← Общие книги

Общие книги · id 701

الإبداع في مضار الابتداع

علي محفوظ

Полный текст (446 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يومًا واحدًا (١)، وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمى الجمار والطواف والزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف. ومن هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه ﵌ سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ماتركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق. لا يقال: من أين لهم أنه لم يفعله؟ وعدم النقل لا يستلزم عدم الفعل. فهذا سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه. ولو صح السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لهـ ينقل؟ واستحب لنا آخر الغسل لكل صلاة وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا آخر رفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر اسم الله أو اسم الرسول جماعة وفرادى وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أن إحياءها لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ ومن هذا أخذ ترك الزكاة من الخضروات والمباطخ وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة فلا يطالبهم بزكاة ولا هم يؤدونها إليه. انتهى بتصرف. وقال العلامة القسطلانى الشافعى في "المواهب" ما نصه: وتركه ﵌ سنة، كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوى بين فعله وتركه فنأتى من القول في الموضع الذى تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذى فعله. انتهى. وقال العلامة ابن حجر الهيثمى الشافعى في فتواه ما حاصله: إن البدعة

стр. 37

الشرعية هى ما لم يقم دليل شرعى على أنه واجب أو مستحب فإن قام عليه دليل لا يسمى بدعة شرعية سواء أفعل في عهده ﵌ أم لا. فإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وقتال الترك لما كان مفعولًا بأمره ﵌ (١) لم يكن بدعة وإن لم يفعل في عهده، وكذا جمع القرآن في المصاحف والاجتماع على قيام رمضان وأمثال ذلك مما ثبت وجوبه أو استحبابه بدليل شرعى، وقول عمر ﵁ في صلاة التراويح: نعمت البدعة هى. أراد البدعة اللغوية وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢) وليست بدعة شرعية، فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال ﵌، ومن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإنما قسم البدعة اللغوية ومن قال: كل بدعة ضلالة فمعناه البدعة الشرعية. ألا ترى أن الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان لغير الصلوات الخمس كالعيدين وإن لم يكن فيه نهى وكرهوا استلام الركنين الشاميين (٣) والصلاة عقب السعى بين الصفا والمررة قياسًا على الطواف (٤). وكذا ما تركه ﵌ مع قيام المقتضى فيكون تركه سنة وفعده بدعة مذمومة. وخرج بقولنا مع قيام المقتضى في حياته تركه إخراج اليهود وجمع المصحف. وما تركه لوجود المانع كالاجتماع للتراويح فإن المقتضى التام يدخل فيه عدم المانع. انتهى. وقوله: فإنما قسم البدعة اللغوية قد سبقه إلى ذلك الحافظ بن حجر العسقلانى فئ "فتح البارى" حيث قال: البدع جمع بدعة وهى كل شيء ليس له مثال تقدم فتشمل لغة ما يحمد وما يذم وتختص في عرف أهل الشرع بما يذم وإن وردت في الممدوح فعلى معناها اللغوى. اهـ. ونقول: إن لفظ البدعة والابتداع الوارد في كلام الشرع وأهله يتبادر منه ما لم يكن في العهد النبوى بحيث يفهم منهما ذلك من غير حاجة إلى قرينة، بل من اللفظ نفسه هذا يأبى أن يكون مستعملًا في معناه اللغوى كما سيأتى تحقيقه في بيان مثار الخلاف وسيأتى تحقيق هذا.

стр. 38

وقال ملا أحمد رومى الحنفى صاحب "مجالس الأبرار" ما ملخصه: لا تكون البدعة في العبادات البدنية كالصلاة والصوم والذكر والقراءة إلا سيئة؛ لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليه أو لوجود مانع أو لعدم تنبه أو لتكاسل أو الكراهة وعدم مشروعية. والأولان منتفيان في العبادات البدنية المحضة لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع. ولا يظن بالنبي ﵌ عدم التنبه والتكاسل فذاك أسوأ الظن المؤدى إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة. وكذلك يقال لكل من أتى في العبادات البدنية المحضة بصفة لم تكن في زمن الصحابة إذ لو كان وصف العبادة في الفعل المبتدع يقتضى كونها بدعة حسنة لما وجد في العبادات بدعة مكروهة، ولما جعل الفقهاء مثل صلاة الغائب والجماعة فيها، ومثل أنواع النغمات الواقعة في الخطب وفى الأذان وقراءة القرآن في الركوع مثلًا، والجهر بالذكر أمام الجنازة ونحو ذلك من البدع المنكرة. فمن قال بحسنها قيل له: ماثبت حسنه بالأدلة الشرعية فهو إما غير بدعة فلا يتناوله ذم الشارع ويبقى عموم حديث: "كل بدعة ضلالة"، وحديث: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" على حاله لا تخصيص فيه. وإما بدعة ويكون مخصوصًا من هذا العام وخارجًا منه - فمن ادعى الخصوص فيما أحدث وأنَّه خارج من عموم الذم احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص من كتاب أو سنة أو إجماع مختص بأهل الاجتهاد ولا نظر للعوام ولعادة أكثر البلاد فيه. فمن أحدث شيئًا يتقرب به إلى الله تعالى من قول أو فعل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، فعلم أن كل بدعة في العبادات البدنية المحضة لا تكون إلا سيئة. والحاصل أن كل ما أُحدث يُنظَر في سببه، فإن كان لداعى الحاجة بعد أن لم يكن كنظم الدلائل لرد الشبه التى لم تكن في عصر الصحابة، أو كان وقد ترك لعارض زال بموت النبي صلوات الله وسلامه عليه كجمع القرآن، فإن المانع منه كون الوحى لا يزاد ينزل فيغير الله ما يشاء وقد زال كان حسنًا - وإلا فإحداثه بمحض العبادات البدنية القولية والفعلية تغيير لدين الله تعالى - مثلًا الأذان في الجمعة سنة وقبل صلاة العيد بدعة ومع

стр. 39

ذلك فهو يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) فيقول: هذا زيادة عمل صالح لايضر لأنَّه يقال له هكذا تتغير شرائع الرسل، فإن الزيادة لو جازت لجاز أن يصلى الفجر أربعًا والظهر ستًّا ويقال: هذا عمل صالح زيادته لا تضر. لكن أهل السنة يتبعون النبي صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه في الفعل والترك. فإن الله تعالى قد بين لنا الشرائع وأتم لنا الدين فهذا هو من غير زيادة أو نقص. فالزيادة عليه كالنقصان فنعبده بما شرع ولا نعبده بالبدع. فعقولنا عن مثل ذلك قاصرة، وآراؤنا إذًا كاسدة خاسرة والعقول لا تهتدى إلى الأسرار الإلهية فيما شرعه من الأحكام الدينية. أو ما ترى كيف نوديت إلى الصلاة دائمًا ونهيت عنها في الأوقات الخمسة وذلك ينتهى إلى قدر ثلث النهار. فينبغى للمسلم أن يكون حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وأعمالهم فهم السواد الأعظم ومنهم يعرف الحسن من القبيح والمرجوح من الرجيح، وإذا وقع أمر ينظر فيه إلى قواعد المجتهدين الذين هم السلف لمن خلف فإن وافق أصولهم قَبِلَه بِقَلْبِه وإلا فلينبذه وراء ظهره، وليتبصر في جلية أمره، لا يغتر بعوائد الناس فإنها السموم القاتلة والداء العضال، وعين المشاقة المؤدية إلى الضلال. وقد كان هشام بن عروة يقول: "لا تسألوا الناس اليوم عما أحدثوه فإنهم قد أعدوا له جوابًا، ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها"، وأخرج أبو داود عن حذيفة: "كل عبادة لم تفعلها الصحابة فلا تفعلوها"، وأخرج البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: "أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع". وقد علمت من نصوص علماء المذاهب الأربعة أن ما تركه النبي صلوات الله وسلامه عليه مع قيام المقتضى على فعله فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة وعلمت أن لا معنى للابتداع في العبادات المحضة؛ لأن النبي ﷺ لم يفارق الدنيا إلا بعد أن أكمل الله الدين وأتم نعمته على المسلمين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣). وروى الطبرانى بسند صحيح عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "ما تركت شيئًا يقربكم إلى اللَّه تعالى إلا وقد أمرتكم به،

стр. 40

وما تركت شيئًا يبعدكم عن اللَّه تعالى إلا وقد نهيتكم عنه". وعلمت أن التمسك بالعمومات مع الغفلة عن بيان الرسول ﷺ بفعله وتركه هو من اتباع المتشابه الذى نهى الله عنه. ولو عولنا على العمومات وصرفنا النظر عن البيان لا نفتح باب كبير من أبواب البدعة لا يمكن سده ولا يقف الاختراع في الدين عند حد. وإليك أمثلة في ذلك زيادة على ما تقدم: الأول: جاء في حديث الطبرانى: "الصلاة خير موضوع" لو تمسكنا بعموم هذا كيف تكون صلاة الرغائب بدعة مذمومة، وهى اثنتا عشرة ركعة عقب المغرب ليلة الجمعة الأولى من رجب يفصل بين كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة القدر ثلاث مرات، والإخلاص اثنتى عشرة مرة، وكيف تكون صلاة شعبان بدعة مذمومة وهى مائة ركعة كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة الإخلاص إحدى عشرة مرة مع دخولهما في عموم الحديث. وقد نص العلماء على أنهما بدعتان قبيحتان مذمومتان كما يأتى. قال الإمام النووى في صلاة الرغائب: ليس لأحد أن يستدل على شرعيتها بما روى عنه ﷺ أنه قال: "الصلاة خير موضوع" فإن ذلك يختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه وقد صح النهى عن الصلاة في الأوقات المكروهة. اهـ. أي أن الحديث ليس على عمومه أن تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة من البدع المكروهة فإن التلاوة لم تشرع على هذا الوجه، ولا أن يخص من القرآن شيء دون شيء لا في صلاة ولا في غيرها فصار المخصص لها عاملًا برأيه في القصد لله تعالى. فقد أخرج ابن وضاح عن مصعب قال: سُئل سفيان عن رجل يكثر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) لا يقرأ غيرها كما يقرؤها فكرهه، وقال: إنما أنتم متبعون فاتبعوا الأولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وإنما أنزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء. وخرج أيضًا في العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك ﵀ أنه سُئل عن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) مرارًا في الركعة الواحدة فكره ذلك وقال: هذا من محدثات الأمور التى أحدثوا. ومحمل هذا عند ابن رشد من باب الذريعة ولأجل ذلك لم يأت مثله عن السلف - وإن كانت تعدل ثلث القرآن كما في الصحيح - فالتكرار عمل محدث في

