← Гариб и словари

Гариб и словари · id 7030

تاج العروس من جواهر القاموس

مرتضى الزبيدي

Полный текст (21 562 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَأبي جَعْفَر الرُّؤاسيّ ونبذًا عَن الْكسَائي، وَله كتاب النَّوَادِر. وَفِي طبقته أَبُو الْحسن عليّ بن الْمُبَارك الْأَخْفَش الْكُوفِي، مَاتَ سنة ٢١٠ وَأَبُو عِكْرِمَة الضَّبِّيّ صَاحب كتاب الْخَيل، وَأَبُو عدنان الراوية صَاحب كتاب القِسِيّ، وَقد روى عَن أبي زيد. وَمن أعلمهم باللغة وَأَكْثَرهم أخذا عَن الْأَعْرَاب، أَبُو عَمْرو إِسْحَاق بن مُرَار الشيبانيّ صَاحب كتاب الْجِيم وَكتاب النَّوَادِر، مَاتَ سنة ٢١٣ عَن مائَة وَعشر سِنِين، روى عَنهُ أَبُو الْحسن الطُّوسي، وَأَبُو سعيد الْحسن بن الحُسين السُّكرِيّ، وَأَبُو سعيد الضَّرِير، وَأَبُو نصر الْبَاهِلِيّ، واللحيانيّ، وَابْن السكّيت. وَأما أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن زِياد الأعرابيُّ فَإِنَّهُ أَخذ الْعلم عَن المفضّل الضَّبِّيّ، وَعَن الْبَصرِيين، وَعَن أبي زَيد، وَعَن أبي زِياد، وجماعةٍ من الْأَعْرَاب، مثل الفُضَيل وعِكرمة، وُلِدَ لَيْلةَ وُلدَ الإِمَام أَبُو حنيفَة ﵁، وَمَات سنة ٢٢١. وَأما أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فقد رَوَى عَن الأصمعيّ وَأبي عُبَيْدَة، وَلم يسمع من أبي زيد شَيْئا، مَاتَ سنة ٢٢٣. واختص بِعلم أبي زيدٍ من الرُّواة ابنُ نجدة، وبعلم أبي عُبَيْدَة أَبُو الْحسن الْأَثْرَم، وَكَانَ أَبُو مُحَمَّد سَلَمة بن عَاصِم راوِية الْفراء. وانْتهى عِلم الْكُوفِيّين إِلَى أبي يُوسُف يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن السّكيت، مَاتَ سنة ٢٤٤ وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب ولد سنة ٢٠٠ وَمَات سنة ٢٩١ أَخذ الأوّل عَن أبي عَمْرو والفرّاء، وَكَانَ يَحكي عَن الْأَصْمَعِي وَأبي عُبَيْدَة وَأبي زيد من غير سَماع، وَقد أَخذ عَن ابْن الْأَعرَابِي شَيْئا كثيرا، وَالثَّانِي اعتمادُه على ابْن الأعرابيّ فِي اللُّغَة، وعَلى سَلمَة فِي النَّحْو، وَكَانَ يروي عَن ابْن نَجْدة كُتُبَ أبي زيد، وَعَن الأَثرم كُتب أبي عُبَيْدَة، وَعَن أبي نصر كُتب الْأَصْمَعِي، وَعَن عَمْرو بن أبي عمرٍ وكُتب أَبِيه. وَأما أَبُو طالبٍ الْمفضل فَأخذ عَن أَبِيه سَلمَة، وَعَن يَعْقُوب وَعَن ثَعْلَب.

стр. 37

فَهَذَا جُمْهُور مَا مضى عَلَيْهِ أهل الْكُوفَة. النَّوْع الثَّانِي: فِي بَيَان أوّل من صنف فِي اللُّغَة وهُلَّم جرًّا قَالَ السُّيُوطِيّ فِي المزهر أول من صنف فِي جمع اللُّغَة الْخَلِيل بن أَحْمد، ألف كِتَابه الْعين الْمَشْهُور. وَالَّذِي حَقَّقَهُ أَبُو سعيد السيرافي أَنه لم يكمل، وَإِنَّمَا كمله اللَّيْث بن نصر. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تَحْرِير التَّنْبِيه: كتاب الْعين الْمَنْسُوب إِلَى الْخَلِيل إِنَّمَا هُوَ جمع اللَّيْث عَن الْخَلِيل. وَقد ألف أَبُو بكر الزُّبيدي كتابا سَمَّاهُ مُخْتَصر الْعين، استدرك فِيهِ الْغَلَط الْوَاقِع فِي كتاب الْعين، وَهُوَ مُجَلد لطيف، وَأَبُو طَالب الْمفضل بن سَلمَة بن عَاصِم الكوفى من تلامذة ثَعْلَب، ألف كِتَابه الِاسْتِدْرَاك على الْعين، وَهُوَ مُتَقَدم الْوَفَاة على الزبيدِيّ، ثمَّ ألف الإِمَام أَبُو غَالب تَمام بن غَالب الْمَعْرُوف بِابْن التياني كِتَابه الْعَظِيم الَّذِي سَمَّاهُ فتح الْعين، وأتى فِيهِ بِمَا فِي الْعين من صَحِيح اللُّغَة دون الْإِخْلَال بِشَيْء من الشواهد الْمُخْتَلفَة، ثمَّ زَاد فِيهِ زيادات حَسَنَة، وَيُقَال إِن أصح مَا أُلف فِي اللُّغَة على حُرُوف المعجم كتاب البارع لأبي عَليّ الْبَغْدَادِيّ، والموعب لأبي غَالب وَلَكِن لم يعرّج النَّاس على نسخهما، وَلذَا قلَّ وجودُهما، بل مالوا إِلَى الجمهرة الدُّريدية والمحكم وجامع ابْن الْقَزاز والصحاح والمجمل وأفعال ابْن الْقُوطِيَّة وأفعال ابْن طريف. وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد يرفع قدر كتاب الْعين للخليل وَيَرْوِيه وَكَذَا ابْن درسْتوَيْه، وَقد ألف فِي الرَّد على الْمفضل بن سَلمَة فِيمَا نسبه من الْخلَل إِلَيْهِ، ويكاد لَا يُوجد لأبي إِسْحَاق الزّجاج حِكَايَة فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة إِلَّا مِنْهُ. وروى أَبُو عَليّ الغسّاني كتاب الْعين عَن الْحَافِظ أبي عمر بن عبد البرّ، عَن عبد الْوَارِث بن سُفْيَان، عَن القَاضِي مُنْذر بن سعيد.

стр. 38

- قلت؛ وَهُوَ صَاحب النُّسْخَة الْمَشْهُورَة الَّتِي كتبهَا بالقَيْرَوَان وعُورِضت بنسخة شَيْخه بِمَكَّة - عَن أبي الْعَبَّاس أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن ولاّد النَّحْوِيّ. - قلت: وَله كتاب الْمَقْصُود والممدود، جليل الشأّن، بَدَأَ فِيهِ من حرف الْهمزَة - عَن أَبِيه، عَن أبي الْحسن عَليّ بن مهْدي، عَن ابْن معَاذ عبد الْجَبَّار بن يزِيد، عَن اللَّيْث بن المظفر بن نصر بن سيار، عَن الْخَلِيل. ثمَّ قَالَ: وَمن مشاهير كتب اللُّغَة الَّتِي صُنِّفَت على مِنوال كتاب الْعين كتابُ الجمهرة لأبي بكر بن دُرَيْد، قَالَ بَعضهم: أملاها بِفَارِس ثمَّ بِالْبَصْرَةِ وبغداد من حفظه، وَلم يستعن عَلَيْهَا بِالنّظرِ فِي شَيْء من الْكتب إِلَّا فِي الْهمزَة واللفيف، وَلذَلِك تخْتَلف النّسخ وَالنُّسْخَة المعوّل عَلَيْهَا هِيَ الْأَخِيرَة، وَآخر مَا صَحَّ من النّسخ نُسْخَة عبيد الله بن أَحْمد، لِأَنَّهُ كتبهَا من عدَّة نسخ وَقرأَهَا عَلَيْهِ. قَالَ السُّيُوطِيّ: وظفرت بنسخة مِنْهَا بِخَط أبي الْيمن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن قَابُوس الطرابلسي اللّغَوِيّ، وَقد قَرَأَهَا على ابْن خالَويه بروايته لَهَا عَن ابْن دُريد، وَكتب عَلَيْهَا حَوَاشِي من اسْتِدْرَاك ابْن خالويه على مَوَاضِع مِنْهَا، وَنبهَ على بعض أَوْهَام وتصحيفات، وَقَالَ بَعضهم: كَانَ لأبي عليٍّ القالي نسخةٌ من الجمهرة بخطّ مؤلفها، وَكَانَ قد أُعطِي بهَا ثَلَاثمِائَة مِثْقَال، فَأبى فاشتدت الْحَاجة فَبَاعَهَا بِأَرْبَعِينَ مِثْقَالا، وَكتب عَلَيْهَا هَذِه الأبيات: (أَنِسْتُ بهَا عِشْرِينَ عَاما وبِعْتُها ... وقَد طالَ وَجْدِي بَعْدهَا وحَنِيني) (ومَا كَان ظنِّي أَنني سأَبيعُها ... وَلَو خَلَّدتْني فِي السُّجون دُيُوني) (وَلَكِن لعجْز وافتقارٍ وصِبْيةٍ ... صِغارٍ عليْهمْ تَستهِلُّ شُؤُنِي)

стр. 39

(فقُلْتُ وَلم أَمْلِك سَوابِق عَبْرَتِي ... مقَالةَ مَكْوِىِّ الفؤادِ حَزِينِ) (وقَد تُخْرِجُ الحاجَاتُ يَا أُمَّ مالِكٍ ... كَرائم مِنْ رَبٍّ بِهنَّ ضَنِينِ) قَالَ: فأَرسلها الَّذِي اشْتَرَاهَا، وَأرْسل مَعهَا أَرْبَعِينَ دِينَارا أُخرى. قَالَ السُّيُوطِيّ: وجدت هَذِه الْحِكَايَة مَكْتُوبَة بِخَط القَاضِي مجد الدّين الفيروزابادي صَاحب الْقَامُوس على ظهر نُسْخَة من العُباب للصاغاني، ونقلها من خطه تلميذُه أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن الضياء الْحَنَفِيّ، ونقلها من خطّه، ثمَّ قَالَ: وَقد اختصر الجمهرةَ الصاحبُ إِسْمَاعِيل ابْن عبّاد فِي كتاب سَمَّاهُ الْجَوْهَرَة. ثمَّ صنَّف أتباعُ الْخَلِيل وأَتباعُ أَتْبَاعه وهلمّ جرًّا كتبا شتَّى فِي اللُّغَة، مَا بَين مُطوَّل ومختصَر وعامٍّ فِي أَنْوَاع اللُّغَة، وخاصٍّ بِنَوْع مِنْهَا، كالأجناس للأصمعي، والنوادر واللغات للفرَّاء، والأجناس والنوادر واللغات لأبي زيد الْأنْصَارِيّ، والنوادر للكسائي وَأبي عُبَيْدَة، وَالْجِيم والنوادر والغريب لأبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، والغريب المصَنَّف لأبي عُبيد، والنوادر لِابْنِ الْأَعرَابِي، والبارع لأبي طَالب الْمفضل بن سَلمَة، واليواقيت لأبي عُمَرَ الزَّاهِد المطرّز غُلَام ثَعْلَب، والمجرّد لكراع، والمقصد لِابْنِهِ سُوَيد، والتذكرة لأبي عليّ الْفَارِسِي، والتهذيب للأزهري، والمجمل لِابْنِ فَارس، ودِيوان الْأَدَب للفارابي، والمُحيط للصَّاحب بن عباد والجامِع للقزّاز، وَغَيرهَا مِمَّا لَا يُحصى. وَأول مَا الْتزم الصَّحِيح مُقْتَصرا عَلَيْهِ الإِمَام أَبُو نصر إِسْمَاعِيل بن حَماد الجوهريّ، وَلِهَذَا سَمَّى كتابَه بالصحاح وسيأْتي مَا يتَعَلَّق بِهِ وبكتابه عِنْد ذكره. وَقد ألف الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بَرّيٍّ الحواشيَ على الصِّحَاح، وصَل فِيهَا إِلَى أثناءِ حَرف الشين، فأَكملها الشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد البسطي. وَألف الإِمَام رَضِي الدّين الصغاني التكملة على الصِّحَاح، ذكر فِيهَا مَا فَاتَهُ

стр. 40

من اللُّغَة، وَهِي أكبر حجماً مِنْهُ. وَكَانَ فِي عصر صَاحب الصِّحَاح أَبُو الْحسن أَحْمد بن فَارس، فالتزم أَيْضا فِي مجمله الصَّحِيح، قَالَ فِي أوّله: قد ذكرنَا الواضحَ من كَلَام الْعَرَب وَالصَّحِيح مِنْهُ دون الوحشي المستنكر، وَقَالَ فِي آخرِه قد توخيت فِيهِ الِاخْتِصَار وآثرت فِيهِ الإيجاز، واقتصرت على مَا صحَّ عِنْدِي سَمَاعا، وَلَوْلَا تَوخِّي مَا لم أشكك فِيهِ من كَلَام الْعَرَب لوجدت مقَالا. وَأعظم كتاب ألف فِي اللُّغَة بعد عصر الصِّحَاح كتاب الْمُحكم وَالْمُحِيط الْأَعْظَم لأبي الْحسن عَليّ بن سَيّده الأندلسي الضَّرِير، توفّي سنة ٤٥٨. ثمَّ كتاب العُباب للْإِمَام رضيّ الدّين الصَّاغَانِي، وَقد وصل فِيهِ إِلَى (بكم) . قلت: ولسان الْعَرَب للْإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن جلال الدّين مكرّم بن نجيب الدّين أبي الْحسن الْأنْصَارِيّ الخزرجي الإفريقيّ نزيل مصر، ولد فِي الْمحرم سنة ٦٣٠ وَسمع من ابْن المقير وَغَيره، وروى عَنهُ السُّبْكِيّ والذهبي وَتُوفِّي سنة ٧١١ الْتزم فِيهِ جمع الصِّحَاح والتهذيب وَالنِّهَايَة، والمحكم، والجمهرة وأمالي ابْن بري، وَهُوَ ثَلَاثُونَ مجلدًا، وَهُوَ مَادَّة شَرحي هَذَا فِي غَالب الْمَوَاضِع، وَقد اطَّلَعت مِنْهَا على نُسْخَة قديمَة يُقَال إِنَّهَا بِخَط الْمُؤلف وعَلى أوّل الْجُزْء مِنْهَا بِخَط سيّدنا الإِمَام جلال الدّين أبي الْفضل السُّيُوطِيّ، نفعنا الله بِهِ، ذكر مولده ووفاته. ثمَّ كتاب الْقَامُوس للْإِمَام مجد الدّين مُحَمَّد بن يَعْقُوب الفيروزابادي، شيخ شُيُوخنَا، وَلم يصل واحدٌ من هَذِه الثَّلَاثَة فِي كَثْرَة التداول إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ صَاحب الصِّحَاح، وَلَا نقصت رُتبة الصِّحَاح وَلَا شهرته بِوُجُود هَذِه، وَذَلِكَ لالتزامه مَا صحَّ، فَهُوَ فِي كتب اللُّغَة نَظِير صَحِيح البُخَارِيّ فِي

стр. 41

الحَدِيث، وَلَيْسَ الْمدَار فِي الِاعْتِمَاد على كَثْرَة الْجمع، بل على شَرْط الصِّحَّة. قلت: وَقَوله وَلم يصل وَاحِد من الثَّلَاثَة ... الخ، أَي هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَمَانه، فَأَما الْآن فَإِن الْقَامُوس بلغ فِي الاشتهار مبلغ اشتهار الشَّمْس فِي رَابِعَة النَّهَار، وَقصر عَلَيْهِ اعْتِمَاد المدرسين، وناط بِهِ قُصْوَى رَغبةِ المحدّثين، وَكَثُرت نسخه حَتَّى إِنِّي حِين أعدت دَرْسه فِي زَبيد حرسها الله تَعَالَى على سيّدنا الإِمَام الْفَقِيه اللّغَوِيّ رَضِي الدّين عبد الْخَالِق بن أبي بكر الزبيدِيّ الْحَنَفِيّ متع الله بحياته، وَحَضَرت الْعلمَاء والطلبة، فَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُم بِيَدِهِ نُسْخَة. ثمَّ قَالَ: وَمَعَ كَثْرَة مَا فِي الْقَامُوس من الْجمع للنوادر والشوارد، فقد فَاتَهُ أَشْيَاء ظَفرت بهَا فِي أثْنَاء مطالعتي لكتب اللُّغَة حَتَّى هَمَمْت أَن أجمعها فِي جُزْء مُذيّلاً عَلَيْهِ. قلت: وَقد يُسِّر هَذَا الْمَقْصد للْفَقِير، فَجمعت مَا ظفِرت من الزَّوَائِد عَلَيْهِ فِي مُسْوَدَّة لَطِيفَة، سهل الله عليّ إِتْمَامهَا وَمَا ذَلِك على الله بعزيز. (الْمَقْصد التَّاسِع فِي تَرْجَمَة الْمُؤلف) هُوَ الإِمَام الشهير أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن عمر بن أبي بكر بن مَحْمُود ابْن إِدْرِيس بن فضل الله بن الشَّيْخ أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن يُوسُف قَاضِي الْقُضَاة مجد الدّين الصِّدّيقي الفيروزابادي الشِّيرَازِيّ اللّغَوِيّ، قَالَ الْحَافِظ ابنُ حجر: وَكَانَ يرفع نسبه إِلَى أبي بكر الصدّيق ﵁، وَلم يكن مدفوعاً فِيمَا قَالَه. ولد بكَارِزِين سنة ٧٢٩ ونشأَ بهَا، وَحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع، وَكَانَ سريع الحِفظ بِحَيْثُ إِنَّه يَقُول: لَا أَنَام حَتَّى أحفظ مِائَتي سطر، وانتقل إِلَى شيراز وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَأخذ عَن وَالِده، وَعَن القوام عبد الله بن مَحْمُود وَغَيرهمَا من عُلَمَاء شيراز، وانتقل إِلَى الْعرَاق،

