البادية. قال عبد اللّه: ووقع في نفسى أنها النخلة فاستحييت ثم قالوا: حدثنا ما هى يا رسول اللّه. قال: "هى النخلة" فقد سألهم اختبارًا لأفهامهما وتشجيعًا لهم على حسن التفكير.
ومن البدع المحرمة مذاهب أهل البدع الخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة، كمذهب الكرامية في تحويزهم الكذب على سول اللّه ﷺ ترغيبًا أو ترهيبًا، والروافض في قولهم بوجوب صوم يوم الشك من رمضان مع حديث: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم" ومذهب الجبرية والمرجئة والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة كما سبق.
(ومنها): تلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي.
(ومنها): ما اعتاده كثير من العجم يوم عاشوراء من الجزع والحزن والنوح واللطم بخلاف بدعة السرور والتوسعة فهى مكروهة كما سيأتى.
(ومنها): الانتماء إلى جماعة من الدجالين يزعمون التصوف وهم يخالفون ما كان عليه مشايخ الطرق من الزهد والورع والوقوف عند حد الشرع، فمنهم إباحية لا يحرمون ما حرم الله لتلبيس الشيطان عليهم أحوالهم القبيحة فهم باسم الفسق أحق منهم باسم التصوف، ولأنهم يضللون عقول البسطاء ويوهمونهم كذبًا أنهما على شيء من الوصول، ألا إنهم هم السفهاء العاطلون.
الخامسة: البدعة المكروهة: وهى ما تناولته قواعد الكراهة وأدلتها من الشرع.
(ومنها): تخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة، إذ ليس لأحد أن يحدث شعارًا دينيًّا من قبل نفسه. وشأن العبادة إذا التزمت في وقت مخصوص أن تكون من شعائره، ولذا ورد في الصحيح أخرجه مسلم وغيره أن رسول اللّه صلى عليه وآله وسلم نهى عن تخصيص يوء الجمعة بصيام أو ليلته بقيام، فعن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم" أي إلَّا أن تصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا، رواه الجماعة إلا النَّسَائِيّ، وروى البخاري من حديث أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضى اللّه عنها: أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهى صائمة قال: "أصمت أمس؟ " قالت: لا. قال: " تريدين أن تصومى غداً؟ " قالت: لا. قال: "فأفطرى". ولمسلم: "ولا تخصوا
стр. 72
ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" وهو صريح في عدم جواز تخصيص ليلة الجمعة بقيام أو صلاة من بين الليالى. قال الإمام النووى قى شرح مسلم: وهذا متفق على كراهته. قال: واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التى تسمى الرغائب، قاتل اللّه واضعها ومخترعها فإنها بدعة منكرة من البدع التى هى ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة. وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها ودلائل قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن تحصر واللّه أعلم. ا هـ.
والحديث المروى فيها موضوع على رسول اللّه ﷺ وكذب عليه، قال ذلك الإمام سراج الدين أبو بكر الطرطوشى والإمام ابن الجوزى والعراقى وغيرهم.
(ومنها): الزيادة في المندوبات المحدودات شرعًا كما ورد في التسبيح عقب الصلوات ثلاثًا وثلاثين فيفعل مائة. وورد صاع في صدقة الفطر فيجعل عشرة أصواع، بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع وقلة أدب معه، بل شأن العظماء إذا حددوا شيئًا وقف عنده، وعدوا الخروج عنه قلة أدب. والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع؛ لأنَّه يؤدى إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل والمزيد عليه. ولذلك نهى الإمام مالك رضى اللّه عنه عن إيصال ستة أيام من شوال لئلا يعتقد أنها من رمضان.
(وخرَّج) أبو داود في مسنده أن رجلًا دخل إلى مسجد رسول اللّه ﷺ فصلى الفرض وقام ليصلى ركعتين، فقال عمر بن الخطاب ﵁: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فهكذا هلك من قبلنا، فقال رسول اللّه ﷺ : "أصاب اللَّه بك يا ابن الخطاب" يريد عمر رضى اللّه عنه أن من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض واعتقدوا الكل فرضًا وذلك تغيير للشرائع وهو حرام بالإجماع.
(ومن البدع المكروهة): زخرفة المساجد وتزويق المصاحف بغير الذهب والفضة، ومن غير مال الوقف وإلا كان من البدع المحرمة.
(ومنها): أخذ الفأل من المصحف إلى غير ذلك مما لا نطيل بذكره، فعلى الجملة أن البدعة إذا عرضت تعرض على قواعد الشرع وأدلته، فأى شيء
стр. 73
تناولها من القواعد والأدلة ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرهما، وإن نظر إليها من حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة مع قطع النظر عما يعرض لها فهى مكروهة، فإن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع.
وقد عاب المحقق الشاطبى في "الاعتصام" هذا التقسيم ورد على من قسم البدع إلى خمسة أقسام وبين أن ذلك التقسيم لايدل عليه عقل ولا نقل وهاك المقصود منه لتكون على بصيرة من المقام. قال ﵀ ما ملخصه: إن العلماء قسموا البدع بأقسام أحكام الشريعة الخمسة ولم يعدوها قسمًا واحدًا مذمومًا فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ومحرم ومكروه وبسط ذلك القرافى بسطًا شافيًا تبعًا لشيخه عز الدين بن عبد السلام فقال: أعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام: (قسم واجب) وهو ما تناولته
قواعد الوجوب وأدلته من الشرع كتدوين القرآن والشرائع إلى آخر ما مر من الأقسام الخمسة.
والجواب: أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعى، بل هو في نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة ألَّا يدل عليها دليل شرعى لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلًا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها .. فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين.
(أما) المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لا مكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم ألبتة إلا الكراهة والتحريم حسبما يذكر في آخر فصل أحكام البدعة، والحاصل أن كل بدعة معصية كالصيام قائمًا في الشمس، والخصاء وليس كل معصية بدعة كالقتل والسرقة تناول المسكرات أول إحداثها.
فما ذكره القرافى عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح وما قسمه فيها غير صحيح. ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه من خرق الإجماع، وكأنه إنما اتبع في هذا
стр. 74
التقسيم شيخه من غير تأمل، فإن الشيخ ابن عبد السلام ﵀ ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعًا بناء -واللّه أعلم- على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة وإن كانت تلائم قواعد الشرع. فمن هنالك جعل القواعد هى الدالة على استحسانها، فتسميته لها بلفظ البدع من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة واستحسانها من حيث دخولها تحت القواعد، و لما بنى على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة. وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعًا في اللفظ، كما سمى عمر رضى اللّه عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة كما سيأتى. (أما القرافى) فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه ولا على مراد الناس لأنَّه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفًا للإجماع.
ونقول: أما قوله: إن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعى، فقال
قصد به الرد على القرافى وغيره في قولهم. والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام، وقد علمت أن البدعة تطلق عندهم على معنى يتناول البدعة الحسنة والقبيحة فلا إشكال في صحة التقسيم، وقوله: بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعى … إلخ، إن أراد أن هذا من حقيقة كل معانيها فغير مسلم وهو أول المسألة التى فيها النزاع، وإن أراد أن ذلك من حقيقة معناها في الجملة فمسلم ولا يفيد، فإن التقسيم كما علمت إنما هو لبعض معانيها لا جميعها، وقوله: فما ذكره القرافى عن الأصحاب … إلخ، علمت حاله وأن التقسيم صحيح لا غبار عليه، وقوله: ومن العجب حكاية الاتفاق … إلخ، إن كان قد زعم أن مراد القرافى من الأصحاب جميع مجتهدى الأمة أعنى من ينعقد بهما الإجماع ويعد اتفاقهم إجماعًا فمدفوع بأن القرافى أراد من الأصحاب أصحاب المذهب (المالكى) كما هو ظاهر وحينئذ فمجرد اتفاقهما لا يعد إجماعًا حتى تكون مصادمته خرقًا للإجماع كيف وأن اتفاقهم ربما يوجع إلى رأى مجتهد واحد وهو من كانت الأصحاب أصحابه، على أنك قد علمت أن النزاع في المسألة لا يرجع إلى شيء من الأحكام الشرعية وإنما الكلام في أن لفظ البدعة هل يقال شرعًا بمعنى يفصل فيه وينقسم إلى هذه الأقسام الخمسة، فلو سلمنا
стр. 75
انعقاد الإجماع على عدم إطلاق لفظ البدعة كذلك فلا بأس بمصادمة هذا الإجماع ولا يعد خرقه محظورًا، بل ذلك في الإجماع الذى هو من الأدلة الشرعية أعني الإجماع على حكم شرعى كما هو معلوم، وقوله: وكأنه اتبع في هذا التقسيم شيخه … إلخ، هذا المعنى الذى نسبه للشيخ هو مراد كل القائلين بهذا التقسيم كما هو جلى من عباراتهم فهو مراد القرافى ولا مخالفة بينه وبين شيخه، وكأن الإمام الشاطبى توهم هذه المخالفة من اقتصار الشيخ في بيان الأقسام على عرضها على القواعد، واندراجها تحتها حيث قال في آخر قواعده: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهى واجبة، أو في قواعد التحريم فهى محرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة. ا هـ. بخلاف القرافى فقد اعتبر مع هذا تناول أدلة الوجوب والندب: هكذا، فزعم أن الأدلة بمعنى النصوص المعينة الجزئية المنطبقة على البدع بدعة بدعة، وليس كما زعم، وإنما يريد القرافى الأدلة العامة الإجمالية مثل (مقدمة
الواجب واجبة)، (ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)، ومثل (لا ضرر ولا ضرار). والأدلة بهذا المعنى تتناول القواعد، والإمام الشاطبى نفسه قد استعمل الدنيل بهذا المعنى في قوله، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعى لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، واللّه أعلم.
قال المحقق الشاطبى (ثم) نقول: أما قسم الواجب فهو من قبيل المصالح المرسلة لا من البدع المحدثة. والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم فهى من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول وإن كان فيها خلاف بينهم ولكن لا يعد ذلك قدحًا على ما نحن فيه، وسيأتيك الفرق بين البدع والمصالح المرسلة إن شاء اللّه تعالى.
أما جمع المصحف وقصر الناس على المصاحف العثمانية فهو في الحقيقة من هذا الباب، إذ أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف، تسهيلًا على العرب المختلفات اللغات، فكانت المصلحة في ذلك ظاهرة إلا أنه عرض في إباحة ذلك بعد رسول اللّه ﵌ فتح لباب الاختلاف في القرآن، حيث اختلفوا في وجوه القراءة فخاف الصحابة رضوان اللّه
стр. 76
عليهم اختلاف الأمة في ينبوع الملة فقصروا الناس على ما ثبت منها في مصاحف عثمان ﵁ وطرحوا ما سوى ذلك علمًا بأن ما طرحوه مضمن فيما أثبتوه لأنَّه من قبيل القراءات التى يؤدى بها القرآن (ثم) ضبطوا ذلك بالرواية حين فسدت الألسنة ودخل في إلإسلام أهل العجمة خوفًا من فتح باب آخر من الفساد وهو أن يدخل أهل الإلحاد في القرآن أو فى القراءات ما ليس منها فيستعينوا بذلك في بث إلحادهم. ألا ترى أنه لما لم يمكنهم الدخول من هذا الباب دخلوا من جهة التأويل والدعوى في معانى القرآن (فحق) ما فعل أصحاب رسول الله ﵌ لأن له أصلًا يشهد له في الجملة وهو الأمر بتبليغ الشريعة كما في الحديث: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب"، وأشباهه والتبليغ يصح بأى شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها، ولذلك أجمع عليه السلف الصالح.
