كانت الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بعد الموت، إذا ثبت هذا فنقول التكرير الكثير لما كان سببًا لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة، وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو آثار الشقاوة قل أو كثر، فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء. انتهى.
وغير خاف عليك أنه لا معنى حينئذ لنسبة الكتابة إلى الملائكة الكرام كما وردت به الأخبار الكثيرة، ومنها ما أخرجه ابن جرير عن كنانة العدوى قال: دخل عثمان رضى الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرنى عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: "ملك عن يمينك على حسناتك وهو أمير على الذى على الشمال إذا عملت حسنة كتبت عشرًا، فإذا عملت سيئة قال الذى على الشمال للذى على اليمين: أأكتب؟ قال: لا لعله يستغفر الله تعالى ويتوب، فإذا قال: ثلاثًا، قال: نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله سبحانه وأقل استحياءه منه تعالى يقول الله جَلَّ وَعَلَا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١)، وملكان من بين يديك، وملكان من خلفك، يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ … ﴾ (٢)، وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على اللّه قصمك، وملك قائم على فمك لا يدع أن يدخل الحية فيه، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك ينزلون على كل بنى آدم في النهار وينزل مثلهم في الليل".
فلو أن المراد من كتابة الأعمال على الإنسان تأثيرها في جوهر نفسه بواسطة
تكرارها حتى يحصل له الخلق الحسن أو السيئ لما ظهر نسبتها إلى الملائكة، فإن تأثير الأعمال في الملكات أمر عادى للأعمال بحسب ذاتها لا يتوقف على توسط الملائكة، فالحق أن تأويل الكتابة بما قال حكماء الإسلام غير صحيح، بل الكتابة حقيقة أخرى غير التأثير المذكور. والله أعلم.
(ومن معتقداتهم الخرافية) أن الأرض كانت على ماء والماء على صخرة
стр. 422
والصخرة على قرن ثور والثور على حوت والحوت على البهموت وإلى البهموت وقف علم الخلائق، فإن مثل هذا من الأمور المغيبة عنا ولا تعلم إلا من الشارع.
(ومن أوهام العامة): تعليق التمائم والحروز، والتميمة: خرزة كان أهل الجاهلية يعلقونها يرون أنها تدفع عنهما الآفات، كما كان لهم خيوط معقودة يربطونها على نحو الذراع حرزًا لهم من العاهات، واعتقاد هذا جهل وضلالة أبطله الشارع الحكيم ونهى عنه، إذ لا مانع إلا الله، ولا دافع للآفات والعاهات غيره تعالى.
عن عقبة بن عامر ﵁ فال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا أودع الله له" رواه الإمام أحمد وأبو يعلى بإسناد جيد والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وعن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن حكيم وبه حمرة فقلت: ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله ﷺ : "من علق شيئًا وكل إليه" رواه أبو داود والترمذى إلا أنه قال: فقلنا: ألا تعلق شيئًا؟ فقال: الموت أقرب من ذلك.
وعن عمران بن حصين ﵁: أن رسول الله ﷺ أبصر على عضد رجل حلقة أراه قال: من صُفْر، فقال: "ويحك ما هذه؟ " قال: من الواهنة، قال: "أما إنها لا تزيد إلا وهنًا انبذها عنك فإنك لو مت وهى عليك ما أفلحت أبدًا" رواه أحمد وغيره. الواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفى اليد كلها فيرقى منها، وقيل: مرض يأخذ في العضد وربما علق عليها جنس من الخرز يقال لها: خرز الواهنة، وهى تأخذ الرجال دون النساء، وإنما نهاه عنها لأنَّه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، فكانت عنده من التمائم المنهى عنها، كذا في "النهاية".
وعن ابن مسعود ﵁ أنه دخل على امرأته وفى عنقها شيء معقود فجذبه فقطعه ثم قال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". التولة بكسر التاء وفتح الواو: شيء شبيه بالسحر أو من أنواعه تفعله
المرأة ليحببها إلى زوجها، قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذه الرقى والتمائم قد عرفناها فما التولة؟ مال: شيء تصنعه النساء يتحببن إلى
стр. 423
أزواجهن. رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
فهذه الأحاديث ونحوها صريحة في النهى عن تعليق الخرز والودع والخيوط المعقودة، وأن الصحابة ومن بعدهم رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يتحاشون عن ذلك ويحاربون مثل هذه الأوهام التى لا قيمة لها فضلًا عن مساسها بالعقيدة، والواقع أن هذه الأمور من أعمال الجاهلية وسائر الشعوب الهمجية التى استحوذت عليها الخرافات والأوهام والتى أبطلها الشارع وأنكرها الصحابة.
فمن لنساء هذا الزمان وبعض البسطاء بأمثال هؤلاء المجاهدين الناصحين ينقذونهم من وهدة الجهل إلى ذروة العلم، ويبينون لهم الدين الصحيح، ويحببونهم في الاعتماد على الله، والتفويض إليه، على معنى أن يثق العبد بوعد مولاه تعالى، ويوقن بأن قضاءه واقع، ولا يترك تعاطى الأسباب العادية المشروعة فيما لابد منه من نحو مطعم ومشرب ولباس وتحرز من عدو بإعداد السلاح، وإحكام الحصون، وإغلاق الباب، لكنه مع ذلك لا يركن بقلبه إلى الأسباب، بل يعتقد أنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا، بل السبب والمسبب فعله والكل بمشيئته تعالى لا إله إلا هو، فإن إهمال الأسباب فيما لابد منه للحياة منقصة وجهالة، والاعتماد عليها وحدها سفه وضلالة، نسأل الله تعالى التوفيق والهداية.
وأما الطب بالرقى والاستشفاء من الآلام بالعزائم والتحصن بها من العين فذلك مأذون فيه من صاحب الشرع الشريف، إذا كان ذلك بلفظ عربى مفهوم المعنى وكان فيه ذكر الله تعالى، أما الرقى والعزائم بغير اللفظ العربى الذى لا يدرى ما هو، ويجوز أن يكون دالًّا على سحر أو كفر، فهذا حرام شرعًا كما صرح به الخطابى والبيهقى وغيرهما واستدل له الشيخ ابن عبد السلام بأنهم لما سألوه ﷺ عن ذلك قال: "اعرضوا عليَّ رقاكُم".
وسبب ذلك ما قالوه من أن ذلك المجهول قد يكون سحرًا أو كفرًا، من ذلك دعاء أوله: لمخيثًا، وشمخيثًا، ويا غليهوش، كشهشطليوس، قطيهوج، وطحيطمغيليال برهيم، يا لوش، هميالوش، طياروش، طلوش، طلش، عجريش، وهليش، مراهيش؛ وهى وايم الحق دعوات مجهولة
стр. 424
لا تُعرف لها حقيقة ولا أصل،
وأربابها يزعمون أنها من الأسماء العظام والأدعية المستجابة، وهى لا تزيدهم إلا بعدًا من الله وقريًا من الشيطان وإليك المشروع من ذلك:
روى البخارى عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا أتى مريضًا أو أتى به إليه قال: "أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا". فهذا صريح في أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يرقى المرضى ويدعو لهم بهذا الدعاء "وربَّ الناسِ" منصوب على النداء.
وروى البخارى من حديث ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين، يقول: " أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة"، ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق"، وأخرجه ابن السني عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: كان يعوذ الحسن والحسين يقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، ويقول: هكذا كان أبى إبراهيم يعوذ إسماعيل وإسحاق ﵉"، وكذا أخرجه الترمذى وأبو داود، والهامة: كل ذات سم يقتل، جمعها هوام، وقد تطلق على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالقمل والبق، والعين اللامة التى تصيب بسوء.
عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ كان يعلمهم من الأوجاع أو لمن به حمى أن يقول: "بسم الله الكبير، نعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار"، ورواه السنى عن ابن عباس ﵄ أيضًا، قال: إن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الأوجاع كلها ومن الحمى أن يقول: "بسم الله الكبير نعوذ بالله العظيم من شر عرق نعار ومن شر حر النار" فلم يذكر لفظ كل، ونعار بفتح النون وتشديد العين المهملة وبالراء يقال: نعر العرق بالدم إذا علا وارتفع، ويمال: عرق نعار، ونعور: إذا تصوب دمه.
وروى الشيخان عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح
стр. 425
بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات، قالت عائشة ﵂: فلما اشتكى كان يأمرنى أن أفعل ذلك به"، وفى
الصحيحين: "كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث"، قيل للزهرى أحد رواة هذا الحديث: كيف ينفث؟ فقال: كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه، والنفث شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل وقد نفث الراقى من باب ضرب ونصر.
والمعوذات بكسر الواو الراد بها الفلق والناس والإخلاص من باب التغليب أطلق على الإخلاص اسم التعويذ لوقوعها مع المعوذتين.
وعن عثمان بن أبى العاص ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : "ضع يدك على الذى تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى، وعند مالك: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد" قال: ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر بها أهلى وغيرهم.
وعن محمد بن سالم قال: قال لي ثابت البنانى: "يا محمد إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكى ثم قل: بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعى هذا، ثم ارفع يدك ثم أعد ذلك وترًا، فإن أنس بن مالك حدثنى أن رسول الله ﷺ حدثه بذلك" رواه الترمذى، وأخرج ابن سعد وابن ماجه والحاكم وابن مردويه عن أبى هريرة ﵁ قال: جاء النبي ﷺ يعودنى فقال: "ألا أرقيك برقية رقانى بها جبريل؟ " فقلت: بلى بأبى أنت وأمى، قال: "بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد" فرقى بها ثلاث مرات. ورقيته أرقيه من باب رمى رقيًا: عوذته بالله والاسم الرقيا على فعلى والمرة الرقية والجمع رقى كمدية ومدى، ورقيت في السلم وغيره أرقى من باب تعب رقيا ورقيا وترقى مثله، وروى البخارى أيضًا عن عائشة رضى الله عنها قالت: "أمرنى رسول الله ﷺ -أو أمر أن- نسترقى من العين": أي بسببها، وذلك أن المعيان -الحسود- إذا نظر لشئ نظر استحسان
стр. 426
مشوب بحسد يحصل للمنظور إليه ضرر بعادة أجراها الله تعالى.
وهل هناك جواهر خفية تنبعث من عينه تصل إلى المعيون كإصابة السم من نظر الأفعاء أو لا؟ ذلك أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا بنفيه. قال ابن العربى: والحق أن الله تعالى يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم
أو هلكة: وقد يصرفه الله قبل وقوعه بالرقية.
وفي البخارى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "العين حق": أي الإصابة بها ثابتة موجودة، وزاد مسلم من حديث ابن عباس ﵄: "ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" وهى كالمؤكدة لقوله: "العين حق" وفيها تنبيه على سرعة نفوذها وتأثيرها في الذوات. والمعنى: لو فرض أن شيئًا له قوة بحيت يسبق القدر كان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها وفى ذلك رد على طائفة من المبتدعة حيث أنكروا إصابة العين، وعن أُم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: "استرقوا لها فإن بها النظرة" رواه البخارى، والسفعة بفتح السين وسكون الفاء بعدها عين مهملة: سواد أو حمرة يعلوها سواد أو صفرة. والمراد هنا أن السفعة أدركتها بسبب النظرة وإصابة العين "واسترقوا لها" بسكون الراء: اطلبوا من يرقيها.
هذا هو الذى يصح اعتقاده والعمل به -وغيره لا خير فيه- وممَّا ينفع لدفع شر العائن أن يشغله الإنسان عند اللقاء قبل التمكن منه بكلام ولو بالمبالغة في تحيته وإظهار المودة له، ومن رأى شيئًا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلَّا بالله لم يضره.
وأما تعليق الحفائظ المشتملة على شيء من كتاب الله تعالى أو اسم من أسمائه فقد تكفلت به كتب الفروع فارجع إليها إن شئت ولكن هذه الفاتحة وأين عمر.
ومن سوء تصرفات الأُمهات أنه إذا بكى الولد أو أراد الخروج من البيت ليلعب تخوفه أُمه وتحذره (السماوى) أو المغربي لئلَّا يأخذه عنده ليعلقه من فوق دست ماء يغلى على النار ويصفى دمه، كذا تخوفه
стр. 427
بأنه لو ذهب إلى البحر يبتلعه (التمساح) وقصدها بذلك عدم خروجه أو ابتعاده عن البيت، ولا يخفى ما في ذلك من غرس الجبن في نفسه الصافية القابلة؛ لأن ينبت فيها مثل هذا الخلق السَّيِّئ الذى عرفه الأخلاقيون بأنه انخذال في النفس عن مصادمة أي عارض لا يلائم حالها.
وغالب نساء الفقراء لا يتحدثن أمام أولادهن إلا في النوادر المخيفة (كالعفريت) و (المارد) و (المزيرة) يقلن على المارد أنه يظهر ليلًا للإنسان ويسد عليه الطريق من الجهات الأربع بحائط، وعلى المزيرة إنها جنية، وكل جسمها إبر ومسامير تظهر
بزى امرأة جميلة مزينة ومرتدية إزارًا أبيض كالثلج إذا قرب منها الإنسان تضمه إليها وتختفى به فلا يعود أبدًا، وعلى العفريت أنه يظهر في أشكال متنوعة، منها أنه تارة يظهر في صورة حمار عال أبيض فيركبه الإنسان حتى يعلو به ثم يقذفه من فوق ظهره فيسقط على الأرض مهشمًا، وتارة أنه شبه قط أو كلب أو قربة، والبعض يصفه للأطفال بأنه أسود كالليل طويل القامة وعيناه بالطول يقدح منها الشرر.
بمثل هذه الخرافات التى تخوف بها الأطفال ينمو في أذهانهم الجبن والرعب فلا يمكنهم الانتقال ليلًا أو نهارًا خطوة واحدة إلا مع أحد خوفًا من حادث يفزعهم، ولو كان شخصًا مقبلًا عليهم من بعيد.
ومن أوهامهم أنه إذا خطفت هرة منهم شيئًا من الأطعمة وأراد الولد أن يضربها ليلًا يمنعونه من ذلك ويوهمونه أن ضرب القطط ليلًا مضر بهم لزعمهم أنها جنية، (وأعجب) من هذا في الوهم والخرافات أنه إذا وقع الطفل على الأرض سمت عليه أمه قائلة: (بسم الله عليك وعلى أختك) لزعمها أن له أختًا من بنات الجان.
ومن أوهامهم: أنه إذا كان لأحدهم بهيمة (جاموسة) مكروهة وأراد بيعها في السوق فإنهم يضربونها بالمغرفة عند خروجها من البيت، يزعمون أنها بذلك لا ترجع، بل تباع في يومها، ومنهم من يكسر وراءها قوارة، قائلًا: الله لا يرجعك، وذا كله من الأوهام القديمة بين العامة التى ليست معقولة إذ لا ارتباط بين المغرفة أو القوارة وبين رغبة المشترى فيها، ولكنه الوهم يلعب بالدهماء.
стр. 428
وللفقراء وراء ذلك خرافات كثيرة في ليالى المواسم (منها) ما يتحدثون به ليلة العشر من المحرم من أنه تهبط بغلة من السماء حاملة لكثير من الجنيهات لصاحب النصيب، فيأمر الأب ابنه والأم ابنتها بالدعاء إلى الله تعالى لتكون من نصيبهم، فيحلم هؤلاء أحلامًا يقصها بعضهم على بعض في الصباح لاشتغال أرواحهم بهذا الهذيان.