стр. 42

فَدخل وَاسِط وبغداد، وَأخذ عَن قاضيها ومدرس النظامية بهَا الشّرف عبد الله ابْن بكتاش، وجال فِي الْبِلَاد الشرقية والشاميّة، وَدخل بِلَاد الرّوم والهند، وَدخل مصر وَأخذ عَن علمائها، وَلَقي الجمَّاءَ الغَفير من أَعْيَان الْفُضَلَاء، وَأخذ عَنْهُم شَيْئا كثيرا بيّنه فِي فهرسته، وبرع فِي الْفُنُون العلمية وَلَا سِيمَا اللُّغَة، فقد برَّز فِيهَا وفَاق الأقران، وَجمع النَّظَائِر، واطلع على النَّوَادِر، وجوّد الخَط، وَتوسع فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير، وخدمه السُّلْطَان أَبُو يزِيد بن السُّلْطَان مُرَاد العثماني، وَقَرَأَ عَلَيْهِ، وأكسبه مَالا عريضاً، وجاهاً عَظِيما، ثمَّ دخل زَبيد فِي رَمَضَان سنة ٧٩٦ فَتَلقاهُ الْملك الْأَشْرَف إِسْمَاعِيل، وَبَالغ فِي إكرامه، وَصرف لَهُ ألف دِينَار، وَأمر صَاحب عدن أَن يجهزه بِأَلف دِينَار أُخرى، وَتَوَلَّى قضاءَ الْيمن كلّه، وَقَرَأَ عَلَيْهِ السُّلْطَان فَمن دونه، واستمرّ بزبيد عشْرين سنة، وَقدم مكّة مرَارًا، وجاوَرَ بهَا، وَأقَام بِالْمَدِينَةِ المنورة، وبالطائف وَعمل بهَا مآثر حَسَنَة، وَمَا دخل بَلْدَة إِلَّا أكْرمه أَهلهَا ومتولّيها وَبَالغ فِي تَعْظِيمه، مثل شاه مَنْصُور بن شاه شُجَاع فِي تبريز، والأشرف صَاحب مصر، وَأبي يزِيد صَاحب الرّوم، وَابْن إِدْرِيس فِي بَغْدَاد، وتيمورلنك وَغَيرهم، وَقد كَانَ تيمور مَعَ عُتوّهِ يُبَالغ فِي تَعْظِيمه، وَأَعْطَاهُ عِنْد اجتماعه بِهِ مائَة ألف دِرْهَم، هَكَذَا نَقله شَيخنَا، وَالَّذِي رَأَيْته فِي مُعْجم الشَّيْخ ابْن حجر الْمَكِّيّ أَنه أعطَاهُ خَمْسَة آلَاف دينارٍ، ورام مَرّةً التَّوَجُّه إِلَى مَكَّة من الْيمن، فَكتب إِلَى السُّلْطَان يستأْذنه ويُرغّبه فِي الْإِذْن لَهُ بِكتاب من فصولِه - وكانَ مِنْ عادَة الخُلفاء سلفا وخلفاً أَنهم كَانُوا يُبْرِدُون البريدَ بقصْدِ تبليغِ سلامهم إِلَى حَضْرَة سيّد الْمُرْسلين -: فاجعَلْني - جَعلني الله فدَاك - ذَلِك الْبَرِيد، فَإِنِّي لَا أَشتهي شَيْئا سواهُ وَلَا أُريد. فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان. إِن هَذَا شيءٌ لَا ينْطق بِهِ لساني، وَلَا يجْرِي بِهِ قلبِي، فبالله عَلَيْك إِلَّا مَا وَهَبْتَ لنا هَذَا العُمر، واللهِ يَا مجدَ الدّين يَمِينا بارّة، إِنِّي أَرى فِراقَ الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا

стр. 43

وَلَا فراقَك أَنْت الْيمن وَأَهله. وَكَانَ السُّلْطَان الْأَشْرَف قد تزوّج ابْنَته، وَكَانَت رائعة فِي الْجمال، فنال بذلك مِنْهُ زِيَادَة البِرّ والرِّفعة، بِحَيْثُ إِنَّه صنف لَهُ كتابا وأهداه لَهُ على طِبَاق، فملأها لَهُ دَرَاهِم. كَانَ وَاسع الرِّواية، سمع من مُحَمَّد ابْن يُوسُف الزرندي الْمدنِي صَحِيح البُخَارِيّ، وَمن ابْن الخبّاز، وَابْن الْقيم، وَابْن الْحَمَوِيّ، وَأحمد بن عبد الرَّحْمَن المرداوي، وَأحمد بن مظفّر النابلسي، والتقي السُّبْكِيّ، وَولده التَّاج، وَيحيى ابْن عَليّ الحدّاد وَغَيرهم بِدِمَشْق، وَفِي الْقُدس من العلائي، والبياني، وَابْن القلانسي، وغضنفر، وَابْن نباتة، والفارقي، والعزّ بن جمَاعَة، وَبكر بن خَلِيل الْمَالِكِي، والصفي الحراوي، وَابْن جهبل، وَغَيرهم، وَله التصانيف الْكَثِيرَة النافعة الفائقة، مِنْهَا هَذَا الْكتاب الْمُسَمّى بالقاموس الْمُحِيط، وبصائر ذَوي التَّمْيِيز فِي لطائف كتاب الله الْعَزِيز، فِي مجلدين، وتنوير المقياس فِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس فِي أَربع مجلدات، وتيسير فائحة الإهاب فِي تَفْسِير فَاتِحَة الْكتاب، فِي مُجَلد كَبِير، والدر النظيم المرشد إِلَى مَقَاصِد الْقُرْآن الْعَظِيم، وَحَاصِل كورة الْخَلَاص فِي فَضَائِل سُورَة الْإِخْلَاص، وَشرح قُطْبَة الخشاف فِي شرح خطْبَة الكَشّاف، وشوارق الْأَسْرَار العليّة فِي شرح مَشَارِق الْأَنْوَار النَّبَوِيَّة، فِي أَربع مجلدات، ومنح الْبَارِي لسيل الفيح الْجَارِي فِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ، كمل مِنْهُ رُبع الْعِبَادَات فِي عشْرين مجلَّدًا، والإسعاد بالإصعاد إِلَى دَرَجَة الِاجْتِهَاد، فِي ثَلَاث مجلدات، وعدّة الْحُكَّام فِي شرح عُمْدَة الْأَحْكَام، فِي مجلدين، وافتضاض السهاد فِي افتراض الْجِهَاد، فِي مجلّدة، والنفحة العنبريّة فِي مولد خير البريّة، والصّلات والبُشَر فِي الصَّلاة على خير الْبشر، والوصْل والمُنَى فِي فضل مِنى، والمغانم المطابة فِي معالم طابة، وتهييج الغرام إِلَى الْبَلَد الْحَرَام، وروضة النَّاظر فِي دَرَجَة الشَّيْخ عبد الْقَادِر، والمِرقاة الوفيّة فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة، والمرقاة الأرفعية فِي طَبَقَات

стр. 44

الشَّافِعِيَّة، وَالْبُلغَة فِي تراجم أَئِمَّة النَّحْو واللغة، ونزهة الأذهان فِي تَارِيخ أَصْبَهَان، وَتَعْيِين الغرفات للمُعين على عَرفات، ومنية الْمَسْئُول فِي دعوات الرَّسُول، ومقصود ذَوي الْأَلْبَاب فِي علم الْإِعْرَاب، والمتفق وضعا الْمُخْتَلف صنعا، والدر الغالي فِي الْأَحَادِيث العوالي، والتجاريح فِي فَوَائِد مُتَعَلقَة بِأَحَادِيث المصابيح، وتحبير الموشّين فِيمَا يُقَال بِالسِّين والشين، تتبع فِيهِ أَوْهَام الْمجمع فِي نَحْو ألف مَوضِع، وَالرَّوْض المسلوف فِيمَا لَهُ اسمان إِلَى الأُلوف، وتحفة القماعيل فِيمَن تسمى من الْمَلَائِكَة إِسْمَاعِيل، والجليس الأنيس فِي أَسمَاء الخندريس، وأنواء الْغَيْث فِي أَسمَاء اللَّيْث، وترقيق الأسل فِي تصفيق الْعَسَل، وَزَاد الْمعَاد فِي وزن بَانَتْ سعاد، وَشَرحه فِي مجلدين، والتحف والظرائف فِي النكت الشرائف، وأحاسن اللطائف فِي محَاسِن الطَّائِف، وَالْفضل الوفي فِي الْعدْل الأشرفي، وَإِشَارَة الْحجُون إِلَى زِيَارَة الْحجُون، عمله فِي لَيْلَة وَاحِدَة على مَا قيل، وَفِي الدرة من الخرَزة فِي فضل السَّلامَة على الخبزه، وهما قَرْيَتَانِ بِالطَّائِف، وتسهيل طَرِيق الْوُصُول إِلَى الْأَحَادِيث الزَّائِدَة على جَامع الأُصول، فِي أَربع مجلدات، صنفه للناصر ولد الْأَشْرَف، وَأَسْمَاء الْعَادة فِي أَسمَاء الغادَه، واللامع الْمعلم العُجاب الْجَامِع بَين الْمُحكم والعباب، كمل مِنْهُ خمس مجلدات، وسِفر السَّعَادَة، وَغير ذَلِك من مُطَوَّل ومختصر. وَتُوفِّي ﵀ ممتعاً بحواسِّه قَاضِيا بزبيد، وَقد ناهز التسعين، فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء المُوفية عشْرين من شوّال سنة سبع أَو سِتّ عشرَة وَثَمَانمِائَة. وَفِي ذيل ابْن فَهد: وَله بضعٌ وَثَمَانُونَ سنة، وَدفن بتربة القطب الشَّيْخ إِسْمَاعِيل الجبرتي، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الرؤساء الَّذين انْفَرد كل وَاحِد مِنْهُم بفن فاق فِيهِ الأقران، على رَأس الْقرن الثَّامِن، مِنْهُم السراج البُلْقِينِيّ فِي فقه الشَّافِعِي،

стр. 45

وَابْن عرفه فِي فقه مَالك، وَالْمجد اللّغَوِيّ فِي أسرار اللُّغَة ونوادرها، وَالَّذِي فِي مُعْجم ابْن حجر الْمَكِّيّ بعد البُلْقِينِيّ الزين العِراقي فِي الحَدِيث، وَابْن الملقّن فِي كَثْرَة التصانيف، والفَناري فِي الِاطِّلَاع على الْعُلُوم، تَرْجمهُ الْحَافِظ ابْن حجر فِي أنباء الْغمر، واقتفى أَثَره تِلْمِيذه الْحَافِظ السخاوي فِي الضَّوْء اللامع، والسيوطي فِي البغية، وَابْن قَاضِي شُهْبَة فِي الطَّبَقَات، والصفدي فِي تَارِيخه، والمقري فِي أزهار الرياض. وَمن مفاخره مَا قَالَه السّيوطي فِي البُغية أَنه سُئل بالروم عَن قَول سَيّدنا عليٍّ كرم الله وَجهه لكَاتبه " أَلْصِقْ رَوَانِفَكَ بِالجَبُوب، وخُذْ المِزْبَر بِشَنَاتِرِك واجعَل حُندورَتَيْك إِلَى قَيْهَلي حَتَّى لَا أَنغِي نَغْيَةً إِلَّا وَقد وَعَيْتَها فِي حَماطة جُلْجلانِك " مَا مَعناه فَقَالَ: " أَلزِق عِضْرِطَكَ بالصَّلَّة، وَخذ المسطر بأَباخسك، وَاجعَل جحمتَيك إِلَى أُثعباني، حَتَّى لَا أَنبِس نَبَسَة إِلَّا وعَيْتها فِي لمظَة رِبَاطِك " فعَجب الْحَاضِرُونَ من سرعَة الْجَواب، وَمِنْهَا فِي أزهار الرياض فِي أَخْبَار القَاضِي عِيَاض للمقري، وَنَقله عَنهُ شيخ مَشَايِخنَا سَيِّدي أَحْمد زَرُّوق بن مُحَمَّد بن قَاسم الْبونِي التَّمِيمِي فِي كراسة إجَازَة لَهُ مَا نَصه: وَمن أغرب مَا منح الله بِهِ الْمجد صَاحب الْقَامُوس أَنه قَرَأَ بِدِمَشْق بَين بَاب النَّصْر والفرج تجاه نَعْل النَّبِي ، على نَاصِر الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن جهبل صَحِيح مُسلم فِي ثَلَاثَة أَيَّام، وَصرح بذلك فِي ثَلَاثَة أَبْيَات فَقَالَ: (قَرَأْتُ بِحَمْد اللهِ جَامِعَ مُسْلِمٍ ... بِجَوْفِ دِمَشْقِ الشَّامِ جَوْفاً لإسْلامِ) (عَلَى نَاصِرِ الدِّينِ الإِمَام ابنِ جَهْبَلٍ ... بِحَضْرَة حُفّاظ مَشاهِيرَ أَعْلَامِ) (وتَمَّ بِتَوْفِيق الْإِلَه وفَضْله ... قِرَاءَةَ ضَبْطٍ فِي ثَلاثَة أَيَّامِ) قلت: وَفِي ذيل ابْن فَهد على ذيل الشريف أبي المحاسن فِي بَيَان طَبَقَات

стр. 46

الحفّاظ مَا نَصه: وَقَرَأَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْعِرَاقِيّ صحيحَ مُسلم على مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الخَبَّاز بِدِمَشْق فِي سِتَّة مجَالِس مُتَوَالِيَة، قَرَأَ فِي آخر مجْلِس مِنْهَا أَكثر من ثلث الْكتاب، وَذَلِكَ بِحُضُور الْحَافِظ زين الدّين ابْن رَجَب وَهُوَ يُعَارض بنسخته، وقرأْت فِي تَارِيخ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الْحِيرِي النَّيْسَابُورِي الضَّرِير مَا نَصه: وَقد سمع عَلَيْهِ الْخَطِيب البغداديّ بِمَكَّة صَحِيح البُخَارِيّ سَمَاعه من الْكشميهني فِي ثَلَاثَة مجَالِس، قَالَ: وَهَذَا شَيْء لَا أعلم أحدا فِي زَمَاننَا يستطيعه، انْتهى. (الْمَقْصد الْعَاشِر فِي أسانيدنا الْمُتَّصِلَة إِلَى الْمُؤلف) حَدثنَا شَيخنَا الإِمَام الْفَقِيه اللّغَوِيّ رضيّ الدّين عبد الْخَالِق بن أبي بكر الزين ابْن النمري المزجاجي الزَّبِيدي الْحَنَفِيّ، وَذَلِكَ بِمَدِينَة زَبيد حرسها الله تَعَالَى بِحُضُور جَمْعٍ من الْعلمَاء، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قدر الثُّلُث، وسماعي لَهُ فِيمَا قُرِئ عَلَيْهِ فِي بعضٍ مِنْهُ قَالَ: أَذن لنا شيخُنا الْفَقِيه عبد الفتاح بن إِسْمَاعِيل بن عبد الفتاح الخاصّ السِّراج الْحَنَفِيّ، الزَّبيدي، والعلامة عَلَاء الدّين بن مُحَمَّد بَاقِي المزجاجي الْحَنَفِيّ الْأَشْعَرِيّ الزبيدِيّ قَالَا: أخبرنَا الإِمَام أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن عبد الفتاح الْخَاص، وَهُوَ وَالِد الأول قِرَاءَة من الثَّانِي عَلَيْهِ فِي الْبَعْض، وإجازة مِنْهُ فِي سائره، وإجازة للأوّل ومناولة للْكُلّ عَن وَالِده فَخر الدّين عبد الفتاح ابْن الصدّيق بن مُحَمَّد الْخَاص، وَعَمه العلاّمة عبد الرَّحِيم بن الصّديق قَالَا: أخبرنَا عمنَا الْعَلامَة إِمَام المدرسين شرف الدّين أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْخَاص، وصِنْوُنا العلاّمة وجيه الدّين أَبُو بكر، وَشَيخ الْإِسْلَام جمال الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد، ابْنا الصّديق ابْن مُحَمَّد الْخَاص قَالُوا: أخبرنَا خَاتِمَة الْمُحدثين واللغويين رَضِي الدّين أَبُو مُحَمَّد الصّديق، والعلامة شُجَاع الدّين أَبُو حَفْص عمر، والعلامة نور الدّين أَبُو عمر، وَعُثْمَان أَبنَاء مُحَمَّد بن الصدّيق الْخَاص السراج قَالُوا: أخبرنَا والدنا الْحَافِظ المعمَّر شيخ الْإِسْلَام

