Полный текст (1 069 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خير مَنْطُوق بِهِ أَمَام كل مقَال، وَأفضل مصدر بِهِ كل كتاب فِي كل حَال، مُقَدّمَة تَنْزِيل الْقُرْآن، وَآخر دَعْوَى سكان منَازِل الْجنان، لمن رسمت آيَات جبروته على صفحات الْأَنْفس والآفاق، ورقمت سطور عظموته فِي جباه السَّبع والطباق، ثمَّ أولى مَا قفي بِهِ ذَلِك، وَأَحْرَى مَا شفع بِهِ للسالك، هُوَ التحنن والاستغماد والاستجلاب، حَسْبَمَا سرد رب الأرباب، على أنفس جَوْهَرَة توجت بهَا هَامة تهَامَة، وأصوب سهم استخرج من كنَانَة كنَانَة، وأسنى أنوار السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وأبهى أسرار ملكوته بالطول وَالْعرض، وَأحمد من حمد وَحمد، وأوفى من وعد وعهد، مُحَمَّد الَّذِي ابتهجت بيمن أخمصيه سرة الْبَطْحَاء، وباهت بترب نَعْلَيْه حظائر الْقُدس فَوق الْقبَّة الشماء، وعَلى حواريه الَّذين اجتهدوا فِي تأسيس قَوَاعِد الْكَلم، واستفرغوا فِي تشييد ضوابط الحكم.
وَبعد: فمذ أميطت عني التمائم، ونيطت بِي العمائم، قدر الله لي أَن ألازم الْكتاب وأداوم الْفُنُون، وأكتحل بإثمد اللَّيَالِي لتنوير الْعُيُون، ملتقطا فرائدها، ومرتبطا بِالْكِتَابَةِ فوائدها، مَا رَأَيْت فَنًّا إِلَّا وَكنت فِيهِ خَطِيبًا، مَا ألفيت غصنا إِلَّا وصرت فِيهِ عندليبا. وَالْكتاب إِلَيّ أحب من كل حبيب، وأعجب لدي من كل عَجِيب. فَإِن الْعلم فَخر يبْقى على مُرُور الأحقاب، وَذكر يتوارثه الأعقاب بعد الأعقاب، وَأول الْمجد وَآخره، وباطن الشّرف وَظَاهره، بِهِ يترقى على كل الْمَرَاتِب، وَبِه يتَوَصَّل إِلَى المآرب والمطالب؛ وَهُوَ الأرتع مرعاه، وَهُوَ الأرفع مسعاه يمْلَأ الْعُيُون نورا، والقلوب سُرُورًا؛ وَيزِيد الصُّدُور انشراحا، ويفيد الْأُمُور انفساحا؛ وَهُوَ الْغنم الْأَكْبَر والحظ الأوفر والبغية الْعُظْمَى والمنية الْكُبْرَى، وتعريف الْمَعْرُوف من بَاب الْمَرْدُود، كَمَا أَن الزِّيَادَة على
стр. 2
الْحَد نُقْصَان من الْمَحْدُود، وَأَيْنَ هَذَا الشّرف؟ إِذْ لَا يدْرك بالأماني، وَلَا ينَال بالتهاون والتواني. وَقد يسر الله ذَلِك لأسلافنا الْكِرَام، صُدُور الْأَنَام وبدور الْأَيَّام، حَتَّى صرفُوا جهدهمْ واجتهادهم، وبذلوا أعمارهم وأعصارهم، فبلغوا قاصية الْمَقَاصِد، وملكوا نَاصِيَة المراصد، فألفوا وأجادوا، وصنفوا وأفادوا، فَبَقيَ لَهُم الذّكر الْبَهِي، على مر الدهور وَالْأَيَّام، وَالشُّكْر السّني على كرّ الشُّهُور والأعوام؛ نور الله ضريحهم، وَغفر كنايتهم وصريحهم.
وَلما وفقني الله الْجَمِيل، لهَذَا الْمطلب الْجَلِيل، أدرت أَن أنخرط فِي سلكهم، وأعقد مَعَهم الخناصر، قبل أَن تبلى السرائر وتفنى العناصر، وأكون بِخِدْمَة الْعلم موسوعا، وَفِي حَملته منظوما، وَفِي رياضه راتعا، وَفِي أفقه طالعا، وأستنير فِي ظلم الزَّمَان بِهَذَا الْمِصْبَاح، وأطير فِي دَرك النجاح بِهَذَا الْجنَاح.
لكني كنت فِي عصر عضت فِيهِ أَبنَاء الْعلم نَوَائِب الزَّمن، ونشبت فيهم مخالب المحن، وخصتني من بَينهم بأصعب أَمر وخيم، ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم.
وَلَوْلَا أَن منّ الله سُبْحَانَهُ علينا فِي هَذَا الزَّمَان بِمن أعنه عنايته معطوفة على تربية أهل الْعرْفَان، وأزمة عاطفته مصروفة إِلَى إسعاف مطَالب الْعلمَاء، كُنَّا فِي زَاوِيَة الخمول وبادية الأفول هباء. وَهُوَ الْوَزير الأكرم والدستور الأفخم، الملكي النسم، الْقُدسِي الشيم، الأصدق الأحق الأوفر. الأعدل الأجمل الأوقر سمي النَّبِي الأوفى فِي عَالم الْإِنْشَاء، مصطفى باشا يسر الله لَهُ مَا يَشَاء، وَمَا زَالَت قُلُوب عنيده أكنة أسنة عبيده. وَهُوَ نظام المفاخر والمآثر. غوث الشاكي وغيث الشاكر؛ إِن لفظ فالإصابة تقدم لفظته. وَإِن لحظ فالإجابة تخْدم لحظته؛ تشْتَمل أردية عواطفه مناكب الْآفَاق. وتمتلي من أَوديَة عوارفه مطامح الأحداق. جلب الْقُلُوب فَصَارَ ظَاهرهَا فِي كل بَاطِن، وحنت إِلَيْهِ الْجَوَارِح فحركت كل سَاكن؛ بل ملك الدَّهْر فامتطى لياليه أداهم. وقلد بيض أَيَّامه صوارم؛ ووهب أقماره دَنَانِير ودراهم. وَجعل أوقاته ولائم؛ ينحني الْهلَال لتقبيل أقدامه، ويمتد كف الثريا لاستحداب صوب غمامه. ويتضاءل كل مِنْهُمَا فَيصير هَذَا غرَّة فرسه وَهَذَا حلية لجامه. وَلما تنبه الدَّهْر لمحاسنه وتيقظ. بَعْدَمَا تحرى وتحقد وَتحفظ. كَاد من الخجل يضيق صَدره وَلَا ينْطَلق لِسَانه. حَتَّى عرق بالندى جبين النسيم. والورد قد احمر مِنْهُ وَجهه الوسيم؛ وابتل جنَاح الْهَوَاء. واغرورقت مقلة
стр. 3
السَّمَاء فابتسمت ثغور الْآفَاق عَن شنب قطرها. وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا. وأرضعت حوامل المزن أجنة الأزهار فِي أحشاء الْأَرَاضِي. فالخلق كلهم فِي التكافي والتصالح والتراضي. وَلِهَذَا صَار لِوَاء النَّصْر فِي كل جَانب مديد. وخاب كل جَبَّار عنيد.
وَلما رَأَيْت فضلاء الأقطار وعلماء الْأَمْصَار يجلبون إِلَى حَضرته الرفيعة وساحته المنيعة مَا زَالَت ملْجأ للأفاضل، وملاذا للأواخر والأوائل، بضائع صنائع أفكارهم، وبدائع رسائلهم وأسفارهم [فصاروا مغمورين بذوارف عوارفه الَّتِي تصل إِلَيْهِم على الدَّوَام، ومنتظمين بهَا أَحْوَالهم غَايَة الانتظام، لَا سِيمَا الراحلين إِلَيْهِ القاطعين السباسب والفلوات عائذين بِهِ من مكاره الدهور والنكبات، فَلم أدر أَي شَيْء أجعله ذَرِيعَة للوصول إِلَى ذَلِك الجناب، وأتشرف بتقبيل أنامله الَّتِي تشاهد مِنْهَا آثَار الهطال من السَّحَاب] . فاستفضت من فياض ذوارف العوارف. واستعنت بالنُّون والقلم فِي تَبْيِين المعارف، [مَعَ مَا بِي من مقاساة الأحزان، ومعاداة الزَّمَان بِحَيْثُ أتجرع كؤوسا علق بهَا العلقم، بل أَشد سما من الأرقم، وأتطلب رضى الْأَيَّام، وَهِي عَليّ أضرّ حقدا من الْكبر، وأتلقى الخطوب عاديا من الْبَصَر فَامْتنعَ الرَّاحَة بِالْكِنَايَةِ بَكَيْت، كامتناع الْفَاء من خبر لَعَلَّ وليت، حَتَّى لقِيت يَوْمًا يَجْعَل الْولدَان شيبا، ووهن الْعظم مني واشتعل الرَّأْس شيبا] ؛ فَقَامَ الْقَلَم فِي محراب أَطْرَاف البنان، وَركع وَسجد، على مصلى القرطاس واضطرب وارتعد قَائِلا:
(كَأَن فمي قَوس لساني لَهُ يَد ... كَلَامي لَهُ نزع بِهِ أملي نبل)
(كَأَن دواتي مطفل حبشية ... بناني لَهَا بعل وَنَفْسِي لَهَا نسل)
فَجرى مِنْهُ كتاب بديع الْمِثَال، منيع المنال، مُحِيط تنصب إِلَيْهِ الجداول وَلَا يزْدَاد، وتغترف من لجته السحب فَمَا لَهُ من نفاد، تزهى بِهِ الألسن، وترمق نَحوه الْأَعْين، ويحمله الحذاق على الأحداق. من سَافر فِيهِ نظر، وَكَانَ الذَّوْق السَّلِيم رَفِيقه، علم أَنه تأليف جليل، يضْرب بِهِ الْأَمْثَال على الْحَقِيقَة.
نعم قد جمعت فِيهِ مَا فِي تصانيف الأسلاف من الْقَوَاعِد وَلَا كالروض للأمطار، وتسارعت لضبط مَا فِيهَا من الْفَوَائِد وَلَا كَالْمَاءِ إِلَى الْقَرار، منقولة بأقصر عبارَة وأتمها،
стр. 4
وأوجز إِشَارَة وأعمها، وترجمت هَذَا الْمَجْمُوع الْمَنْقُول، فِي المسموع والمعقول، ورتبتها على تَرْتِيب كتب اللُّغَات، وسميتها بالكليات، راجيا من الله محو السَّيِّئَات، وتخليد الذّكر الْجَمِيل على الْأَيَّام، والتعيش بعد مشارفة الْحمام. وَالْجَامِع الْفَقِير، إِلَى الله الْغَنِيّ الْخَبِير، أَبُو الْبَقَاء الْحُسَيْنِي الكفوي الْحَنَفِيّ، خص باللطف الْجَلِيّ والخفي، يسْأَل مِمَّن نظر فِيهِ أَن يصلح ببنانه مَا عثر عَلَيْهِ فِيهِ من زلل الْقَلَم الفاتر، وخلل الخاطر الضَّعِيف الخائر، أَو يستر بِعَين الْحبّ نقصي كَيفَ مَا كَانَ، فَإِن رقصي على مِقْدَار تنشيط الزَّمَان، وَمَا قل من زل فِي جرداء التَّأْلِيف، بل هُوَ مصايبه.
