← Гариб и словари

Гариб и словари · id 7030

تاج العروس من جواهر القاموس

مرتضى الزبيدي

Полный текст (21 562 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مَوْصُوفا بصِغَر الحجْمِ مَعَ سُرْعة الْوُصُول إِلَى فهم مَا فِيهِ، وَالَّذِي يظْهر عِنْد التأمُّل أَن السُّؤَال حَصل فِي الِانْصِرَاف عَن إتْمَام اللامع لِكثرة التَّعَب فِيهِ إِلَى جمع هَذَا الْكتاب (على ذَلِك النِّظام) أَي النهْج والأُسلوب، أَو الْوَضع وَالتَّرْتِيب السَّابِق (وعَمَلٍ) مَعْطُوف على كتاب أَي خَاص (مُفرَّغ) بِالتَّشْدِيدِ، أَي مَصبوب، من فَرِغَ إِذا انْصَبَّ، لَا من فَرَغ إِذا خلا كفرَغَ الْإِنَاء أَو فنِيَ كفرَغَ الزادُ، وتشبيهُ الْعَمَل بالشَّيْء الْمَائِع اسْتِعَارَة بالكِناية، وَإِثْبَات التفريغ لَهُ تَخييلية على رَأْي السَّكَّاكِي، وعَلى رَأْي غَيره تحقيقيّة تَبعيّة (فِي قَالَب) بِفَتْح اللَّام وتكسر آلَة كالمِثال يُفرَغ فِيهَا الجواهرُ الذائبة (الإيجاز) الِاخْتِصَار (والإحكام) أَي الإتقان (مَعَ الْتِزَام إتْمَام الْمعَانِي) أَي إنهائها إِلَى حدٍّ لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء خَارج عَنهُ، والمعاني جمع معْنًى، وَهُوَ إِظْهَار مَا تَضمَّنه اللَّفْظ، من عَنَتِ القِرْبة: أظَهَرت ماءَها، قَالَه الرَّاغِب (وإبرام) أَي إحكام (المباني) جمع مَبنى، اسْتعْمل فِي الْكَلِمَات والألفاظ والصِّيغِ الْعَرَبيَّة، وَفِي الفقرتين الترصيع. وَفِي بعض النّسخ إبراز بدل إبرام، أَي الْإِتْيَان بِها ظَاهِرَة من غير خفاءٍ (فصَرَفْت) أَي وَجَّهْت (صَوْب) أَي جِهة وناحية، وَهُوَ مِمَّا فَاتَ المؤلّف (هَذَا المقصِد عِناني) أَي زِمامي (وألّفت هَذَا الكتابَ) أَي الْقَامُوس، وللسيّد الشريف الْجِرْجَانِيّ قُدِّس سرّه فِي هَذَا كَلَام نَفِيس فَرَاجعه (مَحذُوف الشواهِد) أَي متروكها، والشواهد هِيَ الجزئيات الَّتِي يُؤْتى بهَا لإِثْبَات الْقَوَاعِد النحوية، والألفاظ اللُّغَوِيَّة، والأوزان العَروضية، من كَلَام الله تَعَالَى، وَحَدِيث رَسُول الله ، أَو من كَلَام الْعَرَب الموثوقِ بعرَبيَّتهم على أَن فِي الِاسْتِدْلَال بِالثَّانِي

стр. 72

اخْتِلَافا وَالثَّالِث هم العرَب العَرْباءُ الجاهليّة والمخضرمون والإسلاميون لَا الموَلَّدون، وهم على ثلاثِ طبقاتٍ، كَمَا هُوَ مُفَصَّل فِي محلّه (مطرُوح الزوائدِ) قريب من مَحْذُوف الشواهد، وَبَينهمَا الموازنة (مُعْرِباً) أَي حَالَة كَونه موضِّحاً ومُبَيِّناً (عَن الفُصح والشَّوَارد) وَتقدم تفسيرهما (وجَعلْتُ بِتَوْفِيق الله) جلّ وَعلا، وَهُوَ الإلهام، لوُقُوع الْأَمر على الْمُطَابقَة بَين الشَّيْئَيْنِ (زُفَراً) كصُرَد: البَحر (فِي زِفْر) بِالْكَسْرِ القِرْبة أَي بَحرًا متلاطماً فِي قِرْبة صَغيرة، وَهُوَ كِنَايَة عَن شدّة الإيجاز وَنِهَايَة الِاخْتِصَار، وَجمع الْمعَانِي الْكَثِيرَة فِي الْأَلْفَاظ القليلة، هَذَا الَّذِي قرَّرناه هُوَ المسموع من أَفْوَاه مَشَايِخنَا، وَمِنْهُم من تمحَّل فِي بَيَان هَذِه الْجُمْلَة بمعانٍ أُخَر لَا تَخْلُو عَن التكلُّفات الحَدْسِيَّة الْمُخَالفَة للنقول الصَّرِيحَة (ولخَّصْت) أَي بَيَّنْت وهَذَّبت (كلَّ ثلاثينَ سِفْراً) أَي جعلت مُفادَها ومَعناها (فِي سِفْر) وَاحِد (وضمَّنْته) أَي جَعلت فِي ضِمْنِه وأَدرجت فِيهِ (خُلاصَة) بِالضَّمِّ بِمَعْنى خالِص ولُباب (مَا فِي) كتابي (العُباب والمُحْكم) السَّابِق ذكرهمَا (وأَضفْتُ) أَي ضممت (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْمُخْتَصر من الْكِتَابَيْنِ (زِياداتٍ) يحْتَاج إِلَيْهَا كلُّ لغويّ أَريب، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا كل أديب، فَلَا يُقَال إِن كَلَام المُصَنّف فِيهِ الْمُخَالفَة لما تقدم من قَوْله مطروح الزَّوَائِد، (مَنَّ الله تَعَالَى بهَا) أَي بِتِلْكَ الزِّيادات أَي هِيَ مَواهِبُ إلهِيّة مِمَّا فتح الله تَعَالَى بهَا (عَلَىَّ وأَنعم) أَي أعْطى وَأحسن (ورَزقنيها) أَي أعطانيها (عِند غَوْصي عَلَيْهَا) أَي تِلْكَ الزِّيَادَات، وَهُوَ كِنَايَة عَمَّا استنبطَتْه أفكارُه السليمة (من بُطُون الكُتب) أَي أجوافها (الفاخِرة) أَي الجيّدة أَو الْكَثِيرَة الْفَوَائِد أَو المعتمَدَة المعوَّل عَلَيْهَا (الدَّأْمَاءِ) ممدودًا هُوَ الْبَحْر (الغَطَمْطَم) هُوَ الْعَظِيم الْوَاسِع المنبسِط،

стр. 73

وَهُوَ من أَسمَاء الْبَحْر أَيْضا إِلَّا أَنه أُريد هُنَا مَا ذَكرْنَاهُ، لتقدم الدَّأْماء عَلَيْهِ، فالدأْماء مفعول أوّل لغوْصي وَهُوَ تَارَة يستغنِي بالمفعول الْوَاحِد، وَتارَة يحْتَاج إِلَى مفعول آخَر فيتعَدَّى إِلَيْهِ بعَلَى، ومِنْ بَيانِيَّة حالٌ من الدأْماء (وأَسَمَيْته) كسمَّيته بِمَعْنى وَاحِد، وهما من الْأَفْعَال الَّتِي تتعدّى للْمَفْعُول الأول بِنَفسِهَا وَللثَّانِي تَارَة بِنَفسِهَا وَتارَة بِحرف جر، فالمفعول الأول الضَّمِير الْعَائِد للْكتاب، وَالْمَفْعُول الثَّانِي (القَامُوسَ) هُوَ الْبَحْر (الْمُحِيط) وَيُوجد فِي بعض نسخ المقلّدين التَّعَرُّض لبَقيَّة التَّسْمِيَة الَّتِي يُورِدها المُصَنّف فِي آخر الْكتاب، وَهُوَ قَوْله والقابوس الْوَسِيط، فَفِي بعضٍ الِاقْتِصَار على هَذَا، وَفِي أُخرى زِيَادَة " فِيمَا ذهب من لُغة الْعَرَب شَمَاطيط " وكل ذَلِك لَيْسَ فِي النّسخ الصَّحِيحَة وَيرد على ذَلِك أَيْضا قَوْله (لِأَنَّهُ) أَي الْكتاب (البحرُ الْأَعْظَم) فَإِن هَذَا قَاطع لبَقيَّة التَّسْمِيَة، قَالَ شَيخنَا: وَإِنَّمَا سمي كِتَابه هَذَا بالقاموس الْمُحِيط على عَادَته فِي إبداع أسامي مُؤَلّفاته، لإحاطته بلغَة الْعَرَب، كإحاطة الْبَحْر للرُّبْع الْمَعْمُور. قلت: أَي فَإِنَّهُ جمع فِيهِ سِتين ألف مَادَّة، زَاد على الْجَوْهَرِي بِعشْرين ألف مَادَّة، كَمَا أَنه زَاد عَلَيْهِ ابْن مَنْظُور الإفْرِيقِي فِي لِسَان الْعَرَب بِعشْرين ألف مَادَّة، وَلَعَلَّ المُصَنّف لم يطّلع عَلَيْهِ، وَإِلَّا لزاد فِي كِتَابه مِنْهُ، وَفَوق كل ذِي علم عليم، وَمِمَّا أَحْمد الله تَعَالَى على نعْمَته أَن كَانَ من جملَة موادّ شرحي هَذَا كتابُه الْمَذْكُور. قَالَ شَيخنَا ﵀: وَقد مَدح هَذَا الكتابَ غيرُ واحِدٍ مِمَّن عاصره وغيرُهم إِلَى زَمَاننَا هَذَا، وأَوْرَدوا فِيهِ أعارِيض مُخْتَلفَة، فَمن ذَلِك مَا قَالَه الأديب البارع نُور الدّين عليّ بن مُحَمَّد الْعَفِيف المكيّ الْمَعْرُوف بالعليفي. قلت: ووالده الأديب جمال الدّين مُحَمَّد بن حسن بن عِيسَى، شُهر بِابْن العليف، توفّي بِمَكَّة سنة ٨١٥، كَذَا فِي ذيل الْحَافِظ تَقِيّ الدّين بن فَهد على ذيل الشريف أبي المحاسن. ثمَّ قَالَ شَيخنَا:

стр. 74

وَقد سمعتهما من أشياخنا الْأَئِمَّة مرَّات، ورأيتهما بِخَط وَالِدي قدّس سرّه فِي مَوَاضِع من تقاييده، وسمعتهما مِنْهُ غير مرَّة، وَقَالَ لي إِنَّه قالهما لما قُرئ عَلَيْهِ كتاب الْقَامُوس: (مُذْ مَدّ مَجْدُ الدِّينِ فِي أَيَّامِهِ ... مِنْ بعْضِ أَبْحُرِ عِلْمِهِ القَامُوسَا) (ذَهَبَتْ صَحَاحُ الجَوْهَرِيِّ كأَنَّها ... سِحْرُ المدائِن حِينَ أَلْقَى مُوسَى) وَفِي بعض الرِّوَايَات " وَاحِد عصره " بدل " فِي أَيَّامه " و " فيض " بدل " بعض " و " أضحت " بدل " ذهبت ". قلت: وَمثله أنشدنا الأديب البارع عُثْمَان بن عليٍّ الجبيلي الزَّبيدي والفقيه المفنّن عبد الله بن سُليمان الجرهزِي الشَّافِعِي إِلَّا أَنَّهُمَا نسباهما إِلَى الإِمَام شهَاب الدّين الردّاد، أنشدهما لما قُرئ عَلَيْهِ الْقَامُوس، وَنَصّ إنشادهما. (مُذْ مَدّ مجدُ الدّين فِي أرجَائنا ... ) وَفِي " القاموسا " و " ألْقى مُوسَى " جناس تَامّ، وَقد استظرَفَت أديبة عَصْرِها زَيْنَب بنت أَحْمد بن مُحَمَّد الحسنية المتوفاة بشهارة سنة ١١١٤ إِذْ كتبت إِلَى السَّيِّد مُوسَى بن المتَوَكل تطلب مِنْهُ الْقَامُوس فَقَالَت: (مَوْلَاي مُوسَى بالذِي سَمَكَ السَّمَا ... وبِحَقِّ مَنْ فِي اليَمِّ أَلْقَى مُوسَى) (أُمْنُنْ عليّ بِعَارَةٍ مَرْدُودَةٍ ... واسْمَح بفضْلِك وابْعَثِ القَامُوسَا) قَالَ شَيخنَا: وَقد رَدّ على القَوْل الأوّل أديبُ الشأْم وصُوفِيّه شيخ مَشَايِخنَا العلاّمة عبدُ الْغَنِيّ بن إِسْمَاعِيل الكِناني الْمَقْدِسِي الْمَعْرُوف بِابْن النابُلسي، قدس سره، كَمَا أسمعنا غيرُ واحدٍ من مَشَايِخنَا الْأَعْلَام عَنهُ: (مَنْ قَال قَدْ بَطَلَتْ صِحَاحُ الجَوْهَرِي ... لَمَا أَتى القَامُوسُ فَهْوَ المُفْتَرِي) (قُلْتُ اسْمُه القَامُوسُ وَهْوَ البَحْرُ إنْ ... يَفْخَرْ فَمُعْظَمُ فَخْرِه بالجَوْهَرِي) (قلت) وأصل ذَلِك قَول أبي عبد الله ﵀:

стр. 75

(لله قاموسٌ يَطيبُ وُرُودُه ... أَغْنَى الوَرَى عَنْ كُلِّ مَعْنًى أَزْهَرِ) (نَبَذ الصحاحَ بلَفظه والبَحْر مِن ... عَادَاته يُلْقِي صحَاحَ الجَوْهَرِي) ونُقل من خطّ المجدِ صاحِبِ الْقَامُوس قَالَ: أنشدنا الفقيهُ جمالُ الدّين مُحَمَّد ابْن صباح الصباحيّ لنَفسِهِ فِي مدح هَذَا الْكتاب: (مَنْ رَامَ فِي اللُّغَةِ العُلُوَّ عَلَى السُّهَا ... فَعَلَيْه مِنْهَا مَا حَوى قامُوسُهَا) (مُغْنٍ عَنِ الكُتُبِ النَّفيسَةِ كُلِّها ... جَمَّاعُ شَمْلِ شَتِيتِهَا نامُوسُهَا) (فَإذا دَوَاوِينُ العُلُومِ تَجَمَّعَتْ ... فِي مَحْفِلٍ للدَّرْسِ فَهْوَ عَرُوسُهَا) (للهِ مَجْدُ الدِّينِ خَيْرُ مُؤَلِّفٍ ... مَلَك الأئمَّةَ وافتَدَتْه نُفُوسُها) وَوجدت لبَعْضهِم مَا نصّه: (ألَا لَيْسَ مِنْ كُتْبِ اللُّغاتِ مُحَقَّقًا ... يُشَابِهُ هذَا فِي الإحاطَةِ والجَمْعِ) (لَقَدْ ضَمَّ مَا يَحْوِي سِوَاهُ وفَاقَه ... بِما اختَصَّ مِنْ وَضْعٍ جَمِيلٍ وَمن صُنْعِ) (وَلما رأيتُ إقبال الناسِ) أَي توجُّه خاطِرِ عُلَمَاء وقته وَغَيرهم بالاعتناء الزَّائِد والاهتمام الكثيرِ (على صِحاح) الإِمَام أبي نصر إِسْمَاعِيل بن نصر بن حَمّاد (الجوهريِّ) لِبيع الْجَوْهَر، أَو لحسن خَطِّهِ أَو غير ذَلِك، الفارابيّ نِسبةً إِلَى مَدِينَة بِبِلَاد التّرْك، وَسَيَأْتِي فِي ف ر ب من أذكياء الْعَالم، وَكَانَ بخطِّه يُضرَب الْمثل، توفّي فِي حُدُود الأربعمائة، على اخْتِلَاف فِي التَّعْيِين، اختُلِف فِي ضَبْط لفظ الصِّحَاح، فالجاري على ألسِنة النَّاس الْكسر، ويُنكرون الفَتح، ورَجّحه الْخَطِيب التبريزي على الْفَتْح، وأَقرَّه السُّيُوطِيّ فِي المزهر، وَمِنْهُم من رجَّح الْفَتْح، قَالَ شَيخنَا: وَالْحق صِحَّة الرِّوَايَتَيْنِ وثبوتُهما من حَيْثُ الْمَعْنى، وَلم يرد عَن الْمُؤلف فِي تَخْصِيص أحدِهما بالسَّند الصَّحِيح مَا يُصار إِلَيْهِ وَلَا يُعْدل عَنهُ (وَهُوَ) أَي الْكتاب أَو مُؤَلفه (جَدِير) أَي حَقيق وحَرِيّ (بذلك) الإقبال، قَالَ شَيخنَا: وَقد مدحه غيرُ وَاحِد من الأفاضل، ووصفوا كِتابه بالإجادة، لالتزامه الصَّحِيح، وبَسْطه الْكَلَام، وإيراده

