسَ كل اسْم مؤنث بعلامة، فَلذَلِك لم يجز الْعِوَض.
فَإِن كَانَت ألف التَّأْنِيث رَابِعَة تركتهَا على حَالهَا، وَلم تكسر مَا قبلهَا، كَرَاهَة أَن تَزُول عَلامَة التَّأْنِيث، وشبهت الْألف بهاء التَّأْنِيث، فَكَمَا يجب أَن يكون مَا قبل هَاء التَّأْنِيث فِي التصغير مَفْتُوحًا، وَلَا تُؤثر فِيهَا يَاء التصغير، فَكَذَلِك يجب أَن يكون مَا قبل هَذِه الْألف، لتحمل على الْهَاء، لاشْتِرَاكهمَا فِي التَّأْنِيث، وَإِنَّمَا وَجب أَن يكون مَا قبل هَاء التَّأْنِيث فِي التصغير مَفْتُوحًا، لِأَن عِلّة فتح مَا قبلهَا فِي التَّكْبِير مَوْجُود فِي التصغير، وَهِي بِمَنْزِلَة اسْم ضم إِلَى اسْم، فَكَمَا وَجب أَن يكون آخر الِاسْم الأول مَفْتُوحًا، وَجب أَن يكون مَا قبل هَاء التَّأْنِيث مَفْتُوحًا فِي كل مَوضِع.
فَإِن قَالَ قَائِل: فألف التَّأْنِيث تبطل فِي الْجمع، إِذا قلت: حبالى، وَذَلِكَ أَن ألف الْجمع توجب كسر مَا بعْدهَا، فَإِذا انْكَسَرَ مَا بعد ألف الْجمع، انقلبت ألف التَّأْنِيث يَاء، ثمَّ قلبت ألفا استثقالاً لياء قبلهَا كسرة فِي الْجمع؟
قيل لَهُ: إِن الَّذِي ذكرت من حكم ألف التَّأْنِيث على مَا ذكرت فِي الْجمع، وَبَين الْجمع والتصغير فرق فِي حكم ألف التَّأْنِيث، وَذَلِكَ أَن المصغر والتصغير لَا يَزُول حكمه وَمَعْنَاهُ، فَلذَلِك جَازَ أَن تراعى علامته وَلَا تحذف، وَأما الْجمع فَيجب إِسْقَاط حكم الْوَاحِد، ومجيء معنى آخر، فَإِذا سقط حكم الْوَاحِد، لم يجب أَن تراعى علامته، فَلذَلِك وَجب أَن تقلب ألف التَّأْنِيث فِي الْجمع يَاء، وَلم يجب ذَلِك فِي التصغير لما ذكرنَا.
فَأَما إِن كَانَت الْألف فِي آخر الِاسْم لغير التَّأْنِيث قلبتها يَاء، وأجريت حكم مَا
стр. 351
بعْدهَا يَاء، بِالتَّصْغِيرِ على أَصله، بِإِيجَاب الْكسر، لِأَن الْألف إِذا لم تكن عَلامَة فَلَيْسَ يجب أَن يُرَاعى لَفظهَا بهَا، فَلذَلِك وَجب قَلبهَا، نَحْو ألف (معزى) ، وَمَا أشبه ذَلِك.
فَإِن صغرت اسْما فِيهِ ألف وَنون، وَلم يكن فِيهِ مَا تنْقَلب أَلفه فِي جمع التكسير، أقررنا الْألف وَالنُّون على حَالهمَا، كَقَوْلِك فِي سَكرَان: سكيران، وَفِي عُثْمَان: عثيمان، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَن الْألف وَالنُّون زائدتان، قد ضارعتا ألفي التَّأْنِيث اللَّتَيْنِ تثبتا فِي التصغير.
وَأما مَا انقلبت فِي الْجمع يَاء، فنحو ألف سرحان (٧٣ / ب) وسراحين، وسلطان وسلاطين، فَإِنَّهُ تقلب فِي التصغير يَاء، لِأَن الْعَرَب لما قلبت الْألف فِي الْجمع، دلّ قلبهم لَهَا على أَنَّهَا لَيست مشبهة بِأَلف التَّأْنِيث، وَقد بَينا لَك ذَلِك، فالتصغير وَالْجمع يجريان مجْرى وَاحِدًا، فَلذَلِك يجب أَن تَقول فِي تَصْغِير سرحان وسلطان: سريحين وسليطين، وَتَقَلُّبهَا فِي التصغير كَمَا قلبتها فِي الْجمع، وَوجه ذَلِك أَن يكون سرحان مُلْحق بسرداح، وسلطان مُلْحق بفسطاط، فَلَمَّا صَارَت الْألف للإلحاق، وَجَرت مجْرى الْأَصْلِيّ انقلبت، فَهَذِهِ الْعلَّة فِي انقلابها فِي الْجمع والتصغير، وَالله أعلم.