(وَمن ذَا الَّذِي ترْضى سجاياه كلهَا ... كفى الْمَرْء نبْلًا أَن تعد معايبه)
وَيَد الأفكار قَاصِرَة عَن تنَاول مَا يرام، والصباغة فِي الصِّنَاعَة على النصاعة أصعب مرام، وَالله يَقُول الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل. نعم الْمولى وَنعم الْوَكِيل.
стр. 5
(فصل الْألف)
الْألف: بِكَسْر اللَّام، هِيَ أول حُرُوف المعجم، وَأول اسْم الله تَعَالَى، وَأول مَا خَاطب الله بِهِ عباده فِي الْوُجُود بقوله: ﴿أَلَسْت بربكم﴾ وَهِي من أقْصَى الْحلق وَهُوَ مبدأ المخارج
و [الْألف] : بِالسُّكُونِ اسْم علم لكَمَال الْعدَد بِكَمَال ثَالِث رُتْبَة، مُذَكّر وَلَا يجوز تأنيثه بِدَلِيل ﴿يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف﴾ ، وَقَوْلهمْ: (هَذِه ألف دِرْهَم) ، لِمَعْنى الدَّرَاهِم وآلفه يؤالفه إلافا، وآلفه يؤلفه إيلافا، والإيلاف فِي التَّنْزِيل لِمَعْنى الْعَهْد وَاللَّام فِيهِ للتعجب أَي: اعجبوا لِإِيلَافِ قُرَيْش، أَو مَوْصُولَة بِمَا قبلهَا أَي: لتألف قُرَيْش
وألفه يألفه: أعطَاهُ ألفا
وَألف بَينهمَا تأليفا: أَي أوقع الألفة
والألفة: بِالضَّمِّ اسْم من الائتلاف
والإلف: كالفسق الاليف
ثمَّ الْألف وَسَائِر الْحُرُوف الَّتِي يتركب مِنْهَا الْكَلَام مسميات لأسماء تتهجى، واسميتها لدخولها فِي حد الِاسْم واتصافها بخواصه، وَبِه صرح الْخَلِيل، وَأَبُو عَليّ وَمَا رَوَاهُ ابْن مَسْعُود وَهُوَ: " لَا أَقُول ألف حرف " إِلَخ المُرَاد المسميات، أَي مُسَمّى هَذَا اللَّفْظ حرف من يشهده فَلهُ حَسَنَة، لِأَن النَّبِي ﵊ بصدد بَيَان ثَوَاب مسميات الْأَلْفَاظ الَّتِي تتهجى بهَا لَا الْكَلِمَات وَلَا المركبات مِنْهَا، إِذْ اللَّائِق بمقام التَّرْغِيب تَكْثِير الْفَائِدَة، فالحسنة بِعَدَد الْحُرُوف مُطلقًا مَكْتُوبَة كَانَت أَو ملفوظة كالألفاظ فِي (الحواميم) و (الطواسين) و (كهيعص) و (طه) و (ص) و (ق) و (الر) وَكَذَا (الرَّحْمَن) و (إِبْرَاهِيم) و (إِسْحَق) و (إِسْمَعِيل) وَكَذَا ألف (هَذَا) و (هَؤُلَاءِ) و (أُولَئِكَ) و (لَكِن) و (لَكِن) و (ثلث) و (ثلثين) وَقد تقرر فِي فنه أَن المُرَاد من مَوْضُوع الْقَضِيَّة ذَاته لَا لَفظه إِلَّا أَن يَقْتَضِي الْمقَام ذَلِك، وَإِطْلَاق الْمُتَقَدِّمين على هَذِه الالفاظ بالحروف بعد الْبُرْهَان على اسميتها
стр. 6
يصرف إِلَى التسامح أَو يدْفع بِالْعرْفِ المتجدد
[ألف الْقطع] : فَكل مَا ثَبت فِي الْوَصْل فَهُوَ ألف الْقطع، ك (أَحْمد) و (أحسن)
[ألف الْوَصْل] : وَمَا لم يثبت فَهُوَ ألف الْوَصْل ك (استخرج) و (استوفى) : [الْألف المجهولة] : كل ألف لإشباع الفتحة فِي الِاسْم أَو الْفِعْل فَهِيَ الْألف المجهولة، كألف (فَاعل) و (فاعول) [الْألف المحولة] : كل ألف أَصْلهَا وَاو أَو يَاء، ك (بَاعَ) و (قَالَ) فَهِيَ المحولة
وكل ألف التَّأْنِيث فَهِيَ على (فعلى) مُثَلّثَة الْفَاء، ك (طُوبَى) و (ذكرى) و (مرضى)
كل كلمة فِي آخرهَا ألف، إِن كَانَت حروفا فَيكْتب الْجَمِيع بِالْألف إِلَّا (بلَى) و (على) و (حَتَّى) وَكَذَا إِذا كَانَت مَبْنِيَّة إِلَّا (أَنى) و (مَتى) و (لَدَى)
وَإِن كَانَت أَسمَاء معربة زَائِدَة على الثَّلَاثَة فَصَاعِدا فَيكْتب جَمِيعهَا بِالْيَاءِ لَا غير، لِأَن الْوَاو تنْقَلب إِلَى الْيَاء فِيهَا إِلَّا فِيمَا إِذا كَانَ قبل الْألف يَاء نَحْو (الْعليا) و (الدُّنْيَا) كَرَاهَة الْجمع بَين الياءين، إِلَّا فِي نَحْو (يحيى) و (رَبِّي) علمين للْفرق
وَإِن كَانَت الْأَسْمَاء المعربة ثلاثية فَحِينَئِذٍ ينظر إِلَى أَصْلهَا الَّذِي انْقَلب مِنْهُ الْألف، فَإِن كَانَ يَاء فَيكْتب بِالْيَاءِ تَنْبِيها على أَصْلهَا ويعدل عَن جَوَاز إمالتها، وَإِن كَانَ واوا فَيكْتب بِالْألف ك (عَصا) وَالْفِعْل الثلاثي ينظر إِلَى أَصله، فَمَا زَاد فبالياء لَا غير، وَقد نظم بعض الأدباء:
(إِذا الْفِعْل يَوْمًا غم عَنْك هجاؤه ... فَألْحق بِهِ تَاء الْخطاب وَلَا تقف)
(فَإِن تَرَ قبل التَّاء يَاء فَكَتبهُ ... بياء وَإِلَّا فَهُوَ يكْتب بِالْألف)
(وَلَا تحسب الْفِعْل الثلاثي وَالَّذِي ... تعداه والمهموز فِي ذَاك يخْتَلف)
وَإِن كَانَ منونا فالمختار أَنه يكْتب بِالْيَاءِ وَهُوَ قِيَاس الْمبرد وَقِيَاس الْمَازِني أَنه يكْتب بِالْألف، وَقِيَاس سِيبَوَيْهٍ أَن الْمَنْصُوب يكْتب بِالْألف وَمَا سواهُ بِالْيَاءِ وَإِن جهل كَون الْألف من الْوَاو وَالْيَاء بِأَن لم يكن شَيْء مِمَّا ذكر، فَإِن أملت فالياء نَحْو (مَتى) وَإِلَّا فالألف وَقد نظمت فِيهِ:
(وَكتب ذَوَات الْيَاء بِالْألف جَائِز ... وَكتب ذَوَات الْوَاو بِالْيَاءِ بَاطِل)
(وَقصر ذَوي مد يجوز بِلَا مرا ... وَمد ذَوي قصر خطاء وعاطل)
(وتذكير تَأْنِيث من الْعَكْس أسهل ... فَلَا تنس واحفظ أَنْت فِي الْعَصْر كَامِل)
كل همزَة بعْدهَا حرف مد: كصورتها فَإِنَّهَا تحذف، وَلذَلِك كتبُوا نَحْو (خطأ) فِي حَال النصب بِأَلف وَاحِدَة و (مستهزؤن) بواو وَاحِدَة و (مستهزئين) بياء وَاحِدَة، وَقد تقلب الْهمزَة فِي نَحْو (مستهزئين) فَيكْتب بياءين، وَلم يَفْعَلُوا فِي (مستهزؤن) كَذَلِك، فكأنهم لما استثقلوا الواوين لفظا استثقلوهما خطأ وَلَيْسَ الْيَاء فِي الاستثقال مثلهَا
كل كلمة اجْتمع فِي أَولهَا همزتان وَكَانَت الْأُخْرَى
стр. 7
سَاكِنة فلك أَن تصيرها واوا إِن كَانَت الأولى مَضْمُومَة، أَو يَاء إِن كَانَت الأولى مَكْسُورَة، أَو ألفا إِن كَانَت الأولى مَفْتُوحَة
كل اسْم مَمْدُود فَلَا تَخْلُو همزته إِمَّا أَن تكون أَصْلِيَّة فتتركها فِي التَّثْنِيَة على مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَتَقول: (خطاآان)
وَإِمَّا أَن تكون للتأنيث فتقلبها فِي التَّثْنِيَة واوا لَا غير فَتَقول: (صفراوان) و (سوداوان)
وَإِمَّا أَن تكون منقلبة عَن وَاو أَو يَاء أَصْلِيَّة مثل (كسَاء) و (رِدَاء) أَو مُلْحقَة مثل (علْبَاء) و (حرباء) ب (سرداح) و (شملال) ، فَأَنت فِيهَا بِالْخِيَارِ إِن شِئْت تقلبها واوا مثل التَّأْنِيث، وَإِن شِئْت تتركها همزَة مثل الْأَصْلِيَّة وَهُوَ أَجود فَتَقول: (كساآن) و (رداآن)
كل كلمة أَولهَا همزَة وصل مَفْتُوحَة دَخَلتهَا همزَة الِاسْتِفْهَام وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ: الأولى: لَام التَّعْرِيف
وَالثَّانيَِة: (ايمن الله) و (ايم الله)
فَإِن همزَة الْوَصْل لَا تكون مَفْتُوحَة إِلَّا فيهمَا
[الْألف الفاصلة] : وَالْألف الفاصلة تثبت بعد وَاو الْجمع فِي الْخط ك (شكروا) لتفصل بَين الْوَاو وَمَا بعْدهَا
والفاصلة: بَين عَلَامَات الْإِنَاث وَبَين النُّون الثَّقِيلَة ك (افعلنان)
[ألف الْعِوَض] : وَألف الْعِوَض تبدل من التَّنْوِين ك (رَأَيْت زيدا)
وَألف الصِّلَة: اجتلبت فِي أَوَاخِر الْأَسْمَاء
وَألف الْوَصْل: فِي أَوَائِل الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال
وَألف النُّون الْخَفِيفَة:: ك (نسفعا)
وَألف الْجمع: ك (مَسَاجِد) و (جبال)
وَألف التَّفْضِيل وَالتَّقْصِير: ك (هُوَ أكْرم مِنْك) و (أَجْهَل مِنْهُ)
وَألف النداء: (أَزِيد) تُرِيدُ يَا زيد
وَألف الندبة: (وازيداه)
وَألف التَّأْنِيث: كمدة (حَمْرَاء) وَألف (سكرى) و (حُبْلَى)
وَألف التَّثْنِيَة: كَمَا فِي (يذهبان) و (الزيدان)
وَالْألف مُشْتَركَة: بَين الْعَام وَالْخَاص، وَقد راعوا فِي وضع الِاسْم التشابه حَيْثُ سموا الْهمزَة وَالْألف باسم وَاحِد، والتمييز بِوَضْع الِاسْم للألف، ونبهوا على كَثْرَة الْألف وَقلة الْهمزَة بذلك، حَيْثُ لم يسموا الْهمزَة باسم خَاص