стр. 47

خَاتِمَة الْمُحَقِّقين جمال الدّين مُحَمَّد بن الصدّيق بن إِبْرَاهِيم الْخَاص السراج الْحَنَفِيّ الزبيدِيّ قَالَ: أخبرنَا الْعَلامَة شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم بن عبد الْعَلِيم ابْن إقبال القَرْيتي الْحَنَفِيّ الزبيدِيّ، عَن الإِمَام الْمُحدث الْأَصِيل زين الدّين أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد اللَّطِيف الشرجي الْحَنَفِيّ الزبيدِيّ قَالَ: قرأْته على الْمُؤلف. وَهَذَا السَّنَد كَمَا ترى مُسلسل بالحنفية وبالزَّبيدِيين، وَأَجَازَ شيخَنا المذكورَ فِيهِ أَيْضا شيخُ الْجَمَاعَة الشريف عماد الدّين يحيى بن عمر ابْن عبد الْقَادِر الحُسيني الْحرار الزبيدِيّ، أَخبرنا الْمُحدث اللّغَوِيّ الْفَقِيه حسن ابْن عَليّ بن يحيى الْحَنَفِيّ الْمَكِّيّ، أخبرنَا عبد الرَّحِيم بن الصدّيق الْخَاص عَالِيا. ح وأجازني بِهِ أَيْضا شَيْخي الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد، ابْن الشَّيْخ عَلَاء الدّين بن عبد الْبَاقِي المزجاجي، عَن وَالِده، عَن أَخِيه عفيف الدّين عبد الله، عَن الْعَلامَة عبد الْهَادِي بن عبد الْجَبَّار بن مُوسَى بن جُنَيْد الْقرشِي، عَن الْعَلامَة برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن جعمان، عَن الشريف الطَّاهِر ابْن حُسَيْن الأهدل، قَالَ: أخبرنَا شَيخنَا الْحجَّة وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن ابْن عَليّ بن الديبع الشَّيْبَانِيّ الزبيدِيّ. ح وَأخْبرنَا شَيخنَا الْمُحدث الأُصولي اللّغَوِيّ نادرة الْعَصْر أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن مُوسَى الشرفي الفاسي نزيل طَيْبَة طَابَ ثراه فِيمَا قُرِئ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِع مِنْهُ وَأَنا أسمع ومناولة للْكُلّ سنة ١١٦٤ قَالَ: قرأته قراءةَ بحثٍ وإتقان على شَيخنَا الإِمَام الْكَبِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَنَاوِيّ، والعلامة أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الشاذلي، وَسمعت كثيرا من مباحثه وموادّه على شَيخنَا الْبركَة نحوِيِّ العصرِ ولُغوِيِّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الوجاري الأندلسي، الثَّلَاثَة عَن الشَّيْخ الْمسند أبي عبد الله مُحَمَّد الصَّغِير، ابْن الشَّيْخ الْحَافِظ أبي زيد عبد الرَّحْمَن، ابْن الإِمَام سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي، عَن الإِمَام مُحَمَّد بن أَحْمد الفاسي،

стр. 48

عَن الإِمَام النظار أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الغرناطي الْقَيْسِي الشهير بالقصّار، عَن الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد اليسيتني، عَن عَلامَة الْمغرب أبي عبد الله مُحَمَّد بن غَازِي المِكناسي والعلامة أبي عبد الله مُحَمَّد الْحطاب، هما وابنُ الرّبيع عَن الْحَافِظ أبي الْخَيْر شمس الدّين مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن السخاوي. ح وَزَاد حسن بن عَليّ الْمَكِّيّ عَن الْمُحدث المعمَّر أبي الْوَفَاء مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن الْعجل بن العجيل الشَّافِعِي الصُّوفِي اليمني، عَن إِمَام الْمقَام يحيى بن مكرم ابْن محب الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الطَّبَرِيّ الْحُسَيْنِي، عَن الإِمَام الْحَافِظ جلال الدّين أبي الْفضل عبد الرَّحْمَن بن أبي المناقب أبي بكر السُّيُوطِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي بِهِ التقي مُحَمَّد بن فَهد، وَأَخُوهُ ولي الدّين أَبُو الْفَتْح عَطِيَّة، وولداه فَخر الدّين أَبُو بكر، والحافظ نجم الدّين عمر، والشرف إِسْمَاعِيل بن أبي بكر الزَّبيدي، وَالْفَخْر أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم المرشدي، وَأمين الدّين سَالم بن الضياء مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سَالم الْقرشِي الْمَكِّيّ، وَعلم الدّين شَاكر ابْن عبد الْغَنِيّ بن الجيعان، والمحب مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الألواحي، وَرَضي الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن ظهيرة الْمَكِّيّ، وَأَخُوهُ وليّ الدّين ومسند الدُّنْيَا على الْإِطْلَاق مُحَمَّد ابْن مقبل الْحلَبِي، كلهم مَا بَين سَماع وإجازة ومناولة عَن الْمُؤلف. ح وَأخذ ابْن غَازِي أَيْضا عَن شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ هُوَ والسخاوي وَابْن فَهد، عَن الإِمَام الرحلة الْحَافِظ شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن حجر الْعَسْقَلَانِي قَالَ: اجْتمعت بِهِ أَي بالمجد اللّغَوِيّ فِي زبيد، وَفِي وَادي الْحصيب، وناولني جُلَّ الْقَامُوس وأَذِن لي وقرأْت عَلَيْهِ من حَدِيثه، وَكتب لي تقريظاً على بعض تخاريجي، وأنشدني لنَفسِهِ فِي سنة ثَمَانمِائَة بزبيد، وكتبهما عَنهُ الصّلاح الصَّفَدِي فِي سنة ٥٧ بِدِمَشْق: (أَحِبَّتَنَا الأماجِدَ إنْ رحلْتُمْ ... ولَمْ تَرْعوْا لَنَا عهْداً وإلاّ)

стр. 49

(نُودِّعُكُمْ ونُودِعُكُمْ قُلُوباً ... لَعلَّ الله يجْمعُنَا وإلَاّ) وَزَاد السخاوي والتقى بن فَهد عَن الْحَافِظ جمال الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن أبي بكر بن مُحَمَّد بن صَالح الْهَمدَانِي التفري الْجبلي، عُرِف بِابْن الخيّاط، عَن الْمُؤلف، وسماعه عَنهُ صَحِيح، رأَيته فِي الذَّيل على طَبقات الحفّاظ. وَهُنَاكَ أَسَانِيد أُخر غير هَذِه عالية ونازلة، أَعرضنا عَنْهَا خوف الإطالة، وَفِي هَذَا الْقدر الْكِفَايَة، وَقد طَال الْبَحْث، وَوَجَب أَن نكفّ العِنان، ونُوجِّه الوِجْهَة إِلَى مَا هُوَ الأهمّ من افتنان مَا حواه الْكتاب من الأَفنان، وَقد ابْتَدَأَ المُصَنّف كَغَيْرِهِ بقوله: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) اقْتِدَاء بِالْكتاب الْعَزِيز، وَعَملا بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور على الْأَلْسِنَة " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أَبتَرُ، أَو أقطعُ أَو أجذَمُ "، على الرِّوَايَات والمباحث المتعلِّقة بهَا، أَوردناها فِي رِسَالَة مَخْصُوصَة بتحقيق فرائدها، لَيْسَ هَذَا مَحل ذكرهَا (الْحَمد لله) ثنّى بِهِ اقتفاءً للأَثريْن، وإعمالاً للحديثين، وجمعاً بَين الرِّوايتين، وإيراد المباحث الْمُتَعَلّقَة بِهَذِهِ الْجُمْلَة يخرجنا عَن الْمَقْصُود، فليُنظر فِي الْكتب المطَوّلات (مُنْطِق البُلغاءِ) نَطَق نُطْقاً تكلَّم، وأَنطقه غَيرُه: جعله ناطقاً، والبلغاءُ جمع بليغ، وَهُوَ الفصيحُ الَّذِي يَبلُغ بعبارته إِلَى كُنْه ضَمِيره، وَالْمعْنَى: أَي جاعِل البلغاءِ نَاطِقينَ أَي مُتكلِّمين (باللُّغَى) جمع لُغةٍ كَبُرَةٍ وبُرًى، أَي بالأصوات والحروف الدالَّة على الْمعَانِي، مأْخوذٌ من لَغَوْتُ أَي تكلّمت، ودائرةُ الأَخذ أَوسعُ من دَائِرَة الِاشْتِقَاق، كَذَا حَقَّقَهُ النَّاصِر اللَّقانيُّ، وَأَصلهَا لُغْوَة أَو لُغْيَة، بِنَاء على أَن ماضيه لَغَى، إِمَّا أَن تكون ياؤه أصليّةً أَو منقلبةً عَن وَاو، كرضِى استُثقلت الحركةُ على الواوِ أَو الْيَاء، فنُقِلت للساكن قبلَها، فَبَقيت الْوَاو أَو الْيَاء سَاكِنة، فحذفت وعُوِّضَ عَنْهَا هاءُ التأْنيث، وَقد يُذكَر الأصلُ مَقْرُونا بهَا، أَو نِيَّة العِوَضيَّة تكون بعد الحذْفِ، ووزنها بعد الإعلال فُعةٌ، بِحَذْف اللَّام، وقولُنا كبُرَةٍ وبُرًى هُوَ

стр. 50

لفظ الجوهرِي، ومرادُه الْمُمَاثلَة فِي الْوَزْن لَا الأَصْل، لقَوْله فِي فصل الباءِ نقلا عَن أبي عليٍّ: إِن أصل بُرة بَرْوَةٍ بالفَتحِ، قَالَ: لِأَنَّهَا جُمعت على بُرًى مثل قَرْية وقُرًى، وَضبط فِي بعض النّسخ بِفَتْح اللَّام، وَهُوَ غلطٌ، لفساد الْمَعْنى، لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ من لَغِى يَلْغَى لَغًا إذَا هَذَى، وَقِيَاس بَاب عَلِم إِذا كَانَ لَازِما أَن يجِئ على فَعَلٍ، كفِرح فَرحا، قَالَ شَيخنَا، وَفِي الفقرتينِ شِبْهُ الجِناس المحرَّف، وعَلى النُّسْخَة الثَّانِيَة المُلحق، ويأْتي جمعُ لُغةٍ على لُغاتٍ فَيجب كسرُ التاءِ فِي حَالَة النَّصْب، وَحكى الكسائيُّ، سمعتُ لُغاتَهم، بِالْفَتْح، تَشْبِيها لَهَا بِالتَّاءِ الَّتِي يُوقف عَلَيْهَا (فِي الْبَوَادِي) أَي حالةَ كونِهم فِيهَا، وسوَّغ مجيءَ الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ كونُ الْمُضَاف عَاملا فِيهِ، وَهِي جمع بادِيةٍ سَمَاعا وَقِيَاسًا، واشتقاقها من البُدُوِّ، وَهُوَ الظُّهُور والبُرُوز، وَإِنَّمَا قُيِّد بذلك لِأَن الْمُعْتَبر فِي اللغاتِ مَا كَانَ مأْخوذًا عَن هَؤُلَاءِ الأعرابِ القاطنين بالبادِية، للحِكمة الَّتِي أَوْدَعها اللهُ سُبْحَانَهُ فِي لِسانهم، مَعَ مَظِنَّةِ البُعْدِ عَن أسرارها ولَطائِفِها وبدائِعها (ومُودِعِ) ، مِن أَوْدَعه الشَّيْء إِذا جعله عِنْده ودِيعةً يَحفَظُه لَهُ (اللسانِ) أَي لسانِ البلغاءِ (أَلْسَنَ) أفعلَ من لَسِنَ كفرِح لَسَنًا فَهُوَ لَسِنٌ ككتِف، وأَلْسن كأَحْمَر، فَهُوَ صِفة أَي أفْصح (اللُّسُن) بِضَمَّتَيْنِ جمع لِسان بِمَعْنى اللغةِ (الهَوادى) جمع هادية وهادِ، وَهُوَ المُتقدِّم من كلِّ شيءٍ وَمِنْه يُقَال لِلعُنق: الْهَادِي، وَالْمعْنَى مُودِع لِسانِ البلغاءِ أفصحَ اللُّغاتِ المُتقدِّمة فِي أَمرِ الفصاحةِ أَي الفائِقة فِيهِ، فَإِن الشَّيْء إِذا فاق فِي أَمرٍ وَبلغ النهايةَ فِيهِ يُقَال: إِنَّه تقدّم فِيهِ، وَفِي البُلغاء واللَغى وَاللِّسَان وَمَا بعده من الجناس مَا لَا يَخفَى (ومُخَصِّص) ، أَي مُؤْثِر ومُفْضّل (عُروقِ) جمع عِرْق من كُلِّ شَيْء أَصلُه (القَيْصُوم) نَبْتٌ طيِّبُ الريحِ خاصٌّ بِبِلَاد الْعَرَب (و) مُخصّص (غَضَا) مقصورٌ، وَهُوَ شجرٌ عربِيٌّ مَشْهُور (القَصِيم) جمع قَصيمةٍ، رملةٌ تُنْبِت الغَضا، وَفِي بعض النّسخ بالضاد

стр. 51

المعجة، وَهُوَ تَصْحِيف (بِمَا) أَي بالسِّرّ والتخصيصِ الَّذِي (لم ينَلْه) أَي لم يُعْطَه، من النَّوال، أَو لم يُصِبْه بِسرٍّ وخُصوص وَلم يظفرْ بِهِ (العبهَرُ) نبتٌ طيِّبٌ مشهورٌ (والجادِي) بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة، كَذَا فِي النُّسْخَة الرَّسولية والملكية، وحُكِي إعجام الدالِ لُغَة، وَالْيَاء مشدَّدة خُفِّفت لمراعاة القوافي، وَهِي نِسْبة إِلَى الجادِيَةِ قَرْبة بالبلقاء، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الأساس: سَمِعت من يَقُول: أَرْض البلقاءِ أَرْضُ الزعفرانِ، وأَقرَّه المناوِيُّ، وَالْمعْنَى أَن الله تَعَالَى خصَّص النباتات البدويّة كالغَضا والقَيْصوم والشّيح، مَعَ كوْنِها مُبتذَلةً، بأسرارٍ ودقائقَ لم تُوجَد فِي النباتَاتِ الحَضَريَّة المُعَظَّمة المُعدّة للشَّمِّ والنَظَرِ كَالنّرجِس والياسمين والزعفران، وَفِي ضمن هَذَا الْكَلَام تخصيصُ العربِ بالفصاحة والبلاغة، وَاقْتضى أَن فِي عُروق رعْيِ أرضِهم وخِصْب زمانهم من النَّفْع والخاصّيّة مَا لم يَكن فِي فاخِرِ مَشموماتِ غَيرهم، وَهُوَ ظَاهر، وَفِي نُسْخَة مِيرزا عَليّ الشِّيرَازِيّ: الخادِي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَهُوَ غلَطٌ، وَفَسرهُ قَاضِي الْأَقْضِيَة بكَجرات، بالمُسترْخِي، فأَخطأ فِي تَفْسِيره، وَإِنَّمَا هُوَ الخاذي، بمعجمتين، وَلَا يُناسب هُنَا، لمُخَالفَته سائِر الفِقَر وَكَذَا تَفْسِيره العبْهر بالممتلِئ الْجِسْم الناعم، لبُعْده عَن مغزى المُراد. وَبَين القَيْصومِ والقصِيمِ جِناسُ الاشتقاقِ ومُراعاة النّظير بَين كلٍّ من النَّباتين (ومُفيضِ) من أَفاضَ الماءَ فَفَاضَ، وأفاض أَيْضا إِذا جرى وكثُر حَتَّى مَلأ جوانبَ مَجراه (الأيادي) جمع أَيْدٍ جمْع يَدٍ فَهُوَ جَمْعُ الجمعِ، واليَد أَصلٌ فِي الجارِحة، وَتطلق بِمَعْنى القُوّة، لِأَنَّهَا بهَا، وَبِمَعْنى النِّعْمَة لِأَنَّهَا تُنَاوِلُها، والمُراد هُنَا النِّعم والآلاء (بالرَّوائِح) جمع رَائحةٍ، وَهِي المَطرة الَّتِي تكون عَشِيَّةً (والغوادي) جمع غادِيَة، وَهِي المَطرة الَّتِي تكون غدْوةً، وَالْبَاء إمَّا سَببيَّة أَو ظرفيَّة، وَالْمرَاد بالروائح والغوادِي إِمَّا الأمطارُ، أَي مُفيض النِّعَم بِسَبَبِهَا لمن يَطلبها، أَو مُفيضها فِيهَا، لِأَن الأمطار ظروفٌ للنِّعم، أَو أَن المُرَاد بهما عُمُومُ الْأَوْقَات، فالباء إِذا ظرفيّة،