ومن خرافاتهم اعتقادهم حال خسوف القمر، فإنهم يأمرون أولادهم بالقرع على النحاس أو الصفايح يقولون كلمات جاهلة لا قيمة لها، ويزعمون أن الشمس أيضًا يجرها الملائكة على عجل، وأنها تغرق في البحر فيبتلعها الحوت.
وكل هذا لا أصل له إلا الجهل، وما يحكى أن فلكيًّا أنبأ أحد الأمراء بخسوف القمر في ساعة معينة فلم يعتقد نبأه واتهمه بالزندقة وتوعده بالموت إن ظهر كذبه
ووعده بجزيل العطاء إن صدق نبؤه، فلما خسف القمر كان الأمير نائمًا فأراد حيلة لإيقاظه ليشهد الحال نفسه، فقال للناس: إن الحوت يبتلع القمر فاضربوا الطبول وأحدثوا ضجة شديدة ليجفل ويترك القمر، فلما فعلوا ذلك استيقظ الأمير وشاهد القمر مخسوفًا فكافأ الفلكى، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ والمطلوب شرعًا في مثل هذا الحادث الصلاة، وكثرة الاستغفار، والابتهال إلى الله تعالى في كشف الكرب.
ومن هذا القبيل القرع على النحاس ونحوه آخر يوم من رمضان عند غروب الشمس، يأمرون بذلك أولادهم، ويعلمونهم كلمات يقولونها حالة القرع تختلف باختلاف عقلية البلاد، يزعمون أن ذلك يطرد الشياطين التى هاجت في هذا الوقت لخروجها من السجن وخلاصها من السلاسل التى كانت مقيدة بها في شهر الصوم، قاتل الله الجهل.
ومن التأخر أن بعضهم يعتمد في مداواة الأمراض على علم معروف لديهم (بعلم الركة) وكله مستوصفات منها النافع المعقول، ومنها الضار الذى لا يعقل مثلًا إذا مرض الإنسان بعينيه يأمرونه أن يضع عليها روثة حمار أسود (من غير إشارة) وأحيانًا يضيفون عليها العسل الأسود أو يضع فيهما بول إنسان يكون (بكرى أمه وأبيه) ويجوز أن يحصل
стр. 429
الشفاء من جهة أن روث الحمار وبول الإنسان حار ساخن، وهذا بدل (المكمدات) الساخنة التى تصنع من محلول البابونج التى ينصح بها الطبيب المختص، فأين هذا المكمدات القذرة النجسة من النظيفة الطاهرة.
ومثلًا إذا أصيب الطفل (بالسعال الديكى) يصف النساء لأمه أن تذهب به إلى غنام ابن غنام قد أكل لحها الذئب ليعض رقبته وحلقومه مرة بعد أخرى وهو يعوى عواء الذئب، يزعمون أن في ذلك الشفاء، أو تذهب به إلى جزار ابن جزار، لكى يموه عليه بجر المدية على حلقه فيشفى، وهو عمل من لا عقل له والمعقول في دواء السعال الديكى نقل المصاب إلى الجهات الجافة ذات الهواء النقى مع التخفيف من الغذاء.
ومن أوهامهم أنه إذا أصيب الطفل بمرض الكساح ويسمى عند الأطباء (لين العظام) تذهب به أمه مثلًا يوم الجمعة وتضعه على باب المسجد مقيد الرجلين بحبل من الصوف، وفى حجره شيء من المطعومات، فإذا خرج أول إنسان من المسجد
عقب الصلاة طلبت منه أم الطفل أن يحل قيده، قائلًا: (ربنا يا بنى يحل قيدك) ويأخذ ما في حجره، يفعل ذلك ثلاث جمع فيبرأ من الكساح ويمشى.
والصواب أن يعرض الطفل لأشعة الشمس مكشوف البدن ما عدا الرأس كل يوم ساعة على الأقل مع تنظيم الغذاء الجيد الخفيف، كالشعرية واللبن الزبادى والجبن الطازة.
ومن أوهام النساء أن يؤتى للمرأة التى تموت أولادها -وتسمى عندهم (مقرونة) أي أن القرينة وهى أختها من الجن تصيب أولادها في زعمهن -بفرخة سوداء (من غير إشارة) وتذبح وتنظف ثم يعمل لها حفرة في الموضع الذي نزل فيه المولود تمامًا وتدفن بحالها في تلك الحفرة مع خلاص المولود عقب الوضع، وذلك ليعيش المولود ولا تتعرض له القرينة، وكأنهن يزعمن أنهن قد صالحن القرينة بهذه الدجاجة بدل المولود، وهذا عمل مقدس عندهن يعتقدن أنه مفيد مجرب ضامن لحياة الولد، نعوذ بالله من تسلط الأوهام، وخفة الأحلام.
والمعقول في موت الأطفال إذا كثر وتكرر ما قرره كبار الأطباء من أن منشأه إصابة أحد الأبوين بالزهرى (التشويش) وقد يكون من طريق
стр. 430
الوراثة ولمعرفة المصاب منهما بذلك يحلل دمهما الطبيب المختص، ومتى تعين المصاب به منهما عولج بالحقن المعروفة، وكثيرًا ما نجح هذا العلاج وعاشت الأطفال.
(ومن أوهام العامة): التى منشؤها عدم العلم والجهل بالحقائق أنه إذا اختلج حاجب أحدهم مثلًا، وذكر ذلك لأحد أصحابه يقول له: إن اختلاج الحاجب يدل على إصابة خير كثير على رأى بعضهم، وعلى شرف عال عند البعض الآخر فيصادف هذا الكلام أذنًا واعية وشكرًا يذكر، وفات هؤلاء أن اختلاج الأعضاء بحركة الجسم منشؤه احتقان البخارات في داخله وطلبها المنفذ، وقد يكون من تغير الدم ولا ارتباط له بخير أو شر.
ومنها تجنب السفر في بعض الأيام زعمًا منهم أنها نحس، كما أنهم يتحاشون أكل السمك واللبن أو لا يأكلون الألبان في يوم الأربعاء، وكل هذا لا أصل له، وإذا قيل لهم في ذلك قالوا: هذا ما وجدنا عليه آباءنا.
ومنها أن بعض الأغنياء يقضى جل عمره وراء تحويل النحاس إلى ذهب، ولهم ولع كبير في البحث عن كتب الكيمياء وغيرها لأمل كاذب في نفوسهم حتى
أن بعضهم ليضيع ماله وعمره، ولكن لا يضيع أمله في صحة معتقده في تحويل النحاس إلى ذهب، وكل هذا لغشاوة الجهل والغرور المنتشرة على أبصارهم وبصائرهم، ولو اتجه فكرهم هذا إلى عمل مفيد كتحويل الجهالة المظلمة من بين الأمة إلى النور والعلم ما كنا على ما نحن عليه اليوم من التأخر والانحطاط يزين لهم ذلك جماعة من الدجالين الشياطين كما زينوا لهم استخراج كنوز الأرض بالبخور والعزائم، ورد الضائع بالمندل.
وحوادث الدجالين مع الدهماء في هذا وأمثاله كثير منتشرة في المدن والقرى حتى ضجت منها الأرض والسماء، ومع ذلك لا يزال البسطاء من الرجال والنساء يقعون في حبائلهم، ولا تزال الحكومة تطاردهم، وتذيقهم ألوان العذاب.
ومنها أن بعضهم إذا أراد الزواج يذهب إلى المنجم مثلًا ليحسب له النجم ليعرف الموافقة أو عدمها.