стр. 41

مشروع الأصل بناء على ما قاله ابن رشد، أي أن هذه السورة احتوت على التوحيد ومن يقرؤها ويتدبرها كأنه قرأ ثلث القرآن ومع ذلك كان السلف يكرهون تكريرها والمداومة عليها دون غيرها خشية أن تصير عادة فيدخلها الابتداع. الثانى: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (١)، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٢) إذا استحب لنا إنسان الأذان للعيدين والكسوفين والتراويح وقلنا: كيف والنبي ﷺ لم يفعله ولم يأمر به وتركه طول حياته؟ فقال لنا: إن المؤذن داع إلى الله، وإن المؤذن ذاكر لله كيف تقوم عليه الحجة، وكيف تبطل بدعته؟. الثالث: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ … ﴾ (٣) الآية، لو صح الأخذ بالعمومات لصح أن يتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والسلام في قيام الصلاة وركوعها واعتدالها وسجودها، إلى غير ذلك من الأمكنة التى لم يضعها الرسول ﵌ فيها، ومن الذى يجيز التقرب إلى الله تعالى بمثل ذلك وتكون الصلاة بهذه الصفة عبادة معتبرة، وكيف هذا مع حديث: "صلوا كما رأيتمونى أصلى"؟ رواه البخارى، فلا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذى شرع. الرابع: ورد في صحيح الحديث: "فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر" رواه النَّسَائِيّ وأبو داود وابن ماجه. لو أخذ بعموم هذا لوجبت الزكاة في الخضر والبقول مع إجماع العلماء إلا الإمام الأعظم على عدم وجوب الزكاة فيها ولا مستند لهم في عدم وجوب الزكاة سوى هذا الأصل وهو أن ماتركه ﵌ مع قيام المقتضى على فعله فتركه هو السنة وفعله هو البدعة. وقد كان الصحابة ﵃ يرون في ترك الرسول ﷺ للفعل مع وجود المقتضى له الحظر وأنَّه منهى عنه. دليل ذلك أنه لما قدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله أمسك عنه الصحابة وتركوه إلى أن بين لهم المانع بقوله ﷺ : "إنه ليس بأرض قومى فأجدنى

стр. 42

أعافه" وأذن لهم في أكله فلو لم يكن الرسول ﵌ مُتَّبَعًا في تركه كما هو مُتَّبَعٌ في فعله لما كان لتوقف الصحابة وجه، وقد فهموا - وهم أدرى الناس بالدين - أولًا أنه امتنع عنه لأنَّه منهى عنه فتركوه، وبعد أن أخبرهم بأن هناك سببًا آخر وهو عدم الإلف أكلوا منه ولم يروا بذلك بأسًا. (من "إرشاد الفحول" بتصرف). ومن هذا الأصل العظيم تعلم أن أكثر أفعال الناس اليوم من البدع المذمومة، كقراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت، تركه النبي ﵌ وتركه الصحابة مع قيام المقتضى للفعل وهو الشفقة بالميت وعدم المانع منه. فعلى هذا الأصل المذكور يكون تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة. وكيف يعقل أن يترك الرسول ﷺ شيئًا نافعًا يعود على أمته بالرحمة وهو بالمؤمنين رءوف رحيم؟ فهل يعقل أن يكون هذا بابًا من أبواب الرحمة ويتركه الرسول ﷺ طوال حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة مع العلم بأن القرآن الحكيم ما نزل للأموات إنما نزل للأحياء .. نزك ليكون ترغيبًا للمطيع وترهيبًا للعاصى، نزل لتهذيب نفوسنا، وإصلاح شئوننا، أنزل الله القرآن كغيره من الكتب السماوية ليعمل على طريقه العاملون ويهتدى بهديه المهتدون. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١). فهل سمعتم أنَّ كتابًا من الكتب السماوية قرئ على الأموات، أو أخذت عليه الأجور والصدقات، والله يقول لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٢) لهم أن يتصدقوا على موتاهم لكن لا ثمنًا للقرآن. وكالاجتماع للمآتم. هل كان النبي ﵌ يقيمها أو كانت سنته أن يدفن الواحد من أصحابه ويذهب كل إلى عمله، ويشتغل بمصالحه ويتركه إلى مولاه ليس معه إلا ما قدمت يداه .. ؟ هذه كانت طريقته صلوات الله وسلامه عليه والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ

стр. 43

اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ … ﴾ (١) فلنتأس به في الترك كما نتأسى به في الفعل. وكالتغنى بمدح السلاطين، والترنم وقت الخطبة، وكالتبليغ لغير حاجة بأن كان المسجد صغيرًا أوكان العدد قليلًا وصوت الإمام يبلغ الجميع إلى غير ذلك من البدع التى حدثت ولم تفعل في عهد رسول الله ﵌ وخلفائه الراشدين مع وجود مقتضيها في زمن التشريع وعدم المانع منها. وسيأتى لهذا الأصل فروع كثيرة إن شاء الله تعالى. الكلام على حديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ": في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفى رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". بيان الرواية الأولى: "من أحدث في أمرنا" أي أنشأ واخترع من قِبَل نفسه فما شأننا الذى نحن عليه وهو ما شرعه الله ورسوله، فالمراد من الأمر الدين كما في رواية. وعبر عنه به تنبيهًا على أن هذا الدين هو أمرنا الذى نهتم به بحيث لا يخرج عنه شيء من أقوالنا لا أفعالنا. "هذا": استعمل اسم الإشارة في غير المشاهد مع أنه موضوع له لتنزيله منزلته اعتناء بشأنه وإحضاره في ذهن السامع ليتميز أكمل تميز، ولذا أتى بما يشار به للقريب بيانًا لحاله في القرب. "ما ليس منه": أي شيئًا أو الذى ليس منه، فعلًا كان أو قولًا أو اعتقادًا؛ لأن "ما" من صيغ العموم، ومعنى كونه ليس منه: أن ينافيه ولا يشهد له شيء من قواعده الكلية وأدلته العامة وهو المسمى بالبدعة. أما ما لا ينافيه بأن يشهد له شيء من قواعد الشرع أو أدلته فليس برد، بل هو مقبول كبناء الحصون وتشييد معاهد العلم ودور الصناعات وسائر أنواع البر التى لم تعهد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والتعاون على البر والتقوى. "فهو": الضمير عائد على ما في قوله: ما ليس منه. والرابط بين الشرط وجوابه محذوف، والمعنى فذلك الذى ليس منه وهو المحدث. "رد": أي مردود على فاعله من إطلاق المصدر على اسم المفعول، ومعنى كونه مردودًا عليه أنه

стр. 44

باطل غير معتد به ولا معَوَّلٍ عليه، وهو عام مخصوص بالمحدث الذى لم يشرع بالكلية كنذر القيام وعدم الاستظلال، أو دل الشرع على حرمته لذاته كصلاة بلا ركوع، أو لخارج لازم كصلاة بلا طهارة. أما لو كانت حرمته لخارج عنه غير لازم كالبيع وقت النداء، أو الصلاة في أرض مغصوبة فلا يكون باطلًا. وبيان الرواية الثانية: "من عمل عملًا" المراد منه ما يشمل عملى القلب واللسان لما عرفت أن القول والاعتقاد كذلك. "ليس عليه أمرنا فهو رد"، وقوله: "من عمل عملًا": أي محدثًا له أو تابعًا فيه غيره من غير إحداث منه له. فاستفيد منها زيادة على ما مر رد ما قد يحتج به بعض الفاعلين للبدعة من أنه لم يخترع ولم يحدث شيئًا وإنما المخترع والمحدث من سبقه، ويحتج على ذلك بالرواية الأولى فيرد عليه بهذه الرواية الصريحة في رد المحدثات المخالفة للدين الخارجة عما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ سواء أحدثها أو سبق بإحداثها. الدِّين هو ما شرعهُ اللَّه تعالى: ولزيادة البيان في هذا المقام نقول: معلوم أن الدين هو ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه من العقائد والعبادات، وأنَّه جلَّ ثناؤه كما علمنا كيف نعبده ونتقرب إليه بما يصلح قلوبنا ويهذب نفوسنا من أنواع القرب، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، علمنا كيف يعامل بعضنا بعضًا بتبادل المنافع، ومرافق هذه الحياة من بيع وشراء، وإجارة وقرض، وشركة ورهن، وزواج وخلع، لحفظ نظام المجتمع من الفوضى والاضطراب، وقد رسم لعباده في نوع العبادات رسومًا لبيان كميتها، وكيفيتها، وأوجب عليهم أن يقفوا عندها، وحرم عليهم أن يتعدوها؛ لأنَّه تعالى أعلم بما يصلح أرواحهم ويزكى نفوسهم، فكان المرجع إليه تعالى، وإلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه في بيان ذات العبادة وكيفيتها، فليس لأحد كائنًا من كان أن يخترع عبادة، أو يحدث فيها هيئة من عند نفسه يزعم التقرب بها إلى مولاه، فذلك عين المشاقة والضلال المبين.

стр. 45

نَوعُ المعَاملات: (وأما نوع المعاملات) فقد سن للناس فيها قوانين عامة وقواعد كلية؛ لأن لها جزئيات تتجدد بتجدد الأيام، وتتغير برقى الأمم والشعوب، فلا يتيسر لهما تحديدها بكمية ولا كيفية، فقضت مشيئة الله عزت قدرته وجلت حكمته أن يكون لها من القواعد الكلية والأدلة العامة ما يكون مرجعًا لها وميزانًا تعرض عليه، فإن كانت تلك المعاملة مما تقبلها هذه القواعد والأدلة المأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتندرج تحتها فهى مشروعة، وإن كانت لا تقبلها ولا تندرج تحتها كانت غير مشروعة، ومخالفة للشارع ومعاندة له. فمن هذه القوانين العامة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) فإنه جلَّ ثناؤه حرم على الناس بهذا الأصل أن يأخذ بعضهم مال بعض بغير مقابل شرعى وهو يعم جميع الأموال، وكل ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه فهو مأكول بالباطل وإن طابت به نفس مالكه كأجر البغى، وحلوان الكاهن، وثمن الخمر، وأجر ضراب الفحل، والمأخوذ بحكم القاضى مستندًا في حكمه إلى شهادة زور أو يمين فجور، فكل هذا لا يحل أخذه فإنه من أكل أموال الناس بالباطل. والكاهن الذى يدعى علم الغيب ويخبر عن الأمور المستقبلة ويدعى معرفة الأسرار (الضمائر)، ومثله: المنجم والعراف والرمال وضراب الحصا، فكل هؤلاء لا يحل لهم ما أخذوه ولايجوز تصديقهم كما سيأتى ذلك مفصلًا في بدع الاعتقادات. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢) فإنها من إمهات الآيات المشتملة على كثير من الأحكام الشرعية، والخطاب فيها يعم جميع الناس في جميع الأمانات ويدخل فيه الولاة دخولًا أوليًا فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات، ورد المظالم وتحرى العدل في أحكامهم، ويدخل فيه غيرهم فيجب عليهم رد ما لديهم من الأمانات، والتحرى في الشهادات والأخبار، وكتمان الأسرار. ومنها قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "لا ضرر ولا ضرار" رواه ابن ماجه والدارقطى وغيرهما فهو يحرم جميع أنواع الضرر قل أو كثر؛

