يتمكن أهل البيت من إصلاح شئونهم وستر أمورهم، ففى الحديث الشريف عن النبي صلوات الله وسلامه عليه: " الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون وبالثانية يستصلحون وبالثالثة يأذنون أو يردون " أخرجه الطبرانى، وقال ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" رواه البخارى من طريق قتادة بنحوه، ولا تظن أن الاستئذان خاص بالأجانب دون الأقارب فإن الخطاب في الآية عام لجميع المؤمنين فيستوى فيه القريب والأجنبى ويلزم به الأب والابن والعم والخال.
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: استأذن على أمي، فقال: "نعم" فقال الرجل: إنها لا تجد من يخدمها غيرى أفأستأذن عليها؟ فقال ﷺ : " أتحب أن تراها عريانة؟ " قال: لا. قال: "فاستأذن" أخرجه مالك في "الموطأ" عن عطاء ابن يسار، وفى ذلك غاية الأدب والكمال.
وكذلك ألزم الله المملوك أن يستأذن على سيده والصبى الحر على مخدومه في أو قات ثلاثة هى مظنة لكشف العورات، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ … ﴾ (١).
وأباح الدخول بدونه فيما عداها للخادم مملوكًا أو صبيًّا، فإذا جاوز الطفل حد الطفولية وبلغ مبلغ الرجال لزمه الاستئذان على مخدومه في عموم الأوقات كسائر الأجانب، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ … ﴾ (٢) بهذه الآداب العالية أدب الله المؤمنين لتظل أعراضهم مصونة، وتبقى قلوبهم نقية من دنس الشهوات، سليمة من الضغائن والأحقاد.
وهذا هو السر في أن الشارع الحكيم أمر الرجال والنساء جميعًا بغض البصر والبعد عن مواطن الشكوك والريب، حيث كان النظر بريد الزنا ورائد الفتنة ورسول الفساد والفجور، حرم على النساء المسلمات أن يظهرن زينتهن أو يطلعن الرجال الأجانب على شيء من عوراتهن ومحاسنهن لما في ذلك من الفتنة وانتشار الفاحشة بين المسلمين ووقوعهم في مقت الله وغضبه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
стр. 387
وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ … ﴾ (١) فأنت ترى في هذه الآية الحكيمة أن الله تعالى قد أمر الرجال بغض البصر وحفظ الفرج وأمر النساء بمثل ما أمر به الرجال.
وحرم على النساء كشف العورات وإظهار الزينات دَرْءًا للمفاسد والفتن وقطعًا لأطماع النفس الأمارة بالسوء، وحرصًا على سلامة القلوب من الأذى ليدوم الوفاق ويبقى التضامن.
وبهذا يظهر لك السر في أن الدين الإسلامى قد حرم على الرجل المسلم مس الأجنبية، كما حرم عليه مخالطتها والخلوة بها، الأن الفتنة في هذا أشد، والمفسدة به أعظم، والشر فيه أقرب. روى الطبراني بسند صحيح أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه قال: " لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له "، وروى أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: " إياكم والخلوة بالنساء، والذى نفسى بيده ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما، ولأن يزحم رجلًا خنزير متلطخ بطين أو حمأة خير له من أن يزحم منكب امرأة لا تحل له " وهو صريح في منع الاحتكاك بالمرأة الأجنبية والخلوة بها: زحمته زحمًا من باب نفع: دفعته وزاحمته مزاحمة وزحامًا وأكثر ما يكون ذلك في مضيق.
فتبين لك من مجموع هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن الدين القويم قد جعل بين المسلم وبين الفسوق سدًّا منيعًا من الآداب وحصنًا حصينًا من الأوامر والنواهى.
فهل تأدب المسلمون في هذا العصر المفتون بما أدبهم الله به؟ وهل ابتعدوا عما نهاهم الله عنه؟ وهل تحرزوا ممَّا حذرهم رسول الله ﷺ منه؟ وهل عنوا بتعليم نسائهم وبناتهم ما يخصهن من آداب الشرع وأحكام الدين؟ وهل باعدوا بينهم وبين الفجار والمفسدين؟ (كل ذلك لم يكن).
ولذا ترى الشر ينمو، والفساد ينتشر، والاختلاط بين الرجاد والنساء يزداد يومًا عن يوم، والجهل بدين الله يضرب أطنابه في الأسر الإسلامية
стр. 388
حتى أصبحنا ونحن في تدهور أخلاقى وانحلال اجتماعى ينذرنا بأسوأ العواقب وأفدح الخطوب.
انظر إلى بيوت الأغنياء تجدها قد زالت عن أكثرها الصبغة الإسلامية حلت محلها العادات الفرنجية التى لا تتفق مع أحكام الدين ومحاسن آدابة في شيء، ولا تلتئم مع العفاف والصيانة بحال من الأحوال.
ترى ربة القصر هناك تخالط خدمها وحشمها وتظهر أمامهم بما يأمرها الدين بستره عن الرجال من حليها وزينتها، (والسيد الكريم) يرى ذلك ولا ينكره ولا يغار له، كأن الخادم في نظره جماد لا يهز قلبه سحر الجمال، أو معصوم عن الخنا لا يفتنه النظر إلى ربات الحجال، ترى سائقى العربات والسيارات وهم يذهبون بالعقائل المخدرات للرياضة في مختلف الأماكن اليعيدة، وليس هذا إلا خلوة بالأجنبيات يعدها الشرع الشريف من كبائر المنكرات.
ثم انظر إلى بيوت المتوسطين والفقراء تجد المرأة فيها تخالط أقارب زوجها وأولاد أعمامها وأخوالها وأولاد جيرانها، وقد تظهر أمامهم في ثيابها الرقيقة أو القصيرة حاسرة عن رأسها كاشفة عن ذراعيها صدرها (كأنها ليست من جماعة المسلمين) وربما ظهرت بهذا النظر الفاضح للسقاء واللبان والطحان والفران ولباعة الفواكه والخضروات المتجولين في الأزقة والحارات، وكان حقًا عليها (لو أنها حافظت على آداب دينها) أن تحتجب عن هؤلاء وأمثالهما اتقاء للفتنة، وتباعدًا عن الفساد والشر، فإن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم في العروق، وقبيح أن تكون نساء المسلمين على هذا الحال بعد أن أوجب الله عليهن في كتابه الكريم أن يسترن زينتهن عن أنظار الرجال جميعًا ما عدا أزواجهن والمحارم من أقاربهن ومن يأمن فتنته من أتباعهن ومماليكهن، قال تعالى: ﴿ … وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ
أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ … ﴾ (١).
وأقبح من ذلك أن يجترئ الرجال على انتهاك حرمات الله تعالى بالدخول
стр. 389
على النساء بعد أن ألزمهم الله يرعاية الحجاب الذى هو الضمان الوحيد للعفاف والطهارة خصوصًا في هذا الزمان الذى كثر فيه الفسوق والعصيان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١)، وقال صلوات الله وسلامه عليه: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ فقال ﷺ : " الحمو الموت" متفق عليه، استفهم الأنصارى عن الحمو وهو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن عمه، أيمنع من الدخول على النساء كما يمنع غيره من الأجانب الغرباء؟ فأجابه النبي ﷺ بأن دخول الحمو على الزوجة أشد بلاء وأعظم فتنة من دخول غره؛ لأنَّه قد يستخدم صلته بالزوج في تنفيذ مقاصده السيئة ومآربه الخبيثة، وأن مثله في فك روابط الزوجية وإفساد نظام الحياة المنزلية كمثل الموت في إبطال حركة الأجسام وتفريق أجزاء الأبدان، ولقد صدق رسول الله ﷺ ، فكم شاهدنا من بيوت قد خربت بعد عمرانها، وأُسَر قد اختلت بعد تماسك وحدتها وحسن نظامها، وكم رأينا من محبة وصفاء قد تحولا إلى عداوة وجفاء.
ولم يكن لذلك من سبب إلا اختلاط الأجانب وأقارب الأزواج بالزوجات، فهل آن للمسلمين أن يستبدلوا الشك باليقين ويتبصروا في عاقبة التساهل ويأخذوا بآداب الدين ويتخلقوا بأخلاقه؟
هل آن لهم أن يفيقوا من سكرتهم ويتنبهوا من غفلتهم فيعلموا أن فلاحهم موقوف على الرجوع إلى أحكام دينهم وعلى العمل بسنة نبيهم ﷺ ؟ هدانا الله جميعًا إلى سواء السبيل.
ومن العادات القبيحة في مصر أن تذهب نساء الفقراء بأبنائهن في شهر شعبان من كل سنة إلى عيادة الإمام الليث ﵀ لأجل ختان الأبناء مجانًا على يد
طبيب هذه العيادة وبعد إجراء عملية الختان تركب هؤلاء الأمهات عربة نقل ويرتكبن عليها أمورًا تخالف الدين وتنافى الآداب، كالرقص والزغاريد والضرب على الطبلة والتصفيق الحاد مع الغناء بكلمات ساقطة، يأتين كل ذلك جهارًا نهارًا في الشوارع والطرقات العمومية بلا خجل ولا حياء ذهابًا وإيابًا، ويذلك وأمثاله صرنا أضحوكة في نظر الأجانب،
стр. 390
فعلى المرشدين والخطباء إنكار مثل ذلك.
ومن عادات أهل القرى في الختان أن يضع الحلاق منديلًا كبيرًا مثلًا في عنق أم المطاهر ولا يفك خناقها إلا بعد أن يجمع عليها النقطة -النقود- التى ترضيه وهذا من بقايا الجاهلية.
ومن سيئ العادات الحلف بالطلاق، ذلك الأمر الخطير الذى يترتب عليه حل العقدة بين الزوجين وقطع الروابط بين الأسر.
شرع الله النكاح لمصالح العباد الدينية والدنيوية، وفى الطلاق إكمال لها، فالزوج قد لا يوافقه الزواج فيطلب الخلاص عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى فمكن عباده من ذلك رحمة منه .
وفى جعله عددًا حكمة لطيفة لأن النفس كذوبة ربما تظهر عدم الحاجة إلى المرأة أو الحاجة إلى تركها وتسوله، فإذا وقع حصل الندم وضاق الصدر به وعيل الصبر، فشرعه سبحانه ثلاثًا ليجرب الزوج نفسه في المرة الأولى، فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضى العدة وإلا أمكنه التدارك بالرجعة، ثم إذا عادت نفسه إلى مثل الأولى وغلبته حتى عاد إلى طلاقها، نظر أيضًا فيما يحدث له فما يوقع الثالثة إلا وقد جرب نفسه وصار على بينة من أمره، وبعد الثلاث تبلى الأعذار فحرمها عليه بعد انتهاء العدد قبل أن تتزوج آخر ليتأدب بما فيه غيظه وهو الزوج الثاني على ما هو عليه من جبلة الفحولة بحكمته ولطفه تعالى بعباده.
فهذا سبب مشروعية الطلاق وشئ من حكمته ومحاسنه، والناس اليوم قد خرجوا بالطلاق عن الحد المشروع وصار هينًا على نفوسهم.
فترى كثيرًا منهم لأقل سبب يطيش عقله ويوقع الطلاق على الزوجة غير مبال بحقوق المعاشرة، ولا بكون المرأة طاهرًا أو حائضًا، وربما طلقها ثلاثًا أو أكثر وهى من ذوات الحمل أو الأولاد منه، ثم إذا ثاب إلى رشده أسف لما وقع واحتال في ردها وعاشرها على غير ملة. نعوذ بالله من الضلال، وأحيانًا يلجأ إلى المحلل الصورى تحايلًا على القانون.