(وأما) ما سوى المصحف فالأمر فيه أسهل فقد ثبت في السنة كتابة العلم، ففى صحيح البخارى قوله ﵌: "اكتبوا لأبي فلان" أي لأبي شاه اليمنى. وكان لرسول اللّه ﵌ كتاب يكتبون له
إلوحى وغيره: منهم عثمان وعلي ومعاوية والمغيرة بن شعبة وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهم. (وأيضاً) فإن الكتابة من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به إذا تعين لضعف الحفظ وخوف اندراس العلم. وبالجملة دليل هذا القسم من الشرع ثابت فليس ببدعة.
وقوله: على سبعة أحرف، المراد بها اللغات التى تختلف بها لهجات العرب حتى يوسع على كل قوم أن يقرءوه بلحنهم، وما كان العرب يفهمون معنى الحرف في الكلام إلا اللغة. أما بعد الإسلام فخصوا لفظة الحرف من القرآن بكل كلمة تقرأ منه على الوجوه، فيقولون: هذا في حرف ابن مسعود مثلًا يريدون قراءته.
(وأما قسم المندوب) فليس من البدع بحال، مثلًا صلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد قد قام بهما رسول اللّه ﵌ واجتمع الناس خلفه، لكنه صلى اللّه عليه وآله سلم لما خاف افتراضها على الأمة أمسك عن ذلك، ففى الصحيح عن عائشة رضى اللّه عنها: "أن رسول ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا الليلة الثالثة أو الرابعة فلم
стр. 77
يخرج إليهم رسول اللّه ﵌، فلما أصبح قال: قد رأيت الذى صنعتم فلم يمنعنى من الخروج إلا أنى خشيت أن يفرض عليكم وذلك في رمضان". وهذا يدل على كونها سنة فإن قيامه أولًا بهم دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان، وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقًا؛ لأن زمانه كان زمان وحى وتشريع فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس بالإلزام فلما زالت علة التشريع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم رجع الأمر إلى أصله وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له (وإنما) لم يقم بذلك أبو بكر رضى اللّه عنه لأحد أمرين: (إما) لأنَّه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل ذكره الطرطوشى، (وإما) لضيق زمانه عن النظر في هذه الفروع مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح. فلما تمهد الإسلام في زمن عمر رضى اللّه عنه ورأى الناس في المسجد أوزاعًا كما جاء في الخبر قال: لو جمعت الناس على قارئ أحد لكان أمثل، فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل، ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره، والأمة لا تجتمع على ضلالة (وقد نص) الأصوليون على أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعى.
وإنما سماها عمر رضى اللّه عنه بدعة وحسنها بقوله: "نعمت البدعة هذه" باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول اللّه ﵌ واتفق أنها لم تقع في زمن أبى بكر رضى اللّه عنه، لا أنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامى وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه لأنَّه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه.
وصفوة القول أن صلاة التراويح كانت من أفعال الخير وداخلة في عموم ما ندب إليه اللّه ورسوله مدحها، ولما لم يواظب عليها النبي ﵌ ولا جمع الناس لها ولا كانت في زمن أبى بكر ﵁، وإنما عمر رضى اللّه عنه هو الذى جمع الناس عليها وندبهم إليها، سماها بدعة وهى على الحقيقة سنة لقوله ﵌: "فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها
стр. 78
بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور … " الحديث رواه الترمذى وأبو داود وغيرهما، فإنه يفيد أن ما سنه الخلفاء الراشدون لاحق بسنته ﵌؛ لأن ما سنوه لا يعدو أحد أمرين: إما أن يكون مقصودًا بدليل شرعى فهو سنة لا بدعة، وإما بغير دليل -ومعاذ اللّه من ذلك- ولكن هذا الحديث دليل على إثباته سنة، إذ قد أثبته كذلك صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه فدليله من الشرع ثابت فليس ببدعة. ولذا أردف أتباعهم بالنهى عن البدع بإطلاق ولو كان عملهم ذلك بدعة لوقع فما الحديث التدافع، وبهذا يجاب عن كل ما ظهر على يد بعضهم أو كلهم مما لم يكن على عهد رسول الله ﵌، كقتل الجماعة بالواحد لأنَّه منقول عن عمر وهو أحد الخلفاء الراشدين، وتضمين الصناع وهو منقول عن الخلفاء الأربعة رضوان اللّه عليهم أجمعين كما سيأتى.
قال في "شرح المختار": روى أسد بن عمرو عن أبى يوسف ﵀ قال: سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمر، فقال: التراويح سنة مؤكدة ولم يتخرصه عمر من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعًا ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول اللّه ﷺ ولقد سن عمر هذا وجمع الناس على أبى بن كعب فصلاها جماعة والصحابة متوافرون منهم عثمان وعلى وابن مسعود والعباس وابنه وطلحة والزبير ومعاذ وأبيّ وغيرهم من الهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين،
وما رد عليه واحد منهم بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك وكان على يستحسن ما فعل عمر في ذلك ويفضله ويقول: نور شهر الصيام. اهـ.
ولزيادة البيان في هذا المقام نقول: إن روايات البخارى المذكورة في هذا الباب لم تبين عدد هذه الصلاة التى صلاها رسول اللّه ﵌ في تلك الليالى وما نقل أنه صلى فيها عشرين ركعة غير صحيح، بل الثابت أنه صلى بهما ثمانى ركعات والوتر. روى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما من حديث جابر رضى اللّه عنه قال: "صلى بنا رسول اللّه ﵌ في رمضان ثمان ركعات ثم أوتر"، وعن عائشة رضى اللّه عنها قالت: "ما كان رسول الله ﵌ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" متفق عليه. أخبرت عن الأغلب من
стр. 79
فعله ﵌ فلا ينافيه ما خالفه مما روى عنها أيضًا لأنَّه إخيار من النادر.
وأما فعل التراويح عشرين ركعة فهو الذى قال به الإمام الشافعى وأبو حنيفة وأحمد ونقله القاضى عياض عن جمهور العلماء وعند الإمام مالك ستة وثلاثون ركعة غير الوتر أخذ بعمل أهل المدينة واحتجوا بما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد الصحابى قال: "كانوا يقومون على عهد عمر رضى اللّه عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلى رضى اللّه عنهما مثله"، وفى رواية عن علي: "أنه أمر رجلًا أن يصلى بهم في رمضان بعشرين ركعة ويوتر بثلاث". قال في "المغنى": وهذا كالإجماع.
والجواب عما قاله مالك: أن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل ترويحتين ويصلون ركعتى الطواف ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة فأراد أهل المدينة مساواتهم فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات فزادوا ست عشرة ركعة. وما كان عليه الصحابة أحق وأولى بالاتباع، وهناك خبر ما فعله عمر: روى البخارى من حديث عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال: "خرجت مع عمر ابن الخطاب رضى اللّه عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلى الرجل لنفسه ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط، فقال عمر: إنى أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه والتى ينامون عنها أفضل من التى يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون
أوله" أي أن صلاة التراويح آخر الليل أفضل من فعلها أوله، ولم يذكر فيه عدد الركعات التى كان يصليها أبى والمعروف وهو الذى عليه الجمهور أنه عشرون ركعة بعشر تسليمات كما سبق في رواية البيهقي وفى هذا كفاية.
(وكذلك) إقامة صور الأئمة ليس من قبيل البدع بسبيل:
(أما الأول): فإن التجمل لذوى الهيئات والمناصب الرفيعة مطلوب وقد كان للنبي ﵌ حلة يتجمل بها للوفود لأن ذلك أهيب وأوقع في النفوس من تعظيم العظماء ومثله التجمل للقاء العظماء كما جاء في حديث أشج عبد القيس ولفظه من رواية ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: (وفد إلى
стр. 80
النبي ﵌ الأشج فأناخ راحلته ثم عقلها ثم طرح عنه ثوبين كانا عليه وأخرج من العيبة ثوبين حسنين فلبسهما وذلك بعين رسول اللّه ﵌ يرى ما يصنع، ثم أقبل يمشى إلى رسول اللّه ﵌ فقال صلى اللّه عليه وآله سلم؟ "يا أشج إن فيك خلقين يحبهما اللَّه ورسوله". قال: ما هما بأبى أنت وأمى يا رسول اللّه؟ فقال: "الحلم والأناة "، فقال: خلقان تخلقتهما أو خلقان جبلتهما. قال: "بل خلقان جبلك اللَّه عليهما"، فقال: الحمد للّه الذى جبلنى على خلقين يحبهما اللّه ورسوله) متفق عليه. والأشج: هو العبدى ويقال له: أشج عبد القيس، وأشج بنى عصر مشهور بلقبه اسمه المنذر بن عابد ابن الحارث، كان قدومه ومن معه سنة عشر من الهجرة وكان قد تخلف عن أصحابه وهو أصغرهم سنًّا وهم أقبلوا بثياب سفرهم فقابلوا النبي ﷺ . العيبة -بالفتح-: هي شبه الخرج، والحلم: العقل، والأناة: كقناة التثبت وعدم العجلة.
(وأما الثانى): فإن سلمنا أن لا دليل عليه بخصوصه فهو من قبيل المصالح المرسلة وقد مر أنها ثابتة في الشرع وباقى أمثلة هذا القسم لا تخفى على بصير.
والمذكور في قسم المباح مسألة الناخل ونحوها وليست في الحقيقة من البدع، بل هى من باب التنعم ولا يقال فيمن تنعم بمباح أنه قد ابتدع (وإنما) يرجع ذلك إذا اعتبر إلى جهة الإسراف في المأكول؛ لأن الإسراف كما يكون في جهة الكمية يكون في جهة الكيفية، فالمناخل لا تعدو القسمين فإن كان الإسراف من ماله ولم
يكره اغتفر وإلا فلا، مع أن الأصل الجواز، قال ابن عباس رضى اللّه عنهما: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأك خصلتان: سرف ومخيلة -وهى بفتح فكسر فسكون-: الكبر والسرف -بقتحتين-: ضد القصد.
(وأما قسم التحريم) فليس فيه ما هو بدعة هكذا بإطلاق، بل ذلك كله مخالفة للأمر المشروع فلا يزيد على تحريم أكل المال بالباطل إلا من جهة كونه موضوعًا على وزان الأحكام الشرعية اللازمة كالزكوات المفروضة والنفقات المقدرة، فلا يصح أن يطلق القول في هذا القسم بأنه بدعة دون أن يقسم الأمر في ذلك.