стр. 431
والحق في هذا أن المشاهدة والتجربة الصحيحة تشهد للائتلاف والمودة عند التناسب، والتناسب في الطباع والأخلاق أمر لا ينكر، فقد روى أن امرأة بمكة كانت تضحك النساء وكان بالمدينة أخرى فنزلت المكية على المدنية فدخلت على عائشة ﵂ فأضحكتها، فقالت: أين نزلت، فذكرت لها صاحبتها، فقالت: صدق الله ورسوله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" رواه الحسن بن سفيان في مسنده بسند حسن وذكره البخارى تعليقًا بدون القصة، فشبه الشيء منجذب إليه، والطيور على أشكالها تقع. كان مالك بن دينار يقول: لا يتفق اثنان في عِشرة إلا وفى أحدهما صف من الآخر يناسبه.
وأما الأسباب التى أوجبت تلك المناسبة فلا يصح أن يسأل عنها إذ ليس في قوة البشر الاطلاع عليها والإحاطة بها ولا معنى للخوض فيما لم يكشف سره للبشر فما أوتينا من العلم إلَّا قليلًا، ويكفينا في التصديق بذلك التجربة والمشاهدة.
(وجملة القول) أن كل إنسان يأنس إلى شكله كما أن كل طير يطير مع جنسه، إذا اصطحب اثنان برهة عن زمان ولم يتشاكلا في الحال والوصف فلابد من أن يفترقا، وأن ما يقوله المنجمون في ذلك هذيان لا يصح الركون إليه.
وممَّا يؤسف له أن هذه الخرافات أكثر ما تكون في الأمصار والقرى بين المسلمين، وأن المروج لها غالبًا هم المسلمون.
ومن الأوهام القديمة اعتقادهم تأثير الكتابة مثلًا في جلب المحبة أو إيقاع البغض بين اثنين، فيذهب أحدهم إلى أحد الدجالين ليعمل له عملًا يجذب به إليه قلب إنسان، أو يفرق به بين المرء وزوجه، فيشير عليه ذلك الدجال بعمل كتابة على شيء مخصوص يعلق في الهواء أو يدفن في مقبرة أو تحت عتبة الدار، أو بعمل كتابة على إناء ثم تمحى بالماء ليشرب منه المعمول له أو يرش في طريقه، وهذه خرافة لا أساس لها من الحقيقة العلمية وفى أيدى هؤلاء الدجالين مؤلفات يفتحونها للدهماء ويعملون منها لهم هذه الخزعبلات مثل كتاب أبي معشر الفلكى، وكتاب الديربي.
стр. 432
ومن العجب أنها ليست قاصرة على بلاد الشرق، بل ما زالت قائمة إلى اليوم في البلاد الغربية، فقد رفعت إلى القضاء الفرنسى أخيرًا قضية في نوع من مسحوق الحب قدمته إحدى العرافات إلى زبونتها مؤكدة لها أنه يجذب إليها قلب من تهوى، فإنه مركب من جلد الضفادع، فقدمت هذه العرافة إلى المحاكمة بتهمة النصب والاحتيال.
ومن الخرافات الشائعة بين عمال المناجم الإنجليز اعتقاد المعدنيين في لانكشير بإنجلترا أن بعض مناجم الفحم في هذه المدينة مسكونة بأرواح أطفال صغار كانوا قديمًا يشتغلون في هذه المناجم ثم ماتوا ضحية الضعف والإعياء والحاجة إلى استنشاق الهواء النقى، ولا تظهر هذه الأشباح إلا عندما تكون هناك كارثة ستحل بالمنجم، فيكون ظهورها حينئذ بمثابة إنذار ليتخذ العمال الحيطة والحذر، ويتشاءم معظم المعدنيين من الفئران البيضاء، ولذلك لا يربونها، كما أنهم لا يربون القطط البيضاء أيضًا، وإذا اتفق أن شاهد أحدهم وهو سائر في طريقه إلى المنجم عصفورًا أو طائرًا أبيض اللون فإنه يتشاءم منه ويعود إلى بيته ويبقى فيه طول يومه اعتقادًا منه أنه لو ذهب إلى المنجم لحلت به كارثة.
ومن عادة زوجات عمال المناجم أن يضعن بين طيات الفرش الذى ينام علمه أزواجهن قطعًا من الفحم لأنهن يعتقدن أنهن إذا لم يفعلن ذلك فسيصاب أزواجهن بسوء قبل أن يتسخ ذلك الفراش.
وبهذا وأمثاله يتضح لك بطلان اتهام الغربيين للشرق بأنه مبنى على الخرافات والأوهام السخيفة وعيبهم على أهله إيمانهم بكثير من الخرافات التى لا يتأثر بها إلا ضعفاء الأحلام، وأن هناك مئات الألوف من الغربيين يومنون بخرافات أسخف بكثير من تلك التي ينسبونها إلى الشرقيين.
ومن أوهام العامة ما زينه الشيطان لهم من التمسح بجدار أو عمود، وتعظيم عين أو شجر أو حجر لرجاء شفاء أو قضاء حاجة، وقبائحهم في ذلك غنية عن البيان، وقد صح أن الصحابة ﵃ مروا بشجرة سدر قبل حنين كان المشركون يعظمونها وينوطون بها أسلحتهم،
стр. 433
فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة"، قال: "إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم" رواه الترمذى "وينوطون: يعلقونها بها"، وصح أن عمر ﵁ أمر بشجرة الرضوان فقطعت لما رأى تعلق الناس بها.
ومن الخرافات ترك بعض العامة تنظيف البيت وكنسه عقب سفر من سافر من أهله ويتشاءمون بفعل ذلك بعد خروجه يتوهمون أن ذلك لو فعل لا يرجع المسافر.
وكذلك تركهم كنس المنزل بالليل يزعمون أنه يورث الفقر أو يؤذى الجن لانتشارهم بالليل.
وكذلك غرز السكين ليلة العيد الأصغر على أبواب المنازل والغرف يرون أن الشياطين التى كانت مسجونة في شهر رمضان تخرج من سجنها ليلة العيد فيتقون دخولها المساكن بهذه السكين.
وكذلك ما يفعله بعضهم إذا ودع المسافر من أهله يؤذن مرتين أو ثلاثًا زاعمين أن ذلك يرده إلى أهله سالمًا.
ومن أوهامهم أن المطلقة ثلاثًا إذا ولدت ذكرًا تحل لزوجها من غير أن تنكح زوجًا غيره وهذا جهل فاضح وعيب واضح وفيه استحلال لما حرم الله.
ومن أوهامهم إذا ماتت الزوجة ثم تزوج بعدها زوجها بامرأة أخرى أنهم يرشون الماء على قبرها زاعمين أن ذلك يطفئ حرارة الغيرة.
ومن أوهامهم إذا قتل إنسان في مكان يزعمون أنه يخرج له شيطان (عفريت)
يتمثل للناس ليلًا ويخيفهم، ولهم في هذا المعنى حكايات يؤكدونها بالأيمان ورؤية العيون. والله أعلم بما يقولون وما يبصرون.
ومن أوهامهم أن البكر عند عقد الزواج تضع في فمها قطعة من السكر وبيدها اليمنى شمعة موقدة وباليسرى مرآة تنظر فيها، ورجلاها في إناء مملوء بالماء البارد، وعلى رأسها امرأة تقرأ في المصحف سورة تبارك الملك -يتوهمون أنها بذلك تكون محببة إلى بعلها- وهو عمل غير معقول المعنى والذى يحببها إلى زوجها التربية الحسنة والأخلاق الكريمة.
ومن أوهامهم دخول العرس من بين رجلى أم زوجها، وذلك
стр. 434
أن تتعلق الأم بباب البيت مفرطحة رجليها بجانبي الباب، ثم تمر العروس من تحتها زاعمين أنها بذلك تعيش مطيعة لها لا تخالف لها أمرًا.
ومن أوهامهم وضع البصل تحت رأس النائم وتعليقه على الأبواب يوم (شم النسيم) زاعمين أنه يذهب عنهم الكسل والوخم.