ومنهم من يجعله يمينًا يحمل به نفسه على فعل أمر أو يمنعها به من تعاطيه فإن هذا ليلا يتفق مع المشروعية، وما ذنب هذه المرأة المسكينة
стр. 391
يجعلها عرضة للضياع من أجل عمل يريد تنفيذه أو الابتعاد عنه؟ وناهيك ما يكون من السوقة الذين لا خلاق لهم يكثرون الحلف به ترويجًا للسلع، (هذا) مع أن الدين الإسلامى كره الطلاق وحظر جعله يمينًا بدليل ما رواه أبو داود، وابن ماجه عنه ﷺ أنه قال: " إن أبغض المباحات عند الله الطلاق، وله بلفظ آخر: " أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق " والمراد بالمباح والحلال الشئ الجائز الفعل.
وإنما كان كذلك لإفضائه إلى قطر الوصلة وحل قيد العصمة المؤدى إلى التناسل الذى به تكثر الأمة لا لذاته، فإنه ليس بحرام ولا مكروه أصالة، بل تجرى فيه الأحكام الخمسة، وقد صح أنه ﷺ آلى وطلق وهو لا يفعل محظورًا.
والمراد بالبغض هنا غايته لا مبدؤه، في الحديث: "لعن اللَّه كل ذواق مطلاق"، وعنه ﷺ : "ما حلف بالطلاق مؤمن ولا استحلف به إلا منافق"، وسمع ﷺ رجلًا يقول الطلاق يلزمنى إن فعلت كذا فَرُئِيت الكراهية في وجهه ﷺ وقام وهو يقول: "أتلعبون بدين اللَّه وأنا بين ظهرانيكم!؟ ألا من كان حالفًا فليحلف باللَّه أو ليصمت "، قال: " ما بال أقوام يلعبون بحدود الله يقول أحدهم: قد طلقتك .. قد راجعتك .. أولئك لا خلاق لهم في الآخرة "، وقال: " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة " وكان عمر ﵁ يجلد كل من حلف بالطلاق ويلزمه ما التزم على نفسه ويقرأ آية: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (١)، وسئل الإمام مالك ﵀ عن يمين الطلاق؟ فقال: هو يمين الفساق، وقال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى: لا أجيز لمسلم أن يحلف بغير الله.
وكان حجة الإسلام الغزالى رحمه الله تعالى يقول: والله ما أعرف ولا عرفت من عرف وجه النسبة بين اليمين وطلاق المرأة، وأكبر ظنى أن قومًا ابتدعوه والتزموه، انتهى.
أما الحلف بالحرام فهو من أيمان المشركين بلا نزاع، وهو أن يقول على الحرام من بيتى أفعل كذا أو ما فعلت كذا. وقد ثبت أن الجاهلية كانوا يحلفون به ويريدون به التأييد فكان الواحد منهم يقول لزوجته: أتت علي حرام كأمى أو أختى.
стр. 392
لذلك اختلف العلماء في حكم يمين الحرم فجعله بعضهم كالظهار وأوجب فيه الكفارة الكبرى، وجعله بعضهم كالطلاق الثلاث هو مذهب الإمام مالك ﵀، بعضهم اعتبر نيَّة الحالف إذا أراد واحدة فواحدة وإن أراد ثلاثًا فثلاث، وعلى كل حال فهو طلاق عند الجميع واشترطوا فيه التعريف أما المنكر فله حكم آخر.
(وعلى الجملة) فالطلاق على هذا الاجه بدعة محظورة لما سمعت من الأدلة ولما فيه من كفران نعمة النكاح، ولا يباح إلا لحاجة شرعية على ما سبق في بيان سببه، فواجب على المرشد المبالغة في الترهيب من الطلاق فقد أصبح الناس لا يسألون العلماء إلا فيه.
ومن العادات التى تفضى إلى سوء المعاشرة: تفضيل بعض الأولاد على بعض في الملك والهبة وهو مكروه شرعًا بلا عذر. أما لو فضل ذا الحاجة أو العاهة أو الطائع أو البار به على الغنى أو السليم أو العاصى أو العاق فلا كراهة، وإنما كان التفضيل مكروهًا عند عدم العذر لما فيه من إيحاش المفضل عليه، وربما كان سببًا لعقوقه وحقده وسوء خلقه.
عن النعمان بن بشير ﵄: أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إنى نحلت ابنى هذا غلامًا كان لي، فقال النبي ﷺ : " أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ " فقال: لا، وفقال رسول الله ﷺ : " فارجعه " رده إلى ملكك ثانيًا متفق عليه، وفى رواية لمسلم: فقال رسول الله ﷺ : " أفعلت هذا بولدك كلهم؟ "، قال: لا. قال: " اتقوا اللَّه واعدلوا في أولادكم " بالتسوية بينهم في العطاء والبر والإحسان فإنه أدعى إلى الأدب مع الآباء وأقرب إلى بقاء المحبة بين الأولاد " فرجع أبى فرد تلك الصدقة " إلى ملكه بعد أن قبلها لولده، وفى رواية لمسلم أيضًا: فقال رسول الله ﷺ "يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ " قال: نعم، قال: "أكلهم وهبت له مثل هذا؟ " قال: لا، قال: " فلا تشهدنى إذًا فإنى لا أشهد على جور " أصله الميل عن الاعتدال حرامًا كان أو مكروهًا. ومن هذا الحديث يؤخذ أنه ينبغى للإنسان أن يسوى بين أولاده في الهبة ويهب لكل واحد منهم مثل الآخر ويسوى بين الذكر والأنثى، وهو الصحيح المشهور لظاهر الحديث.
في "الدر المختار" ما نصه: لا بأس
стр. 393
بتفضيل بعض الأولاد في المحبة لأنها عمل القلب، وكذا في العطايا إن لم يقصد له الإضرار، وفيه أيضًا: ولو وهب في صحته كل المال للولد جاز (نفذ) وأثم.
ومن هذا يتبين أن هبة الوالد لولده كل ماله، أو تمييزه أحد أولاده عن بقيتهم تصرف مكروه شرعًا ولكنه مع ذلك نافذ لازم متى كان المتصرف صحيحًا غير محجور عليه، وكان التصرف منجزًا. أما إذا كان التصرف مضافًا إلى ما بعد الموت فإنه يعتبر وصية، فإن كان لأجنبى نفذ من ثلث المال بعد الدين والتجهيز أجازه الورثة أم لا، وتوقف على إجازتهم فيما زاد على الثلث فإن أجازوه نفذ وإلا لا، وإن كان التصرف المضاف إلى ما بعد الموت للوارث كان وصية ولا وصية لوارث إلا بإجازة بقية الورثة بعد موت المورث، ومثل هذا التصرف المنجز في مرض الموت للوارث فإنه وصية أيضًا لا تنفذ إلا بإجازة الورثة، غير أن الوقف في مرض الموت على بعض الورثة فيه تفصيل، إن أجاز الورثة التصرف نفذ وإلا قسم الربع بين الورثة جميعهم قسمة الميراث؛ ومن هذا تعلم أن حق الورثة لا يتعلق بمال المورث إلا إذا كان مريضًا مرض الموت، وهو الذى يكون منه الموت.
(وصفوة القول) أن تصرف المالك في ملكه نافذ من كل ماله متى كان صحيحًا غير محجور عليه ليس لأحد حق الاعتراض عليه، ونفاذ التصرف لا يمنع أن يكون المتصرف ظالمًا آثمًا إن قصد بإعطاء أحدهم الإضرار بالباقين، أما إذا أعطى أحدهم جزءًا من ماله لسبب يقتضيه ككثرة عياله أو كونه طالب علم فهذا لا إثم فيه، وإن كان الأفضل التسوية في العطاء حتى بين الذكر والأنثى لأن هذا شيء غير الميراث. ومن هذا تعلم حال من يهب ملكه لزوجة يهواها أو لأولاد منها ويحرم أولاد الأخرى.
وممَّا يفضى إلى سوء المعاشرة أن كل واحد يزعم في نفسه أنه خير من سواه فيهمل آداب المعاشرة من التعظيم والاحترام لإخوانه المسلمين، والذى ينبغى للمكلف أن ينظر إليهم بهذا النظر الحسن وهم على طبقات ثلاث، له في كل طبقة منها سلوك إلى ربه- :
стр. 394
الأولى: من هو أكبر منه سنًّا أو أكثر علمًا أو عبادة وانقطاعًا إلى الله تعالى، فإذا نظر إليه علم أن له فضيلة عليه يسبقه للإسلام أو بما خصه الله تعالى به من الخصال الحميدة في الشرع، وعلم تقصيره في نفسه فيحترمه ويعظمه ويرى فضله عليه.
الطبقة الثانية: أن يرى مثله فينبغى له أن ينظره بعين التعظيم لأنَّه قد يكون أقل منه ذنوبًا إن لم يكن سليمًا منها إذ أنه يعرف ذنوب نفسه على الحقيقة ولا يعرف
ذنوب غيره ولعله إذا اطلع على ذنب لغيره لم يكن له سوى ما اطلع عليه وإذا كان كذلك استحق أن ينظره بعين التعظيم والتفضيل على نفسه.
الثالثة: أن يرى هو أصغر منه سنًّا فيقول: هذا أقل منى ذنوبًا لأنى سبقته إلى الدنيا وارتكبت فيها ما ارتكبت قبل أن يكون هو مكلفًا فلا ذنوب عليه، فإن رأى من هو مبتلى في دينه وضاق عليه باب التأويل في حقه فليرجع إلى نفسه شاكرًا نعمة الله عليه بما تلبس من الطاعات وكونه سالما ممَّا ابتلى به غيره من المحظور شرعًا، ثم هو مع ذلك يذكر نفسه بالخاتمة فإنه لا يدرى بم يختم له، فإن عومل بالعدل فلا يخلصه شيء من القرب وإن كثرت، وإن عومل من رآه بالفضل قبل منه اليسير من الحسنات فإن فضل الله لا ينحصر في جهة، وعدله لا يؤمن في حال، فإذا عامل الناس بهذا النظر الحىسن ربح، وعادت عليه بركة تحسين الظن بإخوانه المسملين حالًا ومآلًا، وكان اجتماعه بهم رحمة لهم له، ولكن يشترط عليه إذا رأى مبتلى في دينه أن يقيم عليه سطوة الشرع مع ما تقدم من التأويل الحسن، فإن عجز عن ذلك فأقل ما يمكنه الهجران له.
ومن العادات القبيحة: الزار، الذى اعتاده نساء مصر حتى انتشر في المدن وسرت عدواه منها إلى القرى، تزعم النساء وبعض الرجال إذا نزل بهن بعض العوارض أنها أرياح لا دواء لها إلا (الزار) فيتكلفون له ما قد يفضى إلى خراب البيوت ودوام الشقاق بين الزوجين ثم يأتين فيه من المنكرات ما يأباه الدين وتخجل منه المروءة ويقلقن راحة الناس بالأصوات المنكرة والطبول المزعجة ويرتكبن فيه كل ما يوحيه إليهن الشيطان لأن الموسم له خاصة، فتذبح الذبائح ويقع التضمخ بدمائها ويكشفن الوجوه
стр. 395
ومعظم الأبدان ولو بحضرة الرجال على عادتهن في كل المواسم فكيف بموسم الشيطان، ويكثرن من الرقص والاضطراب والصياح، كل ذلك على مرأى ومسمع من الأحداث فينشأون على فساد الأخلاق ومنكر العادات.
وليت شعرى ما السر الذى دعا الشياطين أن لا تمس إلا نساء مصر دون نساء العالمين، فهاهن الأوروبيات لا يعرفن الزار، بل ولا شيئًا من هذه العادات السيئة كالندب والنياحة والولوع بزيارة الموتى وغير ذلك ممَّا كلت الناصحون من النهى عنه (ولكن) ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (١).
