← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 703

القول الفصل في حكم تارك الصلاة عمدا حتى يخرج وقتها

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (51 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

القولُ الفصل في حُكم تارك الصّلاة عمدًا حتّى يخرجَ وقتُها تأليف: الشيخ محمّد تقي الدين الهلالي الحُسيني

стр. 2

المقدمة الحمد لله وبه أستعين، وصلِّ اللهمّ على خير خلقك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، الذين كانوا على صلاتهم يحافظون، أما بعد: فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربِّه، الوالي محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي، سألني جماعة من إخواننا الموحِّدين لربِّ العالمين، المتمسكين بسنة النبيّ الأميّ عن حكم تارك الصلاة عمدًا أهو كافر أم هو من عصاة المسلمين؟ وما هو عقابه في شريعة ربّ العالمين؟ فوجب عليّ أن أجيبهم بما يروي الغليل، ويشفي العليل، فأقول وبالله التوفيق. الفصل الأول أدلة كفر تارك الصلاة أنقله من "كتاب الصلاة" لابن القيم، وربّما أضيف إلى كلامه زيادة إن شاء الله تعالى، قال الحافظ شمس الدين محمد بن أبي بكر المشهور بابن القيم (١): أدلة الكتاب العزيز: قال الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ. إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ. أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ. سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ. أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ. يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ. خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٤٣]، فوجه الدلالة من الآية أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين وأن هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين، فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، وأنهم يدعون إلى

стр. 3

السجود لربهم ﵎، فيحال بينهم وبينه فلا يستطيعون السجود مع المسلمين، عقوبة لهم على ترك السجود له مع المصلين في دار الدنيا، وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين، الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي (١) البقر، ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ. فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ الْمُجْرِمِينَ. مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ. حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤٧]، فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين، أو مجموعها: فإن كان كل واحد منها مستقلا بذلك فالدلالة ظاهرة، وإن كان مجموع الأمور الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم، وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له إلى ما هو مستقل بها. ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطًا على التكذيب بيوم الدين، بل هو وحده كاف في العقوبة، فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك، إذ لا يمكن لقائل أن يقول: لا يعذب إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة! فإذا كان كل واحد منها موجبا للإجرام، وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر، وقد قال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٧، ٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]، فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]، فوجه الدلالة أنه سبحانه علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور، فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة، والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها.

стр. 4

الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥] وقد اختلف السلف في معنى السهو عنها، فقال سعد بن أبي وقاص، ومسروق بن الأجدع، وغيرهما: هو تركها حتى يخرج وقتها. روي في ذلك حديث مرفوع، قال محمد بن نصر المروزي: حدثنا سفيان (١) بن أبي شيبة، حدثنا عكرمة بن إبراهيم، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه: "أنه سأل النبي ﷺ عن الذين هم عن الصلاة ساهون، قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها" (٢). وقال حماد بن زيد: حدثنا عاصم، عن مصعب بن سعد، قال: "قلت: لأبي يا أبتا أرأيت قول الله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدث نفسه؟ قال: إنه ليس ذاك ولكنه إضاعة الوقت" سنن البيهقي (٣). وقال حيوة بن شريح: أخبرني أبو صخر، أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: هو تاركها. ثم سأله عن الماعون قال: منع المال عن حقه. إذا عرف هذا، فالوعيد بالويل اطَّرد في القرآن للكفار، كقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] وقوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا - إلى قوله - مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٧، ٨]، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢]، إلا في موضعين وهما ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] و ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، فعلق الويل بالتطفيف وبالهمز واللمز، وهذا لا يكفر به بمجرده، فويل تارك الصلاة إما أن يكون ملحقا بويل الكفار أو بويل الفساق، فإلحاقه بويل الكفار أولى لوجهين: الأول: أنه قد صح عن سعد بن أبي وقاص في هذه الآية أنه قال: "لو تركوها لكانوا كفارا ولكن ضيعوا وقتها" (٤). الثاني: ما سنذكر من الأدلة على كفره يوضّحه: الدليل الخامس: وهو قوله سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. قال عبد الله بن مسعود: "غي: واد في جهنم بعيد القعر" (٥). فوجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات، ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار، ولم

стр. 5

يكونوا في هذا المكان الذي هو أسفلها، فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام، بل من أمكنه الكفار، ومن الآية دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٥٩، ٦٠]، فلو كان مضيع الصلاة مؤمنا لم يشترط في توبته الإيمان وأنه يكون تحصيلا للحاصل. الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، فعلّق أخوتهم للمؤمنين (١) بفعل الصلاة، فإذا لم يفعلوا، لم يكونوا إخوة للمؤمنين فلا يكونوا مؤمنين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. الدليل السابع: قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى. وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]، فلما كان الإسلام تصديق الخبر، والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضدين: عدم التصديق، وعدم الصلاة، وقابل التصديق بالتكذيب والصلاة بالتولي، فقال: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ فكما أن المكذِّب كافر، فالمتولِّي عن الصلاة كافر، فكما يزول الإسلام بالتكذيب، يزول بالتولّي عن الصلاة. قال سعيد: عن قتادة ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾: لا صدق بكتاب الله ولا صلى لله، ولكن كذب بآيات الله، وتولّى عن طاعته ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥]، وعيد على إثر وعيد. الدليل الثامن: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح، يقول: هي الصلاة المكتوبة. ووجه الاستدلال بالآية أن الله حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة، والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار، فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح، يوضّحه أنه أكّد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد: الأول: إتيانه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه دون الفعل الدال على التجدد والحدوث. الثاني: تعريف (٢) الاسم بالألف