(وأما قسم المكروه) ففيه أشياء هي من قبيل البدع في الجملة ولا كلام
стр. 81
فيها كتخصيص بعض الليالى أو الأيام لنوع من العبادة، والزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا، فإن الاحتياط في العبادات المحضة أن لا يزاد فيها ولا ينقص منها، وذلك صحيح لأن الزيادة فيها والنقصان منها بدع منكرة فحالاتها وذرائعها يحتاط فيها في جانب النهى.
ونقول لك: قد علمت مما تقدم في أواخر الفصل الأول، أن الخلاف في معنى البدعة شرعًا ليس يرجع إلى شيء من الأحكام، بل هو خلاف لفظى يرجع محصوله إلى تحقيق ما يطلق عليه لفظ البدعة، فما جعل دينًا وليس منه مذموم اتفاقًا كما أنه يسمى بدعة اتفاقًا، والمحدثات التى يتناولها نهى الشارع مذمومة كذلك إنما الكلام في أنها كما تسمى محدثة تسمى بدعة، قال أرباب الطريقة الأولى: (لا) والثانية: (نعم)، وكذا الكلام في المحدثات الحسنة التى تتناولها قواعد الوجوب أو الندب، وأدلتهما العامة. فليس مقصود القائلين -بالتقسيم وأن البدعة منها الحسنة والقبيحة أن يتذرعوا بهذا إلى جواز الابتداع في الدين -حاشاهم، وهم من أجلاء الفقهاء، وجهابذة الإسلام، أن يقولوا بحسن الابتداع في الدين: (نعم) يجوز أن يتذرع يه الدهماء في ارتكابهم البدع قائلين: "هذه بدعة حسنة لأن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة" والأحكام الخمسة من بدعهم براء -وهذا لجهلهم بمواقع السنة والبدعة- والله الهادى إلى سواء السبيل.
* * *
الفصُل الرابع في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة
كان الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم أجمعين إذا لم يجدوا نصًّا في كتاب اللّه ولا في سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فزعوا إلى ما سموه رأيًا واجتهادًا، وهو الحكم في الحادثة يناء على القواعد الكلية، والأدلة العامة في الدين كقوله صلوات الله وسلامه عليه: "لا ضرر ولا ضرار"، وقوله: "دع ما يريبك إلى مما لا يريبك" ولم يكونوا يهتمون بأصل معين يقيسون على محله الحادثة التى يفتون فيها، أو يقضون بها بين الناس، كما قضى عمر رضى اللّه عنه على محمد ابن مسلمة بأن يمر خليج جاره في أرضه؛ لأنَّه ينفع جاره، ولا يضر محمدًا، فهذا قضاء بأصل عام، وهو إباحة النافع، وحظر الضار، ولم يقله قياسًا على أصل معين، وهذا ما يسمى في
стр. 82
عرف الفقهاء بالمصالح المرسلة، وقاعدتها أن يناط الأمر باعتبار مناسب، لم يدل الشرع على اعتباره، ولا إلغائه، إلا أنه ملائم لتصرفات الشرع، بأن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة، بغير دليل معين، كما سيتضح لك بالأمثلة الآتية.
ثم إن من الناس من تشتبه عليه البدع بالمصالح المرسلة، ومنشأ الغلط أن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذى لا يشهد له أصل معين، فليس له شاهد شرعى على الخصوص، فلما كان هاهنا موضع اشتباه لأن البدع والمصالح المرسلة يجريان من واد واحد وهو أن كلًّا منهما لم يقم على خصوصه دليل شرعى وجب الفرق بينهما.
وقد عرفت مما تقدم ما هى البدعة، ولم يبق إلا أن تعرف ما هى المصالح المرسلة، فنقول: قال المحقق الشاطبى ما ملخصه:
قسم الأصوليون المناسب الذى هو مناط الحكم إلى ما علم اعتبار الشرع له كمشروعية القصاص حفظًا للنفوس والأطراف وغيرها. وما علم إلغاؤه له كالقادر على إعتاق الرقبة في كفارة الوقاع في نهار رمضان لا يعدل إلى صيام شهرين متتابعين مع أن الإعتاق لا يزجره ويزجره الصوم، وما لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه،
وهو الذى لا يشهد له أصل معين بالاعتبار، بل يؤخذ من مقاصد الشرع العامة فيعد من وسائلها. وهذا القسم هو الذى يسمونه بالمصالح المرسلة أي المطلقة: عما يدل على اعتبارها أو إلغائها شرعًا. وإليك عشرة أمثلة للمصالح المرسلة حتى يتبين الفرق بينهما، ويعلم أن البدع ليست من المصالح المرسلة في شيء:
أ- أن أصحاب رسول الله ﵌ اتفقوا على جمع المصحف كما تقدم وليس ثم نص على جمعه وكتبه أيضًا، وقد ذهب عمر بن الخطاب إلى أبى بكر الصديق ﵄ وأخبره أن القتل قد استحر -أي اشتد وكثر- بالقراء يوم اليمامة وأخشى أن يستحر بهم في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وأرى أن تأمر بجمع القرآن. وما زال به عمر حتى شرح اللّه صدره لجمعه ورأى أبو بكر الذى رآه عمر فأرسل إلى زيد بن ثابت ﵁، فقال له: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحى لرسول اللّه ﵌ فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيد:
стр. 83
فواللّه لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على منه. فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف ومن صدور الرجال، فهذا عمل لم ينقل فيه خلاف عن أحد من الصحابة فكان إجماعًا، والرقاع: جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق، والعُسب: جمع عسيب وهو الطرف العريض من جريد النخل، واللخاف: حجارة بيض رقاق واحدتها لخفة كسمكة.
ثم روى عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان كان يغازى مع أهل الشام وأهل العراق في فتح أرمينية وأذربيجان فأفزعه اختلافهم في القرآن أي لكثرة اختلاف المسلمين في وجوه القراءة حتى صار يكفر بعضهم بعضًا؛ لأن ما لم يكن يرفعه الواحد منهم من الوجوه ينكره على غيره وينسبه للكفر فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أرسلى إلي بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها عليك، فأرسلت حفصة بها إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وإلى عبد اللّه بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فأمرهم أن ينسخوا الصحف في المصاحف، ثم قال للرهط القرشيين: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم. قال: ففعلوا حتى نسخوها في المصاحف،
ثم بعث عثمان في كل أفق مصحفًا ثم أمر بما سوى ذلك أن يحرق، وكان ذلك سنة خمس وعشرين. والمصاحف التى كتبت منه أرسلت إلى الكوفة والبصرة ودمشق ومكة والمدينة، وأبقى عثمان لنفسه مصحفًا عرف بالمصحف الإمام ووضعت هذه المصاحف في جوامع الأمصار يقرأ منها القراء ويرجع إليها الحفاظ. فهذا أيضًا إجماع آخر في كتب وجمع الناس على قراءة لا يحصل منها في الغالب اختلاف، ولم يرد نص عن النبي ﵌ بما صنع أصحابه، ولكنهم رأوه مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعًا فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة، والأمر بحفظها معلوم، وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذى هو القرآن، وقد علم النهى عن الاختلاف لي ذلك بما لا مزيد عليه.
وصفوة القول أن كتابة القرآن ليست محدثة، فإنه ﵌ كان يأمر بكتابته ولكن كان مفرقًا في الرقاع والعظام والعسب في
стр. 84
زمنه ﵌، وإنما لم يأمر النبي ﵌ بجمعه في حياته لعدم المقتضى له ولاحتمال الزيادة في كل سورة ما دام حيًّا فأمر الصديق رضى اللّه عنه بنسخه من مكان إلى مكان وكتابته مجتمعًا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه ﵌ فيها القرآن منتشر فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء. وما فعله الصديق واجب لما يترتب عليه من الإحصاء والحفظ من الضياع، ولذا أجمع عليه الصحابة رضى اللّه عنهم أجمعين.
ولما اتسعت الفتوح وتفرق المسلمون في الأمصار فأخذ أهل كل مصر عن رجل من بقية القراء فأخذ أهل دمشق وحمص عن المقداد بن الأسود وأهل الكوفة عن ابن مسعود وأهل البصرة عن أبى موسى الأشعرى وقرأ كثير من أهل الشام بقراءة أبى بن كعب. وكانت وجوه القراءة التى يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف اللغات التى نزل عليها، إلى أن كانت غزوة أرمينية وغزوة أذربيجان، ورأى حذيفة ابن اليمان رضى اللّه عنه كثرة اختلاف المسلمين في وجوه القراءة، ورأى ما كان يبدر على ألسنتهم حين يأتى كل فريق منهم بما لم يُسمع من غيره، إذ يتمارون فيه حتى يكفر بعضهم بعضًا ففزع إلى عثمان ﵁ فأخبره بالذى رأى وكان عثمان قد رفع إليه أن شيئًا من ذلك يكون بين المسلمين الذين يُقرئون الصبية ويأخذونهم بحفظ القرآن، فسدًا لباب الفتنة أمر سيدنا عثمان رضى اللّه عنه أن
ينسخوا الصحف الأولى التى كانت عند أبى بكر رضى اللّه عنه وأن يأخذوا الناس بها ويجمعوهم عليها. فالفرق بين جمع أبى بكر وعثمان رضى اللّه عنهما أن الأول كان للمحافظة على ينبوع الملة من الضياع بموت الحفاظ؛ لأنَّه لم يكن مجموعًا في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبًا لها على ما وقفهم عليه النبي ﷺ ، والثانى لتوحيد قراءته منعًا للاختلاف فيه ودرءًا للفتنة، فنسخ الصحف التى جمعها أبو بكر في مصحف واحد وكتب من ذلك عدة مصاحف أرسل إلى كل مصر مصحفًا كما عرفت، والكل كان بإجماج الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين.
٢ - اتفاق أصحاب رسول اللّه ﵌ على حد شارب الخمر ثمانين، وإنما مستندهم في ذلك الرجوع إلى المصالح المرسلة ولم يكن
стр. 85
فيه حد مقرر زمان رسول اللّه ﷺ وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزيز. ولما انتهى الأمر إلى أبى بكر رضى اللّه عنه قرره على طريق النظر أربعين، ثم انتهى الأمر إلى عمر رضى الله عنه فتتابع الناس فجمع الصحابة فاستشارهم فقال على رضى اللّه عنه: "من سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفترى". ووجه إجراء المسألة على الاستدلال المرسل أن الشريعة تقيم الأسباب في بعض المواضع مقام المسببات والمظنة مقام الحكم. فقد جعل الإيلاج في أحكام كثيرة في معنى الإنزال، وحرمت الخلوة بالأجنبية حذرًا من الذريعة إلى الفساد، فرأوا الشرب ذريعة إلى الافتراء الذى تقتضيه كثرة الهذيان فإنه أول سابق إلى السكران. قالوا: فهذا من أوضح الأدلة على إسناد الأحكام إلى المعانى التى لا أصول لها على الخصوص وهو مقطوع من الصحابة رضى اللّه عنهم.
