الإبداع في مضار الابتداع
صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير
الشيخ علي محفوظ
عضو هيئة كبار العلماء
طبق ما قرره المجلس الأعلى من مناهج التعليم لقسم الوعظ والخطابة بالأزهر الشريف
وتمتاز بأبحاث مفيدة وزيادات ذات شأن
دار الاعتصام
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه الذى خلق العباد لما شاء، ويسرهم لما خلقوا له على وفق علمه وإرادته، وصرفهم بمقتضى حكمته، فمنهم شقى وسعيد، وهداهم النجدين فمنهم قريب وبعيد، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبى الرحمة، ومرشد الأمة وكاشف الغمة، الذى نسخت شريعته كل شريعة، وشملت دعوته كل أمة، فلم يبق لأحد حجة دون حجته، ولا استقام لعاقل طريق سوى واضح محجته، جمعت سنته تحت حكمتها كل معنى حكيم فلا يسمع بعد بيانها خلاف مخالف ولا قول مختلف. من سلك سبيلها فهو على نور من ربه، وبصيرة من أمره، معدود في الفرقة الناجية، والمائل عنها واقع في ظلمته، مرتبك في حيرته، مردود إلى الفرق المقصرة أو الغالية، وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بشمسه المنيرة، واقتفوا آثاره اللائحة، وأنواره الواضحة، ومن أحيا سنته واهتدى بهديه.
أما بعد: فهذا مختصر نفيس، ومهذب لطيف في أصول البدع وفروعها وعادات العامة وأوهامها، طبق ما قرره مجلس الأزهر الأعلى من مناهج التعليم في مجموعة الوعظ والخطابة بالجامع الأزهر الشريف، اقتصرت فيه على ما لابد منه لمن يتصدى لمحاربة البدع المذمومة، والعوائد القبيحة، وسلكت فيه سبيل الاعتدال فكان وسطًا بين الإفراط والتفريط، ورتبته على مقدمة وبابين وخاتمة، وسميته (الإبداع في مضار الابتداع)، واللَّه تعالى أسأل أن يجعله عملًا خالصًا، ويجعل ظل الانتفاع به ممدودًا، والأجر على العناء فيه كاملًا، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلى العظيم.
على محفوظ
стр. 3
مقدمة الطبعة الخامسة
قبل أن يلقى المغفور له صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ على محفوظ ربه أوصانا في حديث خاص لا يزال بما حوى من توجيهات، المصباح الوهاج الذى يضئ لنا الطريق، أوصانا أن نعمل على أن تظل الكتب التى ألفها ينتفع بها المسلمون. وها نحن اليوم نقدم الطبعة الخامسة من كتابه (الإبداع في مضار الابتداع) منقحة ومزيدة بيده الكريمة من نسخته الخاصة، فهى بهذا خلاصة ما قدم الفقيد الكريم الذى أفنى عمره في سبيل الدين ونشره بين جميع الطبقات حسبة لوجه اللَّه الكريم.
فإلى تلاميذه الكرام، وعارفى علمه وفضله، وإلى حاملى لواء الإسلام، وإلى المشتغلين بالوعظ والإرشاد، الذين يحاربون البدع والخرافات، وإلى المصلحين الاجتماعيين والحطباء والدعاة الناصحين.
وإلى العالم الإسلامى قاطبة، وأخيرًا إلى روح الفقيد الطاهرة نقدم هذا السفر النفيس.
ولعلنا بهذا نكون قد أدينا بعض الأمانة التى في أعناقنا.
رجب سنة (١٣٧٥ هـ - مارس سنة ١٩٥٦ م).
أنجال المؤلف
стр. 4
ترجمة المؤلف
في محلة روح مركز طنطا غربية، كانت تقيم أسرة "محفوظ" وهى أسرة طيبة يتصل نسبها بالحسن بن على ﵃. في تلك القرية ولد المغفور له الأستاذ الشيخ على محفوظ وفيها نشأ، وحفظ القرآن الكريم واستوعب حفظ بعض المتون.
وفى عام (١٣٠٦ هـ) التحق بالجامع الأحمدى بطنطا واشتغل بتجويد القرآن الكريم على بعض الفقهاء، ثم بدأ يتلقى العلم على كبار شيوخه، فكان من أساتذته الشيخ عبد الرحمن الدماطى والشيخ محمد الشبينى الكبير والشيخ على المنوفى والشيخ قطب بكر، وكان في أثناء طلبه العلم مثلًا حسنًا للطالب المجد، واستمر بالجامع الأحمدى نحوًا من عشر سنوات ظهر فيها نبوغه وتفوقه على أقرانه.
ثم رأى شيخه الأكبر الشيخ الدماطى أن ذلك النبوغ يجب أن يستفيد منه الأزهر الشريف، فحبب إليه طلب العلم فيه فتوجه في عام (١٣١٧ هـ) إلى مصر ونزل بالأزهر المعمور، ثم مالت نفسه إلى مذهب أبى حنيفة بعد أن كان شافعى المذهب فتتلمذ على صفوة علمائه من أمثال الشيخ محمد الحلبى والشيخ بكر الصدفى، والشيخ أحمد أبو خطوة والشيخ محمد بخيت والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده. وفى عام (١٣٢٤ هـ - ١٩٠٧ م) حصل على شهادة العالمية، ثم اشتغل بالتدريس.
ولما أدخل النظام في الأزهر عام (١٩١١ م) سار فيه حتى بلغ القسم العالى.
وفى عام ١٩١٨ أنشئ قسم الوعظ والإرشاد في الأزهر فكان أول من تعهده بالتأسيس والتوجيه، وفى هذا القسم وجد ضالته، فجاهد فيه بكل قواه، ووقف عليه فكره ووقته، وسرعان ما أنجب على يديه رجالًا دعاة خير ورسل إصلاح، أُشْربوا حب الفضيلة ونمت فيهم نازعة الخير.
وفى عام (١٣٥٦ هـ) أوفد على رأس أول بعثة أزهرية إلى الأقطار الحجازية لأداء فريضة الحج.
стр. 5
وفى مايو عام (١٩٣٩ م) قدرت جماعة كبار العلماء مزاياه وعلمه وفضله، فقررت ضمه إلى عضويتها.
وفى فبراير (١٩٤١ م) منح كسوة التشريفة العلمية من الدرجة الأولى.
ثم لقى مولاه في يوم الأربعاء الثالث من ذى القعدة (١٣٦١ هـ) الموافق (١١) نوفمبر (١٩٤٢ م).
نَشَاطُهُ:
نظر الفقيد بفكره الثاقب إلى العلم والعلماء، فوجده أشبه بصناعة خاصة بين طائفة خاصة في مكان خاص لا يعدو العالم والمتعلم، قد دأب الأزهر على ذلك جيلًا بعد جيل، وسواد الأمة عن هذا النور محجوب باحتجاب العلماء عنهما، اللهم إلَّا بصيص من النور يظهر في بعض البلاد التى ينبت فيها العلم بوجود عالم من العلماء أو طالب من الطلاب في ليالى شهر رمضان من كل عام .. فأخذ على نفسه المواثيق أن يجدد عهد السلف الصالح، وأن يقوم بنشر الدعوة الصحيحة بين طبقات الشعب المصرى الكريم.
وضعُ أساس فنّ الوَعْظ والخطَابة:
ولقد أحب فن الوعظ والإرشاد حبًّا لا يعدله حب، وأخلص له إخلاصًا، ما بعده إخلاص، وامتزج هذا الحب وهذا الإخلاص بإيمان قوى لا حد له، ثم سكن هذا المزيج المبارك في قلب كريم في نفس طيبة راضية مطمئنة.
وبهذا القلب عقد اللواء وتأهب للغزو، فأخذ يبث فكرته بين طبقات الأزهر من علماء وطلاب، فكان من ثمرات هذا الجهاد إنشاء قسم الوعظ والإرشاد في كلية أصول الدين.
الوَعظُ في المساجد والمجامع العَامة:
ثم انتقل إلى الناحية العملية، فكان يغشى المساجد كل أُسبوع والمجامع العامة، ناشرًا لفضيلة، داعيًا إلى التمسك بحبل الله المتين، فظهر نجمه وسطع نوره، ورمقته العيون وأسكنته القلوب في سويدائها لما عرف فيه
стр. 6
من علم، وما أوتيه من قوة البيان ودقة الأسلوب وسلاسة التعبير. وقد أنتجت قريحته الفذة في هذا الفن كتاب "سبيل الحكمة في الوعظ والخطبة" ثم أعقبه بكتاب "هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة" وهو يعتير أول كتاب حديث من نوعه.
وكان أهم ما يلاحظ عليه ذوقه الرفيع في الوعظ، ومراعاته لشعور الحاضرين وعواطفهم، يستميلهم بالفكاهة النادرة برقة تملك المشاعر، ويلقى إليهم بالحجج والحكم في دعة تفتح لها الطريق إلى القلوب قبل الأسماع.
الوَعظ في القُرَى:
رأى - طيب الله ثراه - أن كثيرًا من القرى الريفية قد حُرم من العلم فكان يذهب إليها مرشدًا داعيًا إلى الله بإذنه. مضحيًا في ذلك بماله وراحته ووقته، فكان يقضى العطلة الصيفية متنقلًا بالوعظ والإرشاد في شتى البلاد. وقد كان يسجل خطبه في سجل خاص حتى بلغ مجموعها نحو (٨٠٠) خطبة.
مُحَاربةُ البدَع والخرافات:
رأى ﵀ أن كثيرًا من البدع والخرافات قد استحكم في نفوس الشعب حتى أبعدهم عن طريق الدين المستقيم، فأخذ يكافح ويجاهد ويذكر القوم بمحاسن الدين وقبائح البدع، ولم يثنه عن سبيله ما أقامه دعاة هذه البدع من عراقيل وعقبات .. وظل ثابتًا على عزمه حتى اقتلع الأوهام من القلوب وعاد بالناس إلى حظيرة الدين، وقد ألف في هذا كتابه العظيم "الإبداع في مضار الابتداع".