لسنا ننكر أن للجن والشياطين سلطانًا على الأبدان وتأثيرًا بما يحصل بسببه الهلاك أو الجنون وكثير من أنواع الأمراض، وإن زعم ذلك المعتزلة وتبعهم القفال. فقد ورد في الحديث الصحيح: " ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخًا " متفق عليه من حديث أبي هريرة، وفي بعض الطرق: "إلا طعن الشيطان في خاصرته ومن ذلك يستهل صارخًا إلا مريم وابنها لقول أمها: وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم" والحصر باعتبار الأغلب، والاقتصار على عيسى ﵇ وأمه إيذانًا بإجابة دعاء امرأة عمران على أتم وجه ليتوجه أرباب الحاجة إلى الله تعالى بكلياتهم وصدق من نياتهم فيخرج النبي ﷺ من العموم، فلا يلزم تفضيل عيسى ﵇ في هذا المعنى، ويؤيده خروج المتكلم من عموم كلامه، وبه قال جمع من العلماء، وقال ﷺ : "كفوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشياطين" رواه البخارى، وفى حديث صفية: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " متفق عليه.
ثم إن الجنون الذى يحصل من الجن تاره يكون بسبب المس، والمصادمة فيصادف في أخلاط الإنسان استعدادًا للفساد فتفسد ويحدث الجنون، وهذا لا ينافى ما ذكره الأطباء من أن ذلك من غلبة المرة السوداء لأن غلبة المرة السوداء سبب قريب، والمس سبب بعيد.
стр. 396
(وتارة) يكون يسبب أنه يدخل في بعض الأجساد على بعض الكيفيات ريح متعفن تعلقت به روح خبيثة تناسبه فيحدث الجنون أيضًا على أتم وجه، وربما استولى ذلك البخار على الحواس وعطلها، واستقلت تلك الروح الخبيثة بالتصرف فتتكلم وتبطش وتسعى بآلات ذلك الشخص الذى قامت به من غير شعور له بشيء من ذلك أصلًا، وهذا كالمشاهد المحسوس الذى يكاد يعد منكره مكابرًا في المحسوسات.
ومن تتبع الأخبار النبوية وجد الكثير منها قاطعًا بجواز وقوع ذلك من الشيطان بل وقوعه بالفعل وخبر " الطاعون من وخز أعدائكم الجن " صريح في ذلك. الوخز: طعن ليس بنافذ.
قال بعض العلماء: أن الهواء إذا تعفن تعفنًا مخصوصًا مستعدًّا للخلط والتكوين تنفرز منه وتنحاز أجزاء سمية باقية على هوائيتها، أو منقلبة بأجزاء نارية محرقة، فيتعلق بها روح خبيثة تناسبها في الشرارة وذلك نوع من الجن، فإنها على ما عرف في الكلام أجسام حية لا ترى، والغالب عليها الهوائية، أو النارية، ولها
أنواع عقلاء وغير عقلاء تتوالد وتتكون، فإذا نزل واحد منها طبعًا أو إرادة على شخص، أو نفذ في منافذه، أو ضرب وطعن نفسه به يحصل فيه بحسب ما في ذلك الشر من القوة السمية ما في الشخص من الاستعداد للتأثر منه كما هو مقتضى الأسباب العادية في المسببات ألم شديد مهلك غالبًا، مظهر للدماميل والبثرات في الأكثر، بسبب إفساده للمزاج المستعد، وممَّا لا ريب فيه أن من النفوس سواء أكانت من الإنس أم من الجن نفوسًا قوية وأخرى ضعيفة، وأن بعض ذوى النفوس القوية قد يستولى على ذى النفس الضعيفة استيلاءً تامًّا يفقدها إرادتها في كل شئونها، وهذا ليس خاصًّا بالنفوس البشرية، بل قد تستولى بعض النفوس الكبيرة من الجن على بعض النفوس الضعيفة من الإنس فتسلبها الإرادة تجعلها لا تصدر في شيء إلا عن إرادتها، يقرب هذا جدًّا مما يشاهد في عمليات التنويم المغناطيسي.
والمعتزلة قالوا: إن كون الصرع والجنون من الشيطان باطل؛ لأنَّه لا يقدر على ذلك كما قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (١)، وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا
стр. 397
لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١) فوارد على ما يزعمه العرب من أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجنى يمسه فيختلط عقله، وليس لذلك حقيقة. التخبط: من الخبط هو ضرب غير منتظم كخبط العشواء، والآية على تأويل المعتزلة لا تثبت أن الصرع المعروف يحصل بفعل الشيطان حقيقة ولا تنفى ذلك. انتهى.
بعد التأمل فيما ذكرنا تعلم حال هذا التأويل. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ فالسلطان المنفي فيها إنما هو القهر والإلجاء إلى متابعته، لا التعرص للإيذاء والتصدى لما يحصل بسببه الهلاك. أفاده الألوسي.
وفى فتاوى ابن حجر أنه قيل لأحمد ﵀: إن قومًا يقولون: إن الجن لا يدخل في بدن المصروع من الإنس، فقال: يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه. فدخوله في بدنه هو مذهب أهل السنة والجماعة.
رجاء في عدة طرق أنه ﷺ جئ إليه بمجنون فضرب ظهره وقال: "اخرج
عدو الله" فخرج، وتفل في فم آخر وقال: "اخرج يا عدو الله فإنى رسول الله".
وإنما الذي ننكره اعتقاد النساء والعوام إذا أصيبوا بشيء من الأمراض العصبية أنها من تأثير الشيطان، والغالب أنه ليس كذلك، فيبادرون إلى عمل (الزار) وعلى فرض أن المرض من الجن يرون أنه لا دواء إلا (الزار) مع أن غاية ما يتخيل في تأثير الزار أنه يحدث نوعًا من التفريح فتتأتر منه أعصاب المريض وتتنبه بهذا الفرح ويحصل الشفاء، وإحداث الفرح إن تعين طريقًا في الشفاء من هذا المرض فلا يتعين أن يكون الزار طريقًا للفرح خصوصًا على الوجه الذى يعمل اليوم.
وليت شعرى بماذا كانت تداوى أمراض الجن قبل بدعة الزار، وبماذا تداويها غير نساء مصر، ويسمى هذا المرض عند الأطباء (التشنج العصبى) وأنجع دواء له عندهم جودة الغذاء مع كثرة الرياضة في الجهات الخلوية الجافة النقية الهواء، مع تعاطي ما يجلب الفرح والسرور والبعد عن المنغصات والمكدرات.
والجن نوع من العالم سموا بذلك لاجتنابهم عن الأبصار، والجنى منسوب إلى الجن، والجنة بالكسر الجن، والجان أبو الجن خلق من نار
стр. 398
ثم خلق منه نسله، والشيطان كل عات متمرد من إنس أو جن أو دابة، والحق والشياطين والعفاريت في نسان الشرع أجسام حية نارية غير مركبة قادرة على التشكل بأى شكل كان وعلى أن تنفذ في الأجسام نفوذ الهواء المستنشق، مكلفون منهم المؤمن والكافر والخير والشرير، وإن المؤمن منهم يثاب والعاصى يعذب بالنار؛ ووجود هذا النوع مقطوع به يدل عليه الكتاب والسنة، ولك أن تقول حيث إن المتكلمين يقولون: إن الجن أجسام خفية لا ترى فيصح أن يقال: إن الأجسام الخفية التى عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى بالميكروبات يصح أن تكون نوعًا من الجن وقد ثبت أنها علل لأكثر الأمراض.
ومن العادات السيئة في المعاشرة والعادات اتخاذ فريق من العاطلين الفتيا في مسائل الطلاق تجارة لهما، ومنهم من وقف نفسه لذلك، ولهم سماسرة يجمعون لهم المطلقين والمطلقات، وأولئك هم شر البرية، قد اتخذوا آيات الله هزوًا، وأولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة.
تراهم لا يدعون سؤالًا عن طلاق إلَّا ويجيبون عنه بحق أو باطل حسبما يهوى السائل، ومنهم من يتحيل عنى السائل حتى يعدل به عما وقع منه من ألفاظ الطلاق التى لم يكن لها مخلص إلى لفظ تكون الفتوى بحسبه، والعامى لا يفرق بين ما وقع منه وما عدل إليه.
ومنهم من يتحرى الأقوال الضعيفة أو الباطلة ممَّا نص العلماء على عدم جواز الفتيا به، ويحابون العامة خشية أن ينفلت من أيديهم أجر الفتوى الذى لا يمكنهم الإفتاء بدونه، ولا يبالى هؤلاء الشرار أن يعاشر الرجل امرأته على غير حكم الله ورسوله ﷺ ، بل على حكم ذلك الضال، ولا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على جواب السائل عن مسألة دينية تعرض له، إذ الإجابة فريضة على العارفين وكتمان العلم محرم عليهم.
فأين هؤلاء من السلف رضوان الله تعالى عليهم الذين كانوا يخشون ربهم ويخافون مغية الإفتاء؟ فقد أخرج إين عبد البر في كتابه الجامع عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، لا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. وعن محمد بن سليمان المرادى عن
стр. 399
شيخ من أهل المدينة يكنى أبا إسحاق قال: كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وأنَّه ليدخل يسأل عن الشئ فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية الفتيا، وكانوا يدعون سعيد بن المسيب الجرئ، وروى مالك ﵀ عن ابن عباس وابن مسعود ﵃ "إن من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون"، وفى صحيح مسلم: "أن أبناء لعبد الله بن عمر سألوه عن شيء لم يكن عنده فيه علم، فقال له يحيى بن سعيد: والله إنى لأعظم أن يكون مثلك وأنت ابن إمام الهدى -يعنى عمر- وابن عمر تسأل عن أمر ليس عندك فيه علم؟ فقال: أعظم من ذلك والله عند الله وعند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو أخبر عن غير ثقة"، وعن سفيان بن عيينة قال: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا".
ومن العادات السيئة التساهل في حرفة المحاماة فإن بعض القائمين بها يتوكلون في القضايا، علموا بحقيقتها أو لا، وكثير يقبلها مع علمه بأن موكله ليس على الحق ويعين الظالم على ظلمه، وكثيرًا ما ينتصرون بباطلهم على الحق فتضيع الحقوق ويأكلون أموال الناس بالباطل ولا يبالون بحمل موكليهم على الإتيان بشهداء الزور ويوحون إلى أرباب القضايا وإلى المزورين ضروبًا من الضلال ما كانوا يعرفونها،
فليتق الله القائمون بهذه المهنة، خصوصًا رجال الدين منهم، فإنهم أولى الناس بحرمته ولا تغرنهم الدنيا فإن ما يأخذونه من هذا العرض الزائل لا يساوى شيئًا في جانب كرامة الدين، والوقوف بين يدى أحكم الحاكمين، يوم يتعلق المظلومون بالظالمين، بل لا يعد شيئًا في جانب سقوط العدالة وفقدان المروءة وسوء الخلق، وقد قال ﷺ : "من أعان على خصومة بظلم لم يزل في سخط اللّه حتى ينزع" رواه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر وقال: صحيح الإسناد، وقال أيضًا: "من جادل في خصومة من غير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع" رواه ابن أبي الدنيا والأصفهاني من حديث أبي هريرة، وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار" متفق عليه.