стр. 76

الشواهد على ذَلِك، وَنَقله كَلَام أهل الْفَنّ دون تصرف فِيهِ، وَغير ذَلِك من المحاسن الَّتِي لَا تُحْصَى، وَقد رزقه الله تَعَالَى شُهرة فاق بهَا كلَّ من تقدمه أَو تأخّر عَنهُ، وَلم يَصل شَيْء من المصنَّفات اللُّغَوِيَّة فِي كَثْرَة التداول والاعتماد على مَا فِيهِ مَا وصل إِلَيْهِ الصِّحَاح، وَقد أنْشد الإِمَام أَبُو مَنْصُور الثعالبي لأبي مُحَمَّد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عَبدُوس النَّيْسَابُورِي: (هذَا كِتَابُ الصَّحَاح سَيِّدُ مَا ... صُنِّفَ قَبْلَ الصّحَاح فِي الأدبِ) (تَشمَلُ أبوابُهُ وتَجْمَعُ مَا ... فُرِّقَ فِي غَيْرِه مِنَ الكُتُبِ) (غير أَنه) أَي الصِّحَاح قد (فاتَه) أَي ذَهب عَنهُ (نِصف اللغةِ) كَذَا فِي نُسْخَة مكّية، وَفِي الناصِرِيّة على مَا قيل ثُلثا اللُّغَة (أَو أَكثر) من ذَلِك، أَي فَهُوَ غير تَامّ، لفَوَات اللُّغَة الْكَثِيرَة فِيهِ. قَالَ شَيخنَا: وصريح هَذَا النَّقْل يدلّ على أَنه جمع اللُّغَة كلهَا وأحاط بأَسرها، وَهَذَا أَمر متعذّر لَا يُمكن لأحد من الْآحَاد إِلَّا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: وَقد تقدم فِي أوّل الْكتاب نصُّ الإِمَام الشافعيّ ﵁ فِيهِ، فَإِذا عرفت ذَلِك ظهر لَك أَن ادِّعاءَ المصنّف حَصْر الْفَوات بِالنِّصْفِ أَو الثُّلثَيْنِ فِي غير محلّه، لِأَن اللُّغَة لَيْسَ يُنال مُنتهاها، فَلَا يُعرَف لَهَا نِصف وَلَا ثُلث، ثمَّ إِن الجوهريّ مَا ادّعى الْإِحَاطَة، وَلَا سَمَّى كِتَابه الْبَحْر وَلَا الْقَامُوس، وَإِنَّمَا الْتزم أَن يُورد فِيهِ الصَّحِيح عِنْده، فَلَا يلْزمه كل الصَّحِيح، وَلَا الصَّحِيح عِنْد غَيره، وَلَا غير الصَّحِيح، وَهُوَ ظَاهر، انْتهى. ثمَّ بيّن وَجه الْفَوات فَقَالَ (إِمَّا بإهمال) أَي ترك (المادّة) وَهِي حُرُوف اللَّفْظ الدالّ على الْمَعْنى، وَالْمرَاد عدم ذكرهَا بالكلّيّة (أَو بترك الْمعَانِي الغَريبة) أَي عَن كثير من الأفهام، لعدم تداولها (النّادّة) أَي الشارِدة النافِرة (أَردْت أَن يَظهر) أَي ينْكَشف (للناظِر) المتأمّل (بَادِيَ) مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة مُضَاف إِلَى (بَدَا) أَي أوّل كل شَيْء قبل الشُّرُوع فِي غَيره (فَضْلُ كِتابي هَذَا عَلَيْهِ) أَي الصِّحَاح

стр. 77

(فَكتبت بالحُمرة المادَّة) أَي اللَّفْظَة أَو الْكَلِمَة (المهمَلة) أَي المتروكة (لَدَيْه) أَي الصِّحَاح (وَفِي سَائِر التراكيب) أَي بَاقِيهَا أَو جَمِيعهَا (تتَّضِح) أَي تتبين وَتظهر ظهورًا وَاضحا (المَزِيَّة) الْفَضِيلَة والمأْثرة (بالتوَجُّه) أَي الإقبال وَصرف الهمّة (إِلَيْهِ) أَي إِلَى كِتَابه، وَفِي هَذَا الْكَلَام بَيَان أَن الموادّ الَّتِي تَركهَا الجوهريّ ﵀ وزادها المُصَنّف ميزها بِمَا يعرّفها، وَهِي كتَابَتهَا بالحمرة، لإِظْهَار الْفضل السَّابِق، ولشيخنا ﵀ هُنَا كَلَام، لم نعطف إِلَى بَيَانه زِمام، فَإِنَّهُ مورث للملام، وَالله سُبْحَانَهُ الْملك العلاّم (وَلم أَذْكُر ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا تقدم من مدح كِتَابه وَذكر مناقبه (إِشَاعَة) أَي إذاعة وإظهارا (للمَفَاخر) جمع مَفخَر ومَفَخُرة بِالْفَتْح فيهمَا، وبضم الثَّالِث فِي الثَّانِي لُغَة، مفعل من الفَخْر، وَيُقَال الفَخَار والافتخار، هُوَ الْمَدْح بالخصال المحمودة، قَالَ شَيخنَا: وجوّز الْبَدْر الْقَرَافِيّ ضبط المفاخر بِضَم الْمِيم اسْم فَاعل من فاخَرَه مُفاخرةً، وَجعله متعلِّقاً بأذكر، أَي لم أذكرهُ للشَّخْص المفاخِر. الَّذِي يفاخرني فأَفتخر عَلَيْهِ بِالْكتاب، وَهُوَ من الْبعد بمَكَان (بل إذاعةً) أَي نشًرا وإفشاء (لقوْل) أبي تَمام حَبيب بن أَوْس الطَّائِي (الشَّاعِر) الْمَعْرُوف وَهُوَ: (لَا زِلْتَ مِنْ شُكْرِيَ فِي حُلَّة ... لابِسُها ذُو سَلَبٍ فَاخِرِ) (يَقُولُ مَنْ تَقْرَعُ أَسْمَاعَهُ (كَمْ تَرَك الأوَّلُ لِلآخِرِ)) وَهَذَا الشّطْر الْأَخير جارٍ فِي الْأَمْثَال المتداولة الْمَشْهُورَة حَتَّى قَالَ الجاحظ: (مَا عَلِم النَّاسُ سِوَى قَوْلِهِم ... كَمْ تَرَك الأوَّل لِلآخِرِ) ثمَّ إِن قَوْله " وَلم أذكر ذَلِك " إِلَخ ثَبت فِي نُسخة الْمُؤلف، كَمَا صرح بِهِ المحبّ ابْن الشّحْنَة، وأثبته الْبَدْر

стр. 78

الْقَرَافِيّ أَيْضا، وَشرح عَلَيْهِ المنَاوي وَابْن عبد الرَّحِيم وَغير وَاحِد، وَسقط من كثير من النّسخ. (وَأَنت أَيهَا اليَلْمع) كَأَنَّهُ مُضارع من لَمع الْبَرْق، زيدت عَلَيْهِ أل، وَمَعْنَاهُ الَّذِي يلمع ويتوقّد ذَكاءً، ويتفطن الأُمور فَلَا يُخطئ فِيهَا، وَالْمَعْرُوف فِيهِ اليلمعيّ بِالْيَاءِ الْمُشَدّدَة الدَّالَّة على الْمُبَالغَة، كالألمعيّ بِالْهَمْزَةِ، وَأما اليلمع فَهُوَ البَرْق الخُلَّب، وَبِمَعْنى الكذَّاب، وَكِلَاهُمَا غير مُنَاسِب (العَرُوف) كصَبور، مُبَالغَة فِي الْعَارِف أَي ذُو الْمعرفَة التامّة (والمَعْمَع) هُوَ الصَّبر على الأُمور ومزاولتها، وَهُوَ على تَقْدِير مُضَاف أَي ذُو المعمع (اليَهْفُوف) كيَعْفُور، الحديدُ القلبِ وَيُطلق على الجَبَان أَيْضا، وَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا (إِذا تأمّلت) أَي أمعنت فِيهِ الْفِكر وتدبرته حقَّ التدبُّر (صَنِيعي هَذَا) مصدر كالصُّنع بِالضَّمِّ بِمعنى الْمَصْنُوع، أَي الَّذِي صَنعته، وَهُوَ الْكتاب المسمّى بالقاموس (وجَدْته) أَي الصَّنِيع أَو الْكتاب (مشتمِلاً) أَي مُنْضَمًّا (على فَرائدَ) جمع فَرِيدة وَهِي الجوهرةُ النفيسة، والشَّذْرَة من الذَّهَب والقطعة الَّتِي تَفْصِل بَين الْجَوَاهِر فِي القلائد، كَمَا سَيَأْتِي (أثِيرة) أَي جليلة لَهَا أَثَرَة وخصوصية تمتاز بهَا، أَو أَن هَذِه الْفَوَائِد متلقَّاة من قَرْن بعد قَرْن (وفوائد) جمع فَائِدَة، وَهِي مَا استفدته من علم أَو مَال (كَثِيرَة) وَفِي الْفَقْرَة كأُختها السَّابِقَة حسْنُ ترصيع والالتزام (من حُسْن الِاخْتِصَار) وَهُوَ حذف الفُضُول وإزالتها، أَو الْإِتْيَان بالْكلَام مستَوْفِيَ الْمعَانِي والأغراض (وتَقرِيب العِبارة) أَي إدنائها وتوصيلها إِلَى الأَفهام بِحسن الْبَيَان (وتَهْذِيبِ الْكَلَام) أَي تنقيحه وإصلاحه وَإِزَالَة زوائده (وإيراد الْمعَانِي الْكَثِيرَة فِي الْأَلْفَاظ الْيَسِيرَة) أَي القليلة. (وَمن أحسن مَا اختصَّ بِهِ) وتميّز عَن غَيره وَانْفَرَدَ (هَذَا الكتابُ) أَي الْقَامُوس (تخلِيصُ الْوَاو من الْيَاء) الحرفان المعروفان أَي تمييزها مِنْهَا (وَذَلِكَ) أَي التخليص (قِسْمٌ) أَي نوع من التَّصَرُّفَات الصَّرفية واللغوية (يَسِمُ) مِن وَسَم إِذا جعل لَهُ سِمةً وَهِي الْعَلامَة (المصنِّفين) هم أَئِمَّة

стр. 79

الْفَنّ الْكِبَار (بالعيّ) وَهُوَ بِالْفَتْح الْعَجز والتعب وَعدم الإطاقة، وَيسْتَعْمل بِمَعْنى عدم الاهتداء لوجه المُرَاد، وبالكسر الحَصَرُ والعَجز فِي النُّطْق خَاصَّة (والإعياء) مصدر أَعْيَا رُباعيًّا إِذا تَعب، قَالَ شَيخنَا: وَبَعْضهمْ يَقُول العيّ من الثلاثي العَجز الْمَعْنَوِيّ، والإعياء الرباعي الْعَجز الجسماني، وَالْمعْنَى أَن هَذَا النَّوْع فِي التَّصَرُّف اللغويّ والصرفيّ مِمَّا يُوجب للمهرة فِي الْفَنّ الْعَجز وَعدم الْقُدْرَة حسًّا وَمعنى لما فِيهِ من الصعوبة الْبَالِغَة والتوقف على الْإِحَاطَة التامَّةِ، والاستقراء التَّام، بل يتَوَقَّف إِدْرَاكهَا على اطِّلاع عَظِيم وَعلم صَحِيح. (وَمِنْهَا) أَي من محَاسِن كتابِه الدَّالَّة على حسن اختصاره (أَنِّي لَا أذكُر مَا جاءَ من جمع فاعلٍ) الَّذِي هُوَ اسْم فَاعل (المعتَلّ الْعين) الَّذِي عينه حرف عِلّة يَاء أَو واوًا (على فَعَلة) محركة فِي حَال من الْأَحْوَال (إِلَّا أَن يَصح) أَي يُعَامل (مَوضِع العينِ مِنْهُ) أَي من الْجمع معاملةَ الصَّحِيح، بِحَيْثُ يَتَحَرَّك وَلَا يعلّ (كجَوَلَة) بِالْجِيم من جال جَوَلانَا (وخَوَلَة) بِالْمُعْجَمَةِ جمع خائل، وَهُوَ المتكبّر، فَإِنَّهُمَا لما حُرّكت الْعين مِنْهُمَا أُلحِقا بِالصَّحِيحِ، وَإِن كَانَت فِي الأَصْل معتلة، فَإِنَّهَا لم تُعَلّ أَي لم يدخلهَا فِي الْجمع إعلال، فَصَارَت كَالصَّحِيحِ نَحْو طَلَبة وكَتبَة، فَاسْتحقَّ أَن تُذكر لغرابتها وخروجها عَن الْقيَاس (وَأما مَا جاءَ مِنْهُ) أَي من الْجمع (معتلاًّ) أَي مغيِّراً بالإبدال الَّذِي يَقْتَضِيهِ الإعلال (كبَاعة وسَادة) وَفِي نُسْخَة " وقادة " بدل " وسَادَة " جمع بَائِع وسيّد وقائد، وأَصلهما بَيَعَة وسَيَدَة، تحركت اليَاء وَانْفَتح مَا قبلهَا فَصَارَت ألفا (فَلَا أذكرهُ لاطِّراده) أَي لكَونه مطّردًا مَقيساً مَشْهُورا، وَفِي المزهر: قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: أصل مَوَاضِع طَرَد فِي كَلَامهم التَّتَابُع والاستمرار، من ذَلِك طَرَدْت الطَّرِيدة إِذا تبعتها واستمرَّت بَين يَديك، وَمِنْه مُطارَدَة الفرسان بَعضهم بَعْضًا، ثمَّ جعل أهل الْعَرَبيَّة مَا استمرَّ من كلامٍ وَغَيره من مَوَاضِع الصِّناعة مطَّرِدًا، وَجعلُوا مَا فَارق مَا عَلَيْهِ

стр. 80

بقيّة بَابه وَانْفَرَدَ عَن ذَلِك شاذًّا. قلت وَقد تقدم طَرف من ذَلِك فِي المقدِّمة، قَالَ شَيخنَا: وَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي العُدول عَنهُ، على أَن المُصَنّف أخلَّ بِهَذَا الشَّرْط، بل وَبِغَيْرِهِ من شُروطه، فَهِيَ أغلبيَّة، لَا لَازِمَة، فَظَاهر كَلَامه أَنه لَا يذكر سادة وقادة، وَقد ذكر كلاًّ مِنْهُمَا فِي مادّته، نعم أهمل باعَة على الشَّرْط، وَذكر عَالَة وذَادة وَغَيرهمَا. وَقَالَ المحبّ بن الشّحْنَة والقرافي: إِن فِي الْكَلَام تقدِيماً وتأخيراً، حَدَاه عَلَيْهِ التقْفِية، أَي لم يذكر مَا جاءَ على وزن فَعَلة مَفْتُوح الْعين إِذا كَانَت عَنهُ حرف عِلّة، كجَوَلة وخَوَلة وأشباههما لاطراده، أَي لمشابهة بعضِه بَعْضًا، قَالَ شَيخنَا: وَفِيه نظر، فَإِنَّهُ لَا قافية هَا هُنَا، بل جاءَ بِهذا الْكَلَام ترسيلاً، كَمَا هُوَ ظَاهر، وَقَالَ الشَّيْخ الْمَنَاوِيّ: قَوْله كجَولَة وخَولة فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالْأَصْل: لَا أذكر مَا جَاءَ على وزن فَعَلة مَفْتُوح الْعين إِذا كَانَت عينه حرف عِلّة، كجَوَلَة وخَوَلة وَنَحْوهمَا، وَإِنَّمَا أذكر مَا جَاءَ صَحِيح الْعين، كدَرَجَة، وخَرَجة، انْتهى. وَالصَّحِيح مَا قدَّمناه، وَبِمَا نَقَلْنَاهُ عَن المزهر يبطل كلامُ الْقَرَافِيّ فِي الاطِّراد. ثمَّ شرع فِي بَيَان الْوَجْه الثَّالِث من وُجُوه التحسين الَّذِي أودعها هَذَا الْكتاب بقوله: (وَمن بَديع اختصاره) أَي الَّذِي ابتدعه وَلم يَسبقه بِهِ غَيره (وحُسْن ترصيع) أَي تحلية (تِقْصَاره) بِالْكَسْرِ هِيَ القلادةِ، وَفِي الْفَقْرَة مَعَ شبه الترصيع الِالْتِزَام (أَنِّي إِذا ذكرت صِيغة الْمُذكر) أَي بِنْيَته وهَيْأَته (أتبعتها) أَي ألحقتها بعد صِيغَة الْمُذكر (المؤنّث بِقَوْلِي وَهِي) أَي الأُنثى (بهاء) أَي هَاء التَّأْنِيث، كَمَا ستعلم أمثلته (وَلَا أُعيد) أَي لَا أُكرر (الصِّيغة) مرّةً ثَانِيَة، بل أَترك ذَلِك وأَحذفه اختصارًا إِلَّا فِي بعض الْمَوَاضِع لموانع تتَعَلَّق هُنَاكَ، وَفِي بَعْضهَا سَهوا من الْمُؤلف، كَمَا تَأتي الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي مَحَله. (و) الْوَجْه الرَّابِع من وُجُوه التحسين أَنِّي (إِذا ذكرت الْمصدر) وَهُوَ اللَّفْظ الَّذِي