الجمعيات الإسلاميَّة العَامة:
أيقن أن الجَمعيات الإسلامية خير معين على نشر الفضائل بين الأمة فساهم في تأسيس "جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية". وكان من أعضائها العاملين البارزين.
стр. 7
وساهم في تأسيس "جمعية الهداية الإسلامية". وقد انتخب وكيلًا لها في أول جلسة عقدت لتأسيسها في عام (١٣٤٦ هـ).
وكذلك ساهم في تأسيس "جمعية تحفيظ القرآن بالعباسية" وكان من أعضائها المخلصين.
وقبل الحرب العالمية الأولى كانت "جمعية الرد على المبشرين" بالخرنفش تناهض المبشرين فكان ﵀ خطيبها وحامل لوائها.
وفازت جمعية "نشر الفضائل والآداب الإسلامية" بالكثير من نشاطه ولمَّا تكونت "جماعة أنصار الحج" ساهم فيها بجهاده بكل قواه.
الجمعياتُ الخاصة:
لم يكتف الفقيد بكل هذه الأعمال الجليلة، بل نظر في صفوف الأُمة، فوجد طائفة من عظمائها المخلصين قد عكفوا على ما لديهم من الأعمال، فتلطف في الدخول إليهم، واستعمل ذكاءه وفطنته في استمالتهم وهمس في آذانهم بأحكام الدين الحنيف، فوصلت دعوته إلى قلوبهم، وجد التربة صالحة للغرس، والجو ملائمًا للإنبات، فكون جمعية قوامها العظماء وعنصرها "الطبقة الراقية" مثل: الدكتور سالم هنداوى باشا، وسليمان عزمى باشا، والمرحوم الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا وغيرهم من طبقتهم، واشتغل معهم بتفسير القرآن الكريم في ليلة معينة من كل أسبوع، واتخذ بذلك عيادة الدكتور سالم باشا بعابدين حتى أتمه، في بضع سنين، ثم انتقل إلى السنة الشريفة فقرأ معهم كتاب "البخارى" بأكمله. وقد كان من آثار هذا الغرس أن طلع المرحوم الدكتور عبد العزيز باشا إسماعيل على العالم الإسلامى بكتابه العظيم "الإسلام والطب الحديث".
كذلك كون ﵀ جمعية أخرى قوامها الدكتور عبد السلام العيادى ونخبة من خيرة "المتعلمين ما بين مهندس وتاجر وموظف" وجعل مقرها عيادة الدكتور العيادى بالدرب الأحمر، وقد ابتدأ في تفسير القرآن الكريم حتى أوشك على إتمامه ولكن المنية عاجلته قبل ذلك بقليل.
وأنشأ جمعية ثالثة قوامها جماعة من "أرباب المعاشات" فغرس فيهم
стр. 8
الروح
الدينى الحق، وكان مقرها منزل السيد أحمد فهمى المهندس في المغربلين ثم بالعباسية.
وامتد نشاطه إلى "الطبيبات والممرضات" داخل المستشفيات فتعدهن في مستشفى فؤاد الأول بالموعظة الحسنة والنصائح الغالية مما كان له أثر محسوس في قيامهن بواجبهن الإنسانى على خير الوجوه.
إلقَاءُ دروس دينية في الإذاعة اللَّاسلكية:
وفى عام (١٩٣٦ م) نبتت فكرة إلقاء الدروس الدينية على أمواج الأثير، فكان أول من وقع عليه الاختيار لهذا العمل الجليل، فكان يلقى درسًا في كل شهر تقريبًا حتى لقى ربه.
دروس شَهْر رمضَان في الأَزهر الشريف:
وكان من عادته ﵀ أن يلقى درسًا في الجامع الأزهر بعد صلاة العصر من كل يوم من أيام رمضان المبارك، وقد ظل محافظًا على هذه العادة الجليلة، وكان فيها مخلصًا متفانيًا، ولا أدل على ذلك من حرصه عليها وهو في مرض الموت.
التأْليف:
أَلَّف الفقيد الكتب الآتية:
١ - "الأخلاق": وكان يدرس في المعهد الابتدائي.
٢ - "هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة": وهو مقرر للدراسة في كلية أصول الدين: (قسم إجازة الوعظ والإرشاد).
٣ - "الإبداع في مضار الابتداع": وهو مقرر في كلية أصول الدين.
٤ - "الخطابة": (لم يطبع) طبع مختصر له في (١٠٠) صفحة.
خاتمة:
وهكذا كان الفقيد الكريم شعلة من نور وعلم، تفرقت أشعتها في كل ناحية من نواحى الأمة، فكانت السراج الذى يهتدى به المهتدون.
стр. 9
كان ﵀ يرى أن العلم ثروة وزكاتها الوعظ والإرشاد ليكون علمًا مباركًا طيبًا يزيده الله من فضله.
ولقد كان واعظًا بسمته وهيئته ووقاره ووقفته ومشيته قبل أن يكون واعظًا بقوله ومنطقه، فكان في ذلك مصداقًا لقول رسول الله ﷺ : "خياركم من تذكركم باللَّه رؤيته، ويزيد في عملكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله" رواه الترمذى عن ابن عمر ﵄.
رحم الله الفقيد الجليل، وأحله مقامه بين الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
* * *
стр. 10
مقدمة الكتاب
في أَخبار الصَّادِق الْمَصْدُوق بغُربة الدِّين والحث على التَّمَسُّك بالكتاب والسُّنَّة
روى مسلم عن أبى هريرة ﵁، والنسائى عن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء". روايات الحديث: بدأ بالفعل المبنى للفاعل وضبطه الإمام النووى بالهمز بناء على الرواية وهو من البدء بمعنى الابتداء، وكان غريبًا لسبق الكفر عليه وإنكار الكفرة له، وسيعود غريبًا: أي لغلبة الجهالة وكثرة الضلالة فكان في الزمان الأول كالغريب لا يعرفه أحد، ومتى تركه أهله وانصرفوا عنه عادت له الغربة. أو أن أهل الدين في الأول كانوا غرباء ينكرهم الناس ويقاطعونهم، وكان حالهم مع أقاربهم أسوأ من حالهم مع الأجانب وسيكونون كذلك في آخر الزمان، فطوبى - أي الجنة - لأولئك الذين كانوا في أول الإسلام ويكونون في آخره بما صبروا على أذى الكفار والفجار وتمسكهم بدين الإسلام، ورواه الطبرانى وأبو نصر في "الإبانة" عن عبد الرحمن بن سنة بلفظ: "إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء" قيل: يا رسول اللَّه وما الغرباء؟ قال: "الذين يصلحون عند فساد الناس" (١)، وفى رواية أنه سُئل عن الغرباء؟ فقال: "الذين يحيون ما أمات الناس من سنتى" (٢). وجملة المقصود منه قد علم بالمشاهدة في أول الإسلام وآخره.
وبيان ذلك مفصلًا أن الله تعالى بعث النبي صلوات الله وسلامه عليه على حين فترة من الرسل وفى جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسمًا، ولا تقيم
стр. 11
له في مقام الحقوق وزنًا، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها وما استحسنته أسلافها من الآراء المنحرفة والمذاهب المبتدعة. فحين قام فيهم صلوات الله وسلامه عليه
بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، عارضوا معروفه بالنكر، وغيروا وجه صوابه بالإفك، ونسبوا إليه - إذ خالفهم في الشرعه: ونابذهم في النحلة - كل محال، ورموه ﵌ بأنواع الزور والبهتان، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق الذى لم يجربوا عليه كذبًا قط، وتارة يتهمونه بالسحر وهم يعلمون أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه، وآونة يقولون: إنه مجنون، وهم لا يشكون في كمال عقله وسلامته من مس الشيطان وخبله.
وإذا دعاهم إلى توحيد الصانع الحكيم القادر العليم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١) مع الإقرار بمقتضى هذه الدعوة الصادقة عند الشدة: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢)، وقالوا: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣).
وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة أنكروا ما يشاهدون من الأدله على إمكانه: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٤).
وإذا خوفهم مقت الله وسخطه قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥) اعتراضًا منهم على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة.
وإذا جاءهم بآية خارقة افترقوا في الضلالة على فرق، واختلفوا فيها لمجرد العناد وقالوا فيها ما لا يقبله أولو التمييز بين الحق والباطل، واجتهدوا في الانتصار لباطلهم يشئ معقول فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء. وقد أخبر الله تعالى إبراهيم ﵇ في محاجة قومه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٦) فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع إلى ما ذكروا من التقليد الأعمى، فكدلك كان هؤلاء مع النبي عليه صلوات الله وسلامه عليه فأنكروا عليه ما توقعوا
معه انقضاء دولتهم وزوال ما بأيديهم؛ لأنَّه خرج عن معتادهم وأتى بِخلاف ما كانوا عليه من الكفر والضلال، حاولوا إن يستنزلوه بطريق السياسة في زعمهم ليظفروا منه بالموافقة
стр. 12
ولو في بعض الأوقات أو في بعض الأحوال ويقنعوا منه بذلك ليبقى لهم بتلك الموافقة واهى بنائهم، فأبى صلوات الله وسلامه عليه إلَّا الثبات على واضح الحق والتمسك بخالص الصواب وأنزل الله تعالى عليه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (١) السورة.
فلما يئسوا منه نصبوا له حرب العدارة، ورموه بسهام القطيعة، حتى صار أهل السلم كلهم حربًا عليه، وعاد الولى الحميم له عدوًّا لدودًا. فأقربهم إليه نسبًا كان أبعد الناس عن مولاته كأبى لهب وأضرابه. وألصقهم به رحمًا كانوا أقسى قلوبًا عليه. فأى غربة توازى هذه الغربة، ومع ذلك فلم يكله الله تعالى إلى نفسه ولا مكنهم من اغتياله، بل حفظه الله وعصمه وتولاه بالرعاية والوقاية حتى بلَّغ دعوة ربه مصداق قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) أن يقتلوك.