ومن أوهامهما تشاؤمهم من الدخول بنحو اللحم أو الباذنجان أو البلح الأحمر أو الذهب على المرأة في أيام نفاسها زاعمين أن ذلك (يكبسها) ويمنع من نزول اللبن للرضيع وكذلك أيضًا مقابلة النفساء لمثلها قبل نهاية شهر الوضع.
ولهم في الخلاص من هذه الكبسة والتحفظ منها تعاليق وخرزات تقدمها القابلات للوالدات، وتسمى تلك التعاليق بالشاهرة وهى التى تبيعها في أرض مصر نساء (الغجر) وكل قابلة عندها واحدة من هذا النوع، فإذا انكبست الوالدة تأتيها القابلة بهذه المشاهرة فتخطيها أولًا ثم تضعها في شيء من الماء لتغتسل به وقت صلاة الجمعة تفعل ذلك ثلاث مرات في ثلاث جمع فتزول الكبسة وينزل لبنها.
ولا يخفى أن ذلك غير معقول إذ لا مناسبة بين هذه المشاهرة وبين اللبن الذى في جسم المرأة، وتأخر اللبن ناشئ من تسلط الوهم على الوالدة فتختل منه الدورة الدموية، فإذا عملت المشاهرة تطمئن فتنتظم الدورة الدموية ويدر اللبن، فهذا وهم قد زال بوهم مثله.
ومن أوهامهم أن النفساء إذا لقيت مثلها قبل شهر الوضع وحملت إحداهما قبل الأخرى تعتقد التى تأخر حبلها أن التى سبقتها بالحبل هى التى كبستها فتأخر
حملها، ولكى تحمل تطلب منها أن تجرح لها أصبعًا من أصابع يديها لتلحس دمها، وبذلك تزول الكبسة وتحمل، ونعوذ بالله من الجهل وسلطان الوهم على هذه العقول الناقصة.
(ومن أوهامهن) أن الوالدة لا يصح لها أن تفارق موضع الولادة مدة أسبوع، ولا أن تترك المولود وحده فيه يزعمن أنها إن تركته وحده (ينبدل): أي أن الجن تأخذه وتأتى بغيره، وإذا أصيب المولود بنحول في السنة الأولى تقول النساء: إنه مبدول أو موحود، أي أن ذلك النحول
стр. 435
من أجل أن أُمه كانت تركته حده قبل السبوع، وهذا الوهم مشكل وغير مفهوم.
ومن أوهامهم صعود المرأة العقيم أو التى تأخر حملها على المنارة زاعمين أن ذلك يورث الحمل، وقد يصعد معها مؤذن فاسق وأنَّه من المخازى الوخيمة التى تأباها الغيرة والمروءة.
(وجملة القول) أن معظم ما يقع من النساء ممَّا يتعلق بالحمل والوضع والأولاد من بقايا الجاهلية الأولى، ساعد على قبوله وبقائه إلى اليوم الجهل والوهم، والمانع أيضًا من ترك تلك السخافات الجهل والوهم، وإذا اتحد السبب والمانع في الشئ الواحد فقد استحكم الداء وعزُّ الدواء.
ومن أوهامهم أن بعض النساء أيام الحيض يكتلن القمح ولا غيره من الطعام، بل ولا تحضر موضعه هن أجل حيضها، وهذا من عادات اليهود، فقد كان من شرع موسى ﵇ الاحتراز العظيم عن المرأة حال حيضها بإخراجها من الدار، وهذا منسوخ بشريعة نبينا ﷺ .
ومن أوهام العامة اعتقادهم في كثير من أضرحة الأولياء اختصاصات كاختصاصات الأطباء، فمنهم من يذهب بالأطفال الرضى إلى بعض الأضرحة ويلقونهم فيها يوم الجمعة من الزوال إلى الفراغ من صلاتها يحبسونهم في الأضرحة ويتركونهم فيها يبكون ويصيحون ويبولون ويتغوطون على قبر ذلك الولى .. هكذا يفعلون ثلاث جمع فيشفى، ومنهم من يزعم في ضريح سيدى مسعود الجارحى بمصر القديمة، وضريح المغربى ببولاق رحمهما الله أن زيارتهما على شروطها المعهودة تقى من أمراض الجان، وأن من أصيب بمس أو غيره يبرأ بزيارتهما، وعندهم من الأضرحة ما ينفع في مرض العيون، ومنها ما يشفى من مرض الحمى،
ونساء مصر يعتقدون أن زيارة ضريح المغاورى يشفى من العقم.
بل في الناس عن يخاف من غضب الولى عليه إذا هو تخلف عن حضور مولد ذلك الولى كعادته، أو قطع نذره السنوى عن وضع نقد في صندوقه أو حيوان يذبحه باسمه وعلى مدده، وكثيرًا ما يزعمون أن الولى صاحب
стр. 436
العادة أو النذر يأتيهم في المنام يطالبهم بالوفاء به، وأنَّه يضايق من قطع نذره في منامه، ويركب على نفسه ولهم في ذلك حكايات وأحلام يتحدثون بها في المناسبات.
وكل هذه ضلالات وأوهام لا أصل لها، ولكن أوحى بها إليهم شياطين الأضرحة الذين لا يرون العيش والارتزاق إلا من النذور التى تأتيهم من العامة بهذه الوسيلة القبيحة.
ولكى يتم لهم اصطياد البسطاء جعلوا لكل ضريح يومًا مخصوصًا لزيارته يسمى عندهم بالحضرة ورتبوها متفرقة على أيام الأسبوع ليتسنى للناس جميعًا حضور هذه الحفلات وأعياد الأضرحة فتكثر العوائد، وكل ذلك محدث لا أصل به.
فإن قال قائل: إن العامة يرون حقيقة هذه الأمور من تجربتهم إيَّاها ووقوع ما يكره وقوعه عند فعل شيء أو تركه (قلنا): نعم، يقع المكروه ولكن الخطأ في اعتقادهم أنه يتسبب عن الفعل أو الترك (وإنما) يقع بشؤم المخالفة للسنة والتدين بالبدعة، فعوملوا بالضرر الذى يتوقعونه، وقد شاء الحكيم أن المكروهات لا تندفع إلا بالامتثال لأوامر الشرع الشريف.
ففى الأثر عن علي بن أبى طالب ﵁: "لا ينزل البلاء إلا بذنب ولا يرتفع إلا بتوبة" فكان وقوع ذلك لهم بسبب مخالفتهم لما أمروا به جزاءً وفاقًا.
ومن أوهامهم العامة اعتقادهم أن أهم أعمال الحج زيارة قبر النبي ﷺ ، ويرون أن من حج ولم يزر القبر الشريف يكون حجه ناقصًا أو غير مقبول، بل منهم من يزعم أن الحج هو الزيارة لا يتصور غيرها، وفساد ذلك غنى عن البيان وغاية الأمر أن الزيارة مندوب إليها.
ومن أوهامهم اعتقاد الكثير منهم أن النبي ﷺ يزور النبات المسمى (بالصبارة) كل ليلة جمعة.
ومنها أن السلحفاة أصلها امرأة أنكرت الرحا من جارتها فمسخها الله إلى هذه
الصورة، والمعقول أنها حيوان خلق ابتداء هكذا كباقى أنواع الحيوان.
ومنها اعتقادهم إذا خرج من الإنسان ريح في المسجد أن الملك يتلقاه
стр. 437
بفمه ويخرج به إلى خارج المسجد، فإذا تفوه به مات الملك، وخطؤه واضح، فإن مثل ذلك لا يعلم إلا من قبل صاحب الوحى ﷺ ، ولم يرد عنه في ذلك أصل يعتمد عليه، ولأنه خلاف المشاهد، فإنا نجد الريح ينتشر في داخل المسجد ويستمر في الهواء كانتشاره واستمراره خارج المسجد، والفقه في ذلك أنه مكروه تتأذى به الملائكة ككل ريح كريه.