وفى الهداية وشرحها للكمال بن الهمام ما ملخصه: وحد الخمر والسكر ثمانون سوطًا لإجماع الصحابة رضى اللّه عنهم وهو قول مالك وأحمد، وفى رواية عن أحمد وهو قول الشافعى أربعون إلا أن الإمام لو رأى أن يجلده ثمانين جاز على الأصح واستدل المصنف على تعين الثمانين بإجماع الصحابة.
روى البخاري من حديث السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﵌ وإمرة أبى بكر وصدرًا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيذينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين". عتوا: تجبَّرُوا وانهمكوا في الطغيان وبالغوا في الفساد بشرب الخمر. وفسقوا: خرجوا عن الطاعة.
وصح أن خالد بن الولد رضى اللّه عنه كتب إلى عمر رضى اللّه عنه من: "أن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة، فاستشار الصحابة رضوان اللّه عليهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين" رواه أبو داود والنسائى، وأخرج مسلم عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه "أن النبي ﵌ جلد في الخمر بالجريد والنعال ثم جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن نجعله ثمانين كأخف الحدود، قال: فجلد عمر
стр. 86
ثمانين". والريف -بكسر الراء-: كل أرض فيها زرع ونخل أو ما قارب المياه من أرض العرب وغيرها.
وفى "الموطأ" أن عمر استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له على بن أبى طالب ﵁: "نرى أن نجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفترى ثمانون".
ولا مانع من كون كل من على وعبد الرحمن ﵄ أشار بذلك فروى الحديث مرة مقتصرًا على هذا ومرة على هذا.
فهذه الأحاديث تفيد أن جلد شارب الخمر لم يكن مقدرًا في زمنه صلوات اللّه وسلامه عليه بعدد معين. ثم قدره أبو بكر وعمر بأربعين، ولما رأوا أنها غير كافية في الردع والكف عن المشرب اتفقوا على جلده تمانين، وإنما جاز لهم أن يجمعوا على تعينه مع عدم تعينه على عهد رسول اللّه ﵌ لتغير أهل الزمان وكثرة الشر والفساد كما أفاده قول السائب: حتى إذا عتوا وفسقوا.
٣ - أن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع. قال على رضى اللّه عنه: "لا يصلح الناس إلا ذاك" ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع والغالب عليهم التفريط في عين الأمتعة، فلو لم يضمنوا مع مس الحاجة إليهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية وذللث شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال ويقل الاحتراز وتتطرق الخيانة؛ فكانت المصلحة التضمين، هذا معنى قوله رضى اللّه تعالى عنه: "لا يصلح الناس إلا ذاك".
ولا يقال: إن هذا نوع فساد وهو تضمين البرئ لجواز أنه ما أفسد ولا فرط وأنَّه صادق في دعواه - لأنا نقول إذا تقابلت المصلحة والمضرة فشأن العقلاء النظر
إلى التفاوت واختيار الأرجح- ويشهد لذلك الأصول من حيث الجملة، فإن النبي ﵌ نهى عن أن يبيع حاضر لباد وقال: "دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض" ونهى عن تلقى الركبان حتى يهبط بالسلع إلى الأسواق. وهو من باب ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. فتضمين الصناع من هذا القبيل.
٤ - يجوز قتل الجماعة بالواحد، والمستند فيه المصلحة المرسلة، إذ لا نص
стр. 87
على عين المسألة، ولكنه منقول عن عمر وعلى وابن عباس والمغيرة بن شعبة رضى اللّه عنهم وهو مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة ﵏. ووجه المصلحة أن القتيل معصوم، وقد قتل عمدًا فإهداره داع إلى خرم أصل القصاص. واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعى بالقتل إذا علم أنه لا قصاص فيه، وليس أصله قتل المنفرد فإنه قاتل تحقيقًا والمشترك ليس بقاتل تحقيقًا (فإن قيل) هذا أمر بديع في الشرع وهو قتل غير القاتل. (قلنا) ليس كذلك، بل لم يقتل إلا القاتل وهم الجماعة من حيث الاجتماع عند مالك والشافعى وأبى حنيفة رحمهم اللّه تعالى. فهو مضاف إليهم تحقيقًا إضافته إلى الشخص الواحد، وإنما التعيين في تنزيل الأشخاص منزلة الشخص الواحد، وقد دعت إليه المصلحة فلم يكن مبتدعًا مع ما فيه من حفظ مقاصد الشرع في حقن الدماء، وعليه يجرى عند مالك قطع الأيدى باليد الواحدة وقطع الأيدى في النصاب الواحد (بديع في الشرع) أي مبتدع لا أصل له فيه لا خاص فيكون قياسًا عليه، ولا عام فيكون من المصالح المرسلة.
٥ - إقامة إمام للمسلمين مقلد عند فقد المجتهد مع نقل الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تكون إلا لمن نال رتبة الاجتهاد، ولكن حيث فرض خلو الزمان عن مجتهد يظهر بين الناس، وافتقروا إلى إمام يقدمونه لجريان الأحكام وتسكين ثورة الثائرين والحياطة على دماء المسلمين وأموالهم، فلابد من إقامة الأمثل ممن ليس بمجتهد لأنا بين أمرين: (إما) أن يترك الناس فوضى وهو عين الفساد، (وإما) أن يقدموه فيزول الفساد به ولا يبقى إلا فوت الاجتهاد. والتقليد كاف بحسبه وهو نظر مصلحى يشهد له أصل وضع الإمامة. والإجماع إنما انعقد على فرض أن لا يخلو الزمان عن مجتهد، فصار مثل هذه المسألة مما لم ينص عليه، فصح الاعتماد فيه على المصلحة.
٦ - ما نقل عن مالك من جواز الحبس في التهم وإن كان نوعًا من التعذيب،
وعن بعض أصحابه من جواز الضرب بالتهم لأنَّه قد تتعذر إقامة البينة فكانت المصلحهّ في التعذيب وسيلة إلى استخلاص الأموال من أيدى السُّرَّاق والغُضَّاب وهو عند الشيوخ من قبيل تضمين الصناع.
فإن قيل: هذا فتح باب لتعذيب البرئ. نقول: في تركه إبطال استرجاع
стр. 88
الأموال، بل ترك التعذيب أشد ضررًا إذ لا يعذب المتهم بمجرد الدعوى، بل مع قيام قرينة توجب ظن أنه الفاعل. فالتعذيب في الغالب لا يصادف البرئ وإن صادفه اغتفر كما اغتفر تضمين الصانع مع جواز أنه برئ.
٧ - إذا خلا بيت المال وزادت حاجة الجند إلى المال فللإمام إذا كان عدلًا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال إلى أن يوجد مال في بيت المال. ووجه المصلحة هنا ظاهر، فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك بطلت شوكته واختل الأمن وصارت البلاد عرضة للذل والاستعباد باستيلاء الأعداء. وإذا قارنا هذا الضرر العظيم بالضرر اللاحق بالأغنياء بأخذ البعض من أموالهم فلا مرية في اختيار الثانى على الأول، وهو مما يعلم من مقاصد الشرع قبل النظر في الشواهد.
٨ - ما قاله بعض العلماء من أن للإمام أن يعاقب بالمال إذا رأى المصلحة في ذلك كأن تكون جناية الجانى في نفس ذلك، المال أو في عوضه. فالعقوبة فيه عند الإمام مالك ثابتة، فإنه قال في "الزعفران المغشوش": إذا وجد بيد الذى غشه أنه يتصدق به على المساكين.
ومن مسائل الإمام مالك: إذا اشترى المسلم خمرًا من نصرانى فإنه يكسر على المسلم ويتصدق بالثمن أدبًا للنصرانى قبل قبضه، وذلك مروى عن عمر رضى اللّه عنه، وأنَّه أراق اللبن المغشوش بالماء تأديبًا للغاش، وذلك التأديب لا نص يشهد له، لكنه من باب الحكم على الخاصة لأجل العامة، ونظيره تضمين الصناع.
٩ - إذا طبق الحرام الأرض أو ناحية يعسر الانتقال منها وانسدت طرق المكاسب الطيبة ومست الحاجة إلى الزيادة على سد الرمق فيجوز الزيادة؛ إذ لو اقتصر على سد الرمق لتعطلت المكاسب والأعمال التى عليها مدار نظام الدنيا وفى ذلك مضيعة للدين وذلك ملائم لتصرفات الشرع وإن لم ينص على عينه، فإنه أجاز الميتة للمضطر والدم ولحم الخنزير، وأجازوا أخذ مال الغير أيضًا عند الضرورة فما نحن فيه لا يقصر عن ذلك.
١٠ - إذا بويع رجل على الإمامة الكبرى واستتب به الأمن صف وظهر من هو أكفأ منه، ولو خلع الأول لثارت الفتن واضطربت الأمور فالمصلحة قاضية ببقاء الأول ارتكابًا لأخف الضررين، فهو ملائم لتصرفات الشرع، وإن لم يعضده نص على التعيين. وإلا يجوز لهم خلعه والاستبدال به،
стр. 89
بل تجب عليهم طاعته والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته لهذا النظر المصلحى. قال ابن العربى: وقد قال ابن الخياط: إن بيعة ابن عمر ليزيد كانت كرهًا، وأين يزيد من ابن عمر، ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر الله والفرار من فتنة تذهب بالأموال والأنفس. فخلع يزيد يعرض للفتنة وهو لا يجوز مع العلم بأن الخلافة تعود إلى مستحقها، فكيف وذلك غير معلوم لجواز أن ينتصر ويبقى الأمر في يده وينكل بمن خلعوه أو تصير إلى مثله أو شر منه!؟ وروى البخارى عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه ووالده فقال: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة" وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة اللّه ورسوله ﷺ وإنى لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بينى وبينه.
فهذه الأمثلة تريك بُعْد ما بين البدع والمصالح المرسلة؛ لأن البدعة كما سبق هى: (طريقة في الدين مخترعة تضاهى الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد للّه تعالى) فهى ظاهرة في التعبدات وعامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل (والمصالح المرسلة) عامة النطر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على المناسبات المعقولة التى إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات ولا فيما جرى مجراها.
فحاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضرورى، أو رفع حرج لازم في الدين. فجمع المصحف حفظ للشريعة بحفظ أصلها وكتابته سد لباب الاختلاف فيه وتعزير الشارب بحده ثمانين للمحافظة على العقل، وتضمين الصناع لحفظ الصنعة والمال، وقتل الجماعة بالواحد لحفظ النفس والأطراف، ومبايعة المقلد لحفظ مصالح الأمة، وجواز الحبس والضرب في التهم للاحتيال لحفظ المال، وتوظيف الإمام شيئًا على الأغنياء هو حفظ لأرواح الجند ولشوكة الإمام، والعاقبة بالمال لحفظ التعامل وتبادل المنافع وإباحة ما زاد على سد الرمق هو رفع حرج لتحفظ المصالح وبها يحفظ الدين، والرضا بإمامة المفضول مع وجود الفاضل هو حفظ لكيان الأمة
وعدم المخاطرة بالنفوس والأموال. ومن ذلك تعرف أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة؛ لأن البدع تكون في التعبدات ومن شأنها أن تكون
стр. 90
غير معقولة المعنى على التفصيل بخلاف المصالح المرسلة، فإنها إنما تكون في معقول المعنى على التفصيل وهى المعاملات.