стр. 400
"ألحن": اللحن هو الميل عن جهة الاستقامة، والمراد أن بعض الخصماء يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره، وقوله: "بنحو ما أسمع": أي من الدعوى والإجابة والبينة أو اليمين وقد تكون باطلة في الواقع فيقتطع من مال أخيه قطعة من النار باعتبار ما يؤول إليه من باب ﴿ … إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا … ﴾ (١): أي الذى قضيت له بحسب الظاهر إذا كان في الواقع لا يستحقه فهو عليه حرام يؤول به إلى النار وهو تمثيل يفهم منه شدة التعذيب على ما يتعاطاه، والحديث دليل على إثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حراء عليه، وأن حكم الحاكم لا يحل الحرام، فإياكم أن تعينوا ظالمًا على ظلمه وأن تقبلوا القضايا إلا إذا علمتم حقيقتها، ولتكن خصومتكم على الوجه المشروع فيها من غير لدد ولا عناد.
ومن العادات السيئة: الجناية على الدين الإسلامى بالسب وتنقيصه باللعن، وكذا الملة والمذهب، وهو غاية في القبح لا يكاد يصدر من عاقل ذى دين، ابتدعها اليهود لعنة الله عليهم وسرت عدواها إلى المنتسبين إلى الإسلام وهو منهم براء حتى انتشرت بين الأحداث من أبنائهم، أدخلها الشيطان على الرعاع ليخرجوا بها عن دين الله، وتنفسخ بها أنكحتم، وتصبح ذريتهم شرًّا على المجتمع الإنسانى.
وكيف تطيب نفس امرئ في قلبه ذرة عن إيمان أن ينال من دين أكمله الله واستخلصه لنفسه وارتضاه لعباده!؟ إن رسول الله ﷺ نهى عن لعن أي شيء من جماد أو حيوان أو إنسان، فكيف بالدين الذى تبذل لأجله الأوراح قبل الأموال؟
فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يكون المؤمن لعانًا" رواه الترمذى وقال: حسن غريب، وقال عمران بن حصين: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره امرأة من الأنصار على ناقة لها فضجرت منها فلعنتها فقال ﷺ : "خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة" قال: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد" رواه مسلم وغيره وفي رواية له: "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة". والمراد النهى عن أن تصاحبهم تلك الناقة لا النهى عن بيعها وذبحها
стр. 401
وركوبها في غير صحبة النبي ﷺ ، وهذا غاية في الزجر عن لعن الحيوان فما بالك بالدين؟ وروى أيضًا من حديث أبى الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ولا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة"، وروى أحمد والطبرانى: أنه قال رجل لرسول الله ﷺ أوصنى، فقال: "أوصيك أن لا تكون لعانًا"، وقال أبو الدرداء: "ما لعن أحد الأرض إلا قالت: لعن الله أعصانا لله".
ومن هنا تعلم حال ما تساهل فيه الناس من لعن يزيد بن معاوية على زعم أنه أمر بقتد الحسين ﵁. قال في "الإحياء" ما ملخصه:
هل يجوز لعن يزيد لأنَّه قاتل الحسين أو أمر به؟
(الجواب) هذا لم يثبت أصلًا، فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت فضلًا عن اللعنة؛ لأنَّه لا يجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق (نعم) يجوز أن يقال قتل ابن ملجم عليًّا، وقتل أبو لؤلؤة عمر ﵁ فإن ذلك ثبت متواترًا، فلا يجوز أن يرمى مسلم بفسق وكفر من غير تحقيق. قال ﷺ : "لا يرمى رجل رجلًا بالكفر ولا يرميه بالفسق إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" متفق عليه.
فإن قيل: فهل يجوز أن يقال قاتل الحسين لعنه الله أو الآمر بقتله لعنه الله؟ (قلنا) الصواب أن يقال قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله لاحتمال أن يموت بعد التوبة فإن وحشيًّا قاتل حمزة عم رسول الله ﷺ قتله وهو كافر ثم تاب عن الكفر والقتل فلا يجوز أن يلعن. والقتل كبيرة ولا تنتهى إلى درجة الكفر فإذا لم يقيد بالتوبة وأطلق كان فيه خطر. انتهى.
فلا يجوز أز يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر أو الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعينين، فال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (١) وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة" والواصلة: التي تصل شعرها أو شعر غيرها بشعر آخر، والمستوصلة: التى تسأل من يفعل لها ذلك وأنَّه قال: "لعن الله آكل الربا وموكله" رواه مسلم، وزاد الترمذى وغيره: "وشاهديه وكاتبه"، وأنَّه قال: "لعن الله من غير منار الأرض": أي حدودها،
стр. 402
وهذه الأحاديث بعضها في الصحيحين وبعضها في أحدهما.
ومن البدع السيئة: ما اعتاده الناس من لبس الأسود من الثياب عند حدوث مصيبة، فإنه لا أصل له في السنة، وأول من أحدثه العباسيون حين قتل مروان الأموى إبراهيم الإمام لما تنسم منه دعوى الخلافة، لبسوه حزنًا عليه فصار شعارًا لهم، قالوا: "لأنها أشبه بثياب أهل المصيبة، لا تجلى فيها عروس ولا يلبى فيها محرم ولا يكفن فيها ميت. وفى الحكم: البس البياض والسواد فإن الدهر كذا (بياض نهار وسواد ليل) وإنما السنة لبس الثياب البيض في حال الشدة والرخاء والحياة والموت، ففى الحديث عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم" رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح، وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم" أخرجه الترمذى أيضًا وقال: حسن صحيح، والنسائى وابن ماجه والحاكم وقال: على شرطهما.
(وبالجملة) فهذه الأحاديث وما شاكلها ناطقة بأن السنة لبس الأبيض مطلقًا في جميع الحالات.
ومن العادات السيئة ما يفعله أهل مصر عند مصيبة الموت من جعل فرش البيت كله أسود أو تغطيته بغطاء أسود مدة عام أو أكثر وهى عادة سخيفة تدل على شدة الجزع وعدم الرضا بقضاء الله تعالى وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير.
ومن العادات السيئة عدم المبالاة بالمجاهرة بالمعاصى، فترى من ابتلى بها يأتيها
على مرأى ومسمع من الناس، وهذا من أهم الدواعى إلى انتشار المنكرات وفى الحديث: "من ابتلى من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله" جمع قاذورة، وقوله: "فليستتر بستر الله": أي بعد التوبة وعدم العود فلا يبدى فاحشته التى ارتكبها. رواه الحاكم وغيره وسنده جيد، لا سيما إذا كان ممن يقتدى به، فعن ابن عباس ﵄: ويل للعالم من الاتباع يزل الزلة فتحمل عنه في الآفاق، وقال آخر: زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق وتغرق الخلق، وقال حكيم: زلة العالم يضرب بها الطبل. ومن الحكم المأثورة: اثنان إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا
стр. 403
فسد الناس: العلماء والأمراء، وروى عن ابن مسعود مرفوعًا.
ومن العادات الفاشية بين الناس الغش والخيانة والخداع في المعاملات كتطفيف المكيال ونقص الميزان والغش في المصنوعات والمبيعات وجميع المعاملات، حتى انعدمت الثقة بين الناس من المسلمين، وتحول تيار المعاملات إلى الأجانب لاشتهارهم بالصدق والأمانة، وهذا حرام شديد وبلاء عظيم، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " فقال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس، من غشنا فليس منا" رواه مسلم، وعنه رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لا تناجشوا" متفق عليه، والنجش: لغة الإغراء والإثارة يقال: نجشت الصيد أثرته لأنَّه يثير الرغبات في المبيع ويغرى عليها، وعرفا الزيادة في المبيع لأجل غرور الغير، وعنه أيضًا: قال قال رسول الله ﷺ : "من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا" رواه أبو داود. خبب بخاء معجمة ثم باء موحدة مكررة: أي أفسده وخدعه.
ومن العادات السيئة الحلف على البيع والشراء، وذلك مذموم لقوله ﵊: "ويل للتاجر من تالله وبالله".
هذا إذا كان حلفه على حق، فكيف وكثير منهم يحلفون على تحسين سلعتهم وقد تكون على خلاف ما حلفوا عليه!؟ بل هو الغالب إذ إنها لأجل تزيينها في عين المشترى وترويجها، وذلك كله قبيح يمحق البركة من بين يديه، فلا ينتفع بالمال الذى في يده غالبًا، لهذا ترى كثيرًا منهم كأنهم وكلاء وخزنة لغيرهم.
فعن أبى هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب" متفق عليه.
وعن أبي قتادة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق": أي يذهب البركة، رواه مسلم.
ومع أن التجارة من أول المكاسب الشريفة جاء قوله ﷺ : "إن التجار هم الفجار" فقيل: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: "نعم ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون"
стр. 404
رواه أحمد وغيره بإسناد جيد. فانظر كيف عاد الحلف على طائفة لا غنى للناس عنها بهذا الوصف الذميم "الفجار" بل عاد عليهم بالسقوط والخسران.
وأقبح من هذا الكذب في اليمين عمدًا، فقد ورد التغليظ في تحريمه.
فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقى الله وهو عليه غضبان" قال: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). متفق عليه.
وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة" فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: "وإن كان قضيبًا من أراك" رواه مسلم، وروى البخارى أن أعرابيًّا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله" قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذى يقتطع مال امرئ مسلم" يعنى بيمين هو فيها كاذب، وسميت غموسًا لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم ولا كفارة لها عند بعض الفقهاء لأنها لشدة فحشها وكبر إثمها لا يمكن تداركها بالكفارة، والذين يرون من الفقهاء أن لها كفارة نظروا إلى ما في الكفارة من المؤاخذة لا أنها ترفع الذنب الذى اجترحه الحالف، إلا فالخلاص من العقاب عليها لا سبيل له إلا التوبة النصوح.
ومن العادات الفاشية بين الناس في محاوراتهم ومخاطباتهم أن يلجأ الواحد
منهم إلى الحلف بالله لتعزيز ما يدعيه أو تقوية عزيمته على أمر يصر عليه، وتلك عادة ذميمة لا تصدر إلَّا ممن فقد ثقة الناس به أو ضعفت ثقته بنفسه، ثم لا يزال يتكرر منه حتى يصير له عادة، يجري عني لسانه الحلف بدون قصد صحيح فيضعف أثره في نفسه وتأثيره في نفس المخاطب، وقد يجر ذلك إلى التهاون بالأمر وعدم المبالاة بما يترتب عليه من الخطر الذى يجب على المؤمن أن يقى نفسه منه باليقظة والمراقبة لنفسه،
стр. 405
يجره هذا التهاون إلى الوقوع في اليمين الغموس وهى الحلف على شيء هو كاذب فيه مع علمه أنه فيه كاذب.
كذلك تجره المسارعة إلى اليمين وتوالى ذلك منه إلى الوقوع في حرج شديد في بعض الأشياء التي حلف عليها، فلا تزال نفسه تحدثه في الحنث به ويهون عليه الشيطان أمره ويزين له في المنفعة التى يجنيها من المحلوف عليه حتى يقع في الحنث مرة فيسهل عليه الوقوع فيه مرة ثانية، وكلما تكررت الجريمة خف أثرها في النفس واجترأت على المعاودة (يشهد بذلك العيان) فيجره هذا إلى الاستخفاف بالمحلوف به وهذا خطر عظيم قد يؤدى إلى الكفر والعياذ بالله وهو لا يشعر. انظر إلى ما يجرى على ألسنة الكثيرين في محاوراتهم تجد أحدهم يحلف لمخاطبه بالله على شيء فيشعر أن نفس المخاطب لم تقنع بحلفه فيتبعه بالحلف بشرف مخاطبه مثلًا، أليس هذا نتيجة تهاون معتاد باليمين الأولى ومجاراة للمخاطب في عدم الثقة بها حتى أتبعها بما لا شك فيه في زعمهما؟ وهل تعلم ما هو أدل من هذا على تطرق الاستهانة بالله العظيم إلى نفوسهما؟ وأى ضلال أبعد من هذا الضلال الذى جعلا فيه الثقة بشرف أحدهما أو رأس أبيه أعظم من الثقة باليمين بالله تعالى؟ وهل أوقعهما في هذه الهاوية سوى كثرة اليمين على ألسنتهما حتى صارت عادة لا يؤبه لها؟ ولقد وصف الله تعالى بعض أعدائه وأعداء رسوله العطم بعشر صفات من صفات السوء ردعًا له عن غيه وزجرًا لأمثاله فجعل أول تلك الصفات الذميمة كثرة الحلف، فقال جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (١) وحسبها ذمًّا أن جعلت طليعة تلك الصفات المخزيات، ولعلك بعد هذا تفهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٢). فعلى المسلم الشريف أن يصون دينه وكرامته بصيانة يمينه، وبالله تعالى التوفيق.