ومن أوهامهم تعظيمهم الخبز ونحوه بتقبيله عند ما يطلب تعظيم نعمة الله تعالى أو شكره عليها، وكذا عند التقاطها من الأرض إذا وجدت مطروحة فإنه لم يشرع تقبيل شيء من الجمادات سوى الحجر الأسود.
ومن خرافاتهم عندما يصاب إنسان أو حيوان بنظرة العين ثم يرقونه بالشب على النار، اعتقادهم أن الشب يتمثل بصورة العائن فيقلعون عين هذا التمثال زاعمين أن ذلك يصرف السوء عن المعيون، وإذا عرف العائن لهم احتالوا للحصول على قطعة من ثيابه وحرقوها زاعمين أن ذلك أيضًا يبطل أثر العين.
ومن خرافاتهم أن بعضهم يضع شيئًا من الخبز والملح والماء مع الميت في القبر عند دفنه زاعمين أنه يتناول منه مع الملائكة فتكرمه عند السؤال.
ومنها غرز المسامير في نحو شجرة السدر تكون بجانب الولى زاعمين أن ذلك يشفى من مرض الصداع، وكثيرًا ما يعلقون شيئًا من شعورهم أو ثيابهم بتلك المسامير رجاء الشفاء من المرض، وغنى عن البيان أنه لا مناسبة بين غرز المسامير في الشجرة وبين صداع الرأس، والمعقول ما يعالجه به الأطباء من استعمال الملينات ولطيف الأغذية.
ومن أوهامهم تسمية المولود بغير اسمه ويكون اسمًا منحطًا ليعيش كأن يسموه بلبع أو بعجر أو صربع أو جعلص، وهذا ممَّا يجعله هزوًا وسخرية في نظر الصغار والكبار، فينشأ على الخفة والسقوط، وكذا الشحذ على الأطفال في مثل موسم عاشوراء لذلك أيضًا، وكذا وضع خلخال من الحديد في رجليه يصنعه حداد ابن حداد.
ومنها إذا أصيب الطفل بالنظرة مثلًا تأتى أمه بقطعة من الشب ورماد الفحم البلدي مثلا وقطعة من النقود وتجعل الجميع في خرقة بيضاء
стр. 438
وترميها من وراء ظهرها من غير أن تنظر إلى المكان الذى وقعت به ثم ترجع من غير أن تكلم أحدًا.
ومنها الطواف بالولد حول القرية يوم العيد راكبًا على أتان، وظهره جهة الأمام ووجهه جهة خلف الدابة، وحوالى رأسه الريش، وحوله جمع من الأولاد يصيحون قائلين: (يابو الريش إن شا الله تعيش).
ومنها تحريم الخياطة يوم الجمعة أو يوم الوقوف بعرفات، وكذا منع الإِبرة والمنخل ليلًا تشاؤمًا بذلك.
ومنها ما يعمل في اليوم السابع من الولادة وليلته من تزيين نحو الإبريق بأنواع الحلى والرياحين ورش الملح وإيقاد الشموع والدق بالهاون ونحوه مع الكلمات المعروفة، ثم تعليق شيء من الحبوب مع الملح على الطفل.
ومنها طاسة من النحاس بها أربعون مفتاحًا تسمى (طاسة الطربة) تملؤها البكر وتضعها ليلة على ظهر البيت مكشوفة للسماء ثم يتجرعها المذعور صباحًا أيامًا معلومة فيبرأ من الرهقان.
ومنها اعتقادهم أن من أمكنه المرور من بين العامودين اللذين في جامع عمرو ابن العاص ﵁ فهو الذى لا ذنب عليه ومن لا فلا.
ومنها إذا انقطع حبل المرأة لزعم أن امرأة كبستها أيام النفاس أو فطام الرضيع، تأتى بتلك المرأة وتبول على بولها، ومنهن من تذهب إلى المقبرة فتنبش على طفلها الميت أو طفل غيرها لكى تراه فتحمل، وأنَّه منكر وضلالة.
ومنها أن الغلام مثلًا يرمى بضرسه أو سنه في وجه الشمس قائلًا لها: (خذى سنة الحمار وهاتى سنة العروسة) وهو عمل صبيانى لا قيمة له.
ومنها وضع شيء من الخبز والنقد تحت عتبة البيت عند بنائه.
ومنها تقبيل المحموم فرج الحمارة السوداء، أو أن تتخطاه امرأة سيئة السمعة، أو يتمرغ على قبر قتيل، أو يوضع عليه نحو ثعبان على حين غفلة، وبذلك يزعمون أنه تزول عنه الحمى وذا خطأ، والصواب عرضه على الطيب خشية أن تكون من النوع الخبيث المعدى فيتدارك الأمر قبل اشتداد الخطر.
ومنها التبرك بالحيوان المعروف (بعجل العزب) في الوجه البحرى.
стр. 439
ومثله (فحل السيد البدوى) في الوجه القبلى فإنهما بسوائب الجاهلية أشبه وطوافهما في القرى ودخولهما غرف المنازل عند العواء من علائم الخير ودلائل القبول وكل ذلك لا أصل له.
ومن قبيل الأوهام والخرافات (كذبة إبريل) وقد حدثت في منتصف القرن السادس عشر حين أبدلت فرنسا تقويمها وجعلت رأس السنة أول يناير بدلًا من إبريل، وكان أول يوم من إبريل مخصصًا للمعايدة والمهاداة، فلما أبدل رأس السنة صار الناس يتمازحون بالهدايا الكاذبة يوم أول إبريل وصار الكذب فيه عادة مألوفة من ذلك الحين، هذا أصح ما قيل في سببها.
(وجملة القول) أن الأوهام مرض عام مكروبه منتشر في كل مكان إلا أن المتعلم العاقل يقوى عليه فيضعفه، وغيره لا يقوى عليه فيصبح مرتعًا له يسرح فيه ويمرح، يشهد لذلك ما هو مشاهد بين العامة لاستعدادهم لتأثير الخرافات والأوهام، وما ذاك إلا لشدة انغماسهم في الجهالات وسقوطهم في مهاوى الضلالات، وأكثر أوهامهم في المسائل الدينية، وخرافاتهم في السائك العمومية، وما ذكرناه قليل من كثير عليه العامة، ومن خالطهم عرف من أوهامهم وخرافاتهم أشياء كثيرة.
وبالله تعالى التوفيق.
خَاتمَة
من نظر فيما عليه الناس في هذا الزمان وجد أنهم قد بعدت مسافة الخلف بينهم وبين السلف الصالح، فقد ترك الناس السنة، ومالوا إلى البدعة وتحاوزوا حدود الشريعة، وأحدثوا في الدين ما ليس منه، ولم يقفوا في الابتداع عند حد، حتى لقد ابتدعوا في شعائر الدين وصور العبادات التى كان يجب الاقتصار فيها على ما ورد عن رسول الله ﷺ حتى يفوزوا بإحسان الله ورضوانه، ولقد طغى سيل البدع حتى خفيت به معالم كثير من السنن، وصار من الصعب على كثير من الخواص تمييز السنة عن البدعة، فما ظنك بالعوام الذين لم يمارسوا السنة ولم ينهلوا من موارد الشريعة الصافية، فإن هؤلاء إنما
стр. 440
يدينون بما ورثوه عن آبائهم وأسلافهم من العادات والبدع والتقاليد وإن أنكرته الشريعة، ولقد تمكنت هذا العادات والبدع من نفوسهم وصار لها السلطان القوى على أفئدتهم وعقولهم لكثرة مزاولتهم لها وإلفهم إياها، فأصبحوا لا تنقاد نفوسهم للنصيحة، وإذا قيل لهم: إن الشريعة تأمر بكذا ممَّا يخالف عاداتهم أو تنهى عن كذا ممَّا عليه العادة! قالوا: ولكن العادة على خلاف ذلك، وليس لنا إلا اتباع العادات: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (١).