стр. 6

واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم، فإنك إذا قلت: زيد العالم الصالح أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له بخلاف قولك عالم صالح. الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] و [آل عمران: ١٠٤] و [التوبة: ٨٨] و [النور: ٥١] و [الروم: ٣٨] و [لقمان: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤، ٧٤]، ونظائره. الرابع: إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين: قوة الاسناد، واختصاص المسنَد إليه بالمسند، كقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥]، ونظائر ذلك. الدليل التاسع: قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]، ومن أعظم التذكير بآيات الله: التذكير بآيات الصلاة، فمن ذُكِّر بها ولم يتذكر، ولم يصلِّ لم يؤمن بها، لأنه سبحانه خصّ المؤمنين بها بأنهم أهل السجود، وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه، فلم يؤمن بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ إلا من التزم إقامتها. الدليل العاشر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٨، ٤٩]، ذكر هذا بعد قوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾، ثم توعدهم على ترك الركوع: وهو الصلاة إذا دعوا إليها، ولا يقال: إنما توعدهم على التكذيب، فإنه إنما أخبر عن تركهم لها وعليه وقع الوعيد. على أنا نقول لا يصر على ترك الصلاة إصرارا مستمرا من يصدق بأن الله أمر بها أصلا، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقًا تصديقًا جازمًا أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشدّ العقاب، وهو مع ذلك مصرٌ على تركها، هذا من المستحيل قطعًا، فلا يحافظ على تركها مصدقٌ بفرضها أبدًا فإن الايمانَ يأمر صاحبَه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها،

стр. 7

فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا تُصغ إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها، وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد والجنة والنار وأن الله فرض عليه الصلاة وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها، وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له من الفعل. وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق، وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم، وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمانٌ جازمٌ لا يتقاضاه فعلُ طاعةٍ ولا ترك معصيةٍ، ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين. وقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، أي: يعتقدون أنك صادق ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى في اليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وأبلغ من هذا قول النفرين اليهوديين لما جاءا إلى النبي ﷺ ، وسألاه عما دلهما على نبوته فقالا نشهد أنك نبي فقال: "ما يمنعكما من اتباعي" قالا إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود. (١)، فهؤلاء قد أقروا بألسنتهم إقرارا مطابقًا لمعتقدهم أنه نبيٌ، ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان، لأنهم لم يلتزموا الطاعةَ والانقياد لأمره. ومن هذا كفرُ أبي طالب فإنه عرف حقيقةَ المعرفة أنه صادقٌ وأقرّ بذلك بلسانه وصرّح به في شعره، ولم يدخل بذلك في الإسلام، فالتصديقُ إنما يتم بأمرين: أحدهما: اعتقاد الصدق. والثاني: محبة القلب وانقياده. ولهذا قال تعالى لإبراهيم: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥]، وإبراهيم كان معتقدًا لصدق رؤياه من حين رآها، فإن رؤيا

стр. 8

الأنبياء وحي (١) وإنما جعله مصدقا لها بعد أن فعل ما أُمر به. وكذلك قوله ﷺ : "والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" (٢). فجعل التصديق عمل الفرج لا ما يتمنى القلب، والتكذيب تركه لذلك وهذا صريح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل. وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وقد روي هذا مرفوعا (٣) والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة والوعد على فعلها، والوعيد على تركها، وبالله التوفيق. توضيح هذه الأدلة العشرة: قال محمد تقي الدين: قد أقام الحافظ ابن القيم ﵀ عشرة أدلة من كتاب الله على كفر تارك الصلاة كسلا مع اعترافه بوجوبها، وسأحاول أن أعيد ذكر هذه الأدلة بعبارة، أرجو أن تكون أسهل على فهم أهل هذا الزمان، وخصوصا العامة، وسألتزم الاختصار. الدليل الأول: قال تعالى في سورة القلم من الآية ٣٥ إلى الآية ٤٣ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]، حاصل معنى ما ذكره أن الله قسم الناس إلى مسلمين ومجرمين، وأخبر أن عدله وحكمته يقتضيان إكرام المسلمين في الدنيا والآخرة، وأخبر أن تارك الصلاة ولو صلاة واحدة حتى يخرج وقتها من المجرمين، وأنه يدعى يوم القيامة إلى السجود فإذا أراد أن يسجد صار ظهره طبقة واحدة فعجز عن السجود، وسقط على ظهره، لأنه يدعى إلى السجود في الدنيا فيمتنع منه، ومن كان من المجرمين لا يكون من المسلمين، وليس هناك قِسْم ثالث، فهذا وجه استدلاله ﵀. الدليل الثاني: قوله تعالى في سور المدثر الآية ٣٨ إلى الآية ٤٧، حاصل هذا الدليل أن الله تعالى أخبرنا أن أهل النار يُقال لهم ما الذي أدخلكم جهنم؟ فيخبرون بارتكابهم أربعة ذنوب: الأول: أنهم لم يكونوا من المصلين. الثاني: أنهم لم يكونوا يطعمون المسكين. الثالث: أنهم كانوا يخوضون مع