ومن العادات الفاشية: الحلف بالمخلوق كالنبى ﷺ والآباء والحياة والرأس والكعبة والأمانة وتربة فلان، فقد صح النهى عن ذلك، فعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت" متفق عليه، وفى رواية الصحيح: "فمن كان حالفًا فلا يحلف إلا
стр. 406
بالله أو ليسكت"، وعن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بالأمانة فليس منا" رواه أبو داود بإسناد صحيح، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف فقال: إنى برئ من الإسلام فإن كان كاذبًا فهو كما قال وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا" رواه أبو داود.
وعن ابن عمر رضى الله ﷺ : أنه سمع رجلًا يقول لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فد كفر أو أشرك" رواه الترمذى وقال: حديث حسن، وهو محمول على التغليظ كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "الرياء شرك".
وعلى الجملة: فالناس اليوم لا يبالون في أمر الحلف، ولا يراقبون الله فيه لاستحكام الغفلة على قلوبهم، فعلى المرشد تحذيرهم من ذلك.
ومن العادات المذمومة: ما اعتاده الناس من حلق بعض الرأس دون بعض فقد ورد النهى عن ذلك كما ورد إباحة حلق الكل أو ترك الكل للرجال، فعن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن القزع" متفق عليه، وهو حلق بعض الرأس دون بعض، وعنه قال: رأى رسول الله ﷺ صبيًّا قد حلق بعض شعر رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال: "احلقوه كله أو اتركوه كله" رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن جعفر ﵄: أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا ثم آتاهم فقال: "لا تبكوا على أخى بعد اليوم" ثم قال: "ادعوا لي بنى أخى فجئ بنا كأننا أفرخ" فقال: "ادعوا لي الحلاق" فأمره فحلق رؤوسنا رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرطهما أيضًا.
ومن أقبح العادات: ما اعتاده الناس اليوم من حلق اللحية وتوفير الشارب وهذه البدعة كالتي قبلها سرت إلى المصريين من مخالطة الأجانب واستحسان عوائدهم حتى استقبحوا محاسن دينهم وهجروا سنة نبيهم محمد ﷺ .
فعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب" وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه، رواه
стр. 407
البخارى، وروى مسلم عن اين عمر أيضًا عن النبي ﷺ قال: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى"، وروى أيضًا عنه قال: قال ﷺ : "خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى"، وروى عن أبى هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس" (التوفير): الإبقاء، وأحفوا: بهمزة قطع من الإحفاء وهو المبالغة في الجز، وأعفوا: من أعفيته إذا تركته حتى كثر وزاد، فإعفاء اللحية تركها لا تقص حتى تعفو: أي تكثر. "وإرخاؤها وإيفاؤها" بمعنى الإعفاء، والأحاديث في ذلك كثيرة وكلها نص في وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها الأخذ منها على ما سيأتى.
ولا يخفى أن قوله: "خالفوا المشركين"، وقوله: "خالفوا المجوس" يؤيدان الحرمة، فقد أخرج أبو داود وابن حبان وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" وهو غاية في الزجر عن التشبه بالفساق أو بالكفار في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو هيئة، وفى ذلك خلاف بين العلماء، منهم من قال بكفره وهو ظاهر الحديث، ومنهم من قال: لا يكفر ولكن يؤدب.
فهذان الحديثان -بعد كونهما أمرين- دالان على أن هذا الصنع من هيئة الكفار الخاصة بهم، إذ النهى إنما يكون عما يختصون به، فقد نهانا ﷺ عن التشبه بهم عامًا في قوله: "من تشبه" ومن أفراد هذا العام حلق اللحية، وخاصًّا في قوله: "وفروا اللحى" خالفوا المجوس خالفوا المشركين.
ثم ما تقدم من الأحاديث ليس على إطلاقه، فقد روى الترمذى عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: "كان رسول الله ﷺ يأخذ من لحيته من عرضها وطولها"، وروى أبو داود والنسائى: "أن ابن عمر كان يقبض على لحيته فيقطع
ما زاد على الكف"، وفى لفظ: "ثم يقص ما تحت القبضة" وذكره البخاري تعليقًا. فهذه الأحاديث تقيد ما رويناه آنفًا، فيحمل الإعفاء على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها.
وقد اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها والأخذ القريب منه:
стр. 408
الأول: مذهب الحنفية قال في "الدر المختار": ويحرم على الرجل قطع لحيته وصرح في "النهاية" بوجوب قطع ما زاد على القبضة (بالضم)، وأما الأخذ منها وهى دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم. اهـ فضح.
وقوله: وما وراء ذلك يجب قطعه هكذا عن رسول الله ﷺ أنه كان يأخذ من اللحية من طولها وعرضها كما رواه الإمام الترمذى في جامعه، ومثل ذلك في أكثر كتب الحنفية.
الثانى: مذهب السادة المالكيهّ حرمة حلق اللحية وكذا قصها إذا كان يحصل به مثلة. وأما إذا طالت قليلًا وكان القص لا يحصل به مثلة فهو خلاف، الأولى أو مكروه كما يؤخذ من "شرح الرسالة" لأبي الحسن وحاشيته للعلامة العدوى ﵏.
الثالث: مذهب السادة الشافعية قال في "شرح العباب":
(فائدة): قال الشيخان: يكره حلق اللحية، واعترضه ابن الرفعة بأن الشافعى ﵁ نص في "الأم" على التحريم، وقال الأذرعى: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها. انتهى.
ومثله في حاشية ابن قاسم العبادى على الكتاب المذكور.
الرابع: مذهب السادة الحنابلة نص في تحريم حلق اللحية، فمنهم من صرح بأن المعتمد حرمة حلقها، ومنهم من صرح بالحرمة ولم يحك خلافًا كصاحب "الإنصاف"، كما يعلم ذلك بالوقوف على "شرح المنتهى" و"شرح منظومة الآداب" وغيرهما.
وممَّا تقدم تعلم أن حرمة حلق اللحية هى دين الله وشرعه الذى لم يشرع لخلقه
سواه، وأن العمل على غير ذلك سفه وضلالة، أو فسق وجهالة، أو غفلة عن هدى سيدنا محمد ﷺ .
(فائدة): فرق بين قصد الجمال وقصد الزينة إذ ايلا تلازم بينهما، فالأول لرفع الشين وإقامة ما به الوقار وإظهار النعمة شكرًا لا فخرًا، وهو أثر أدب النفس وشهامتها، والثانى أثر وقاحتها وضعفها، فيباح مثلًا لبس الثياب الجميلة وإصلاح العمامة إذا لم يكن خيلاء وإلا حرم، وعلامة علم الخيلاء أن يكون معها كما كان قبلها، ولهذا قالوا: بالخضاب
стр. 409
وردت السنة ولم يكن لقصد الزينة ثم بعد ذلك إن حصلت زينة فقد حصلت في ضمن قصد مطلوب فلا يضره إذا لم يكن ملتفتًا إليه، وأهل الورع يتحرزون عن مثل هذا.
ومن العادات الفاشية: صبغ اللحية بالسواد فذلك مكروه عند عامة المشايخ وبعضهم جوزه وهو مروى عن أبى يوسف، وأما الخضاب بالحمرة أو الصفرة فهو سنة الرجال وسيماء المسلمين، فعن جابر ﵁ قال: أتى بأبي قحافة والد أبي بكر الصديق ﵄ يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا فقال رسول الله ﷺ : "غيروا هذا واجتنبوا السواد" رواه مسلم. والثغام: كسلام نبت يكون بالجبال غالبًا إذا يبس ابيض، ويشبه به الشيب، وقال ابن فارس: شجرة بيضاء الثمرة، وعن أبى هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" متفق عليه. والمراد خضاب شعر الرأس، واللحية الأبيض بصفرة أو حمرة، وأما السواد فمنهى عنه -مكروه- كما علمت إلا في الجهاد، وأول من خضب به من العرب عبد المطلب، ومن غيرهم فرعون لعنه الله.
ومن العادات المحرمة: التشبه بالنساء في الأناشيد أو المشى أو اللباس كما يكون من المخنث وهو الذى يتكسر في كلامه ومشيته؛ ولم يكن ذلك خلقيًّا فيه. وقد شاعت هذه البدعة بين الشبان والأحداث فتراهم في الطرقات أو المجتمعات يتناشدون بأناشيد سمعوها من أفواه النساء في بيوت الفسوق (كالتايترو) وقهاوى الرقص، ويمثلون ما يشاهدون من أنواع الخلاعة في الأفراح من الطبال (الخلبوص) ومن المخزى أنك تسمع لهؤلاء الشبان نغمات رقيقة تلذ لها نفوس الفاسقين، وربما لا تستطع النساء محاكاتها؛ فأين هؤلاء ممن كانوا يتناشدون أشعار الحماسة وكلمات الفخر والمروءة وما يغرس في النفوس التمسك بالدين وحب الفضيلة.
وقد جاء الشرع الشريف بتحريم تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال في لباس وحركة وغير ذلك: فعن ابن عباس ﵄، قال: "لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال
стр. 410
والمترجلات من النساء"، وفى رواية: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" رواه البخارى، وعن أبى هريرة ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل" رواه أبو داود بإسناد صحيح.
ومن العادات المحرمة: تبرج النساء في الطرقات بإظهار المحاسن وأنواع الزينة للأحانب لما فيه من الفتنة، والرجوع إلى عادات الجاهلية الأولى بعد أن هدم الدين الإسلامي قواعدها وأنار ظلماتها، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" رواه مسلم.
"كاسيات": تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارًا لجمالها ونحوه، وقيل: تلبس ثوبًا رقيقًا يصف دون بدنها. "مائلات": يمشين متبخترات. "مميلات": لأكتافهن، قيل: مائلات يمتشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا ومميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة. "رؤوسهن كأسنمة البخت": أي يكبرنها ويعظمنها بألف عصابة أو نحوها، وقوله ﷺ : "لم أرهما": أي في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا الحديث من معجزات النبوة فقد وقع هذان الصنفان وهما موجودان بالمشاهدة في هذا الزمان.
وكان سيدنا علي ﵁ يقول: يا معشر الرجال كفوا أبصار النساء بالحجاب؛ فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب، وليس خروجهن بأضر من دخول من لا يوثق به عليهن، فإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل. وكان الحسن البصرى ﵀ يقول: لا تدعوا نساءكم يخرجن إلى الأسواق فيزاحمن العلوج، قبح الله من لا يغار. والعلوج: الرجال الفجار.
وكأن الناس في هذا الزمان فقدوا الإباء والشمم والحمية والغيرة، ترى الرجل على ما به من الوجاهة وجمال المظهر يتقهقر ضعفًا وجبنًا في مثل هذه المواقف التى تتطلب رجولة وشهامة.