وممَّا زاد في سوء الحالة سكوت السادة العلماء على كثير من البدع وإقرارهم لها خوفًا من أذى العامة أوعدم قبولهم للنصيحة، وإهمال نشر تعاليم الدين الصحيحة بين الناس حتى هان الدين على النفوس، فإذا دعاهم داع إلى إحياء السنة وإماتة البدعة قالوا: ﴿ … قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ … ﴾ (٢) والناس أحباء ما ألفوا، أعداء ما جهلوا.
ولقد علمتنا سنة الله في خلقه أن كل قانون أو نظام لا يكون له من القوة سياج يحميه ويدفع عنه، ويمنع عبث العابثين به، فإنه لا يلبث أن تتعطل أحكامه، وتنطمس آثاره، وتتبدل معالمه وتتوارى محاسنه، ويهون مكانه على النفوس فيقل أخذ الناس به ويشتد انصرافهم عنه مهما كان كافلًا لمصالحهم، محققًا لسعادتهم وصلًا بهم إلى خيرى الدنيا والآخرة، ذلك بأن النفوس نزاعة إلى الهوى وثابة إلى الشهوات، ومن شيمتها الإخلاد إلى ما ألفته من العادات؛ لهذا كان من اللازم
النشاط في الدعوة إلى الله تعالى، وأن يكون من وراء هذه الدعوة قوة تؤيدها وتدافع عنها، ولهذا جاءت الشريعة الغراء بالحدود والزواجر والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وما يزع الله بالسلطان أكثر ممَّا يزع بالقرآن.
فواجب على العلماء أن يؤدوا الأمانة، وأن يشمروا عن ساعد الجد لهداية الناس وإرشادهم إلى سنن الدين، أن يبينوا للناس ما أنزل الله من البينات من والهدى، فتحيا السنة وتموت البدعة، ويحيا الدين وتسعد الأمة، وواجب على ولاة المسلمين وأمرأئهم أن يشدوا أزر العلماء وأن
стр. 441
ينصروا الدين ويقيموا حدود الله، ويضربوا على أيدى العابثين بأحكام الله وسنة رسوله ﷺ : فإنهم عن ذلك مسئولون بين يدى أحكم الحاكمين يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.
أما إذا فرط العلماء، وتهاون الحكام والولاة وتركوا حبل الناس على غاربهم حتى استبيحت المحرمات، وراجت سوق البدع والمنكرات، فهناك يظهر الفساد وتفشو المناكر بين العباد ويعم الظلم جميع البلاد وهنالك تكون الطامة، وتحق عليهم كلمة العذاب ﴿ … حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (١).
رب إن الهدى هداك، والخير بيديك، ولا ملجأ منك إلَّا إليك، رغبة ورهبة إليك، فيارب اهد الأمة إلى محاسن دينك، ووفقها للعمل بسنة نبيك وقيض لها من العلماء العاملين، والأخيار المخلصين والهداة المرشدين والولاة المتقين، من يوضح لها الحجة، ويحملها على المحجة، ويهديها الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهما ولا الضالين آمين.
اللهم يا من إحسانه فوق كل إحسان، يا من لا يعجزه شيء، يا كثير المعروف يا دائم الإحسان نسألك من كرمك الواسع وجودك الفياض، أن ترزقنا السلامة والعافية في ديننا ودنيانا مع التوفيق لصالح الأعمال، وأن تملأ قلوبنا بمحبتك ومحبة رسولك المصطفى ﷺ ، والإخلاص لعزة جلالك، وأن تمن علينا بالقبول والرضوان يا رحمن يا رحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكان الفراغ من تأليفه صباح يوم الجمعة (١٦) من جمادى الثانية عام (١٣٤١ هـ).
المؤلف
علي محفوظ
تقاريظ العلماء للكتاب
(تقريظ) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ دسوقي العربي المالكي ، أحد هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد ﷺ وعلى جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى الكل وصحابته الهادين إلى الصراط
стр. 442
المستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله ﷺ ، أرسله إلى الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة وحض على اتباع السنة، ونهى عن اتباع البدعة، فجزاه الله عن الأمة خير الجزاء وأفاض عليه من الكمالات ما لا يعلم كنهه إلَّا الله.
(أما بعد) فقد اطلعت على بعض من كتاب "الإيداع في مضار الابتداع" لحضرة مؤلفه الفاضل واعظ المسلمين، وأستاذ المرشدين الأستاذ العلامة الشيخ على محفوظ من علماء الجامع الأزهر الشريف والمدرس بقسم التخصص (في مجموعة الوعظ والخطابة) فراقنى مطلعه وما رأيته منه، وشاقنى ذلك إلى الإتيان على آخره بيد أن ثقتنا بالأستاذ وعلمنا بماضيه في هذا السبيل تجعلنا نجزم بأن كتابه هذا خير كتاب ظهر للناس في موضوعه. فقد جمع ما لم يحوه كتاب على صغر حجمه، مع متانة في الأسلوب، وسلاسة في العبارة وصحة النقل ودقة الاستنتاج، ولا عجب فالأستاذ خير واعظ فيما نعلم، وسيد المرشدين في زماننا، والشئ من معدنه لا يستغرب.
(وعلى الجملة) فقد نصب الأستاذ نفسه لإرشاد الناس وهدايتهم، والحث على التمسك بالسنة والتنفير من البدعة، وكان يتحين لذلك الفرص مع ما هو منوط به من الدروس الأزهرية ولم يحمله على هذا سوى الرغبة الصادقة في اتباع الدين القويم وإخراج الناس من ظلمة الجهالة والابتداع إلى نور العلم واليقين. وقد أمضى في ذلك السبيل زمنًا طويلًا، فلئن حكمنا بأن كتابه هذا خير كتاب أخرج للناس في بابه فلسنا بمغالين ولا مداحين، فجزى الله مؤلفه الفاضل خير الجزاء، وجعله قدوة حسنة للعلماء، ونفع بكتابه النفع العميم آمين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
دسوقى عبد الله العربي
(تقريظ) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ يوسف الدجوى المالكى ، أحد هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الهادى إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ذى الخلق العظيم، والمنهج القويم،
стр. 443
وعلى آله وصحبه وعترته وحزبه الذين أظهروا الشعائر، وأحيوا السنة وحاربوا البدع والكبائر أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.
(أما بعد) فإن أفضل أعمال البر، وأحسن خصال الخير، الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والوعظة الحسنة، والإرشاد إلى محجة الهداية والفلاح؛ ولما كان ذلك لا يتم في هذا العصر الذى طمى فيه سيل البدع والأهواء، وكادت تنطمس فيه معالم الشريعة السمحة الغراء إلا بتحديد الفرق بين البدعة والسنة وبيان ما في الاتباع من سعادة وخير، وما في الابتداع من شقاء وضير، مست الحاجة إلى كتاب في أصول البدع وفروعها، وبيان مساويها ومضارها، ليكون عدة للواعظ في مهمته، ونبراسًا يضئ له وجه الصواب في دعوته، وقد اطلعت على مواضع من هذا السفر الجليل المسمى بـ" الإبداع" الذى وضعه العلامة الفاضل، والأستاذ الكامل الشيخ على محفوظ فوجدت فيما رأيت خير كتاب جمع إلى تحقيق المباحث عذوبة الألفاظ وحسن الترتيب، ولا غرو، فالأستاذ من أجل علماء البرهان، وفرسان حلبة البيان، وخير المرشدين وأجل الواعظين البرزين، ولا تزال طائفة من الأمة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله، نفع الله المسلمين بهذا الكتاب ومؤلفه وجزاه عن الإسلام خير الجزاء، إنه سميع الدعاء.