стр. 52

وَإِنَّمَا خُصَّت تِلْكَ الأوقاتُ جَرْياً على الْغَالِب (للمُجتدِي) أَي طالبِ الجَدْوَى أَي السَّائِل، والجَدْوَى والجَدَا العَطِيّة (والجَادِي) المُعطِي، ويأْتي بِمَعْنى السَّائِل أَيْضا، فَهُوَ من الأَضداد، قَالَ شَيخنَا: وَلم يذكُره الْمُؤلف، وَقد ذكره الإِمَام أَبُو عَلِيٍّ القالي فِي كتاب الْمَقْصُور والممدود، وَبَين الجادى والجادى الجِناسُ التامُّ، وَبَينه وَبَين المُجتدى جناسُ الِاشْتِقَاق، وَفِي بعض النّسخ المُحتدِي، بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ غلط (وناقِعِ) أَي مُرْوِي ومُزِيلِ (غُلَّةِ) بالضمِّ العطَشُ (الصَّوادي) جمع صَادِية، وَهِي العَطْشَى، وَالْمرَاد بالغُلَّة مُطلَقُ الحَرارة، من بَاب التَّجْرِيد، وفسَّرها الْأَكْثَرُونَ بالنَّخيل الطِّوال، لَكِن المقامَ مَقامُ العُموم، كَمَا لَا يخفى، قَالَه شَيخنَا (بالأهاضيب) الأمطار الغزيرة، أَو هِيَ مُطلَق الأمطارِ و (الثَّوَادى) صِفَتُها، أَي الْعَظِيمَة الكثيرةُ الماءِ، أَو من بَاب التَّجْرِيد، وَيُقَال مطرة ثَدْياء، أَي عَظِيمَة غَزيرةُ الماءِ، وَفسّر شارِحُ الْخطْبَة عِيسَى بنُ عبد الرَّحِيم الأهاضيبَ بالجبالِ المُنبسِطَةِ على وجْهِ الأَرْض، والثَّوادي بِمَا فسَّره الْمُؤلف فِي مَادَّة ث د ى أَنَّهَا جمع ثادِيَة، إِمَّا من ثَدِيَ بالكسرِ إِذا ابتلَّ، أَو من ثَداه إذَا بلَّه، وهما بعِيدان عَن معنى المُراد، وَقيل إِنَّه من المهموزِ الْعين، وَالدَّال الْمُهْملَة لامٌ لَهُ، كَأَنَّهُ جمع ثَأْداءَ كصحراءَ وصحارِى، وَفِي بعض النّسخ بالنُّون، وَهُوَ خطأٌ عَقْلاً ونَقْلاً (ودافعِ) أَي صارِف ومُزيل (مَعَرَّة) بِفَتْح الْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء أَي الْإِثْم، عَن الْجَوْهَرِي، وَهُوَ مُستَدْرك على المؤلّف، كَمَا يَأْتِي فِي محلِّه، ووُجِد فِي بعض النّسخ هُنَاكَ الِاسْم، بِالسِّين الْمُهْملَة بدل الثَّاء، وتُطلَق المعرَّة بِمَعْنى الْأَذَى، وَهُوَ الأشبهُ بالمراد هُنَا، وَتَأْتِي بِمَعْنى الغُرْم والخِيانة والعَيْب والدِّية، ذكرهَا الْمُؤلف، وَبِمَعْنى الصُّعُوبة والشِّدَّة، قَالَه العكبريُّ والشَريشي (العَوَادى) جمع عَادِيَة من العُدْوانِ، وَهُوَ الظُّلم، وَالْمرَاد بهَا هُنَا السِّنونَ المجدِبَةُ على التَّشْبِيه، وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي يُناسبه سِياق الكلامِ وسِبَاقه، وأمَّا جعلُهُ جمعَ عادِ أَو عادِيَة بِمَعْنى جماعةِ القَوْم يَعْدُون

стр. 53

لِلْقِتَالِ، أَو أوّل من يَحمِل من الرَّجَّالة، وجَعْلُه بِمَعْنى مَا يغْرَس من الكَرْم فِي أُصولِ الشجرِ العِظام، أَو بِمَعْنى جماعةٍ عادِيَة أَو ظالِمة فيأْباه الطبعُ السليمُ، مَعَ مَا يَرِد على الأوَّلِ من أَن فاعِلاً فِي صِفات المُذكَّر لَا يُجْمع على فَوَاعل، كَمَا هُوَ مُقرَّر فِي مَحَله (بالكَرَمِ) أَي بالفَضْلِ (المُمادى) الدَّائِم والمستمرّ البالِغ الْغَايَة، وَفِي بعض النّسخ المُتمادى، بِزِيَادَة التَّاء، وَهُوَ الظَّاهِر فِي الدِّرَايَة، لشُيُوعِ " تمادَى " على الْأَمر إِذا دَامَ واستمرَّ دون " مَادَى " وَإِن أثْبته الْأَكْثَرُونَ، والأُولَى هِيَ الْمَوْجُودَة فِي الرَّسوليَّة (ومُجْرى) من الجَرْيِ وَهُوَ المرُّ السَّرِيع أَي مُسِيل (الأَوْداء) جمع وادِ، وَالْمرَاد مَاؤُهُ مجَازًا، ثمَّ المُرَاد الإحسانات والتفضُّلات، فَهُوَ من الْمجَاز على الْمجَاز، ثمَّ ذَكَر العَيْنَ فِي قَوْله (مِنْ عَيْن العَطاءِ) تَرشيحاً للمجاز الأوَّل اسْتِقْلَالا وَللثَّانِي تَبعاً، وَمثل هَذَا الْمجَاز قَلَّمَا يُوجَد إِلَّا فِي كَلام البُلغاء، والعطاءُ بِالْمدِّ والقَصْر نَوْلُكَ السَّمْحُ وَمَا يُعْطَى، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (لكل صادى) أَي عَطْشان، وَالْمرَاد هُنَا مُطلَق المحتاجِ إِلَيْهَا والمشتاق لَهَا، قَالَ شَيخنَا: وَفِي الْفَقْرَة تَرْصِيع السَّجْع (باعِث) تَجوزُ فِيهِ الأوْجُه الثَّلَاثَة، والاستئناف أوْلَى فِي المَقام، لِعِظمِ هَذِه النِّعمة، وَالْمعْنَى مُرْسل (النبيِّ الْهَادِي) أَي المرشِد لعباد الله تَعَالَى، بدُعائهم إِلَيْهِ، وتعريفهم طرِيقَ نَجاتهم (مُفْحِماً) أَي حالةَ كَونه مُعجِزاً (بِاللِّسَانِ الضادِي) أَي العربيّ، لِأَن الضَّاد من الحُروف الخاصَّة بلغَة الْعَرَب (كُلَّ مُضَادِي) أَي مُخالِف ومُعانِد ومُعارِض، من ضَادَاه، لُغَة فِي ضَادَّه، وَضبط ابْن الشحْنة، والقَرافي، بالصَّاد الْمُهْملَة فيهمَا، فالصَّادي من صَاداه إِذا دَاجَاه ودَارَاه وسَاتَرَه، والمُصادِي من صَدّه يَصُدُّه إِذا مَنعه، والمُصادِي: المُعارض، ويُخالفان النقْلَ الصحيحَ المأْخوذ عَن الثِّقاتِ، مَعَ أَن فِي الثَّانِي خَلْطاً بَين بابَي المُعتلِّ والمُضاعَف، كَمَا هُوَ ظاهرٌ، وَبَين الضادي والمضادي جِناسٌ كَمَا هُوَ بيِّنٌ مفحماً (ومُفَخَّماً) أَي وَحَالَة كَونه مُعظَّماً ومُبجَّلاً جَزْلَ المنطِقِ (لَا تَشِينه) أَي لَا تَعِيبه مَعَ فخامتِه وحُسْنِ كلامِه

стр. 54

(الهُجْنَة) قُبْحُ الْكَلَام (والعُجْمة) العجْز عَن إقامةِ الْعَرَبيَّة لعُجمة اللِّسَان (والضَّوادي) الكلامُ الْقَبِيح أَو مَا يُتَعلَّل بِهِ، وَالْمعْنَى أَي لَا يلْحقهُ شيءٌ مِمَّا ذكر، وَلَا يتَّصِف بِهِ، وَقد تقدم فِي المقدِّمة " أَنا أفْصَحُ منْ نَطق بالضَّاد بَيْدَ أنِّي من قُرَيْش " الحَدِيث، وتقدَّم أَيْضا بيانُ أفصحيَّتِه، ، وتَعجُّب الصحابةِ رِضوانُ الله عَلَيْهِم مِنْهُ، وَفِيه مَعَ مَا قبله نوعٌ من الجِناس، قَالَ شَيخنَا: وَهَذِه اللَّفْظَة مِمَّا استدركها المؤلفُ على الجوهريِّ وَلم يُعرَف لَهُ مُفْرد (مُحَمَّد) قَالَ ابْن القيّم: هُوَ عَلَمٌ وصِفة، اجْتمعَا فِي حَقِّه ، وعلَم مَحْضٌ فِي حقّ من تَسمَّى بِهِ غَيره، وَهَذَا شأْنُ أسمائِه تَعَالَى وأسماءِ نَبيّه ، فَهِيَ أعلامٌ دالَّة على معانٍ، هِيَ أوصافُ مَدْحٍ، وَهُوَ أعظم أَسْمَائِهِ وَأَشْرَفهَا وأشهرها، لإنبائه عَن كَمَال ذَاته، فَهُوَ المحمودُ مرَّةً بعد مرَّةٍ، عِنْد الله وَعند الملائِكة، وَعند الْجِنّ وَالْإِنْس، وَأهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وأُمتُه الحمَّادُون وبيدِه لواءُ الْحَمد، وَيقوم المقامَ المحمودَ يومَ الْقِيَامَة، فيحمَدُه فِيهِ الأوَّلون والآخِرُون، فَهُوَ ﵊ الحائزُ لمعاني الحمدِ مُطلقًا. وَقد ألَّف فِي هَذَا الاسمِ المبارَك وبيانِ أسرارِه وأنوارِه شيخُ مشايِخنا الإِمَام شَرَفُ الدِّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد الخليليّ الشافعيّ نزيلُ بيتِ الْقُدس كُرَّاسةً لَطيفةً، فراجِعْها (خَيْرِ) أَي أَفضَلِ وأَشرفِ (مَنْ حَضَر) أَي شهد (النَّوادِي) أَي الْمجَالِس مُطلقًا، أَو خَاص بمجالس النَّهارِ أَو الْمجْلس مَا داموا مُجْتَمعين فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (وأفصحِ) أَي أَكثر فصاحةً من كُلِّ (من رَكِب) أَي علا واستوى (الخَوادي) هِيَ الْإِبِل المُسرِعة فِي السَّيْر، وَيسْتَعْمل فِي الْخَيل أَيْضا، مفردها خادٍ أَو خادِيَة، وَإِنَّمَا خصت الْإِبِل لِأَنَّهَا أَعظمُ مراكِب الْعَرَب وجُلُّ مَكَاسِبها (وأَبلَغِ) اسْم تَفْضِيل من البَلاغة، وَهِي المَلَكةُ، وتقدَّم تَعْرِيفهَا (مَنْ حَلَب) أَي استخرج لَبَن (العَوَادِي) هِيَ الْإِبِل الَّتِي تَرْعَى

стр. 55

الحَمْض، على خلاف بَين المصنّف والجوهريّ، رحمهمَا الله تَعَالَى، كَمَا سيأْتي مُبيَّناً فِي مادَّته. ورُكَّابُ الخوادي وحَلبَةُ العَوَادي هم العربُ، وَالْمعْنَى أَن النبِيَّ أفصحُ العربِ وأبلَغُهم، وَلِأَنَّهُم هم المشهورون بالاعتناءِ بِالْإِبِلِ رُكوباً وحَلَباً، ونظراً فِي أحوالها، وَفِي مقابلةِ رَكِبَ بحَلَب، والعوادي بالخوادي، ترصيعٌ، وَهُوَ من الْحسن بمكانٍ، وَفِي نُسْخَة جَلب بِالْجِيم بدل حَلب بِمَعْنى سَاقهَا، والحوادي بِالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ تَحريفٌ وخلافٌ للمنصوصِ المسموع من أَفْوَاه الروَاة الثِّقَات (بَسَقَت) هَذِه الْجُمْلَة الفعلية فِي بَيَان عَظمته وقهْرِه لجَمِيع مَن عَادَاهُ، وَلِهَذَا فَصَلها عمَّا قبْلها، أَي طَالَتْ (دَوْحَةُ) هِيَ الشَّجَرَة الْعَظِيمَة من أَي نوعٍ كَانَت (رِسالتِهِ) أَي بعْثَته العامَّة، وَالْإِضَافَة من إِضَافَة المشبّه بِهِ إِلَى المشبّه (فظهرَتْ) أَي غلبَتْ واستوْلَت (شَوْكةَ) هِيَ وَاحِدَة الشَّوْك، مَعْرُوف، أَو السِّلاح أَو الحدَّة أَو شدّة البأْس والنِّكاية على العَدُوِّ (الكَوَادي) جمع كادِيَة وَهِي الأَرْض الصُّلبة الغليظة البطيئةُ النباتِ، وَالْمعْنَى أَن رِسالته الَّتِي هِيَ كالشجرةِ الْعَظِيمَة فِي كثْرةِ الفروعِ وسَعَة الظِّلّ وثباتِه نَسخَتْ سائرَ الشرائِع الَّتِي لَوْلَا بعثتُه لما تَطرَّق إِلَيْهَا النسْخ، وَفِي تشبيهها بالأشجار الشائِكة النابِتة فِي الأَرْض الغَليظة الصُّلْبة الَّتِي لَا يَنقلِع مَا فِيهَا إِلَّا بِعُسْر ومَشقَّة، بعد تَشبيهِ رِسالته بالدَّوْحَة فِي الِارْتفَاع وسَعَة الظِّلّ وَكَثْرَة الْفُرُوع، من اللطافة مَا لَا يَخفى، وَفِي نُسْخَة زِيَادَة شَوْك بعد شَوكة، فَيتَعَيَّن حِينَئِذٍ حملُ الْأَخير على أحَدِ مَعَانِيهَا الْمَذْكُورَة مَا عدا الأول، وَفِي أُخرى شَرَك، بالراء بدل الْوَاو، بِفتْحَتَيْنِ، وَضَبطه بَعضهم بِكَسْر الشين، بِمَعْنَاهُ الْمَشْهُور، والكوادي حِينَئِذٍ عبارَة عَن الكَفَرة، وَإِنَّمَا عبَّر عَنْهُم بِالشَّوْكَةِ، لِكَثْرَة مَا فِي الشوك من الْأَذَى والتأْليم وقِلَّة النَّفْع وعَدمِ الجَدْوَى، وبالكَوَادي لعدم الثَّمَرِ، وَلعدم النُّموِّ، وَالْمرَاد أَن النبيّ

стр. 56

غالِبٌ عَلَيْهِم بقُوَّته، وقاهِرُهم بحِلمه، ومُستوْل عَلَيْهِم (واستأْسَدَتْ) أَي طالَت وبَلغَتْ، يُقَال: رَوْضٌ مُستأْسِدٌ، وسيأْتي بيانُه (رِياض نُبُوَّتِه) بِالضَّمِّ، أَي نَباتُها، جمع رَوْضةٍ، هِيَ مستنقَعُ المَاء فِي الرَّمل والعُشْب، أَو الأَرْض ذَات الخُضرة والبُستان الحَسَن (فَعَيَّتْ) أَي أعجزَتْ (فِي المآسد) جمع مَأسَدة هِيَ الغَابة (اللُّيُوثَ) الْأسود (العوادِي) الَّتِي لاستيحاشها وجراءتها تَعْدُو على الخَلْق وتؤذيهم، وَمن قَوْله بَسقت إِلَى هُنَا هِيَ النُّسْخَة الصَّحِيحَة المكيّة، وَفِي نُسْخَة فغيَّبت بدل عَيَّت، أَي أَخْفَتْ وَفِي أُخرى فَطَهَّرت، بِالطَّاءِ الْمُهْملَة، أَي أزالت أوسَاخ الشِّرْك، وَهَذِه النُّسْخَة الَّتِي نَوَّهْنا بشأْنِها هِيَ نُسْخَة الملكِ الناصِرِ صلاحِ الدّين بن رَسول سُلطانِ الْيمن، بِخَط المحدِّث اللغويّ أبي بكرِ بن يُوسف بن عُثمان الحُميدِيّ المغربيّ، وَعَلَيْهَا خطُّ الْمُؤلف، إِذا قُرِئَت بَين يديهِ فِي مدينةِ زَبِيد، حَماها الله تَعَالَى وسائرَ بِلَاد الْإِسْلَام، قبل وَفاته بِسنتَيْنِ، وَفِي نُسْخَة أُخرى يمنِيَّة " نَبينَا الَّذِي شُعَب دَوْحِ رِسالته طَهَّرت شَوْكَة شَوْكِ الكَوَادي، وَلَا استأْسدت رِياضُ نبوّتِه يحم الذوابل نُضْرَتها إلاّ رَعَتْ فِي المآسد اللَّبون ذَات التعادِي فضلا عَن الذئاب العَوادي فِي إرداء الضوادِي "، وَفِي نُسْخَة أُخرى قديمَة: " استأْسدت " من غير " لَا " النافية، وَنجم بدل يحمّ، وعثَت بدل إلاّ رعت. وَبَين شَوْكَة والشوك، واستأسدت، والمأسدة، جناسُ اشتقاقِ، والشُّعب هُوَ طَرفُ الغُصن، ويحم بالتحتانية مَحْذُوف الآخر، والذوابل جمع ذابل، الرمْح الرَّقِيق، ونُضرتها خُضرتها وحُسْن بهجتها، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الرياض، ورَعَت: تناولت الكلأَ، واللَّبون: الشَّاة ذَات اللَّبن، وَمِنْه الحديثَ " يَا أَبَا الهَيْثَمِ إيَّاكَ واللَّبُونَ، اذبَحْ عَنَاقًا " أَخرجه الْحَاكِم، والتَّعادي: التحامي أَو الْإِسْرَاع. والإرداء: الإهلاك. والضَّوادي: جمع ضادي بِمَعْنى الضدّ، بإبدال المضعَّف. والنجْمُ من النَّبَات مَا كَانَ على غير ساقٍ. وعَثَت، أَي أفسدت. قَالَ شَيخنَا: وَنبهَ ابْن