وَقد يُطلق الْألف على الْهمزَة إِمَّا لكَونهَا اسْما للساكنة والمتحركة جَمِيعًا كَمَا قيل، أَو على سَبِيل الْمجَاز، لكَونهَا تكْتب بِصُورَة الْألف إِذا كَانَت فِي أول الْكَلِمَة
وَوضع الْخط: أَن يكْتب كل كلمة على صُورَة لَفظهَا بِتَقْدِير الِابْتِدَاء بهَا وَالْوَقْف عَلَيْهَا نَحْو (مَه أَنْت) إِلَّا إِذا اتَّصل (مَا) الاستفهامية بِحرف الْجَرّ، فَإِنَّهُ لَا يكْتب بِالْهَاءِ نَحْو: (حتام) و (إلام) و (علام) وَذَلِكَ لشدَّة الِاتِّصَال حَيْثُ صارتا كالشيء الْوَاحِد
وللاتصال الْمَذْكُور أَيْضا كتب (مِم) و (عَم) بِغَيْر النُّون وَيكْتب (أَنا زيد) بِالْألف إِذْ الْوَقْف كَذَلِك؛ وَمِنْه: ﴿لَكنا هُوَ الله رَبِّي﴾
وتاء التَّأْنِيث: فِي نَحْو (رَحْمَة) بِالْهَاءِ إِذْ الْوَقْف بهَا
стр. 8
وَيكْتب الْمنون الْمَنْصُوب بِالْألف، وَغير الْمَنْصُوب بالحذف، إِذْ الْوَقْف كَذَلِك
( [الْألف اللينة وَالْألف المتحركة] )
وَالْألف على ضَرْبَيْنِ: لينَة ومتحركة فاللينة تسمى ألفا، والمتحركة تسمى همزَة
قَالَ بَعضهم: الْألف إِذا تحركت صَارَت همزَة، والهمزة إِذا سكنت ومدت صَارَت ألفا، وَلِهَذَا شبهوهما بالهواء وَالرِّيح وَقد نظمت فِيهِ:
(كألف يُرِيك الدَّهْر فِي أعين الورى ... وَلَو شَاءَ يبدى للعيون كهمزة)
(فكم من سُكُون مد بِالرِّيحِ كالهوا ... إِلَيْك فكم فِي الْغَيْب عون بنصرة)
وَذكر ابْن جني فِي " سر الصِّنَاعَة " أَن الْألف فِي الأَصْل اسْم الْهمزَة، واستعمالهم إِيَّاهَا فِي غَيرهَا توسع
وَاتفقَ العارفون بِعلم الْحُرُوف على أَن الْألف لَيست بِحرف تَامّ، بل هِيَ مَادَّة جَمِيع الْحُرُوف، فَإِن الْحَرْف التَّام هُوَ الَّذِي يتَعَيَّن لَهُ صُورَة فِي النُّطْق وَالْكِتَابَة مَعًا، وَالْألف لَيست كَذَلِك، فَإِن صورتهَا تظهر فِي الْخط لَا فِي النُّطْق، عكس الْهمزَة، فَإِن الْهمزَة تظهر صورتهَا فِي النُّطْق لَا فِي الْخط فمجموع الْهمزَة وَالْألف عِنْدهم حرف وَاحِد
وَالْألف إِن كَانَت حَاصِلَة من إشباع الحركات كَانَت مصوتة، وَإِلَّا فَهِيَ صامتة، سَوَاء كَانَت متحركة أَو سَاكِنة وَالْألف إِذا كَانَت صامتة تسمى همزَة
والمصوتة، هِيَ الَّتِي تسمى فِي النَّحْو حُرُوف الْمَدّ واللين، وَلَا يُمكن الِابْتِدَاء بهَا، والصامتة مَا عَداهَا والمصوتة لَا شكّ أَنَّهَا من الهيئات الْعَارِضَة للصوت، والصوامت فِيهَا مَا لَا يُمكن تمديده كالباء وَالتَّاء وَالدَّال والطاء، وَهِي لَا تُوجد إِلَّا فِي الْآن الَّذِي هُوَ آخر زمَان حبس النَّفس وَأول زمَان إرْسَاله، وَهِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْت كالنقطة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخط والآن بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَان
وَهَذِه الْحُرُوف لَيست بِأَصْوَات وَلَا عوارض فِي أصوات، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُور تحدث فِي مبدإ حُدُوث الْأَصْوَات
وَإِذا عرفت هَذَا فَنَقُول: لَا خلاف فِي أَن السَّاكِن إِذا كَانَ حرفا مصوتا لم يُمكن الِابْتِدَاء بِهِ، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الِابْتِدَاء بالساكن الصَّامِت، فقد منع إِمْكَان الِابْتِدَاء بِهِ قوم للتجرية، وَجوزهُ الْآخرُونَ
قَالَ الْعَلامَة الكافيجي: " وَالْحق هَهُنَا هُوَ التَّفْصِيل بِأَن يُقَال: إِن كَانَ السّكُون للساكن لَازِما لذاته فَيمْتَنع كالألف، وَإِلَّا فَيمكن؛ لكنه لم يَقع فِي كَلَامهم لِسَلَامَةِ لغتهم من كل لَكِن وبشاعة وَحقّ ألف الْوَصْل الدُّخُول فِي الْأَفْعَال نَحْو: (انْطلق) و (اقتدر) ؛ وَأما الْأَسْمَاء الَّتِي لَيست بِجَارِيَة على أفعالها فألف الْوَصْل غير دَاخِلَة عَلَيْهَا، إِنَّمَا دخلت على أَسمَاء قَليلَة، وجعلوها فِي الْأَسْمَاء الْعشْرَة عوضا عَن اللَّام المحذوفة حَتَّى احتاجوا فِي (امْرِئ) إِلَى حمله على (ابْن) بِجَامِع أَن لامه همزَة ويلحقها الْحَذف فَيُقَال (مر) و (بن) فَجعل همزَة الْوَصْل فِي (اسْم) عوضا عَن الصَّدْر دون الْعَجز، خلاف مَا عهد فِي كَلَامهم من نَظَائِره
وهمزة الْوَصْل مَا عدا الْأَسْمَاء الْعشْرَة: همزَة
стр. 9
الْمَاضِي، والمصدر، وَالْأَمر الخماسي والسداسي، وهمزة أَمر الْحَاضِر من الثلاثي، والهمزة الْمُتَّصِلَة بلام التَّعْرِيف
وتقلب همزَة الْوَصْل ألفا كَمَا يفعل بِالَّتِي مَعَ لَام التَّعْرِيف نَحْو: ﴿آللَّهُ أذن لكم﴾ وهمزة الْقطع: بَاب الإفعال، وهمزة الْجمع، وَنَفس الْمُتَكَلّم من كل بَاب، وهمزة الِاسْتِفْهَام
وَقطعت الْهمزَة فِي النداء ووصلت فِي غَيره لِأَن تَعْرِيف النداء أغْنى عَن تَعْرِيفهَا فجرت مجْرى الْهمزَة الْأَصْلِيَّة فَقطعت
وَفِي غير النداء: لما لم ينخلع عَنهُ معنى التَّعْرِيف رَأْسا وصلوا الْهمزَة
والهمزة فِي الصَّدْر: تكْتب على صُورَة الْألف فِي كل حَال
وَفِي الْوسط: إِذا كَانَت سَاكِنة تكْتب على وفْق حَرَكَة مَا قبلهَا ك (رَأس) و (لؤم) و (ذِئْب) وَإِذا كَانَت متحركة وَسكن مَا قبلهَا تكْتب على وفْق حَرَكَة نَفسهَا نَحْو: (يسْأَل) و (يلؤم) و (يسئم) وَكثر حذف الْمَفْتُوحَة بعد الْألف ك (ساءل) وَقل بعد سَاكن تنقل إِلَيْهِ حركتها ك (مسئلة) وَإِذا كَانَت متحركة بعد متحرك فَهِيَ كتخفيفها ف (مُؤَجل) بِالْوَاو، و (فِئَة) بِالْيَاءِ، وَالْبَاقِي بِحرف حركتها
وَفِي الأول الْمُتَّصِل بِهِ غَيره: لَا يكون كالوسط، فتكتب بِالْألف نَحْو: (بِأحد) و (لأحد) بِخِلَاف (لِئَلَّا) لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله أَو لكَرَاهَة صورته، وَبِخِلَاف (لَئِن) لكثرته
وَفِي الآخر: تكْتب بِحرف حَرَكَة مَا قبلهَا ك (قَرَأَ) و (قرئَ) و (ردؤ) فَإِن سكن مَا قبلهَا حذفت ك (خبء) و (ملْء)
وهمزة ألف التَّأْنِيث الممدودة: ألف فِي الأَصْل بِخِلَاف الْمَقْصُورَة
وَالْألف إِذا كَانَت لاما: وَجَهل أَصْلهَا حملت على الانقلاب عَن الْيَاء بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت عينا فَإِنَّهَا تحمل على الانقلاب عَن الْوَاو
وَألف التَّأْنِيث إِذا كَانَت رَابِعَة: تثبت فِي التكسير نَحْو (حُبْلَى) و (حبالى) و (سكرى) و (سكارى) ، وَلَيْسَت التَّاء كَذَلِك، بل قد تحذف فِي التكسير نَحْو (طَلْحَة وطلاح)
وَلما كَانَت الْألف مختلطة بِالِاسْمِ كَانَ لَهَا مزية على التَّاء فَصَارَت مشاركتها فِي التَّأْنِيث عِلّة، ومزيتها عَلَيْهَا عِلّة أُخْرَى، فَكَأَنَّهُ تأنيثان، وَلذَلِك منعت الصّرْف وَحدهَا وَلم تمنع التَّاء إِلَّا مَعَ سَبَب آخر
وَألف التَّأْنِيث تبنى مَعَ الِاسْم وَتصير كبعض حُرُوفه ويتغير الِاسْم مَعهَا عَن هَيْئَة التَّذْكِير فزادت على التَّأْنِيث قُوَّة، لَكِن دُخُول تَاء التَّأْنِيث فِي الْكَلَام أَكثر من دُخُولهَا لِأَنَّهَا قد تدخل فِي الْأَفْعَال الْمَاضِيَة للتأنيث وَتدْخل الْمُذكر للتَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة نَحْو (عَلامَة) و (نسابة)
وتحذف الْألف من الْأَسْمَاء الأعجمية الْكَثِيرَة الِاسْتِعْمَال ك (إِبْرَاهِيم) و (إسرئيل) كَمَا يحذف أحد الواوين من (دَاوُد) لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَلَا تحذف الْألف مِمَّا لَا يكثر اسْتِعْمَاله ك (هاروت) و (ماروت)
وَمَا كَانَ على (فَاعل) ك (صَالح) يجوز إِثْبَات أَلفه وحذفها إِن كثر اسْتِعْمَاله، وَإِلَّا فَلَا يحذف
стр. 10
ك (سَالم)
وَمَا كثر اسْتِعْمَاله ودخله الْألف وَاللَّام يكْتب بِغَيْر الْألف، فَإِن حذفتهما أثبت الْألف تَقول: (قَالَ الْحَرْث) و (قَالَ حَارِث) وَلَا يحذف من (عمرَان) وَيجوز الْحَذف وَالْإِثْبَات فِي (عُثْمَان) و (مُعَاوِيَة) و (سُفْيَان) و (مَرْوَان)