стр. 81

يدل على الحَدَث خاصّةً (مُطلقًا) أَي ذِكْرًا مُطلقًا، وَهُوَ عِنْدهم مَا دلَّ على الماهِيَّة بِلَا قَيْدٍ أَو بِكَسْر اللَّام، أَي حَالَة كوني مُطْلِقاً لَهُ غير مقيِّدٍ بِشَيْء (أَو) ذكرت الْفِعْل (الْمَاضِي) وَهُوَ مَا دلّ على حدث مقترن بِزَمن مَاض (بِدُونِ) أَي بِغَيْر (الْآتِي) وَهُوَ الْمُسْتَقْبل وَهُوَ الْمُضَارع (وَلَا مانعَ) هُنَاكَ (فالفِعْل) الْمَاضِي أَو الْمُضَارع كَائِن (على مِثَال كَتَب) كنَصر، أَي على وَزنه، وَهَذَا الْبَاب أحد الدعائم الثَّلَاثَة، وَيُقَال لَهُ الْبَاب الأوّل من الثلاثي المجرَّد، وَالْمَانِع من الضَّم فِي مضارعه أَرْبَعَة: أَحدهَا أَن يكون فِي عينه أَو لامه حرفٌ من حٌ روف الْحلق، فَإِن الْبَاب فِيهِ الْفَتْح، وَرُبمَا جاءَ على الأَصْل، إِمَّا على الضَّم فَقَط، كَقَوْلِك سَعَلَ يَسْعُل، ودَخَل يَدخُل، وصرَخ يصرُخ، ونفَخ ينفُخ، وطبخَ يطبُخُ، وَإِمَّا على الْكسر فَقَط نَحْو نَزع ينزِع، ورجَع يرجِع، ووأل يئل، وَهُوَ فِي الْهمزَة أقلّ، وَكَذَلِكَ فِي الْهَاء، لِأَنَّهَا مُسْتفِلة فِي الْحلق، وَكلما سَفل الْحَرْف كَانَ الْفَتْح لَهُ ألزم، لِأَن الْفَتْح من الْألف وَالْألف أقرب إِلَى حُرُوف الْحلق من أُختيها، وَرُبمَا جاءَ فِيهِ الْوَجْهَانِ إِمَّا الضمُّ، وَالْفَتْح، وَإِمَّا الْكسر وَالْفَتْح، فَأَما مَا جاءَ فِيهِ الضَّم وَالْفَتْح فَقَوْلهم: شحَبَ يشحَب ويشحُب، وصلَح يصلَح ويصلُح، وفرَغ يفرَغ ويفرُغ، وجنَح يجنَحُ ويجنُح، ومضَغ يمضَغ ويمضُغ، ومخَض يمخَض ويمخُض، وسلَخ يسلَخ ويسلُخ، ورعَف يرعَف ويرعُف، ونَعس ينعَس ويَنْعُس ورعَدت السَّمَاء تَرْعَد وترعُد، وبَرأ من الْمَرَض يبرأ ويبرُؤ، قَالَ أَبُو سعيد السيرافي: لم يَأْتِ مِمَّا لَام الْفِعْل فِيهِ همزَة على فعَل يفعُل بِالضَّمِّ إِلَّا هَذَا الْحَرْف، وَوجدت أَنا حرفين آخَرين وهما: هَنَأَ الْإِبِل يهنُؤُها بِالضَّمِّ ويهْنَأُها إِذا طلاها بالهناء وَهُوَ القطرَان، وقرأَ يقرَأ ويقرُؤ، حَكَاهُمَا ابنُ عُديس فِي كتاب الصَّوَاب، وَأما مَا جاءَ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْكسر وَالْفَتْح فَقَوْلهم زأَر الأَسد يزأَر ويزئِر، وهنأَ يهنِئ ويهنَأ، إِذا أعْطى، وشحَج الْبَغْل يشحَج ويشحج، وشهَق الرجل يشهَق

стр. 82

ويشهِق، ورضَع يرضَع ويرضِع، ونَطح الْكَبْش ينطَح وينطِح، ومنَح يمنَح ويمنِح، ونبَح ينبَح وينبِح، وَرُبمَا اسْتعْملت الْأَوْجه الثَّلَاثَة، قَالُوا نحَت ينحَت وينحِت وينحُت، ودَبَغَ الْجلد يدبَغه ويدبِغه ويدبُغه ونَبَغ الْغُلَام ينبَغ وينبِغ وينبُغ إِذا علا شبابُه وَظهر كَيْسُه، ونَهق الْحمار ينهَق وينهِق وينهُق، ورجَح الدِّرْهَم يرجَح ويرجِح ويرجحُ، ونحَل جِسْمه يَنحَل وينحِل وينحُل، ومَخَض اللَّبن يمخَضه ويمخِضه ويمخُضه، وهَنَأَ الْإِبِل، إِذا طلاها بالقَطِرَانِ فَهُوَ يهنُؤُها ويَهنِئها ويَهْنَأَها، ولغا الرجل فَهُوَ يَلْغِي ويَلْغُو ويَلْغَى، عَن الفرّاء فِي كتاب اللُّغَات، ومحى الله الذُّنُوب يمْحُوها ويمحِيها ويَمحاها، وسَحَوْت الطين عَن الأَرْض أسحَاه وأسحُوه وأسحِيه، والكَسر عَن القَزّاز، وشحَحَت أَشَحّ وأَشُحُّ وأَشِحُّ إِذا بخلت، وَالْفَتْح عَن ابْن السَّيِّد فِي مُثلّثه. هَذَا حكم حرف الْحلق إِن وَقع عينا، كَذَا فِي بُغية الآمال للْإِمَام اللّغَوِيّ شارِح الفصيح أبي جَعْفَر اللبْليّ رَحمَه الله تَعَالَى. وَالْمَانِع الثَّانِي أَن يكون واويّ الْفَاء كوَعَد، فَالْقِيَاس فِي مضارعه الْكسر، كوعَد ووَزَن، تَقول فِي مضارعهما يَعِد ويَزِن، وَقِيَاس كلّ فعل على هَذَا الْوَزْن مَا عدا فعلا وَاحِدًا فَقَط، وَهُوَ وَجَدَ يَجُد بِضَم الْجِيم من يَجُد، وَالْمَشْهُور يَجِد بِالْكَسْرِ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد قَالَ نَاس من الْعَرَب وجَد يَجُد، بِالضَّمِّ، كأَنهم حَذفوها من يَوجد، وَهَذَا لَا يكَاد يُوجد فِي الْكَلَام، قَالَ أَبُو جَعْفَر اللبلي: وعَلى الضَّم أنشدوا هَذَا الْبَيْت لجرير: (لَوْ شِئْتِ قد نَقع الفُؤَادَ بِشَرْبة ... تَدَع الصَّوَادِي لَا تَجُدْنَ غَلِيلَا) ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا قلَّ يجُد بِالضَّمِّ كراهَة الضمة بعد الْيَاء، كَمَا كرِهوا الْوَاو بعْدهَا، وَإِن كَانَ لامه حرفا من حُرُوف الْحلق نَحْو وضع ووقَع فَإِن مضارعه يَأْتِي بِالْفَتْح وَحذف الْوَاو إِلَّا فِي كلمة وَاحِدَة وَهِي وَلَغ يَلِغ، فَإِنَّهُ قد حكى بِفَتْح الْمَاضِي وَكسر الْمُسْتَقْبل، وَالْمَشْهُور يَلَغ بِالْفَتْح، وَهَذَا قد أَغفله شَيخنَا مَعَ تصرُّفه فِي علم التصريف.

стр. 83

وَالْمَانِع الثَّالِث أَن يكون الْفِعْل معتلاًّ بِالْيَاءِ، فَإِن مضارعه حِينَئِذٍ يَجِيء بِالْكَسْرِ فَقَط، وَلَا يَجِيء بِالضَّمِّ، سَوَاء كَانَ متعدّياً، نَحْو قَوْلك كال زيدٌ الطعامَ يكِيله وذَامه يَذِيمه، أَو غير متعدٍّ، كَقَوْلِك عَال يَعِيل وصَار يَصير. وَالْمَانِع الرَّابِع أَن يكون الفِعل معتل اللَّام بِالْيَاءِ، فَإِن مضارعه حينَئذ أَيْضا عَلَى يفعِل مكسورًا، سَوَاء كَانَ متعدّيا، نَحْو قَوْلك رَمَى زيدٌ الأَسدَ يَرْمِيه، ونمَى زيد الشيءَ يَنميه، أَي رَفَعه، أَو غير متعدٍّ، نَحْو قَوْلك سَرَى يَسرِي وهَمَت عينُه تَهْمي. فَهَذِهِ الأُمور الْأَرْبَعَة موجبةٌ لمنع الْمُضَارع من الضَّم. (وَإِذا ذكرت) الْمَاضِي وَذكرت (آتيَه) مُتَّصِلا بِهِ (بِلَا تَقْيِيد) أَي بِلَا ضبط وَلَا وزن (فَهُوَ) أَي الْفِعْل (على مِثال ضَرَبَ) بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُضَارع، وَهُوَ الْبَاب الثَّانِي من الثلاثي الْمُجَرّد المطّرد وَثَانِي الدعائم الثَّلَاثَة (على أَنِّي أذهب) وأختار وأعتقد وأميل (إِلَى مَا قَالَ) إِمَام الْفَنّ (أَبُو زيد) مَشْهُور بكنيته، واسْمه سعيد بن أَوْس بن ثَابت بن بشير بن أبي زيد وَقيل ثَابت بن زيد بن قيس ابْن النُّعمان بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ اللغويُّ النحويّ، أَخذ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء، وَعنهُ أَبُو عُبَيْد القاسمُ بن سلَاّم، وَأَبُو حَاتِم السجسْتانِي، وَأَبُو العيناء، وَكَانَ ثِقَة من أهل الْبَصْرَة، قَالَ السُّيُوطِيّ فِي المزهر: وَكَانَ أَبُو زيدٍ أحفظَ النَّاس للّغة بعد أبي مالِكٍ، وأوسعهم رِوَايَة، وَأَكْثَرهم أَخذاً عَن الْبَادِيَة، وَقَالَ ابنُ مِنادِر: وَأَبُو زيدٍ من الْأَنْصَار، وَهُوَ من رُوَاة الحَدِيث، ثِقةُ عِنْدهم مأْمونٌ. قَالَ أَبُو حَاتِم عَن أبي زيد: كَانَ سِيبَوَيْهٍ يَأْتِي مجلسي وَله ذُؤابتان، قَالَ: فَإِذا سمعته يَقُول: وحَدَّثني من أَثِق بعربيته فَإِنَّمَا يُرِيدنِي، وَمن جَلالة أبي زيد فِي اللُّغَة مَا حدَّث بِهِ جَعْفَر بن مُحَمَّد، حدّثنا مُحَمَّد بن الْحسن الْأَزْدِيّ عَن أبي حَاتِم السجسْتانِي، عَن أبي زيد قَالَ: كتَب رجلٌ من أهل رَامَهُرْمز إِلَى الْخَلِيل يسْأَله كَيفَ يُقَال مَا أَوْقفك

стр. 84

هَا هُنَا وَمن أَوْقفك، فَكتب إِلَيْهِ: هما وَاحِد. قَالَ أَبُو زيد: لَقِيَنِي الْخَلِيل فَقَالَ لي فِي ذَلِك فَقلت لَهُ: إِنَّمَا يُقَال مَنْ وَقَفَك، ومَا أوقفك، قَالَ: فَرجع إِلَى قولي، وَأما وَفَاته وبقيّة أسانيده فقد تقدّم فِي المقدّمة. وَيُوجد هُنَا فِي بعض النّسخ بعد قَوْله أَبُو زيد " وَجَمَاعَة " أَي مِمَّن تبعه وَرَأى رأْيه (إِذا جَاوَزت) أَنت أَيهَا النَّاظر فِي لُغَة الْعَرَب (المَشَاهِير) جمع مَشْهُور، وَهُوَ الْمَعْرُوف المتداول (من الْأَفْعَال) وَهِي الاصطلاحية (الَّتِي يَأْتِي) فِي الْكَلَام (ماضيها) الاصطلاحي (على فَعَل) بِالْفَتْح وَلم تكن عينه أَو لامه حرفا من حُرُوف الْحلق، وَلَا تعرض مضارِعه كَيفَ هُوَ بعد الْبَحْث عَنهُ فِي مظَانّه فَلَا تَجدهُ (فَأَنت فِي الْمُسْتَقْبل) حِينَئِذٍ (بالخِيار) أَي مخيّر فِيهِ (إِن شِئْت قُلْت يَفْعَلُ بضمِّ الْعين، وَإِن شِئْت قلت يفعِل بِكَسْرِهَا) وَفِي نُسْخَة " بِكَسْر الْعين " فالوجهانِ جائزان: الضمُّ وَالْكَسْر. وهما مستعملان فِيمَا لَا يُعْرَف مستقبله ومُتساويان فِيهِ، فكيفما نطقت أصبت، وَلَيْسَ الضَّم أولى من الْكسر، وَلَا الْكسر أولى من الضَّم، إِذْ قد ثَبت ذَلِك كثيرا، قَالُوا حشَر يحشِر ويحشُر، وزمَر يزمِر ويزمُر، وقَمرَ يقمِر ويقمُر، وفَسَق يفسِق ويفسُق، وفسَد يفسِد ويفسُد، وحسَر يحسِر ويحسُر، وعرَج يعرِج ويعرُج، وعكَف يعكِف ويعكُف، ونفَر ينفِر وينفُر وغدَر يغدِر ويغدُر، وعثَر يعثِر ويعثُر، وقدَر يقدِر ويقدُر، وسفَك يسفِك ويسفُك إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول إِيرَاده، وَفِيه لغتانِ. وَفِي البغية: قَالَ أَبُو عمر إِسْحَاق بن صَالح الجَرمي، سَمِعت أَبَا عُبَيْدَة مَعمَر ابْن المثنَّى يروي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: سَمِعت الضَّم والكَسْر فِي عامَّة هَذَا الْبَاب، لَكِن رُبمَا اقتُصر فِيهِ على وَجْهٍ واحِد لَا بدَّ فِيهِ من السماع، وَمِنْهُم من قَالَ جَوَاز الْوَجْهَيْنِ الضمّ وَالْكَسْر إِنَّمَا يكون عِنْد مجاوَزة الْمَشَاهِير من الْأَفْعَال، وَأما فِي مَشْهُور الْكَلَام فَلَا يتعدّى مَا أتَت الرِّوَايَات فِيهِ كَسْرًا، كضرَب يضرِب، أَو ضما نَحْو قتل يقتُل، ويريدون بمجاوزة الْمَشَاهِير أَن يَرِد عَلَيْك فِعل لَا تعرف مُضارعَه كَيفَ هُوَ بعد الْبَحْث

стр. 85

عَنهُ فِي مظانِّه فَلَا تَجدهُ، ومجاوزة الْمَشَاهِير لَيست لكل إِنْسَان، وَإِنَّمَا هِيَ بعد حفظ المشهورات، فَلَا يَتَأَتَّى لمن لم يدرس الكُتب وَلَا اعتنى بالمحفوظ أَن يَقُول قد عدمت السَّماع فيختار فِي اللَّفْظَة يفعِل أَو يفعُل، لَيْسَ لَهُ ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم إِذا عُرف أَن الْمَاضِي على وزن فعل بِفَتْح الْعين وَلم يعرف الْمُضَارع، فَالْوَجْه أَن يَجْعَل يفعِل بِالْكَسْرِ، لِأَنَّهُ أَكثر، والكسرة أَخف من الضمة، وَكَذَا قَالَ أَبُو عَمْرو الْمُطَرز حاكياً عَن الْفراء إِذا أشكل يفعُل أَو يفعِل فبتْ على يفعِل بِالْكَسْرِ، فَإِنَّهُ الْبَاب عِنْدهم، قلت: وَمثله فِي خَاتِمَة الْمِصْبَاح، وَقد عقد لَهُ ابنُ دريدٍ فِي كتاب الْأَبْنِيَة من الجمهرة بَابا، وَنَقله ابْن عُصفور وَغَيره، قَالَ شَيخنَا: ومقالة أبي زيد السَّابِق ذكرهَا قد ذكرهَا ابْن القُوطية فِي صدر كِتَابه، وَكَذَا ابنُ القطاع فِي صدر أَفعاله مَبْسُوطا، وَالشَّيْخ أَبُو حَيَّان فِي البحرِ، وَأَبُو جَعْفَر الرُّعيني فِي اقتطاف الأزاهر، ثمَّ إِنَّه قد وجد بعد هَذَا الْكَلَام زِيَادَة، وَهِي فِي نُسْخَة شَيخنَا وَشرح عَلَيْهَا كَمَا شرح الْمَنَاوِيّ وَغَيره. (و) من المحاسن الدالّة على حسن اختصاره أَن (كلّ كلمة عرَّيْتها) أَي جرَّدتها (عَن الضَّبْط) فِيهِ بِأَن لم أتعرض لَهَا بِكَوْنِهَا بِالْفَتْح أَو الضَّم أَو الْكسر (فَإِنَّهَا بِالْفَتْح) فِي أَوله، فإهمالها من الضَّبْط هُوَ ضَبطهَا (إلاّ مَا اشْتهر بِخِلَافِهِ اشتهاراً رَافعا للنزاع) أَي الْخُصُومَة (من البَيْن) فَإِنَّهُ على مَا هُوَ الْمَشْهُور فِي ضَبطه، وَفِي الْفَقْرَة الْتِزَام، وَهَذِه النُّسْخَة سَاقِطَة عندنَا من بعض الأُصول وَلذَا أهملَها المحبُّ بن الشّحْنَة والبدر الْقَرَافِيّ وَغَيرهمَا، كَمَا قَالَه شَيخنَا. قلت: وَلَو أهملها من أهمل فَلَا خلاف أَنَّهَا من اصْطِلَاح المُصَنّف وقاعدته، كَمَا هُوَ مَشْهُور (وَمَا سوى ذَلِك) مِمَّا ذكرنَا من التعرِية عَن الضَّبْط وَالتَّقْيِيد (فأُقيّده) من الْإِطْلَاق (بِصَرِيح الْكَلَام) أَي خالصه وَظَاهره، أَو أكتبه بالْكلَام الصَّرِيح الَّذِي لَا شُبهة فِيهِ وَلَا اختلال وَلَا كِنَايَة، حَال كوني (غير مُقْتَنع) أَي غير مكتف وَلَا مجتز (بتوشيح القِلام) بِالْكَسْرِ جمع قَلَم، وَهُوَ مقيس