стр. 9

الخائضين، والخوض هو الكفر بآيات الله، والاستهزاء بها. الرابع: أنهم كانوا يكذّبون بالبعث. ولا يمكن أن يكون دخولهم النار متوقفًا على هذه السيئات كلها، بل كل واحد منها موجب لدخول النار، وأوّلها ترك الصلاة، وقوله تعالى ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ يدل على خلودهم في النار، ولا يخلد في النار إلا كافر ترك الصلاة كفرا. الدليل الثالث: قوله تعالى في سورة النور رقم ٥٦، حاصله أن الله تعالى شرط لرحمته ثلاثة أمور: الأول: إقامة الصلاة. الثاني: إعطاء الزكاة. الثالث: طاعة الرسول ﷺ . فمن ترك واحدا منها لا تناله رحمة الله، ومن لم تنله رحمة الله فهو كافر. الدليل الرابع: قوله تعالى في سورة الماعون ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥]، استدل به ابن القيم ﵀ على كفر تارك الصلاة بحديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا إلى النبي ﷺ في بعض الروايات وموقوفها عليه في بعضها (١) أن السهو عنها ترْكها حتى يخرج وقتها. الدليل الخامس: قوله تعالى في سورة مريم رقم ٥٩ و ٦٠ ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩، ٦٠]، وبيان ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن غيا واد في جهنم بعيد القعر (٢)، يعني في أسفل جهنم، والمؤمن لا يكون في الطبقة السفلى من جهنم. والوجه الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿إلا من تاب وآمن﴾ وهو دليل أنه ليس بمؤمن، لأن المؤمن لا يطلب منه أن يؤمن فدلّ ذلك على أنه كافر، وطلب الإيمان من المؤمن من تحصيل الحاصل، وهو محال،

стр. 10

وبيانه أن كل شيء موجود لا يطلب وجوده. الدليل السادس: قوله تعالى في سورة التوبة رقم ١١ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١]، وبيانه أن الله شرط لأخوّة المشركين للمؤمنين، ثلاثة شروط: الأول: التوبة من الشرك. الثاني: إقامة الصلاة، أي: أدائها بشروطها، ومن أخرجها عن وقتها لا يكون مقيمًا لها، ومن لم تثبت له أخوة المؤمنين فهو من الكافرين. (١) الدليل السابع: قوله تعالى في سورة القيامة رقم ٣١ و ٣٢ ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى. وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]، قال ابن القيم ﵀: الإسلام أمر أن تصديق النبي ﷺ فيما جاء به والانقياد لأمره، فمن لم يصدقه فهو كافر، وكذبك من امتنع من الانقياد لأمره بترك الصلاة فهو كافر، وقد جمعهما الله تعالى، فلا سبيل إلى التفرقة بينهما. الدليل الثامن: قوله تعالى في سورة المنافقين رقم ٩ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، قال عطاء بن أبي رباح المراد بذكر الله هنا الصلوات المكتوبة، وقد حكم الله على من شغله ماله وولده وغير ذلك من شواغل الدنيا بالخسران المطلق، والخسران المطلق لا يكون إلا للكافر، قال تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]، وقد أكّد الله تعالى خسرانهم بالتعريف بالألف واللام، وبالجملة الإسمية، وصيغة الحصر، وضمير الفصل وهو (هم)، فتمّ لهم الخسران المطلق، ولا يتم إلا للكافر. الدليل التاسع: قوله تعالى في سورة السجدة رقم ١٥ ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا

стр. 11

ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]، وبيان الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى حصر الإيمان بآياته في الذين إذا ذُكِّروا بالصلاة صلوا، فمن ذُكِّر بها ولم يسجد ولم يصلِّ فليس بمؤمن، وهذا من أحسن الاستدلال. الدليل العاشر: قوله تعالى في سورة المرسلات رقم ٤٨ و ٤٩ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٨، ٤٩]، قد شرحه الإمام ابن القيم بما لا يحتاج إلى مزيد. * * *

стр. 12

الفصل الثاني دلائل السنة على كفر تارك الصلاة الدليل الأول: ما رواه مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ" رواه أهل السنن، وصححه الترمذي (١).