ثم ما زالت الشريعة الغراء في أثناء نزولها تباعد بين أهلها وبين غيرهم وتضع الحدود بين حقها وباطلهم، لكن على وجه من الحكمة عجيب، وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأصيل.
ففى العرب نسبتهما إلى أبيهم إبراهيم ﵇، وفى غيرهم لأنبيائهم المبعوثين فيهم، كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٣) وقوله : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤).
وما زال صلوات الله وسلامه عليه يدعو إلى الشريعة فيأتى إليه الواحد بعد الواحد على طريق الاختفاء خوفًا من اعتداء الكفار أيام ظهورهم على دعوة الإسلام، فلمَّا علموا المخالفة أنفوا وقاموا وقعدوا. فمن أهل الإسلام من لجأ إلى قبيلة
فحموه على إغماض أو خشية العار في الإخفار والجوار، ومنهم من هاجر فرارًا بدينه من الفتنة باشتداد الأذى وتوقع القتل من أجله، ومنهم من لم يكن له وزر يحميه ولا ملجأ يركن إليه فلقى منهم من الشدة والغلظة أنواع التعذيب والقتل ما لا تحتمله الجبال الراسيات حتى زل منهم من زل وبقى منهم من بقى صابرًا محتسبًا إلى أن
стр. 13
أنزل الله تعالى الرخصة في التلفظ بكلمة الكفر على وجه الموافقة ظاهرًا فلجأ إليها من لجأ على حكم الضرورة والوقاية لنفسه، ريثما يتنفس من كربه ويتروح من خناقه، وقلبه مطمئن بالإيمان وهذه أيضًا غربة. وإنما فعل هؤلاء البعداء الأعداء ما فعلوا جهلًا منهم بمواقع الحكمة وإن ما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه هو الحق ضد ما هم عليه: "فمن جهل شيئًا عاداه" ولو تعقلوا الأمر وعلموه لحصل الوفاق ولم يقع الخلاف.
ثم استمر تزايد الإسلام واستقام طريقه مدة حياة النبي ﵌، ومن بعد موته وأكثر قرن الصحابة ﵃ أجمعين - إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة، وأصغوا إلى البدع المضلة كبدعة القدر وبدعة الخوارج، وهو الأمر الذى تنبأ به رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بقوله: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم" (١) ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق ﵌ في قوله: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة" (٢) وقوله فيما رواه أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم"، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " (٣) أخرجه البخارى. والحديث الأول خاص بأهل الأهواء، والثانى عام في المخالفات بدليل قوله: "حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم" وكل صاحب بدعة من شأنه أن يدعو غيره إليها ويحض سائليه؛ بل سواه عليها؛ إذ طلب التأسى في الأعمال والمذاهب أمر جِبِلِّىٌّ في بنى الإنسان.
ومن هنا ينشأ الخلاف وتقع العداوة والبغضاء بين المتمسكين والخارجين، وكان الإسلام في إبان نشأته وعنفوان شبابه مقاومًا، بل ظاهرًا وأهله غالبين - وسوادهم أعظم الأسودة، فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين. ولم يكن لسواهم - ممن لم يسلك سبيلهم أو سلكه
стр. 14
ولكنه ابتدع فيه - صولة تخشى، ولا قوة يضعف أمامها حزب الله المفلحون، فسار الإسلام على استقامة وجرى على اجتماع وقوة. فالشاذ عنه مقهور مضطهد، والمخالف له منبوذ مقاطع، إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود، وقوته إلى الضعف المنتظر، وأخذ الشاذ عنه تقوى صولته، والمخالف يكثر سواده - ولا شك أن الغلبة للقوى - فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء (١).
فتفرق أكثرهم شيعًا وهذه سنة الله في خلقه، أن أهل الحق في جانب أهل الباطل قليل. قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وليتحقق ما أخبر به الصادق صلوات الله وسلامه عليه من عود وصف الغربة إليه، فإن الغربة لاتكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم. وذلك حين يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتصير السنة بدعة والبدعة سنة، وتقوم الناس على أهل السنة باللوم والتعنيف والتوبيخ والتقبيح. كما كان يقام على أهل البدعة، طمعًا من المبتدعة أن تجتمع كلمة الضلال ويأبى الله أن تجتمع حتى يأتى وعد الله، فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة، كما لا يخفى على من عرف حياة الإسلام وأطواره إلى اليوم، بل لابد أن تثبت جماعة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ حتى يأتى أمر الله، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم لا يزالون في جهاد ونزاع ومدافعة وقراع. وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم.
وعلى الجملة فكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لم يتركا في سبيل الهداية قولًا لقائل، ولا أبقيا لغيرهما مجالًا يعتد به فيه، وإن الدين قد كمل، والسعادة الكبرى فيما وضع، وكل مطلوب فيما شرع، وما سوى ذلك مما خالفهما فضلال وبهتان،
وإفك وخسران، وإن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى، ظافر بكل الخير دنيا وأخرى. قام على صحة ذلك البرهان الذى لا شبهة فيه. ولكن من ألزم نفسه السير مع الجماعة التى سماها رسول الله ﵌ بالسواد الأعظم في الوصف الذى كان عليه هو وأصحابه، وتجنب البدع التى بينها العلماء، وأراد
стр. 15
الاستقامة على الطريق القويم وجد نفسه غريبًا بين أهل الوقت؛ لأن العوائد قد غلبت على أمورهم والمحدثات قد زاحمت السنن الأصلية، وقد كان ذلك في الأزمنة المتقدمة فكيف في زماننا هذا وقد بعد عهد الناس بالنبوة؟
روى عن أبي الدرداء أنه قال: لو خرج رسول الله ﵌ عليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلَّا الصلاة. قال الأوزاعى: فكيف لو كان اليوم؟ قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعى هذا الزمان؟
وعن أنس بن مالك قال: ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله ﵌ غير قولكم: لا إله إلا الله. قلنا: بلى يا أبا حمزة. قال: قد صليتم حتى تغرب الشمس أفكانت تلك صلاة رسول الله ﵌؟ إلى غير ذلك من الآثار الدلة على أن البدع تغلب على المشروعات، وأن ذلك قد كان قبل زماننا قد استفحل أمرها على توالى الأيام إلى اليوم.
والسعيد الموفق من أحيا السنة ودعا إلى الله وخالف ما اعتاد الناس وإن ادعوا أن ما هم عليه هو السنة لا سواها، غير مبال بما يرمونه به من التنطع في العمل والتشدد في الدين، فذلك قليل من كثير كان يقاسيه الآمرون بالمعرف الناهون عن المنكر المتمسكون بدين الله من التشنيع والتقبيح وضروب الأذى والتعنيف، فقد نقل عن سيدى أويس القرنى أنه قال: إن الأمر بالمعرف والنهى عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقًا. نأمر بالمعروف فيشتمون أعراضنا ويجدون على ذلك أعوانًا من الفاسقين، حتى والله لقد رموني بالعظائم لا أدع أن أقوم فيهم بحقه. فمن هنا يرجع الإسلام غريبًا كما بدأ، لأن المتمسك به على حاله الأول معدوم أو قليل، والمخالف له هو الكثير فلم يبق من الدين إلَّا اسمه، ومن العمل إلَّا رسمه وظهر مصداق الحديث الصحيح: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".
نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق إنه على ما يشاء قدير.
الحثُّ علَى التَّمسك بالدِّين وإحياء السُّنة:
وأما الحث على التمسك بالدين وإحياء السنة فاعلم أن من أمعن النظر فيما شرعه الله لنا مما تضمنه الكتاب وبينته السنة علم أن النبي
стр. 16
صلوات الله وسلامه عليه تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يحيد عنها إلَّا من قد مرض قلبه وطاش في مهاوى الضلال لبه. فإن الله تعالى قد بين للناس قواعد الدين وأكملها.
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد، فإذا كان الله سبحانه قد أكمل لنا الدين بما أنزله في كتابه العربى المبين وعلى لسان نبيه الأمين، مما بلغ من الأحكام، وبين لنا من حلال وحرام، فمن اتبع غير سبيل المؤمنين فهو الحقيق بهذا الوعيد الشديد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣): ما تركنا وما أغفلنا شيئًا يحتاج إليه من الأشياء المهمة، فقد نفى سبحانه التقصير فيما شرع من كتابه الحكيم الذى هو متن للسنة. وقد أمر الله تعالى باتباع سبيله وما شرع من الدين القويم ونهى عن اتباع غير سبيل المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤) فذكر تعالى أن له سبيلًا واحدًا سماها صراطًا مستقيمًا لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلًا متعددة يتفوق متبعوها عن تَلك الصراط وهى طرق الشيطان، وحث سبحانه على اتباع سبيله الذى هو الكتاب والسنة حثًّا مقرونًا بالنهى عن اتباع السبل مبينًا أن ذلك سبب للتفرق. ولذا ترى المسلمين العاملين قد لزموا سبيلًا واحدًا أمروا بسلوكه.