стр. 411
فليس فينا من يغار على الآداب والأعراض؛ فلا أب تحركه نخوة الرجولة فيهذب ابنته ويراقبها، ولا أخ يهتم لصون عفاف أخته، وحفظ شرف أسرته ولا زوج تدفعه الغيرة فيكبح جماح امرأته، حتى عم الفساد وساء الحال:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)
ومن العادات المحرمة: تقليد الأجانب في الملابس والأزياء حتى انتشر ذلك في النساء والأطفال، فإذا وقع بصرك على امرأة أو ابنة مثلًا رأيتها إفرنجية في كل شيء، وهى زوجة أو ابنة لمن يعد نفسه من جماعة المسلمين، وهذا ضلال يفضى بالأمة إلى تلاشى قوميتها وعاداتها وشعارها حتى تندمج في غيرها، وهذه البدعة القبيحة قد ورد التنبؤ بها والتحذير منها، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتى بأخذ القرون قبلها شبرًا يشبر وذراعًا بذراع" فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: "ومن الناس إلا أولئك؟ " رواه البخارى.
ولا ينافى هذا ما سبق من أنهم اليهود والنصارى لأن الروم نصارى وفى الفرس كان يهود، فهذا الحديث أيضًا من دلائل النبوة.
وقد عرفت أن منشأ هذه البدعة تساهل المسلمين في مخالطة الأجانب حتى فتنوا بزخارفهم وشغلوا عن محاسن دينهم القويم، وأفضى ذلك بفريق من جهلة الشبان والفتيات إلى محاربة القضاء على قومية الأمة، بل على دينها الرسمى بلبس القبعة وهو منكر شرعًا وعقلًا كما سبق مفصلًا، والأيام حبالى بالعجائب:
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (٢).
ومن المختلف فيه المعانقة: كرهها الإمام مالك ﵁ لأنها لم ترو عن رسول الله ﷺ إلا مع جعفر ولم يصحبها العمل من الصحابة بعده. قال ابن رشد في كتابه "البيان والتحصيل": ولأن النفوس تنفر عنها لا تكون إلا لوداع من فرط ألم الشوق أو مع الأهل.
ودخل سفيان بن عيينة على مالك فصافحه مالك وقال له: لولا أن المعانقة بدعة لعانقتك، فقالا سفيان: عَانَقَ من هو خير مني ومنك النبي ﷺ ، عانق جعفرًا حين قدم الحبشة، قال مالك: ذلك خاص بجعفر، قال سفيان: بل عام،
ما يخص جعفرًا يخصنا، وما يعم جعفرًا يعمنا
стр. 412
إذا كنا صالحين، أفتأذن لي أن أحدث في مجلسك؟ قال: نعم يا أبا محمد، قال: حدثنى عبد الله بن طاوس عن عيد الله بن عباس ﵄ قال: لما قدم جعفر بن أبى طالب من أرض الحبشة اعتنقه النبي ﷺ وقبله بين عينيه وقال: "جعفر أشبه الناس بنا خَلْقًا وَخُلُقًا، يا جعفر ما أعجب ما رأيت بأرض الحبشة؟ " قال: يا رسول الله رأيت وأنا أمشى في بعض أزقتها إذا سوداء على رأسها مكتل فيه بر فصدمها رجل على دابته فوقع مكتلها وانتشر برها فأقبلت تجمعه وهى تقول: ويل للظالم من ديان يوم القيامة، ويل للظالم من المظلوم يوم القيامة، ويل للظالم إذا وضع الكرسى للفصل يوم القيامة، فقال ﵊: "لا يقدس الله أمة لا تأخذ لضعيفها من قويها حقه غير متعتع".
ثم قال سفيان: قد قدمت لأُصلِّى في مسجد رسول الله ﷺ وأُبشرك برؤيا رأيتها، فقال مالك: رأت عيناك خيرًا إن شاء الله، فقال سفيان: رأيت كأن قبر رسول الله ﷺ انشق فأقبل الناس يهرعون من كل جانب النبي ﵊ يرد بأحسن رد، قال سفيان: فأتى بك والله أعرفك في منامى كما أعرفك في يقظتي فسلمت عليه فرد السلام، ثم رمى في حجرك بخاتم نزعه من أصبعه، فاتق الله فيما أعطاك رسول الله ﷺ ، فبكى مالك بكاء شديدًا، قال سفيان: السلام عليكم. قالوا له: خارج الساعة. قال: نعم فودعه مالك وخرج.
فيؤخذ من مجموع هذه النقول أن المعانقة وردت بها السنة وأن سفيان كان يعتقد عموم مشروعيتها وأن مالكًا كان يكرهها.
ومن العادات التقبيل لليد وغيرها، قال مالك: إذا قدم الرجل من سفره فلا بأس أن تقبله ابنته وأخته، ولا بأس أن يقبل رأس ابنه، ولا يقبل خد ابنه أو ابنته، لأنَّه لم يكن من فعل الماضين. قال ابن رشد: سألت يهودُ رسولَ الله ﷺ عن التسع الآيات البينات الواردة في القرآن؟ فقال لهم: "لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى السلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا
стр. 413
الفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت" فقاموا فقبلوا يديه ورجليه وقالوا: نشهد أنك نبي، قال: "فما زال يمنعكم أن تتبعونى؟ "
قالوا: إن داود عنيه السلام دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبى وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود. قال الترمذى: حديث حسن صحيح. فتقبيل اليهود ليديه ورجليه ﵊ ولم ينكره، دليل على مشروعيته.
وروى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عبد الله بن عمر قال: "كنا نقبل يد النبي ﷺ " رواه أبو داود، ومن حديث وكيع عن سفيان قال: "قبل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب"، وقل إياس بن دغفل: رأيت أبا نضرة يقبل خد الحسين، وروى الشيبانى عن أبى الحسن عن مصعب قال: رأيت رجلًا دخل عَلَى عَلِىّ بن الحسين في المسجد فقبل يده ووضعها على عينيه فلم ينهه، وكان عبد الله بن عمر ﵄ إذا قدم من سفره قبل سالمًا وقال: شيخ يقبل شيخًا، إن هذا جائز على ذلك الوجه لا على وجه مكروه، وقدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيته فقرع الباب فقام إليه رسول الله ﷺ عريانًا يجر ثوبه، قالت عائشة رضى الله عنها: ما رأيته عريانًا قبله ولا بعده، فاعتنقه قبله. قال الترمذى: حديث حسن غريب، وقبل ﵊ جعفرًا حين قدم من أرض الحبشة، قال: وأما القبلة في الفم من الرجل للرجل فلا رخصة فيها بوجه.
ومنها: القيام للقادم وفيه خلاف العلماء، أما حب القيام فلا خلاف في تحريمه، روى الإمام أحمد وأيو داود والترمذى عن معاوية وإسناده صحيح إن رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" وهو أمر بمعنى الخبر كأنه قال: من أحب ذلك وجب له أن ينزل منزلته من النار وحق له ذلك، ومعناه زجر المكلف أن يحب قيام الناس، فلو لم يخطر بباله فقاموا له فلا لوم عليه. وسر النهى أن الباعث على حب القيام الكِبْر وإذلال الناس، وقد رد صاحب "المدخل" على من قال بجواز القيام أو ندبه حيث قال ﵀ ما معناه: استدل القائل به بأدلة:
منها: قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). قال: ومن الخفض لهيم القيام لهم، وأنت تجدها دليلًا على عدم جواز القيام إذ لو كان القيام من جملة
стр. 414
خفض الجناح ما تأخر إلنبى ﵊ عنه إذ هو المخاطب بالآية وأعلم بمدلولها وأول من يبادر إلى امتثال أمر الله تعالى، كيف وقد ثبت النهى عنه، فقد
روى أبو داود ابن ماجه بإسناد حسن عن أبى أمامة الباهلي ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ متوكئًا على عصا فقمنا إليه فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا". فعدم قيامه ﷺ لهم ونهيهم عن القياء دليل واضح على أن المراد بخفض الجناح التواضع لهم ومخاطبتهم باللين ومؤانستهما بحديثه وتعليمهم ما به صلاحهم ونحو ذلك لا القيام لهم، وإلا لزم عليه عدم امتثاله ﷺ أمر ربه، ولا قائل به، فتم أن الآية دليل لعدم القيام لا لطلبه.
ومنها قوله ﷺ : "قوموا إلى سيدكم" يعنى سعد بن معاذ ﵁، وهو لا يصلح دليلًا على طلب القيام على جهة البر والإكرام وإلا قام ﵊ وأصحابه الحاضرون معه في ذلك المجلس لسيدنا سعد، مع أنه لم يقم هو ولا أحد من المهاجرين وغيرهم ما عدا أتباع سعد، وذلك دليل على أن أمره بالقيام لأتباء سعد لأمر آخر غير البر والاحترام، بل لينزلوه عن الدابة لمرض كان به، كما هو بين في بساط الحديث.
وعادة العرب أن القبيلة تخدم سيدها أو نحو ذلك وإلا لزم عليه أنه ﷺ أمر بخير وتأخر عن فعله، بل لزم عليه أن أصحابه المهاجرين ونحوهم تأخروا عم امتثال أمره ﵊ حيث لم يقوموا لسعد، بل لزم أنه أمر بضد ما نهى عنه لما علمت أنه ﵊ نهى عن القيام ولم يثبت النسخ ولا قائل بشيء من ذلك.
ومنها قيام طلحة ين عبيد الله لكعب ﵄ المذكور في الحديث الطويل، المشهور المتعلق بتوبة كعب، من كان معه حيث قال كعب فيه: "وانطلقت إلى رسول الله ﷺ حتى دخلت المسجد وإذا برسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة" وأنت تراه دليلًا جليًّا على عدم جواز القيام للبر
стр. 415
والاحترام إذ لو كان مشروعًا لقام ﵊ والصحابة الذين كانوا معه فعدم قيامه ﵊، ومن حوله من الأصحاب دليل على عدم مشروعيته لذلك، إذ لا جائز أن النبي ﷺ يتأخر من غير ضرورة عن فعل المشروع أو يقر الصحابة على عدم الفعل.
وأما قيام طلحة: فكان للتهنئة لزيادة المودة التى كانت بين طلحة وكعب والقيام لأجل ذلك مشروع فهو دليل عليه لا له.
ومنها قيام النبي صلوات الله وسلامه عليه للسيدة فاطمة، وتقبيله لها وقيامها ﵂ له ﷺ وتقبيلها له، وهذا لا دلالة فيه إذ قيامها إنما كان لأجل التقبيل وتوسعة المكان لمن كان داخلًا منهما والقيام لذلك مشروع لا للبر والإكرام كما ادعى.
ومنها ما رواه أبو داود: "أن عمرو بن السائب ﵁ حدثه أحد بلغه أن رسول الله ﷺ كان جالسًا يومًا فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فجلس عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه عن جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله -صلى الله عليه وسل - فأجلسه بين يديه" وهو ينتج ضد مطلوبه، إذ الحديث صريح في كون القيام نفسه ليس من فعل البر، بدليل أنه ﵊ لم يقم لأمه وأبيه مع أنهما أولى بالبر والاحترام من أخيه، فحيث أنه ﵊ لم يقم لهما دل على أن قيامه لأخيه ليفسح له في المجلس لضيقه لا ليكرمه بنفس القيام، ولذا لما كان المكان فيه اتساع عند قدوم أبويه لم يقم ﷺ لهما، فاتضح أن الحديث دليل لعدم جواز القيام للإكرام لا دليل لجوازه أو ندبه.