وَأما مَا كَانَ آخِره مشدداً، نَحْو: أَصمّ ومدق، فَإِنَّمَا جَاءَ وُقُوع الْحَرْف
стр. 352
المدغم بعد يَاء التصغير، لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا سَاكِنة، فَإِذا انْفَتح مَا قبلهَا، فقد جرت فِي بَابهَا مجْرى ألف الْجمع، كَمَا أَن السَّاكِن المدغم يَقع بعد ألف الْجمع، فَكَذَلِك يجوز أَن يَقع بعد يَاء التصغير، وَإِنَّمَا سَاغَ ذَلِك، لِأَن المدغم ترفع بِهِ لسَانك رفْعَة وَاحِدَة، فَكَانَ السَّاكِن كالمختلط بالمتحرك، وَصَارَ المدغم وَمَا قبله كالحركة، فَلذَلِك جَازَ الْجمع بَينهمَا، وَإِن كَانَ لَا يجوز الْجمع بَين ساكنين فِي غير هَذَا لِخُرُوجِهِ عَن حكم علته، إِن شَاءَ الله، وَقد أَتَيْنَا على شرح الْبَاب، فاعرفه.
стр. 353
٥١ - بَاب الْعدَد
اعْلَم أَن الْقيَاس كَانَ فِي الْوَاحِد والاثنين من الْأَعْدَاد أَن يضافا، فَيُقَال: عِنْدِي وَاحِد رجال، وَاثنا رجال، كَمَا يُقَال: ثَلَاثَة رجال، إِلَّا أَنهم أسقطوا الْإِضَافَة من الْوَاحِد والاثنين، لِأَن الْوَاحِد يُنبئ عَن نَوعه وعدده، وَكَذَلِكَ الِاثْنَان، كَقَوْلِك: جَاءَنِي رجل، ورجلان، فَلَمَّا كَانَ لفظ رجل وَرجلَيْنِ يُنبئ عَن الْعدَد وَالنَّوْع، استغني بِلَفْظ وَاحِد عَن لفظين، وَقد جَاءَ فِي الشّعْر:
(كَأَن خصييه من التدلدل ... ظرف عَجُوز فِيهِ ثنتا حنظل)
وَكَانَ حَقه أَن يَقُول فِيهِ: حنظلتان، فاضطر إِلَى مَا ذكرنَا، وشبهت الِاثْنَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، لِأَنَّهُمَا جمع فِي الْمَعْنى، وَلم يجز ذكر الْعدَد مُفردا، كَقَوْلِك: ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة، لِأَنَّهُ لَا يعلم من أَي نوع هُوَ، أَعنِي الْعدَد، فَوَجَبَ أَن يذكر الْعدَد مُضَافا إِلَى النَّوْع، لتقع الْفَائِدَة للمخاطب، إِذْ الْغَرَض ذكرهمَا جَمِيعًا.
وَاعْلَم أَنه من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة يجب أَن يُضَاف إِلَى الْجمع الْقَلِيل، إِلَّا أَن يكون الِاسْم لَا يجمع جمع الْقلَّة، كَقَوْلِك: عِنْدِي ثَلَاثَة أكلب، وَلَا يجوز أَن تَقول: ثَلَاثَة كلاب، لِأَن الْكلاب جمع كَثْرَة، وأكلب للقلة، وَلَو قلت: ثَلَاثَة
стр. 354
شسوع، جَازَ ذَلِك، لِأَن الشسوع لَيْسَ لَهُ جمع إِلَّا هَذَا، فَصَارَت الْإِضَافَة إِلَيْهِ ضَرُورَة، ونوي بِهِ الْقلَّة، وَإِنَّمَا وَجب إِضَافَته إِلَى مَا ذكرنَا، لِأَن الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة من الْقلَّة، فأضيف إِلَى مَا جانسها فِي الْقلَّة.