стр. 46

لأن النكرة في سياق النفى تعم، والضر إلحاق الأذى بالغير مطلقًا، والضرار إلحاقه به على وجه المقابلة بالمثل وخبر لا محذوف، أي موجودان في ديننا. والحديث خبر بمعنى النهى أي لا يضر أحد غيره ولا يجازيه على إضراره، بل يعفو ويصفح، أي لا يضر من لا يضره، ومن يضره، فالضرر ابتداء الفعل والضرار الجزاء عليه. وقد أخذ الأئمة منه القاعدة المشهورة (وهى أن الضرر يزال) وبنوا عليها كثيرًا من أبواب الفقه كالرد بالعيب، وجميع أنواع الخيار من إخلاف الوصف المشروط، والتغرير، وإفلاس المشترى وغير ذلك، وكدفع الصائل، وقتال المشركين والبغاة، وفسخ النكاح بالعيوب أو الإعسار. ويتعلق بهذه القاعدة جملة قواعد: (منها): ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها كالمضطر لا يأكل من الميتة إلَّا بقدر سد الرمق. (ومنها): الضرر لا يزال بالضرر وهى مقيدة لقاعدة الضرر يزال أي يزال ولكن لا بضرر، ومن فروعها أن لا يأكل المضطر طعام مضطر آخر. (ومنها): إذا تعارض مفسدتان روعى أكبرهما ضررًا بارتكاب أخفهما وهذه القاعدة في معنى الاستثناء من القاعدة الثانية. (ومنها): درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، هى نطر التى قبلها في أن كلا فيه تقديم شئ على شيء وغير ذلك كثير. ومن القواعد العامة قول الأئمة رضى اللّه عنهم أجمعين الضرورات تبيح المحظورات، أخذوها من آية: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١) فتلك هى القوانين العامة التى يرجع إليها في نوع العاملات. صفوة القول أن الشارع الحكيم قد رسم للناس في العبادات طرقًا معينة على كيفيات معينة، وألزمهم الوقوف عندها، كجعل الصلوات عددًا معينًا بكيفية معينة في أوقات معينة بطهارة مخصوصة، وجعل الصيام في شهر مخصوص في النهار لا في الليل، والحج عملًا مخصوصًا بكيفية مخصوصة فلا يجوز لهم أن يزيدوا في العبادة ولا أن ينقصوا منها، كما لا يجوز لهم أن يخترعوا في العبادة هيئة لم يرسمها الدين: كالقراءة في الركوع أو السجود، أو التشهد في القيام بدل القعود، أو التسبيح في القيام بدل القراءة، أو الجهر في السرية، والإسرار بالجهرية .. وما إلى ذلك من الهيئات التى لم يأذن بها الله ولا رسوله الأمين ولم يرشد إلى

стр. 47

عملها، فكل هذا عمل ليس من الدين -فهو مردود- وكذا كل معاملة لا يشهد لها أصل من الأصول العامة. ويستفاد من الحديث الأول أمور: (منها): أن فيه دلالة للقاعدة الأصولية أن مطلق النهى يقتضى الفساد؛ لأن المنهى عنه مخترع محدث وقد حكم عليه بالرد المستلزم للفساد، فكل العقود المنهى عنها باطلة غير معتد بها ولا تترتب عليها آثارها التى كانت تترتب عليها إذا كانت مشروعة، فإن جميع المنهيات ليست من أمر الدين فيلزم ردها. ومن قال: لا يقتضى الفساد، يقول: هذا خبر واحد وهو ظنى فلا يكفى في إثبات هذه القاعدة المهمة. قال الإمام النووى ﵀: وهذا جواب فاسد لأنها متعلقة بالفروع العملية التى يكتفى فيها بالظنى بخلاف العقائد التى لابد فيها من العلم. (ومنها: أن الاختراع في الأمور الدنيوية لا حرج فيه ما دام لم يصادم أصلًا من أصول الدين. فالشريعة تبيح للناس أن يخترعوا في أمور الدنيا ما أرادوا، وفى صناعاتهم ومساكنهم ما شاءوا، بشرط المحافظة على قاعدة العدل ودرء المفاسد وجلب المصالح، بل قد يكون مأجورًا في إحداث كل ما يرقى أمته ويعود عليها بالخير والرفاهية. (ومنها): أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر لقوله: "ليس عليه أمرنا" والمراد به أمر الدين، فلا يحل به الحرام إذا كان ما ادعاه باطلًا في الواقع والشهود كَذَبَةٌ وينفذ حكمه ظاهرًا فقط، وإليه ذهب الجمهور وخالف أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- فقالا: ينفذ حكمه ظاهرًا باطنًا. مثلًا لو حكم بشهادة زور أن هذه المرأة زوجة فلان حلت له عندهما ولها أن تمكنه من نفسها: عند الجمهور لا تحل له ولا يحل لها أن تمكنه منها والمسألة مبسوطة في كتب الحديث والفروع. (ومنها): أن الصلح الفاسد منقوض، والمأخوذ فيه مستحق الرد، كالصلح الذى يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، كأن شرط فيه أكل مال الغير بالباطل أو وطء أمة لا تحل له، أو كان فيه ضرر بأحد الطرفين كاشتراط البائع ألا يطأ الأمة، وقد جاء مصرحًا به في حديث الأعرابى الذى رواه البخارى وغيره في كتاب الصلح عن أبى هريرة وزيد ابن خالد رضى الله عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللّه صلى أدنه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه أنشدك اللّه إلا قضيت لي بكتاب اللّه، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه:

стр. 48

نعم فاقض بيننا بكتاب اللّه وائذن لي، فقال رسول اللّه ﷺ : "قل". قل: إن ابنى كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإنى أخبرت أن على ابنى الرجم فافتديت ابنى منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن ما على ابنى مائة جلدة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله. سلم: "والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه، الغنم والوليدة رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﵌ فرجمت. فهذا صلح عن الرجم بالمال وهو لا يجوز في الحدود فكان فاسدًا منقوضًا والمأخوذ به مستحق الرد. منه يستفاد أن الباطل من القضاء مردود وما خالف السنة الواضحة من ذلك فباطل، وأن من قضى له بشيء وقبضه لا يدخله قبضه في ملكه؛ لذا كان هذا القضاء خطأ وجورًا وخلافًا للسنة ولا يصح له ذلك وعليه رده. وأنشدك -بفتح الهمزة وضم المعجمة والمهملة-: أي أسألك باللّه كأنه قال: أقسمت عليك باللّه وائذن لي في أن أقول. والعسيف: الأجير، والوليدة: الجارية. "ولأقضين بينكما بكتاب اللَّه": لأحكمن بينكما بحكم اللّه الذى شرع لنا، إذ ليس في الكتاب "القرآن" ذكر الرجم والتغريب، والكتاب لغة يطلق على الحكما وعلى الفرض، قال تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢) كما يقال على القرآن. (ومنها): أن ديننا قد كمل واشتهر وظهر ظهور المحسوس كالشمس بحيث صار لا يخفى على ذى بصر وبصيرة بشهادة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣). ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤). ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٥). فمن رام زيادة عليه فقد حاول ما ليس بِمَرْضِىٍّ لدى اللّه تعالى؛ لأنَّه لقصور عقله وقلة فهمه رآه ناقصًا ولو أنصف الحق لعلم أنه هو الناقص والمطرود المحروم. (ومنها): الحث على الاتباع والتحذير من الابتداع إلى غير ذلك مما لا يحصى. قال العلامة الشوكانى: هذا الحديث من قواعد الدين؛ لأنَّه يندرج

стр. 49

تحته من الأحكام ما لا يأتى عليه الحصر، وما أصرحه وأدله على إبطال ما ذهب إليه الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام وتخصيص الرد ببعضها بدون مخصص من عقل ولا نقل!! فعليك إذا سمعت من يقول: "هذه بدعة حسنة" بالقيام في مقام المنع مستندًا له بهذه الكلية وما يشابهها من نحو قوله ﵌: "كل بدعة ضلالة" طالبًا لدليل تخصيص تلك البدعة التى وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة، فإن جاءك به قبلته، وإن كاع كنت قد ألقمته حجرًا واسترحت من المجادلة، وقوله: كاع، هابه وجبن عنه تقول: كعت عنه أكيع، وأكاع كيعًا، وكيعوعة لغة في كعت عن الأمر أكع إذا هبته وجبنت عنه فهو كائع وكاع على القلب، ومثل هذا القول من الشوكانى مبنى على ظن أن الذاهبين إلى أن من البدعة ما هو حسن يتوسلون بذلك إلى استحسان ما يستقبحه الشرع وحاشاهم أن يفعلوا هذا وهم من العلماء الأجلاء، وسيأتى سندهم في هذا التقسيم -إن شاء اللّه تعالى-. (وقال الحافظ ابن حجر) في "الفتح": هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله لا يلتفت إليه. (وقال الإماء النووى): وهذا الحديث مما ينبغى حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به. الفصُل الثالث في أقسَام البدعة تنقسم البدعة باعتبارات إلى قسمين: عام، وخاص: (أما الأول): وهو ما يمكن جريانه في الطريقتين، فمن وجوه: (الوجه الأول): تنقسم إلى فعلية وتركية، فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريمًا للمتروك أو غير تحريم، فإن الفعل مثلًا قد يكون حلالًا بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه بالحلف أو يتركه قصدًا بغير حلف، فهذا الترك إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعًا أو ألا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، كالذى يحرم على نفسه الطعام الفلانى من أجل أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، وكالذى يمنع نفسه من تناول اللحم لكونه مصابًا بمرض الكلى فإنه يهيجه عليه فلا مانع من الترك، بل إن قلنا بطلب التداوى للمريض كان

стр. 50

الترك هنا مطلوبًا فهذا راجع إلى العزم على الحمية من المضرات وأصله قوله ﵊: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" رواه الجماعة. ذلك أنه يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت، وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذرًا مما به البأس كترك الاستمتاع بما فوق الإزار من الحائض خشية الإتيان. فذلك من أوصاف المتقين، وكترك المتشابه حذرًا من الوقوع في الحرام واستبراء للدين والعرض، كما إذا وجد في بيته طعامًا لا يدرى أهو له، أو لغيره، وكمن أراد أن يتزوج امرأة فأخبرته امرأة أنها أرضعتهما ولا يعلم صدقها من كذبها، فإن ترك أزال عن نفسه الشك وإن تزوجها فإن نفسه لا تطمئن إلى حلها. وإن كان الترك لغير ذلك فإما أن يكون تدينًا أو لا، فإن لم يكن تدينًا فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك. ولا يسمى هذا الترك بدعة إلَّا على الرأى الثانى القائل إن البدعة تدخل في العادات أما على الأول فلا. لكن التارك يصير عاصيًا بتركه أو اعتقاده التحريم فيما أحل اللّه. وأما إن كان الترك تدينًا فهو الابتداع في الدين على كلا الرأيين، إذ قد فرضنا الفعل جائزًا شرعًا فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل، كترك كثير من العباد والمتصوفة تناول الطيبات تنسكًا وتعبدًا للّه بتعذيب النفس وحرمانها، اتبعوا في هذا سنن من قبلهم شبراً بشبر وذراعًا بذراع كعباد بنى إسرائيل ورهبان النصارى، وهؤلاء أخذوها عن بعض الوثنيين من البراهمة الذين يحرمونا جميع اللحوم ويزعمون أن النفس لا تزكو ولا تكمل إلا بحرمان الجسد من اللذات وقهر الإرادة بمشاق الرياضات، وكترك أهل الآستانة أكل لحم الحمام، فهو يفرخ في مساجدهم وبيوتهم، ولا يأكل أحد منه شيئًا، بل يتحرجون من أكله وينكرونه، فإن كان تركهم له تدينًا لاعتقادهم حرمته فهو بدعة تركية وإلا لا مع عصيانهم باعتقاد التحريم فيما أحل لهم وفى مثله نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ (١) فنهى أولًا عن تحريم الحلال وأشعر