ومنها قيام رسول الله ﷺ لعكرمة بن أبي جهل حين أسلم في اليمين وقدم على النبي ﷺ ليبايعه، فلما رآه رسول الله ﷺ وثب إليه فرحًا وما عليه رداء حتى بايعه، ولا دلالة فيه على المدَّعَى؛ لأن قيام ﷺ لعكرمة ﵁ لا ليكرمه به، بل ليمشى إليه خطوات تقوم مقام ذهابه ﵊ إلى بيت عكرمة لأنَّه كان غائبًا والغائب ندب الشرع الحاضرين إلى الذهاب إلى بيته، وكان ﷺ لم يذهب إلى بيته فقام
стр. 416
ومشى إليه خطوات لذلك، وهذا لا نزاع في مشروعيته. اهـ.
وقال الإمام القرافى في كتاب "الفروق": أعلم أن الذى يباح عن إكرام الناس قسمان:
(الأول): ما وردت به نصوص الشريعة من: إفشاء السلام وإطعام الطعام وتشميت العاطس والمصافحة عند اللقاء الاستئذان عند الدخول وأن لا يجلس على تكرمة أحد (فراشه) إلا بإذنه ولا يؤم في منزله إلا بإذنه لقول رسول الله ﷺ :
"لا يؤمَّنَّ أحد أحدًا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" ونحو ذلك ممَّا هو مبسوط في كتب الفقه.
(القسم الثانى): ما لم يرد في النصوص ولا كان في السلف؛ لأنَّه لم تكن أسباب اعتباره موجودة حينئذ وتجددت في عصرنا، فتعين فعله لتجدد أسبابه لا أنه شرع مستأنف، بل علم من القواعد الشرعية أن هذه الأسباب لو وجدت في زمن الصحابة لكانت هذه المسببات من فعلهم وصنعهم، وتأخر الحكم لتأخر سببه، ووقوعه عند وقوع سببه لا يقتضى ذلك تجديد شرع ولا عدمه كما لو أنزل الله تعالى حكمًا في اللواط من رجم أو غيره من العقوبات فلم يوجد اللواط في زمن الصحابة، ووجد في زماننا فرتبنا عليه تلك العقوبة لم نكن مجددين لشرع، بك متبعين لما تقرر في الشرع، ولا فرق أن نعلم ذلك بنص أو بقواعد الشرع، وهذا القسم هو ما في زماننا من القيام للداخل من الأعيان وإحناء الرأس له إن عظم قدره جدًّا، والمخاطبة بجمال الدين ونور الدين وعز الدين وغير ذلك من النعوت والإعراض عن الأسماء والكنى، والمكاتبات بالنعوت أيضًا كل واحد على قدره، وتسطير اسم الإنسان بالمملوك ونحوه من الألفاظ والتعبير عن المكتوب إليه بالمجلس العالى والسامى والجناب ونحو ذلك من الأوصاف العرفية، والمكاتبات العادية، ومن ذلك ترتيب الناس في المجالس والمبالغة في ذلك، وأنواع المخاطبات للملوك والأمراء والوزراء وأولى الرفعة من الولاة والعظماء، فهذا كله ونحوه من الأمور العادية لم تكن في زمن السلف ونحن اليوم نفعله في المكارمات والموالاة، وهو جائز مأمور به مع كونه بدعة.
ولقذ حضرت يومًا عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكان من
стр. 417
أعيان العلماء وأولى الجد في الدين والقيام بمصالح المسلمين خاصة وعامة والثبات على الكتاب والسنة غير مكترث بالملوك فضلًا عن غيرهم لا تأخذه في الله لومة لائم، فقدمت إليه فتيا فيها: ما تقول أئمة الدين وفقهم الله في القيام الذى أحدثه أهل زماننا مع أنه لم يكن في السلف، هل يجوز أو لا يجوز ويحرم؟ فكتب إليه في الفتيا قالا رسول الله ﷺ : "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانًا" وترك القيام في هذا الوقت يفضى للمقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدًا.
هذا نص ما كتب من غير زيادة ولا نقصان، فقرأتها بعد كتابتها فوجدتها
هكذا، وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز ﵁: "تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور": أي يحدثون أسبابًا يقتضى الشرع فيها أمورًا لم تكن قبل ذلك لأجل عدم سببها قبل ذلك لا لأنها شرع متجدد، كذلك هاهنا، فعلى هذا القانون يجرى هذا القسم بشرط أن لا يبيح محرمًا ولا يترك واجبًا، فلو كان الملك لا يرضى منا إلا شرب الخمر أو غيره من المعاصى لم يحل لنا أن نواده بذلك، وكذلك غيره من الناس ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما هذه أمور لولا هذه الأسباب المتجددة كانت مكروهة من غير تحريم، فلما تجددت هذه الأسباب صار تركها يوجب المقاطعة المحرمة، وإذا تعارض المكروه والمحرم قدم المحرم والتزم دفعه وحسم مادته، وإن وقع المكروه، هذا هو قاعدة الشرع في زمن الصحابة وغيرهم، وهذا التعارض ما وقع إلا في زماننا فاختص الحكم به.
وما خرج عن هذين القسمين إما محرم فلا تجوز الموادة به، أو مكروه تنزيهًا فلم يحصل فيه تعارض بينه وبين محرم. انتهى.
فالقيام محرم إن فعل تعظيمًا لمن يحبه تحبرًا، ومكروه إذا فعل تعظيمًا لمن لا يحبه لأنَّه يشبه فعل الجبابرة، ويوقع فساد قلب إلذى يقام له، ومباح إذا فعلى إجلالًا لمن لا يريده، ومندوب للقادم من السفر قرحًا بقدومه ليسلم عليه أو يشكر إحسانه، أو القادم المصاب ليعزيه بمصيبته، وكان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يكره أن يقام له فكانوا إذا
стр. 418
رأوه لم يقوموا له إجلالًا لكرامته لذلك قال أنس: "ما كان شخص أحب إلينا من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك" رواه الترمذى قال: حسن صحيح، وقال مرة: "إذا رأيتموني فلا تقوموا كما تصنع الأعاجم" رواه أبو داود وابن ماجه، وقد تقدم بلفظ آخر.
(وصفوة القول) أن حب القيام محرم بالإجماع، وأن القيام للبر والإكرام من البدع التى هى وسيلة إلى هذا المحرم وهو حب القيام من المقبل ولو للوالدين والمشايخ على هذا الوجه، وأن القيام لأجل المصافحة أو المعانقة أو المشى خطوات للقادم من سفر أو لتوسعة المكان أو نحو ذلك من المصالح لا محظور فيه.
وأما تقبيل اليد لمن يحب ذلك فلا خلاف في منعه أيضًا (نعم) يجوز تقبيل يد العالم والوالد والصالح إذا كانوا لا يحبون تقبيل أيديهم، وهو مجمل ما ورد من
تقبيل الصحابة وغيرهم ليد رسول الله ﷺ وتقبيل بعض الصحابة ليد البعض، وكذا السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتقدم تفصيل ذلك في بدع المقابر والأضرحة.
وأما المصافحة فهى سنة عند اللقاء، ففى الحديث قال رسول الله ﷺ : "إذا تلاقى الرجلان فتصافحا تحاتت ذنوبهما وكان أقربهما إلى الله أكثرهما بشرًا" رواه أبو داود والترمذى، وعن قتادة: "قلت لأنس بن مالك ﵁: أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم" رواه البخارى والترمذى، ونحو ذلك من الأحاديث الدالة على مشروعية المصافحة عند اللقاء. أما عقب الفراغ من الصلاة فغير مشروعة، وكان شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ينهى عنها وينكرها على فاعلها ويقول: إنما شرعت المصافحة عند اللقاء.
أما من هو جالس مع الإنسان فلا يصافحه، وبالله تعالى التوفيق.
الفصل الثاني عشر في خرافات العامة وأوهامهم
لا ريب أن من وسائل السعادة صيانة الأذهان من دنس الأوهام، وصفاء العقول من كدرات الخرافات، فإن العقول متى تلوثت بخرافة قام بينها
стр. 419
وبين الحق والمعلومات الصحيحة حجاب كثيف يحول بينها وبين إدراك الحق ويمنعها من الوصول إلى المعارف النافعة؛ وقد يكون ذلك سببًا في تصديق الإنسان كل وهم، وفي حرمانه من الكمال الذى يجب عليه السعى له والوصول إليه، فصاحب الخرافات مسكين ضائع يقضى عمره في اضطراب عقلى، فيصدق الأكاذيب وينخدع بالأباطيل، وينفر من الحق ولا يطمئن إليه، ويكون لعبة في أيدى الدجالين والماكرين.
ولذا ترى أن أول ركن بنى عليه الدين الحنيف هو صقل العقول بصقال التوحيد حتى لا ترى لغير الله تعالى أثرًا في جلب نفع أو درء ضر أو إعطاء أو منع أو إعزاز أو إذلال، فالتأثير ليس إلا لله جَلَّ وعَلَا.
(هذا) واعلم أن أباطيل العامة في معتقداتهم وأقوالهم وأفعالهم لا يبلغها حصر، ونحن نذكر لك نموذجًا من تلك الأباطيل مع بيان وجه الصواب، ونعنى من أباطيل الاعتقاد ما يكون واضح الخطأ حتى كان اعتقاده من خصائص العوام، بخلاف ما ذكر في بدع الاعتقادات فإنها أمور يخفى فيها وجه الصواب حتى سرت إلى أوهام بعض الخواص.
والأوهام صورة المرئيات أو المسموعات أو المحسوسات يكبر حجمها أو يصغر بقدر اشتغال الفكر واستعداده لقبول الخرافات أو رفضها، فهى إذا صورة مأخوذة عن حقيقة بواسطة منظار عدسته تكبر الأجسام أو تصغرها بعامل الميل إلى تعظيم الأمور أو تحقيرها، ولا تعترى الأوهام إلا ضعفاء العقول، وقلما تعترى غيرهم إلا إذا كان عندهم ضعف في الدماغ أو انحراف في الجهاز العصبى.
والخَرَف بفتحتين: فساد العقل من الكبر وبابه طرب، (وخرافة): اسم رجل من عذرة استهوته الجن فكان يحدث بما رأى فكذبوه وقالوا: (حديث خرافة).
وكان شمس الأئمة السرخسى يقول: إن هذا المفقود كان اسمه خرافة وكان بعد رجوعه من الجن يحكى عنهم أشياء يتعجب منها ويتوقف في صحتها، فكانوا يقولون: هذا حديث خرافة، وصار هذا مثلًا يضرب عند سماع ما لا تعرف صحته، والخرافات كل ما لا صحة له مأخوذة من هذا وقصته مذكورة في حواشى الزيلعى الجزء الثالث صفحة (٣١١).
стр. 420
فمن هذه الخرافات ما تسبق إليه أوهام العامة أنهم يعتقدون أن اللوح المحفوظ من جنس الألواح المعروفة، وهو خطأ، والصواب فيه أنه من عالم الغيب فالإيمان به إيمان بالغيب يجب أن يوقف فيه عند النصوص الثابتة بلا زيادة ولا نقص، وأن كل ما قدره الله تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره مسطور ومثبت في خلق خلقه الله تعالى يعبر عنه تارة باللوح وتارة بالكتاب المبين، وتارة بإمام مبين كما ورد في القرآن الكريم، فجميع ما جرى في العالم وما سيجرى مكتوب فيه ومنقوش عليه نقشًا لا يشاهد بهذه العين، ولا تَظَنُّنَّ أن ذلك اللوح من خشب أو حديد أو عظم، وأن الكتاب من كاغد أو ورق، بل ينبغى أن تفهم قطعًا أن لوح الله لا يشبه لوح الخلق، وكتاب الله تعالى لا يشبه كتاب الخلق، كما أن ذاته وصفاته لا تشبه ذوات الخلق وصفاتهم.