وأما أهل البدع والأهواء فقد افترقوا في سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة. وآرائهم الكاسدة ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٥). وقد روى أحمد وجماعة
عن ابن مسعود ﵁ قال: خط رسول الله ﷺ خطًّا ثم قال: "هذا سبيل اللَّه"، ثم خط خطوطًا عن يمينه وخطوطًا عن يساره وقال: "هذه السُّبُل المتفرقة وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو"، ثم قرأ هذه الآية، حتى بلغ ﴿تَتَّقُونَ﴾. السبل المتفرقة: هى البدعِ، والشيطان: هو شيطان الإنس وهو المبتدع، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٦). قال العلماء: معناه إلى الكَتاب والسنة، فأمر سبحانه برد الأمر حالة النزاع إلى كتابه العزيز وسنة نبيه ففى حالة الوفاق أولى، وقال تعالى:
стр. 17
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١). فقد جعل علامة محبته اتباع الرسول ﵊ فمن لم يتبع الرسول وادعى محبة الله تعالى فهو كاذب فما دعواه، فإن عصيان الرسول عصيان لله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢). وعصيان الله تعالى ينافى محبته:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه … هذا لعمرى في القياس شنيع
لو كان حبك صادقا لأطعته … إن المحبَّ لمن يُحب مطيع
ثم رتب على اتباع الرسول ﷺ حب الله تعالى ورضاءه ومثوبته، فالخير في اتباع الرسول ﷺ والشر في مخالفة سنته، قال ذو النون المصرى: من علامة الحب لله متابعة حبيب الله ﷺ في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته، وكيف لا ونبينا صلوات الله وسلامه عليه هو المبلغ للكتاب الناطق بالحق والصواب ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤) هو الإسلام. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٥).
فإذًا الواجب علينا معاشر المسلمين اتباعه في جميع أقواله وأفعاله والتأسى به في سائر أحواله. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٦)،
وما أخبث رجلًا ترك سبيل السنة الشارحة للكتاب، واستبدل العذب بالعذاب: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٨). وسر تكرير الفعل الدلالة على أن ما يأمر به رسول الله صلوات الله وسلامه عليه تجب طاعته فيه وإن لم يكن مأمورًا به بعينه في القرآن، فتجب طاعة الرسول مفردة كما تجب مقرونة بأمره سبحانه، فهو إذًا مستقل بالطاعة كما ورد عنه ﷺ أنه قال: "يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر من أمرى فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ما وجدنا فيه من شيء اتبعناه. ألا إنى قد أوتيت
стр. 18
الكتاب ومثله معه" (١). وقوله: ﴿تَوَلَّوْا﴾ بحذف إحدى التاءين عام لمن يقع عليه الخطاب من عباده.
والمعنى: أنه قد حمل أداء الرسالة وتبليغها، وحملتم طاعته والانقياد له والتسليم ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢)، أخبر - جلَّ ثناؤه - أن الهداية في طاعة الرسول لا في غيرها، فإنه معلق بالشرط فينتفى بانتفائه وليس عليه إلَّا البلاغ والبيان الواضح لاهتدائكم وتوفيقكم، ففى صحيح البخارى عن الزهرى: فإن تطيعوه فهو حظكم وسعادتكم، وإن لم تطيعوه فقد أدى ما حمل وما عليه إلَّا البلاغ. وحكى الإمام الشافعى ﵁ إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن من استبانت له سنة الرسول ﵌ لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وهو كلام حق لا يستراب فيه، كيف تترك نصوص الشارع المعصوم ويؤخذ بأقوال غيره ممن يجوز عليه الخطأ؟ فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلَّا صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، والآيات في هذا الباب كثيرة.
والمعنى: فإن تتولوا عن الطاعة إثر ما أمرتم بها فاعلموا أنما عليه مسئولية ما أمر به من التبليغ وقد شاهدتموه عند قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وعليكم القيام بما أمرتم به من الطاعة.
وأما الأحاديث، فعن أبى نجيح العرباض بن سارية ﵁، قال: وَعَظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت (٣) منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: "أوصيكم بتقوى اللَّه، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين عَضُّوا
стр. 19
عليها بالنواجذ (١) وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" رواه أبو داود والترمذى وقال: حديث حسن صحيح. فقد أوصانا صلوات الله وسلامه عليه بلزوم سنته وسنة خلفائه الراشدين الذين هم على طريقته وحرض على ذلك بقوله: "عَضُّوا عليها بالنواجذ".
وعن أبى هريرة عن النبي ﵌ آنه قال: "من تمسك بسنتى عند فساد أمتى فله أجر مائة شهيد" (٢) رواه الطبراني والبيهقي.
وعن عابس بن ربيعة قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يقبل الحجر - يعنى الأسود - ويقول: إنى أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أنى رأيت رسول الله ﵌ يقيلك ما قبلتك" متفق عليه.
وروى الحاكم عنه ﵌ أنه خطب في حجة الوداع فقال: "إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا. إنى تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب اللَّه وسنة نبيه".
وعن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﵌: "يا بنى إن قدرت أن تصبح وتمسى ليس في قلبك غش لأحد فافعل"، ثم قال: "يا بنى وذلك من سنتى ومن أحب سنتى فقد أحبنى ومن أحبنى كان معى في الجنة" رواه الترمذى وقال: حديث حسن وقال: في الشفاء وشرحه: قال عمر ابن عبد العزيز -رحمه الله تعالى -: "سن الرسول ﵌ وولاة الأمور - يعنى الخلفاء الراشدين - بعده سننًا الأخذ بها تصديق لكتاب الله": أي حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٣)، "واستعمال لطاعة الله": أي في طاعة رسوله لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤) وقد قال ﵊: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى". "وقوة على الدين": أي على كمال ملته وجمال شريعته. "ليس لأحد تغييرها": بزيادة أو نقصان فيها. "ولا تبديلها": بغيرها ظنًّا أنه أحسن منها. "ولا النظر في رأى من خالفها"، "من
стр. 20
اقتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا" وهذا من كلامه الذى عنى به وبحفظه العلماء وكان يعجب مالكًا جدًّا ولَحَقٌّ ما كان يعجبهم، فإنه كلام مختصر جمع أصولًا حسنة من السنة؛ لأن قوله: "ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها" قطع لمادة الابتداع جملة، وقوله: "من عمل بها فهو مهتد … إلخ" الكلام مدح لمتبع السنة وذم من خالفها بالدليل الدال على ذلك وهو قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى … ﴾ (١) الآية، ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي ﵌ فهو سنة لا بدعة فيه ألبتة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه ﵌ نص عليه على الخصوص فقد جاء ما يدل عليه في الجملة، وقال على ﵁: لم أكن أدع سنة رسول الله ﵌ لقول أحد من الناس وقال: إنى لست بنبى ولا يوحى إلىّ ولكنى أعمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ما استطعت. وقال أبو بكر
الصديق ﵁: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﵌ يعمل به إلَّا عملت به. إنى أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ. اهـ باختصار.
والموفق السعيد من انتظم في سلك منَ أحيا سنة وأمات بدعة فكن (يا أخى) إياه؛ فقد كثرت البدع وعم ضررها واستطار شررها ودام الانكباب على العمل بها مع السكوت عن الإنكار لها حتى صارت كأنها سنن مقررات وشرائع من صاحب الشرع محررات. فاختلط المشروع بغيره وعاد المتمسك بمحض السنة كالخارج عنها كما سبق. فتأكد وجوب الإنكار على من عنده فيها علم ولا يهولنه أن المتعرض لهذا الأمر اليوم فاقد المساعد عديم المعين: فالموالى له يخلد به إلى الأرض. ويمد له يد العجز عن نصرة الحق بعد رسوخ البدع في النفوس، والمعادى يصوب إليه سهام الطعن ويرميه بمقذوفات الأذى لأنَّه يحارب عاداته الراسخة فما القلوب ويقبح بدعه المألوفة في الأعمال دينًا يتعبد به، ومذهبًا خامسًا يدين الله عليه لا حجة له عليها سوى عمل الآباء والأجداد، مع بعض
стр. 21
من ينتسب إلى العلم أكانوا من أهل النظر في هذه الأمور أم لا، ولم يفقهوا أنهم بموافقتهم للآباء وهؤلاء الأدعياء مخالفون لكتاب الله وسنة رسول ﷺ والسلف الصالح من بعده، فالمتعرض لمثل هذا الأمر ينحو نحو عمر بن عبد العزيز ﵁ في العمل حيث قال: ألا وإنى أعالج أمرًا لايعين عليه إلا أنه قد فنى عليه الكبير وكبر عليه الصغير وفصح عليه الأعجمى وهاجر عليه الأعرابى حتى حسبوه دينًا لا يرون الحق غيره" وكذلك ما عليه الناس اليوم.
غير أنه أمر لا سبيل إلى إهماله، ولا يسع أحدًا من ذوى الغيرة على الدين إلا الأخذ بالحزم والعزم في بيان الشريعة للناس ونصر السنة ومناهضة البدعة وإن كره المخالف، فكراهيته لا حجة فيها على الحق، وإن لله تعالى عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًّا يذب عنها وينطق بعلامتها، فعن الحسن أنه قال: لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده يعرضون أعمال العباد على كتاب الله فإذا وافقوه حمدوا الله وإذا خالفوه عرفوا بكتاب الله ضلالة من ضل وهدى من اهتدى فأولئك خلفاء الله.
فاغتنم أيها الموفق هذه المنقبة وكن من أهلها، فإن النبي صلوات الله وسلامه
عليه أوصى معاذًا حين بعثه إلى اليمن فقال: "لأن يهدى الله بك رجلًا واحدًا خير لك من كذا وكذا" وأعظم القول فيه. رواه غير واحد من طرق صحيحة.
وعن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال لعلي ﵁: "فوالله لأن يهدى اللَّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" متفق عليه.
فسارع إلى الخير وادع إلى الله وسنة رسوله ﷺ واعمل على بصيرة ونية حسنة بالرفق واللين، عسى أن يرد الله بك المبتدع الضال والزائغ المفتون ويهدى بك الجاهل الحائر، فتكون وارثًا نبويًّا وخلفًا من نبيك صلوات الله وسلامه عليه.