стр. 51

ثانيًا بأن ذلك اعتداء، وأن من اعتدى لا يحبه اللّه؛ لأن بعض الصحابة أراد أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، وآخر أكل اللحم، وآخر إتيان النساء وبعضهم هم بالاختصاء مبالغة في ترك شأن النساء؛ فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟ لكنى أصوم وأفطر وأنام وأقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى" متفق عليه من حديث أنس، فإذًا كل من منع نفسه من تناول ما أحل اللّه من غير عذر شرعى فهو خارج عن سنة النبي صلوات اللّه وسلامه عليه، والعامل بغير السنة تدينًا هو المبتدع بعينه. (وكذلك) ترك المطلوبات الشرعية وجوبًا أو ندبًا يسمى بدعة إن كان الترك تدينًا؛ لأنَّه تدين بضد ما شرع اللّه، أما تركها كسلًا أو تضييعًا أو ما أشبه ذلك من الدواعى النفسية فهو راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب فمعصية وإلا فلا، مثال الترك تدينًا: أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذى حددوه وذلك هو الضلال البعيد، فإن اللّه جلت حكمته كلف عباده كافة بما شماء، ولا يسقط التكليف رأسًا إلَّا بزوال العقل، فلو بلغ المكلف من مراتب الكمال ما بلغ بقى التكليف عليه إلى الموت. ولم يبلغ أحد في الكمال مرتبة رسول اللّه صلوات الله وسلامه عليه ولا رتبة أصحابه الأطهار الأخيار، ولم يسقط عنهما من التكليف مثقال ذرة، إلَّا ما لا طاقة له به كالزمن لا يطالب بالجهاد، والمقعد لا يطالب بالصلاة قائمًا، والحائض لا تطالب بالصلاة حال الحيض، وما إلى ذلك من الأعذار. فمن زعم أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الكمال كما يزعمه أهل الإباحة كان اعتقاده هذا بدعة مخرجة من الدين، نعوذ باللّه من الضلال. وبعض الروافض الذين يدينون بشهادة الزور لموافقيهم في العقيدة إذا حلف على صدق دعواه. (الوجه الثانى): تارة تكون عملية وتارة تكون اعتقادية (١)، فالأولى كونها عملًا من أعمال الجوارح كالطواف حول الأضرحة والذكر أمام الجنائز،

стр. 52

أو كيفية ذلك العمل كصلاة الرغائب وصلاة ليلة النصف من شعبان، أو من أعمال القلب التى ليست اعتقادية كالنية في صلاة ركعتين بنية طول العمر مثلًا، والثانية كونها اعتقادًا للشيء على خلاف ما هو عليه من المعروف عن الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه لا بمعاندة، بل بنوع شبهة سواء أكان مع الاعتقاد عمل أم لا، كمسح الشيعة على الرجلين وإنكارهم المسح على الخفين (١) وكاعتقاد الشبهة والمجسمة والقدرية، والمشبهة قوم شبهوا اللّه تعالى بالمخلوقات ومثلوه بالحوادث والمجسمة غلاتهم المصرون على التجسيم الصرف، وأما غير غلاتهم مشبهة الحشوية فقالوا: هو جسم لا كالأجساء من لحم ودم لا كاللحوم وله الأعضاء والجوارح، والقدرية فرقة تقول: إن أفعال العباد مخلوقة لهم من دون اللّه تعالى. (الوجه الثالث): تنقسم باعتبار الأزمنة أو الأمكنة أو الأحوال كالتى تقع في الموالد والأفراح والأعياد والمواسم وكالتى تقع في المساجد والجنائز والمآتم والمقابر والأضرحة، وكالتى تقع في الضيافة والعبادة والمعاشرة والعادات والمعتقدات. وقد تكون البدعة عامة لا تختص بزمان ولا مكان. وسيأتى بسط هذه الأنواع في الباب الثانى -إن شاء اللّه تعالى-. ومن النوع الأخير تلك البدعة السيئة التى تكون من جماعة المتفرنجين الذين تسممت نفوسهم بسموم المدنية الكاذية والحرية الممقوتة من ولوعهم بحكم الغربيين وما ظهر على أيديهم من كرم أخلاق أو حسن صناعة أو شئ من أنواع المخترعات، فتراهم يكثرون من الإعجاب بها وضربها أمثالًا لهم في محاضراتهم ومقالاتهم. إنا ننقم على المتسمين بالإسلام ذلك لا كراهة في الجميل إذا ظهر على يد الغربى، فإن الحكمة ضالة المؤمن أنى جدها التقطها لا يبالى من أي وعاء خرجت (ولكن) من حيث جهلهم بما جاءت به الشريعة الغراء من الحكم العالية والآداب الراقية الآثار الجميلة التى يزين الإنسان التمثل بها في كل فمن من فنون الأدب ويشرفه أن ينشرها في كل زمان ومكان. ولقد ظهر على يد السلف الصالح من الحكم والآداب ومكارم الأخلاق

стр. 53

وإتقان الأعمال في سياستهم المنزلية والمدنية وفى حروبهم وقضائهم بين الناس ما هو أعلى بكثير مما يندهش له هؤلاء الجهلاء عند ظهوره على يد أوربا زاعمين أن الإسلام وأهله خلو من هذه المحاسن، وقد جر ذلك شرًّا مستطيرًا على كثير من البسطاء وضعفاء الإيمان، فاعتقدوا إصابتهم في كل ما ينسب إليهم ولو كان مصادمًا لحدود الدين، وربما ذهبوا إلى أنه يجب أن تكون رسوم الشرع الشريف طبق ما عليه علماء أوربا، وإلا كان دين الهمجية والوحشية نعوذ باللّه من الضلال. فعلى المسلم العاقل أن يقف على محاسن دينه رآثار السلف الصالح ليعلم أن المحاسن التى في دينه ولسلفه كثيرة جمة المنافع جديرة بأن ينشدها في محاوراته وينشرها في سائر الطبقات. (الوجه الرابع): تنقسم إلى حقيقية وإضافية، فالحقيقية ما كان الابتداع فيها من جميع وجوهها، فهى بدعة محضة ليست فيها جهة تندمج بها في السنة، وهى التى لم يدل عليها دليل شرعى من كتاب أو سنة أو إجماع أو استدلال، فالاستدلال دليل ليس بنص من كتاب أو سنة ولا إجماع ولا قياس، ذلك أن علماء الأمة أجمعوا على أن ثم دليلًا شرعيًّا غير ما ذكر، اختلفوا في تشخيصه فقال قوم: هو الاستصحاب، وهم الشافعية وقوم الاستحسان، وهم الحنفية، وقوم المصالح المرسلة وهم المالكية، وبالجملة هو نوع خاص من الدليل معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل، ولذا سميت بدعة حقيقية؛ لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق، فهى بعيدة عن الشرع خارجة عنه من كل وجه إن كان المبتدع قد يتمسك فيها بما يزعمه شبهة وليس بها. ومن أمثلتها: ١ - التقرب إلى اللّه تعالى بالرهبانية وترك الزواج مع وجود الداعية إليه وفقد المانع الشرعى كرهبانية النصارى المذكورة في قول اللّه تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ (١) والرهبانية هى المبالغة في العبادة بالرياضة، والانقطاع عن الناس. وسبب ابتداعهم إياها أن الجبارين ظهروا على المؤمنين بعد المسيح ﵇ فقاتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتنوهم في دينهم، فاختاروا الرهبانية في رءوس الجبال فارين بدينهم، منقطعين للعبادة. والاستثناء

стр. 54

منقطع، أي ما فرضناها نحن عليهم رأسًا ولكنهم استحدثوها ابتغاء رضوان اللّه، فذمهم حينئذ بقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (١) من حيث أن النذر عهد مع اللّه تعالى لا يحل نكثه، لا سيما إذا قصد به رضاه تعالى، فما رعاها كلهم، بل بعضهم ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ (١) لإيمانهم إيمانًا صحيحًا برسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه، بعد رعاية رهبانيتهم، لا لمجرد رعايتها، فإنها بعد البعثة لغو محض، وكفر بحت. والآية لا تتعلق بهذه الأمة إذ لا رهبانية في الإسلام، فهى منسوخة في شريعتنا بمثل قوله صلوات الله وسلامه عليه: "فمن رغب عن سنتى فليس منى" متفق عليه. ٢ - نِحَل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والتمثيل الفظيع والقتل بالأصناف التى تفزع منها القلوب، وتقشعر منها الجلود كالإحراق بالنار على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العليا في زعمهم، والفوز بالنعيم الأكمل بعد الخروج من هذه الدار العاجلة (ومن ذلك) ما يفعله الشيعة من العجم يوم عاشوراء، من خدش الرءوس، والوجوه، واللطم، والنواح، لكون الحسين رضى اللّه عنه قتل في هذا اليوم، يفعلون تلك المآثم زاعمين أنها تقربهم من اللّه تعالى. ٣ - تحكيم العقل ورفض النصوص في دين اللّه وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٣) من ذلك أن الخمر لما حرمت ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم وهم يشربونها: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) تأولها قوم على أن الخمر حلال وأنها داخلة تحت قوله فيما طعموا فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم اللّه بنص الكتاب، وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به، رهذا هو الابتداع بعينه، والصواب أن الآية نزلت جوابًا عن شبهة وقعت لبعض الصحابة بيانها: (أ) أن اللّه تعالى حرم الخمر والميسر في آية سابقة على هذه الآية، وبين في الآية الثانية علة التحريم، وهى علة لأزمة لهما، فإذا لم تكن مطردة في العداوة البغضاء فهى مطردة في الصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة، وحسبك ما ينقص من دين من صد عنهما، وما إلى ذلك من ظلمة

стр. 55

القلب، وخبت النفس، وفساد الأخلاق. (ب) أن اللّه قد عرض بتحريم الخمر قبل نزول آيات المائدة بما بينه في سورة البقرة والنساء -واللبيب تكفيه الإشارة- فكان من لم يفطن لذلك مقصرًا في اجتهاده، وربما كان ذلك لإيثار الهوى والشهوة -وهذا وجه الشبهة- وخلاصة الجواب عنها: أن من صح إيمانه، وصلح عمله وعمل في كل وقت بالنصوص المنزلة، واستقاء على ذلك حتى ارتقى إلى مقام الإحسان، فلا يحول دون تزكية ذلك لنفسه، وإنارة قلبه، ما كان قد أكل أو شرب مما لم يكن محرمًا عليه بحسب اعتقاده، وإن كان في ذلك من الإثم والضرر ما حرم لأجله، وبعض الفلاسفة الإسلاميين تأول لها غير هذا وأنَّه إنما يشربها للنفع لا للشهوة وعاهد اللّه على ذلك فكأنها عندهم من الأدوية أو غذاء صالح لحفظ الصحة ويحكى هذا العهد عن ابن سينا وهذا أيضًا ضلال مبين. ٤ - أن الكفار قالوا: إنما البيع مثل الربا فإنهم لما استحلوه احتجوا بقياس فاسد، فقالوا: إذا فسخ العشرة التى اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهرين (١) فهو كما لو باع بخمسة عشر إلى شهرين فرد اللّه عليهم وأكذبهم فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) أي ليس البيع مثل الربا فهذه بدعة محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأى فاسد. والحاصل أنهم قاسوا الربا على البيع؛ لأن كلا منهما يفضى إلى الربح فقالوا: حيث حل بيع ما قيمته عشرة حالًا بخمسة عشر مؤجلًا حل بيع عشرة بخمسة عشر مثلًا إلى أجل وهو قياس فاسد لأنَّه معارض للنص، ولوجود الفارق بينهما فإن من باع ثوبًا يساوى عشرة في الحال بخمسة عشر إلى سنة مثلًا قد جعل الثوب كله مقابلًا للخمسة عشر بخلاف ما إذا أعطى عشرة من الدراهم مثلًا بخمسهّ عشر إلى أجل فقد أخذ الزائد بلا مقابل ولا يمكن جعل الإمهال عوضًا لأنَّه ليس بمال هذا عين الربا؛ لأنَّه فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال.