стр. 13

الدليل الثاني: ما رواه [بريدة بن الحصيب] (١) الأسلمي، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ" رواه الإمام أحمد، وأهل السنن (٢)، وقال الترمذي: "حديث صحيح". إسناده على شرط مسلم.

стр. 14

الدليل الثالث: ما رواه ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك" رواه هبة الله الطبري، وقال: "إسناده صحيح على شرط مسلم" (١).

стр. 15

الدليل الرابع: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ ، أنه ذكر الصلاة يوما، فقال: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا؟ كَانَتْ لَهُ نُورًا، وَبُرْهَانًا، وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ، وَلَا بُرْهَانٌ، وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ، وَفِرْعَوْنَ، وَهَامَانَ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ" (١) رواه الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو حاتم بن حبان في "صحيحه"، وإنما خصّ هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفرة. وفيه نكتة بديعة وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسته، ووزارته فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبيّ بن خلف.

стр. 16

الدليل الخامس: ما رواه عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله ﷺ ، فقال: "لا تشركوا بالله شيئا، ولا تتركوا الصلاة عمدا، فمن تركها عمدا متعمدا، فقد خرج من الملة" (١) رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه".

стр. 17

الدليل السادس: ما رواه معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله" (١) رواه الإمام أحمد، ولو كان باقيا على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام.

стр. 18

الدليل السابع: ما رواه أبو الدرداء، قال: "أوصاني أبو القاسم ﷺ أن لا أترك الصلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة" (١) رواه عبد الرحمن ابن أبي حاتم في سننه.

стр. 19

الدليل الثامن: ما رواه معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة" (١) وهو حديث صحيح مختصر ووجه الاستدلال به أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة، فكما تسقط الخيمة بسقوط عمودها، فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة، وقد احتج أحمد بهذا بعينه.

стр. 20

الدليل التاسع: في "الصحيحين" و"السنن" و"المسانيد" من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وحج البيت، وصوم رمضان" (١) رواه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه: "الإسلام خمس" فذكره. ووجه الاستدلال به من وجوه: أحدها: أنه جعل الإسلام كالقبة المبنية على خمسة أركان، فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قبة الإسلام. الثاني: أنه جعل هذه الاركان في كونها أركانا لقبة الإسلام قرينة الشهادتين، فهما ركن، والصلاة ركن، والزكاة ركن، فما بال قبة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد أركانها، دون بقية أركانها. الثالث: أنه جعل هذه الأركان نفس الإسلام، وداخلة في مسمى اسمه، وما كان اسما لمجموع أمور، إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمى، ولا سيما إذا كان من أركانه لا من اجزائه التي ليست بركن له، كالحائظ للبيت فإنه إذا سقط، سقط البيت بخلاف العود والخشبة واللبنة ونحوها.

стр. 21

الدليل العاشر: قول الرسول ﷺ : "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا" (١). ووجه الدلالة فيه من وجهين: أحدهما: أنه إنما جعله مسلما بهذه الثلاثة، فلا يكون مسلما بدونها. الثاني: أنه إذا صلى إلى الشرق لم يكن مسلما حتى يصلي إلى قبلة المسلمين، فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية؟!

стр. 22

الدليل الحادي عشر: ما رواه الدارمي بسنده عن [جابر بن] (١) عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "مفتاح الجنة الصلاة" (٢) وهذا يدل على أن من لم يكن من أهل الصلاة لم تفتح له الجنة، وهي تفتح لكل مسلم فليس تاركها مسلما، ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر وهو قوله: "مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله" (٣). فإن الشهادة أصل المفتاح، والصلاة وبقية الأركان أسنانه التي لا يحصل الفتح إلا بها، إذ دخول الجنة موقوف على المفتاح وأسنانه، وقال البخاري: وقيل لوهب بن منبه أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.

стр. 23

الدليل الثاني عشر: ما رواه محجن بن الأدرع الأسلمي: "أنه كان في مجلس مع النبي ﷺ ، فأُذّن بالصلاة فقام النبي ﷺ ثم رجع، ومحجن في مجلسه، فقال له: ما منعك أن تصلي ألست برجل مسلم؟ قال: بلى ولكني صليت في أهلي، فقال له: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت" (١) رواه الإمام أحمد، والنسائي. فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة، وأنت تجد تحت ألفاظ الحديث أنك لو كنت مسلما لصليت، وهذا كما تقول: مالك لا تتكلم ألست بناطق؟ وما لك لا تتحرك ألست بحي؟ ولو كان الإسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه لا يصلي ألست برجل مسلم؟

стр. 24

فصل قال محمد تقي الدين: إن بعض علماء أهل السنة تأوّلوا ما جاء في الأحاديث من كفر تارك الصلاة بأنه من باب كفر دون كفر، كقول النبي ﷺ ، "من أتى امرأة في دبرها فقد كفر"، فهذا الكفر لا يخرجه من الملة عند أهل السنة، لكن ماذا يصنع هؤلاء بقول النبي ﷺ "فقد برئت منه ذمة الله" (١)، وبقوله ﵊ "فقد خرج من الملة" (٢)، وسيأتي إجماع الصحابة.