يوسف الدجوى
من هيئة كبار العلماء
(تقريظ) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ الدينارى الشافعى ، شيخ معهد طنطا ومن هيئة العلماء بالأزهر الشريف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذى أنعم على عباده لنعمة الإيمان والإسلام، وأرشدهم إلى سبيل الرشاد على لسان أنبيائه -عليهما الصلاة والسلام- واصطفى من الأمة الإسلامية مرشدين هادين، بينوا الحق من الباطل، وميزوا الخبيث من الطيب، يلقون أحكامه، ويرشدون إلى سبيل السعادة، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه.
(أما بعد) فإن الأمة الإسلامية قد تركت سالف مجدها وسنة نبيها وسارت في طريق البدع والأهواء وأصبحت فرقًا وشيعًا، ركبت رأسها، وكأنها نبذت كتاب الله وراء
стр. 444
ظهرها، وهذا لا شك سبيل إن تمادت فيه تلاشت، نتيجة لازمة للتفريق خصوصًا في الدين الذى هو ملاك الأمر كله؛ وقد أمر الله سبحانه علماء الأمة أن يأخذوا على أيديها بالإرشاد إلى السنة الصحيحة وأن يدلوا لها بالحجة والبرهان حتى يؤدوا أمانة الله التى وضعها في أعناقهم.
وقد قام بهذا الواجب الشيخ الكبير، والعلامة الخطير (الشيخ على محفوظ) فألف كتابًا أسماه "الإبداع في مضار الابتداع" وقد تصفحته فوجدته الغاية المطلوبة، والضالة المنشودة، بين فيه طريق الكتاب والسنة، وأرشد إلى التمسك بهما، وبين البدع، ونهى عن ارتكابها، بأوضح مبنى، وأجزل معنى، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، ووفقه لنفع الإسلام والمسلمين.
(تقريظ) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد العناني المالكي ، من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله مبدع الكائنات، والصلاة والسلام على أفضل من نهى عن اتباع البدع والضلالات، وعلى آله أعلام الهداية، وأصحابه البعيدين عن الغواية.
(أما بعد) فقد اطلعت على كتاب "الإيداع" لحضرة مؤلفه النابغة أخينا القدوة الشيخ على محفوظ فألفيته كتابًا قد تحقق ياسمه، فلقد أبدع فيه مؤلفه أيما إبداع، فكم من آيات بينات استشهد بها! وكم من أحاديث احتج بها! وكم ضرب الأمثال وساق الحكم! وعلى الجملة فلما يدع طريقًا صحيحة إلا وأتى عليها، ولا تالدًا نافعًا إلا وضمه إليه فهو كتاب جمع إلى سلامة العبارة وصحة النقل حسن البيان، ومتانة الأسلوب ودقة المعنى، كتاب يصلح أن يكون مرشدًا لمن أراد أن يتعلم صناعة الوعظ النافع، هاديًا لمن أراد أن يهتدى بهديه، ويستنير بضيائه وكنت ممن يسمع بفضل الأستاذ وطول باعه، سيما في هذا الباب من الكتاب ولكن حينما نظرت كتابه هذا قلت: فما راء كمن سمعا، فليس ببدع أن يسمى كتابه بـ"بالإبداع" فإنه الجدير بأن يسمى "المرشد إلى الطريق القويم، والهادى إلى الصراط المستقيم"، نفع الله به المسلمين، وأجزل لمؤلفه الثواب وجعله مثالًا صالحًا وقدوة حسنة للعلماء آمين.
كتبه الفقير إلى الله تعالى
محمد عبد الفتاح العنانى المالكي
من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف
стр. 445
(تقريظ) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ إبراهيم صقر الميهى الشافعي ، المدرس بالقسم العالى بالأزهر الشريف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، والصلاة والسلام على خير الأنام سيدنا محمد وعلى آله وحزبه.
(وبعد) فقد تصفحت بعض هذا الكتاب المسمى بـ"الإبداع" لحضرة مؤلفه العلامة الذى له في الإرشاد والوعظ باع وأى باع، فوجدته قد ضم إلى ما شيده من المعانى، عذوبة العبارة ولطف المبانى حتى كاد يأخذ بسحره الألباب وينهض بالواعظين والموعوظين إلى أسد طريق أحسن باب، فهو جدير بإقبال الناس إليه، جمع المعاني والمحاسن بين يديه، ولا غرو إذ عم صيت مؤلفه الأقطار، وبدا كالشمس في رابعة النهار، فجزاه الله عن الدين والعلماء خيرًا ووفق الجميع لتشييد دعائم الدين، وقطع ألسنة الملحدين، والمريدين به شرًّا، إنه سميع الدعوة، وكاشف الغمة عن الأمة.
إبراهيم صقر الميهى
وكتب السيد محمد رشيد رضا في مجلة المنار تقريظًا للكتاب قال: كتاب جديد صنفه أخونا الأستاذ الشيخ على محفوظ من تلاميذ الأستاذ الإمام، وقد ذكر في آخر الطبعة الثانية سبب إعادة طبعه فقال: لما ولى حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الأكبر الشيح محمد مصطفى المراغى مشيخة الجامع الأزهر الشريف ورياسة مجلسه الأعلى كان من باكورة أعماله الحكيمة أن وجه -حفظه الله- عنايته إلى إصلاح قسم الوعظ والخطابة ومناهجه إصلاحًا يكفل للطلاب النبوغ في هذا الفن ويتناسب مع روح العصر الحاضر فأدخل تعديلًا رشيدًا في مواد الدراسة، وأضاف إلى مادة البدع والعادات زيادات ذات شأن، وقد عرض على مجلس الأزهر الأعلى مذكرة بشأن هذا الإصلاح فوافق عليه في جلسة يوم الثلاثاء (١٣) ربيع الأول سنة (١٣٤٧) وقد طبع هذا الكتاب للمرة الثانية في ذى الحجة من السنة المذكورة وهى تمتاز عن الطبعة الأولى بتنقيحات مفيدة مع تلك الزيادات التى أقرها المجلس الأعلى في الجلسة المذكورة.
стр. 446
وهو مؤلف من مقدمة وبابين وخاتمة - وفى المقدمة مبحثان: الأول إخبار الصادق المصدوق بغربة الدين، والثاني: الحث على التمسك بالدين، وإحياء السنة النبوية، والباب الأول في النظر في البدع من جهة الأصول والقواعد وفيه سبعة فصول، وجله مستمد من كتاب "الاعتصام" للشاطبي، والباب الثانى في النظر في البدع من جهة فروعها، وفيه اثنا عشر فصلًا: بدع المساجد - بدع المقابر والأضرحة - بدع الجنائز والمآتم - بدع الموالد - منكرات الأفراح - بدع الأعياد والمواسم- البدع التى تقع في العبادات- بدع أرباب الطرق المتصوفة- يدع الاعتقادات - بدع الضيافة والولائم - بدع المعاشرة والعادات - خرافات العامة وأوهامهم، وفى كل فصل من هذه الفصول مسائل كثيرة لخص فيها كتاب "المدخل"، وزاد عليه ما حدث بعده من منكرات العادات وبدع الضلالات.
ولم تكن كتابته لهذه المباحث كتآليف أكثر المتأخرين التى لا تعدو اختصار أحدهم لكتاب غيره وشرح آخر لبعض المختصرات من المطولات، هو تصنيف جديد حملته عليه حاجة العصر إليه وكان له فهم ورأى فيما ينقله عن غيره.
وجملة القول: إن هذا الكتاب من الكتب النافعة الجديرة بالانتشار، فهو خير من كثير من الكتب التى ينقل عنها.
مُؤَلفات الفَقِيد
* "هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة".
* "الإبداع في مضار الابتداع".
* "الأخلاق الإسلامية".
* "الخطابة".
وتطلب من نجل المؤلف محمد جمال الدين على محفوظ بالمنزل رقم (١٠) بشارع الأمير بشير بالحلمية الجديدة ومن دار الكتاب العربي والمكاتب الكبيرة.