стр. 57

الشّحْنَة والقرافي وَغَيرهمَا أَن نُسْخَة المؤلّف الَّتِي بِخَطِّهِ لَيْسَ فِيهَا شَيْء من هَذِه، وَإِنَّمَا فِيهَا بعد قَوله حَلَب العوادي وَمثله فِي نُسْخَة نقيب الْأَشْرَاف السَّيِّد مُحَمَّد ابْن كَمَال الدّين الحُسيني الدِّمشقي، الَّتِي صححها على أُصول المشرف، وَالْمرَاد من الصَّلَاة عَلَيْهِ ، زيادةُ التشريف والتعظيم، والتسليمُ والسلامُ: التَّحِيَّة والأمان (وعَلى آله) هم أقاربُه الْمُؤْمِنُونَ من بني هَاشم فَقَط، أَو والمطَّلب، أَو أَتْبَاعه وَعِيَاله، أوكُلّ تقيٍّ، كَمَا ورد فِي الحَدِيث، وَأما الْكَلَام على اشتقاقه وَأَن أصلَه أهلٌ كَمَا يَقُول سِيبويه، أَو أوّل كَمَا يَقُول الكسائيُّ، والاحتجاج لكل من الْقَوْلَيْنِ، وترجيح الرَّاجِح مِنْهُمَا، وَغير ذَلِك من الأبحاث الْمُتَعَلّقَة بذلك، فأَمرٌ كفَتْ شُهرته مُؤْنَة ذكره (وأصحابِه) جمع صَاحِب كناصِر وأنصار، وَهُوَ مَن اجْتمع بالنبيّ مُؤْمِناً بِهِ وَمَات على ذَلِك (نُجومِ) جمع نجْم وَهُوَ الْكَوْكَب (الدَّآدِى) جمع دَأْدَاءٍ بِالدَّال والهمزة، وسُهِّل فِي كَلَام الْمُؤلف تَخْفِيفًا وَهِي اللَّيَالِي الْمظْلمَة جدًّا، وَمِنْهُم مَن عَيَّنها فِي آخر الشَّهْر، وسيأْتي الْخلاف فِي مادَّته (بُدُورِ) جمع بَدْرٍ هُوَ القمَر عِنْد الْكَمَال (القَوَادي) بِالْقَافِ فِي سَائِر النّسخ، جمع قادِية، من قَدِيَ بِهِ كَرَضِي إِذا استَنَّ واتَّبَع القُدْوَة، أَو مصدر بِمَعْنى الِاقْتِدَاء، كالعافية والعاقِبة، وَيجوز أَن يكون جمع قُدْوَة وَلَو شذوذاً بِمَعْنى المُقتدَى بِهِ، أَو الِاقْتِدَاء، قَالَه شَيخنَا، وَالْمعْنَى أَي النُّجُوم المضيئة الَّتِي بهَا يهتدِي الحائرُ فِي اللَّيْل البهيم، وَهِي صِفة للآلِ. وبُدور: الْجَمَاعَات الَّتِي يُقتدى بأنوارهم، وأضوائهم، وَهِي صِفةٌ للأصحاب، وَالْمرَاد أَن الضالَّ يهتدِي بهم فِي ظلمات الضلالات، كَمَا يَهْتَدِي المسافرُ بالنجوم فِي ظلمات البرِّ وَالْبَحْر، للطريقِ الموَصِّلة إِلَى القَصْد، وَمِنْه قَوْلُ كثيرٍ من العارفين فِي استعمالاتهم: وعَلى آلِهِ نُجومِ الاهتداءِ وبُدُورِ الِاقْتِدَاء. وَقَالَ شَيخنَا: وَبِهَذَا ظَهَر

стр. 58

سُقوط مَا قَالَه بعضُهم من التوجيهات الْبَعِيدَة عَن مُراد المُصَنّف، وَالظَّاهِر أَن النُّجُوم صفة للصَّحَابة، للتلميح بِحَدِيث " أَصْحابي كالنُّجُوم " فَيَرِدُ سُؤالٌ: لم وَصَف الصحابةَ دُون الْآل؟ فيُجابُ بِجَوَاز كونِه حَذف صِفة الآلِ لِدَلالة صفة الصَّحْب عَلَيْهَا، وَالسُّؤَال من أَصله فِي مَعرِض السُّقُوط، لِأَنَّهُ ورَد فِي صفة الْآل أَيْضا بأَنهم نجومٌ فِي غيرِ مَا حديثٍ، وَأَيْضًا فَفِي الْآل مِنْ هُوَ صحابيٌّ، فَالصَّحِيح على مَا قدّمنا أَن كُلاًّ مِنْهُمَا لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب فالاهتداء بالآل، والاقتداء بالصحابة، وَإِن كَانَتَا تصلحانِ لكلٍّ مِنْهُمَا، وَفِي نُسْخَة التوادي، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة الفوقيّة بدل الْقَاف، وَهُوَ غلط مخالفٌ للدِّراية والرِّواية، لِأَنَّهُ جمْعُ تأْديةٍ، وتأْديةُ الحقِّ: قَضَاؤُهُ، وتأْدية الصَّلَاة: قَضاؤها فِي أول وقْتِها، وَلَا معنى لبُدور الْأَقْضِيَة، وَفِي رِواية أشياخنا بِالْقَافِ لَا غير، كَمَا قدّمنا، قَالَ شَيخنَا: وأعجب من هَذَا من جعل القَوادي جمْع قائِدِ، وَفَسرهُ بكلامِ المُصَنّف: الْقَائِد الأّول مِن بَنَات نَعْش الصُّغرى الَّذِي هُوَ آخرهَا، وَالثَّانِي عَنَاق، وَإِلَى جَانِبه قائدٌ صَغِير، وثانيه عَناق، وَإِلَى جَانِبه الصَّيْدَق، وَهُوَ السُّها، وَالثَّالِث الحَوَر فَإِنَّهُ لَا معنى لبدُور الْأَوَائِل من بَنَات نعش، مَعَ كَون المُفرَد مُعتلَّ العينِ، وَالْجمع مُعْتَلّ اللَّام، وَهَذَا لَعمري وأمثالُه احتمالاتٌ بعيدةٌ يمجُّها الطبعُ السَّلِيم، وَلَا يقبلهَا الذِّهْن الْمُسْتَقيم (مَا نَاحَ) أَي سجع وهَدَر (الحمامُ) طيرٌ مَعْرُوف (الشّادِي) مِن شَدَا يَشدُو إِذا ترنَّم وغَنَّى، فالنَّوْح هُنَا لَيْسَ على حَقِيقته الْأَصْلِيَّة الَّتِي هِيَ: الْبكاء والحزن، كَمَا سَيَأْتِي، وَالصَّحِيح أَن إِطْلَاق كلّ مِنْهُمَا باختلافِ الْقَائِلين، فَمن صادفَته أَسجاعُ الحمامِ فِي سَاعَة أُنسه مَع حَبِيبه فِي زمن وصاله وغَيْبَةِ رقيبه سَمَّاهُ سَجْعاً وترنُّماً، وَمن بضِدِّه سَمَّاهُ نَوْحاً وبكاءً وتغريدًا (وساح) أَي ذهب وتردّد فِي الفَلَوات (النعام) طَائِر مَعْرُوف (القادِي) أَي المسرع، من قَدَى

стр. 59

كَرَمَى قَدَياناً، محرَّكة، إِذا أسْرع (وَصَاح) من الصِّياح، وَهُوَ رَفْعُ الصوتِ إِلَى الغَايَة (بالأنغام) جمع نَغَم محرّكة، وَهُوَ تَرجيع الغِناءِ وَتَرْدِيده (الْحَادِي) من حَدَا الْإِبِل، كدعا، يَحْدُوها، إِذا سَاقهَا وغَنَّى لَهَا ليحْصُل لَهَا نَشاطٌ وارتياح فِي السَّيْرِ، وَالْمرَاد بِهَذِهِ الجُمل طُولُ الْأَبَد الَّذِي لَا نِهاية لَهُ، لأنَّ الكَوْنَ لَا يَخْلُو عَن تَسجيع الْحمام، وتردُّد النعامِ، وسَوْق الْحَادِي إبِله بالأَنغام، ثمَّ إِن فِي مُقَابلَة ناح بساح وَصَاح، وَالْحمام بالنعام والأنغام، تَرصيعٌ بَدِيع ومُجانسة، وَفِي القوافي الدَّالِيَّة تسميط (ورشَفَت) مَصَّت (الطُّفاوةُ) بِالضَّمِّ دَارَة الشمسِ أَو الشَّمْس نفسُها، وَهُوَ الْمُنَاسب فِي الْمقَام، وَمِنْهُم من زَاد بعد دَارة الشمسِ وَدارة القَمر، وَمِنْهُم من اقْتصر على الْأَخير، وَكِلَاهُمَا تكلُّف، وَقيل بل الطُّفاوة أيَّام بَرْدِ العَجوز، وَقد نُسِب للْمُصَنف، وَلَا أَصْل لَهُ، أَو أَيَّام الرَّبيع، كَمَا للجوهريّ، وَهُوَ خطأٌ فِي النَّقْل، فَحِينَئِذٍ يكون إِسْنَاد الرَّشف لأيام الْعَجُوز بمناسبة أَن بُدوَّ الأزهار فِي أَوَاخِر الشتَاء، وَهِي تِلْكَ الْأَيَّام، وَهَذَا مَعَ صِحَة هَذِه الْمُنَاسبَة لَيْسَ خَالِيا عَن التَّكَلُّف، قَالَه شَيخنَا (رُضَاب) بالضمّ الرِّيق، المَرشوف، وَيُطلق على قِطَعِ الرِّيق فِي الفمٍ وفٌ تات المِسك وقِطَع الثَّلج والسُكَّر ولُعَاب العَسل ورغْوَتُه وَمَا تقطَّع من النَّدى على الشّجر، وَالْمرَاد هُنَا الْمَعْنى الأوّل، وزعمِ بَعضهم الْمَعْنى الْأَخير (الطَّلِّ) هُوَ الندَى أَو فَوْقه وَدون الْمَطَر، وَيُطلق على الْمَطَر الضَّعِيف، وَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا، وَإِضَافَة الرُّضاب إِلَيْهِ من قَبِيل إِضَافَة المشبَّه بِهِ إِلَى المشبَّه، أَي الطل الَّذِي فِي الأزهار بَين الْأَشْجَار، كالرضاب فِي فَم الأحباب، كَقَوْلِه. (والرِّيحُ تَعْبَثُ بالغُصُونِ وَقد جَرَى ... ذَهَبُ الأَصِيلِ عَلَى لُجَيْنِ الماءِ) أَي مَاء كاللُّجَين، وَمن قَالَ إِن الْإِضَافَة بيانِيَّة فقد أَخطَأ، وَكَذَا من فسَّر الرضابَ بالسَّحِّ، والطلّ بأخفِّ المَطر، فَكَأَنَّهُ أجَاز إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه مَعَ فَسَاد الْمَعْنى، على أَن السحَّ إِنَّمَا هُوَ من مَعَاني الرَّاضِبة دون الرُّضاب،

стр. 60

كَمَا سَيَأْتِي فِي محلّه (من كُظَام) متعلّق برشفت، وَهُوَ بِالضَّمِّ جمع كَظَمٍ مُحرَّكة وَهُوَ الحَلْق أَو الْفَم. وَفِي الْأَرْبَعين الودعانية: فبادِرُوا فِي مُهَل الأنفاس، وحْدَة الإخلاس، قبل أَن يُؤخَذ بالكَظَم. وَمِنْهُم من فسروه بأفواهِ الْوَادي والآبارِ المتقارب بعضُهَا بَعْضًا، وَقيل: الكِظامة: فَمُ الْوَادي الَّذِي يخرج مِنْهُ المَاء وَلَيْسَ فِي الكلامِ مَا يدلُّ على الأودية والآبار وَلَا بتقارب بَعْضهَا بَعْضًا، كَمَا فسّروه، لَا حَقِيقَة، وَلَا مجَازًا، وَلَا رمزًا، وَلَا كِنَايَة، وَفِي بعض الشُّرُوح كِظَام الشَّيْء: مبدؤُه، وَالصَّحِيح مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ (الجُلِّ) بِالضَّمِّ، كَذَا هُوَ مضبوط فِي نسخه شَيخنَا الإِمَام رضيّ الدّين المِزجاجي، قيل: مَعْنَاهُ مُعظَم الشَّيْء، وَقيل: هُوَ بالفتحِ، وفسّره بالياسمين والورد أبيضِه وأحمرِه وأصفره، والواحدة بهاء، أما الْمَعْنى الأوّل فَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا قطعا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُذكَر إِلَّا مُضَافا، لفظا أَو تَقْديرا، ككلّ وَبَعض، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك، وَأما رِوَايَة الْفَتْح فَهِيَ أَيْضا غير صَحِيحَة، وَقد باحَثَني فِي ذَلِك شيخُنا الإِمَام الْمَذْكُور، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، حِين وصلتُ إِلَى هَذَا المحلّ عِنْد الْقِرَاءَة بِحَضْرَة شَيخنَا السَّيد سُلَيْمَان الأهدل وَغَيره، فَقلت: الَّذِي يُعْطِيهِ مَقام اللفظِ أَن اللَّفْظَة مُعَرّبة عَن الفارسيّة، وَمَعْنَاهُ عِنْدهم الزّهر مُطلقًا، من أَي شجرٍ كَانَ، وَيصرف غَالِبا فِي الْإِطْلَاق عِنْدهم إِلَى هَذَا الورْد الْمَعْرُوف، بأنواعه الثَّلَاثَة: الْأَحْمَر والأبيض والأصفر، فأُعجِبا بِمَا قرَّرْت وأقَرّاه (والجَادِي) قالى قاضى كَجرات: هُوَ طَالب المَطَر، عطف على الطفاوة، أَي وَمَا أَخذ الجادى المَاء من السَّحَاب، وَقيل: هُوَ الْخمر، عطف على رُضاب، وَلَا يخفى أَن فِيمَا ذكر من الْمَعْنيين تكلُّفاً، وَالصَّحِيح أَنه نوع من الزَّهرِ كالنرجس والياسمين، وَهُوَ الْمُنَاسب، وَمن قَالَ: إِنَّه عطفُ تفسيرٍ لما قبله فقد أخطأَ، فَإِن الجلّ إِنَّمَا يُطلقُ على الياسمين والورد