стр. 86

كالأقلام، أَي لَا يقنع بمجرّد ضبط الْقَلَم، أَي وضع الحرَكة على الْحَرْف، لِأَن ذَلِك عُرْضة للترك والتحريف، وَهَذَا من كَمَال الاعتناء، ووشّحه توشيحاً: ألبسهُ الوِشاح على عَاتِقه، مُخَالفا بَين طَرَفيه، وَيَأْتِي تَمَامه، والفقرة فِيهَا الِالْتِزَام والجناس المحرّف اللَّاحِق (مكتفياً بِكِتَابَة) هَذِه الأحرف الَّتِي اخترعها واقتطعها من الْكَلِمَات الَّتِي جعلهَا أعلاماً لَهَا فِي اصْطِلَاحه، وَهِي (ع د ة ج م) وَهِي خَمْسَة (عَن قولي: مَوضِع، وبلد، وقرية، وَالْجمع، ومعروف) فالعين وَالدَّال وَالْهَاء من آخر الْكَلِمَات، وَالْجِيم وَالْمِيم من أوائلها، لِئَلَّا يحصل الِاخْتِلَاط، وَفِيه لفّ وَنشر مرتّب (فتلخَّص) أَي تبين الْكتاب واتضح (وكُلُّ غَثٍّ) وَهُوَ اللَّحْم المهزول، وَمن الحَدِيث: الْفَاسِد (إِن شَاءَ الله تَعَالَى) جَاءَ بهَا تبركا (عَنهُ) أَي الْكتاب (مَصروف) أَي مَدْفُوع عَنهُ، وَقدمه اهتماماً ومناسبة للفقرة، وفيهَا الِالْتِزَام، قَالَ شَيخنَا، وَضَابِط هَذِه جُمُعَة المصنّف بِنَفسِهِ فِي بَيْتَيْنِ، نقلهما عَنهُ غير وَاحِد من أَصْحَابه وهما: (وَمَا فِيه مِنْ رَمْزٍ فخمسَةُ أَحْرُفٍ ... فمِيمٌ لمعْرُوفٍ وعَيْنٌ لموضِعِ) (وجِيمٌ لجَمْعٍ ثمَّ هَاءٌ لقَرْيَةٍ ... وللبَلَد الدَّالُ الَّتِي أُهْملَتْ فَعِي) وَفِي أزهار الرياض للمقّرِيّ. (وَمَا فيهِ مِنْ رَمْزٍ بحرْفٍ فخمْسَةٌ ... ) ونسبهما لعبد الرَّحْمَن بن معمر الوَاسِطِيّ: وَقد ذيَّل عَلَيْهِمَا أَحدُ الشُّعَرَاء فَقَالَ: (وفِي آخرِ الأبْوَابِ وَاوٌ وياؤهَا ... إشارةُ وَاوِيٍّ ويَائِيّها اسْمَعِ) واستدرك بَعضهم أَيْضا فَقَالَ: (وَمَا جاءَ فِي القَاموس رَمْزًا فسِتَّةٌ ... لموضِعهم عَيْنٌ ومعْرُوفٍ الميمُ) (وجَجٌّ لجمْع الجَمْع دَالٌ لبَلْدةٍ ... وقَرْيتُهُمْ هاءٌ وجمْعٌ لَهُ الجِيمُ) وَنقل شَيخنَا عَن شُيُوخه مَا نَصه: وَوجد بِهَامِش نسخةِ المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى بخطّه لنَفسِهِ: (إِذا رُمْت فِي الْقَامُوس كَشْفاً لِلَفْظَةٍ ... فَآخِرُها لِلْباب والبَدْءُ لِلْفَصْل)

стр. 87

(وَلَا تَعْتَبِرْ فِي بَدْئِها وأَخِيرِها ... مزِيدًا ولكِنَّ اعتِبَارَكَ للأصْلِ) وَقد تقدّم مَا قيل فِي اصْطِلَاح الصِّحَاح، فَهَذِهِ أُمور سَبْعَة جعلهَا اصْطِلَاحا لكتابه، ومَيَّزه بهَا اختصاراً وإيجازًا، وَإِن كَانَ بعضُها قد سبقه فِيهِ كالجوهري وَابْن سَيّده. الأول: تَمْيِيزه الْموَاد الزَّائِدَة بِكِتَابَة الْأَحْمَر. الثَّانِي: تَخْلِيص الْوَاو من الْيَاء. الثَّالِث: عدم ذِكر جمع فَاعل المعتل مَا أُعِلّ مِنْهُ. الرَّابِع: إتباع الْمُذكر الْمُؤَنَّث بقوله وَهِي بهاء. الْخَامِس: الْإِشَارَة إِلَى الْمُضَارع مضموم الْعين هُوَ أَو مكسورها عِنْد ذكر الْآتِي وَعدم ذكره. وَالسَّادِس: حَمْل المُطلق على ضَبْط الْفَتْح فِي غير الْمَشْهُور. وَالسَّابِع: الِاقْتِصَار على الْحُرُوف الْخَمْسَة. وَيجوز أَن يَجْعَل قَوْله " وَمَا سوى ذَلِك فأُقيده " اصْطِلَاحا ثامِناً، ليطابق عدد أَبْوَاب الجِنان. قَالَ شَيخنَا: وَله ضَوابط واصطلاحات أُخر تعلم بممارسته ومعاناته واستقرائه. مِنْهَا: أَن وسط الْكَلِمَة عِنْده مُرتب أَيْضا على حُروف المعجم كالأوائل والأواخر. قلت، وَقد أَشرت إِلَى ذَلِك فِي أوّل الْخطْبَة، وَمثله فِي الصِّحَاح ولسان الْعَرَب وَغَيرهمَا. وَمِنْهَا: إتقان الرباعيات والخماسيات فِي الضَّبْط، وترتيب الْحُرُوف، وَتَقْدِيم الأوّل فالأوّل. وَمِنْهَا إِذا ذكرت الموازين فِي كلمة سَوَاء كَانَت فِعلاً أَو اسْما يقدّم الْمَشْهُور الفصيح وِلاءً ثمَّ يتبعهُ باللغات الزَّائِدَة إِن كَانَ فِي الْكَلِمَة لُغَتَانِ فَأكْثر. وَمِنْهَا أَنه عِنْد إِيرَاد المصادر يقدم الْمصدر الْمَقِيس أوّلا ثمَّ يذكر غَيره فِي الْغَالِب. وَمِنْهَا أَنه قد يَأْتِي بوزنين متّحدين فِي اللَّفْظ فيظُنُّ من لَا معرفَة لَهُ بأسرار الْأَلْفَاظ وَلَا باصطلاح الْحفاظ أَن ذَلِك تكرارٌ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة، وَقد يكون لَهُ

стр. 88

فَوَائِد يَأْتِي ذكرهَا، وأقربها أَنه أَحْيَانًا يزن الْكَلِمَة الْوَاحِدَة بزُفر وصُرَد، وَكِلَاهُمَا مَشْهُور بِضَم أوّله وَفتح ثَانِيه، فَيظْهر أَنه تكرارٌ، وَهُوَ يُشِير بِالْوَزْنِ الأول إِلَى أَنه علم فَيعْتَبر فِيهِ الْمَنْع من الصّرْف، وَبِالثَّانِي إِلَى أَنه جنس لم يُقْصد مِنْهُ تَعْرِيف، فَيكون نكرَة فيُصرف، وَكَذَلِكَ يزِن تَارَة بسحاب وقطام وثمان وَمَا أشبه ذَلِك. وَمِنْهَا: أَنه إِنَّمَا يعْتَبر الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة فِي الْكَلِمَات دون الزَّوَائِد، وَمن ثمَّ خَفِي على كثير من النَّاس مُرَاجعَة أَلْفَاظ مزيدة فِيهِ، نَحْو التَّوْرَاة وَالتَّقوى، وَكثير من النَّاس يحاجي وَيَقُول: إِن المُصَنّف لم يذكر التَّقْوَى فِي كِتَابه، أَي بِنَاء على الظَّاهِر. وَمِنْهَا أَنه عِنْد تصدّيه لذكر الجموع أَيْضا يقدم الْمَقِيس مِنْهَا على غَيره فِي الْغَالِب، وَقد يهمل الْمَقِيس أَحْيَانًا اعْتِمَادًا على شهرته، كالبوادي، وَقد يتْرك غَيره سَهوا، كَمَا نبينه. وَمِنْهَا: أَنه يقدم الصِّفات المقيسة أوّلاً ثمَّ يتبعهَا بغَيْرهَا من الْمُبَالغَة أَو غَيرهَا، ويعقبها بِذكر مؤنثها بِتِلْكَ الأوزان أَو غَيرهَا، وَقد يفصل بَينهمَا، فيذكر أوّلاً صِفَات الْمُذكر، ويتبعها بمجموعها، ثمَّ يذكر صِفَات الْمُؤَنَّث، ثمَّ يتبعهَا بمجموعها، على الْأَكْثَر. وَمِنْهَا: أَنه اخْتَار اسْتِعْمَال التحريك ومحرَّكا فِيمَا يكون بِفتْحَتَيْنِ، كجبَلٍ وفَرَح، وَإِطْلَاق الْفَتْح أَو الضَّم أَو الْكسر على المفتوح الأوّل فَقَط أَو المضموم الأوّل فَقَط، أَو المكسور الأوّل فَقَط، وَهُوَ اصطلاحٌ لكَثير من اللغويين. فَهَذِهِ نَحْو عشرَة أُمور إِنَّمَا تُؤْخَذ من الاستقراء والمعاناة، كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ. انْتهى. (ثمَّ إِنِّي نبّهت فِيهِ) أَي الْقَامُوس (على أشياءَ) وأُمورٍ (رَكِبَ) أَي ارْتكب إِمَام الْفَنّ أَبُو نصر (الجوهريّ رَحمَه الله تَعَالَى) وَهِي جملَة دعائية (فِيهَا خلافَ الصَّواب) وغالب مَا نبّه عَلَيْهِ فَهُوَ من تكمِلة الصَّاغَانِي وحاشية ابْن بَرِّي وَغَيرهمَا، وللبدر الْقَرَافِيّ بَهجة النُّفُوس

стр. 89

فِي المحاكمة بَين الصِّحَاح والقاموس جمعهَا من خطوط عبد الباسط البُلْقِينِيّ وسعدي أَفَنْدِي مفتي الديار الرومية، وَقد اطَّلعت عَلَيْهِ، وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى نورد فِي كل مَوضِع مَا يُنَاسِبه من الْجَواب عَن الْجَوْهَرِي، حَالَة كوني (غير طاعِنٍ) أَي دَافع وواقع وقادح (فِيهِ) أَي الجوهريّ (وَلَا قاصدٍ بذلك) أَي بالتنبيه الْمَفْهُوم من قَوْله نبهت (تَنْديداً) أَي إشهاراً (لَهُ) وَتَصْرِيحًا بعيوبه وإسماعه الْقَبِيح (و) لَا (إزراءً) أَي عَيْبا (عَلَيْهِ و) لَا (غضًّا مِنْهُ) أَي وَضْعا من قدره (بل) فعلت ذَلِك (استيضاحاً للصَّوَاب) أَي طلبا لِأَن يَتَّضِح الصَّوَاب من الْخَطَأ (واستِرْباحاً للثَّواب) أَي طلبا للرِّبح الْعَظِيم الَّذِي هُوَ الثَّوَاب من الله تَعَالَى، وَفِي الْفَقْرَة الترصيع والتزام مَا لَا يلْزم، وَقدم الاستيضاح على الاسترباح لكَونه الأهم عِنْد أُولي الْأَلْبَاب (وتحرُّزاً) أَي تحفظاً (وحَذَراً) محركة، وَفِي نُسْخَة حِذاراً ككِتاب، وَكِلَاهُمَا مصدران أَي خوفًا (من أَن يُنْمَى) أَي يُنسب (إليَّ التَّصْحِيف) قَالَ الرَّاغِب: هُوَ رِوَايَة الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ لاشتباه حُرُوفه. وَفِي المزهر: قَالَ أَبُو الْعَلَاء المعريُّ: أصل التَّصْحِيف أَن يَأْخُذ الرجلُ اللفظَ من قراءتِهِ فِي صحيفةٍ وَلم يكن سَمِعه من الرّجال فيغيّره عَن الصَّوَاب (أَو يُعْزَى) أَي ينْسب (إليَّ الغَلَط) محرَّكة، هُوَ الإعياء بالشَّيْء بِحَيْثُ لَا يَعرف فِيهِ وجْهَ الصَّوَاب (والتحريف) وَهُوَ التَّغْيِير، وتحريف الْكَلَام: أَن تَجْعَلهُ على حَرْف من الِاحْتِمَال، والمحرَّف: الْكَلِمَة الَّتِي خَرَجَت عَن أَصْلهَا غَلطا، كَقَوْلِهِم للمشئوم مَيْشوم. ثمَّ إِن الَّذِي حذر مِنْهُ وَهُوَ نِسبة الْغَلَط والتصحيف أَو التحريف إِلَيْهِ فقد وَقع فِيهِ جماعةٌ من الأجلاء من أَئِمَّة اللُّغَة وأئمة الحَدِيث، حَتَّى قَالَ الإِمَام أَحْمد: وَمَنْ يَعْرَى عَن الخَطَإ والتصحيف؟ قَالَ ابْن دُرَيْد: صحّف الخليلُ بن أَحْمد فَقَالَ: يَوْم بغاث، بالغين الْمُعْجَمَة، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ،

стр. 90

أوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ، وَفِي صِحَاح الْجَوْهَرِي: قَالَ الْأَصْمَعِي: كنت فِي مَجلس شُعبه فروى الحَدِيث قَالَ: تَسْمَعُونَ جَرْش طير الْجنَّة. بالشين الْمُعْجَمَة، فَقلت: جَرْس، فَنظر إليّ وَقَالَ: خذوها مِنْهُ، فَإِنَّهُ أعلم بِهَذَا منا. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نَاصِر الدِّمَشْقِي فِي رِسَالَة لَهُ: إِن ضبط القَلَم لَا يُؤْمَن التحريفُ عَلَيْهِ، بل يتطرَّق أَوْهَامَ الظانِّين إِلَيْهِ، لَا سيّما من عِلْمه من الصُّحف بالمطالعة، من غير تَلَقٍّ من الْمَشَايِخ، وَلَا سُؤال وَلَا مُرَاجعَة. وقرأت فِي كتاب الْإِيضَاح لما يُستدرك للإصلاح كتاب الْمُسْتَدْرك لِلْحَافِظِ زين الدّين الْعِرَاقِيّ بِخَطِّهِ نقلا عَن أبي عَمْرو ابْن الصَّلاح مَا نصُّه: وَأما التَّصْحِيف فسبيل السَّلامة مِنْهُ الْأَخْذ من أَفْوَاه أهلِ العِلم والضبط، فَإِن من حُرم ذَلِك وَكَانَ أخذُه وتعلُّمه من بطُون الْكتب كَانَ من شَأْنه التحريف، وَلم يُفلِتْ من التبديل والتصحيف، وَالله أعلم. (على أَنِّي لَو رُمْتُ) أَي طَلبت (للنِّضال) مصدر ناضَلَه مُنَاضلَةً إِذا بَارَاه بالرَّمْيِ (إيتارَ القَوْس) يُقَال أَوْتَر القوْسَ إِذا جعل لَهُ وَتَراً (لأنشدت) أَي ذكرت وقرأت، وَقد تقدم فِي المقدّمة أَنه يُقَال فِي رِوَايَة الشّعْر أنشدنا وَأخْبرنَا (بيتَيْ) مُثَنَّى بَيْت (الطائيِّ) نِسبَة إِلَى طيّئ كسيّد، على خِلاف الْقيَاس، كَمَا سَيَأْتِي فِي مادته، وَهُوَ أَبُو تَمام (حَبيب ابْن أَوْس) الشَّاعِر الْمَشْهُور، صَاحب الحماسة العجيبة، الَّتِي شرحها المرزوقي والزمخشريّ وَغَيرهمَا، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو حَيّان، أَنا لَا أَسمع عَذلاً فِي حبيب، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ يحفظ عشرَة آلَاف أُرجوزة للْعَرَب غير القصائد والمقاطيع، وَله الدِّيوَان الْفَائِق الْمَشْهُور الجامعُ لحُرّ الْكَلَام ودُرِّ النظام، ولد بجَاسم، قريةٍ من دمشق سنة ١٩٠، وَتُوفِّي بالموصل سنة ٢٣٢ وَقيل غير ذَلِك، والبيتان اللَّذَان أَشَارَ إِلَيْهِمَا المُصَنّف قد قدَّمنا إنشادهما آنِفا، هَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمَشْهُور على أَلْسِنَة النَّاس، وَهَكَذَا قرَّر لنا مَشَايِخنَا، قَالَ شَيخنَا: وَيُقَال إِن المُرَاد بالبيتين قَول أبي تَمام:

стр. 91

(فَلَوْ كَانَ يَفْنَى الشِّعْرُ أَفْنَاهُ مَا قَرَتْ ... حِيَاضُك مِنْهُ فِي العُصُورِ الذَّوَاهِبِ) (ولكِنَّه صَوْبُ العُقُول إِذا انْجَلَتْ ... سَحَائبُ مِنْهُ أُعْقِبَتْ بِسَحَائبِ) ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي كَانَ يرجِّحه شيخُنا الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الشاذلي ﵁، ويستبعد الأوّلَ وَيَقُول: يقبح أَن يتَمَثَّل بِهِ أوّلاً صَرِيحًا ثمَّ يُشِير إِلَيْهِ ثَانِيًا تَقْديرا وتلويحاً، وَهُوَ فِي غَايَة الوضوح لِأَنَّهُ يُؤدّي إِلَى التَّنَاقُض الظَّاهِر، وارتضاه شَيخنَا الإِمَام ابْن المسناويّ، وَعَلِيهِ كَانَ يقْتَصر الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ الوجاري، ﵃ أَجْمَعِينَ. والفقرة فِيهَا الْتِزَام مَا لَا يلْزم (وَلَو لم أَخْشَ) قَالَ الرَّاغِب: الخشية: خوفٌ يشوبه تَعظيم، وَأكْثر مَا يكون ذَلِك عَن علمٍ مِمَّا يخْشَى مِنْهُ. وَسَيَأْتِي مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي مادّته (مَا يَلْحق المُزَكِّيَ نَفْسَه) تزكيةُ الشَّاهِد: تطهيرُه من عوارض القَدْح، أَو تَقْوِيتُه وتأْييده بِذكر أَوْصَافه الجميلة الدّالَّة على عَدَالَته، وَيُقَال: تزكيةُ النفسِ ضَرْبَان: فِعْلِيَّة، وَهِي محمودة ممدوحة شرعا، كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ بِأَن يحملهَا على الاتصاف بكامل الْأَوْصَاف. وقوْلِيَّةِ، وَهِي مذمومة، كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلَا تزكوا أَنفسكُم﴾ أَي بثنائِكم عَلَيْهَا وافتخارِكم بأفعالكم، وَأنْشد ابْن التلمساني: (دَعْ مَدْحَ نَفْسِكَ إنْ أَرَدْتَ زَكَاءَهَا ... فَبِمَدْحِ نَفْسِكَ عَنْ مَقَامِكَ تَسْقُطُ) (مَا دُمْتَ تَخْفِضُهَا يَزِيدُ عَلاؤُهَا ... والعَكْسُ فَانْظُرْ أَيُّ ذَلِك أَحْوَطُ) (من المَعَرّة) أَي الْإِثْم وَالْعَيْب أَو الْخِيَانَة، وَسَيَأْتِي فِي مادّته مُطوَّلاً، وسبقت إِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي الْخطْبَة (والدَّمَان) هُوَ بِالْفَتْح، وَاخْتلف الشُّرَّاح والمحشُّون فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ بَعضهم: بل هُوَ الذَّان، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، بِمَعْنى

стр. 92

الذَّام، وَهُوَ العَيْب، وَقَالَ بعضُهم: الدَّمَان كسَحاب من مَعَانِيه السَّرقين ويُراد بِهِ لازِمُه، وَهُوَ الحَقارة، هَذَا هُوَ الْمُنَاسب هُنَا، على حسب سَماعنا من الْمَشَايِخ، وَفِي بعض الأُصول بِكَسْر الْمُهْملَة أَو ضمهَا وَتَشْديد الْمِيم، مَصدرٌ من الدمَّامة وَهِي الحَقارة (لتمثَّلْت) يُقَال تمثّل بالشعر إِذا أَنشده مرَّةً بعد مرَّةٍ (بقول) أبي الْعَلَاء (أَحْمد بن) عبد الله بن (سُليمان) بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان المعَرِّيّ التنوخيّ القُضاعيّ اللغويّ، الشَّاعِر الْمَشْهُور، الْمُنْفَرد بِالْإِمَامَةِ، ولد يَوْم الجُمعة لثلاثٍ بَقينَ من ربيع الأوّل سنة ٣٦٣ بالمعرّة، وعمى بالجُدَرِيّ، وَكَانَ يَقُول إِنَّه لَا يعرف من الألوان غير الحُمرة، وَتُوفِّي فِي الثَّالِث من ربيع الأول سنة ٤٤٩ (أديب) وَهُوَ أَعَمُّ من الشَّاعِر، إِذْ الشِّعر أَحدُ فُنون الأَدب، وَهُوَ أَبلغ فِي الْمَدْح، وأضافه إِلَى (مَعَرّة النّعمانِ) لِأَنَّهَا بلدته، وَبهَا وُلد، وَهِي بَين حَلب وحَماة، وأُضيفت إِلَى النُّعمان بن بَشيرٍ الأنصاريّ، ﵁، فنُسِبت إِلَيْهِ وَقيل: دفن بهَا ولَدٌ لَهُ، وَالْقَوْل الَّذِي أَشار إِلَيْهِ هُوَ قَوْله من قصيدة: ومطلعها: (وَإِنِّي وَإِن كُنْتُ الأخِيرَ زمَانُهُ ... لآت بِمَا لم تَسْتَطِعْه الأوائِلُ) (أَلَا فِي سَبيل المَجْدِ مَا أَنَا فَاعِلُ ... عَفَافٌ وإقبَالٌ ومَجْدٌ ونَائِلُ) وَفِي الْفَقْرَة الِالْتِزَام والجِناس التامُّ بَين مَعرّة والمعرَّة (وَلَكِنِّي أَقُول كَمَا قَالَ) الإِمَام (أَبُو الْعَبَّاس) مُحَمَّد بن يزِيد ابْن عبد الْأَكْبَر الثُّماليّ الأَزديّ البصريّ الإِمَام فِي النَّحْو واللغة وفنون الْأَدَب ولقبه (المبرّد) بِفَتْح الرَّاء المشدّد عِنْد الْأَكْثَر، وَبَعْضهمْ يكسر، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول بَرّد الله من بَرّدني، أَخذ عَن أبي عُثمانَ المازنيّ وَأبي حاتِمٍ السجسْتانِي وطبقتهما، وَعنهُ نفطَوَيْه وأَصحابه، وَكَانَ هُوَ وثعلب خَاتِمَة تَارِيخ الأُدباء، ولد سنة ٢١٠ وَتُوفِّي سنة ٢٨٦ بِبَغْدَاد (فِي) كِتَابه الْمَشْهُور الْجَامِع وَهُوَ (الْكَامِل) وَقد جعله ابنُ رَشِيق فِي العُمدة من أَركان الْأَدَب الَّتِي لَا يَسْتَغنِي عَنْهَا مَنْ يُعاني

стр. 93

الْأَدَب، وَله غَيره من التصانيف الفائقة، كالمقتَضَب والرَّوْضة وَغَيرهمَا (وَهُوَ القائِلُ المحقّ) وَهَذِه جملَة اعتراضية جِيءَ بهَا فِي مدح الْمبرد بَين القَوْل ومقوله وَهُوَ (لَيْسَ لِقِدَم العَهْد) أَي تقدُّمه، والعَهد: الزَّمَان (يَفْضُل) أَي يزِيد ويكْمُل (الفائل) بِالْفَاءِ، وَضَبطه الْقَرَافِيّ وَغَيره بِالْقَافِ كالأوّل، وَهُوَ غلطٌ، فَالَ رَأْيُه كباع فَهُوَ فائِلُه، أَي فاسِدُه وضَعيفه (وَلَا لِحدْثَانِه) هُوَ كحِرْمان أَي الْقرب، وَالضَّمِير إِلَى الْعَهْد (يُهتَضَم) مبنيًّا للْمَجْهُول، أَي يُظلَم ويُنتَقص من هَضَمَه حَقَّه إِذا نَقصه (المُصِيب) ضد الْمُخطئ (وَلَكِن) الْإِنْصَاف وَالْحق أَن (يُعطى كلٌّ) من فائِل الرَّأْي ومُصِيبه (مَا يسْتَحق) أَي مَا يستوجبه من الْقبُول والردّ، وَمثل هَذَا الْكَلَام فِي خُطبة التسهيل مَا نَصه، وَإِذا كَانَت العُلوم مِنحاً إلهية ومواهب اختصاصِيّة، فَغير مُستبعَدٍ أَن يُدَّخَر لبَعض المتأَخرين مَا عَسُر على كَثير من المتقدِّمين، وَالْمعْنَى أَن تَقدُّمَ الزَّمَان وتأَخُّرَه لَيست لَهُ فضيلةٌ فِي نَفسه، لِأَن الْأَزْمَان كلهَا مُتَسَاوِيَة، وَإِنَّمَا المعتبَر الرجالُ الموجودون فِي تِلْكَ الْأَزْمَان، فالمصيب فِي رَأْيه وَنَقله ونقده لَا يضرُّه تأَخُّرُ زمانِه الَّذِي أظهره الله فِيهِ، والمخطئ الفاسدُ الرأيِ الفاسِدُ الفهمِ لَا يَنْفَعهُ تقدُّم زَمَانه، وَإِنَّمَا المُعَاصرة كَمَا قيل حِجَابٌ، والتقليد المَحْضُ وَبَالٌ على صاحِبِهِ وَعَذَاب، أنشدنا شيخُنا الأديب عبد الله بن سَلامَة الْمُؤَذّن: (قُلْ لمَن لَا يَرَى المعاصِرَ شَيْئاً ... ويَرى لِلأوائِل التَّقْدِيمَا) (إِن ذَاك القديمَ كانَ حَدِيثاً ... وسَيُسْمَى هَذَا الحديثُ قَدِيمَا) وأنشدني أَيْضا لِابْنِ رَشِيق: (أُولِع الناسُ بامتداحِ القَدِيمِ ... وَبِذَمِّ الجَدِيدِ غَيرِ الذَّميمِ) (لَيْسَ إلَاّ لأَنَّهُمْ حَسَدُوا الحَيَّ ... وَرَقُّوا عَلَى العِظامِ الرَّمِيمِ)

стр. 94

وأنشدني أَيْضا: (تَرى الفَتَى يُنكِرُ فَضْلَ الفَتَى ... خُبْثاً ولُؤْماً فَإذَا مَا ذَهَبْ) (لجَّ بِهِ الحِرْصُ على نُكْتَةٍ ... يَكْتُبُهَا عَنْهُ بِمَاءِ الذَّهَبْ) والمُراد من ذَلِك كلّه النظرُ بعَين الْإِنْصَاف من المعاصِرين وَغَيرهم، فَإِن الْإِخْلَاص والإنصاف هُوَ الْمَقْصُود من الْعلم، وَإِنَّمَا أَورد المُصَنّف هَذَا القولَ مَعْزُوًّا لأبي الْعَبَّاس لِأَن بركَة العِلْم عَزْوُه إِلَى قَائِله. (واختصصت) أَي آثرت (كِتَاب) الإِمَام أبي نصر (الجوهريّ) الْمُسَمّى بالصحاح، وأفردته بالتوجُّه إِلَيْهِ بالبحث على جِهة الْخُصُوص (من بَين الكُتب اللُّغَوِيَّة) أَي المصنفات المنسوبة إِلَى علم اللُّغَة، كاللُّباب والمحكم والمجمل وَالنِّهَايَة وَالْعين وَغَيرهَا (مَع مَا فِي غالبها) أَي أَكْثَرهَا، يَقُولُونَ: هَذَا الِاسْتِعْمَال هُوَ الْغَالِب، أَي الْأَكْثَر دَوَراناً فِي الْكَلَام، لكنه قد يتخلّف، بِخِلَاف المطَّرِد فَإِنَّهُ الْمَقِيس الَّذِي لَا يختلّ (مِن الأوهامِ) جمع وَهَم محركة، كالغَلَط وزْناً وَمعنى (الْوَاضِحَة) أَي الظَّاهِرَة ظهوراً بيِّناً لَا خفاءَ فِيهِ كوَضَح الصُّبْح (والأغلاط) جمع غَلَط قد تقدم مَعْنَاهُ (الفاضحة) المنكشفة فِي نَفسهَا، أَو الكاشفة لصَاحِبهَا ومرتكِبها (لِتَدَاوُله) بَين النَّاس، أَي عُلَمَاء الْفَنّ، كَمَا فِي بعض النّسخ هَذِه الزِّيَادَة، وَهُوَ حُصول الشَّيْء فِي يَدِ هَذَا مرَّةً وَفِي يَد الآخر أُخْرَى، وتداولوه: تناولوه وأَجْرَوْه بَينهم، وَهُوَ يدلّ على شُهرته ودورانه. وَفِي نُسْخَة أُخرى " لتنَاوله " وَهُوَ أَخذ الشَّيْء مُنَاوَبةً أَيْضا (واشتهارِه) أَي انتشاره ووضوحه (بخُصُوصه) أَي خاصّته دون غَيره (و) لأجل (اعتمادِ المدرِّسين) كَذَا فِي نُسْخَة الْمَنَاوِيّ والقرافي وميرزا عَليّ الشِّيرَازِيّ، وقاضي كجرات أَي استنادهم ورُكُونهم (على نُقُوله) جمع نَقْل مصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول، أَي الْمَنْقُول الَّذِي يَنقله عَن الثِّقات وَالْعرب العَرْباء (ونُصُوصه) هِيَ مَسائله الَّتِي أُوردت فِيهِ. وَفِي نُسْخَة ابْن الشّحْنَة " المتدرسين " بِزِيَادَة التَّاء، وَهُوَ خطأ،

стр. 95

لِأَن هَذِه الصيغةَ مُشِيرةٌ إِلَى التعاطي بِغَيْر اسْتِحْقَاق، وَهُوَ قد جعل االاعتماد علّةً لاختصاصه من دون الْكتب، وَلَو تكلّف بَعضهم فِي تَصْحِيحه كَمَا تكلّف آخَرُونَ فِي معنى هَذِه الْجُمْلَة، أَعني اختصصت إِلَى آخرهَا بِوَجْه يَمجُّه الطبعُ السَّلِيم، ويستبعِدُه الذِّهْن الْمُسْتَقيم، فليحذر المطالِع من الركون إِلَيْهِ أَو التعويل عَلَيْهِ (وَهَذِه اللُّغَة الشريفةُ) من هُنَا إِلَى قَوْله " وكتابي هَذَا " سَاقِط فِي بعض النّسخ، وَعَلِيهِ شرح الْبَدْر الْقَرَافِيّ وَجَمَاعَة، لعدم ثُبُوته فِي أُصولهم، وَهُوَ ثَابت عندنَا، وَمثله فِي نُسْخَة ميرزا عَليّ والشرف الْأَحْمَر وَغَيرهمَا، وَهَذِه الْعبارَة من هُنَا إِلَى قَوْله " مَالك رِقّ الْعُلُوم وربِقة الْكَلَام " مَأْخُوذَة من رِسَالَة شرف إيوَان الْبَيَان فِي شرف بَيت صَاحب الدِّيوان، وَهِي رِسَالَة أَنشأَها بعض أُدباء أَصْفهان، من رجال الستمائة وَالثَّلَاثِينَ، باسم بعض أُمراء أَصفهان ونصُّها: تَهُبُّ نَوَاسِمُ القَبُول، على رَيْحانَة الْأَشْعَار والفُصول، فيُناوِح سَحَرِيُّ شَمَالِهَا شَمائِل المَحبوب، ويُنْعِم نُعَامى أَرضِها بَالَ المكروب، تَرفَع العَقيرة غِرِّيدة بانِها أَحْيَانا، وتَصوغ ذاتَ طَوْقها بِقَدْرِ القُدْرَةِ أَلحاناً، يتمتَّع بشَمِيم عَرارِها، وَإِن انساق إِلَى طَفَلِ العَشيَّة مُتُونَ نَهارها، تَغْتَنِم خَيْلُ الطّباع انتهابَ نقْلِ رياضها، وَإِن توانَتْ خُطَا طالبيه وتدَانَت كَرُوَيْحَات الفَجر فِي انتهاضها. إِلَى آخر مَا قَالَ، غير أَن الْمُؤلف قد تَصرَّف فِيهَا كَمَا ننبه عَلَيْهِ (لم تَزل ترفع العَقيرة) أَي الصَّوْت مُطلقًا أَو خاصَّة بالغِناء (غِرّيدة) بِالْكَسْرِ، صفة من غَرّد الطَّائِر تغريداً إِذا رفع صَوته وطَرّب بِهِ (بَانِها) شجرٌ مَعْرُوف، أَي لم تزل حمامةُ أَشجارِها ترفع صَوتهَا بِالْغنَاءِ (وتصوغ) مِن صَاغه صَوْغا إِذا هَيَّأه على مثالٍ مُسْتقِيم، وَأَصْلحهُ على أَحْسَن تَقْوِيم (ذاتُ طَوْقها) أَنْوَاع من الطير لَهَا أَطواق كالحمام والفواخت والقمارى وَنَحْوهَا (بقَدْرِ) أَي بِمِقْدَار (القُدْرَة) بِالضَّمِّ أَي الطَّاقَة (فُنونَ) أَي أَنْوَاع وَفِي نُسْخَة صنُوف (ألحانِها) أَي أَصواتها المطرّبة، وعبّر بالصوغ إِشَارَة