وصفوة القول أن ما تقدم من الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة والآثار الحكيمة يدعو إلى اتباع الكتاب والسنة فإنهما الإمامان اللذان أمرنا بالاقتداء بهما والداعيان إلى سبيل الله، فاشدد يديك عليهما ولا تنظر
стр. 22
إلى ما عليه الناس من البدع والأهواء فإنه من أضر الأدواء. واسلك سبيل الحق لا تستوحش من قلة أهله وسيأتيك تفاصيل البدع بأنواعها وما ورد في النهى عنها - إن شاء الله تعالى - واعلم أن أصل الاتباع المخرج عن الابتداع يحصل بمتابعة العبادات ولا يحصل كمال الاتباع إلَّا بالاقتداء برسول الله صلوات الله وسلامه عليه في جميع حالاته: عباداته وعاداته، سكونه وحركاته. وللسلف الصالح من هذا الكمال المشرب الأصفى والحظ الوافر الأوفى.
أذاقنا الله تعالى حلاوة الاتباع، ووقانا بفضله شر الفضول والابتداع آمين.
ثم إن الناظرين في أمر البدع منهم من بحثها بحثًا أصوليًّا فرجع بها إلى الأصول والقواعد ووفاها حقها من هذه الجهة ثم ذكر بعض التفريعات عن هذه الأصول، وما لم يذكره منها يعلم مما ذكره بطريق المقايسة كالعلامة المحقق الأصولى البارع "الإمام الشاطبى" في كتاب "الاعتصام"، ومنهم من محمد إلى الفروع ونظر فيها من جهة موافقتها للسنة ومخالفتها وترك الكلام عليها من جهة القواعد رأسًا كالعلامة "ابن الحاج" في كتاب "المدخل" جزى الله كلا القريقين عن الدين والسنة خير الجزاء.
ولقد رأينا بعد إمعان النظر في هذه المراجع أن التكلم على أمر البدع والسنن في حاجة شديدة إلى الأمرين، وحاجته إلى الأصول والقواعد أشد، لهذا ذكرنا في هذا المختصر ما لابد منه للمرشد من هذه الأصول وما يتفرع عنها ليكون في محاربة البدع على بصيرة.
وبالله تعالى التوفيق وهو الملهم للصواب.
* * *
стр. 23
البابُ الأول في النظر في البدع من جهة الأصول والقواعد
وفيه فصول:
الفصل الأول في البدْعَة ومعناها
قال المحقق الإمام الشاطبى في "الاعتصام" ما ملخصه: أصل مادة (بدع) (١) للاختراع على غير مثال سابق ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢): أي مخترعهما من غير مثال سابق، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣): أي ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمنى كثيرٌ من الرسل، لأنهم كانوا يعجبون من إرساله إليهم وهو بشر مثلهم ويقال: ابتدع فلان بدعة إذا ابتدأ طريقة لم يسبق إليها. وهذا أمر بديع يقال في الشئ المستحسن الذى لا مثال
له في الحسن. ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هى البدعة وقد يسمى العمل المعمول علي ذلك الوجه بدعة.
стр. 24
فمن هذا المعنى سمى العمل الذى لا دليل عليه من الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة والفاعل للبدعة هو المبتدع.
فالبدعة إذًا هى: عبارة عن (طريقة في الدين مخترعة تضاهى الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) وهذا على رأى من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأى من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقوله: (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهى الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية).
وعرفها العلامة الشمنى بأنها ما أحدث على خلاف الحق المتلقى عن رسول الله ﷺ من علم أو عمل أو حال، بنوع شبهة أو استحسان وجُعل دينًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا. وهو قريب من تعريف الشاطبي والمراد بالعلم الاعتقاد وبالحال هيئة العمل.
بيان ألفاظ التعريف: (الطريقة والطريق والسبيل والسنن) بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه. والدين هو ما شرعه الله تعالى على لسان الرسول من العقائد والعبادات والمعاملات، وإنما قيدت بالدين لأنها فيه تخترع وإليه يضيفها صاحبها واحترازًا عما يخترع في الدنيا فقط فإنه لا يسمى بدعة كإحداث الصنائع والقصور التى لا عهد بها فيما تقدم.
ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها، خُص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع، أي طريقة ابتدعت على غير مثال سبقها من الشارع. إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما رسمه الشارع، فمعنى مخترعة: أنها لم يكن لها أصل في الشريعة وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادئ الرأى أنه مخترع مما هو متعلق بالدين كالنحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فلها أصل في الدين فلا تسمى بدعة ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما
стр. 25
سمى عمر بن الخطاب ﵁ قيام رمضان
بدعة (١)، وإما جهلًا بمواقع السنة والبدعة فلا يعتمد عليه (تضاهى الشرعية) يعنى أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك كتخصيص يوم النصف من شعبان بصيام أو ليلته بقيام فإنه طريقة في الدين مخترعة تضاهى تخصيص الشارع أيامًا وليالى بأعيانها دون غيرها كيوم عاشوراء وليلة القدر وسائر ليالى رمضان خصوصًا العشر الأواخر منه، فلو كانت لا تضاهى الأمور المشروعة لم تكن بدعة لأنها تصير من باب الأفعال العادية، كالذى يقوم إلى الصلاة فيتنحنح مثلًا أو يتمخط أو يمشى خطوات يفعل ذلك بحكم العادة فمثل هذا لا حرج فيه وهو من العادات الجائزة التى لا تشابه المشروع ولا تلتبس به، وأيضًا فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهى بها السنة حتى يكون ملبسًا بها على الغير، أو تكون هى مما تلتبس عليه بالسنة؛ إذ الإنسان لايقصد الاستتباع بأمر لايشابه المشروع؛ لأنَّه إذا كان كذلك لا يستجلب بابتداعه نفعًا، ولا يدفع ضررًا، ولا يجيبه غيره إليه. ولذا ترى المبتدع ينتصر لبدعته بأمور توهم التشريع ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف مقامه في أهل الكمال، فأنت ترى العرب في تغيير ملة إبراهيم ﵇ كيف تأولوا فيما أحدثوه احتجاجًا منهم كقولهم في أصل الإشراك: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢)، وطواف البعض بالبيت عرايا قائلين: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها .. وما إلى ذلك مما وجهوه ليصيروه بالتوجيه كالمشروع فما ظنك بمن عد من خواص أهل الملة!؟ فلابد في حد البدعة من اعتبار مضاهاة الأمور المشروعة، وأن يكون إحداثها على أنها دين وشرع بحيث يكون المحدث لها مضاهيًا ونظيرًا للشارع في وضع القوانين (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله
стр. 26
تعالى) وذلك هو تمام معنى البدعة؛ إذ هو المقصود بتشريعها
وذلك أن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع للعبادة والترغيب في ذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحداد كافٍ في التعبد فاخترع ما اخترع.
وقد تبين بهذا القيد أن العادات لا تدخل في معنى البدعة، فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهى المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية كالمغارم الملزمة على الأموال وغيرها على نسبة مخصوصة وقدر مخصوص مما يشبه فرض الزكاة ولم يكن إليها ضرورة. وكذا اتخاذ المناخل وغسل اليد بالأشنان وما أشبه ذلك من الأمور التى لما تكن من قبل فإنها لا تسمى بدعًا على أحد الرأيين وإلى هنا قد تبين الحد على الرأى الآخر إلَّا قوله: (يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية) ومعناه: أن الشريعة إنما جاءت بمصالح العباد في العاجل والآجل لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها فهو الذى يقصده المبتدع ببدعته؛ لأن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات، فإن تعلقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتى تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه، وإن تعلقت بالعادات فكذلك فإنه إنما وضعها لتأتى أمور دنياه على تمام المصلحة فيها. فمن يجعل المناخل في قسم البدع فظاهر أن التمتع عنده بلذة الدقيق المنخول أتم منه بغير المنخول، وكذلك المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولى الأمر، وقد أباحت الشريعة التوسع. في التصرفات فيعد المبتدع هذا من ذلك. وإلى هنا ظهر معنى البدعة وما هى في الشرع. ونسب الرأى الأول في معنى البدعة إلى الأمام مالك وأصحابه وجرى عليه الشاطبى ومحصله أن البدعة شرعًا ليس لها إلَّا معنى واحد وهو ما أحدث بعد النبي ﷺ على أنه دين وشرع بأن يجعل من الدين ما ليس منه، بناء على تأويل وشبهة غير معتد بها. فالمبتدع مشرع ومتبع هواه، وهو الذى ابتدع في دين الله وقد جعل نفسه نظيرًا ومضاهيًا للشارع، حيث شرع مع الشارع، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع
стр. 27
وكفى بذلك، فلا تكون البدعة على هذه الطريقة إلَّا مذمومة، وليس كل مذموم محدث يقال له بدعة شرعًا، فمثل القتل والزنا وشرب الخمر حال ابتداعها مع اعتقاد حرمتها لا يقال لها بدعة.
طريقة ثانية في معنى البدعة
وهى أنها تطلق في عرف الفقهاء على معنيين:
(أحدهما): الحادث المذموم: بأن أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا، فهى ما لم يأذن به الشارع لا قولًا ولا فعلًا ولا صريحًا ولا إشارة، ولا تتناول الأمور العادية، وهى بهذا المعنى تشمل كل ما تناوله ذم الشارع ونهيه تحريمًا سواء أكان إحداثه على أنه دين الله وشرعه ولم يكَن كذلك أم لا، فالقتل أول إحداثه يقال له: بدعة، وكذا الزنا وشرب الخمر.
(وثانيهما): وهو أعم مما قبله: ما أحدث بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه، خيرًا كان أو شرًّا، عبادة أو عادة، هى ما يراد منه غرض دنيوى كالملابس والمساكن والمآكل والمشارب التى لم تكن في الزمن الفاضل والسلف الصالح، وظاهر أن هذا المعنى يتناول البدعة الواجبة والمحرمة والمندوبة والمكروهة والمباحة وكذا البدعة العادية.