стр. 61

فَقَط، كَمَا قدّمنا، ثمَّ إِن الَّذِي تقدم آنِفا مَقْرُونا بالعبْهر فَمَعْنَاه الزَّعْفَرَان لَا غير، فَلَا يكون إِعَادَته هُنَا لإيضاحٍ أَو غير ذَلِك، كَمَا وهِم فِيهِ بعضُ الشرَّاح، لاخْتِلَاف الْمَعْنيين، قَالَ شيخُنا: وَفِي رشفْتُ الِاسْتِعَارَة بالتبعيَّة، لوُجُود الْفِعْل وَهُوَ مُشْتَقّ، وَيجوز أَن يكون بِالْكِنَايَةِ، كأَنشَبت المنيَّةُ أظفارَها، وَأَن يكون اسْتِعَارَة تصريحيّة، فَإِذا اتَّضَح ذَلِك عرفت أَن الرُّضاب الَّذِي هُوَ الرِّيق شُبِّه بِهِ الطلّ، وَالشَّمْس الَّذِي هُوَ معنى الطفاوة شُبِّه بشخصٍ مرتشِف لذَلِك الرِّيق، وجَعَل لَهُ أَفواهاً وثغوراً هِيَ كِظام الجلِّ والجادي هما الْورْد والنرْجس والياسمين، وَإِن كَانَ تشبيهها بالأقاحِ أكثَر دوراناً، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (بَاكِرْ إلَى اللَّذَّاتِ وارْكَبْ لَهَا ... سَوَابِقَ الخَيْلِ ذَوَاتِ المِرَاحْ) (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَرْشفَ شَمْسُ الضُحَى ... رِيقَ الغَوَادي مِن ثُغورِ الأقَاحْ) (وبَعْدُ) كلمة يُفصَل بهَا بَين الكلامَينِ عِنْد إِرَادَة الِانْتِقَال من كَلَام إِلَى غَيره، وَهِي من الظروف، قيل: زمانيّة، وَقيل: مكانِيَّة، وعامله محذوفٌ، قَالَه الدَّماميني، وَالتَّقْدِير، أَي وَأَقُول بعد مَا تقدَّم من الْحَمد لله تَعَالَى وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نبيه مُحَمَّد (فإنّ) بِالْفَاءِ، إِمَّا على تَوهُّم أمّا، أَو على تقديرِها فِي نظْمِ الْكَلَام، وَقيل: إِنَّهَا لإجراء الظّرْف مُجْرَى الشرْط، وَقيل: إِنَّهَا عاطفة، وَقيل زَائِدَة (للْعلم) أَي بأنواعِه وفُروعه (رِيَاضاً) جمع رَوْضة أَو رَيْضة، وَقد تقدم شَيْء من مَعْنَاهَا، وَيَأْتِي فِي مادته مَا هُوَ أَكثر (وحِيَاضا) جمع حَوْض، وَهُوَ مُجتَمع المَاء (وخَمائِلَ) جمع خَمِيلة وَهِي من الأَرْض المكرِمة للنَّبات، والرمْلة الَّتِي تُنبت الشّجر، وَقَالُوا هِيَ الشّجر الملتفّ، والموضع الكثيرُ الشجرِ (وغِيَاضا) جمع غَيْضة، وَهِي الغَابَة الجامعة للأشجار فِي حَضيض المَاء، وَفِي الفقرات الثَّلَاث لُزُوم مَا لَا يلْزم (وطَرائقَ) جمع طَرِيقة، والطَّرِيق يُجمع على طُرُقٍ (وشِعَابا) جمع

стр. 62

شِعْب بِكَسْر فَسُكُون، وَهُوَ الطَّرِيق الصَّيق بَين الجَبلينِ (وشَوَاهِق) جمع شاهِق وَهُوَ المرتفِع من الْجبَال (وهِضَابا) جمع هَضْبة بِفَتْح فَسُكُون، وَهِي الجَبل المنبَسط على وَجْهِ الأرضِ أَو المستطيل (يَتفرَّعُ) يَنْشأُ ويَخْرج ويتهيَّأُ (عَن كل أَصْلٍ) هُوَ مَبدَأُ الشيءِ من أسفَلِه (مِنْهُ) أَي مِن جِنس الْعلم (أفنانٌ) جمع فَنَنٍ محرّكة هُوَ الْغُصْن (وفُنون) جمع فَنٍّ بِالْفَتْح، وَهُوَ الْحَال والضرْب من الشَّيْء، وَفِيهِمَا جِناس الِاشْتِقَاق، وجعلُه عَطْفَ تفسيرٍ قصدا للْمُبَالَغَة سهوٌ عَن موارد اللُّغَة (وينشقُّ) انفعال من الشقِّ وَهُوَ الصَّدْع (عَن كلّ دَوْحةٍ مِنْهُ) مَرَّ أَنَّهَا الشَّجَرَة الْعَظِيمَة من أَي نوع كَانَت (خِيطَانٌ) جمع خُوط بِالضَّمِّ، وَهُوَ الْغُصْن الناعم (وغُصون) جمع غُصْنٍ بِضَم فَسُكُون، وَقد تضم اتبَاعا أَو لُغَة، هُو مَا يَنْشعب عَن ساقِ الشَّجَرَة من دِقاق القُضْبان وغِلاظها، فَهُوَ من عطف العامِّ على الخاصّ، وَفِي بعض الْحَوَاشِي حِيطان بِالْحَاء الْمُهْملَة، جمع حَائِط، وَهُوَ الْبُسْتَان، وَفِيه تكلُّفٌ ومُخالَفة للسَّماع (وَإِن عِلْمَ اللُّغةِ) هُوَ معرفَة أفرادِ الكَلِم وَكَيْفِيَّة أوضاعها (هُوَ الكافِلُ) القائِمُ لَا غيرُه لِشِدَّة توقُّفِ الْمعَانِي على بَيَان الْأَلْفَاظ (بإحرازِ) بِالْحَاء الْمُهْملَة من أَحرَزَ الأمرَ إذَا حَازَه، وَهُوَ الإحراس، كَذَا فِي النُّسْخَة الرَّسُولية، وَفِي نُسْخَة بإبراز وَمَعْنَاهُ الْإِخْرَاج والإظهار (أسرار) جمع سِرّ، وَهُوَ الشَّيْء المكتوم الخفيّ (الْجَمِيع) أَنْوَاع الْعُلُوم المتفرعة (الحافِلَ) بِلَا وَاو، وَفِي نُسْخَة بهَا، أَي الْجَامِع الممتلئ، وضَرْع حافل: ممتلئ لَبَنًا، وشِعْبُ حافل: كثُر سَيْله حَتَّى امْتَلَأَ جوانبُه (بِمَا يتَضَلَّعُ) قَالَ ثَعْلَب: تضلَّعَ: امْتَلَأَ مَا بَين أضلاعه (مِنْهُ القاحِلُ) وَهُوَ الَّذِي يَبِس جِلْدُه على عَظْمِه، وَقد قَحلَ كمَنع وعَلِم وعُنِيَ، وَالْمرَاد هُنَا الضَّعيف، أَو الشَّيْخ المُسِنّ (والكاهِلُ) القوِيّ، وَقيل: هُوَ لُغَة فِي الكَهْلِ فيقابل المَعنى السِّياقِيَّ (والناقعُ) هُوَ الْغُلَام المترعْرِع، وَفِي نُسْخَة اليافع، بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة، وَهُوَ المُراهق الَّذِي قاربَ البُلوغ (والرَّضِيع)

стр. 63

هُوَ الصَّغِير الَّذِي يَرضع أُمَّه، وَالْمعْنَى أَن كلّ من يتعاطَى العلومَ من الشُّيُوخ والمتوسِّطين والمبتدِئِين، أَو كلُّ، من من الأقوياء والضعفاء والصِّغار والكبار، فَإِن علم اللُّغَة هُوَ المتكفِّل بِإِظْهَار الْأَسْرَار، وإبراز الخفايا، لافتقارِ الْعُلُوم كلِّها إِلَيْهِ، لتوقف المرَكّبَات على الْمُفْردَات لَا محَالة، وَفِي الْفقر صناعةٌ أدبيَّةٌ وحُسْن الْمُقَابلَة (وَإِن بَيان الشَّريعةِ) فَعِيلة بِمَعْنى مَفعولة هِيَ مَا شرع اللهُ لِعِبَادِهِ كالشَّرْع بِالْفَتْح، وحقيقتها وَضْع مَا يتعَرَّف مِنْهُ العبادُ أحكامَ عقائدهم وأفعالهم وأقوالهم، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ صَلاحُهم (لَمّا كَانَ مَصْدَرُه) الضَّمِير يرجع للْبَيَان، أَو إِلَى الشَّرِيعَة لتأويلها بالشرْع، والمصدر مَفْعَل من الصُّدور وَهُوَ الْإِتْيَان (عَن لِسان الْعَرَب) كَذَا فِي نُسْخَة الشّرف الْأَحْمَر، وَفِي أُخرى " على " بدل " عَن " عَلَى أَن الصُّدور بِمَعْنى الِانْصِرَاف عَن الوِرْد، وَكِلَاهُمَا صَحِيحَانِ وَقد يكون الصُّدور بِمَعْنى الرُّجوع عَن المَاء، وَحِينَئِذٍ يتعدَّى بإلى، وَاللِّسَان هُوَ اللُّغَة أَو الجارِحة، والعرَب - على مَا حقَّق النَّاصِر اللقائيُّ فِي حَوَاشِي التصريف - هم خِلاف الْعَجم، سَوَاء سكنوا البوادِيَ أَو القُرَى، والأعراب سُكان البَوادِيَ، سَوَاء تكلَّموا بالعربيَّة أَولا، فبينهما عمومٌ وخُصوص من وَجْهٍ، فَلَيْسَ الثَّانِي جمعا للْأولِ، انْتهى. وَفِي الْمُخْتَار: الْعَرَب جِيلٌ من النَّاس، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم عربٌّ ي، وهم أَهُل الْأَمْصَار، والأعرابُ هم سُكَّان البَوادِي خاصَّةً، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم أعرابيٌّ فَهُوَ اسْم جنس، انْتهى، وَسَيَأْتِي لذَلِك مزيدُ إِيضَاح فِي مادته، وَهُنَاكَ كلامٌ لشَيْخِنَا وَغَيره، وَالْجَوَاب عَن إيراداته، قلت: وَمن هُنَا سَمَّى ابنُ منظورٍ كتابَه لِسانَ الْعَرَب، لِأَنَّهُ مُتَضَمّن لبيانِ لُغاتِهم، لَا على سَبِيل الْحصْر بل بِمَا صحَّ عندَه (وَكَانَ العَملُ) هُوَ الفِعل الصَّادِر بالقصْد، وغالبُ اسْتِعْمَاله فِي أَفعَال الْجَوَارِح الظَّاهِرَة (بمُوجبه) الضَّمِير للْبَيَان أَو الشَّرِيعَة حَسْبَمَا تقدم، وَالْعَمَل بِالْمُوجبِ

стр. 64

هُوَ الْأَخْذ بِمَا أوجبه، وَله حُدُود وشروط، فَرَاجعه فِي كتاب الشُّرُوط (لَا يصِحُّ) أَي لَا يكون صَحِيحا (إِلَّا بإِحكام) أَي تَهْذِيب وإتقان (العِلْم بمقدِّمته) أَي مَعْرفَتهَا، وَالْمرَاد بالمقدمة هُنَا مَا يتقدَّم قبل الشُّرُوع فِي الْعلم أَو الْكتاب (وَجَبَ) أَي لزم وَهُوَ جَوَاب لمَّا (على رُوَّام العِلم) أَي طالبيه الباحثين عَنهُ (وطُلَاّب) كُروَّام وَزْنًا ومَعْنًى (الْأَثر) علم الحَدِيث فَهُوَ من عطف الخاصّ على العامّ، وَفِي بعض النّسخ وطلَاّب الْأَدَب، والأُولى هِيَ الثَّابِتَة فِي النّسخ الصَّحِيحَة، وَاخْتلف فِي معنى الْأَثر، فَقيل: هُوَ الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف، وَقيل: الْأَثر. هُوَ الْمَوْقُوف، وَالْخَبَر: هُوَ الْمَرْفُوع، كَمَا حَقَّقَهُ أهلُ الأُصول، وَلَكِن المناسِب هُنَا هُوَ الْمَعْنى الشَّامِل لِلْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوف، كَمَا لَا يخفى، لِأَن المحلَّ محلُّ الْعُمُوم. وَالْمعْنَى أَن عُلُوم الشَّرِيعَة كلهَا بأُصولها وفروعها، لما كَانَت متوقِّفة على عِلم اللُّغَة توقُّفًا كُلِّيّا محتاجة إِلَيْهِ، وَجب على كلّ طَالب لأيّ عِلم كَانَ سَوَاء الشَّرِيعَة أَو غَيرهَا الاعتناءُ بِهِ، وَالْقِيَام بِشَأْنِهِ، والاهتمام فِيمَا يُوصل إِلَى ذَلِك، وَإِنَّمَا خصَّ علم الْأَثر دون غَيره مَعَ احْتِيَاج الْكل إِلَيْهِ لشرفه وَشرف طالبيه، وعَلى النُّسْخَة الثَّانِيَة: وَجب على كلِّ طَالب علمٍ سِيمَا طَالب علم الْآدَاب، الَّتِي مِنْهَا النَّحْو والتصريف وصنعة الشّعْر وأخبار الْعَرَب وأنسابهم، مزيدُ الاعتناء بِمَعْرِِفَة علْم اللُّغَة، لِأَن مُفاد الْعُلُوم الأدبية غَالِبا فِي تَرْصِيع الْأَلْفَاظ البديعة المستملَحة، وبعضُها الحُوشِيّة، وَتلك لَا تعرف إلاّ بهَا، كَمَا هُوَ ظَاهر (أَن يَجعلوا) أَي يصيروا (عُظْم) بِضَم الْعين الْمُهْملَة، كَذَا فِي نُسْخَة شَيخنَا سيّدي عبد الْخَالِق، وَفِي أُخرى مُعظم بِزِيَادَة الْمِيم وَفِي بَعْضهَا أعظم بِزِيَادَة الْألف (اجتهادهِم واعتمادِهم) أَي استنادهم (وَأَن يَصْرِفوا) أَي يُوجِّهوا (جُلَّ) كجُلال، لَا يُذْكران إِلَّا مُضَافا وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ (عِنايتهم) أَي اهتمامهم (فِي ارْتيادهم) أَي فِي طَلَبهمْ، من ارتاد ارتيادًا، مجرَّدُه رَادَ الشيءَ يَروده رَوْدًا وَيسْتَعْمل بِمَعْنى الذّهاب والمجيءِ وَهُوَ الْأَنْسَب للمقام (إِلَى عِلم اللُّغَة) وَقد يُقَال إِن علم اللُّغَة من جملَة

стр. 65

عُلُوم الْأَدَب، كَمَا نَص عَلَيْهِ شَيخنَا طَابَ ثراه، نقلا عَن ابْن الأنصاريّ، فيَلزم حِينَئِذٍ احتياجُ الشَّيْء إِلَى نَفسه وتوقُّفه عَلَيْهِ، وَالْجَوَاب ظاهرٌ بِأَدْنَى تأمُّل (والمعرِفة) هِيَ عبارَة عَمَّا يحصل بعد الجهلِ، بِخِلَاف الْعلم (بِوُجوهها) جمع وَجْه، وَهُوَ من الْكَلَام الطريقُ الْمَقْصُود مِنْهُ (والوُقوف) أَي الِاطِّلَاع (على مُثُلها) بِضَمَّتَيْنِ جمع مِثال، وَهُوَ صِفة الشَّيْء ومِقداره (ورُسُومها) جمع رَسْم بِالْفَتْح وَهُوَ الْأَثر والعلامة، ثمَّ إِن الضمائر كلهَا رَاجِعَة إِلَى اللُّغَة، مَا عدا الْأَخيرينِ، فَإِنَّهُ يحْتَمل عودُهما إِلَى الْوُجُوه، وَفِي التَّعْبِير بالمُثل والرُّسوم مَا لَا يخفى على الماهر من الْإِشَارَة إِلَى دُرُوسِ هَذَا العِلم وذَهابِ أَهله وأُصولِه، وَإِنَّمَا البارَع من يقف على الْمثل والرسوم (وَقد عُنِي) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فِي اللُّغَة الفصيحة، وَعَلَيْهَا اقْتصر ثعلبٌ فِي الفصيح، وَحكى صاحبُ اليواقيت الفَتحَ أَيْضا أَي اهتم (بِهِ) أَي بِهَذَا الْعلم (مِنَ السَّلَف) هم العلماءُ المتقدمون فِي الصدْر الأوّل من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم (والخَلف) المتأخِّرون عَنْهُم والقائمون مَقامهم فِي النّظر وَالِاجْتِهَاد (فِي كُلِّ عَصْرٍ) أَي دهرٍ وزَمانٍ (عِصَابَة) الْجَمَاعَة من الرّجال مَا بَين العَشرة إِلَى الْأَرْبَعين، كَذَا فِي لِسَان الْعَرَب، وَفِي شمس الْعُلُوم: الْجَمَاعَة من الناسِ والخيلِ والطيرِ، والأنسب مَا قَالَه الْأَخْفَش: العُصْبة والعصابة الْجَمَاعَة لَيْسَ لَهُم واحدٌ (هُمْ أهلُ الْإِصَابَة) أَي الصَّواب أَي هم مستحقُّون: لَهُ ومستوجبون لحيازته، وَفِي الفقرتين لُزومُ مَا لَا يلْزم، وَذَلِكَ لأَنهم (أحْرَزوا) أَي حازوا (دَقَائِقَه) أَي غوامِضه اللطيفة (وأَبْرَزُوا) أَي أظهرُوا وَاسْتَخْرَجُوا بأفكارهم (حَقائقه) أَي مَا هِيَّاته الْمَوْجُودَة، وَفِي القوافي الترصيع وَلُزُوم مَا لَا يلْزم (وعَمَرُوا) مخفَّفا، كَذَا هُوَ مضبوط فِي نسخنا (دِمَنَه) جمع دِمْنة، وَهِي آثَار الدّيار وَالنَّاس (وفَرَعوا) بِالْفَاءِ كَذَا هُوَ مضبوطٌ، أَي صعدوا وعَلَوْا، وَفِي بعض النّسخ بِالْقَافِ وَهُوَ غلط (قُننه) جمع قُنَّة بِالضَّمِّ وَهِي أعلَى الْجَبَل (وقَنَصوا) أَي اصطادوا