стр. 96

إِلَى أَنَّهَا تخترع ذَلِك وتنشئه إنْشَاء بديعاً. ومُراد المُصَنّف أَنَّهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا تنقطِع وَلَا بُدَّ لَهَا مَن يقوم بهَا، وَإِن حصل فِيهَا التَّقْصِير أَحْيَانًا، لعُمُوم الْجَهْل، وتعاطي الْعُلُوم من لَيْسَ لَهَا بأَهْل، قَالَ شيخُنا وَلَا يخفى مَا فِي حذف المشبَّه وَذكر بعض أَنْوَاع الْمُشبه بِهِ كالغِرِّيدة وَذَات الطوْق، من الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ والتخييلية والترشيح، وَقد يدّعي إِثْبَات المشبّه أوّلاً حَيْثُ صرَّح باللغة الشَّرِيفَة، فَتكون الِاسْتِعَارَة تصريحيّة، وَفِيه الجناس المحرَّف الناقصُ، وإيراد الْمثل، وَغير ذَلِك من اللطائف الْجَوَامِع (وَإِن دارت الدوائرُ) أَي أحاطت النوائبُ والحوادث والمصائب من كُلّ جِهة (على ذوِيها) أَي أَصحابها، أَي اللُّغَة الشَّرِيفَة، وَفِي شرف إيوَان الْبَيَان: وَلَا أَشتكِي تَحامُل الدَّهرِ بإضاعة بِضاعَة الْأَدَب، وسَلْب خَطَر المُقامرين على ذَلِك النَّدَب، وتطّرق الخَلل إِلَى القشر دون اللُّبَاب، وموضوع اللَّفْظ دون الْمَعْنى الَّذِي هُوَ مَغْزَى الطلاب، بل أَقُول دارت الدَّوَائِر على الْعُلُوم وذويها (وأَخْنَت) أَي أهلكت واستولت، وَفِي نُسْخَة قَاضِي كجرات وَبَعض الأُصول الَّتِي بأَيدينا " أنحت " بالنُّون قبل الْحَاء الْمُهْملَة، مَعْنَاهُ أَقبلت، وَمثله فِي شرف إيوَان الْبَيَان (على نَضَارَة) بِالْفَتْح النِّعْمَة وحُسْن المنظر (رِيَاض) جمع رَوْض سقط من بعض النّسخ (عَيْشِهم) حياتهم أَو مَا يتعيَّش بِهِ (تُذْوِيها) أَي تُجفِّفها وتُبَسِّها (حَتَّى) غَايَة لدَوَرَان الدَّوَائِر الْعَارِضَة (لَا لَهَا) أَي اللُّغَة الشَّرِيفَة (اليومَ) أَي فِي زَمَانه، وَنَصّ عبارَة شرف إيوَان الْبَيَان بعد قَوْله " تذويها " فأهملوا الْفُرُوع والأُصول، واطَّرحوا الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول، وَرَغبُوا عَن الصناعات دقيقِها وجلِيلِها، وَالْحكم جُمَلِهَا وتفاصيلِها، فغاضت الشَّرَائِع بمسائلها، وَتركت مَدْلُولات أَحْكَام الْفِقْه بدلائلها فَلَا (دارِس) أَي قَارِئ ومشتغل بِهِ (سِوَى الطَّلَل) محركة: مَا شَخَص من آثَار الدَّار (فِي المَدَارس) جمع مَدْرسة، هِيَ مَوضِع الدِّراسة والقراءَة، وَذَلِكَ عبارَة عَن قلَّة الاعتناء بِالْعلمِ وانقراض أَهله، وَهَذَا فِي زَمَانه، فَكيف

стр. 97

بزماننا، وَقد روينَا فِي الحَدِيث المسلسل بالترحم أَن السيدة عَائِشَة أُم الْمُؤمنِينَ ﵂ قَالَت: رحم الله لَبِيدًا كَيفَ لَو أدْرك زَمَاننَا هَذَا حِين أنْشد بَين يَديهَا: (ذَهَبَ الذّين يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ ... وبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجرَبِ) وأنشدنا غير وَاحِد: (أمَّا الخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ ... وأَرى نِسَاءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسَائِهَا) نسْأَل الله اللطفَ والستر، إِنَّه وليّ الْإِجَابَة وَالْأَمر (وَلَا) لَهَا (مُجَاوِب) يردُّ لَهَا جوابَهَا (إلاّ الصَّدَى) وَهُوَ الصَّوْت الَّذِي يُسْمَع من أَركان السُّقوف وَالْبَاب إِذا وَقع صِيَاحٌ فِي جوانبها (مَا بَين أعلامِها) أَي علاماتها الكائنة فِيهَا (الدَّوَارِس) أَي الَّتِي عفَتْ آثارها، وَكَأن هَذَا مُبَالغَة فِي الْإِعْرَاض عَن الْعلم وَطَلَبه، بِحَيْثُ لَو قدِّر أَنه رجل طَالب يسأَل من يأْخذه لَا يُلْقَى لَهُ مجاوب وَلَا يُوجَد لَهُ دَاع وَلَا مُجيب، وَفِي الْفَقْرَة الْتِزَام مَا لَا يلْزم، وَزَاد فِي الأَصْل بعد هَذِه الْعبارَة إِن اخْتلف إِلَى الْفُقَهَاء مُحَصل بِيَدِهِ التَّعْلِيق فمسبّب الدِّيوَان وحامل البروات، أَو ألزم الْحجَّة بطرِيق التَّوْجِيه معاند فمستخرج مَال القسمات، يَقع الْخلاف وَلَا منع إِلَّا عَن الْحق الصَّرِيح، وَلَا مُطَالبَة إِلَّا بِالْمَالِ الجسيم، وَلَا مصادرة على الْمَطْلُوب إِلَّا بِضَرْب يضْطَر مَعَه إِلَى التَّسْلِيم. إِلَى آخر مَا قَالَ (لَكِن) اسْتِدْرَاك على الْكَلَام السَّابِق، وَعبارَة الأَصْل: وَلَو شِئْت لقلْت أَسْأَرَت شِفاه اللَّيَالِي من الْقَوْم بَقَايا، وأخلفت بواسقُ النّخل ودَايَا، بلَى (لم يَتَصَوَّحْ) أَي لم يتشقق وَلم يَجِفَّ، وَصَاح النبت وصَوّح وتَصَوّح: يَبِس وجَفَّ، وَظَهَرت فِيهِ الشقوق (فِي عَصْفِ) بِفَتْح فَسُكُون أَي هبّ (تِلْكَ البَوَارِح) وَهِي الرِّيَاح الشَّدِيدَة الحارّة الَّتِي تهبّ بِشدَّة فِي الصَّيف، وَالْمرَاد بهَا تِلْكَ الْحَوَادِث والمصائب (نَبْتُ تِلْكَ الأبَاطِح) عبارَة

стр. 98

عَن اللُّغَة وَأَهْلهَا على وَجه الِاسْتِعَارَة التخييلية والمكنية والترشيحية (أَصْلاً) انتصابه على الظَّرْفِيَّة، أَي لم يتصوّح وقتا من الْأَوْقَات (وَرَاسا) هُوَ فِي نسختنا بِإِثْبَات الْهَمْز، وَسَقَطت عَن غَالب الأُصول المصححة، وَهُوَ على لُغَة بني تَمِيم فَإِنَّهُم يتركون الْهَمْز لزُوماً، خلافًا لمن زعم أَن ترك الْهَمْز إِنَّمَا هُوَ تَخْفيف، قَالَه شَيخنَا، وَالْمرَاد أَن تِلْكَ الدَّوَائِر الَّتِي دارت على أهل اللُّغَة لم تستأصلهم بالكلّيّة، بل أبقت مِنْهُم بقيّة قَليلَة، تنجع إِذا سقتْها سحائبُ التدارُكِ مِمَّن يقيِّضه الله على عَادَته إحْيَاء للدّين وعلومه، وَفِي الْفَقْرَة ترصيع (وَلم تُستَلَبْ) أَي لم تختلس وَلم ينتزع ذَلِك النبت الَّذِي أُريد بِهِ اللُّغَة، وَهُوَ من الافتعال، وَفِي نُسْخَة: وَلم يتسلَّب، من بَاب التفعُّل، فَهُوَ نَظِير لم يتَصَوّح، وَمثله فِي شرف إيوَان الْبَيَان (الأَعْواد المُورِقةُ) أَي الأغصان الَّتِي نبت عَلَيْهَا وَرَقُها (عَن آخِرِها) أَي بِتَمَامِهَا وَكلهَا، وَهَذِه الْكَلِمَة استعملها الْعَرَب قَدِيما وأرادت بهَا الِاسْتِيعَاب والشمول (وَإِن أَذْوَت) أَي أَجَفَّت وأَيبَسَتْ (اللَّيَالِي) أَي حركاتها (غِرَاسا) جمع غَرْسٍ أَو مُفْرد بِمَعْنى المغروس، كاللِّباس بِمَعْنى الملبوس، وَفِي الْفَقْرَة الْتِزَام مَا لَا يلْزم، وَهُوَ الرَّاء قبل الْألف الموالية للسين الَّتِي هِيَ القافية، وَفِي نُسْخَة: وَإِن أذوت الْأَلْسِنَة ثمار اللَّيَالِي غراسا (وَلَا تَتَساقَطُ عَن عَذَبات) جمع عَذَبة محركة فيهمَا، وَهِي الطَّرَف، وعَذَبة الشجرةِ غُصْنُها كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقه فِي مادته (أفنانِ) جمع فَنَن، هُوَ الغُصن (الْأَلْسِنَة) جمع لِسان هُوَ الْجَارِحَة (ثِمارُ اللِّسَان) أَي اللُّغَة، وَفِي الأَصْل الْبَيَان (العربِيّ) منسوبة للْعَرَب (مَا اتّقَتْ) أَي تحفَّظت (مُصادمَةَ) أَي مدافعة (هُوجِ) بِالضَّمِّ، جمع هَوْجاء، وَهِي الرِّيح الْعَظِيمَة الَّتِي تَقلع البيوتَ وَالْأَشْجَار (الزَّعازِع) جمع زَعْزَع، وَالْمرَاد بهَا الشدائد، وَجعل ابنُ عبد الرَّحِيم الهُوجَ جمع هَوَج محركة، وتمحَّل لبَيَان مَعْنَاهُ، وَهُوَ غلط (بمُناسَبَةِ) أَي مشاكلة ومقاربة (الكِتابِ) وَهُوَ الْقُرْآن الْعَظِيم كَلَام الله الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه،

стр. 99

تَنْزِيل من حَكِيم حميد (ودَوْلَة النَّبي) ، وَالْمرَاد اسْتِمْرَار الغَلَبة النبويّة، قَالَ: وَهَذِه الْفَقْرَة كَالَّتِي قبلهَا مُشعرة بِبَقَاء هَذِه الْعُلُوم اللسانية، وَأَنَّهَا لَا تذْهب وَلَا تَنْقَطِع وَلَو صادمتها الزعازع والشدائد، لِأَنَّهَا قريبَة ومشاكلة لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم، وللدولة النَّبَوِيَّة، فَكَمَا أَن الْقُرْآن والدولة النَّبَوِيَّة ثابتان باقيان بِبَقَاء الدُّنْيَا، وَلَا تزَال كلمة الله هِيَ الْعليا، وَلَا تزَال الدولة المحمدية صائلة، فَكَذَلِك مَا يتوصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الْكتاب الْعَزِيز وَكَلَام النَّبِي لَا يزَال مستمرًّا على مُرُور الزَّمَان، وَإِن حصل فِيهِ فتورٌ أَحْيَانًا، كَمَا أَن الاتقاءَ والتحفظ دَائِم لَا يَزُول، فَكَذَلِك عدم التساقط، وَفِي الْكَلَام من الاستعارات الكنائية والتخييلية والترشيحية، وَفِيه جناس الِاشْتِقَاق والتزام مَا لَا يلْزم (وَلَا يَشْنَأُ) أَي لَا يبغض (هَذِه اللغةَ الشريفةَ) وَعبارَة الأَصْل: فَهِيَ اللُّغَة لَا يَشنَؤُها (إلَاّ من اهْتافَ بِهِ) افتعل من الهَيْفِ أَي رَمَاه (رِيحُ الشقاءِ) أَي الشدَّة والعسر وَخلاف السَّعَادَة، واستعار للشقاء ريح الهَيْف، لما بَينهمَا من كَمَال الْمُنَاسبَة فِي الْفساد الظَّاهِر وَالْبَاطِن، لِأَن الهَيْفَ ريحٌ شَدِيدَة حارّة، من شَأْنهَا أَن تُجَفِّف النَّبَات وتُعطش الْحَيَوَان وتُنشف الْمِيَاه أَي مَنْ بَغَض اللسانَ العربيَّ أَدّاه بُغْضه إِلَى بُغْض الْقُرْآن وسُنّة الرَّسُول ، وَذَلِكَ كُفْرٌ صُرَاح، وَهُوَ الشقاءُ الْبَاقِي، نسْأَل الله الْعَفو (وَلَا يَختار عَلَيْهَا) غَيرهَا من الْعُلُوم قبل مَعْرفَتهَا (إلاّ من اعتاض) أَي استبدل الرّيح (السافِيَة) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء، وَهِي الَّتِي تحمل الترابَ وتُلقيه فِي وَجهه وتَذرّه على عَيْنَيْهِ (مِن) وَفِي نُسْخَة عَن (الشَّحْوَاء) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة ممدودًا، هُوَ الْبِئْر الواسعة الْكَثِيرَة المَاء الَّذِي هُوَ مادّة الْحَيَاة، قَالَ شَيخنَا، وَسمعت من يَقُول: السافية: الأَرْض ذَات السَّفا، وَهُوَ التُّرَاب، والسَّجْواء بِالْجِيم وَالسِّين الْمُهْملَة الْبِئْر الواسعة، وَكِلَاهُمَا عِنْدِي غير ثَابت وَلَا صَحِيح، انْتهى. قلت: وَهَذِه النُّسْخَة أَي الثَّانِيَة هِيَ نَص

стр. 100

عبارَة الأَصْل (أفادَتْها) أَي أعطتها (مَيَامِنُ) أَي بَرَكَات (أنفاسِ المُستَجِنّ) أَي الْمُسْتَتر وَالْمرَاد بِهِ المقبور (بَطَيْبَةَ) وَهِي الْمَدِينَة المشرَّفة (طِيباً) أَي لذاذةً وعِطْرًا، وَالْمرَاد بِهِ النَّبِي (فشَدَتْ) أَي غَنَّت ورَنَّمت (بهَا) أَي اللُّغَة (أيْكيَّةُ النُّطْق) هِيَ الْحَمَامَة وَنَحْوهَا من الطُّيُور الَّتِي لَهَا شَدْوٌ، وغناء نَسَبهَا إِلَى الأيك، وَهِي الغَيْضَة، لِأَنَّهَا تأْوِي إِلَيْهَا كثيرا، وتتخذها مساكنَ (على فَننِ) محرّكةً: الغصنُ (اللسانِ) هَذِه الْجَارِحَة (رَطيبا) أَي رَخْصاً ليِّناً نَاعِمًا، وَهُوَ حَال من الفَنَن، أَي أَن هَذَا اللِّسَان ببركات أنفاسه لم تجفّ أغصانُها وَلم تزل حمائمُ النطقِ تُغنِّي على أَغْصَان الْأَلْسِنَة وَهِي رطبَة ناعمة، وَفِي الْفَقْرَة زِيَادَة على المجازات والاستعارات الِالْتِزَام (يَتداولها القومُ) أَي يَتَنَاوَلهَا (مَا ثَنَتِ الشَّمَال) أَي عطفت وأمالت، والشَّمال: الرّيح الَّتِي تهبُّ من الشأْم (مَعاطِفَ) جمع مِعْطَف كمنبر: الرِّدَاء، وَالْمرَاد مَا يكون عَلَيْهِ وَهُوَ الْقَامَة والجوانب (غُصْن و) مَا (مَرَت) أَي دَرّت (الجَنوبُ) بِالْفَتْح الريحُ اليمانِية لبن (لِقْحَة) بِالْكَسْرِ: النَّاقة ذَات اللَّبن (مُزْن) بِالضَّمِّ هُوَ السَّحَاب، وَالْإِضَافَة فِيهِ كلُجَيْنِ الماءِ: قَالَ شَيخنَا: شبَّه الأغصان بالقدود، والمُزْن باللّقاح من الْإِبِل، الْجنُوب بِصَاحِب إبل يمرِيها ليستخرج دَرَّها، وَأورد ذَلِك على أكمل وَجه من الْمجَاز والاستعارة الكنائية والتخييلية والترشيح والمقابلة وَغير ذَلِك مِمَّا يظْهر بِالتَّأَمُّلِ (استظلالاً بدَوْلَة) أَي دُخولا تَحت ظلّ دولة، وَفِي الأَصْل استظلالاً بدوحة (مَن رَفَع مَنارَها) وعَلَمَها (فَأَعْلَى) وأوضح منزلَتها بِحَيْثُ لَا تَخفى على أحدٍ، وَهُوَ النَّبِي (ودلّ) ضَبطه بَعضهم مبنيًّا للْمَفْعُول، وَالصَّوَاب مَبْنِيا للْفَاعِل مَعْطُوف على الصِّلَة، أَي أرشد وهَدَى (عَلى) نَيْلِ (شَجرةِ الْخلد) أَي الْبَقَاء والدوام وَهِي أَشجَار الْجنَّة (ومُلْكٍ لَا يَبْلَى) أَي سلطنة لَا يَلحقها بَلاءٌ وَلَا فَناء والدّالّ على ذَلِك هُوَ النَّبِي على جِهة النُصْحِ للعباد،