وَوجه آخر: أَنه لما كَانَ يجوز فِي بعض الْمَوَاضِع حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَإِقَامَة الْمُضَاف مقَامه، اخْتَارُوا إِضَافَة هَذِه الْأَعْدَاد إِلَى الْجمع الْأَقَل، ليَكُون مَتى حذفت الْأَعْدَاد قَامَ الْمُضَاف إِلَيْهَا مقَامه، فَأدى عَن مَعْنَاهَا، وَلَو أضيف إِلَى الْجمع الْكثير لم تكن إِقَامَتهَا مقَامهَا تدل على (٧٤ / أ) الْأَعْدَاد، لاختلافهما فِي الْمَعْنى.
وَاعْلَم أَن جمع السَّلامَة حَقه أَن يدْخل فِي بَاب الْجمع الْقَلِيل، وَإِن كَانَ يجوز أَن ينوى بِهِ الْكثير، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك أَن يقاربها فِي الحكم، ومقاربتها لَهَا أَن ينوى بهَا الْقلَّة، كَقَوْلِك: عِنْدِي ثَلَاثَة زيدين، وَثَلَاثَة طلحات، إِذا عنينا بهَا رجَالًا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم يخص كل وَاحِد من هَذِه الْأَعْدَاد باسم، وَلم يَجْعَل اسْما وَاحِدًا يجمعها؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا فعل ذَلِك، ليدل بِهِ على مِقْدَار الشَّيْء، واللواتي باسم وَاحِد يشْتَمل على الْمَقَادِير كلهَا، وَلَو فعل ذَلِك فِي جَمِيع الْأَنْوَاع، لم يكن فِي ذَلِك دَلِيل على مِقْدَار مَحْصُور، فَفعل ذَلِك، أَعنِي أَن الْعدَد بأسماء مُخْتَلفَة، فَقَالُوا: وَاحِد،
стр. 355
وَاثْنَانِ، وَثَلَاث، وَأَرْبَعَة، ليدلوا بِكُل لَفْظَة على قدر مَحْصُور.
وَاعْلَم أَن الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة تدْخلهَا الْهَاء، إِذا أضيفت إِلَى جمع وَاحِد مُذَكّر فِي الْمَعْنى، كَقَوْلِك فِي الْمُذكر: ثَلَاثَة رجال، وَفِي الْمُؤَنَّث: ثَلَاث بطات. وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لوجوه:
أَحدهمَا: أَن الْجمع مؤنث فِي الْمَعْنى، من الْوَاحِد إِلَى الْعشْرَة، والتأنيث (على) ضَرْبَيْنِ:
أَحدهمَا: تَأْنِيث بعلامة، نَحْو: مسلمة وصالحة.
وَالثَّانِي: بِغَيْر عَلامَة، نَحْو: عنَاق، وعقرب.
فَجعل الْعدَد الْوَاقِع على الْمُذكر مؤنثاً بعلامة، نَحْو: ثَلَاثَة وَعشرَة، وَجعل لفظ الْعدَد الْوَاقِع على الْمُؤَنَّث مؤنثاً بِغَيْر عَلامَة، نَحْو: ثَلَاث وَعشر.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم خص الْمُذكر بِإِثْبَات الْعَلامَة، والمؤنث بإسقاطها؟ قيل لَهُ: أَرَادوا بذلك الْفَصْل بَينهمَا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الَّذِي أحْوج إِلَى الْفَصْل بَينهمَا؟
قيل: لِأَن الْجمع قد يشْتَرك لفظ الْمُؤَنَّث فِيهِ والمذكر، أَلا ترى أَن (طَلْحَة) يجوز أَن يكون اسْما لامْرَأَة، وَيجوز أَن يكون اسْما لرجل، وهما مَعَ ذَلِك مشتركان فِي لفظ الْجمع، نَحْو قَوْلك فِي طَلْحَة: طلحات، لمذكر أَو مؤنث، فَلَو لم تفصل فِي لفظ الْأَعْدَاد بَين الْمُذكر والمؤنث، فَقلت: عِنْدِي ثَلَاث طلحات، لم يعلم الْمُخَاطب أعندك رجال أَو نسَاء، فَلَمَّا كَانَ ترك الْفَصْل يُوقع لبساً بَين الْمُذكر والمؤنث، وَجب
следующие страницы →