стр. 66

(شَوَارِدَه) جمع شاردة أَو شارد، من الشرود: النفور، وَيسْتَعْمل فِيمَا يُقَابل الفصيح (ونَظَمُوا) أَي ضمُّوا وجمعوا (قَلائدَه) جمع قِلادة، وَهِي مَا يُجعَل فِي العُنق من الحلى والجواهر (وأَرْهَفُوا) أَي رَقَّقوا ولَطَّفوا (مَخَاذِم) جمع مِخْذم كمِنْبر: السيفُ القاطِع (البَرَاعة) مصدر بَرَع إِذا فاقَ أَصْحَابه فِي الْعلم وَغَيره، وتمّ فِي كل فَضِيلَة (وأَرْعَفوا) أَي أَسَالوا دم (مَخاطِمَ) جمع مخْطم كَمِنْبر وَكمَجْلس: الْأنف (اليَرَاعة) أَي قَصبة الكِتابة، أَي أَجْروْا دمَ أَنفِ القَلَم، وَيُقَال رَعَفت الأقلامُ إِذا تقاطر مِدادُها. وَفِي القوافي الترصيع، وَبَين أرهفوا وأرعفوا جناسٌ مُلْحق، وَفِي البراعة واليراعة الجناس المُصحَّف، وَفِي كلٍّ مَجازاتٌ بليغة واستعاراتٌ بديعة (فألّفوا) أَي جمعُوا الفنَّ مُؤتلِفاً بعْضُه إِلَى بعضٍ (وأفادُوا) أَي بَذَلوا الفائدَة (وصَنَّفُوا) أَي جَمعوا أَصْنَاف الفنِّ مميّزة مُوضّحة (وأجادُوا) أَي أَتَوا بالجَيِّد دون الرّديء، وَفِي الألفاظِ الْأَرْبَعَة الترصيعُ والجناس اللَّاحِق (وبَلَغوا) أَي انتَهوْا ووَصَلُوا (مِن المقاصِد) جمع مَقْصَد كمقْعَد أَي الْمُهِمَّات المَقصودة (قَاصِيَتها) هِيَ وقُصْواها بِمَعْنى أَبْعدِها ومُنتهاها (وملَكوا) أَي استوْلَوْا (مِن المحاسِن) جمع حُسْن وَهُوَ الْجمال، كالمَساوى جمع سُوء (نَاصِيَتَها) أَي رَأْسَهَا، وَهُوَ كِناية عَن المِلْكِ التامّ والاستيلاء الكُلِّيِّ، وَفِي الْفَقْرَة لُزُوم مَا لَا يلْزم، والجِناس اللَّاحِق (جَزاهُم الله) أَي كافأَهم (رِضْوانَه) أَي أعظم خيرِه وكثيرَ إنعامه، قَالَ شَيخنَا: وَأخرج الترمِذِيُّ والنَّسائيُّ وَابْن حبَان بأسانيدهم إِلَى النَّبِي قَالَ " مَنْ صُنِعَ، إِلَيْهِ مَعرُوفٌ فَقَالَ لفَاعِله: جَزاك اللهُ خَيراً فقد أَبْلَغ فِي الثَّناء ". قلت: وَقع لنا هَذَا الحَدِيث عَالِيا فِي الجزءِ الثَّانِي من المشيخة الغَيلانِيَّة من طَرِيق أبي الجَوَّاب أَحْوَص بن جوَّاب، حَدثنَا سُعيْر بن الخِمْسِ، حَدثنَا سُليمان

стр. 67

التَّيمي، عَن أبي عُثمان النَّهْدِيّ، عَن أُسامة بن زيدٍ ﵁، فَذكره. وَفِي أُخرى عَنهُ " إِذا قالَ الرجُلُ لِأَخِيهِ: جَزاكَ اللهُ خيرا فقد أبْلَغ " (وأَحَلّهم) أَي أنزلهم (مِن رِيَاض) جمع رَوْضة أَو رَيْضة وَقد تقدم (القُدْس) بِضَم فَسُكُون وَقيل بضمَّتين ورِياض الْقُدس هِيَ حَظيرَتُه، وَهِي الجَنّة، لكَونهَا مُقدَّسة أَي مُطهَّرَة مُنزَّهة عَن الأقذار (مِيطانه) المِيطان كمِيزان موضِعٌ يُهيَّأ لإرسال خَيْلِ السِّباق، فَيكون غَايَة فِي الْمُسَابقَة، أَي وأنزلهم، من محلَاّت الجِنان أَعْلَاهَا، وَمَا تَنتهِي إِلَيْهَا الغاياتُ، بِحَيْثُ لَا يكون وراءَها مَرْمَى أبصارٍ، وَالضَّمِير يعود إِلَى الْقُدس، وَلَو قَالَ رَوْض القُدس كَانَ أجلَّ، كَمَا لَا يَخفى، وَلَكِن الرِّواية مَا قَدَّمنا، وَمِنْهُم من قَالَ إِن مِيطان جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ، وتكلَّف لتصحيح مَعْنَاهُ فَاعْلَم أَنه من التأويلات الْبَعِيدَة الَّتِي لَا يُلتَفت إِلَيْهَا وَلَا يُعوَّل عَلَيْهَا. (هَذَا) هُوَ فِي الأَصْل أَدَاة إِشَارَة للقريب، قُرنت بأداة التَّنْبِيه، وأُتي بِهِ هُنَا للانتقال من أُسلوب إِلَى أُسلوب آخَر، وَيُسمى عِنْد البلغاء فصْل الخِطاب. وَالْمعْنَى خُذْ هَذَا أَو اعتمِدْ هَذَا (وَإِنِّي قد) أَي وَالْحَال أَنِّي قد (نَبَغْت) بالغين الْمُعْجَمَة، كَذَا قرأته على شَيخنَا أَي فقت غَيْرِي (فِي هَذَا الفنّ) أَي اللُّغَة، وَمِنْهُم من قَالَ: أَي ظَهرت، والتفوّق أَوْلى من الظُّهُور، وَفِي النُّسْخَة الرسولية فِي هَذَا الصِّغْو بِالْكَسْرِ، أَي النَّاحِيَة من الْعلم، واستغرَبها شيخُنا واستصوب النُّسْخَة الْمَشْهُورَة، وَهِي سماعُنا على الشُّيُوخ، وَاسْتعْمل الزمخشريُّ هَذِه اللَّفْظَة فِي بعض خطب مؤلّفاته، وَفِي بعض النّسخ نَبعْت بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَعَلَيْهَا شرح القَاضِي عِيسَى بن عبد الرَّحِيم الكجراتي وَغَيره، وتكلَّفوا لمعناه، أَي خرجت من ينبوعه، وَأَنت خبيرٌ بِأَنَّهُ تكلّف مَحّض، ومخالف للروايات، وَقيل: إِن نبَع بالمهملةِ لُغَة فِي نبغ بِالْمُعْجَمَةِ، فَزَالَ الْإِشْكَال (قَدِيما) أَي فِي الزَّمن الأوّل حَتَّى حَصلتْ لَهُ مِنه الثَّمَرَة (وَصَبَغَت) أَي لوَّنت (بِهِ) أَي بِهَذَا الْفَنّ (أَدِيما) أَي الجِلد المدبوغ،

стр. 68

أَي امتزج بِي هَذَا الْفَنّ امتزاجَ الصِّبغ بالمصبوغ (وَلم أَزَلْ) كَذَا الرِّوَايَة عَن الشُّيُوخ، أَي لم أبرَحْ، وَفِي بعض النّسخ لم أَزُلْ، بِضَم الزَّاي، مَعْنَاهُ لم أفارِق، من الزَّوال، وَفِيه تعسُّف ظَاهر (فِي خِدمته مُستدِيما) أَي دَائِما متأنياً فِيهَا. وَفِي الفقرات لُزُوم مَا لَا يلْزم (وكنتُ بُرْهَة) بِالضَّمِّ، وروى الْفَتْح، قَالَ العكبريّ عَن الجوهريّ، هِيَ الْقطعَة من الزَّمَان، وَقَوله (من الدَّهْر) أَي الزَّمن الطَّوِيل، وَيقرب مِنْهُ مَا فسّره الرَّاغِب فِي الْمُفْردَات: إِنَّه فِي الأَصْل اسْم لمُدَّة العالَم من ابْتِدَاء وجوده إِلَى انقضائه، وَمِنْهُم من فسَّر البُرهة بِمَا صدَّر بِهِ المُصَنّف فِي المادَّة، وَهُوَ الزَّمن الطَّوِيل، ثمَّ فسّر الدَّهْر بِهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه، وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ فِي مَعزِل عَن اللطافة وَإِن أورد بعضُهم صِحَّته بتكلّف، قَالَه شَيخنَا (ألتمِسُ) أَي أطلب طلبا أكيداً مرَّةً بعد مرَّةٍ (كِتاباً) أَي مُصنَّفاً مَوْضُوعا فِي هَذَا الْفَنّ، مَوْصُوفا بِكَوْنِهِ (جَامعا) أَي مُستقصِياً لأكثرِ الفنِّ مملوءًا بغرائبه، وَيُوجد فِي بعض النّسخ قبل قَوْله جَامعا " باهراً "، وَلَيْسَ فِي الأُصول المصححة (بَسيطا) وَاسِعًا مُشْتَمِلًا على الْفَنّ كلّه أَو أَكْثَره مَبْسُوطا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن غَيره (ومُصنَّفا) هَكَذَا فِي النّسخ وَفِي بَعْضهَا تَصنيفاً (على الفُصح) بِضَمَّتَيْنِ، جمع فَصيح كقَضيب وقُضُب أَو بِضَم فَفتح ككُبْرى وكُبَر (والشوارِد) هِيَ اللُّغَات الحُوشية الغَريبة الشاذَّة (مُحِيطا) أَي مُشْتَمِلًا، وَلذَا عُدِّيَ بعَلى، أَو أَن عَلَى بِمَعْنى الْبَاء، فَتكون الْإِحَاطَة على حَقِيقَتهَا الْأَصْلِيَّة (ولمَّا أعياني) أَي أتعبني وأعجزني عَن الْوُصُول إِلَيْهِ (الطلاب) كَذَا فِي النّسخ والأُصول، وَهُوَ الطَّلَب، ويأْتي من الثلاثي فَيكون فِيهِ معنى الْمُبَالغَة، أَي الطّلب الْكثير، وَفِي نُسْخَة الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن غَانِم المقدسيّ رَحمَه الله تَعَالَى التَّطلاب، بِزِيَادَة التَّاء، وَهُوَ من المصادر القياسيَّة تأْتي غَالِبا للْمُبَالَغَة (شَرَعْت فِي) تأليف (كتابي) أَي مُصَنَّفي (المَوْسُوم) أَي المجعول لَهُ سِمَة وعلامة (باللامِع المُعْلَم العُجاب) هُوَ عَلَم الكتابِ، واللامع: المضيء، والمعلم

стр. 69

كمُكْرَم: البُرْدُ المخطَّط، وَالثَّوْب المنقَّش، والعُجاب كغُراب بِمَعْنى عَجيب، كَذَا فِي تَقْرِير سيّدي عبد السَّلَام اللَّقاني على كنوز الْحَقَائِق، وَالصَّحِيح أَنه يَأْتِي للْمُبَالَغَة وَإِن أسْقطه النُّحَاة فِي ذكر أوزانها، فَالْمُرَاد بِهِ مَا جَاوز حَدَّ اللُّغَة، كَذَا فِي الكَشَّاف، وَقد نقل عَن خطِّ المُصَنّف نَفسه غيرُ واحدٍ أَنه كتب على ظهْرِ هَذَا الْكتاب أَنه لَو قُدِّر تمامُه لَكَانَ فِي مائَة مُجَلَّد، وَأَنه كمَّل مِنْهُ خَمْس مُجَلَّدَات (الجامِع بَين المُحْكم) هُوَ تأليف الإِمَام الْحَافِظ الْعَلامَة أبي الْحسن عليّ بن إِسْمَاعِيل الشهير بِابْن سِيدَه الضَّرِير ابْن الضَّرِير اللّغَوِيّ، وَهُوَ كتاب جامعٌ كبيرٌ، يشْتَمل على أَنْوَاع اللُّغَة، توفّي بِحَضْرَة دَانِية سنة ٤٥٨ عَن ثَمَانِينَ سنة (والعُبَاب) كغُراب تأليف الإِمَام الْجَامِع أبي الْفَضَائِل رَضِيِّ الدّين الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن حَيدر العُمَرِيّ الصَّغاني الْحَنَفِيّ اللغويّ وَهَذَا الْكتاب فِي عشْرين مجلدًا، وَلم يكمل، لِأَنَّهُ وصل إِلَى مَادَّة بكم، كَذَا فِي المزهر، وَله شوارق الْأَنْوَار وَغَيره، توفّي ١٩ شعْبَان سنة ٦٥٠ بِبَغْدَاد، عَن ثَلَاث وَسبعين سنة، وَدفن بِالْحَرِيمِ الطاهريّ، وَهَذَا الْكتاب لم أطّلع عَلَيْهِ مَعَ كَثْرَة بحثي عَنهُ، وَأما الْمُحكم المتقدّم ذِكره عِندي مِنْهُ أَربع مُجلدات، وَمِنْهَا مادّتي فِي هَذَا الشَّرْح. وَفِي مُقَابلَة الْجَامِع باللامع، والمعلم بالمحكم، والعجاب بالعباب، ترصيع حسن (وهُمَا) أَي الكِتابان، هَكَذَا فِي نسختنا، وَفِي أُخْرَى بِحَذْف الْوَاو، وَفِي بَعْضهَا بِالْفَاءِ بدل الْوَاو (غُرَّتَا) تَثْنِيَة غُرَّة، وَفِي بعض النّسخ بِالْإِفْرَادِ (الكُتُب المصَنّفَة فِي هَذَا الْبَاب) أَي فِي هَذَا الْفَنّ، وَالْمرَاد وصفهما بِكَمَال الشُّهرة، أَو بِكَمَال الحُسْن، على اخْتِلَاف إِطْلَاق الأغرّ، وَفِي اسْتِعَارَة أَو تَشْبِيه بليغ (ونَيِّرا) تثنيةُ نيّر كسَيِّد، وَهُوَ الْجَامِع للنُّور الممتلئ بِهِ، والنَّيِّران: الشَّمْس وَالْقَمَر، والتثنية وَالْوَصْف كِلَاهُمَا على الْحَقِيقَة (بَرَاقع) جمْع بِرْقِعَ السَّمَاء السَّابِعَة أَو الرَّابِعَة أَو الأولى، وَالْمعْنَى: هذانِ الكتابانِ هما النِّيرانِ المشرقانِ الطالعانِ

стр. 70

فِي سَمَاء (الفَضْل والآداب) وَمِنْهُم من فسَّر البُرْقُع بِمَا تَستتر بِهِ النِّسَاء، أَو نيّر البرقع هُوَ مَحل مَخْصُوص مِنْهُ، وتمحَّل لبَيَان ذَلِك بِمَا تمجُّه الأسماع، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْهَام وأفكار تخالِف النَّقْل وَالسَّمَاع. وعطْف الْآدَاب على الْفضل من عطف الخاصّ على العامّ (وضَمَمْت) أَي جمعت (إِلَيْهِمَا) أَي الْمُحكم والعباب (فَوَائِد) جمع فَائِدَة، وَهِي مَا استفدْته من عِلم أَو مَال (امتلَا) بِغَيْر همز من مَلِئ كفرِحِ إِذا صَار مملوءًا (بهَا) أَي بِتِلْكَ الْفَوَائِد (الوِطاب) بِالْكَسْرِ جمع وَطْب بِالْفَتْح فالسكون، هُوَ الظّرْف، وَله معَان أُخَرُ غير مُرادةٍ هُنَا (واعتَلَى) أَي ارْتَفع (مِنْهَا) أَي من تِلْكَ الْفَوَائِد (الخِطاب) هُوَ تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الغَيْر للإفهام، وَفِي بعض النّسخ " زيادات " بدل " فَوَائِد ". وَبَين امتلا واعتلَى ترصيع، وَبَين الوطاب وَالْخطاب جِناس لَاحق (ففاقَ) أَي علا وارتفع بِسَبَب مَا حواه (كلَّ مُؤلَّف فِي هَذَا الْفَنّ) أَي اللُّغَة، بَيَان للْوَاقِع (هَذَا الْكتاب) فَاعل فاق، وَالْمرَاد بِهِ الْكتاب المتقدِّم ذِكرُه (غير أَنِّي) كَذَا فِي النّسخ المقروءة، وَفِي بَعْضهَا " أَنه " على أَن الضَّمِير يعود إِلَى الْكتاب (خَمَّنْته) أَي قدَّرته وتوهَّمت مَجيئه (فِي ستِّين سِفْرًا) قَالَ الفرَّاء: الْأَسْفَار: الكُتب العِظام، لِأَنَّهَا تُسْفِر عمَّا فِيهَا من الْمعَانِي إِذا قُرِئَت، وَفِي نُسْخَة من الأُصول المكّية: ضَمَّنته، بالضاد الْمُعْجَمَة بدل الْخَاء، وَفِي شِفَاء الغليل لِلشِّهَابِ الخفاجيّ تبعا للسيوطيّ فِي المزهر أَن التخمين لَيْسَ بعرَبيّ فِي الأَصْل. وَفِي نُسْخَة أُخْرَى من الأُصول الزَّبيدية زِيَادَة " بِحَمْد الله " بعد " خمنته " (يُعجِز) أَي يعيى (تَحصيلُه) فَاعل يعجز (الطُّلَاّب) جمع طَالب، كرُكَّاب وراكب، أَي لكثرته، أَو لطوله. وَفِي نُسْخَة ميرزا عَليّ الشِّيرَازِيّ يَعجَز عَن تَحْصِيله الطلاّب (وسُئلت) أَي طَلَب مني جمَاعَة (فِي تَقْدِيم كتاب وَجِيزٍ) أَي أُقدّم لَهُم كتابا آخرَ