وصفوة القول أن أرباب الطريقة الأولى في تعريف البدعة لا يطلقون لفظ البدعة إلَّا على الحادث المذموم بأن كان مخالفا للكتاب والسنة والإجماع والقياس، فهى ما نهى عنه تحريمًا في مثل حديث العرباض بن سارية بقوله ﷺ : "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" بقيد أن يكون إحداث هذا الحادث على أن يكون طريقة مسلوكة أو صار ذلك الحادث طريقة وسنة على هذا لا يدخل في تعريفها البدعة الواجبة والمندوبة والمباحة، فكان أخص مطلقًا من المعنى الأول وعلى الطريقة الثانية. هذا بناء على أن البدعة لا تتناول العاديات كما هو الرأى الأول في الطريقة الأولى وإلا فأخص من وجه، وأما أرباب الطريقة الثانية فيطلقون لفظ البدعة على معنيين أحدهما أخص من الآخر كما هو ظاهر.
وهذا الخلاف لفظى يرجع إلى تحقيق ما يطلق عليه لفظ البدعة شرعًا مما جعل دينًا وليس منه مذموم اتفاقًا كما أنه يسمى بدعة اتفاقًا كنذر
стр. 28
الصيام قائمًا لا يقعد، ساكتًا لا يتكلم، ضاحيًا لا يستظل، والتقرب إلى الله تعالى بالرهبانية.
والمحدثات التى يتناولها نهى الشارع مذمومة اتفاقًا كالقتل والمكوس والمظالم
المحدثة. إنما الخلاف في أنها تسمى بدعة كما تسمى محدثة: (لا) على الطريقة الأولى و (نعم) على الثانية، وكذا القول في المحدثات الحسنة التى تتناولها قواعد الوجوب أو الندب وأدلتهما العامة اتفاقًا كجمع المصحف وصلاة التراويح على الهيئة المعروفة إنما الخلاف في أنها تسمى بدعة كما تسمى محدثة (لا) على الطريقة الأولى و (نعم) على الثانية، وسنذكر لك تحقيق مثار الخلاف بين الطريقتين في تعريف البدعة - إن شاء الله تعالى.
وقد نسب الإمام الزركشى في قواعده إلى الإمام الشافعى ﵀ المعنى الأول في معنى البدعة على الطريقة الثانية، ونسب إليه ابن حجر في "شرح الأربعين" المعنى الثانى الأعم، وروى عنه أبو نعيم أنه قال: "البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم"، وروى عنه البيهقي في مناقبه أنه قال أيضًا: "المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه بدعة الضلالة، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك فهذه بدعة غير مذمومة" هكذا نقله الحافظ بن حجر في شرح البخارى في كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة".
وعلى هذا الاصطلاح بنى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام المتوفى سنة ستين وخسمائة هلالية وتلميذه الإمام شهاب الدين القرافى المالكى المتوفى سنة أربع وثمانين وستمائة مذهبهما في تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة الآتية وهما مسبوقان في هذا التقسيم بالإمام الشافعى. وإذًا فلا وجه لتشنيع الإمام الشاطبى المتوفى سنة تسعين وسبعمائة على القرافى في تقسيم البدعة لأن المسألة كما علمت مسألة اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح مادام الحكم متفقًا عليه بين العلماء.
والذى ينظر في عبارة كثير من الأئمة يرى بعضها مصرحًا بأن البدعة تقال شرعًا بالمعنيين المذكورين في الطريقة الثانية، كما في عبارة العلامة الخادمى في شرح الطريقة المحمدية،
стр. 29
وبعضها مقتصر على المعنى الشرعى العام، والبعض على الخاص.
فمن الأول (الشرعى العام) قول العلامة العينى في "عمدة القارئ": والبدعة لغة كل شَئ عمل على غير مثال سابق، وشرعًا إحداث ما لم يكن له أصل في عهد رسول الله ﷺ وهى على قسمين: بدعة ضلالة، وبدعة حسنة، وهى ما رآه
المسلمون حسنًا، ولا يكون مخالفًا للكتاب أو السنة أو الإجماع، وقريب منه قول الحديدى في "شرح نهج البلاغة": لفظ البدعة يطلق على مفهومين: أحدهما ما خولف به الكتاب والسنة، مثل صوم يوم النحر، وأيام التشريق، فإنه وإن كان صومًا إلَّا أنه منهى عنه، والثانى ما لم يرد فيه نص، بل سكت عنه ففعله المسلمون بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وما روى من قوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" محمول على تفسير البدعة بالمفهوم الأول، وقول عمر رضى الله عنه في صلاة التراويح: إنها لبدعة ونعمت البدعة هى: محمول على التفسير الثانى. اهـ.
ومن الثانى (الخاص) قول الإمام الزركشى في قواعده: البدعة في الشرع موضوعة للحادث المذموم، وقول السيد السند في تعريفاته: البدعة هى الأمر المحدث الذى لم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعى.
وظاهر أن كلًّا من المعنيين لا يصح أن يكون للمعنى اللغوى لأعميته منهما، فوجب أن يكون بيانًا للمعنى الشرعى.
ثم إن العمومات الواردة في لسان الشرع مثل قوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" لابد من اعتبار التخصيص فيها إن أريد معنى البدعة على المعنى الثانى في الطريقة الثانية. وإن أريد المعنى على الطريقة الأولى فهى على ظاهرها لا تخصيص فيها وسيأتى الكلام على ذلك مفصلًا.
مقارنة بين معنى البدعة على كل من الطريقتين
١ - النسبة بين الرأيين على الطريقة الأولى: العموم والخصوص المطلق يجتمعان في الحادث المذموم العبادى كنِحَل الهند، وينفرد الثانى في العادى كالمكوس والأكل على الموائد ونخل الدقيق.
стр. 30
٢ - النسبة بين المعنيين على الطريقة الثانية كذلك: يجتمعان في الحادث المذموم كالرهبانية، وينفرد الثانى في الخيرى كجمع المصحف.
٣ - النسبة بين الأول والأول من الطريقتين كذلك: يجتمعان في الحادث المذموم كالرهبانية، وينفرد الثانى في المعصية كالقتل أول إحداثه.
٤ - النسبة بين الرأى الثانى في الطريقة الأولى والمعنى الأول في الطريقة الثانية العموم والخصوص الوجهى: يجتمعان في الحادث المذموم العبادى كالطواف بالأضرحة، وينفرد الثاني في العادى كالأكل على الموائد والمعنى الأول في الطريقة الثانية في المعصية كالقتل أول إحداثه.
ومعنى قولنا: (ولا تتناول الأمور العادية) في تعريفها على القول الأول في الطريقة الثانية المعاملات كالمكوس والمظالم المحدثة.
وقولنا: (سواء أكان إحداثه على أنه دين أم لا) الأول كالرهبانية والثاني كالمعصية أول إحداثها.
فالمناهى نوعان: ما يمكن جعله قربة كالرهبانية، وما لا يمكن كالقتل والزنا وشرب الخمر أول إحداثها، فاحفظه فإنه نفيس.
السُّنةُ ومَعنَاها:
(السنة ومعناهما): هى في اللغة بمعنى الطريقة ولو غير مَرْضِية، وشرعًا تقال في مقابلة البدعة على الطريقة المسلوكة في الدين بأن سلكها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أو السلف الصالح من بعده. وهى على هذا المعنى شاملة للواجب والمندوب والمباح سواء كانت من قبيل الأعمال أو الأقوال أو الاعتقادات. وما كان السلف يطلقون اسم السنة إلَّا بهذا المعنى، ومن هذا قوله صلوات الله وسلامه عليه: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" وتخصيص الفقهاء لها بما طلب طلبًا غير جازم اصطلاح طارئ قصدوا به التمييز بينها وبين الفرض وشاع في كثير من المتأخرين اختصاص اسم السنة بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم، ومنه تسمية جماعة الأشعرى وأبى منصور الماتريدى بأهل السنة والله أعلم.
* * *
стр. 31
الفصل الثاني في تقسيم السنة إلى فعلية وتَرْكية
وهو الأساس الأول للكلام في السنة والبدعة، والغلط الحاصل فيهما منشؤه الغفلة عن هذا الأصل، وهو أنه قد تقرر في فمن الأصول أن فعل النبي ﵌ إن كان مما ظهر فيه أمر الجبلة كالأكل والشرب والقيام والقعود فلا نزاع في كونه على الإباحة له ﵌ ولأمته عند الجمهور، وإن كان من خواصه كوجوب التهجد بالليل والمشاورة والتخيير لنسائه وكإباحة الوصال في الصوم والزيادة على الأربع في النكاح ودخول مكة بغير إحرام فلا يدل على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعًا. وإن كان فعله بيانًا لنا كصلاته الظهر أربعًا والمغرب ثلاثًا والصبح ركعتين، فإنه بيان لقوله ﵌: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" رواه البخارى. وكقطعه يد السارق من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). وكتيممه إلى المرفقين بيانًا لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢). فهذا البيان تابع للمبين في الوجوب والندب والإباحة، وما ليس جبلة ولا مختصًا به ولا بيانًا، فإما أن يظهر فيه قصد القربة كخلعه ﵌ نعله عند الصلاة، وحلقه رأسه في الحديبية حين أمر الصحاية به فلم يفعلوا حتى حلق فقيل: هو للوجوب، وقيل: للندب، وقيل: للإباحة، وقيل: بالوقف. واختار الشوكانى كونه للندب، فإن قصد القربة يخرجه عن الإباحة إلى ما فوقها والمتيقن مما فوقها الندب، وبه قال ابن الحاجب، واختار الآمدى كونه للقدر المشترك بين الواجب والمندوب وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير. والفعل دليل قاطع عليه وما اختص به الواجب من الذم على الترك وما اختص به المندوب من عدم اللوم على الترك فمشكوك فيه - وليس أحدهما أولى من الآخر- وأما الإباحة وهى استواء الفعل والترك في رفع الحرج فهى خارجة عنه.