(وهناك فرق آخر) وهو أن البدع إنما تكون في المقاصد بخلاف المصالح المرسلة فإنها تكون في الوسائل ولهذا أرجعها بعضهم إلى قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فقد علمت أنهما يفترقان من جهتين:
(الأولى): أن البدع تكون في التعبدات وشأن التعبدات أن لا تكون معقولة المعنى على التفصيل، والمصالح تكون في المعقول معناه على التفصيل.
(والثانية): أن المصالح هى من باب الوسائل، والبدع من باب المقاصد وشتان ما بين الوسائل والمقاصد. فكيف مع هذا تشتبه البدعة بالمصالح المرسلة؟ وكيف يحتج بالمصالح المرسلة التى عمل بها الصحابة على جواز الابتداع في الدين؟.
والسر في اعتبار المصلحة المرسلة في المعاملات دون العبادات، أن العبادات حق الشارع خاص به ولا يمكن معرفة حقه كمًّا وكيفًا وزمانًا ومكانًا إلا من جهته فيأتى به العبد على ما رسم له، فإن غلام أحدنا لا يعد مطيعًا خادمًا له إلا إذا امتثل ما رسم سيده وفعل ما يعلم أنه يرضيه، فكذلك هاهنا إذ العقول البشرية لا تهتدى وحدها لوجوه التقربات إلى اللّه تعالى وتهتدى للعادات في الجملة، والشارع الحكيم لم يكل شيئًا من العبادات إلى آراء العباد، فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده، والزيادة عليه بدعة كما أن النقصان منه بدعة. ولذلك لما تعبدت الفلاسفة بعقولهم ورفضوا الشرائع أسخطوا الله وضلوا وأضلوا. وهذا بخلاف حقوق المكلفين فإنها أحكام سياسية شرعية وضعت لمصالحهم، وكانت هى المعتبرة، وعلى تحصيلها المعول، واللّه أعلم.
* * *
الفصُل الخامس في ذم البدع والتحذير من الابتداع
لقد جاء في ذم البدع والتحذير منها آيات من الكتاب الحكيم كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١). فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذى دعا إليه وهو السنة، والسبل هى سبل أهل الاختلاف الحائدين
стр. 91
عن الصراط القويم، وهم أهل البدع والأهواء، وليس المراد سبل المعاصى؛ لأن المعاصى من حيث هى معاص لم يضعها أحد طريقًا تسلك دائمًا على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات، يدل على هذا ما رواه أحمد وعبد بن حميد والنسائى وابن المنذر وغيرهم عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : أنه خط خطًّا ثم قال: "هذا سبيل الرشد"، ثم خط عن يمينه وعن شماله ثم قال: "هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم تلا هذه الآية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ … إلى تَتَّقُونَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) جاء تفسيرها في الحديث عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "يا عائشة، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا من هم؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه الأمة". قال ابن عطية: هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد. وقال القاضى: ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية؛ لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا تفرقوا وكانوا شيعًا، والشواهد على وقوع التفرق والعداوة عند وقوع الابتداع كثيرة، وأول شاهد على ذلك ما وقع من الخوارج المنكرين مشروعية التحكيم إذ عادَوْا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم ويتركون أهل الأوثان وقد أخبر عنهم رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه.
فعن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه ﵌ يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة" متفق عليه. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣). فالسبيل القصد هو طريق الحق
стр. 92
وما سواه جائر عن الحق عادل عنه وهى طرق البدع والضلالات أعاذنا اللّه من سلوكها بفضله وكرمه.
وجاء في ذمها والتحذير منها أيضًا أحاديث كثيرة نذكر منها ما تيسر مع تحرى الصحة (فمن ذلك) ما في الصحيح من حديث عائشة رضى اللّه تعانى عنها عن النبي ﵌ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، وفى رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وقد سبق الكلاء عليه مستوفى. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول في خطبته: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب اللَّه وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ". قوله: "خير الهدى هدى محمد" هو بضم الهاء وفتح الدال فيهما وبفتح الهاء وسكون الدال أيضًا. كذا جاءت الرواية بالوجهين، وفسره الإمام النووى، على طريقة الفتح بالطريق، أي أحسن الطرق طريقه، ش على رواية الضم بالدلالة والإرشاد، وهو الذى يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢).
وعن ابن مسعود موقوفًا ومرفوعًا أنه كان يقول: "إنما هما اثنتان: الكلام والهدى، فأحسن الكلام كلام اللّه وأحسن الهدى هدى محمد ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها، إن كل محدثة بدعة"، وفى لفظ: "غير أنكم ستحدثون ويحدث لكم فكل محدثة ضلالة وكل ضلالة في النار". وكان ابن مسعود يخطب بهذا كل خميس.
وروى الترمذى وصححه وأبو داود وغيرهما عن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول اللّه ﵌ ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول اللّه كأن هذه
موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمر وإن كانا عبدًا حبشيًّا، فإن من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة كل
стр. 93
بدعة ضلالة "، وروى على وجوه من طرق. ذكر سنتهم في مقابلة سنته لعلمه أنهما لا يخطئون فيما يستنيطونه من سنته بالاجتهاد. قوله؟ "وعضوا عليها بالنواجذ" أي الزموا واحرصوا عليها، كما يلزم العاض على الشئ بنواجذه خوفًا من ذهابه وتفلته، والنواجذ: الأنياب، وقيل: الأضراس وسيأتى شرح هذا الحديث مستوفى.
وفى صحيح البخارى عن حذيفة أنه قال: كان الناس يسألون رسول اللّه ﵌ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى فقلت: يا رسول اللّه إنا كنا في جاهلية وشر -من كفر وقتل ونهب وإتيان فواحش- فجاءنا الله بهذا الخير -ببعثك ورفع منار الإسلام وهدم قواعد الكفر والضلال- فهل بعد هذا الخير -الذى نحن فيه- من شر؟ قال: "نعم". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دخن" أي ليس خيرًا خالصًا، بل فيه كدورة بمنزلة الدخان من النار، من الفساد الاختلاف وعدم صفاء القلوب. قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يهدون يغير هدى"، سنتى وطريقى "تعرف منهم وتنكر". قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها". قلت: يا رسول اللّه صفهم النا، قال: "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا". قلت: فما تأمرنى إن أدركنى ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". قلت: فإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ". العض: المراد اللزوم: أي اعتزل الناس اعتزالًا غاية بعده فإنه خير لك من الاختلاط بأهل الشر والفساد.
وفى مسلم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "من سره أن يلقى اللّه غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن اللّه شرع لنبيكم ﵌ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم ﵌ لضللتم". فتأملوا كيف جعل ترك السنة ضلالة.
وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه آله وسلم قال: إن أحببت ألَّا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله حدثًا برأيك "، وعنه ﵊ أنه قال: "من اقتدى بى فهو منى ومن رغب
стр. 94
عن سنتى فليس منى ".
وعن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: "صبحكم ومساكم ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى" ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"، ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. من ترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا أو ضَيَاعًا فإليَّ وعلىَّ" رواه مسلم، والساعة: منصوب على المعية أو مرفوع بالعطف على الضمير المتصل، أي بعثت وبعثت الساعة تنزيلًا لها منزلة الموجود مبالغة في تحقق مجيئها. والمقصود التنبيه على قرب القيامة وأن الباقى من عمر الدنيا قليل. وعلى كثرة المحدثات والمخازى. والحث على التمسك بالدين والتحذير من الوقوع في البدع والمنكرات. والضياع -بالفتح-: العيال وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعًا سمى به -العيال- وبالكسر جمع ضائع كجياع جمع جائع وليس مرادًا.
ومما جاء عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ﵃ في ذم البدع وأهلها، ما روى عن حذيفة أنه قال: "أخوف ما أخاف على الناس اثنتان، أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون ". قال سفيان: وهو صاحب البدعة (وعنه أيضًا): " أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله ما نرى بينهما من النور إلا قليلًا. قال: والذى نفسى بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور والله لَتَفْشُوَنَّ البدع حتى إذا ترك منها شيء قالوا: تركت السنة ".
وعن أبى بكر ﵁ أنه قال: "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﵌ يعمل به إلا عملت به؛ لأنى أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ" رواه البخارى.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، وعنه أيضًا من أثر رواه أين وهب "وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق وعليكم بالعتيق ".
стр. 95
تنطع في الكلام: تعمق. وعنه أيضًا: "أيها الناس لا تبتدعوا ولا تنطعوا ولا تعمقوا وعليكم بالعتيق خذوا ما تعرفون ودعوا ما تنكرون "، وعن ابن عباس ﵄ قال: عليكم بالاستفاضة والأثر وإياكم والبدع.
ومن كلام عمر بن عبد العزيز ﵁ الذى عنى به وبحفظه العلماء كان يعجب مالكًا جدًّا ﵀ أنه قال: "سن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم وولاة الأمر من بعده سننًا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النضر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، رمق خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنما وساءت مصيرًا". وولاة الأمور فيه هم الخلفاء الراشدون كما في حديث العرباض. وكيف لا يعجب الإمام مالكًا ﵀ وهو على إيجازه جمع أصولًا حسنة من السنة، فإن قوله: "ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها" قطع لمادة الابتداع جملة. وقوله: "من عمل بها فهو مهتد … " إلخ الكلام مدح لمتبع السنة وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ " (١).
وكان الشعبي رحمه الله تعالى إذا نظر إلى ما أحدث الناس من الرأى والهوى يقول: لقد كان القعود في هذا المسجد أحب إلى مما يعدل به، فمذ صار فيه هؤلاء المراءون، فقد بغضوا إلى الجلوس فيه، ولأن أقعد على مزبلة أحب إلى من أن أجلس فيه.
وعن مقاتل بن حيان قال: أهل هذه الأهواء آفة أمة محمد ﷺ أنهم يذكرون النبي ﷺ وأهل بيته فيتصيدون بهذا الذكر الحسن الجهال من الناس فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبههم بمن يسقى الصبر باسم العسل، ومن يسقى السم القاتل باسم الترياق، فأبصرهم فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء فقد أصبحت في بحر الأهواء الذى هو أعمق غورًا وأشد اضطرابًا، وأكثر صواعق، وأبعد مذهبًا من
البحر وما فيه، ففلك مطيتك التى تقطع بها سفر الضلال اتباع السنة.
стр. 96
وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كان يكتب في كتبه: "إني أحذركم ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيدة ".
ولما بايعه الناس صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبى، ولا بعد كتابكم كتاب، ولا بعد سنتكم سنة، ولا بعد أمتكم أمة، ألا وإن الحلال ما أحل الله في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم القيامة، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه حرام إلى يوم القيامة، ألا وإنى لست بمبتدع ولكنى متبع، ألا وإنى لست بقاض، ولكنى منفذ، ألا وإنى لست بخازن ولكنى أضع حيث أمرت، ألا وإنى لست بخيركم ولكنى أثقلكم حملًا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "، ثما نزل. المراد بالقضاء وضع الأحكام الشرعية لا لحكم بها. فهو لا يريد أنه لا يحكم بين الناس، وإنما يريد أنه ليس هو الشارع ولكنه منفذ الشرع بالحكم به.