وتكتب الْألف: فِي نفس الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر إِذا كَانَ واويا كَمَا فِي (نرجوا) ، وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: ﴿أندعوا من دون الله﴾
وَكتب الْألف فِي (ذووا) وَاقع من الثِّقَات
وزيدت الْألف بعد الْوَاو آخر اسْم مَجْمُوع نَحْو: (بنوا إِسْرَائِيل) و (أولُوا الْأَلْبَاب) بِخِلَاف الْمُفْرد نَحْو: (لذُو علم) إِلَّا (الربوا) ، و ﴿إِن امرؤا هلك﴾ وَآخر فعل مُفْرد أَو جمع مَرْفُوع أَو مَنْصُوب إِلَّا (جاؤ) و (باؤ) ﴿وعتوا عتوا﴾ ﴿وَالَّذين تبوؤ الدَّار﴾ ﴿فَإِن فاؤ﴾ ﴿عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم﴾ فِي النِّسَاء و ﴿سعو فِي آيَاتنَا﴾ فِي سبأ، كَذَا فِي " الاتقان " وتكتب ألف (الصلواة) و (الزكواة) بِمَعْنى (نما) أَو (طهر) ، و (الربوا) غير مضافات بِالْوَاو على لُغَة من يفخم، وزيدت الْألف بعْدهَا تَشْبِيها لَهَا بواو الْجمع
وَيحْتَمل أَن يكون من هَذَا الْقَبِيل كتب الْألف بعد الْوَاو فِي الْأَفْعَال المضارعة المفردة، مَرْفُوعَة كَانَت أَو مَنْصُوبَة فِي كل الْقُرْآن
وَالْحق أَن مثل ذَلِك يكْتب فِي الْمُصحف بِالْوَاو اقْتِدَاء بنقله عَن عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي غَيره بِالْألف، وَقد اتّفقت فِي خطّ الْمُصحف أَشْيَاء خَارِجَة عَن القياسات الَّتِي بني عَلَيْهَا علم الْخط والهجاء قَالَ ابْن درسْتوَيْه: " خطان لَا يقاسان، خطّ الْعرُوض وَخط الْقُرْآن "
وَتدْخل الْألف للْفرق بَين الضَّمِير الْمَرْفُوع وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون﴾ فتحذف إِذا أردْت: (كالوا لَهُم ووزنوا لَهُم) ، لِأَن الضَّمِير مَنْصُوب؛ وَإِذا أردْت: (كالوا) فِي أنفسهم و (وزنوا) فِي أنفسهم
أثبت الْألف مثل: (قَامُوا هم) و (قعدوا هم) لِأَن الضَّمِير مَرْفُوع
وزادوها فِي (مائَة) فرقا بَينه وَبَين (مِنْهُ) وألحقوا الْمثنى بهَا بِخِلَاف الْجمع
وَالْألف دَائِما حرف مد ولين، وَالْيَاء بعد الفتحة حرف لين، وَبعد الضمة والكسرة حرف مد ولين
وَإِذا نسبت الابْن: إِلَى لقب قد غلب على أَبِيه أَو صناعَة مَشْهُورَة قد عرف بهَا فَحِينَئِذٍ تحذف الْألف لِأَن ذَلِك يقوم مقَام اسْم الْأَب
وَيكْتب: (هَذِه هِنْد ابْنة فلَان) بِالْألف وَالْهَاء، وَإِذا أسقطت الْألف تكْتب: (هَذِه هِنْد بنت فلَان) بِالتَّاءِ
стр. 11
والحرف الَّذِي عِنْد عد الْحُرُوف قبل (الْيَاء) يرى ابْن جني أَن اسْمه (لَا) ؛ وَقَول المتعلمين: (لَام ألف) خطأ لسبقهما، وَلَيْسَ الْغَرَض بَيَان كَيْفيَّة تركيب الْحُرُوف، بل سرد أَسمَاء الْحُرُوف البسائط قَالَ بَعضهم: لما احتاجوا إِلَى بَيَان مسميات الْحُرُوف جعلوها أَوَائِل أسمائها، ك (ألف) و (بَاء) و (تَاء) إِلَى آخِره، وَلم يَأْتِ هَذَا الطَّرِيق فِي الْألف الهوائية لسكونها فأضافوا اللَّام لذَلِك، وَلما جعل الْألف مظهر اللَّام ناسب أَن يكون اللَّام مظْهرا لَهَا أَيْضا
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: " الْحُرُوف الَّتِي استعملتها الْعَرَب فِي كَلَامهم فِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال والحركات والأصوات تِسْعَة وَعِشْرُونَ حرفا مرجعهن إِلَى ثَمَانِيَة وَعشْرين حرفا، وَأما الْحَرْف التَّاسِع وَالْعشْرُونَ فحرف بِلَا صرف - أَي بِلَا تصريف - وَهِي الْألف الساكنة "
قَالَت الشَّافِعِيَّة: فَلَو جنى شخص على لِسَان أحد حَتَّى بَطل كَلَامه بِبَعْض الْحُرُوف توزع الدِّيَة على عدد الْحُرُوف
(فصل الْألف وَالْبَاء)
[أَبْلَج] : كل متضح أَبْلَج، وَهُوَ فِي الأَصْل خلاف الأقرن ثمَّ قَالُوا للرجل الطلق الْوَجْه ذِي الْكَرم وَالْمَعْرُوف أَبْلَج، وَإِن كَانَ أقرن ثمَّ استعير للواضح على الْإِطْلَاق، وَمِنْه: صباح أَبْلَج وابتلج الْفجْر وتبلج: إِذا أنار وأضاء والابليجاج: الوضوح
الْأَب: هُوَ إِنْسَان تولد من نطفته إِنْسَان آخر
وَلَا بُد من أَن يذكر الابْن فِي تَعْرِيف الْأَب فالأب من حَيْثُ هُوَ الْأَب لَا يُمكن تصَوره بِدُونِ تصور الابْن كَمَا يُقَال (الْعَمى عدم الْبَصَر عَمَّا من شَأْنه أَن يبصر) فَلَا بُد من ذكر الْبَصَر فِي تَعْرِيف الْعَمى مَعَ أَنه خَارج عَن ماهيته، كَمَا أَن الابْن خَارج عَن مَاهِيَّة الْأَب
وَقد يُرَاد بِالْأَبِ مَا يتَنَاوَل الْأُم، إِذْ كل من نطفتي الْأَب وَالأُم تدخل فِي التولد
وَكَذَلِكَ قد يُرَاد بالابن مَا يتَنَاوَل الْبِنْت عِنْد تَعْرِيفه بحيوان تولد من نُطْفَة شخص آخر من نَوعه من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك
وكل من كَانَ سَببا لإيجاد شَيْء أَو إِصْلَاحه أَو ظُهُوره فَهُوَ أَب لَهُ وأرباب الشَّرَائِع الْمُتَقَدّمَة كَانُوا يطلقون الْأَب على الله تَعَالَى، بِاعْتِبَار أَنه السَّبَب الأول، حَتَّى قَالُوا، " الْأَب هُوَ الرب الْأَصْغَر وَالله هُوَ الرب الْأَكْبَر " ثمَّ ظنت الجهلة مِنْهُم أَن المُرَاد بِهِ معنى الْولادَة فاعتقدوا ذَلِك تقليدا، وَلذَا كفر قَائِله وَمنع مِنْهُ مُطلقًا حسما لمادة الْفساد
وَلَا يُرَاد بِالْأَبِ المربي أَو الْعم من غير قرينَة، وَلم يرد فِي الْقُرْآن وَلَا فِي السّنة مُفردا، وَإِنَّمَا ورد فِي ضمن الْجمع بطرِيق التغليب بِالْقَرِينَةِ الْوَاضِحَة
قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن بني يَعْقُوب: ﴿نعْبد إلهك وإله آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق﴾ وَكَانَ إِسْمَاعِيل عَم يَعْقُوب
стр. 12
وَالْعرب تجْعَل الْعم أَبَا وَالْخَالَة أما، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش﴾ يَعْنِي أَبَاهُ وخالته وَكَانَت أمه قد مَاتَت
وَقَالَ أَيْضا حِكَايَة عَن يُوسُف: ﴿وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب﴾ وَكَانَ إِسْحَق جده وَإِبْرَاهِيم جد أَبِيه
وَالْمرَاد من قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة﴾ آدم وحواء
وَورد أَيْضا: الْخَال أحد الْأَبَوَيْنِ
إِلَّا أَنه تَسْمِيَة الْجد أَبَا بِمَعْنى التفرع مِنْهُ بِخِلَاف الْعم وَالْخَال، فَإِنَّهُمَا إِنَّمَا سميا أَبَا للازم آخر من لوازمه وَهِي التربية وَالْقِيَام بمصالح الْمَرْء؛ وَهَذَا الْمجَاز مَشْهُور فِي الشَّرَائِع السالفة على مَا رُوِيَ فِي الْإِنْجِيل أَن عِيسَى ﵇ قَالَ: " أَنطلق إِلَى أبي وأبيكم " وَأَرَادَ الرب سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ الْقَائِم بمصالح الْعباد وإتمام أُمُورهم
وَالِابْن: أَصله (بني) بِالْيَاءِ لما قيل أَن مَعْنَاهُ أَنه يبْنى على مَا بني أَبوهُ
والبنوة: لَا تدل على كَونه بِالْوَاو، كالفتوة، والفتى، شبه الْأَب بالأس وَالِابْن بِمَا يبْنى عَلَيْهِ
﴿ونادى نوح ابْنه﴾ أَي ابْن امْرَأَته بلغَة طَيئ وَقد قرئَ ابْنهَا
ويستعار الابْن فِي كل شَيْء صَغِير فَيَقُول الشَّيْخ للشاب الْأَجْنَبِيّ: (يَا ابْني) ويسمي الْملك رَعيته بالأبناء، والأنبياء فِي بني إِسْرَائِيل كَانُوا يسمون أممهم أَبْنَاءَهُم والحكماء وَالْعُلَمَاء يسمون المتعلمين مِنْهُم أَبْنَاءَهُم
وَقد يكنى بالابن فِي بعض الْأَشْيَاء لِمَعْنى الصاحب كَقَوْلِهِم (ابْن عرس) و (ابْن مَاء) و (بنت وردان) و (بَنَات نعش) على الِاسْتِعَارَة والتشبيه