وإن لم يظهر فيه قصد القربة ففيه الأقوال الأربعة ورجح الشوكانى كونه للندب أيضًا معللًا بأن فعله ﵌ وإن لم يظهر
стр. 32
فيه قصد القربة
فهو للأبد أن يكون للقربة وأقل ما يتقرب به هو المندوب ولا دليل على زيادة على الندب فوجب القول به. ولا يجوز القول بأنه يفيد الإباحة، فإن إباحة الشئ بمعنى استواء طرفيه موجودة قبل ورود الشرع به. فالقول بها إهمال للفعل الصادر منه صلوات الله وسلامه عليه فهو تفريط كما أن حمل فعله المجرد على الوجوب إفراط والحق بين المقصر والغالى، وقال الآمدى: لا يفيد الندب على الخصوص، بل هو دليل على القدر المشترك بين الوجوب والندب والإباحة وهو رفع الحرج عن الفعل فقط.
وأما ما اختص به الوجوب والندب عن المباح من ترجح الفعل على الترك، وما اختص به المباح عنهما من استواء الطرفين فمشكوك فيه ورجح ابن الحاجب أنه للإباحة.
وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا ورد عن النبي ﵌ فعل لم يظهر فيه قصد القربة ولم ينضم إلى الفعل أمر آخر مثلًا. إذا فرضنا أن لبس الجبة لم يرد فيه سوى الفعل من الرسول أفيعد فعل الرسول له قربة مندوبًا وسنة من سنن الهدى يتقرب به إلى الله تعالى؛ هذا مختار الشوكانى، أو فعل الرسول له يخرجه من الحظر إلى الإذن فيه فقط. وأما كونه مندوبًا على الخصوص، أو واجبًا، أو مباحًا كذلك فيحتاج إلى دليل آخر وهذا مختار الآمدى، أو يدل على أنه مباح لا مندوب ولا واجب وهذا مختار ابن الحاجب ومع أن ابن الحاجب والآمدى لا يعدان الأفعال التى لم يظهر فيها قصد القرية قربة يثاب فاعلها، فإنهما لا ينازعان في أن الآتي بها مثاب إذا قصد التأسى بالرسول ﵌ وكمال الرابطة. وإذا كان المباح كالأكل والنوم يثاب فاعله بقصد التقوى على العبادة فثواب الفاعل لأفعال الرسول هذه بهذا القصد أولى وأجزل.
وأما ما تركه الرسول ﷺ فاعلم أن سنة النبي ﷺ كما تكون بالفعل تكون بالترك. فكما كلفنا الله تعالى باتباع النبي ﵌ في فعله الذى يتقرب به إذا لم يكن من باب الخصوصيات، كذلك طالبنا باتباعه في تركه فيكون الترك سنة. وكما لا تتقرب إلى الله تعالى بترك ما فعل لا تتقرب إليه بفعل ما ترك فلا
стр. 33
فرق بين الفاعل لما ترك والتارك لما فعل، لا يقال: كيف ذلك وقد ترك النبي ﵌ أمورًا فعلها الخلفاء بعده وهم أعلم الناس بالدين وأحرصهم
على الاتباع، فلو كان الترك سنة كما تقول لما فعل الخلفاء أمورًا تركها النبي ﵌؛ لأن الكلام مفروض في ترك شيء لم يكن في زمنه ﵌ مانع منه وتوفرت الدواعى على فعله كتركه الأذان للعيدين والغسل لكل صلاة وصلاة ليلة النصف من شعبان، والأذان للتراويح والقراءة على الموتى، فهذه أمور تركت في عهد النبي ﵌ السنين الطوال مع عدم المانع من فعلها ووجود مقتضيها لأنها عبادات والمقتضى لها موجود وهو التقرب إلى الله تعالى والوقت وقت تشريع وبيان للأحكام، فلو كانت دينًا وعبادة يتقرب بها إلى الله تعالى ما تركها السنين الطويلة مع أمره بالتبليغ وعصمته من الكتمان فتركه ﵌ لها ومواظبته على الترك مع عدم المانع ووجود المقتضى ومع أن الوقت وقت تشريع دليل على أن المشروع فيها هو الترك وأن الفعل خلاف المشروع فلا يتقرب به لأن القربة لابد أن تكون مشروعة.
وأما ما فعله الخلفاء ولم يكن موجودًا قبل فهو لا يخرج عن أمور لم يوجد لها المقتضى في عهد الرسول ﷺ ، بل في عهد الخلفاء كجمع المصحف، أو كان المقتضى موجودًا في عهد الرسول ﷺ ولكن كان هناك مانع كصلاة التراويح في جماعة فإن المانع من إقامتها جماعة والمواظبة عليها خوف الفرضية فلما زال المانع بانتهاء زمن الوحى صح الرجوع فيها إلى ما رسمه النبي ﵌ في حال حياته. وبهذا الأصل يسهل التوفيق يين الأدلة المتعارضة ظاهرًا، وسيأتى أن ما أحدثه الخلقاء يرجع إلى المصالح المرسلة وفرق بينها وبين البدع.
وإليك نصوص العلماء في تقسيم السنة إلى فعلية وتركية لتزداد بصيرة:
قال المحقق الإمام الشاطبى المالكى جوابًا عن سؤال حاصله أن يقال في البدعة: إنها فعل سكت الشارع عن حكمه في الفعل والترك. فالأصل
стр. 34
جواز فعله وتركه (أي أنه مباح) حتى يقوم الدليل على منعه أو كراهته. وإن صح أن السلف لم يفعلوه، فالترك لا يوجب حكمًا في المتروك إلا جواز الترك لا تحريمًا ولا كراهية، قال: إن إطلاق القول بأن الترك لا يوجب حكمًا في المتروك إلا جواز الترك وانتفاء الحرج خاصة غير جار على أصول الشرع الثابتة فنقول: إن هنا أصلًا لهذه المسألة وذلك أن سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما أو تركه لأمر ما على ضربين: ضرب سكت
عنه الشارع لعدم المقتضى له كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي ﵌ فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التى كمل بها الدين. وإلى هذا الضرب ترجع جميع المسائل التى نظر فيها السلف الصالح كتضمين الصناع والجد مع الإخوة وعول الفرائض وجمع المصحف وتدوين الشرائع مما لم يحتج في زمانه ﵌ إلى تقريره وهذا الضرب ينظر فيه المجتهدون عند وجود سببه، فالسكوت عنها على الخصوص ليس بحكم يقتضى جواز الترك.
والضرب الثانى أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص أو يترك أمرًا من الأمور وموجبه المقتضى له قائم وسببه في زمان الوحى موجود ولم يحدد فيه الشارع أمرًا زائدًا على ما كان من الدين، فهذا القسم باعتبار خصوصه هو البدعة المذمومة شرعًا لأنَّه لما كان الموجب لشرعية الحكم موجودًا ثم لم يشرع كان صريحًا في أن الزائد على ماثبت هنالك بدعة مخالفة لقصد الشارع، إذ فهما من قصده الوقوف عند ما حد هنالك بلا زيادة عليه ولا نقصان منه كسجود الشكر عند الإمام مالك رضى الله عنه. ووجه كونه بدعة عنده أن السكوت عنه مع قيام المقتضى لفعله إجماع من كل ساكت على أنه زائد على ما كان إذ لو كان ذلك لائقًا شرعًا لفعلوه فهما كانوا أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به.
ثم قال أيضًا: ومن هذا الأصل يؤخذ إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع عموم قول النبي ﵌: "فيما سقت السماء والعيون والبعل العُشْر وفيما سقى بالنضح نصف
стр. 35
العشر" (١) رواه النَّسَائِيّ وأبو داود وابن ماجه. والبعل هو المسمى بالعَثَرِىّ. في الرواية الأخرى: وجه الأخذ أنا نزلنا ترك أخذ النبي ﵌ الزكاة منها منزلة السنة القائمة في أن لا زكاة فيها، وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل وأنَّه بدعة منكرة من حيث وجد في
زمانه ﵌ المعنى المقتضى للتخفيف الترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليتراجعا كما كان أول مرة وأنَّه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها. انتهى.
وقال العلامة ابن القيم الحنبلى في "أعلام الموقعين": وأما نقلهم لتركه ﵌ فهو نوعان وكلاهما سنة:
(أحدهما): تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله كالغسل والصلاة في شهداء أُحُد والأذان والإقامة والنداء في صلاة العيد والتسبيح بين الصلاتين في حال الجمع بينهما.
روى مسلم من حديث جابر: "أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا".
(والثانى): عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة ولا حدث به في مجمع أبدًا علم أنه لم يكن، كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات، وتركه رفع يديه كل يوم بعد الرفع من ركوع الثانية في صلاة الصبح وقوله: اللهم اهدنا فيمن هديت يجهر بها ويقول المأمومون كلهم: آمين. ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة ألبتة وهو مواظب عليه لا يخل به
стр. 36
يومًا واحدًا (١)، وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمى الجمار والطواف والزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف. ومن هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه ﵌ سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ماتركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق.
لا يقال: من أين لهم أنه لم يفعله؟ وعدم النقل لا يستلزم عدم الفعل. فهذا
سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه. ولو صح السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لهـ ينقل؟ واستحب لنا آخر الغسل لكل صلاة وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا آخر رفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر اسم الله أو اسم الرسول جماعة وفرادى وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أن إحياءها لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ ومن هذا أخذ ترك الزكاة من الخضروات والمباطخ وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة فلا يطالبهم بزكاة ولا هم يؤدونها إليه. انتهى بتصرف.