وعن الفضيل بن عياض ﵀: "اتبع طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ".
ويدل على ذم البدع وأهلها من جهة النظر أمور:
(الأول): أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان لأن الله تعالى قال فيها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). وفى حديث العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله ﵌ موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله إن هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ قال: "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها بعدى إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرفتم من سنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". "ليلها كنهارها ": أي واضحة لا يشتبه فيها أحد (وثبت) أن النبي ﵌ لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا فإنه ﵌ جاء بأمور الدين مفصلة وهدى إلى أمور الدنيا إجمالًا بالقواعد الكلية
كمشروعية الشورى واليسر ووفع الحرج والضرورات وما إلى ذلك مما يوافق جميع الأزمنة الأحوال وهذا لا مخالف فيه من أهل السنة، وإذا كان
стр. 97
كذلك فكأن المبتدع يقول: إن الشريعة لم تتم وأنَّه بقى منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها لأنَّه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها. وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم.
(قال) ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا.
(الثانى): أن المبتدع معاند للشرع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهى، والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنَّه إنما أرسل الرسول ﵌ رحمة للعالمين (فالمبتدع) راد لهذا كله، فإنه يزعم أن ثم طرقًا أخرى وليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لا يعلم الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر وإلَّا فضلال مبين.
وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز رضى عنه عنه إذ كتب له عدى بن أرطأة يستشيره في بعض القدرية فكتب إليه، أما بعد: فإنى أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه ﵌، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضى به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببَصر نافذ قد كفوا، وهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل كانوا فيه أحرى. فلئن قلتم أمر حدث بعدهم ما أحدثه بعدهم إلَّا من اتبع غير سننهم ورغب بنفسه عنهم. إنهم لهم السابقون فقد تكلموا منه بما يكفى ووصفوا منه ما يشفى، فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر، لقد
قصر عنهم قوم فجفوا، وطمح آخرون فغلوا، وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم. ثم ختم الكتاب بحكم مسألته ومقصود الاستشهاد قوله: "فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها ". قوله: قصر … إلخ: أي قصروا عنهم بترك بعض ما كانوا عليه في عصر النبي ﷺ فقطعوا صلتهم به
стр. 98
وارتفع آخرون عن الوسط فغلوا في الدين بما أحدثوا فيه من البدع فبقوا هم وسطًا بين الفريقين المقصرين والغالين.
(الثالث): أنه اتباع للهوى؛ لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع لم يبق له إلَّا الهوى والشهوة وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنَّه ضلال مبين، قال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (١). فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده: الحق والهوى: إذ لا يكن في العادة إلَّا ذلك وقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (٢) فجعل الأمر محصورًا بين أمرين: اتباع الذِّكر واتباع الهوى، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى، والإعراض عن الآيات الهادية إلى الحق المبين فإنها عينت للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين: أحدهما الشريعة، لا مرية في أنها علم وحق وهدى، والآخر الهوى وهو المذموم لأنَّه لم يذكر في القرآن إلَّا في مساق الذم ولم يجعل ثم طريقًا ثالثًا، والآية صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه فلا أحد أضل منه وهذا شأن المبتدع فإنه اتبع هواه بغير هدى من الله -وهدى الله هو القرآن، وما بينته الشريعة- فكان أضل الناس وهو يظن أنه على هدى (وصفوة القول) أن البدع ضلالة وأن المبتدع ضال ومضل والضلالة مذكورة في كثير مما تقدم من الآثار ويشير إليها في الآيات الاختلاف والتفرق شيعًا وتفرق الطرق بخلاف سائر المعاصى، فإنها لم توصف في الغالب بوصف الضلالة إلَّا أن تكون بدعة أو شبه بدعة، وكذلك الخطأ الواقع في المشروبات (وهو المعفو عنه) لا يسمى ضلالًا ولا يطلق على الخطئ اسم ضال كما لا يطلق على المتعمد لسائر المعاصى.
والسر في هذا أن الضلال في الأصل ضد الهدى وهما حقيقة في المحسوس، تقول: هديته الطريق دللته عليه، ورجل ضل من الطريق إذا خرج عنه؛ لأنَّه التبس عديه الأمر ولم يكن له هاد يهديه، فصاحب البدعة لما غلب عليه الهوى مع الجهل بطريق السنة توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره فمضى عليه فحاد بسببه عن الطريق المستقيم فهو ضال من حيث
стр. 99
ظن أنه سالك للجادة كالمار بالليل على الجادة وليس له دليل يهديه يوشك أن يضل عنها فيقع في متابعة وإن كان بزعمه يتحرى قصدها. فالمبتدع من هذه الأمة إنما ضل في أدلتها حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله، وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره؛ لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه وأخذ الأدلة بالتبع، ومن شأنه الأدلة أن يؤخذ فيها بالظواهر وكل ظاهر يمكن أن يصرف من مقتضاه في الظاهر المقصود ويتأول على غير ما قصد فيه، فإذا انضم إلى ذلك الجهل بأصول الشريعة وعدم الاضطلاع بمقاصدها كان الأمر أقرب إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع فكان المبتدع أمرق في الخروج عن السنة وأمكن في ضلال البدعة، فإذا غلب الهوى، أمكن انقياد ألفاظ الأدلة إلى ما أراد منها، فالمبتدع ينساق له من الأدلة المتشابه منها لا الواضح، والقليل منها لا الكثير، فهو يظن أنه على الطريق وقد زاغ به الهوى، بخلاف غير المبتدع، فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أول مطالبه وآخر هواه (إن كان) فجعله بالتبع، فوجد جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحًا في الطلب الذى بحث عنه، فوجد الجادة، وما شذ عن ذلك فإما أن يرده إليه، وإما أن يكله إلى عالمه، ولا يتكلف البحث عن تأويله، فلا يصح أن يسمى من هذه حاله مبتدعًا لأنَّه اتبع الأدلة مؤخرًا هواه مقدمًا لأمر الله، ولا ضالًّا لأنَّه على الجادة سلك، وإليها لجأ، فإن خرج عنها يومًا ما فأخطأ فلا حرج عليه، بل يكون مأجورًا، وإن خرج متعمدًا فليس على أن يجعل خروجه طريقًا مسلوكًا له أو لغيره وشرعًا يدان به، على أنه إذا وقع الذنب موقع الاقتداء قد يسمى استنانًا فيعامل معاملة من سنه كما جاء في الحديث: "من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها … " الحديث، وقوله صلوات الله وسلامه عليه: "ما من نفس تقتل ظلمًا إلَّا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنَّه أول من سن القتل" فسمى القتل سنة بالنسبة إلى من عمل به عملًا يقتدى به فيه لكنه لا يسمى بدعة؛ لأنَّه لم يوضع على أن يكون تشريعًا، ولا يسمى ضلالًا لأنَّه ليس في طريق المشروع أو في مضاهاته له، وهذا تقرير واضح يشهد له
الواقع في تسمية البدع ضلالات (وبالجملة) الضلال في الغالب إنما يستعمل في موضع يزل صاحبه لشبهة تعرض له أو تقليد من عرضت له
стр. 100
الشبهة فيتخذ ذلك الزلل شرعًا ردينًا يدين به -أفاده في "الاعتصام" هو كما ترى مبنى على ما جرى عليه من قصر البدعة على الحادث المذموم بقيد أن يكون إحداثه على أنه دين وشرع -وسيأتى تحقيق هذا إن شاء الله تعالى.
شرح حديث كل بدعة ضلالة
(عن أبى نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة (العرباض) بكسر المهملة وموحدة أصله الطويل ثم جعاى علمًا (ابن سارية) السلمى بضم ففتح من بنى سليم بن منصور، صحابي من أهل الصفة وهم كما قال الإمام النووي ﵀: زهاد من الصحابة، فقراء غرباء كانوا يأزون إلى مسجد رسول الله صلى الله: عليه وآله وسلم، وكانت لهم في آخره صفة وهى مكان منقطع من المسجد مظلل عليه، يبيتون فيه وكانوا يقدون ويكثرون، ففى وقت كانوا سبعين وفى وقت غير ذلك. نزل الشام وسكن حمص، وكان من البكائين الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (١) ﵃.
وجملة الأمر أن أهل الصفة قوم من فقراء المهاجرين وهبوا أنفسهم لحفظ القرآن والخروج مع السرايا ولم يكن لأكثرهم مأوى لذلك كانوا يقيمون في صفة المسجد وهى موضع مظلل منه فالصفة كالظلة لفظًا ومعنى.
ولمَّا ولى عمر الخلافة أخرجهم من المسجد وأمرهم أن يحترفوا ويعملوا محتجًا بأن الله تعانى قد وسع على المسلمين وأصبح الجاد فيهم يجد فوق ما يكفيه.
"قال: وعظنا رسول الله ﵌" من الوعظ وهو النصح والتذكير بالعواقب، يقال: وعظته فاتعظ، أي قبل الوعظة فأثرت فيه وأفادت (موعظة) مصدر ميمى ذكرها توطئة لما بعدها وكانت بعد صلاة الصبح لما في رواية الترمذى: "وعظنا رسول عنه ﵌ يومًا بعد صلاة الغداة
موعظة يليغة" بالغ فيها بالإنذار والتخويف لأجل توفيق القلوب، وكان صلوات الله وسلامه عليه يعظ أصحابه في غير الجمع والأعياد امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (٢): أي في معنى
стр. 101
أنفسهم أو خاليًا بهم، فإن النصح في السر أنجع ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ منهم ويؤثر فيهم، وتنويهًا للتعظيم بدليل وصفها بقوله: " وَجِلَتْ " بكسر الجيم خافت (منها) من أجلها (القلوب) لخلوها من القسوة واستيلاء سلطان الخشية عليه، وانزعاجها من ذكر الساعة وأهوالها والنار وعذابها (وذرفت منها العيون) بذال معجمة وراء مهملة وفاء مفتوحتين سألت دموعها وانصبت وكثر جريانها، وأخره عما قبله؛ لأنَّه إنما ينشأ عنه غالبًا فهو من عطف المسبب على السبب، وفيه إشارة إلى أن تلك الموعظة قد أثرت فيهم وأخذت بمجامعهم ظاهرًا وباطنًا. كيف لا وهى صادرة عن ذلك القلب السليم من كل الأدناس والروح الطاهرة القوية، روح رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وكان إذا خطب في أهوال يوم القيامة تأثر وظهر أثر ذلك في صوته وملامح وجهه، قال جابر بن سمرة ﵁: كان رسول الله ﵌ إذا خطب فذكر الساعة، اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم بعثت أنا والساعة كهاتين" وقرن بين أصبعيه. رواه مسلم.