وَيُقَال أَيْضا لكل مَا يحصل من جِهَة شَيْء أَو تَرْبِيَته أَو كَثْرَة خدمته أَو قِيَامه بأَمْره أَو توجهه إِلَيْهِ أَو إِقَامَته عَلَيْهِ هُوَ ابْنه كَمَا يُقَال: (أَبنَاء الْعلم) و (أَبنَاء السَّبِيل) و (من أَبنَاء الدُّنْيَا) وَمن هُنَا سمي عِيسَى النَّبِي ﵊ ابْنا، وَذَلِكَ لتوجهه فِي أَكثر أَحْوَاله شطر الْحق واستغراق أغلب أوقاته فِي جَانب الْقُدس
قَالَ الإِمَام الْعَلامَة مُحَمَّد بن سعيد الشهير بالبوصيري - نور الله مرقده وَفِي أَعلَى غرف الْجنان أرقده -: " إِن بعض النَّصَارَى انتصر لدينِهِ وانتزع من الْبَسْمَلَة الشَّرِيفَة دَلِيلا على تَقْوِيَة اعْتِقَاده فِي الْمَسِيح وَصِحَّة يقينه بِهِ فَقلب حروفها، ونكر معروفها، وَفرق مألوفها وَقدم فِيهَا وَأخر وفكر وَقدر، ثمَّ عبس وَبسر، ثمَّ أدبر واستكبر فَقَالَ: قد انتظم من الْبَسْمَلَة: الْمَسِيح ابْن الله الْمُحَرر
فَقلت لَهُ: فيحث رضيت الْبَسْمَلَة بَيْننَا وَبَيْنك حكما وجوزت مِنْهَا أحكاما وَحكما، فلتنصرن الْبَسْمَلَة الأخيار منا على الأشرار، ولتفضلن أَصْحَاب الْجنَّة على أَصْحَاب النَّار قَالَت لَك
стр. 13
الْبَسْمَلَة بِلِسَان حَالهَا: إِنَّمَا الله رب للمسيح رَاحِم النَّحْر لأمم لَهَا الْمَسِيح رب مَا برح الله رَاحِم الْمُسلمين سل ابْن مَرْيَم أحل لَهُ الْحَرَام لَا الْمَسِيح ابْن الله مُحَرر لَا مرحم للئام أَبنَاء السَّحَرَة رحم حر مُسلم أناب إِلَى الله لله نَبِي مُسلم حرم الراح الْحلم ربح رَأس مَاله الْإِيمَان
فَإِن قلت: إِنَّه رَسُول، صدقتك وَقَالَت: إيل أرسل الرَّحْمَة من بِلَحْم وإيل: من أَسمَاء الله بِلِسَان كتبهمْ وترجمة (بِلَحْم) : بَيت اللَّحْم الَّذِي ولد فِيهِ الْمَسِيح إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يدل على إبِْطَال مَذْهَب النَّصَارَى
ثمَّ انْظُر إِلَى الْبَسْمَلَة قد تخبر أَن من وَرَاء حولهَا خيولا وليوثا وَمن دون طلها سيولا وغيوثا وَلَا تحسبني استحسنت كلمتك الْبَارِدَة فَنسجَتْ على منوالها، وقابلت الْوَاحِدَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا بل أَتَيْتُك بِمَا يبغتك فيبهتك، ويسمعك مَا يصمك عَن الْإِجَابَة ويصمتك، فتعلم بِهِ أَنه هَذِه الْبَسْمَلَة مُسْتَقر لسَائِر الْعُلُوم والفنون، ومستودع لجوهر سرها الْمكنون أَلا ترى أَن الْبَسْمَلَة إِذا حصلت جملها كَانَ عَددهَا سَبْعمِائة وَسِتَّة وَثَمَانِينَ، فَوَافَقَ جملها مثل عِيسَى كآدم لَيْسَ لله من شريك، بِحِسَاب الْألف الَّتِي بعد لامي الْجَلالَة ﴿وَلَا أشرك بربي أحدا﴾ ﴿يهدي الله لنوره من يَشَاء﴾ بِإِسْقَاط ألف الْجَلالَة فقد أجابتك الْبَسْمَلَة بِمَا لم تحط بِهِ خَبرا، وجاءتك بِمَا لم تستطع عَلَيْهِ صبرا " انْتهى مُلَخصا
ثمَّ اعْلَم أَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ للِابْن: هُوَ الصلبي، كَذَا للْوَلَد مُنْفَردا وجمعا، لَكِن فِي الْعرف اسْم الْوَلَد حَقِيقَة فِي ولد الصلب وَاسْتِعْمَال الابْن وَالْولد فِي ابْن الابْن مجَاز، وَلِهَذَا صَحَّ أَن يُقَال: (إِنَّه لَيْسَ وَلَدي بل ولد ابْني) و (لَيْسَ ابْني بل ابْن ابْني) فَلَا بُد من قرينَة صارفة عَن إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِذا استعملا فِي ابْن الابْن أَو فِي معنى شَامِل لَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بني آدم﴾ فَإِن عدم كَون أحد من ولد آدم من صلبه مَوْجُودا عِنْد وُرُود الْخطاب قرينَة صارفة عَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، فَيكون المُرَاد أَبنَاء الْأَبْنَاء فَقَط، لَا معنى شَامِلًا للِابْن الصلبي وَابْن الابْن، وَهَذَا لَا يدل على صِحَة اسْتِعْمَال لفظ الْوَلَد فِي الْمَعْنى الشَّامِل للأولاد الصلبية وَأَوْلَاد الْأَبْنَاء وَالْحق أَن إِطْلَاق الابْن على ابْن الابْن لَا يسْتَلْزم إِطْلَاق الْوَلَد على ابْن الابْن قطعا، فَإِن حكم لفظ الابْن مُغَاير لحكم لفظ الْوَلَد فِي أَكثر الْمَوَاضِع
وَتَنَاول لفظ الابْن لِابْنِ الابْن إِنَّمَا يدل على تنَاول الْوَلَد لِابْنِ الابْن أَن لَو كَانَ لفظ الْوَلَد مرادفا للفظ الابْن أَو كَانَ الابْن أخص مُطلقًا من الْوَلَد، وَكِلَاهُمَا مَمْنُوع، لِأَن الْأَوْلَاد تطلق عرفا على أَوْلَاد الْأَبْنَاء، بِخِلَاف الْأَبْنَاء فَإِنَّهَا تطلق عَلَيْهَا بِدَلِيل دُخُول الحفدة فِي الْمُسْتَأْمن على أبنائه، فبينهما عُمُوم وخصوص وَجْهي فَلَا يلْزم من تنَاول لفظ الابْن لَهُ تنَاول لفظ الْوَلَد لَهُ أَيْضا
وَلَا يُطلق الابْن إِلَّا على الذّكر بِخِلَاف الْوَلَد
والبنون: جمع (ابْن) خَالف تَصْحِيح جمعه تثنيته لعِلَّة تصريفية أدَّت إِلَى حذف الْهمزَة، وَيَقَع على الذُّكُور وَالْإِنَاث كأبناء إِذا اجْتَمعُوا، وَقَوله تَعَالَى: ﴿يذبحون أبناءكم﴾ المُرَاد الذُّكُور خَاصَّة
стр. 14
الْأَب: بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد: مَا رعته الْأَنْعَام، وَيُقَال: الْأَب للبهائم كالفاكهة للنَّاس، أَو هُوَ فَاكِهَة يابسة تؤوب للشتاء: أَي تهَيَّأ لَهُ
وَأب للسير: تهَيَّأ رُوِيَ أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ لما سُئِلَ عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَة وَأَبا﴾ قَالَ: " أَي سَمَاء تُظِلنِي وَأي أَرض تُقِلني إِن أَنا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى مَا لَا أعلم "
وَأب أبه: قصد قَصده
وإبان الشَّيْء: بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد، حِينه وأوله
يُقَال: (كل الْفَاكِهَة فِي إبانها)
وإبانئذ: بِمَعْنى حِينَئِذٍ
والأباب: بِالضَّمِّ، مُعظم السَّيْل والموج
الإباء: هُوَ امْتنَاع بِاخْتِيَار وأبى الشَّيْء: لم يرضه، و [أَبى] عَلَيْهِ: امْتنع، وَهُوَ غير الاستكبار
وكل إباء: امْتنَاع بِلَا عكس، فَإِن الإباء شدَّة الِامْتِنَاع وإباء الشكيمة: مثل فِيهِ؛ وَيُقَال: أَبى على فلَان وتأبى عَلَيْهِ: إِذا امْتنع
والاستنكاف: تكبر فِي تَركه أَنَفَة، وَلَيْسَ فِي الاستكبار ذَلِك، وَإِنَّمَا يسْتَعْمل الاستكبار حَيْثُ لَا استخفاف، بِخِلَاف التكبر فَإِنَّهُ قد يكون باستخفاف
والتكبر: هُوَ أَن يرى الْمَرْء نَفسه أكبر من غَيره، والاستكبار: طلب ذَلِك بالتشبع وَهُوَ التزين بِأَكْثَرَ مَا عِنْده
والصفح: أَصله أَن تنحرف عَن الشَّيْء فتوليه صفحة وَجهك أَي ناحيته
كَذَلِك الْإِعْرَاض: وَهُوَ أَن تولي الشَّيْء عرضك أَي جَانِبك وَلَا تقبل عَلَيْهِ
والتولي: الاعراض مُطلقًا وَلَا يلْزمه الادبار، فَإِن تولي الرَّسُول عَن ابْن أم مَكْتُوم لم يكن بالإدبار
والتولي بالإدبار قد يكون على حَقِيقَته كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بعد أَن توَلّوا﴾ وَقد يكون كِنَايَة عَن الانهزام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ وليتم مُدبرين﴾
والتولي: قد يكون لحَاجَة تَدْعُو إِلَى الِانْصِرَاف مَعَ ثُبُوت العقد
والإعراض: الِانْصِرَاف عَن الشَّيْء بِالْقَلْبِ قَالَ بَعضهم: " المعرض وَالْمُتوَلِّيّ يَشْتَرِكَانِ فِي ترك السلوك، إِلَّا أَن المعرض أَسْوَأ حَالا، لِأَن الْمُتَوَلِي مَتى نَدم سهل عَلَيْهِ الرُّجُوع والمعرض يحْتَاج إِلَى طلب جَدِيد، وَغَايَة الذَّم الْجمع بَينهمَا "
والتولي إِذا وصل بإلى: يكون بِمَعْنى الإقبال عَلَيْهِ: ﴿ثمَّ تولى إِلَى الظل﴾ وَإِذا وصل بعن لفظا أَو تَقْديرا اقْتضى معنى الاعراض وَترك الْقرب وَعَلِيهِ ﴿فَإِن توَلّوا فَإِن الله عليم بالمفسدين﴾
والصد: هُوَ الْعُدُول عَن الشَّيْء عَن قلى يسْتَعْمل لَازِما بِمَعْنى الِانْصِرَاف والامتناع ﴿يصدون عَنْك﴾ ﴿الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله﴾ ، ومتعديا بِمَعْنى الصّرْف وَالْمَنْع الَّذِي