بل إن كنت تطلب له مثالًا يقربه إلى فهمك، فاعلم أن ثبوت المقادير في اللوح المحفوظ يضاهى ثبوت كلمات القرآن وحروفه في دماغ حافظ القرآن وقلبه، فإنه مسطور فيه حتى كأنه حين يقرأ ينظر إليه، ولو فتشت دماغه جزءًا جزءًا لم تشاهد من ذلك الخط حرفًا، فمن هذا النمط ينبغى أن تفهم كون اللوح منقوشًا بجميع ما قدره الله تعالى وقضاه، فليس اللوح والكتاب والنقش فيهما كما ألفته الأوهام، ومثل هذا يقال في أمر الكرام الكاتبين الموكلين بالعبد يكتبون عليه الحسنة والسيئة في صحفهم، فليست الكتابة كما تتخيل، وليست الصحف كما تتوهم، بل علينا أن نؤمن بذلك وإن لم نعلم ما قلمهم وما مدادهم وما قرطاسهم وكيف كتابتهم وأين محلهم؟
ونقل الفخر الرازى عن حكماء الإسلام تأويلًا في كتابة الأعمال قال: إن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف المعانى المخصوصية، فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعانى لأعيانها وذواتها كانت تلك الكتبة
أقوىَ وأكمل؛ إذا ثبت هذا فنقول: إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب تكررها ملكة قوية راسخة، فإن كانت تك الملكة ملكة سارة للأعمال النافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت، وإن
стр. 421
كانت الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بعد الموت، إذا ثبت هذا فنقول التكرير الكثير لما كان سببًا لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة، وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو آثار الشقاوة قل أو كثر، فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء. انتهى.
وغير خاف عليك أنه لا معنى حينئذ لنسبة الكتابة إلى الملائكة الكرام كما وردت به الأخبار الكثيرة، ومنها ما أخرجه ابن جرير عن كنانة العدوى قال: دخل عثمان رضى الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرنى عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: "ملك عن يمينك على حسناتك وهو أمير على الذى على الشمال إذا عملت حسنة كتبت عشرًا، فإذا عملت سيئة قال الذى على الشمال للذى على اليمين: أأكتب؟ قال: لا لعله يستغفر الله تعالى ويتوب، فإذا قال: ثلاثًا، قال: نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله سبحانه وأقل استحياءه منه تعالى يقول الله جَلَّ وَعَلَا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١)، وملكان من بين يديك، وملكان من خلفك، يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ … ﴾ (٢)، وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على اللّه قصمك، وملك قائم على فمك لا يدع أن يدخل الحية فيه، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك ينزلون على كل بنى آدم في النهار وينزل مثلهم في الليل".
فلو أن المراد من كتابة الأعمال على الإنسان تأثيرها في جوهر نفسه بواسطة
تكرارها حتى يحصل له الخلق الحسن أو السيئ لما ظهر نسبتها إلى الملائكة، فإن تأثير الأعمال في الملكات أمر عادى للأعمال بحسب ذاتها لا يتوقف على توسط الملائكة، فالحق أن تأويل الكتابة بما قال حكماء الإسلام غير صحيح، بل الكتابة حقيقة أخرى غير التأثير المذكور. والله أعلم.
(ومن معتقداتهم الخرافية) أن الأرض كانت على ماء والماء على صخرة
стр. 422
والصخرة على قرن ثور والثور على حوت والحوت على البهموت وإلى البهموت وقف علم الخلائق، فإن مثل هذا من الأمور المغيبة عنا ولا تعلم إلا من الشارع.
(ومن أوهام العامة): تعليق التمائم والحروز، والتميمة: خرزة كان أهل الجاهلية يعلقونها يرون أنها تدفع عنهما الآفات، كما كان لهم خيوط معقودة يربطونها على نحو الذراع حرزًا لهم من العاهات، واعتقاد هذا جهل وضلالة أبطله الشارع الحكيم ونهى عنه، إذ لا مانع إلا الله، ولا دافع للآفات والعاهات غيره تعالى.
عن عقبة بن عامر ﵁ فال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا أودع الله له" رواه الإمام أحمد وأبو يعلى بإسناد جيد والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وعن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن حكيم وبه حمرة فقلت: ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله ﷺ : "من علق شيئًا وكل إليه" رواه أبو داود والترمذى إلا أنه قال: فقلنا: ألا تعلق شيئًا؟ فقال: الموت أقرب من ذلك.
وعن عمران بن حصين ﵁: أن رسول الله ﷺ أبصر على عضد رجل حلقة أراه قال: من صُفْر، فقال: "ويحك ما هذه؟ " قال: من الواهنة، قال: "أما إنها لا تزيد إلا وهنًا انبذها عنك فإنك لو مت وهى عليك ما أفلحت أبدًا" رواه أحمد وغيره. الواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفى اليد كلها فيرقى منها، وقيل: مرض يأخذ في العضد وربما علق عليها جنس من الخرز يقال لها: خرز الواهنة، وهى تأخذ الرجال دون النساء، وإنما نهاه عنها لأنَّه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، فكانت عنده من التمائم المنهى عنها، كذا في "النهاية".
وعن ابن مسعود ﵁ أنه دخل على امرأته وفى عنقها شيء معقود فجذبه فقطعه ثم قال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". التولة بكسر التاء وفتح الواو: شيء شبيه بالسحر أو من أنواعه تفعله
المرأة ليحببها إلى زوجها، قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذه الرقى والتمائم قد عرفناها فما التولة؟ مال: شيء تصنعه النساء يتحببن إلى
стр. 423
أزواجهن. رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
فهذه الأحاديث ونحوها صريحة في النهى عن تعليق الخرز والودع والخيوط المعقودة، وأن الصحابة ومن بعدهم رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يتحاشون عن ذلك ويحاربون مثل هذه الأوهام التى لا قيمة لها فضلًا عن مساسها بالعقيدة، والواقع أن هذه الأمور من أعمال الجاهلية وسائر الشعوب الهمجية التى استحوذت عليها الخرافات والأوهام والتى أبطلها الشارع وأنكرها الصحابة.
فمن لنساء هذا الزمان وبعض البسطاء بأمثال هؤلاء المجاهدين الناصحين ينقذونهم من وهدة الجهل إلى ذروة العلم، ويبينون لهم الدين الصحيح، ويحببونهم في الاعتماد على الله، والتفويض إليه، على معنى أن يثق العبد بوعد مولاه تعالى، ويوقن بأن قضاءه واقع، ولا يترك تعاطى الأسباب العادية المشروعة فيما لابد منه من نحو مطعم ومشرب ولباس وتحرز من عدو بإعداد السلاح، وإحكام الحصون، وإغلاق الباب، لكنه مع ذلك لا يركن بقلبه إلى الأسباب، بل يعتقد أنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا، بل السبب والمسبب فعله والكل بمشيئته تعالى لا إله إلا هو، فإن إهمال الأسباب فيما لابد منه للحياة منقصة وجهالة، والاعتماد عليها وحدها سفه وضلالة، نسأل الله تعالى التوفيق والهداية.
وأما الطب بالرقى والاستشفاء من الآلام بالعزائم والتحصن بها من العين فذلك مأذون فيه من صاحب الشرع الشريف، إذا كان ذلك بلفظ عربى مفهوم المعنى وكان فيه ذكر الله تعالى، أما الرقى والعزائم بغير اللفظ العربى الذى لا يدرى ما هو، ويجوز أن يكون دالًّا على سحر أو كفر، فهذا حرام شرعًا كما صرح به الخطابى والبيهقى وغيرهما واستدل له الشيخ ابن عبد السلام بأنهم لما سألوه ﷺ عن ذلك قال: "اعرضوا عليَّ رقاكُم".
وسبب ذلك ما قالوه من أن ذلك المجهول قد يكون سحرًا أو كفرًا، من ذلك دعاء أوله: لمخيثًا، وشمخيثًا، ويا غليهوش، كشهشطليوس، قطيهوج، وطحيطمغيليال برهيم، يا لوش، هميالوش، طياروش، طلوش، طلش، عجريش، وهليش، مراهيش؛ وهى وايم الحق دعوات مجهولة
стр. 424
لا تُعرف لها حقيقة ولا أصل،
وأربابها يزعمون أنها من الأسماء العظام والأدعية المستجابة، وهى لا تزيدهم إلا بعدًا من الله وقريًا من الشيطان وإليك المشروع من ذلك:
روى البخارى عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا أتى مريضًا أو أتى به إليه قال: "أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا". فهذا صريح في أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يرقى المرضى ويدعو لهم بهذا الدعاء "وربَّ الناسِ" منصوب على النداء.
وروى البخارى من حديث ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين، يقول: " أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة"، ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق"، وأخرجه ابن السني عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: كان يعوذ الحسن والحسين يقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، ويقول: هكذا كان أبى إبراهيم يعوذ إسماعيل وإسحاق ﵉"، وكذا أخرجه الترمذى وأبو داود، والهامة: كل ذات سم يقتل، جمعها هوام، وقد تطلق على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالقمل والبق، والعين اللامة التى تصيب بسوء.
عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ كان يعلمهم من الأوجاع أو لمن به حمى أن يقول: "بسم الله الكبير، نعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار"، ورواه السنى عن ابن عباس ﵄ أيضًا، قال: إن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الأوجاع كلها ومن الحمى أن يقول: "بسم الله الكبير نعوذ بالله العظيم من شر عرق نعار ومن شر حر النار" فلم يذكر لفظ كل، ونعار بفتح النون وتشديد العين المهملة وبالراء يقال: نعر العرق بالدم إذا علا وارتفع، ويمال: عرق نعار، ونعور: إذا تصوب دمه.
وروى الشيخان عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح
стр. 425
بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات، قالت عائشة ﵂: فلما اشتكى كان يأمرنى أن أفعل ذلك به"، وفى
الصحيحين: "كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث"، قيل للزهرى أحد رواة هذا الحديث: كيف ينفث؟ فقال: كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه، والنفث شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل وقد نفث الراقى من باب ضرب ونصر.
والمعوذات بكسر الواو الراد بها الفلق والناس والإخلاص من باب التغليب أطلق على الإخلاص اسم التعويذ لوقوعها مع المعوذتين.
وعن عثمان بن أبى العاص ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : "ضع يدك على الذى تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى، وعند مالك: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد" قال: ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر بها أهلى وغيرهم.
وعن محمد بن سالم قال: قال لي ثابت البنانى: "يا محمد إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكى ثم قل: بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعى هذا، ثم ارفع يدك ثم أعد ذلك وترًا، فإن أنس بن مالك حدثنى أن رسول الله ﷺ حدثه بذلك" رواه الترمذى، وأخرج ابن سعد وابن ماجه والحاكم وابن مردويه عن أبى هريرة ﵁ قال: جاء النبي ﷺ يعودنى فقال: "ألا أرقيك برقية رقانى بها جبريل؟ " فقلت: بلى بأبى أنت وأمى، قال: "بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد" فرقى بها ثلاث مرات. ورقيته أرقيه من باب رمى رقيًا: عوذته بالله والاسم الرقيا على فعلى والمرة الرقية والجمع رقى كمدية ومدى، ورقيت في السلم وغيره أرقى من باب تعب رقيا ورقيا وترقى مثله، وروى البخارى أيضًا عن عائشة رضى الله عنها قالت: "أمرنى رسول الله ﷺ -أو أمر أن- نسترقى من العين": أي بسببها، وذلك أن المعيان -الحسود- إذا نظر لشئ نظر استحسان