شبه حاله في خطبته وإنذاره بقرب القيامة مع تهالك الناس فيما يرديهم بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة بهم بغتة فلا يفوته منهم أحد، فكما أن المنذر يرفع صوته وتحمر وجنتاه ويشتد غضبه على تغافلهم فكذا حاله ﵌ عند الإنذار، ومنه يؤخذ أنه ينبغى للعالم أن يعظ الناس ويذكرهما ويخوفهم عاقبة الإهمال والتفريط في طاعة الله، ويحثهم على ما ينفعهم في دينهما ودنياهم ولا يقتصر بهم على مجرد معرفة الأحكام، وأنَّه ينبغى المبالغة في الموعظة لترقيق القلوب فتكون أسرع إلى الإجابة.
ثم إن الغرض من هذا التمهيد التنبيه على فخامة القصة وغرابتها وإلَّا فكان يكفى الاقتصار على أوصنا "فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودِع" بكسر الدال والقائل بعضهم كما في رواية الترمذى ولعلهم فهموا ذلك من مبالغته في الموعظة
فوق العادة فظنوا أن ذلك لقرب وفاته ومفارقته لهم، فإن المودع يستقصى ما لا يستقصيه غيره في القول والفعل (فأوصنا) من الوصية وهى التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ وتطلق على
стр. 102
الأمر منه قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١)، والنصح قريب منها فهو أن تسترعى من تشفق عليه لأمر يرجى نفعه أو تصرفه عن عمل يخشى ضره.
طلبوا منه ﵌ وصية جامعة لمهمات الدين والدنيا لظنهم مفارقته لهم، فالفاء للتفريع على ما قبلها وفيه استحباب استدعاء الوصية، والنصح من أهله واغتنام أوقات أهل الخير والدين قبل فواتها، قال: "أوصيكم بتقوى اللَّه" لأن بها سعادة الدارين؛ لأنها امتثال الأوامر واجتناب النواهى، وتكاليف الشرع لا تخرج عن ذلك. ولذا أوصى الله بها الأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢) "والسمع والطاعة" لولاة الأمور، عبر بالسمع عن قبول المسموع؛ لأنَّه فائدته، أي اقبلوا منهم وامتثلوا أوامرهم من في غير إثم وهو من عطف الخاص على العام لمزيد التأكيد والاعتناء بشأنه وحكمته ترتب المبالغة الآتية عليه " وإن تَأَمَّرَ عليكم عبد " وللبخاري "حبشي وإن رأسه زبيبة" أي وإن صار أميرًا عليكم من ليس أهلًا للإمارة عبدًا كان أو غيره ما لم يكن كافرًا، فالعبد مثال، وهذا غاية في طلب السمع والطاعة لولاة الأمور، ثم هو إما من باب الفرض والتقدير أو التنبؤ بالغيب وأن الأمة تتأخر في أمر دينها ويضعف تمسكها به حتى توضع الولايات في غير أهلها، والأمر بالطاعة حينئذ إيثار لأهون الضررين: طاعة من لا يصلح للولاية ومخالفته: إذ الصبر على من لا يصلح للولاية أخف من إثارة الفتن، ويرشد إلى هذا الثانى التعقيب بقوله: "فإنه": أي الحال والشأن "من يعش منكم" بعدى " فسيرى اختلافًا كثيرًا " بين الناس بظهور الفتن والبدع، والظاهر أن هذا بوحى أوحى إليه، ويجوز أن يكون بقياس أُمته على أُم الأنبياء السابقين، ولم تكن نبوة إلَّا كان بعدها اختلاف، وقد كان ذلك فهو من معجزاته إذ أخبر عن غيب وقع. وفى التعبير بالسين دلالة على قرب الرؤية. وكان الأمر كذلك فظهرت فتنة عثمان وواقعة الجمل ومحاربة معاوية لعلى، ومحاربته للحسن فسلم الأمر إليه حقنًا لدماء المسلمين وظهر أعظم الفتن
وهى قتلة الحسين ﵁ وما إلى ذلك مما فيه المسلمون إلى اليوم.
" فعليكم بسنتى ": جواب شرط مقدر، أي فإذا رأيتم هذا الاختلاف
стр. 103
فالزموا التمسك بطريقتى وسيرتى القويمة التى أنا عليها، وهى الدين كله من اعتقادات وعبادات ومعاملات وملكات فاضلة، وإجمالًا هى ما شرعه عنه على لسانه وبينه لأمته، فليس المراد بالسنة هنا معناها الشرعى وهو ما طلب طلبًا غير جازم؛ لأنَّه اصطلاح طارئ قصد به التمييز بينها وبين الفرض. " وسنة الخلفاء ": جمع خليفة، وهو كل من قام مقام غيره وإنما أطلق ذلك على الصحابة لأنهم خلفوا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في الدعوة إلى الله تعالى وحراسة الدين. " الراشدين ": جمع راشد، وهو من عرف الحق واتبعه، والغاوى من عرفه ولم يتبعه، والضال من لها يعرفه أصلًا. " المهديين ": جمع مهدى، وهو من هداه الله لأقوم طريق جمع بينهما تأكيدًا واللام للعهد والمعهود خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وابنه الحسن ﵃ أجمعين وحينئذ فوصفهم بعد بالرشد والهداية وصف كاشف لا للاحتراز.
وإنما حث على التمسك بطريقتهم؛ لأن ما عرف عن هؤلاء أو عن بعضهم أولى بالاتباع من باقى الصحابة إذا وقع بينهم الخلاف فيه، وإنما ذكر سنتهم في مقابلة سنته لأنَّه علم أنهم لا يخطئون فيما يستخرجونه ويستنبطونه من سنته بالاجتهاد، ولأنهم المهتدون للشريعة الذين فهموا دين الله بالتلقى من نبيه مشافهة على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال فكان ما اجتهدوا فيه حجة بشهادة الرسول ﷺ لهم بذلك، ولأنه عرف أن بعض سنته لا تشتهر إلَّا في زمانهم فأضاف إليهم لبيان أن من ذهب إلى رد تلك السنة مخطئ فأطلق القول باتباع سنتهم سدًّا للباب، كالأشياء التى سكت عنها الشارع لعدم المقتضى لها في زمانه صلوات الله وسلامه عليه ثم وجد الموجب لها بعد وفاته فاحتاج الصحابة إلى النظر فيها وإدخالها تحت ما تبين من الكليات التى كمل بها الدين كجمع المصحف وتضمين الصناع والجد الإخوة وعول الفرائض، وما إلى ذلك مما لم تدع الحاجة في زمانه صلوات الله وسلامه عليه إلى تقريره وبيانه " عَضُّوا "-بفتح العين- وضمها لحن فعل أمر "عليها": أي على تلك السنة الصادقة بسنته وسنة الخلفاء ولم يثن الضمير لما عدمت أن سنة الخلفاء من سنته " بالنواجذ " بذال معجمة الأنياب،
وقيل: الأضراس، وهو كناية عن شدة التمسك بالسنة والجد في
стр. 104
لزومها كفعل من أمسك الشيء بنواجذه وعض عليه لئلا ينزع منه؛ لأن النواجذ محددة فإذا عضت على شيء علقت فيه فلا يكاد يتخلص، "وإياكم": عطف على جملة فعليكم بسنتي … إلخ، لمزيد التقرير والتأكيد والأصل باعدوا أنفسكم، فحذف المضاف كالفعل فانفصل الضمير، " ومحدثات الأمور ": منصوب بفعل مقدر الجملة عطف على ما قبلها تقريرًا وتوكيدًا، والمعنى: باعدوا أنفسكم عن الأمور المحدثة في الدين واحذروا العمل بها ولو من غير إحداث وهى كل ما ليس له أصل في الدين وإنما الحامل عليه مجرد الهوى والشهوة "فإن كل بدعة ضلالة": مرتب على محذوف، أي فإن ذلك بدعة، وإن كل بدعة ضلالة وانحراف عن طريق الهدى، لأن الحق فيما جاء به الشرع لا فيما لا يرجع إليه، فذلك يكون ضلالة فماذا بعد الحق إلَّا الضلال (رواه أبو داود والترمذى وقال: حديث حسن). وجاء في بعض روايات هذا الحديث "فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار "، ومنه يستفاد أن المحدث مرادف للبدعة في اللغة، وأشهر منها في التبادر، وكذلك هو مرادف لها في اصطلاح الشرع، إذ المراد به في الشرع ما أحدث في الدين من الاعتقادات أو العبادات أو المعاملات وهذا بعينه معنى البدعة، ولكنه أشهر في اللغة، فلذا صح الإخبار عن المحدث بأنه بدعة في قوله صلوات الله وسلامه عليه: " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " على بعض الطرق، وحسن أيضًا تفريع البدعة على المحدث في قوله ﵌: " وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة " على ما علمت في شرح هذا الحديث.
ثم إن من عرف البدعة بأنها ما أحدث على خلاف الحق التلقى عن رسول الله ﷺ وجعل دينًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا فقصرها على الحادث المذموم المخالف للكتاب والسنة بقيد أن يكون إحداثه على أن يكون طريقة مسلوكة أو صار ذلك الحادث طريقة وسنة أبقى هذا الحديث وما ماثله في ذم البدع على عمومه لا تخصيص فيه. وعلى هذا جرى صاحب " الاعتصام " فإنه بعد ما أورد الأدلة النقلية والعقلية على ذم البدع وأهلها قال ما ملخصه:
стр. 105
إن ذم البدع والمحدثات في الدين عام لا يخص بدعة دون غيرها، فإن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من وجوه:
(الأول): أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقترن بها تقييد ولا تخصيص
مع تكررها وهذا دليل على بقائها على مقتضى لفظها من الإطلاق والعموم حتى يثبت ما يقيدها أو يخصصها.
(الثانى): إجماع السلف من الصحابة والتابعين من يليهم على ذمها كذلك وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها. ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت، فدل على أن كل بدعة ليست بحق، بل هى من الباطل.
(الثالث): إن متعقل البدعة يقتضى ذلك بنفسه؛ لأنَّه من باب مضادة الشارع واطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، إذ لا يصح في منقول ولا معقول استحسان مشاقة الشارع، وقد تقدم بسط هذا، ولما ثبت ذمها ثبت ذم صاحبها؛ لأنها ليست بمذمومة ممت حيث تصورها فقط، بل من حيث الاتصاف بها فهو المذموم على الحقيقة والذم خاصة التأثيم، فالمبتدع مذموم آثم وذلك على الإطلاق والعموم. انتهى.