стр. 101

وإرشادهم، إِلَى مَا يَنْفَعهُمْ يَوْم الْمعَاد، عِنْد رب الأرباب نصحاً وشفقةً وَرَحْمَة لَهُم، كَمَا أمره ربُّه . وَفِي الْكَلَام اقتباسٌ أَو تلميح، وَقد أَخطَأ فِي تَفْسِيره كثيرٌ من المحشِّين والطلبة المدَّعِين (وَكَيف لَا) تكون هَذِه اللُّغَة الشَّرِيفَة بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة منسوبة إِلَى النَّبِي بَاقِيَة بِبَقَاء شَرِيعَته وَكتابه وسنته (و) الْحَال أَنه هُوَ المتكلّم بهَا، بل أفْصح من تكلم بهَا، وَلذَلِك قَالَ (الفصاحةُ) وَفِي الأَصْل: كَيفَ لَا والنبوة (أَرَجٌ) محرّكةً الطيبُ (بِغَيْر ثنائه) هَكَذَا فِي سَائِر النّسخ بالثاء وَالنُّون، وَفِي الأَصْل بِغَيْر ثِيَابه، جمع ثَوْب، وَهُوَ الصَّوَاب (لَا يَعْبَقُ) أَي لَا يَفُوح وَلَا ينتشِر، وَقد تقدم فِي الْمُقدمَة بَيَان أفصحيَّته وَمَا وَرَدَ فِيهِ (والسَّعادة صَبٌّ) أَي عاشق مُتابِع (سِوَى تُراب بَابه لَا يَعْشَق) وَلَا عَنهُ يحيد، فاللغة حازت الفصاحة والسعادة، واكتسبت ببركته ، وَفِي الفقرتين أنواعٌ من الْمجَاز، وَفِي المزهر: أخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شُعَب الْإِيمَان، من طَرِيق يُونُس بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن أبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُول الله فِي يَوْم دَجْنٍ " كَيْفَ تَروْنَ بَوَاسِقَهَا؟ " قَالُوا: مَا أحسنَها وأشدَّ تَراكُمها. قَالَ: " كَيفَ تَرَوْنَ قَوَاعِدَها؟ " قَالُوا: مَا أَحسَنها وأَشدَّ تَمكُّنَها، قَالَ: " كَيفَ ترَوْنَ جَوْنَهَا؟ " قَالُوا: مَا أحْسنه وأشدّ سوادَه: قَالَ: " كَيفَ ترَوْنَ رَحَاها استدَارَتْ " قَالُوا: مَا أحْسنهَا وأشدَّ استدارتها. قَالَ: " كَيفَ ترَوْنَ بَرْقها أَخفِيًّا أم وَميضاً أم يَشُّقُ شَقًّا " " قَالُوا: بل يشقُّ شقًّا، فَقَالَ " الْحيَاء. فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله، مَا أفصَحَك، مَا رَأينَا الَّذِي هُوَ أَعْرَبُ مِنْك، قَالَ: " حقّ لي، فَإِنَّمَا أُنزِل القرآنُ عَلَيّ بِلِسَان عَرَبِيٍّ مُبين ". ثمَّ إِن المُصَنّف لما ذكر أَوْصَافه الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة اشتاق إِلَى رُؤْيَة الحضرة، وتذكر تِلْكَ

стр. 102

النضرة، فَأقبل بِقَلْبِه وقالَبه عَلَيْهَا، وَجعلهَا كَأَنَّهَا حَاضِرَة لَدَيْهِ، وَكَأَنَّهُ مخاطِب لَهُ وَهُوَ بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ: وَفِي الأَصْل قبل الْبَيْت بعد قَوْله لَا يعشق مَا نَصه: وبواسطة من خُلِق أَجود من الرّيح المرسَلة نَجِد عَرْف الجِنان، وحُبًّا لمن ألّف الْبَوَادِي نَستروِح نَسِيم الرَّنْدِ والبان، ثمَّ أنْشد: (إذَا تَنَفَّسَ من وَادِيكَ رَيْحَانُ ... تَأَرَّجَتْ مِنْ قَميِصِ الصُّبْحِ أَرْدَانُ) (إِذا تنفَّس مِنْ وَادِيك) أَي مجلسك (رَيحانُ) أَي كل ذِي رَائِحَة طيبَة (تأَرّجَتْ) أَي توهجَت (مِنْ قَمِيص (الصُّبْح) هُوَ الْفجْر (أَرْدَان) أَي أَكمام، جعل الصُّبْح كَأَنَّهُ شخص وَمَا ينتشر عَنهُ من أضوائه وأنواره عِنْد صدوع الْفجْر كَأَنَّهُ ثِيَاب يلبسهَا، وَجعل الثِّيَاب قَمِيصًا لَهُ أكمام مُتَفَرِّقَة، وقيّد بالصبح لِأَن رَوَائِح الأزهار والرياض تفوح غَالِبا مَعَ الصَّباح. وَالْبَيْت من الْبَسِيط، وَفِيه الِاسْتِعَارَة المكنية والتخييلية والترشيح وَقُوَّة الانسجام (وَمَا أجدَر) أَي أَحَق (هَذَا اللسانَ) أَي اللُّغَة، وَفِي الأَصْل ذَلِك اللِّسَان (وَهُوَ) أَي اللِّسَان (حَبيبُ النَّفس) أَي محبوبها (وعَشِيق الطبْع) أَي معشوقه أَي حُبُّه طبيعةٌ للأذواق السليمة (وسَمِيرُ) أَي مسامِر ومحادِث (ضميرِ) أَي خاطر وقلب (الجَمْع) هم الْجَمَاعَات المجتمعة للمنادَمَة والمسامَرة والملاطفة بأنواع الْأَدَب والمُلح وَذَلِكَ لما فِيهِ من الغرائب والنوادر (وَقد وَقَفَ) أَي اللِّسَان (على ثَنِيَّة الوَدَاع) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّهَا قد أزمعت الترحال، وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا مِقْدَار مَا يعدّ توديعاً بَين الرِّجال، وَفِي الْفَقْرَة الِاسْتِعَارَة المكنية والتخييلية والترشيح (وهَمّ) أَي اعتنى واهتم وَقصد (قِبْلِيُّ) بِالْكَسْرِ مَنْسُوب إِلَى القِبلة، وَهِي جِهَة الصَّلَاة وناحية الْكَعْبَة المشرَّفة (مُزْنِه) أَي غَيْثه (بالإقلاع) أَي بالكفِّ والارتفاع، وَخص القِبليَّ لما من شَأْنه الانصباب (بِأَن يُعْتَنَقَ) الظّرْف مُتَعَلق بأجدر، أَي مَا أَحَق هَذَا اللِّسَان لشرفه وَتوقف الْأَمر عَلَيْهِ وعزمه

стр. 103

على الرحيل أَن يعامَل مُعاملة المفارِق فيُعْتَنق (ضمًّا والتزاماً كالأحبّة) أَي كَمَا يَضمُّون الصُّدُور على الصُّدُور، ويلتزمون بالنحور (لدَى التوديع) أَي مُوَادعة بَعضهم بَعْضًا (ويُكْرَم بِنَقْل الخطوات) أَي بِالْمَشْيِ مُتبعاً (على آثاره) أَي بَقِيَّته كالأعِزَّة، كَمَا فِي نُسْخَة الأَصْل (حالةَ التشييع) قَالَ شَيخنَا: وَقد أورد هَذَا الْكَلَام على جِهَة التَّمْثِيل حضًّا وحثًّا على تعلُّم اللُّغَة والاعتناء بشأنها وتحصيلها بِالْوَجْهِ الْمُمكن، وَإِن لم يُمكن الْكل فَلَا بُد من الْبَعْض فَجَعلهَا كشخص تهيَّأَ للسَّفر، ووقف على ثَنِيَّة الوَداع، وَأوجب تَشييعه وتَوْدِيعه بالاعتناق الْمُشْتَمل على الضمّ والالتزام الَّذِي لَا يكون إلَاّ للخاصة من الأحبَّة فِي وَقت التوديع، وحث على نقل الخُطا فِي آثاره حَالَة التشييع، كَمَا يفعل بِالصديقِ المضنون بمفارقته، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الزَّمن السَّابِق، من تَعْظِيم أهل اللُّغَة، وإنالتهم جلائل المكاسب فَقَالَ (وَإِلَى الْيَوْم) أَي إِلَى هَذَا الزَّمَان الَّذِي كَانَ فِيهِ (نَالَ القومُ) أَي أخذُوا وأدركوا (بِهِ) أَي بِسَبَب هَذَا اللِّسَان (الْمَرَاتِب) الجليلة (والحُظوظ) الجسيمة (وَجعلُوا) أَي صيروا (حَماطَة) بِالْفَتْح والمهملتين صَميم (جُلْجُلَانِهِم) بِالضَّمِّ أَي حَبَّة قلبهم، قَالَ شَيخنَا: وَهُوَ مَأْخُوذ من كَلام سيدنَا عليٍّ ﵁، كَمَا مرَّ، وَفِي الأَصْل: جعلُوا حَمَاطة قُلُوبهم (لَوْحَه) أَي صَحِيفَته (الْمَحْفُوظ) المحروس، أَي جعل قلبه لَوْحَ ذَلِك الشَّيْء، فَإِن الْإِنْسَان إِذا أَكثر من ذكر شَيْء لَازمه وسلَّط قلبه على حفظه ورعايته. وَفِي الْفَقْرَة تضمين (وفاح) أَي انْتَشَر (مِن زهر) أَي نَوْر (تِلْكَ الخمائِل) جمع خَمِيلة (وَإِن أَخطأَه) أَي تجاوزه فَلم يُصِبْه (صوْبُ) أَي قصد أَو نزُول (الغُيُوث) الأمطار (الهَواطل) الغزيرة المتتابعة الْعَظِيمَة الْقطر (مَا تتولّعُ بِهِ) أَي تستنشقه (الْأَرْوَاح) وتحِنُّ لَهُ النُّفُوس (لَا) من الأُمور الْعَارِضَة الَّتِي تَأْخُذهُ (الرِّياح) والأَهْوِية فتفرِّقه، فَفِيهِ الْمُبَالغَة وجناس الِاشْتِقَاق (وتُزْهَى) مَبْنِيا للْمَجْهُول على الفصيح

стр. 104

أَي تتبختر وتتكبَّر (بِهِ الألسنُ لَا الأغصن) جمع غُصن، على المشاكلة، فَإِن الْقيَاس على مَا سَيَأْتِي فِي جمع غُصْن غصون وغِصنَة كقِرطَة وأغصان (ويُطلِع) بِضَم حرف المضارعة أَي يُظهِر (طَلْعَهُ) أَي ثمره السادات وَالْعُلَمَاء من (البَشَر لَا الشّجر) فَإِنَّهُ جامد، والطَّلع بِالْفَتْح شَيْء يخرج كَأَنَّهُ نَعْلَانِ مُطبقان، وَالْحمل بَينهمَا منضود الطَّرَف، مَحْدُود، وأُريد بِالشَّجَرِ النّخل، وَقد ثَبت عَن الْعَرَب تَسْمِيَة النّخل شَجرا، قَالَه الزّجاج وَغَيره، وَمِنْه الحَدِيث المرويّ فِي الصَّحِيحَيْنِ " إِن من الشّجر شَجَرَة لَا يَسقط وَرَقها، وَإِنَّهَا لمثلُ الْمُؤمن، أخبروني مَا هِيَ " فَوَقع النَّاس فِي أَشجَار الْبَوَادِي، فَقَالَ: " أَلا وَهِي النَّخْلَة " وَقَالَ شَيخنَا: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْمُعْتَبر فِي الْعُلُوم هُوَ حملهَا عَن الرِّجَال ومشافهتهم بضبطها وإتقانها، لَا الْأَخْذ من الأوراق والصحف، فَإِنَّهُ ضلال مَحْضٌ، وَلَا سِيمَا المنقولات الَّتِي لَا مَجال لِلْعَقْلِ فِيهَا، كَرِوَايَة اللُّغَة والْحَدِيث الشريف، فَإِنَّهُمَا يتسلط عَلَيْهِمَا التَّصْحِيف والتحريف، وخصوصاً فِي هَذَا الزَّمَان، فالحذر الحذر. قلت: وَقد عقد السُّيُوطِيّ لهَذَا بَابا مستقلاًّ فِي المزهر فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَخْذ والتحمُّل فراجعْه. وَفِي الْفَقْرَة جناس الِاشْتِقَاق والتلميح لحَدِيث ابْن عمر الْمُتَقَدّم ذكره، وَزَاد فِي الأَصْل بعد قَوْله الشّجر: ويسمح بجَناه الجنَان لَا الجِنَّان (ويجلوه) أَي يظهره ويكشف عَن حَقِيقَته (المنطِق السَّحَّار) أَي الْكَلَام الَّذِي يسحر السامعين لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة السحر الْحَلَال (لَا الأسحار) جمع سحر، وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي يكون قبل طُلُوع الْفجْر، وَخص لتوجه القرائح السيالة فِيهِ للمنثور من غرائب الْعُلُوم والمنظوم، وَفِي الْفَقْرَة جناس الِاشْتِقَاق، وَزَاد فِي الأَصْل بعد هَذَا وتحلّ عقدته يدُ الإفصاح، لَا ناسم الإصياح، ويكسوه شعاعه الذَّكاء لَا ذُكَاء، ويهيج الطَّبْع وَلَا يكَاد يهيج، ويرف نَضارَة إِن ذَوَى الزهرُ البهيج (تُصان) وَفِي الأَصْل يُصان (عَن الخَبْطِ) أَي تحفظ عَن السُّقُوط (أوراقٌ عَلَيْهَا اشتملَتْ) أَي التفَّت

стр. 105

تِلْكَ الخمائل فَإِنَّهَا أزهار وأنوار، فيناسبها القطف والجَنْي، لَا الْخبط، لِأَنَّهُ يُفْسِدهَا، وَفِيه إِشَارَة إِلَى حسن إجتناء الْعلم وَكَمَال الْأَدَب عِنْد أَخذه وتلقّيه، وَفِيه تلميح للأوراق المعدَّة للكتابة وصيانتها عَن الْخبط فِيهَا خبط عَشْواء، والخوض فِيهَا بِغَيْر نظرٍ تامّ، والأُستاذ إِمَام (ويتَرفَّعُ) أَي يتعلّى (عَن السُّقوط) والخبط (نَضِيجُ ثَمرٍ) وَهُوَ محرّكة حَمْل الشّجر مُطلقًا أشجارُه) أَي النضيج (احتملتْ) مِن حَمَلَه واحتمله إِذا رَفعه، أَي يحافظ على تِلْكَ الثِّمَار بِحَيْثُ لَا تَجف وَلَا تذبُل حَتَّى يحصل لَهُ سُقُوط، بل يجب الاعتناءُ بهَا والمحافظة لَهَا، بِحَيْثُ يتَبَادَر إِلَى قطفها وتناولها قبل السُّقُوط والوقوع، وَفِيه الِالْتِزَام والمقابلة (من لُطف بلاغتهم) وَفِي الأَصْل من لطف تفريعاتهم (مَا يَفضح فُروع الآس) أَي أغصانه (رَجَّلَ جَعْدها) ترجيلاً إِذا سرَّحه وَأَصْلحهُ، والجَعد الشّعْر (ماشِطَةُ) ريح (الصَّبَا) وَالْإِضَافَة كلُجَيْن المَاء، أَي ريح الصَّبا الَّتِي هِيَ لفروع شَجَرَة الآس عِنْد هبوبها عَلَيْهَا وتسريحها إِيَّاهَا بِمَنْزِلَة الماشطة الَّتِي تُرَجّل شعر النِّسَاء وتُصلِح من حالهن. وَفِي الْجُمْلَة مُبَالغَة فِي مدحهم (وَمن حُسْن بَيانهم) هُوَ الْمنطق الفصيح المعرب عَمَّا فِي الضَّمِير. نَقله شَيخنَا عَن السعد، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: وَمن شعب بيانهم (مَا استلَبَ) أَي اختلس (الغُصْنَ) الْمَفْعُول الأوّل (رَشاقَتَه) مفعول ثَان (فَقلِقَ) أَي الْغُصْن لما حصل لَهُ من السَّلب (اضطراباً) مفعول مُطلق (شاءَ) أَي أَرَادَ ذَلِك الِاضْطِرَاب والقلق (أَو أبَى) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: أَمْ أَبى، أَي امْتنع، فَلَا بُد من وُقُوعه، كَمَا هُوَ شَأْن الأغصان إِذا هبَّ عَلَيْهَا النسيم فَإِنَّهُ يُميلها ويُقْلِقها. وَفِي الفقرتين مُبَالغَة والتزام وترصيع ومقابلة، والاستعارة المكنية والتخييلية فِي الترجيل والجعد، وَالتَّعْبِير بالفروع فِيهِ لطف بديع، لِأَن من إطلاقاتها عقائص الشّعْر، كَمَا