стр. 15
يطاوعه الِانْصِرَاف والامتناع ﴿وَلَا يصدنك عَن آيَات الله﴾ ﴿هم الَّذين كفرُوا وصدوكم عَن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾
وَنَظِير صد: صدف: حَيْثُ يسْتَعْمل لَازِما بِمَعْنى أعرض، ومتعديا بِمَعْنى صدف غَيره، ﴿فَمن أظلم مِمَّن كذب بآيَات الله وصدف عَنْهَا﴾ وَالْآيَة مُحْتَملَة لَهَا كآية ﴿فَمنهمْ من آمن بِهِ وَمِنْهُم من صد عَنهُ﴾
الإبداع: لُغَة، عبارَة عَن عدم النظير وَفِي الِاصْطِلَاح: هُوَ إِخْرَاج مَا فِي الْإِمْكَان والعدم إِلَى الْوُجُوب والوجود
قيل: هُوَ أَعم من الْخلق، بِدَلِيل ﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ و ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَلم يقل بديع الانسان
وَقيل: الإبداع إِيجَاد الأيس عَن الليس والوجود عَن كتم الْعَدَم
والإيجاد والاختراع: إفَاضَة الصُّور على الْموَاد الْقَابِلَة، وَمِنْه جعل الْمَوْجُود الذهْنِي خَارِجا
وَقَالَ بَعضهم: الإبداع: إِيجَاد شَيْء غير مَسْبُوق بمادة وَلَا زمَان كالعقول، فيقابل التكوين لكَونه مَسْبُوقا بالمادة، والإحداث لكَونه مَسْبُوقا بِالزَّمَانِ
والإبداع يُنَاسب الْحِكْمَة
والاختراع يُنَاسب الْقُدْرَة
والإنشاء: إِخْرَاج مَا فِي الشَّيْء بِالْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْل، وَأكْثر مَا يُقَال ذَلِك فِي الْحَيَوَان
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأكم﴾
﴿ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر﴾
وَالْفطر: يشبه أَن يكون مَعْنَاهُ الإحداث دفْعَة كالإبداع
فِي " الْجَوْهَرِي " الْفطر: الشق، يُقَال: فطرته فانفطر، فالفطر الِابْتِدَاء والاختراع
والبرء: هُوَ إِحْدَاث الشَّيْء على الْوَجْه الْمُوَافق للْمصْلحَة
وَقَالَ بَعضهم: الإبداع، والاختراع، والصنع، والخلق، والإيجاد، والإحداث وَالْفِعْل، والتكوين، والجعل: أَلْفَاظ مُتَقَارِبَة الْمعَانِي
أما الإبداع: فَهُوَ اختراع الشَّيْء دفْعَة
والاختراع: إِحْدَاث الشَّيْء لَا عَن شَيْء
والصنع: إِيجَاد الصُّورَة فِي الْمَادَّة
والخلق: تَقْدِير وإيجاد، وَقد يُقَال للتقدير من غير إِيجَاد
والإيجاد: إِعْطَاء الْوُجُود مُطلقًا
والإحداث: إِيجَاد الشَّيْء بعد الْعَدَم
وَالْفِعْل: أَعم من سَائِر اخواته
والتكوين: مَا يكون بتغيير وتدريج غَالِبا
والجعل: إِذا تعدى إِلَى المفعولين يكون بِمَعْنى
стр. 16
التصيير، وَإِذا تعدى إِلَى مفعول وَاحِد يكون بِمَعْنى الْخلق والإيجاد، وَلَا فرق على عرف أهل الْحِكْمَة بَين الْجعل الإبداعي والجعل الاختراعي فِي اقتضائه المجعول وَهُوَ الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ والمجعول إِلَيْهِ وَهُوَ الْوُجُود، وَإِن كَانَ بَينهمَا فرق، من حَيْثُ إِن الأول إِيجَاد الأيس عَن مُطلق الليس، أَي أَعم من أَن يكون مُقَيّدا بِمَا ذكر أَو غير مُقَيّد بِهِ
وَاعْلَم أَن الْحَقَائِق من حَيْثُ معلوميتها وعدميتها، وَتعين صورها فِي الْعلم الإلهي الذاتي الأزلي يَسْتَحِيل أَن تكون مجعولة لكَونه قادحا فِي صرافة وحدة ذَاته تَعَالَى أزلا، غير أَن فِيهِ تحصيلا للحاصل، فالتأثير إِنَّمَا يتَصَوَّر فِي اتصافها بالوجود، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من أهل الْكَشْف وَالنَّظَر
والإبداع: من محسنات البديع، هُوَ أَن يشْتَمل الْكَلَام على عدَّة ضروب من البديع، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَا أَرض ابلعي ماءك﴾ إِلَى آخِره، فَإِنَّهَا تشْتَمل على عشْرين ضربا من البديع، وَهِي سبع عشرَة لَفْظَة، كَذَا فِي " الإتقان "
الِابْتِدَاء: هُوَ اهتمامك بِالِاسْمِ وجعلك إِيَّاه أَولا لثان يكون خَبرا عَنهُ، والأولية: معنى قَائِم بِهِ يكسبه قُوَّة إِذا كَانَ غَيره مُتَعَلقا بِهِ، وَكَانَت رتبته مُتَقَدّمَة على غَيره
والبدء: من بَدَأَ الشَّيْء، أنشأه واخترعه قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أولم يرَوا كَيفَ يبدئ الله الْخلق﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿كَيفَ بَدَأَ الْخلق﴾ هَذَا فِيمَا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ
وبدأت بالشَّيْء، وبدأته، وابتدأت بِهِ وابتدأته: بِمَعْنى قَدمته على غَيره وَجَعَلته أَو الْأَشْيَاء، وَمِنْه (بدأت الْبَسْمَلَة) ، وَقَول الخطباء: " إِن الله أَمركُم بِأَمْر بَدَأَ فِيهِ بِنَفسِهِ " إِلَّا أَن فِي الِابْتِدَاء زِيَادَة كلفة كَمَا فِي مثل: (حملت) ، و (احتملت)
وَإِذا شرعت فِي قِرَاءَة الْكتاب مثلا وَقلت: (بدأت الْكتاب، وابتدأت بِالْكتاب) فَلَا اسْتِحَالَة فِي أَن يكون مَعْنَاهُ: أنشأت قِرَاءَته وأحدثته، لَكِن الظَّاهِر الْمَعْقُول أَن هَذَا البدء والابتداء يستعملان فِيمَا لَهُ أَجزَاء أَو جزئيات، وَيكون حُدُوثه على التدريج كالقراءة وَالْكِتَابَة، فالبدء إضافي بِالْإِضَافَة إِلَى سَائِر أَجْزَائِهِ أَو جزئياته
والابتداء: أَمر عَقْلِي وَمَفْهُوم كلي لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج إِلَّا فِي ضمن الْأَفْرَاد كَسَائِر الْأُمُور الْكُلية، وَلَا أَفْرَاد لَهُ فِي الْخَارِج حَقِيقَة، كالإنسان مثلا، وَإِنَّمَا أَفْرَاده حصص الْجِنْس الْحَاصِلَة بِالْإِضَافَة إِلَى الْأَزْمِنَة والأمكنة، وَهَكَذَا مفهومات المصادر كلهَا، فَإِنَّهَا لكَونهَا أمورا اعتبارية نسبية لَا وجود لَهَا إِلَّا فِي ضمن النّسَب الْمعينَة، والإضافات الخارجية فالابتداء الْحَقِيقِيّ: هُوَ الَّذِي لم يتقدمه شَيْء أصلا؛ والإضافي: هُوَ الَّذِي لم يتقدمه شَيْء من الْمَقْصُود بِالذَّاتِ، والعرفي: هُوَ الِابْتِدَاء الممتد من زمن الِابْتِدَاء إِلَى زمن الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود، حَتَّى يكون كل مَا يصدر فِي ذَلِك الزَّمَان يعد مُبْتَدأ بِهِ
قَالَ بَعضهم: الإضافي: يعْتَبر بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بعده شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى الْمَقْصُود بِالذَّاتِ
стр. 17
بِخِلَاف الْعرفِيّ: فَإِنَّهُ يعْتَبر شَيْئا وَاحِدًا ممتدا إِلَى الْمَقْصُود
والابتداء بِالِاسْمِ الشريف أَعم من أَن يكون بِالذَّاتِ أَو بالواسطة، وَمَا ورد فِي حَدِيثي الِابْتِدَاء فَفِي صِحَّته مقَال، وَلِهَذَا لم يكْتب فِي " البُخَارِيّ " إِلَّا الْبَسْمَلَة، وَإِن صَحَّ فصورة التَّعَارُض فِي صُورَة ضم الدَّال فِي (الْحَمد) على الْحِكَايَة وَزِيَادَة الْبَاء على بَاء الْبَسْمَلَة وَالدَّفْع إِمَّا بِأَن يحمل الِابْتِدَاء على الشَّامِل للحقيقي كَمَا فِي الْبَسْمَلَة، وللإضافي كَمَا فِي الحمدلة، أَو على الْمُتَعَارف بَين الممتثلين للْحَدِيث فالتنزيل الْجَلِيل مبدؤه عرفا الْفَاتِحَة بكمالها كَمَا يشْعر بِهِ التَّسْمِيَة بهَا، والكتب الْمُدَوَّنَة مبدؤها الْخطْبَة الَّتِي تَضَمَّنت الْبَسْمَلَة وَالْحَمْد وَالصَّلَاة، أَو تجْعَل الْبَاء فيهمَا للاستعانة؛ وَيجوز الِاسْتِعَانَة بأَشْيَاء مُتعَدِّدَة كَيْفَمَا اتّفقت بِلَا تَرْتِيب لَازم بهَا، أَو للملابسة وَالشَّرْع يعْتَبر المتلبس فِي الأول متلبسا من الأول إِلَى الآخر، كالمتلبس بالبسملة فِي أول الْأكل أَو بِالنِّيَّةِ فِي أول كل عبَادَة، أَو بِأَن يكون أَحدهمَا بالجنان أَو بِاللِّسَانِ أَو بِالْكِتَابَةِ، وَالْآخر بِالْآخرِ مِنْهُمَا أَو كِلَاهُمَا بالجنان مَعًا، لجَوَاز إِحْضَار الشَّيْئَيْنِ بالبال إِذا كَانَ لَهُ حُضُور وَتوجه تَامّ، أَو المُرَاد مِنْهُمَا ذكره تَعَالَى سَوَاء وجد فِي ضمن الْبَسْمَلَة أَو الحمدلة، وَقد صَحَّ رِوَايَة بِذكر الله؛ وَقد تقرر فِي الْأُصُول أَن الْحكمَيْنِ إِذا تَعَارضا وَلم يعلم سبق حمل على التَّخْيِير، فِي " الْقُهسْتَانِيّ " قد ورد أَيْضا: " كل خطْبَة لَيْسَ فِيهَا تشهد فَهِيَ كَالْيَدِ الجذماء، وكل كَلَام لَا يبتدأ فِيهِ بِالصَّلَاةِ عَليّ فَهُوَ ممحوق مِنْهُ كل بركَة "