стр. 71

مَوْصُوفا بصِغَر الحجْمِ مَعَ سُرْعة الْوُصُول إِلَى فهم مَا فِيهِ، وَالَّذِي يظْهر عِنْد التأمُّل أَن السُّؤَال حَصل فِي الِانْصِرَاف عَن إتْمَام اللامع لِكثرة التَّعَب فِيهِ إِلَى جمع هَذَا الْكتاب (على ذَلِك النِّظام) أَي النهْج والأُسلوب، أَو الْوَضع وَالتَّرْتِيب السَّابِق (وعَمَلٍ) مَعْطُوف على كتاب أَي خَاص (مُفرَّغ) بِالتَّشْدِيدِ، أَي مَصبوب، من فَرِغَ إِذا انْصَبَّ، لَا من فَرَغ إِذا خلا كفرَغَ الْإِنَاء أَو فنِيَ كفرَغَ الزادُ، وتشبيهُ الْعَمَل بالشَّيْء الْمَائِع اسْتِعَارَة بالكِناية، وَإِثْبَات التفريغ لَهُ تَخييلية على رَأْي السَّكَّاكِي، وعَلى رَأْي غَيره تحقيقيّة تَبعيّة (فِي قَالَب) بِفَتْح اللَّام وتكسر آلَة كالمِثال يُفرَغ فِيهَا الجواهرُ الذائبة (الإيجاز) الِاخْتِصَار (والإحكام) أَي الإتقان (مَعَ الْتِزَام إتْمَام الْمعَانِي) أَي إنهائها إِلَى حدٍّ لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء خَارج عَنهُ، والمعاني جمع معْنًى، وَهُوَ إِظْهَار مَا تَضمَّنه اللَّفْظ، من عَنَتِ القِرْبة: أظَهَرت ماءَها، قَالَه الرَّاغِب (وإبرام) أَي إحكام (المباني) جمع مَبنى، اسْتعْمل فِي الْكَلِمَات والألفاظ والصِّيغِ الْعَرَبيَّة، وَفِي الفقرتين الترصيع. وَفِي بعض النّسخ إبراز بدل إبرام، أَي الْإِتْيَان بِها ظَاهِرَة من غير خفاءٍ (فصَرَفْت) أَي وَجَّهْت (صَوْب) أَي جِهة وناحية، وَهُوَ مِمَّا فَاتَ المؤلّف (هَذَا المقصِد عِناني) أَي زِمامي (وألّفت هَذَا الكتابَ) أَي الْقَامُوس، وللسيّد الشريف الْجِرْجَانِيّ قُدِّس سرّه فِي هَذَا كَلَام نَفِيس فَرَاجعه (مَحذُوف الشواهِد) أَي متروكها، والشواهد هِيَ الجزئيات الَّتِي يُؤْتى بهَا لإِثْبَات الْقَوَاعِد النحوية، والألفاظ اللُّغَوِيَّة، والأوزان العَروضية، من كَلَام الله تَعَالَى، وَحَدِيث رَسُول الله ، أَو من كَلَام الْعَرَب الموثوقِ بعرَبيَّتهم على أَن فِي الِاسْتِدْلَال بِالثَّانِي

стр. 72

اخْتِلَافا وَالثَّالِث هم العرَب العَرْباءُ الجاهليّة والمخضرمون والإسلاميون لَا الموَلَّدون، وهم على ثلاثِ طبقاتٍ، كَمَا هُوَ مُفَصَّل فِي محلّه (مطرُوح الزوائدِ) قريب من مَحْذُوف الشواهد، وَبَينهمَا الموازنة (مُعْرِباً) أَي حَالَة كَونه موضِّحاً ومُبَيِّناً (عَن الفُصح والشَّوَارد) وَتقدم تفسيرهما (وجَعلْتُ بِتَوْفِيق الله) جلّ وَعلا، وَهُوَ الإلهام، لوُقُوع الْأَمر على الْمُطَابقَة بَين الشَّيْئَيْنِ (زُفَراً) كصُرَد: البَحر (فِي زِفْر) بِالْكَسْرِ القِرْبة أَي بَحرًا متلاطماً فِي قِرْبة صَغيرة، وَهُوَ كِنَايَة عَن شدّة الإيجاز وَنِهَايَة الِاخْتِصَار، وَجمع الْمعَانِي الْكَثِيرَة فِي الْأَلْفَاظ القليلة، هَذَا الَّذِي قرَّرناه هُوَ المسموع من أَفْوَاه مَشَايِخنَا، وَمِنْهُم من تمحَّل فِي بَيَان هَذِه الْجُمْلَة بمعانٍ أُخَر لَا تَخْلُو عَن التكلُّفات الحَدْسِيَّة الْمُخَالفَة للنقول الصَّرِيحَة (ولخَّصْت) أَي بَيَّنْت وهَذَّبت (كلَّ ثلاثينَ سِفْراً) أَي جعلت مُفادَها ومَعناها (فِي سِفْر) وَاحِد (وضمَّنْته) أَي جَعلت فِي ضِمْنِه وأَدرجت فِيهِ (خُلاصَة) بِالضَّمِّ بِمَعْنى خالِص ولُباب (مَا فِي) كتابي (العُباب والمُحْكم) السَّابِق ذكرهمَا (وأَضفْتُ) أَي ضممت (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْمُخْتَصر من الْكِتَابَيْنِ (زِياداتٍ) يحْتَاج إِلَيْهَا كلُّ لغويّ أَريب، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا كل أديب، فَلَا يُقَال إِن كَلَام المُصَنّف فِيهِ الْمُخَالفَة لما تقدم من قَوْله مطروح الزَّوَائِد، (مَنَّ الله تَعَالَى بهَا) أَي بِتِلْكَ الزِّيادات أَي هِيَ مَواهِبُ إلهِيّة مِمَّا فتح الله تَعَالَى بهَا (عَلَىَّ وأَنعم) أَي أعْطى وَأحسن (ورَزقنيها) أَي أعطانيها (عِند غَوْصي عَلَيْهَا) أَي تِلْكَ الزِّيَادَات، وَهُوَ كِنَايَة عَمَّا استنبطَتْه أفكارُه السليمة (من بُطُون الكُتب) أَي أجوافها (الفاخِرة) أَي الجيّدة أَو الْكَثِيرَة الْفَوَائِد أَو المعتمَدَة المعوَّل عَلَيْهَا (الدَّأْمَاءِ) ممدودًا هُوَ الْبَحْر (الغَطَمْطَم) هُوَ الْعَظِيم الْوَاسِع المنبسِط،

стр. 73

وَهُوَ من أَسمَاء الْبَحْر أَيْضا إِلَّا أَنه أُريد هُنَا مَا ذَكرْنَاهُ، لتقدم الدَّأْماء عَلَيْهِ، فالدأْماء مفعول أوّل لغوْصي وَهُوَ تَارَة يستغنِي بالمفعول الْوَاحِد، وَتارَة يحْتَاج إِلَى مفعول آخَر فيتعَدَّى إِلَيْهِ بعَلَى، ومِنْ بَيانِيَّة حالٌ من الدأْماء (وأَسَمَيْته) كسمَّيته بِمَعْنى وَاحِد، وهما من الْأَفْعَال الَّتِي تتعدّى للْمَفْعُول الأول بِنَفسِهَا وَللثَّانِي تَارَة بِنَفسِهَا وَتارَة بِحرف جر، فالمفعول الأول الضَّمِير الْعَائِد للْكتاب، وَالْمَفْعُول الثَّانِي (القَامُوسَ) هُوَ الْبَحْر (الْمُحِيط) وَيُوجد فِي بعض نسخ المقلّدين التَّعَرُّض لبَقيَّة التَّسْمِيَة الَّتِي يُورِدها المُصَنّف فِي آخر الْكتاب، وَهُوَ قَوْله والقابوس الْوَسِيط، فَفِي بعضٍ الِاقْتِصَار على هَذَا، وَفِي أُخرى زِيَادَة " فِيمَا ذهب من لُغة الْعَرَب شَمَاطيط " وكل ذَلِك لَيْسَ فِي النّسخ الصَّحِيحَة وَيرد على ذَلِك أَيْضا قَوْله (لِأَنَّهُ) أَي الْكتاب (البحرُ الْأَعْظَم) فَإِن هَذَا قَاطع لبَقيَّة التَّسْمِيَة، قَالَ شَيخنَا: وَإِنَّمَا سمي كِتَابه هَذَا بالقاموس الْمُحِيط على عَادَته فِي إبداع أسامي مُؤَلّفاته، لإحاطته بلغَة الْعَرَب، كإحاطة الْبَحْر للرُّبْع الْمَعْمُور. قلت: أَي فَإِنَّهُ جمع فِيهِ سِتين ألف مَادَّة، زَاد على الْجَوْهَرِي بِعشْرين ألف مَادَّة، كَمَا أَنه زَاد عَلَيْهِ ابْن مَنْظُور الإفْرِيقِي فِي لِسَان الْعَرَب بِعشْرين ألف مَادَّة، وَلَعَلَّ المُصَنّف لم يطّلع عَلَيْهِ، وَإِلَّا لزاد فِي كِتَابه مِنْهُ، وَفَوق كل ذِي علم عليم، وَمِمَّا أَحْمد الله تَعَالَى على نعْمَته أَن كَانَ من جملَة موادّ شرحي هَذَا كتابُه الْمَذْكُور. قَالَ شَيخنَا ﵀: وَقد مَدح هَذَا الكتابَ غيرُ واحِدٍ مِمَّن عاصره وغيرُهم إِلَى زَمَاننَا هَذَا، وأَوْرَدوا فِيهِ أعارِيض مُخْتَلفَة، فَمن ذَلِك مَا قَالَه الأديب البارع نُور الدّين عليّ بن مُحَمَّد الْعَفِيف المكيّ الْمَعْرُوف بالعليفي. قلت: ووالده الأديب جمال الدّين مُحَمَّد بن حسن بن عِيسَى، شُهر بِابْن العليف، توفّي بِمَكَّة سنة ٨١٥، كَذَا فِي ذيل الْحَافِظ تَقِيّ الدّين بن فَهد على ذيل الشريف أبي المحاسن. ثمَّ قَالَ شَيخنَا:

стр. 74

وَقد سمعتهما من أشياخنا الْأَئِمَّة مرَّات، ورأيتهما بِخَط وَالِدي قدّس سرّه فِي مَوَاضِع من تقاييده، وسمعتهما مِنْهُ غير مرَّة، وَقَالَ لي إِنَّه قالهما لما قُرئ عَلَيْهِ كتاب الْقَامُوس: (مُذْ مَدّ مَجْدُ الدِّينِ فِي أَيَّامِهِ ... مِنْ بعْضِ أَبْحُرِ عِلْمِهِ القَامُوسَا) (ذَهَبَتْ صَحَاحُ الجَوْهَرِيِّ كأَنَّها ... سِحْرُ المدائِن حِينَ أَلْقَى مُوسَى) وَفِي بعض الرِّوَايَات " وَاحِد عصره " بدل " فِي أَيَّامه " و " فيض " بدل " بعض " و " أضحت " بدل " ذهبت ". قلت: وَمثله أنشدنا الأديب البارع عُثْمَان بن عليٍّ الجبيلي الزَّبيدي والفقيه المفنّن عبد الله بن سُليمان الجرهزِي الشَّافِعِي إِلَّا أَنَّهُمَا نسباهما إِلَى الإِمَام شهَاب الدّين الردّاد، أنشدهما لما قُرئ عَلَيْهِ الْقَامُوس، وَنَصّ إنشادهما. (مُذْ مَدّ مجدُ الدّين فِي أرجَائنا ... ) وَفِي " القاموسا " و " ألْقى مُوسَى " جناس تَامّ، وَقد استظرَفَت أديبة عَصْرِها زَيْنَب بنت أَحْمد بن مُحَمَّد الحسنية المتوفاة بشهارة سنة ١١١٤ إِذْ كتبت إِلَى السَّيِّد مُوسَى بن المتَوَكل تطلب مِنْهُ الْقَامُوس فَقَالَت: (مَوْلَاي مُوسَى بالذِي سَمَكَ السَّمَا ... وبِحَقِّ مَنْ فِي اليَمِّ أَلْقَى مُوسَى) (أُمْنُنْ عليّ بِعَارَةٍ مَرْدُودَةٍ ... واسْمَح بفضْلِك وابْعَثِ القَامُوسَا) قَالَ شَيخنَا: وَقد رَدّ على القَوْل الأوّل أديبُ الشأْم وصُوفِيّه شيخ مَشَايِخنَا العلاّمة عبدُ الْغَنِيّ بن إِسْمَاعِيل الكِناني الْمَقْدِسِي الْمَعْرُوف بِابْن النابُلسي، قدس سره، كَمَا أسمعنا غيرُ واحدٍ من مَشَايِخنَا الْأَعْلَام عَنهُ: (مَنْ قَال قَدْ بَطَلَتْ صِحَاحُ الجَوْهَرِي ... لَمَا أَتى القَامُوسُ فَهْوَ المُفْتَرِي) (قُلْتُ اسْمُه القَامُوسُ وَهْوَ البَحْرُ إنْ ... يَفْخَرْ فَمُعْظَمُ فَخْرِه بالجَوْهَرِي) (قلت) وأصل ذَلِك قَول أبي عبد الله ﵀:

стр. 75

(لله قاموسٌ يَطيبُ وُرُودُه ... أَغْنَى الوَرَى عَنْ كُلِّ مَعْنًى أَزْهَرِ) (نَبَذ الصحاحَ بلَفظه والبَحْر مِن ... عَادَاته يُلْقِي صحَاحَ الجَوْهَرِي) ونُقل من خطّ المجدِ صاحِبِ الْقَامُوس قَالَ: أنشدنا الفقيهُ جمالُ الدّين مُحَمَّد ابْن صباح الصباحيّ لنَفسِهِ فِي مدح هَذَا الْكتاب: (مَنْ رَامَ فِي اللُّغَةِ العُلُوَّ عَلَى السُّهَا ... فَعَلَيْه مِنْهَا مَا حَوى قامُوسُهَا) (مُغْنٍ عَنِ الكُتُبِ النَّفيسَةِ كُلِّها ... جَمَّاعُ شَمْلِ شَتِيتِهَا نامُوسُهَا) (فَإذا دَوَاوِينُ العُلُومِ تَجَمَّعَتْ ... فِي مَحْفِلٍ للدَّرْسِ فَهْوَ عَرُوسُهَا) (للهِ مَجْدُ الدِّينِ خَيْرُ مُؤَلِّفٍ ... مَلَك الأئمَّةَ وافتَدَتْه نُفُوسُها) وَوجدت لبَعْضهِم مَا نصّه: (ألَا لَيْسَ مِنْ كُتْبِ اللُّغاتِ مُحَقَّقًا ... يُشَابِهُ هذَا فِي الإحاطَةِ والجَمْعِ) (لَقَدْ ضَمَّ مَا يَحْوِي سِوَاهُ وفَاقَه ... بِما اختَصَّ مِنْ وَضْعٍ جَمِيلٍ وَمن صُنْعِ) (وَلما رأيتُ إقبال الناسِ) أَي توجُّه خاطِرِ عُلَمَاء وقته وَغَيرهم بالاعتناء الزَّائِد والاهتمام الكثيرِ (على صِحاح) الإِمَام أبي نصر إِسْمَاعِيل بن نصر بن حَمّاد (الجوهريِّ) لِبيع الْجَوْهَر، أَو لحسن خَطِّهِ أَو غير ذَلِك، الفارابيّ نِسبةً إِلَى مَدِينَة بِبِلَاد التّرْك، وَسَيَأْتِي فِي ف ر ب من أذكياء الْعَالم، وَكَانَ بخطِّه يُضرَب الْمثل، توفّي فِي حُدُود الأربعمائة، على اخْتِلَاف فِي التَّعْيِين، اختُلِف فِي ضَبْط لفظ الصِّحَاح، فالجاري على ألسِنة النَّاس الْكسر، ويُنكرون الفَتح، ورَجّحه الْخَطِيب التبريزي على الْفَتْح، وأَقرَّه السُّيُوطِيّ فِي المزهر، وَمِنْهُم من رجَّح الْفَتْح، قَالَ شَيخنَا: وَالْحق صِحَّة الرِّوَايَتَيْنِ وثبوتُهما من حَيْثُ الْمَعْنى، وَلم يرد عَن الْمُؤلف فِي تَخْصِيص أحدِهما بالسَّند الصَّحِيح مَا يُصار إِلَيْهِ وَلَا يُعْدل عَنهُ (وَهُوَ) أَي الْكتاب أَو مُؤَلفه (جَدِير) أَي حَقيق وحَرِيّ (بذلك) الإقبال، قَالَ شَيخنَا: وَقد مدحه غيرُ وَاحِد من الأفاضل، ووصفوا كِتابه بالإجادة، لالتزامه الصَّحِيح، وبَسْطه الْكَلَام، وإيراده
следующие страницы →