стр. 106

فِي شعر امْرِئ الْقَيْس وَغَيره، قَالَه شَيخنَا، وَزَاد فِي الأَصْل بعد هَذَا: لَم تَزْهُ أَيدي الأغصانِ فِي أكمامِ الزَّهر بالامتداد دونهَا، إِلَّا ضَرَبَتْ عَلَيْهَا الرياحُ فكادَت تَقصِفُ مُتونَها، وَلم يَدَعْ مِسْكيَّ نَوْرِ الخِلاف يَجْنُبها طِيبُ الشمائلِ، إِلَّا ومَزَّقت فَرْوَته على ذُرَى الأعواد ترمِيه باصفرار الأنامل، إِلَى آخر مَا قَالَ (وللهِ) يُؤْتِي بهَا عِنْد إِرَادَة التفخيم والتهويل، وَإِظْهَار الْعَجز عَن الْقيام بِوَاجِب من يذكر فيضيفه الْمُتَكَلّم إِلَى الله تَعَالَى، وَمن ثَمَّ قَالُوا لمن يَستغربون مِنْهُ نَادِرَة: لله دَرُّه، وَللَّه فلانٌ، وَمن ذَلِك أنشدنا الأديب الماهر الْمُحَقق حُسَيْن بن عبد الشكُور الطائفيُّ بهَا: (لله قومٌ كِرَامٌ ... مَا فِيهِمُ مَنْ جَفَانِي) (عَادوا وعَادُوا وعَادُوا ... عَلى اخْتِلاف المَعاني) (صُبَابةٌ) بِالضَّمِّ الْبَقِيَّة من كل شَيْء، كَمَا يَأْتِي فِي مادّته، وَفِي نُسْخَة الأَصْل وَللَّه صُيَّابة، بِضَم وَتَشْديد مثناة تحتية وَبعد الْألف مُوَحدَة (من الخُلفاء) جمع خَليفَة وَهُوَ السُّلْطَان الْأَعْظَم (الحُنَفَاء) جمع حنيفَة وَالْمرَاد بِهِ الْكَامِل الإسلامِ، الناسك المائل إِلَى الدّين (و) عِصَابَة من (الْمُلُوك العُظماء) أَي ذَوِي العظمة والفخامة اللائقة بهم، وَفِيه الِالْتِزَام (الَّذين تَقلَّبوا فِي أعطاف الفَضْل) والكمال وتخوّلوا فِيهَا (وأَعْجَبوا بالمنطِق الفَصْل) الفصيح الَّذِي يَفْصل الْمعَانِي بَعْضهَا من بعض، أَو الْفَصْل بِمَعْنى الْحق، أَو هُوَ مصدر بِمَعْنى الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول، وَفِيه جناس تصحيفي (وتَفكَّهوا) أَي تنعَّموا (بثِمار الْأَدَب الغضّ) أَي الناعم الطري (وأُولِعوا) أَي أغروا (بأبكار الْمعَانِي) أَي الْمعَانِي المبتكرة (وَلَع) أَي إغراءَ (المُفتَرع المفتَضّ) وَكِلَاهُمَا من افترع البِكر وافتضَّها أَي أَزَال بَكَارَتهَا بِالْجِمَاعِ، وَبَين تفكَّهوا وتقلّبوا، وأعجبوا وأولعوا مُقَابلَة، وَفِي التقلب والتفكه وَالثِّمَار والأبكار مجازات (شَمِل القومَ)

стр. 107

أَي أهل اللُّغَة، وشملهم: عمَّهم (اصطناعُهُم) أَي معروفهم وإحسانهم وصنيعهم (وطَرِبت) أَي فرحت ونشطت وارتاحت (لِكَلِمهم) أَي الْقَوْم جمع كَلَام (الغُرِّ) بِالضَّمِّ جمع غُرَّةٍ، أَي الْوَاضِحَة البيِّنة، وَفِي نُسْخَة الأَصْل وطربت للأناشيد (أسماعُهُم) أَي آذان الْخُلَفَاء (بل أَنْعشَ) أَي رفع وأقال (الجُدودَ) جمع جَدّ هُوَ الْحَظ وَالْبخْت (العَواثِرَ) جمع عاثر وعثر كضرب وَنصر وَعلم وكرم إِذا كبا وسَقط وعثر جَدُّه: تعس، كَمَا سَيَأْتِي (إلطافهم) بِالْكَسْرِ أَي ملاطفتهم ورفقهم، وقرأت فِي مُعجم ياقوت لعَمْرو ابْن الْحَارِث بن مُضاض الجرهمي قَوْله من قصيدة طَوِيلَة: (بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا ... صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَوَاثِرُ) (واهتزَّت) أَي فرحت وسُرَّت (لاكتساء حُلَل) جمع حُلّة، ثَوبانِ يَحُلُّ أحدُهما فَوق الآخر (الحَمْدِ) أَي الثَّنَاء الْجَمِيل (أعطافُهم) جمع عِطْف بِالْكَسْرِ، هُوَ الْجَانِب، وَالْمرَاد بهَا ذاتهم، وَفِي الْفَقْرَة الِالْتِزَام والاستعارة المكنية (رَاموا تخليدَ الذِّكر) أَي إبقاءَه على وجْه الدَّوَام (بالإنعام) أَي الْإِحْسَان (على الْأَعْلَام) أَي عُلَمَاء الْأَدَب واللغة الْمشَار إِلَيْهِم، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: راموا تخليد الذّكر بِوَاسِطَة الْكَلَام (وَأَرَادُوا أَن يعيشوا بعُمُرٍ ثانٍ) والعمر مُدة بقاءِ الْإِنْسَان وَغَيره من الْحَيَوَانَات (بعد مُشَارَفة) أَي مقارَبة (الحِمام) بِالْكَسْرِ الْمَوْت، إِشَارَة إِلَى أَن من دَامَ ذِكْرُه لم ينتقص عمرُه، أنْشد أَبُو الْحجَّاج الْقُضَاعِي لِابْنِ السَّيِّد: (أخُو العِلْمِ حَيٌّ خَالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ... وأَوصالهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ) (وَذُو الجَهْل مَيْتٌ وهْوَ يَمْشِي علَى الثَّرَى ... يُعدُّ مِنَ الأحْياءِ وَهْوَ عَدِيمُ) وَأنْشد شَيخنَا لأبي نَصرٍ الميكاليّ، وَهُوَ فِي الْيَتِيمَة: (وَإذَا الكَرِيمُ مَضَى وَولَّى عُمْرُهُ ... كَفَلَ الثَّنَاءُ لَهُ بِعُمْرٍ ثَانِ)

стр. 108

(طواهم الدهرُ) أَي أفناهم وصيَّرهم كالثَّوْب الَّذِي يُطوَى بعد نَشْرِه (فَلم يبْق لأعلامِ العلومِ) ، الأوَّل جمع عَلَم بِالْفَتْح، وَالثَّانِي جمع عِلْم بِالْكَسْرِ (رافِع) أَي مُعْلِى (ولاعن حرِيمها) أَي أَعلام الْعُلُوم، والحريم فِي الأَصْل: مَا حَوْل الشَّيْء من الْحُقُوق وَالْمَنَافِع، وَمِنْه حَرِيمُ الدّارِ، وَبِه سُمِّيَ حَرِيم دارِ الخِلافة، كَمَا سَيَأْتِي (الَّذِي هَتَكَتْه) أَي شَقَّت سِتْرَه، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: انتهكته (اللَّيَالِي) أَي دوائرها ونوائبها (مُدافِع) أَي محامٍ وناصرٌ، وَفِي الْفَقْرَة الِالْتِزَام وَالْمجَاز الْعقلِيّ، أَو الِاسْتِعَارَة المكنية وجناس الِاشْتِقَاق، والمكنية فِي تَشْبِيه الْحَرِيم بِشَيْء لَهُ سِتارة، والترشيح فِي إِثْبَات الهتك لَهُ (بل) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: بلَى (زَعَم الشامِتون بِالْعلمِ) جمع شامت من شَمِت بِهِ إِذا فَرح بمصيبة نزلَتْ بِهِ، وَالْمرَاد بالزعْمِ القولُ المظنون أَو الْكَذِب، وَتَأْتِي مباحثه (و) الشامتون ب (طُلَاّبِه) أَي الْعلم، جمع طَالب (والقائلون) أَي الزاعمون (بِدَوْلَة الجهلِ و) كَذَا (أحزابِه) أَي أنصاره ومعاونيه أَو جماعته (أَن الزَّمَان بمثلهم) أَي أَعْلَام الْعُلُوم الْمَاضِي ذِكْرُهم أَي الْخُلَفَاء، وَلَفْظَة الْمثل زَائِدَة، أَي بهم (لَا يَجُود) أَي لَا يُعْطِي (وأنّ وقْتاً قد مضى [بهم] ) وَفِي نُسْخَة الأَصْل وَأَن زَمنا مضى أَي ذهب وانقضى (لَا يَعود) أَي لَا يرجع، لِأَنَّهُ محَال عقليّ، وَقيل: عاديّ، كرجوع الشَّبَاب عِنْد السُّبكي. وَفِي عكس هَذَا قَالَ الشَّاعِر: (حَلَفَ الزَّمَانُ لَيَأْتِيَنَّ بِمِثْلِهِ ... إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَعَقِيمُ) وَفِي الْكَلَام اسْتِعَارَة ومجاز عَقْلِي والتزام بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَاو الرَّوِيّ فَإِنَّهَا غير وَاجِبَة كَمَا قرّر فِي مَحَله (فرَدَّ عَلَيْهِم) أَي على الشامتين والقائلين أَي رَجَعَ (الدهْر مُراغِماً) أَي ملاصقاً بالرُّغام أَي التُّرَاب، وَفِي نُسْخَة الأَصْل مُرْغِماً (أُنوفَهم) وَهُوَ كِنَايَة عَن كَمَال الإهانة (وتبيَّن) أَي ظهر (الْأَمر) أَي الشان (بالضّدّ) أَي بِخِلَاف مَا زعموه، أَو

стр. 109

أَن تبين متعدّ، وَالْأَمر مَنْصُوب على المفعولية، وفاعله ضمير الدَّهْر، بِدَلِيل قَوْله (جالباً حُتوفَهم) جمع حَتْف، هُوَ الْهَلَاك، وَفِي الْفَقْرَة الْمجَاز والترصيع والالتزام (فطلَع) وَفِي نُسْخَة الأَصْل وطلع (صُبْح النُّجْع) بِالضَّمِّ أَي الظَّفَر والفَوْز (مِن آفَاق) أَي جِهَات (حُسْنِ الِاتِّفَاق) وبديعه (وتباشرَت) أَي سُرَّت (أَرْبَاب) أَصْحَاب (تِلْكَ السِّلَع) بِالْكَسْرِ جمع سِلْعة وَهِي البضاعة (بِنَفَاق) بالفَتح رَوَجَان الْبيُوع (الْأَسْوَاق) أَي قِيَامهَا وعمارَتها، وَفِيه نوع من صناعَة الترصيع وَغَيره من مجازات واستعارات (وناهَضَ) أَي قاوم (مُلوكَ الْعدْل) وَفِي نُسْخَة الأَصْل الْعَهْد (لتنفيذ) أَي إِمْضَاء وإجراء (الْأَحْكَام، مالكُ) بِالرَّفْع فَاعل ناهض (رِقّ الْعُلُوم) أَي المستولي عَلَيْهَا كاستيلاء الْمَالِك على الرقّ (ورِبْقَة الْكَلَام) ، وَفِي نُسْخَة الأَصْل " وربقة الْأَنَام " وَهِي حَبْل فِيهِ عِدَّة عُرًى تُتَّخذ لضبط البَهْمِ، وَهِي صغَار الغَنَمِ، وَفِيه اسْتِعَارَة وجناس اشتقاق وَحسن التَّخَلُّص لذكر الممدوح، وَهَذِه الْفقر من قَوْله " لم تَزل ترفع غِرِّيدة بانها " إِلَى هنَا، كلهَا عبَارَة شرف إيوَان الْبَيَان المسلُوف ذِكْرُها، وَإِيَّاهَا أَعنِي بنسخة الأَصْل فَاعْلَم ذَلِك (بُرْهان) أَي حجَّة (الأساطينِ الأعْلامِ) جمع علم (سُلطان سلاطين الْإِسْلَام) وَيجوز أَن يُرَاد بالأعلام السادات فَإِنَّهُم أساطين الدّين المتين، وَفِيهِمَا ترصيع بديع وجناس حسن والتزام (غُرَّة وجْهِ اللَّيَالِي، قمرً بَراقع) جمع برقع تقدّم ذكره (الترافُع والتعالي) تفَاعل من الرِّفعة وَمن العُلُوّ، وَفِيه جناس التَّصْحِيف والتحريف، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: فِي مدح ولدَيّ صَاحب الدِّيوَان غُرَّتَي وجْهِ اللَّيَالِي، وقَمرَيْ سماءِ الْمَعَالِي (عاقِد أَلْوِية) جمع لِوَاء (فُنون الْعلم كُلِّها) توكيد للفنون، وَفِيه مُبَالغَة واستعارة مكنيّة وتصريحية (شاهِر سُيوف العدلِ ردَّ الغِرارَ) بِالْكَسْرِ النّوم (إِلَى الأجفان) جمع جَفْن الْعين، وَيُطلق على غِمد السَّيْف (بِسَلِّها) أَي تِلْكَ السيوف، وَفِيه إِشَارَة إِلَى الْأمان

стр. 110

والدَّعة والراحة الَّتِي ينشأُ عَنْهَا النّوم، يَعْنِي إشهار سيوف الْعدْل كَانَ سَببا فِي ذَلِك، وَفِيه التَّأْكِيد وَالْإِيهَام والمقابلة والاستعارة (مُقَلِّد أعناقِ البرايا) أَي الْخلق (بالتحقيق) أَي التثبيت (طَوْقَ امتنانِه) أَي إحسانه وإفضاله، وَفِيه الْمُبَالغَة والاستعارة (مُقَرِّط) أَي محلِّي (آذانِ اللَّيَالِي) أسماعها أَي جَاعل آذان اللَّيَالِي مُقَرَّطَةً مُشَنَّفةً مُحلَاّةً (على مَا بَلَغَ) أَي وصل إِلَى جَمِيع (المَسامِع) جمع مِسْمع كمنبر: الأُذن، أَي شاع وذاع حَتَّى وصل إِلَى جَمِيع الأسماع (شُنُوفَ) أَي حُلَى (بَيانِه) وَفِيه الِاسْتِعَارَة ومراعاة النظير (مُمهِّد الدّين) أَي مُسهِّله ومُوطِّئه (ومُؤَيِّده) ومُقوِّيه فِي قِيَامه بأُموره وَمَا يصلحه، وَفِيهِمَا تلميح إِلَى ألقاب جَدّ الممدوح الْملك المُؤَيَّد ممهِّد الدّين دَاوُد بن عليّ، كَمَا سَيَأْتِي (مُسَدِّد المُلْكِ) من السَّداد، بِالْفَتْح، هُوَ الصَّوَاب فِي القَوْل والفِعل، أَي مقوّمه ومُنَظِّم مَا اختلَّ مِنْهُ (ومُشَيِّده) أَي رافعه، وَسَيَأْتِي فِي مَادَّته مَا يتَعَلَّق بِهِ، وَفِي الفقرتين الترصيع والالتزام وَالْمُبَالغَة. (١) (مولى مُلوك الأَرْض من فِي وَجْهه ... مِقْبَاسُ نُورٍ أَيُّما مِقْبَاسِ) (٢) (بَدْرٌ مُحَيَّا وَجْهِهِ الأَسنَى لنَا ... مُغْنٍ عَنِ القمَرَيْن والنِّبراسِ) (٣) (مِن أُسْرَة شَرُفَتْ وَجَلَّتْ فاعْتَلَتْ ... عَنْ أَنْ يُقَاسَ عَلاؤُها بِقياسِ) (٤) (رَوَوُا الخِلافة كابِراً عَنْ كابِرٍ ... بِصَحِيح إسْنَادِ بِلا إلْبَاسِ) (٥) (فَرَوى عَلِيٌّ عَنْ رَسُولٍ مِثلَ مَا ... يَرْوِيه يوسفُ عَنْ عُمَرْ ذِي البَاسِ) (٦) (وَرَواه دَاوُودٌ صَحِيحاً عَنْ عُمَرْ ... وروى عَليٌّ عَنْهُ للجُلَاّسِ) (٧) (ورَوَاه عَبَّاسٌ كَذَلِك عَنْ عَلِي ... ورَوَاهُ إسماعيلُ عَنْ عَبَّاسِ) (مولَى) أَي سيّد (مُلوكِ الأَرْض) ومالكهم بسطوته ومآثره (مَنْ فِي وَجْهِه مِقبَاسُ نورٍ) أَي شُعْلَة من نور تلمع فِي وَجه الممدوح (أَيُّما مِقباسِ) أيْ مِقْباس وأيُّ مقباس، أَي مقباس
следующие страницы →