стр. 56

٥ - الطواف بغير البيت كالأضرحة والوقوف على غير عرفة بدل عرفة ووضع الهياكل على القبور، وتعليق الشموع والمصابيح حول الأضرحة .. إلى غير ذلك من المخترعات التى لم يقم عليها دليل لا باعتبار جملتها ولا باعتبار تفصيلها، فهى بدع حقيقية لا يصح التقرب بها إلى اللّه تعالى، ومن تقرب بها فقد تقرب إلى اللّه بما لم يشرع. وأما البدعة الإضافية: فهى التى لهما شائبتان، إحداهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من ثلاث الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق إلَّا مثل ما للبدعة الحقيقية. فلما كان العمل الذى له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضع له هذه التسمية (وهى البدعة الإضافية): أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء. والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة. وهذا النوع وهو (البدعة الإضافية) هو مثار الخلاف بين المتكلمين في البدع والسنن وله أمثلة كثيرة: ١ - صلاة الرغائب: وهى اثنتا عشرة ركعة في ليلة الجمعة الأولى من رجب بكيفية مخصوصة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ثلاث مرات و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ اثنتى عشرة مرة، وقد قال العلماء: إنها بدعة قبيحة منكرة كما سيأتى. وكذا صلاة النصف من شعبان: وهى مائة ركعة بكيفية خاصة كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة، وتكرار السورة الواحدة في التلاوة أو الركعة الواحدة من البدع المكروهة. وقد تقدم هذا بما فيه الكفاية. وصلاة حفظ الإيمان، وصلاة بر الوالدين، وصلاة مؤنس القبر، وصلاة ليلة ويوم عاشوراء، ووجه كونها بدعة إضافية أنها مشروعة باعتبار غير مشروعة باعتبار آخر. فأنت إذا نظرت إلى أصل صلاة تجدها مشروعة لحديث رواه الطبرانى في الأوسط: "الصلاة خير موضوع" وإذا نظرت إلى ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص والكيفية المخصوصهّ تجدها

стр. 57

بدعة، فهى مشروعة باعتبار ذاتها مبتدعة باعتيار ما عرض لها. ٢ - التلحين في الأذان: وهو التطريب، أي التغنى به. فالأذان في ذاته مشروع وباعتبار ما عرض له من إخراج كلماته عن أوضاعها العربية وكيفياتها الشرعية محافظة على توقيع الألحان بدعة قبيحة. ٣ - قراءة الصمدية مائة ألف مرة: يسمونها العتاقة الكبرى، أو الجلالة سبعين ألف مرة وتسمى العتاقة الصغرى، فقراءة القرآن في ذاتها كسماعه عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى بالإجماع. وكذلك ذكر الجلالة ولا كلام في هذا إنما الكلام في قراءته للميت أو الحى ليكون ذلك عتقًا لرقبته من النار. ولم يصح أن رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه فعل ذلك لأحد من أصحابه، وكذلك لم يثبت أن الصحابة رضى اللّه عنهم أجمعين فعلوا ذلك لأنفسهم عتقًا لرقابهم من النار، ومعلوم أن من ليس بمعصموم في حاجة إلى غفران الذنوب وتكفير السيئات. ٤ - التأذين للعيدين أو للكسوف: فإن الأذان من حيث هو قربة وباعتبار كونه للعيدين أو للكسوفين بدعة. ٥ - الاستغفار عقب الصلاة: عدى هيئة الاجتماع ورفع الصوت، فالاستغفار في ذاته سنة وباعتبار هيئته من رفع الصوت واجتماع المستغفرين وفى المسجد بدعة. ٦ - الأذان يوم الجمعة داخل المسجد: فالأذان في ذاته مشروع وبالنظر إلى مكانه مبتدع. ٧ - تخصيص يوم لم يخصه الشارع يصوم أو ليلة لم يخصها الشارع بقيام: فالصوم في ذاته مشروع وقيام الليل كذلك وتخصيصها بيوم أو بليلة بدعة كما سيأتى. ٨ - رفع الصوت بالذكر أو القرآن أمام الجنازة: فالذكر باعتبار ذاته مشروع، وكذا القرآن باعتبار ذاته مشروع وباعتبار ما عرض له من رفع الصوت غير مشروع، وكذا وضعه في ذلك الموضع غير مشروع فهو مبتدع من جهتين: من جهة موضعه ومن جهة كيفيته. ٩ - ختم الصلاة المعروف: (على الوجه المعروف) فإنه من جهة كونه قرآنًا وذكرًا ودعاء مشروع ومن جهة ما عرض له من رفع الصوت وفى المسجد غير مشروع. ١٠ - الصلاة والسلام على النبي ﵌ عقب الأذان: مع رفع الصوت بهما وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان، فالصلاة والسلام مشروعان باعتبار ذاتهما ولكنهما بدعة باعتبار ما عرض لهما من الجهر وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان إلى غير ذلك من كل عمل له شائبتان بحيث

стр. 58

يكون مشروعًا باعتبار غير مشروع باعتبار آخر. وبهذا تعلم أن من ينكر البدعة المذكورة إنما ينكرها بالاعتبار الثاني، فالاعتراض عليه منشؤه عدم الدراية بحقيقة البدعة وبما يقصده المنكر لها، وعلى المرشد أن يكون حكيمًا في مثل هذه البدعة الإضافية فينبه الناس إليها برفق ولين ولا يكون مثار فتنة. (هذا) وإن صاحب البدعة الإضافية يتقرب إلى اللّه تعالى بمشروع وغير مشروع كما علمت من الأمثلة السابقة والتقرب يجب أن يكون بمحض المشروع، إذ لا يقرب العبد إلى اللّه تعالى إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذى شرع، فكما يجب أن يكون العمل مشروعًا باعتبار ذاته يجب أن يكون مشروعًا باعتبار كيفيته كما يفيده حديث: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" [رواه مسلم]. فالمبتدع بدعة إضافية قد خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا وهو يرى أن الكل صالح فلا يدخل في عداد من ترجى توبته لأنَّه لا يرى لنفسه ذنبًا حتى يتوب منه، بل يرى أن كل ما يعمله حسن. ولا توبة لمن لم يعرف لنفسه ذنبًا ولهذا قال أئمة المسلمين كسفيان الثورى: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها، ومعنى قولهم: إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذى يتخذ دينًا لم يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه أو أنه ترك حسنًا مأمورًا به ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب، وفى الحديث من رواية ابن أبى عاصم وغيره عن النبي صلوات اللّه وسلامه عليه قال: "يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب وأهلكونى بـ (لَا إلهَ إِلَّا اللَّه) والاستغفار فلما رأيت ذلك ثَبَّتُّ فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا" ولكن التوبة ممكنة وواقعة بأن يهديه اللّه حتى يتبين له الحق كما هدى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف أهل البدع والضلال، فقد يعرض الدليل على المخالف فيرجع لاقتناعه به كما رجع من الحرورية الخارجين على الإمام على ﵁ ألفان. وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 59

اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٢) أي من اتباع الرسول ﷺ وطاعته فيما جاء به لكان ذلك خيرًا لهم في العاجل والآجل وأشد تقوية ورسوخًا لإيمانهم وأخلاقهم؛ لأن الأعمال هى التى تنمى شجرة الإيمان وتطبع الأخلاق في نفس العامل، وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيماً ولهديناهم صراطًا مستقيمًا هو طريق العمل الصالح على الوجه الصحيح أي وفقناهم لازدياد الخيرات، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ (٣) أي آمنوا بالرسل المتقدمة، اتقوا الله فيما تأتون وما تذرون وصدقوا بمحمد ﷺ يعطكم نصيبين من إحسانه لإيمانكم بالرسول وبمن قبله من الرسل ويجعل لكم نورًا تمشون به في طرق الخير، ويوم القيامة ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ويغفر لكم ما أسلفتم من الكفر والمعاصى. (الوجه الخامس): تنقسم إلى كلية وجزئية فإن الخلل الناشئ عنها قد يكون كليًّا في الشريعة فتكون كلية، كبدعة التحسين والتقبيح العقليين ومنها أن إرسال الرسل من الجائز العقلى عند أهل السنة وأوجبه العتزلة بناء على قاعدة وجوب الصلاح والأصلح فيقولون: النظام المؤدى إلى صلاح النوع الإنسانى على العموم في المعالق والمعاد لا يتم إلا ببعثة الرسل وكل ما هو كذلك فهو واجب على اللّه تعالى. وأوجبه أيضًا الفلاسفة بناء على قاعدة التعليل أو الطبيعة فيقولون: يلزم من وجود العالم بالتعليل أو الطبع ويلزم من وجود العالم وجود من يصلحه. وأحاله السُّمنية والبراهمة، زعموا أن إرسال الرسل عبث لا يليق بالحكيم؛ لأن العقل يغنى عنه، فإن الشئ إن كان حسنًا عند العقل فعله وإن لم تأت به الرسل، وإن كان قبيحًا عنده تركه وإن أتت به الرسل، وإن لم يكن عنده حسنًا ولا قبيحًا، فإن احتاج إليه فعنه وإلا تركه. نعوذ باللّه من الضلال. والسُمَنية - بضم السين وقتح الميم مخففة-: نسبة إلى سومنات بلد بالهند وهم فرقة يعبدون الأصنام، والبراهمة نسبة إلى رئيسهم برهام وهم قوم كفار. وبدعة

стр. 60

إنكار الأخبار النبوية مطلقًا اقتصارًا على القرآن أو أخبار الآحاد. وجه كونها كلية تشمل ما لا حصر له من فروع الشريعة أن عامة التكاليف مبنى عليها؛ لأن الأمر إنما يرد على المكلف من كتاب اللّه أو سنة رسوله، فإن كان وارداً من السنة فأكثر نقل السنة من الآحاد، وإن كان واردًا من الكتاب فإنما تبينه السنة فكل ما لم يبين في القرآن فلابد لمنكر العمل بخبر الآحاد أن يستعمل فيه رأيه وهواه وهو الابتداع بعينه، فيكون كل فرع ينبنى على ذلك بدعة لا سنة، وأولى بذلك الابتداع بإنكار العمل بالأخبار النبوية مطلقًا جاءت تواترًا أو آحادًا اكتفاء بالقرآن واقتصارًا على ما استحسنته عقولهم في فهم القرآن حتى أباحوا الخمر بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) زاعمين أنها داخلة تحت قوله: ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) كما تقدم بسطه في أمثلة البدعة الحقيقية. وفى هؤلاء وأمثالهم قال رسول اللّه صلوات الله وسلامه عليه: "لألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدرى. ما وجدنا في كتاب اللَّه اتبعناه" رواه الترمذى من حديث أبى رافع وقال: حديث حسن. وفى رواية له: "ألا هل عسى رجل يبلغه عنى الحديث وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب اللَّه فما وجدنا فيه حلالًا حللناه وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول اللَّه كما حرم اللَّه" والحديث وارد في مقام الذم، وإثبات أن سنة رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه في التحليل والتحريم ككتاب اللّه تعالى. فمن أنكر ذلك فقد بنى أعماله على رأيه لا على كتاب الله تعالى ولا على سنة رسوله ﷺ ، فهو بدعة كلية حقيقية. فمن أنكر ذلك فقد بنى أعماله على رأيه وبقية الأمثلة لا تخفى على بصير، وشبهة المنكر لخبر الآحاد أنه ظنى وقد نهينا عن اتباع الظن لقوله تعالى في ذم الكفار: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٢) وهى شبهة فاسدة؛ لأن النهى عن اتباع الظن إنما هو في العقائد التى لابد فيها كا العلم كما هو سياق الآية، وأما الأمور العملية فيكفى فيها الظن ولذا أجمع الفقهاء على الأخذ بدلالة العموم والقياس وخبر الواحد وكلها ظنية. وبدعة الخوارج في زعمهم أن لا تحكيم مستدلين بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٣) بناء على أن