وقال العلامة القسطلانى الشافعى في "المواهب" ما نصه: وتركه ﵌ سنة، كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوى بين فعله وتركه فنأتى من القول في الموضع الذى تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذى فعله. انتهى.
وقال العلامة ابن حجر الهيثمى الشافعى في فتواه ما حاصله: إن البدعة
стр. 37
الشرعية هى ما لم يقم دليل شرعى على أنه واجب أو مستحب فإن قام عليه دليل لا يسمى بدعة شرعية سواء أفعل في عهده ﵌ أم لا. فإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وقتال الترك لما كان مفعولًا بأمره ﵌ (١) لم يكن بدعة وإن لم يفعل في عهده، وكذا جمع القرآن في المصاحف والاجتماع على قيام رمضان وأمثال ذلك مما ثبت وجوبه أو استحبابه بدليل شرعى، وقول عمر ﵁ في صلاة التراويح: نعمت البدعة هى. أراد البدعة اللغوية وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢) وليست بدعة شرعية، فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال ﵌، ومن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإنما قسم البدعة
اللغوية ومن قال: كل بدعة ضلالة فمعناه البدعة الشرعية. ألا ترى أن الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان لغير الصلوات الخمس كالعيدين وإن لم يكن فيه نهى وكرهوا استلام الركنين الشاميين (٣) والصلاة عقب السعى بين الصفا والمررة قياسًا على الطواف (٤). وكذا ما تركه ﵌ مع قيام المقتضى فيكون تركه سنة وفعده بدعة مذمومة. وخرج بقولنا مع قيام المقتضى في حياته تركه إخراج اليهود وجمع المصحف. وما تركه لوجود المانع كالاجتماع للتراويح فإن المقتضى التام يدخل فيه عدم المانع. انتهى.
وقوله: فإنما قسم البدعة اللغوية قد سبقه إلى ذلك الحافظ بن حجر العسقلانى فئ "فتح البارى" حيث قال: البدع جمع بدعة وهى كل شيء ليس له مثال تقدم فتشمل لغة ما يحمد وما يذم وتختص في عرف أهل الشرع بما يذم وإن وردت في الممدوح فعلى معناها اللغوى. اهـ.
ونقول: إن لفظ البدعة والابتداع الوارد في كلام الشرع وأهله يتبادر منه ما لم يكن في العهد النبوى بحيث يفهم منهما ذلك من غير حاجة إلى قرينة، بل من اللفظ نفسه هذا يأبى أن يكون مستعملًا في معناه اللغوى كما سيأتى تحقيقه في بيان مثار الخلاف وسيأتى تحقيق هذا.
стр. 38
وقال ملا أحمد رومى الحنفى صاحب "مجالس الأبرار" ما ملخصه: لا تكون البدعة في العبادات البدنية كالصلاة والصوم والذكر والقراءة إلا سيئة؛ لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليه أو لوجود مانع أو لعدم تنبه أو لتكاسل أو الكراهة وعدم مشروعية. والأولان منتفيان في العبادات البدنية المحضة لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع. ولا يظن بالنبي ﵌ عدم التنبه والتكاسل فذاك أسوأ الظن المؤدى إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة. وكذلك يقال لكل من أتى في العبادات البدنية المحضة بصفة لم تكن في زمن الصحابة إذ لو كان وصف
العبادة في الفعل المبتدع يقتضى كونها بدعة حسنة لما وجد في العبادات بدعة مكروهة، ولما جعل الفقهاء مثل صلاة الغائب والجماعة فيها، ومثل أنواع النغمات الواقعة في الخطب وفى الأذان وقراءة القرآن في الركوع مثلًا، والجهر بالذكر أمام الجنازة ونحو ذلك من البدع المنكرة. فمن قال بحسنها قيل له: ماثبت حسنه بالأدلة الشرعية فهو إما غير بدعة فلا يتناوله ذم الشارع ويبقى عموم حديث: "كل بدعة ضلالة"، وحديث: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" على حاله لا تخصيص فيه. وإما بدعة ويكون مخصوصًا من هذا العام وخارجًا منه - فمن ادعى الخصوص فيما أحدث وأنَّه خارج من عموم الذم احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص من كتاب أو سنة أو إجماع مختص بأهل الاجتهاد ولا نظر للعوام ولعادة أكثر البلاد فيه. فمن أحدث شيئًا يتقرب به إلى الله تعالى من قول أو فعل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، فعلم أن كل بدعة في العبادات البدنية المحضة لا تكون إلا سيئة.
والحاصل أن كل ما أُحدث يُنظَر في سببه، فإن كان لداعى الحاجة بعد أن لم يكن كنظم الدلائل لرد الشبه التى لم تكن في عصر الصحابة، أو كان وقد ترك لعارض زال بموت النبي صلوات الله وسلامه عليه كجمع القرآن، فإن المانع منه كون الوحى لا يزاد ينزل فيغير الله ما يشاء وقد زال كان حسنًا - وإلا فإحداثه بمحض العبادات البدنية القولية والفعلية تغيير لدين الله تعالى - مثلًا الأذان في الجمعة سنة وقبل صلاة العيد بدعة ومع
стр. 39
ذلك فهو يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) فيقول: هذا زيادة عمل صالح لايضر لأنَّه يقال له هكذا تتغير شرائع الرسل، فإن الزيادة لو جازت لجاز أن يصلى الفجر أربعًا والظهر ستًّا ويقال: هذا عمل صالح زيادته لا تضر. لكن أهل السنة يتبعون النبي صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه في الفعل والترك. فإن الله تعالى قد بين لنا الشرائع وأتم لنا الدين فهذا هو من غير زيادة أو نقص. فالزيادة عليه كالنقصان فنعبده بما شرع ولا نعبده بالبدع. فعقولنا عن مثل ذلك قاصرة، وآراؤنا إذًا كاسدة خاسرة والعقول لا تهتدى إلى الأسرار الإلهية فيما شرعه من الأحكام الدينية.
أو ما ترى كيف نوديت إلى الصلاة دائمًا ونهيت عنها في الأوقات الخمسة وذلك ينتهى إلى قدر ثلث النهار. فينبغى للمسلم أن يكون حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وأعمالهم فهم السواد الأعظم ومنهم يعرف الحسن من القبيح والمرجوح من الرجيح، وإذا وقع أمر ينظر فيه إلى قواعد المجتهدين الذين هم السلف لمن خلف فإن وافق أصولهم قَبِلَه بِقَلْبِه وإلا فلينبذه وراء ظهره، وليتبصر في جلية أمره، لا يغتر بعوائد الناس فإنها السموم القاتلة والداء العضال، وعين المشاقة المؤدية إلى الضلال. وقد كان هشام بن عروة يقول: "لا تسألوا الناس اليوم عما أحدثوه فإنهم قد أعدوا له جوابًا، ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها"، وأخرج أبو داود عن حذيفة: "كل عبادة لم تفعلها الصحابة فلا تفعلوها"، وأخرج البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: "أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع".
وقد علمت من نصوص علماء المذاهب الأربعة أن ما تركه النبي صلوات الله وسلامه عليه مع قيام المقتضى على فعله فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة وعلمت أن لا معنى للابتداع في العبادات المحضة؛ لأن النبي ﷺ لم يفارق الدنيا إلا بعد أن أكمل الله الدين وأتم نعمته على المسلمين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣).
وروى الطبرانى بسند صحيح عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:
"ما تركت شيئًا يقربكم إلى اللَّه تعالى إلا وقد أمرتكم به،
стр. 40
وما تركت شيئًا يبعدكم عن اللَّه تعالى إلا وقد نهيتكم عنه". وعلمت أن التمسك بالعمومات مع الغفلة عن بيان الرسول ﷺ بفعله وتركه هو من اتباع المتشابه الذى نهى الله عنه. ولو عولنا على العمومات وصرفنا النظر عن البيان لا نفتح باب كبير من أبواب البدعة لا يمكن سده ولا يقف الاختراع في الدين عند حد. وإليك أمثلة في ذلك زيادة على ما تقدم:
الأول: جاء في حديث الطبرانى: "الصلاة خير موضوع" لو تمسكنا بعموم هذا كيف تكون صلاة الرغائب بدعة مذمومة، وهى اثنتا عشرة ركعة عقب المغرب ليلة الجمعة الأولى من رجب يفصل بين كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة القدر ثلاث مرات، والإخلاص اثنتى عشرة مرة، وكيف تكون صلاة
شعبان بدعة مذمومة وهى مائة ركعة كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة الإخلاص إحدى عشرة مرة مع دخولهما في عموم الحديث. وقد نص العلماء على أنهما بدعتان قبيحتان مذمومتان كما يأتى. قال الإمام النووى في صلاة الرغائب: ليس لأحد أن يستدل على شرعيتها بما روى عنه ﷺ أنه قال: "الصلاة خير موضوع" فإن ذلك يختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه وقد صح النهى عن الصلاة في الأوقات المكروهة. اهـ.
أي أن الحديث ليس على عمومه أن تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة من البدع المكروهة فإن التلاوة لم تشرع على هذا الوجه، ولا أن يخص من القرآن شيء دون شيء لا في صلاة ولا في غيرها فصار المخصص لها عاملًا برأيه في القصد لله تعالى. فقد أخرج ابن وضاح عن مصعب قال: سُئل سفيان عن رجل يكثر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) لا يقرأ غيرها كما يقرؤها فكرهه، وقال: إنما أنتم متبعون فاتبعوا الأولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وإنما أنزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء.
وخرج أيضًا في العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك ﵀ أنه سُئل عن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) مرارًا في الركعة الواحدة فكره ذلك وقال: هذا من محدثات الأمور التى أحدثوا. ومحمل هذا عند ابن رشد من باب الذريعة ولأجل ذلك لم يأت مثله عن السلف - وإن كانت تعدل ثلث القرآن كما في الصحيح - فالتكرار عمل محدث في