وَلما كَانَ الِابْتِدَاء آخِذا فِي التحريك لم يكن المبدوء بِهِ إِلَّا متحركا، وَلما كَانَ الِانْتِهَاء آخِذا فِي السّكُون لم يكن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ إِلَّا سَاكِنا كل ذَلِك للمناسبة
الابدال: هُوَ رفع الشَّيْء وَوضع غَيره مَكَانَهُ والتبديل: قد يكون عبارَة عَن تَغْيِير الشَّيْء مَعَ بَقَاء عينه، يُقَال: (بدلت الْحلقَة خَاتمًا) : إِذا أدرتهما وسويتها وَمِنْه: ﴿يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ ﴿وَيَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض﴾
وَقد يكون عبارَة عَن إفناء الذَّات الأولى واحداث ذَات أُخْرَى، كَمَا تَقول: (بدلت الدَّرَاهِم دَنَانِير) وَمِنْه: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا﴾
والتبديل: يتَعَدَّى إِلَى المفعولين بِنَفسِهِ مثل: ﴿فأردنا أَن يبدلهما ربهما خيرا﴾ وَإِلَى المذهوب بِهِ الْمُبدل مِنْهُ بِالْبَاء أَو بِمن مثل: (بدله بخوفه أَو من خَوفه أمنا) وَمِنْه: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ بجنتيهم جنتين﴾
وَيَتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، تَقول: (بدلت الشَّيْء) إِذا غيرته، وَمِنْه: ﴿فَمن بدله بعد مَا سَمعه﴾
والإبدال والتبدل: إِذا استعملا بِالْبَاء نَحْو (أبدل الْخَبيث بالطيب) و (تبدل بِهِ) فَلَا تدخل الْبَاء حِينَئِذٍ إِلَّا على الْمَتْرُوك والتبديل: مثلهمَا
والإبدال: يكون من حُرُوف الْعلَّة وَغَيرهَا، وَالْقلب لَا يكون من حُرُوف الْعلَّة
والإبدال فِي البديع: إِقَامَة بعض الْحُرُوف مقَام
стр. 18
الْبَعْض وَجعل مِنْهُ ابْن فَارس ﴿فانفلق﴾ أَي الْبَحْر: أَي انفرق بِدَلِيل ﴿كل فرق﴾
الْأَبَد: الدَّهْر، والدائم، وَالْقَدِيم، والأزلي
والأبد والأمد: متقاربان لَكِن الْأَبَد عبارَة عَن مُدَّة الزَّمَان ألتي لَيْسَ لَهَا حد مَحْدُود، وَلَا يتَقَيَّد فَلَا يُقَال: (أَبَد كَذَا)
والأمد: مُدَّة لَهَا حد مَجْهُول إِذا أطلق، وَقد ينْحَصر فَيُقَال: (أمد كَذَا) كَمَا يُقَال: (زمَان كَذَا)
وأبدا (مُنْكرا) يكون للتَّأْكِيد فِي الزَّمَان الْآتِي نفيا وإثباتا لَا لدوامه واستمراره فَصَارَ ك (قطّ) و (الْبَتَّةَ) فِي تَأْكِيد الزَّمَان الْمَاضِي يُقَال: (مَا فعلت كَذَا قطّ والبتة) و (لَا أَفعلهُ أبدا)
و [الْأَبَد] الْمُعَرّف: للاستغراق، لِأَن اللَّام للتعريف وَهُوَ إِذا لم يكن معهودا يكون للاستغراق قيل: الْأَبَد: لَا يثنى وَلَا يجمع، والآباد مولد، وأبد الآبدين: مَعْنَاهُ دهر الداهرين، وعصر البَاقِينَ، أَي يبقي مَا بَقِي دهر وداهر
وَآخر الْأَبَد: كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة فِي التَّأْبِيد؛ وَالْمعْنَى: الْأَبَد الَّذِي هُوَ آخر الْأَوْقَات
الْإِبَاحَة: أبحتك الشَّيْء: أحللته
وأبحته: أظهرته، والمباح مِنْهُ وَالْإِبَاحَة شرعا: ضد الْحُرْمَة، فِي " النِّهَايَة " ضد الْكَرَاهَة
وَفِي " الْمُضْمرَات " أَن الْحل يتَضَمَّن الْإِبَاحَة لِأَنَّهُ فَوْقهَا، وكل مُبَاح جَائِز، دون الْعَكْس، لِأَن الْجَوَاز ضد الْحُرْمَة وَالْإِبَاحَة ضد الْكَرَاهَة، فَإِذا انْتَفَى الْحل ثَبت ضِدّه، وَهُوَ الْحُرْمَة فتنتفي الْإِبَاحَة أَيْضا فَثَبت ضدها وَهُوَ الْكَرَاهَة، وَلَا يَنْتَفِي الْجَوَاز لجَوَاز اجْتِمَاع الْجَوَاز مَعَ الْكَرَاهَة، كَمَا فِي نِكَاح الْأمة الْمسلمَة عِنْد الْقُدْرَة على مهر الْحرَّة ونفقتها، وَكَذَا نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة، وَإِن لم يجز كلا النكاحين عِنْد الشَّافِعِي بِنَاء على مَفْهُوم الْوَصْف وَالشّرط اللَّذين ليسَا بِحجَّة عندنَا وَحكم الْمُبَاح عدم الثَّوَاب وَالْعِقَاب فعلا وتركا، بل عدم الْعقَاب
وَالْإِبَاحَة: ترديد الْأَمر بَين شَيْئَيْنِ يجوز الْجمع بَينهمَا وَإِذا أُتِي بِوَاحِد مِنْهُمَا كَانَ امتثالا لِلْأَمْرِ
كَقَوْلِك: (جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين) فَلَا يكون إِلَّا بَين مباحين فِي الأَصْل، وَهِي تدفع توهم الْحُرْمَة، كَمَا أَن التَّسْوِيَة تدفع توهم الرجحان
وَأما التَّخْيِير: فَهُوَ ترديد الْأَمر بَين شَيْئَيْنِ وَلَا يجوز الْجمع بَينهمَا، كَقَوْلِك: (تزوج زَيْنَب أَو أُخْتهَا) فَلَا يكون إِلَّا بَين ممنوعين فِي الأَصْل، وَمن ثمَّة يجوز بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ
وَالْإِبَاحَة والتخيير: قد يضافان إِلَى صِيغَة الْأَمر، وَقد يضافان إِلَى كلمة " أَو " وَالتَّحْقِيق أَن كلمة " أَو " لأحد الْأَمريْنِ أَو الْأُمُور، وَأَن جَوَاز الْجمع وامتناعه إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَحل الْكَلَام وَدلَالَة الْقَرَائِن، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْإِبَاحَةِ الْإِبَاحَة الشَّرْعِيَّة، لِأَن الْكَلَام فِي معنى كلمة أَو بِحَسب اللُّغَة قبل ظُهُور الشَّرْع، بل المُرَاد الْإِبَاحَة بِحَسب الْعقل أَو بِحَسب الْعرف فِي أَي وَقت كَانَ؛ وَعند أَي قوم كَانُوا
الْإِبَاق: من أبق العَبْد كسمع، وَضرب، وَطلب، وَمنع: وَهُوَ هرب العَبْد من السَّيِّد خَاصَّة، وَلَا يُقَال للْعَبد آبق إِلَّا إِذا استخفى وَذهب من غير خوف وَلَا كد عمل؛ وَإِلَّا فَهُوَ هارب
стр. 19
والفرار من محلّة إِلَى محلّة أَو من قَرْيَة إِلَى بلد لَيْسَ بإباق شرعا، وَإِنَّمَا الْإِبَاق من بلد إِلَى خَارج، وَلَا يشْتَرط مسيرَة السّفر
الْإِبْهَام: أبهم الْأَمر: اشْتبهَ، وَأبْهم الْبَاب: أغلقه
وَهُوَ فِي الْيَد والقدم: أكبر الْأَصَابِع والأسماء المبهمة عِنْد النَّحْوِيين أَسمَاء الإشارات
والإبهام البديعي: هُوَ أَن يَأْتِي الْمُتَكَلّم بِكَلَام مُبْهَم يحْتَمل مَعْنيين متضادين لَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر، وسمى السكاكي وَمن تبعه هَذَا النَّوْع بالتورية، كَقَوْلِه فِي خياط أَعور اسْمه عَمْرو:
(خاط لي عَمْرو قبَاء ... لَيْت عَيْنَيْهِ سَوَاء)
وَمِنْه قَوْله:
(تَفَرَّقت غنمي يَوْمًا فَقلت لَهَا ... يَا رب سلط عَلَيْهَا الذِّئْب والضبعا)
الإباتة: من البيتوتة، يُقَال: (أباتك الله بِخَير)
والإبتات: قطع الْعَمَل، وَالْحكم، والعزم
الْإِبِل: فِي الْقَامُوس وَاحِد يَقع على الْجمع لَيْسَ بِجمع وَلَا اسْم جمع، وَقيل: اسْم جمع لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، مُؤَنّثَة، لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين فالتأنيث لَهَا لَازم، وَيَجِيء بِمَعْنى اسْم الْجِنْس كالطير؛ دلّ على ذَلِك: ﴿وَمن الْإِبِل اثْنَيْنِ﴾
والإبالة: ككتابة، السياسة
والأبلة: كالقرحة، الطّلبَة وَالْحَاجة
والإبلة: بِالْكَسْرِ، الْعَدَاوَة، وبالضم، العاهة
الإبلاغ: الإيصال، وَكَذَا التَّبْلِيغ إِلَّا أَن التَّبْلِيغ يُلَاحظ فِيهِ الْكَثْرَة فِي الْمبلغ، وَفِي أصل الْفِعْل أَيْضا على مَا يظْهر من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ وَمن قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك﴾
الإبرام: الإملال من " أبرمه " إِذا أمله وأضجره وأبرم الشَّيْء: أحكمه