стр. 61

اللفظ عام لم يلحقه تخصيص وأعرضوا عن قول اللّه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١)، وقوله -جل وعلا- في جزاء الصيد على المحرم: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) ولو علموا أن من العموم ما يراد به الخصوص لم يسرعوا إلى الإنكار، ولنظروا هل هذا العام مخصوص أو لا -نعوذ باللّه من الضلال- وهؤلاء هم الذين خرجوا على الإمام على ﵁ وكفروه عند التحكيم، ومنهم من يقول مرتكب الكبيرة كافر، وما أشبه ذلك من البدع التى لا تخص فرعًا من فروع الشريعة دون فرع، بل تجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية. وقد يكون ضرر البدعة جزئيًّا يأتى في بعض الفروع دون بعض، كبدعة التغنى بالقرآن، والتلحين في الأذان، والاعتماد في الصلاة على إحدى الرِجْلين ونذر الصيام قائمًا لا يجلس، ضاحيًا لا يستظل، ساكتًا لا يتكلم، والامتناع عن تناول ما أحل اللّه من غير عذر شرعى كالنوم أو لذيذ الطعام أو النساء وما إلى ذلك من البدع الإضافية فإنها لا تتعدى فيه محلها ولا تنتظم غيرها حتى تكون أصلًا لها. (الوجه السادس): تنقسم إلى عبادية وعادية، والعبادة ما يقصد منها التقرب إلى اللّه تعالى طمعًا في الثواب، والعادة ما لا يقصد منه التقرب إلى اللّه تعالى أي أنها بحسب أصلها الموضوعة له لم يقصد بها ذلك وإن صح فيها التقرب باعتبار أمر غير لازم لها وهى الأمور الجارية بين الخلق في الاكتساب وسائر المحاولات الدنيوية التى هى طرق لنيل الحظوظ العاجلة مثل العقود على اختلافها والتصاريف المالية على تنوعها، ولا نزاع لهم في إمكان الابتداع في العباديات ووقوعه سواء أكانت العباديات أعمالًا قلبية وأمورًا اعتقادية أم كانت من أعمال الجورح قولًا أو فعلًا كمذهب القدرية والمرجئة (٣) والخوارج والمعتزلة، وكذلك مذهب

стр. 62

الإباحية (١) وكاختراع العبادات على غير مثال سابق ولا أصل مرجوع إليه. وإنما اختلفت الأنظار في الابتداع في العاديات، والمختار عند أصحاب الطريقة الثانية في معنى البدعة إمكانه ووقوعه قائلين: (لنا على الجواز) أن الشريعة جاءت وافية ببيان القوانين التى بها صلاح الناس في أمور المعاش والمعاد، فالعادات كالعبادات كلاهما مشروع، وكما أنا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذلك العادات، فإذا جاز (أمكن) الابتداع فيما هو عبادة جاز فيما هو عادى من الأمور التى يقصد بها صلاح الدنيا. ورد عليهم أصحاب الطريقة الأولى، قالوا: لو جاز الابتداع في العاديات لوجب أن يعد كل العادات التى حدثت بعد الصدر الأول من المآكل والمشارب والملابس والمسائل النازلة بدعًا والتالى باطل، أما الملازمة فلأن مناط الابتداع حينئذ على إحداث الطرائق الدينية عبادة كانت أو عادة، هذه المذكورات كذلك، وأما بطلان التالى فلوجهين: (الأول): أنه لو عُدَّت هذه المذكورات من البدع لكان كل من تلبس بشيء منها مخالفًا لما كان عليه الصدر الأول وهو موجب للذم، وهذا من الشناعة بمكان، فإن العادات من الأمور التى تدور مع الأزمنة الأمكنة، فللناس في كل زمان، وفى كل مكان عادات مختلفة، وهم مع كل هذه العادات -حيث حوفظ فيها على القوانين الشرعية الجارية على مقتضى الكتاب والسنة- على تمام الموافقة للصدر الفاضل. (الثانى): أن عد هذه بدعًا يؤدى إلى نسبة الحرج والتضييق للشريعة، فإن في التزام الزى الواحد والحالة الواحدة والعادة الواحدة تعبًا ومشقة قضت به الشريعة، وإنما كان الالتزام كذلك لاختلاف الأخلاق والأزمنة والبقاع والأحوال.

стр. 63

والجواب: أن هذا مبنى على ما رأيتم من قصر البدعة على الحادث المذموم، وأرباب الطريقة الثانية يطلقونها على معنى أعم من ذلك كما عرفت، فيجوز أن إلبدعة العادية مما تدخل تحت قانون شرعى عادى فلا يعد التلبس بها مخالفة، ولا يوجب الحكم عليها بالابتداع أن تكون الشريعة قاضية بالتزام ما عداها، بل نقول: يجوز إجماع الأمة على أمر عادى لم يكن في الصدر الأول بناء على التحقيق من أن الإجماع يجرى في الأمور الدنيوية، والناس بإجماعهم على فعل هذه العادة متبعون للشرع حيث حكم بأن أمته لا تجتمع على ضلالة. ولنا على الوقوع ما سيأتى في التقسيم الثانى من نحو المكوس والمظالم المحدثة وتقديم الجهال على العلماء في الولايات العلمية، وتولية المناصب الشريفة من ليس لها بأهل بطريق الوراثة، وإقامة صور الأئمة وولاة الأمور (١)، واتخاذ المناخل وغسل الأيدى بالصابون ولبس الطيالس وتوسيع الأكمام وأشباه ذلك من الأمور التى لم تكن في الزمن الفاضل والسلف الصالح، فإنها أمور جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت فلحقت بالبدع وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة. ورده أرباب الطريقة الأولى. قالوا: لا نسلم أن هذه المذكورات مما وقع فيه الابتداع لأنها مخالفات للشرع ومعاصٍ في الجملة وليس كل معصية بدعة، سلمنا وقوع الابتداع فيها لكن لا من حيث كونها عادية، بل من حيث كونها تعبدية، قال في "الاعتصام" ما محصله: ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادى من شائبة التعبد؛ لأن ما لا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهى عنه فهو المراد بالتعبدى، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادى، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبديات (٢) والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عاديات،

стр. 64

لأن أحكامها معقولة المعنى، ولا بد فيها من التعبد إذ هى مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها (١) فالقسمان مشتركان في معنى التعبد، والابتداع إنما يتصور دخوله في القسم الثانى من جهة التعبد فيه لا من جهة كونه عادة، قمثل المكوس إذا نظر إليها من جهة كونها عادة أي أنها ظلم كسائر المظالم مثل الغصب والسرقة وقطع الطريق فلا يدخلها الابتداع، إذ هى من هذه الجهة مما يتناولها نهى الشارع عن أكل أموال الناس بالباطل، وليس فيها جهة تشريع، وإنما يتصور دخول الابتداع في المكوس إذا لوحظت من جهة أنها وضعت على الناس كالدين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائمًا أو في أوقات محدودة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهى المشروع الدائم الذى يحمل عليه العامة ويؤخذون به ويوجه على الممتنع منه العقوبة، كما في أخذه زكاة المواشى والحرث وما أشبه ذلك، فإنها من هذه الجهة تكون شرعًا مستدركًا إذ هى حينئذ تشريع زائد وإلزام للمكلفين يضاهى إلزامهم الزكاة المفروضة، والديات المضروبة والغرامات المحكوم بها في الأموال. ففى المكوس على هذا الفرض جهتان: جهة كونها محرمة كسائر أنواع الظلم، وجهة كونها اختراعًا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف، فاجتمع فيها نهيان: نهى عن المعصية، ونهى عن البدعة، وليس ذلك موجودًا في البدع العبادية، وإنما يوجد فيها النهى من جهة كونها تشريعًا موضوعًا على الناس أمر وجوب أو ندب إذ ليس فيها جهة أخرى تكون بها معصية، بل نفس التشريع هو نفس الممنوع، فالعاديات من حيث هى عاديات لا بدعة فيها، رمن حيث يتعبد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة. وكذا تقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح لها يطريق التوارث هو من هذا القبيل، فإنَّ جَعْلَ الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيًا في الدين أو حاكمًا في الدماء

стр. 65

والأبضاع والأموال مثلًا محرم في الدين، وكون ذلك يتخذ ديدنا حتى يصير الابن مستحقًّا لرتبة الأب بطريق الوراثة، وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب بحيث يشيع ذلك العمل ويطرد ويرده الناس كالشرع الذى لا يخالف فهو بدعة بلا إشكال. انتهى. ولا يخفى على المتأمل أن ما ذكره لم يخرج عن كونه تقريرًا لدخول معنى الابتداع في هذه المذكورات بناء على ما ذهب إليه أرباب الطريقة الأولى: من أنهم يعتبرون في معنى البدعة أن يكون مسلوكًا بها مسلك التشريع ووضع القوانين، فالذين يلتزمون ذلك في البدعة يجعلون ما ذكره وجه الابتداع في هذه المذكورات. وليت شعرى إذا كان الابتداع في هذا القسم وقسم العبادات من جهة كونه مسلوكًا به مسالك التشريع ومن حيث كونه اختراعًا يؤخذ به الناس حتى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف وأن هذا هو مناط الذم ونهى الشارع، والسبب الذى لأجله عدت البدعة من المخازى الفاضحة، فهاد تكون القوانين الوضعية التى تسنها الحكومات الإسلامية ورؤساء الجمعيات وكل ذى مصلحة إدارية لما فيها من المصالح الضرورية والحاجيات والتحسينات الكمالية ابتداعًا ومحلًا، لذم الشارع، فإنه قد سلك بها مسلك التشريع على الوجه الذى قرره صاحب "الاعتصام"، وكيف يذهب عاقل إلى حرمة أن يسن أولو الأمر والنهى قوانين تكون كافلة بحفظ نظام الأمم حيث لم تخرج عن القانون الشرعى كقانون الجنايات والجنح، والمخالفات التى تجعل عقوبة كمن فعل كذا يحبس مثلًا شهرًا إلى غير ذلك. أما إذا خرجت هذه القوانين الوضعية عن القانون الشرعى، فإنها تسمى معصية منكرة على الطريقة الأولى لا بدعة وتسمى بدعة على الطريقة الثانية، كما عرفت وستعلم أن أصحاب الطريقة الثانية لا يعتبرون ذللك في معنى البدعة، بل المناط فيها أن تكون تسنينًا وإحداثًا لسنة بحيث يقع الاقتداء به سواء أحدث العمل على أنه دين وشرع أم لا، وبالإحداث على هذا الوجه يكون الفاعل قد فتح باب الشر، وسيتضح لك هذا قريبًا إن شاء اللّه تعالى. ثم قال: وأما إقامة الأئمة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه السلف، فليس من البدع في شيء لأنَّه إما مطلوب، أو من قبيل المصالح المرسلة كما سيأتى قريبًا والأشبه التمثيل بزخرفة المساجد بألوان تفرق