стр. 25

الفصل الثالث فيما جاء عن الصحابة ﵃ في حكم تارك الصلاة قال ابن القيم في "كتاب الصلاة": وأما إجماع الصحابة، فقال ابن زنجويه بسنده المتصل عن ابن عباس: "أنه جاء عمر بن الخطاب حين طعن في المسجد، قال: فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد حتى أدخلناه بيته، قال: فأمر عبد الرحمن بن عوف أن يصلي بالناس، قال: فلما دخلنا على عمر بيته غشي عليه من الموت فلم يزل في غشيته حتى أسفر، ثم أفاق، فقال: هل صلى الناس؟ قال: فقلنا نعم، فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة. وفي سياق آخر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى … وذكر القصة (١). فقال هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكروه عليه، وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، ولا يعلم عن صحابي خلافهم. وقال الحافظ عبد الحق الاشبيلي ﵀ في كتابه في "الصلاة": ذهب جملة من الصحابة ﵃ ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمدا لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأبو الدرداء، وكذلك روي عن علي بن أبي طالب هؤلاء من الصحابة. ومن غيرهم: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عيينة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب.

стр. 26

(فصل) ثم ذكر ابن القيم كلاما طويلا في الذنوب التي لا تخرج من الملة، وإن سميت كفرا أو فسقا أو نفاقا، وانتهى إلى النتيجة التالية في (ص ٥٢٣) من مجموعة الحديث النجدية (١) والأدلة التي ذكرناها وغيرها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة، فهي مفتاح ديوانه ورأس مال ربحه، ومحال بقاء الربح بلا رأس مال، فإذا خسرها خسر أعماله كلها، وإن أتى بها صورة، وقد أشار إلى هذا في قوله: "فإن ضيعها فهو لما سواها أضيع" (٢). وفي قوله: "أول ما ينظر من أعماله الصلاة، فإن

стр. 27

جازت له نظر في سائر أعماله، وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله بعد" (١) ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها، ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه ويشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له: تصلي وإلا قتلناك، فيقول اقتلوني ولا أصلي أبدا! ومن لا يكفر تارك الصلاة، يقول هذا مؤمن مسلم يغسل يصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وبعضهم يقول إنه مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمانه جبريل وميكائيل، فلا يستحي من هذا قوله من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة والله الموفق. * * *

стр. 28

فصل في سياق أقوال العلماء من التابعين ومن بعدهم في كفر تارك الصلاة ومن حكى الإجماع على ذلك وقال محمد بن نصر بسنده عن أيوب، قال: "ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه" (١). وحكى محمد (٢) بن نصر عن ابن المبارك قال: "من أخر صلاة حتى يفوت وقتها متعمدا من غير عذر فقد كفر" (٣). وقال علي بن الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله بن المبارك، يقول: "من قال إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من حمار" (٤). وقال يحيى بن معين: قيل لعبد الله بن المبارك: إن هؤلاء يقولون: من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان؟ فقال عبد الله: "لا نقول نحن ما يقول هؤلاء من ترك الصلاة متعمدا من غير علة حتى أدخل وقتا في وقت فهو كافر" (٥). وقال ابن أبي شيبة: قال النبي ﷺ : "من ترك الصلاة فقد كفر. فيقال له ارجع عن الكفر فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام" (٦). وقال أحمد بن يسار: سمعت صدقة بن الفضل وسئل عن تارك الصلاة؟ فقال: كافر (٧). (فصل) من نام عن صلاة أو نسيها حتى خرج وقتها فليصلها ولا إثم عليه روى البخاري ومسلم، واللفظ له عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: "من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (٨) وروى مسلم عنه أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله

стр. 29

يقول: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] ". وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل. فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال؟ فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا. فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله ﷺ ، وأمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها. فإن الله قال: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] " (١).

стр. 30

(فصل) من ترك صلاة عمدا حتى خرج وقتها هل ينفعه قضاؤها؟ الجواب تجده في وصية أبي بكر لعمر ﵄، قال ابن القيم: فصل في قول أبي بكر الصديق الذي لا يعلم أن أحدا من الصحابة أنكره عليه، قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن زيد: أن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب: إني موصيك بوصية إن حفظتها، إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل وحقا بالليل لا يقبله بالنهار، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة … " (١). فهذا أبو بكر قال: إن الله لا يقبل عمل النهار بالليل، ولا عمل الليل بالنهار، ومن يخالفنا بهذه المسألة يقولون بخلاف هذا صريحا، وأنه يقبل صلاة العشاء الآخرة وقت الهاجرة، ويقبل صلاة العصر نصف النهار. قالوا: فهذا قول أبي بكر، وعمر، وابنه عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وبديل (٢) العقيلي، ومحمد بن سيرين، ومطرف بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز ﵃، وغيرهم. قال شعبة: عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله

стр. 31

بن خراش (كذا) قال: "رأى ابن عمر رجلا يقرأ في صحيفة قال له يا هذا القارئ إنه لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها، فصلِّ ثم إقرأ ما بدا لك" (١). وكان عبد الله بن مسعود، يقول: "إن للصلاة وقتا كوقت الحج، فصلوا الصلاة لميقاتها" (٢). فهذا عبد الله قد صرّح بأن وقت الصلاة كوقت الحج، فإذا كان الحج لا يفعل في غير وقته، فما بال الصلاة تجزئ في غير وقتها؟! تقدم ذكر أدلة تكفير تارك الصلاة من القرآن، ومن حديث النبي ﷺ ، وأقوال الصحابة، والتابعين، وغيرهم، ولم أجد حجة صريحة في عدم تكفير تارك الصلاة إلا حديثًا واحدا لا بد أن أذكره هنا وهو ما رواه الإمام أحمد ابن حنبل في "مسنده" عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له" (٣).

стр. 32

قال محمد تقي الدين: وهذا الحديث لا حجة فيه من وجوه: الوجه الأول: أنه خالف ما هو أصح منه، وهي الأحاديث التي رواها مسلم في "صحيحه"، وفيها التصريح بكفر تارك الصلاة، وقد ثبت عند جميع العلماء أن الأحاديث على درجات: الدرجة الأولى: ما اتفق عليه البخاري ومسلم. الدرجة الثانية: ما انفرد به البخاري. الدرجة الثالثة: ما انفرد به مسلم. الدرجة الرابعة: ما كان على شرطهما. الدرجة الخامسة: ما كان على شرط مسلم (١) الدرجة السادسة: ما صحّ سنده وإن لم يكن على شرط أحد منهما. الدرجة السابعة: ما كان إسناده حسنا. الدرجة الثامنة: ما كان إسناده ضعيفا وليس فيه متروك ولا وضاع. الدرجة التاسعة: ما كان في سنده متروك. الدرجة العاشرة: ما كان في إسناده كذاب. وأحاديث الدرجة العاشرة لا تحل روايتها إلا لبيان ما فيها من الكذب، وأحاديث الدرجة التاسعة ما يحتج بشيء منها إلا إذا تعددت طرق الحديث الواحد فإنه يرتقي إلى درجة الحسن ويحتج به إن لم يكن له معارض من درجة أعلى منه (٢) وهذا الذي احتج به بعض

стр. 33

العلماء على عدم كفر تارك الصلاة، غاية الأمر أن يكون من أحاديث الدرجة السابعة، وأحاديث التكفير من الدرجة الثالثة، فلا تصح المعارضة لبعد ما بين الدرجتين. الوجه الثاني: أن أحاديث التكفير مع كونها أصح وأعلى، فهي أكثر لأن عددها اثني عشر حديثا. الوجه الثالث: إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة كما تقدم، وهم أعلم بالكتاب والسنة ممن جاء بعدهم. الوجه الرابع: أن الأحاديث التي فيها "برئت منه ذمة الله" (١) و "خرج من الملة" (٢) و "هو في جهنم مع فرعون وهامان وقارون وأبيّ بن خلف" (٣)، وهي أكثر وأصح، صريحة في كفره بخلاف هذا الحديث، فإنه ليس فيه أكثر من رد المشيئة إلى الله تعالى (٤)، قد علمنا من تلك الأدلة أن الله لا يشاء أن يغفر له. الوجه الخامس: أقوال الصحابة ومن بعدهم في عدم صحة قضاء المتروكة عمدا بدون عذر. الوجه السادس: أن الإمام أحمد بن حنبل الذي روى هذا الحديث من القائلين بكفر تارك الصلاة، وذلك دليل على أنه رجّح أدلة التكفير، أما بقية الأدلة التي احتج بها بعض العلماء على عدم كفر تارك الصلاة فهي عامة، والخاص مقدم على العام عند بعض علماء الأصول. الوجه السابع: أن الله فرض صلاة الخوف في حال القتال بالكتاب والسنة والإجماع، فأمر رسول الله ﷺ إذا جاء وقت الصلاة أن يجعل الجيشين طائفتين: طائفة تقابل العدو في القتال، وطائفة تصلي معه ركعة، ويبقى هو ﵊ قائما حتى يصلوا لأنفسهم ركعة أخرى، ويسلموا ويتوجهوا لقتال العدو، ويجئ الذين لم يصلوا - أعني الذين كانوا مواجهين للعدو - فيصلوا مع النبي ﷺ الركعة الثانية، ويبقى هو ﵊ جالسا يذكر الله حتى يتمّوا لأنفسهم ركعة، ثم يسلم ويسلمون، ويلتحقون بإخوانهم لمواجهة العدو، هذا إذا كان في الإمكان أن يقسمهم الإمام إلى طائفتين، فإن لم يمكن ذلك لكثرة عدد العدو، وقلة عدد المسلمين وجب عليهم أن يصلوا على كل حال واقفين وماشين وراكبين، وهم يقاتلون مستقبلين القبلة أو مستدبرين، ودليل الحالة الأولى من كتاب الله، قوله