ومن عرف البدعة بأنها ما أحدث بعد النبي ﵌ خيرًا كان أو شرًّا عبادة أو عادة قال بتخصيص تلك العمومات وقصرها على الحادث المذموم الذى لم يأذن به الشارع، وهو ما لا يرجع إلى دليل شرعى لا في الجملة ولا في التفصيل، بخلاف المحدث الذى له أصل في الشرع يرجع إليه إما بحمل النظير على النظير أو بغير ذلك فإنه حسن إذ هو سنة الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين. فمنشأ الذم فما البدع عندهم ليس مجرد لفظ محدثة أو بدعة، بل ما تقترن به من مخالفته للسنة ودعايته إلى الضلالة، ولذا انقسمت البدعة عندهم إلى الأحكام الخمسة؛ لأنها إذا عرضت على القواعد الشرعية لم تخرج عن واحد منها كما تقدم تحقيقه. قال القاضى أبو بكر بن العربى في شرحه على سنن الترمذى عند شرح حديث العرباض بن سارية ما نصه: ليس المحدث والبدعة مذمومين للفظ محدث أو بدعة ولا لمعناهما لقد قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (١) وقال عمر: نعمت البدعة هذه، وإنما يذم منها ما دعا إلى ضلالة، مخالفة السنة، وأما ما كان مردودًا إلى قواعد الأصول ومبنيًّا عليها فليس
بدعة،
стр. 106
ولا ضلالة، وهو سنة الخلفاء، والأئمة الفضلاء. انتهى. (من ذكر) من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم الحساب أكمل تذكير، وتنبههم عن الغفلة أتم تنبيه كأنها نفس الذكر، (محدث): أي محدث تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة.
مثار الخلاف في معنى البدعة شرعًا
وفاء بما وعدناك نذكر لك هنا منشأ الخلاف الذى جرى بين أصحاب الطريقتين في تحرير معنى البدعة فنقول: قد وصفت البدعة وأهلها في لسان الشرع وأهله بصفات محذورة ومعان مذمومة تقضى يأن يكون معناها ما ذهب إليه أصحاب الطريقة الأولى وهو أن يكون الابتداع مشاركة للشارع في التشريع ومضاهاة له في سَن القوانين وإلزام الناس السير على مقتضاها.
فمن ذلك قول الإمام مالك ﵁: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا". وعن بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وفى الحديث من رواية ابن أبي عاصم وغيره عن النبي ﵌ أنه قال: " يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكونى بـ (لا إله إلَّا الله) والاستغفار، فلما رأيت ذلك ثَبَّتُّ فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا". قال ابن القيم في " الجواب الكافى ": ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على النوع، وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة، والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه، والمذنب ليس كذلك، والمبتدع قد قادح في أوصاف الرب وكماله، والمذنب ليس كذلك، والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول ﷺ ، والعاصى ليس كذلك، والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة، والعاصى بطئ السير بسبب ذنوبه. انتهى.
стр. 107
وأيضًا قد وصف البدعة بأنها لا تقبل معها عبادة ولا قربة، روى ابن ماجه من حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌:
" لا يقبل الله تعالى لصاحب بدعة صومًا ولا حجًّا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين". والصرف: النفل، وقيل: التوبة كما في "القاموس"؛ لأني انصراف عن المعصية، والعدل: العدالة ضد الجور، وقيل: الفريضة. وظاهر هذا الأثر ونحوه أن كل أعمال المبتدعة رد عليهم. أما ما داخلته البدعة وتلاعبت به الأهواء فواضح أن الله لا يقبله، فإن عملًا يبعث عليه الهوى والجهل بشريعة الله جدير بأن يكون نكالًا لصاحبه وخزيًا له في الدنيا والآخرة.
ويلحق بهذا ما إذا كانت البدعة إنكار العمل بخبر الواحد، فإن عامة التكليف مبنى عليه؛ لأن الأمر إنما يرد على المكلف من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وما تفرع منهما راجع إليهما، فإن كان واردًا من السنة فمعظم نقل السنة من الآحاد وإن كان واردًا من الكتاب فإنما تبينه السنة، فكل ما لم يبين من القرآن فلا بد لمنكر نقل الآحاد أن يستعمل فيه رأيه، وهو الابتداع بعينه، فيكون كل فرع ينبنى على ذلك بدعة لا سنة، فلا يقبل منه شيء كما في الصحيح: " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ".
وأولى بذلك ما إذا كان الابتداع بإنكار العمل بالأخبار النبوية مطلقًا جاءت تواترًا أو آحادًا وأنَّه إنما يرجع إلى كتاب الله، فهذا قد بنى أعماله على رأيه لا على الدين الذى وجب التدين به. وأما إذا لم يكن العمل على هذا الوصف فإن قاد صاحبه إلى صريح الكفر كبدع الإباحية والخوارج، فلا شك في عدم القبول وإلَّا فصاحب البدعة في بعض الأمور التعبدية أو غيرها قد يجره اعتقاد بدعته الخاصة إلى التأويل الذى يصير اعتقاده في الشريعة ضعيفًا وذلك يبطل عليه جميع أعماله، فإن المستحسن للبدع يلزمه في العادة أن الشرع عنده لم يكمل بعد، فلا يكون لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) معنى يعتبر به عندهم.
وأيضًا قد وصفت بما روى عن هشام بن عروة قال: قال رسول الله ﵌: "من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" لأن توقيره مظنة لمفسدتين تعودان علي الإسلام بالهدم:
(إحداهما): التفات
стр. 108
العامة إلى ذلك التوقير فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس وأن ما هو علمه خير مما عليه غيره فيؤدى ذلك إلى اتباعه على بدعته دون اتباع أهل السنة على سنتهم.
(والثانية): أنه إذا وقره من أجل بدعته صار ذلك كالحادى المحرض له على إنشاء الابتداع في كل شيء وعلى كل حال فتحيا البدع وتموت السنن وهو هدم الإسلام بعينه وعلى ذلك دل الأثر. روى الطبرانى عن غضيف بن الحارث أن النبي ﵌ قال: "ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلَّا أضاعت مثلها من السنة ".
وأيضًا قد وصفت بأنها مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين لأنها تقتضى التفرق شيعًا، فعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (١) يعنى أهل البدع، وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٢) قال: البدع والشبهات، وفى الحديث من طريق عائشة ﵂ قال رسول الله ﵌: " يا عائشة، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا من هم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، يا عائشة إن لكل ذنب توبة ما خلا أصحاب الأهواء والبدع ليس لهم توبة". قال ابن عطية في تفسيره هذه الآية: نعم أهل الأهواء … إلخ ما تقدم أول الفصل.
وأيضًا دلت الآثار على أن المبتدع عليه إثم من عمل بالبدعة. في الصحيح أنه ﵌ قال: " من سىن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا " رواه مسلم. وإلى ذلك أشار الحديث الآخر: " ما من نفس تُقتل ظلمًا إلَّا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنَّه أول من سن القتل " متفق عليه. وهذا التعليل يشعر بمقتضى الحديث قبله إذ علل تعليق الإثم على ابن آدم لكونه أول من سن القتل، فدل على أن من سن ما لا يرضاه الله ورسوله ﷺ فهو مثله إذ لم يتعلق الإثم بمن سن القتل لكونه قتلًا دون غيره، بل لكونه سن سنة سوء وجعلها طريقة مسلوكة. ومثل هذا ما جاء في معناه كقوله:
"ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضى اللَّه ورسوله كان عليه إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئًا" رواد الترمذى وحسنه كذا في " الاعتصام ".
стр. 109
وهو يرشد إلى أنه لا يلزم في السنة السيئة والبدعة كذلك المتوعد عليهما في كلام الشارع هذا الوعيد الشديد أن يكون أمرًا أحدث على أنه شرع ودين بحيث يكون المحدث له مضاهيًا ونظيرًا للشارع في وضع القوانين، بل الإحداث والابتداع والتسنين مناطها على أن تكون الرذيلة ارتكبت على وجه صار المحدث به قدوة لغيره وإن لم ينو أن يقتدى به الغير كما تقدم.
بهذا شهدت الآثار، وجرى عليه أفهام السلف، ألا ترى ما قاله الإمام مالك ﵁ لابن مهدى لَمَّا وضع رداءه بين يدى الصف والناس يصلون فشغلهم بالنظر إليه: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلين بالنظر إليه وأحدثت في مسجدنا شيئًا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي ﵌: " من أحدث في مسجدنا حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ". فظاهر أن ابن مهدى لم يفعل ما فعل على أنه دين وتشريع للناس ولكنه فعل بحيث يتبعه الغير في ذلك الفعل ولم يكن ناويًا ذلك الاتباع ومع ذلك سماه الإمام مالك ﵁ إحداثًا مستوجبًا اللعنة من الله والملائكة والناس فتنبه لذلك.
وأيضًا وصفت البدعة في كثير من الآثار بأنها ضلالة والمبتدع بأنه ضال بخلاف سائر المعاصى فإنها لا توصف في الغالب بوصف الضلالة … إلخ ما عرفت.
وإننا نقرر لك خلاصة هذه الشبهة التى هى أمثل ما تمسك به أصحاب الطريقة الأولى القائلون: بأن كل بدعة مذمومة وليس كل مذمومة بدعة. وقد ذهب إليه الشوكانى ثم نتبع ذلك ببيان أن هذه الشبهة لا تنهض بمن تشبث بأذيالها فنقول: لا يخفى أن شيئًا من هذه الصفات التى شهدت يها الآثار السالفة لا يجامع أن يكون موصوفه محلًّا للحسن بوجه من الوجوه لمنافرة كل هذه النعوت الحسن بجميع ضروبه، فما بالك بموصوف اجتمعت فيه هذه النعوت الشنيعة، هذه مقدمة، والمقدمة الثانية قد
стр. 110
ثبت من هذه الوجوه الثلاثة التى ذكرنا (١) عموم الآثار الدالة على
هذه الصفات لكل فرد من أفراد البدعة، وأن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها، فثبت من مجموع هاتين المقدمتين أن كل بدعة مذمومة، وهى شطر الدعوى.
فأما الشطر الآخر وهو أن هذه الكلية لا تنعكس إلى كلية، أي ليس كل خصلة مذمومة بدعة. فدليله أنه ثيت من مجموع هذه الصفات السالفة أن للبدعة خصوصية تمتاز بها عن بقية الخصال المذمومة، وهى كون البدعة جعلت مضاهية للطريقة المشروعة، ألا ترى إلى وصفها بأنها خيانة للرسالة لمنافاتها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) وبأن توقير صاحبها إعانة على هدم الإسلام.
وعلى الجملة غالب الصفات المتقدمة إذا تأملتها على الوجه الذى قررنا وخصوصًا ما ذكرنا في وصفها بأنها ضلالة تعلم أن البدعة هى طريقة في الدين مخترعة تضاهى الشرعية … إلخ، وهو ما يدعيه أرياب الطريقة الأولى، ويؤيده ما في " القاموس" البدعة بالكسر الحدث في الدين بعد الإكمال، قال شارحه ومنه الحديث: " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ".
ولما ورد عن كثير من السلف إطلاق البدعة على أمور حسنة، كقول عمر ﵁ في صلاة التروايح: " إنها بدعة ونعمت البدعة "، وقول أبى أمامة الباهلي رضى الله عنه: " إن الله كتب عليكم صيام رمضان ولم يكتب عليكم قيامه وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه فإن ناسًا من بنى إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضاء الله فعاتبهم بتركها ثم تلا ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٣) الآية". فدل أمره بالدوام مع وصفه بالابتداع على كونه أمرًا حسنًا، أخرجه سعيد بن منصور في سننه.
وعن الحكم الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى؟ فقال: " بدعة ونعمت البدعة هى " أخرجه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح، فقد استحسن ابن عمر ﵄ صلاة الضحى وهى من البدعة عنده.