стр. 66

قلوب المصلين وبُسُطٍ فيها من أنواع النقش ما يشغل المصلى، وكذا تعليق الثريات الباهظة الأثمان، إذ كثير من الناس يعتقد أنها من قبيل ترفيع بيوت اللّه تعالى حتى يعد الإنفاق في ذلك إنفاقًا في سبيل اللّه، فإنها بهذا الاعتبار تصير بدعًا مذمومة. وأما تنظيم المساجد بتشييد بنائها ورفعه رفعًا مناسبًا وتنظيف جدرانها بلون لا يحول بين المصلى وبين ربه، وكذا فرشها بالفرش التى لا تعدو حد الاقتصاد والتوسط فهذا ليس من محل الخلاف وإنما هو عمارة للمساجد ينفق فيه من آمن بالله واليوم الآخر، وحسبك ما كان من أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ من إصلاح المسجد النبوي. وأما اتخاذ المناخل فإن فُرِضَ مباحًا كما قالوا: فإنما إباحته بدليل شرعى فلا ابتداع، وإن فرض مكروهًا كما أشار إليه محمد ين أسلم، فوجه الكراهة عنده كونها عدت في الأثر الآتى من المحدثات، والظاهر أن الكراهة من ناحية السرف والتنعم الذى أشار إلى كراهته قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا … ﴾ (١) الآية، لا من جهة أنه بدعة محدثة، وكذا يقال في باقى الأمثلة. وجملة القول أن الابتداع إن دخل في الأمور العادية فهو لما فيها من معنى التعبد فرجع الأمر إلى أن الابتداع المذموم لا يكون في العادى المحض، كالمخترعات في أمور الدنيا التى تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وترقى برقى الأمم والشعوب، ولما كانت بذلك لا يمكن للناس حصر جزئياتها ويعسر عليهم أن يتقيدوا بجزئيات مخصوصة منها ترك الشارع التصرف لكل أمة تدير شئونها بما يوافق زمانها وجاءهم بقواعد كلية تنطبق على كل أمة وتصلح لكل زمان فجعل (العدل أساس الأعمال) (واتقاء الشر مقدمًا في أي حال من الأحوال) فمتى كان ذلك قصد الناس في أمورهم الدنيوية، فليخترعوا ما شاءوا من الطرق النافعة، وليبتدعوا ما أرادوا من الحيل والأساليب الصحيحة فإنه لا حجر في ذلك. أما إذا جاوز المخترعون العدل باختراعهم وانصرفوا إلى الشر والإفساد في ابتداعهم فتلك سنة سيئة "ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ".

стр. 67

وبما تقدم علم حكم الابتداع في نحو لبس الثياب والأكل والشرب والمشى والنوم فهذه أمور عادية وقد دخلها التعبد وقيدها الشارع بأمور لا خيرة فيها كنهى اللابس عن إطالة الثوب عُجبًا وطلب التسمية عند الأكل والشرب والنهى عن الإسراف فيهما والنهى عن النوم عاريًا على سطح إلى غير ذلك من القيود التى قيد بها الشارع. فالأمور المذكورة عادية ومن هذه الجهة لا يدخلها الابتداع وإنما من الجهة التى رسمها الشارع فيها، فإذا خولف بها الوجه المشروع واعتبر ذلك دينًا يتقرب يه إلى اللّه تعالى كانت بدعًا، بل هى معصية وابتداع باعتبارين كما سبق في وضع المكوس (فهى) باعتبار مخالفتها الأمر والنهى عصيان، ومن حيث التقرب بها إلى اللّه تعالى من الجهة المضادة للطريق التى رسمها تكون بدعة مذمومة، وبذلك حصل اتفاق القولين واتضح الحال وباللّه تعالى التوفيق، ولا تنس أن هذا مبنى على الطريقة الأولى في معنى البدعة كما سبق. وأما الثانى وهو التقسيم الخاص بأرباب الطريقة الثانية في تعريف البدعة بالمعنى الثانى، وعليه جرى القرافى تبعًا لشيخه العز بن عبد السلام فهو انقسامها إلى حسنة وقبيحة (١) والأولى إلى واجبة ومندوبة ومباحة والثانية إلى محرمة ومكروهة فتعتريها الأحكام الخمسة. الأولى: البدعة الواجبة: وهى ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع (٢) كجمع القرآن وتدوينه في المصاحف، وجمع الناس على المصاحف العثمانية، وترك ما سوى ذلك من القراءات التى كانت مستعملة في زمان رسول اللّه ﵌، وكذلك جمع العلوم وتدوينها، وكذلك الاشتغال بالعلوم التى يفهم بها كلام اللّه تعالى وكلام رسوله وحفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة والكلام في الجرح والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم، وكذا تقرير قواعد الفنون الشرعية وبيان فروعها وأحكامها

стр. 68

وتفسير القرآن والسنة وتدوين كل ذلك. وبالجملة كل ما حدث مما يرجع إلى حفظ الدين من ضياع أو تحريف كالرد على أهل البدع والأهواء المحرمة كالقدرية والمجسمة، فإن تبليغ الدين إلى من بعدنا واجب إجماعًا وإهمال ذلك حرام كذلك، أو يرجع إلى تفهمه، فإن التفقه في الدين أيضًا واجب. فهذا كله ونحوه معلوم حسنه، ظاهر فائدته؛ لأنَّه إما أن يكون له أصل يشهد له في الجملة فيكون من قبيل المصالح المرسلة، وإما من قبيل ما إلا يتم الواجب إلَّا به وتسمية مثل ذلك بدعة، باعتبار عدم وجوده في العهد النبوى، كما سمى عمر صلاة التراويح بدعة وإلَّا فهى من السنن اللاحقة بسنته ﷺ أعنى سنة الخلفاء الراشدين كما يفيده حديث: "فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضُّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". فعلى هذا يكون قوله: "وإياكم ومحدثات الأمور" مما دخله التخصيص إذ سنة الخلفاء الراشدين منها مع أنَّا أمِرنا باتباعها لرجوعها إلى أصل شرعى. الثانية: البدعة المندوبة: وهى ما تناولته قواعد الندب وأدلته، كصلاة التراويح على الهيئة المعروفة من مواظبة الناس عليها الشهر كله عشرين ركعة كل ليلة واجتماعهم على قارئ واحد فإنها لم تكن كذلك على عهد رسول اللّه ﵌ وعهد أبى بكر رضى اللّه عنه وصدر من خلافة عمر رضى اللّه عنه إلى أن تشاور فيها ورآها بدعة حسنة. وقد روى عن على كرم اللّه وجهه أنه خرج أول ليلة من رمضان والقناديل تزهر (١) في المساجد وكتاب اللّه يتلى، فجعل ينادى نور اللّه لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نورت مساجد اللّه بالقرآن. (ومنها): إقامة صور (مظاهر) الأئمة والقضاة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه حال الصحابة رضى الله عنهما، بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلَّا بعظمة الولاة في نفوس الناس. وكان الناس في زمن الصحابة معظم تعظيمهم بالدين وسبق الهجرة، ثم تغير الحال وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر لا يعظمون إلَّا بالصور فجاز تفخيم الصور حتى تقوم المصالح.

стр. 69

الثالثة: البدعة المباحة: وهى ما تناولته قواعد الإباحة وأدلتها من الشرع. (ومنها): اتخاذ المناخل للدقيق (ففى الآثار) أن أول ما أحدث الناس بعد رسول الله ﷺ أربعة أشياء: المناخل والشبع (١) وغسل اليدين بالأشنان بعد الطعام، والأكل على الموائد؛ لأن تليين العيش وإصلاحه من المباحات فوسائله كذلك. قال حجة الإسلام الغزالى: واعلم أنا وإن قلنا الأكل على السفرة أولى فلسنا نقوق الأكل على المائدة منهى عنه نهى كراهة أو تحريم إذ لم يثبت فيه نهى، وما يقال إنه أبدع بعد رسول اللّه ﷺ فليس كل ما أبدع منهيًّا عنه، بل المنهى بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرًا من الشرع مع بقاء علته، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب، وليس في المائدة إلَّا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه. والأربع التى جمعت في أنها بدعة ليست متساوية، بل الأشنان حسن لما فيه من النظافة، فإن الغسل مستحب للنظافة. والأشنان أتم في التنظيف، وكانوا لا يستعملونه لأنَّه ربما كان لا يعتاد عندهم أو لا يتيسر أو كانوا مشغولين بأمور أهم من المبالغة في النظافة فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضًا، وكانت مناديلهم أخمص أقدامهم وذلك لا يمنع كون الغسل مستحبًّا. وأما المنخل فالمقصود منه تطييب الطعام وذلك مباح ما لم ينته إلى التنعم المفرط، وأما المائدة فتيسير للطعام وهو أيضًا مباح ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم. وأما الشبع فهو أشد هذه الأربعة، فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات وتحريك الأدواء في البدن، فلتدرك التفرقة بين هذه المبتدعات. والسفرة اسم لقطعة من الجلد ونحوه يوضع عليها الطعام عند التناول، والمائدة الكرسى الذي يوضع عليه الطعام أيضًا. والخوان بالكسر ويضم وهو المائدة يعتاد بعض المترفين الأكل عليه احترازًا من خفض رءوسهم، فالأكل عليه بدعة لكنها مباحة وذكر الإمام الغزالى أيضًا أن من آداب الأكل أن يوضع

стр. 70

الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض فهو أقرب إلى فعل رسول اللّه ﵌ من رفعه على المائدة "وكان رسول اللَّه ﵌ إذا أتى بطعام وضعه على الأرض" رواه أحمد، فهذا أقرب إلى التواضع، فإن لم يكن فعلى السفرة. انتهى. المقصود منه: ومن هذا تعلم أن أبا حامد ﵀ من القائلين بالتقسيم، وأنَّه يطلق البدعة على الأمر المحدث عبادة كان أو عادة (ومنها) الأكل بالملاعق، (ومنها) التوسع في الطيب من المأكل والمشرب والملبس والسمكن، (ومنها) العلامة الخضراء أحدثت سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بأمر الملك شعبان بن حسن ابن محمد بن قلاوون. فلا يؤمر بها الشريف ولا ينهى عنها غيره؛ لأن الناس مضبوصون بأنسابهم. وليست هذه العلامة مما ورد بها الشرع فتباح. أقصى ما في الباب أنه حدث التمييز بها لهؤلاء وقد يستأنس لها بقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (١) وقد استدل بها بعض العلماء على تخصيص أهل العلم بلباس يتميزون به ليعرفوا فيبجلوا أو يسألوا تعظيمًا للعلم ونشرًا له وهو وجه حسن. الرابعة: البدعة المحرمة: وهى ما تناولته قواعد التحريم وأدلته من الشريعة كالمكوس، والمحدثات من المظالم، والمحدثات المنافية لقواعد الشريعة. كتقديم الجهال على العلماء وتولية الناصب الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوريث بعلة أن المنصب كان لأبيه وهو في نفسه ليس بأهل ولدرء هذه المفسدة وجب امتحان طلبة العلم ليعرف الكفء للوظائف الدينية وغيرها، فنأمن شر من يتولاها ممن ليس لها أهلًا. وقد يستأنس له بما وقع منه ﵌ مع معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن قاضيًا فإنه امتحنه إذ قال له: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ " قال: أقضى بما في كتاب الله. قال: "فإن لم يكن في كتاب اللَّه؟ " قال: فبسنة رسول اللّه ﷺ . قال: "فإن لم يكن في سنة رسول اللَّه؟ " قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال معاذ: فضرب بيده في صدرى وقال: "الحمد للَّه الذى وفق رسول رسول اللَّه لما يرضاه رسول اللَّه" رواه أبو داود، وبما رواه البخارى من حديث ابن عمر رضى اللّه عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن فحدثوني ما هى؟ " فوقع الناس في شجر