стр. 34

تعالى في سورة النساء رقم ١٠٢ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]. قال محمد تقي الدين: إن كان المقاتلون يصلون صلاة السفر، وأمكن أن يقسمهم الإمام قسمين فالأمر واضح إلا في صلاة المغرب، فتصلي الطائفة الأولى مع الإمام ركعتين، ويبقى الإمام جالسا ويصلون لأنفسهم ركعة، ويتوجهون لقتال العدو، فيأت الذين لم يصلوا فيصلون مع الإمام الركعة الثالثة، ويصلون لأنفسهم يتشهدون بعد الثانية ويسلم الإمام ويسلمون معه، ويعودون إلى المعركة، وإن كانت الصلاة رباعية صلى كل فريق مع الإمام على الوجه المتقدم. وأما دليل الصلاة في أثناء القتال فقوله تعالى في سورة البقرة رقم ٢٣٨ و ٢٣٩ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩]، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "وقد ذهب الإمام أحمد فيما نص عليه إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم والأربعة إلا الترمذي بسند متصل عن ابن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. وبه قال جماعة من الأئمة". قال محمد تقي الدين: وهذا يدلنا بوضوح الشمس في رابعة النهار على أن من أخّر الصلاة عن وقتها فلا صلاة له، ولو صلى ألف ركعة لم تقبل منه، فيعتبر تاركا للصلاة، وقد تقدم أن ذلك خروج من الملة ولو كان هنالك عذر يبيح تأخير الصلاة عن وقتها ما شرعت صلاة الخوف بنوعيها، فمن ظن أن الله تعالى لا يقبل من المجاهدين أن يؤخروا الصلاة وهم في حالة

стр. 35

القتال بل يوجب عليهم فعلها وهم يقاتلون مشاة وراكبين للقبلة أو لغير القبلة وهم مشغولون بالضرب والطعن، ويقبلها من المتهاون الذي يؤخرها بلا عذر فظنه في غاية البعد عن العقل. فائدة: قال ابن القيم في الكتاب المذكور ردا على من لم يكفر تارك الصلاة اعتمادا على أحاديث عامة تثبت الإسلام لمن أتى بالشهادتين، ما نصه: قال المكفرون: الذين رويت عنهم هذه الأحاديث التي استدللتم بها على عدم تكفير تارك الصلاة، هم الذين حفظ عنهم الصحابة تكفير تارك الصلاة بأعيانهم. قال أبو محمد بن حزم: وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة ﵃ أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، قالوا: ولا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة وقد دل على كفر تارك الصلاة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة. كلام صاحب "كشاف القناع" في حكم تارك الصلاة قال شيخ مشايخ الإسلام وأحد الكبراء الفخام صاحب الإفتاء والتدريس العلامة الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي في كتابه "كشاف القناع" ما نصه (١/ ١٥٩) بعد الكلام على كفر جاحد وجوب الصلاة: " (فإن تركها تهاونا وكسلا) لا جحودا (دعاه إمام أو نائبه إلى فعلها) لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به، كالمرض ونحوه ويهدده فيقول له: إن صليت وإلا قتلناك وذلك في وقت كل صلاة (فإن أبى) أن يصليها (حتى تضايق وقت التي بعدها) أي: بعد التي دعي لها عن فعل الثانية كما جزم به في مختصر المقنع تبعا للوجيز وغيره (وجب قتله) لقوله تعالى ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]- إلى قوله - ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: ٥] فمن ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية، فيبقى على إباحة القتل ولقوله ﵊ "من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله" رواه أحمد بإسناده عن مكحول وهو مرسل جيد قاله في المبدع. ولأنها من أركان الإسلام لا تدخلها النيابة فقتل تاركها كالشهادتين ولا يقتل بترك الأولى، لأنه لا يعلم أنه عزم