стр. 71

البادية. قال عبد اللّه: ووقع في نفسى أنها النخلة فاستحييت ثم قالوا: حدثنا ما هى يا رسول اللّه. قال: "هى النخلة" فقد سألهم اختبارًا لأفهامهما وتشجيعًا لهم على حسن التفكير. ومن البدع المحرمة مذاهب أهل البدع الخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة، كمذهب الكرامية في تحويزهم الكذب على سول اللّه ﷺ ترغيبًا أو ترهيبًا، والروافض في قولهم بوجوب صوم يوم الشك من رمضان مع حديث: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم" ومذهب الجبرية والمرجئة والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة كما سبق. (ومنها): تلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي. (ومنها): ما اعتاده كثير من العجم يوم عاشوراء من الجزع والحزن والنوح واللطم بخلاف بدعة السرور والتوسعة فهى مكروهة كما سيأتى. (ومنها): الانتماء إلى جماعة من الدجالين يزعمون التصوف وهم يخالفون ما كان عليه مشايخ الطرق من الزهد والورع والوقوف عند حد الشرع، فمنهم إباحية لا يحرمون ما حرم الله لتلبيس الشيطان عليهم أحوالهم القبيحة فهم باسم الفسق أحق منهم باسم التصوف، ولأنهم يضللون عقول البسطاء ويوهمونهم كذبًا أنهما على شيء من الوصول، ألا إنهم هم السفهاء العاطلون. الخامسة: البدعة المكروهة: وهى ما تناولته قواعد الكراهة وأدلتها من الشرع. (ومنها): تخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة، إذ ليس لأحد أن يحدث شعارًا دينيًّا من قبل نفسه. وشأن العبادة إذا التزمت في وقت مخصوص أن تكون من شعائره، ولذا ورد في الصحيح أخرجه مسلم وغيره أن رسول اللّه صلى عليه وآله وسلم نهى عن تخصيص يوء الجمعة بصيام أو ليلته بقيام، فعن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم" أي إلَّا أن تصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا، رواه الجماعة إلا النَّسَائِيّ، وروى البخاري من حديث أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضى اللّه عنها: أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهى صائمة قال: "أصمت أمس؟ " قالت: لا. قال: " تريدين أن تصومى غداً؟ " قالت: لا. قال: "فأفطرى". ولمسلم: "ولا تخصوا

стр. 72

ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" وهو صريح في عدم جواز تخصيص ليلة الجمعة بقيام أو صلاة من بين الليالى. قال الإمام النووى قى شرح مسلم: وهذا متفق على كراهته. قال: واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التى تسمى الرغائب، قاتل اللّه واضعها ومخترعها فإنها بدعة منكرة من البدع التى هى ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة. وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها ودلائل قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن تحصر واللّه أعلم. ا هـ. والحديث المروى فيها موضوع على رسول اللّه ﷺ وكذب عليه، قال ذلك الإمام سراج الدين أبو بكر الطرطوشى والإمام ابن الجوزى والعراقى وغيرهم. (ومنها): الزيادة في المندوبات المحدودات شرعًا كما ورد في التسبيح عقب الصلوات ثلاثًا وثلاثين فيفعل مائة. وورد صاع في صدقة الفطر فيجعل عشرة أصواع، بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع وقلة أدب معه، بل شأن العظماء إذا حددوا شيئًا وقف عنده، وعدوا الخروج عنه قلة أدب. والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع؛ لأنَّه يؤدى إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل والمزيد عليه. ولذلك نهى الإمام مالك رضى اللّه عنه عن إيصال ستة أيام من شوال لئلا يعتقد أنها من رمضان. (وخرَّج) أبو داود في مسنده أن رجلًا دخل إلى مسجد رسول اللّه ﷺ فصلى الفرض وقام ليصلى ركعتين، فقال عمر بن الخطاب ﵁: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فهكذا هلك من قبلنا، فقال رسول اللّه ﷺ : "أصاب اللَّه بك يا ابن الخطاب" يريد عمر رضى اللّه عنه أن من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض واعتقدوا الكل فرضًا وذلك تغيير للشرائع وهو حرام بالإجماع. (ومن البدع المكروهة): زخرفة المساجد وتزويق المصاحف بغير الذهب والفضة، ومن غير مال الوقف وإلا كان من البدع المحرمة. (ومنها): أخذ الفأل من المصحف إلى غير ذلك مما لا نطيل بذكره، فعلى الجملة أن البدعة إذا عرضت تعرض على قواعد الشرع وأدلته، فأى شيء

стр. 73

تناولها من القواعد والأدلة ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرهما، وإن نظر إليها من حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة مع قطع النظر عما يعرض لها فهى مكروهة، فإن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع. وقد عاب المحقق الشاطبى في "الاعتصام" هذا التقسيم ورد على من قسم البدع إلى خمسة أقسام وبين أن ذلك التقسيم لايدل عليه عقل ولا نقل وهاك المقصود منه لتكون على بصيرة من المقام. قال ﵀ ما ملخصه: إن العلماء قسموا البدع بأقسام أحكام الشريعة الخمسة ولم يعدوها قسمًا واحدًا مذمومًا فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ومحرم ومكروه وبسط ذلك القرافى بسطًا شافيًا تبعًا لشيخه عز الدين بن عبد السلام فقال: أعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام: (قسم واجب) وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع كتدوين القرآن والشرائع إلى آخر ما مر من الأقسام الخمسة. والجواب: أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعى، بل هو في نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة ألَّا يدل عليها دليل شرعى لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلًا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها .. فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين. (أما) المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لا مكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم ألبتة إلا الكراهة والتحريم حسبما يذكر في آخر فصل أحكام البدعة، والحاصل أن كل بدعة معصية كالصيام قائمًا في الشمس، والخصاء وليس كل معصية بدعة كالقتل والسرقة تناول المسكرات أول إحداثها. فما ذكره القرافى عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح وما قسمه فيها غير صحيح. ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه من خرق الإجماع، وكأنه إنما اتبع في هذا

стр. 74

التقسيم شيخه من غير تأمل، فإن الشيخ ابن عبد السلام ﵀ ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعًا بناء -واللّه أعلم- على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة وإن كانت تلائم قواعد الشرع. فمن هنالك جعل القواعد هى الدالة على استحسانها، فتسميته لها بلفظ البدع من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة واستحسانها من حيث دخولها تحت القواعد، و لما بنى على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة. وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعًا في اللفظ، كما سمى عمر رضى اللّه عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة كما سيأتى. (أما القرافى) فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه ولا على مراد الناس لأنَّه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفًا للإجماع. ونقول: أما قوله: إن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعى، فقال قصد به الرد على القرافى وغيره في قولهم. والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام، وقد علمت أن البدعة تطلق عندهم على معنى يتناول البدعة الحسنة والقبيحة فلا إشكال في صحة التقسيم، وقوله: بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعى … إلخ، إن أراد أن هذا من حقيقة كل معانيها فغير مسلم وهو أول المسألة التى فيها النزاع، وإن أراد أن ذلك من حقيقة معناها في الجملة فمسلم ولا يفيد، فإن التقسيم كما علمت إنما هو لبعض معانيها لا جميعها، وقوله: فما ذكره القرافى عن الأصحاب … إلخ، علمت حاله وأن التقسيم صحيح لا غبار عليه، وقوله: ومن العجب حكاية الاتفاق … إلخ، إن كان قد زعم أن مراد القرافى من الأصحاب جميع مجتهدى الأمة أعنى من ينعقد بهما الإجماع ويعد اتفاقهم إجماعًا فمدفوع بأن القرافى أراد من الأصحاب أصحاب المذهب (المالكى) كما هو ظاهر وحينئذ فمجرد اتفاقهما لا يعد إجماعًا حتى تكون مصادمته خرقًا للإجماع كيف وأن اتفاقهم ربما يوجع إلى رأى مجتهد واحد وهو من كانت الأصحاب أصحابه، على أنك قد علمت أن النزاع في المسألة لا يرجع إلى شيء من الأحكام الشرعية وإنما الكلام في أن لفظ البدعة هل يقال شرعًا بمعنى يفصل فيه وينقسم إلى هذه الأقسام الخمسة، فلو سلمنا

стр. 75

انعقاد الإجماع على عدم إطلاق لفظ البدعة كذلك فلا بأس بمصادمة هذا الإجماع ولا يعد خرقه محظورًا، بل ذلك في الإجماع الذى هو من الأدلة الشرعية أعني الإجماع على حكم شرعى كما هو معلوم، وقوله: وكأنه اتبع في هذا التقسيم شيخه … إلخ، هذا المعنى الذى نسبه للشيخ هو مراد كل القائلين بهذا التقسيم كما هو جلى من عباراتهم فهو مراد القرافى ولا مخالفة بينه وبين شيخه، وكأن الإمام الشاطبى توهم هذه المخالفة من اقتصار الشيخ في بيان الأقسام على عرضها على القواعد، واندراجها تحتها حيث قال في آخر قواعده: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهى واجبة، أو في قواعد التحريم فهى محرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة. ا هـ. بخلاف القرافى فقد اعتبر مع هذا تناول أدلة الوجوب والندب: هكذا، فزعم أن الأدلة بمعنى النصوص المعينة الجزئية المنطبقة على البدع بدعة بدعة، وليس كما زعم، وإنما يريد القرافى الأدلة العامة الإجمالية مثل (مقدمة الواجب واجبة)، (ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)، ومثل (لا ضرر ولا ضرار). والأدلة بهذا المعنى تتناول القواعد، والإمام الشاطبى نفسه قد استعمل الدنيل بهذا المعنى في قوله، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعى لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، واللّه أعلم. قال المحقق الشاطبى (ثم) نقول: أما قسم الواجب فهو من قبيل المصالح المرسلة لا من البدع المحدثة. والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم فهى من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول وإن كان فيها خلاف بينهم ولكن لا يعد ذلك قدحًا على ما نحن فيه، وسيأتيك الفرق بين البدع والمصالح المرسلة إن شاء اللّه تعالى. أما جمع المصحف وقصر الناس على المصاحف العثمانية فهو في الحقيقة من هذا الباب، إذ أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف، تسهيلًا على العرب المختلفات اللغات، فكانت المصلحة في ذلك ظاهرة إلا أنه عرض في إباحة ذلك بعد رسول اللّه ﵌ فتح لباب الاختلاف في القرآن، حيث اختلفوا في وجوه القراءة فخاف الصحابة رضوان اللّه
следующие страницы →