стр. 36

على تركها إلا بخروج وقتها، فإذا خرج علمنا أنه تركها، ولا يجب قتله بها لأنها فائتة، فإذا ضاق وقت الثانية وجب قتله (ولا يقتل) من ترك الصلاة تهاونا وكسلا، وكذا من جحد وجوبها (حتى يستتاب ثلاثة أيام كمرتد) أي: كسائر المرتدين (نصا) ويضيق عليه. وذكر القاضي أنه يضرب (فإن تاب) من ترك الصلاة تهاونا وكسلا (بفعلها) أي: بفعل الصلاة خلي سبيله، نقل صالح: توبته أن يصلي لأن كفره بالامتناع منها، فحصلت توبته بها، بخلاف جاحدها، فإن توبته إقراره بما جحده مع الشهادتين كما يعلم مما يأتي في باب المرتد (وإلا) أي: وإن لم يتب بفعل الصلاة (قتل بضرب عنقه) بالسيف، لقوله ﵊ "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" رواه مسلم أي: الهيئة من القتل (لكفره) علة يقتل لما روى جابر عن النبي ﷺ أنه قال "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم. وروى بريدة أن النبي ﷺ قال: "من تركها فقد كفر" رواه الخمسة وصححه الترمذي (١). وروى عبادة مرفوعا "من ترك الصلاة متعمدا فقد خرج من الملة" رواه الطبراني بإسناد جيد (٢). وقال عمر "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة" (٣). ولقوله ﷺ "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة" (٤) قال أحمد: كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء ولأنه يدخل بفعلها في الإسلام فيخرج بتركها منه كالشهادتين (وحيث كفر) فإنه يقتل بعد الاستتابة، ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين و (لا يرق ولا يسبى له أهل ولا ولد).

стр. 37

كلام ابن كثير في تكفير تارك الصلاة قال الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير في تفسير قوله تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، ما نصه: "لما ذكر تعالى حزب السعداء وهم الأنبياء ﵈، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله التاركين لزواجره، ذكر أنه ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: قرون أخر أضاعوا الصلاة، وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع، لأنها عماد

стр. 38

الدين وقوامه وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيا، أي: خسارا يوم القيامة، وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا، فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية، قاله محمد بن كعب القرظي، وابن زيد بن أسلم، والسدي، واختاره ابن جرير، ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة للحديث (بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة). والحديث الآخر (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) ". جيش عرمرم من أحاديث النبي ﷺ وأصحابه في كفر تارك الصلاة قال الحافظ عبد العظيم المنذري رحمه الله تعالى في "الترغيب والترهيب" ما نصه: " الترهيب من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا: ١ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه أحمد ومسلم. وقال: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". ٢ - وروى أبو داود والنسائي ولفظه، "ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة". ٣ - وروى الترمذي ولفظه، قال: "بين الكفر والإيمان ترك الصلاة". ٤ - وروى ابن ماجه ولفظه، قال: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" (١). ٥ - وعن بريدة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم، وقال: صحيح ولا نعرف له علة (٢).

стр. 39

٦ - وعن عبادة بن الصامت ﵁، قال: "أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بسبع خصال، فقال: لا تشركوا بالله شيئا وإن قطعتم أو حرقتم أو صلبتم، ولا تتركوا الصلاة متعمدين فمن تركها متعمدا فقد خرج من الملة، ولا تركبوا المعصية فإنها سخط الله، ولا تشربوا الخمر فإنها رأس الخطايا كلها … الحديث" رواه الطبراني، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة بإسنادين لا بأس بهما (١). ٧ - وعن عبد الله بن شقيق العقيلي ﵁، قال: "كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" رواه الترمذي (٢). ٨ - وعن ثوبان ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك" رواه هبة الله الطبري بإسناد صحيح (٣). ٩ - وروي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا سهم في الإسلام لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له" رواه البزار (٤). ١٠ - وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له، إنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد". رواه الطبراني في "الأوسط" و"الصغير"، وقال: تفرد به الحسين بن الحكم الحِبَري (٥). ١١ - وعن أبي الدرداء ﵁، قال: "أوصاني خليلي ﷺ أن لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وإن حرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر فإنه مفتاح كل شر" رواه ابن ماجه والبيهقي عن شهر عن أم الدرداء عنه (٦).

стр. 40

١٢ - وعن ابن عباس ﵄، قال: "لما قام بصري قيل نداويك وتدع الصلاة أياما؟! قال: لا، إن رسول الله ﷺ ، قال: من ترك الصلاة لقي الله وهو عليه غضبان" رواه البزار، والطبراني في "الكبير"، وإسناده حسن (١). قامت العين إذا ذهب بصرها. ١٣ - وعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا" رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد لا بأس به (٢). ١٤ - وروى محمد بن نصر في "كتاب الصلاة" ولفظه، سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "بين العبد والكفر أو الشرك ترك الصلاة، فإذا ترك الصلاة فقد كفر" (٣). ١٥ - وروى ابن ماجه عن يزيد الرقاشي، عنه، عن النبي ﷺ ، قال: "ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة فإذا تركها فقد أشرك" (٤). ١٦ - وعن ابن عباس ﵄، قال حماد بن زيد: ولا أعلمه إلا قد رفعه إلى النبي ﷺ ، قال: "عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام، من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان" رواه أبو يعلى بإسناد حسن، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، مرفوعا (٥). وقال فيه: "من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل، وقد حل دمه وماله". ١٧ - وعن معاذ بن جبل ﵁، قال: "أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله علمني عملا إذا أنا عملته دخلت الجنة؟ قال: لا تشرك بالله شيئا وإن عذبت وحرقت، أطع والديك وإن أخرجاك من مالك ومن كل شيء هو لك، لا تترك الصلاة متعمدا
следующие страницы →