الابتهال: الِاجْتِهَاد فِي الدُّعَاء وإخلاصه، قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ نبتهل﴾ أَي نخلص فِي الدُّعَاء
الإبار: اسْم من (أبر نخله) إِذا لقحه وَأَصْلحهُ؛ وَمِنْه: سكَّة مأبورة
الْإِبْرَاء: هبة الدّين لمن عَلَيْهِ الدّين، وكما يسْتَعْمل فِي الْإِسْقَاط يسْتَعْمل فِي الِاسْتِيفَاء يُقَال: أَبرَأَهُ بَرَاءَة قبض وَاسْتِيفَاء، وَلِهَذَا يكْتب فِي الصكوك: وأبرأه عَن الثّمن قبض وَاسْتِيفَاء
وَالْإِبْرَاء عَن الْأَعْيَان لَا يجوز، وَعَن دَعْوَاهَا يجوز، فَلَو ادّعى دَارا فَصَالح عَن قِطْعَة مِنْهَا لم يَصح، وَكَذَا لَو أخرج أحد الْوَرَثَة عَن النَّقْد بِأَقَلّ من حِصَّته؛ وَأما لَو قَالَ: (بَرِئت من دعواي فِي هَذِه الدَّار) بِإِضَافَة الْبَرَاءَة إِلَى نَفسه، فَإِنَّهُ يَصح لمصادقة الْبَرَاءَة الدَّعْوَى، وَكَذَا لَو ادَّعَت مِيرَاث زَوجهَا جَازَ الْإِبْرَاء، لِأَن الْمَدْفُوع إِلَيْهَا لقطع الْمُنَازعَة
الإبلاء: الإفناء
الإبادة: الاهلاك
стр. 20
الْإِبِط: هُوَ مَا تَحت الْجنَاح، يذكر وَيُؤَنث
الإبلاس: الانكسار، والحزن، وَالسُّكُوت، يُقَال: (ناظرته فَأبْلسَ) ، أَي سكت وأيس من أَن يحْتَج
الابتهاج: السرُور
الِابْتِلَاء: فِي الأَصْل، التَّكْلِيف بِالْأَمر الشاق من الْبلَاء لكنه لما استلزم الاختبار بِالنِّسْبَةِ إِلَى من يجهل العواقب ظن ترادفهما
وَقَالَ بَعضهم: الِابْتِلَاء يكون فِي الْخَيْر وَالشَّر مَعًا، يُقَال فِي الْخَيْر: أبليته، وَفِي الشَّرّ: بلوته بلَاء
الْأَبْطَال: إِفْسَاد الشَّيْء وإزالته، حَقًا كَانَ ذَلِك الشَّيْء أَو بَاطِلا
الأبهة: العظمة، وَالْكبر، والنخوة، والبهجة وأبهته تأبيها: نبهته وفطنته، وبكذا: أزننته [أَي: اتهمته]
(نوع فِي بَيَان لُغَات أَلْفَاظ النّظم الْجَلِيل)
أبابيل: قيل: هُوَ جمع وَإِن لم يسْتَعْمل واحده
وطير أبابيل: أَي مُتَفَرِّقَة أَو متتابعة مجتمعة، كَمَا فِي " الْمُفْردَات " و " الْقُرْطُبِيّ "
آب: بِمَعْنى رَجَعَ
وآبت الشَّمْس: لُغَة فِي: غَابَتْ
فَلَنْ أَبْرَح: لن أُفَارِق
وَابْن السَّبِيل: الضَّيْف الَّذِي نزل بِالْمُسْلِمين أَو الْمُسَافِر
وابتلوا: واختبروا
وابتغاء مرضاة الله: طلبا لرضاه
وَمَا أبرئ نَفسِي: أَي مَا أنزهها
ابلعي ماءك: ازدرديه أَو اشربيه
هُوَ الأبتر: أَي الَّذِي لَا عقب لَهُ
وَأبْصر: أَي انْتظر
إِبْرَاهِيم: اسْم سرياني، مَعْنَاهُ، أَب رَحِيم، وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": اسْم أعجمي وعَلى هَذَا لَا يكون معربا
وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: إِن إِجْمَاع أهل الْعَرَبيَّة على أَن منع الصّرْف فِي (إِبْرَاهِيم) وَنَحْوه للعجمة والعلمية، فَتبين مِنْهُ وُقُوع المعرب فِي الْقُرْآن
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ؛ " ولد على رَأس ألفي سنة من خلق آدم وَعَن أبي هُرَيْرَة أَنه اختتن بعد عشْرين وَمِائَة سنة وَمَات ابْن مِائَتي سنة "
(فصل الْألف وَالتَّاء)
الْإِتْيَان: هُوَ عَام فِي الْمَجِيء والذهاب وَفِيمَا كَانَ طبيعيا وقهريا
والذهاب: يُقَابل الْمَجِيء
والمرور: يعمه
وَفِي " الرَّاغِب ": الْمَجِيء: أَعم لِأَن الْإِتْيَان مَجِيء بسهولة وَيُقَال: جَاءَ: فِي الْأَعْيَان والمعاني ويما يكون مَجِيئه بِذَاتِهِ وبأمر وَلمن قصد مَكَانا وزمانا وَذكر " الزَّمَخْشَرِيّ " إِن أَتَى: يَجِيء بِمَعْنى (صَار) ك (جَاءَ) فِي قَوْلك: (جَاءَ الْبناء محكما) : أَي صَار ﴿وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ : أَي كَانَ
أَتَى وَجَاء: يطلقان بِمَعْنى فعل فيتعديان تعديته؛ وَيُقَال: (أَتَى زيد أَتَيَا وإتيانا) إِذا كَانَ جائيا و (أَتَى بزيد وبمال) مثلا: إِذا أجاءه أَي جعله جائيا
وأتى الْمَكَان: حَضَره
стр. 21
وأتى الْمَرْأَة إتيانا: جَامعهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله﴾
وأتى على الشَّيْء: أنفذه وَبلغ آخِره أَو مر بِهِ
وأتى عَلَيْهِم الدَّهْر: أهلكهم وأفناهم
﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول﴾ أَي أَمركُم بِهِ
وأتى الرجل الْقَوْم: انتسب إِلَيْهِم وَلَيْسَ مِنْهُم
وَأَتَاهُ آتٍ: أَي ملك
وأتيته على الْأَمر بِالْقصرِ: وافقته
وَقد يتَعَدَّى إِلَى الثَّانِي بِالْبَاء مثل (أَتَيْته بالبلية) وَيذكر الْإِتْيَان وَيُرَاد بِهِ الزِّيَارَة وَفِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن إِبْلِيس ﴿ثمَّ لآتينهم من بَين أَيْديهم﴾ إِلَى آخِره: عدى الْفِعْل إِلَى الْأَوَّلين ب (من) وَإِلَى الآخرين ب (عَن) لِأَن الْآتِي من الْأَوَّلين مُتَوَجّه إِلَيْهِم، والآتي من الآخرين كالمنحرف عَنْهُم، الْمَار على عرضهمْ
الإتباع: أتبع بِالتَّخْفِيفِ يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، وبالتشديد إِلَى وَاحِد قيل: تبع وَاتبع بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ اللحوق
فأتبعهم فِرْعَوْن: أَي لحقهم أَو كَاد
وَاتبعهُ: بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى سَار خَلفه وَقيل: اتبع: بِقطع الْألف بِمَعْنى اللحوق والإدراك؛ وبوصلها بِمَعْنى اتبع أَثَره، أدْركهُ أَو لم يُدْرِكهُ وَفِي " الْأَنْوَار " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ﴾ قَرَأَ نَافِع بِالتَّخْفِيفِ؛ وَقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وتسكين الْعين تَشْبِيها لتَبعه بِقَصْدِهِ يَعْنِي تَشْبِيها بِمَا هُوَ أبلغ فِي ذَلِك الْمَعْنى
وَنَظِير هَذَا التَّشْبِيه قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم﴾
والإتباع: هُوَ أَن تتبع الْكَلِمَة على وَزنهَا أَو رويها إشباعا وتوكيدا حَيْثُ لَا يكون الثَّانِي مُسْتَعْملا بِانْفِرَادِهِ فِي كَلَامهم، وَذَلِكَ يكون على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون للثَّانِي معنى كَمَا فِي (هَنِيئًا) مريئا)
وَالثَّانِي: أَن لَا يكون لَهُ معنى، بل ضم إِلَى الأول لتزيين الْكَلَام لفظا وتقويته معنى نَحْو قَوْلك: (حسن بسن) وَعَلِيهِ ﴿عبس وَبسر﴾ وَمن أَنْوَاع الإتباع: إِدْخَال اللَّام على (يزِيد) للوليد وَمن أحد ضربيه: قسيم وسيم، كِلَاهُمَا بِمَعْنى الْجَمِيل، فَيُؤتى بِهِ للتَّأْكِيد، لِأَن لَفظه مُخَالف للْأولِ وَمن الآخر: (شَيْطَان ليطان) أَي: لصوق لَازم للشر، و (عطشان نطشان) أَي: قلق
فَمَعْنَى الثَّانِي غير الأول، وَهُوَ لَا يكَاد يُوجد بِالْوَاو وَاتِّبَاع ضمير الْمُذكر بضمير الْمُؤَنَّث كَحَدِيث " وَرب الشَّيَاطِين وَمَا أضللن "
وَاتِّبَاع كلمة فِي ابدال الْوَاو فِيهَا همزَة لهمزة فِي أُخْرَى كَحَدِيث: " ارْجِعْنَ مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات "
وَاتِّبَاع كلمة فِي ابدال واوها بِالْيَاءِ للياء فِي أُخْرَى كَحَدِيث: " لَا دَريت وَلَا تليت "
وَاتِّبَاع كلمة فِي التَّنْوِين لكلمة أُخْرَى منونة صحبتهَا ك (سلاسلا وأغلالا) وَأما (حياك الله وبياك) فِي حَدِيث آدم حِين قتل ابْنه فَمَكثَ مائَة سنة لَا يضْحك، ثمَّ قيل لَهُ ذَلِك فَلَيْسَ بإتباع
وَقد يُؤْتى بلفظين بعد المتبع كَمَا يُؤْتى بِلَفْظ
стр. 22
وَاحِد، فَيُقَال: (حسن بسن قسن) و (لَا بَارك الله فِيك وَلَا تَارِك وَلَا دَارك)
الاتساع: هُوَ ضرب من الْحَذف إِلَّا أَنَّك لَا تقيم المتوسع فِيهِ مقَام الْمَحْذُوف وتعربه بإعرابه وتحذف الْعَامِل فِي الْحَذف وَتَدَع مَا عمل فِيهِ على حَاله فِي الْإِعْرَاب وَلَا يجْرِي الاتساع فِي الْمُتَعَدِّي إِلَى اثْنَيْنِ لِأَنَّهُ يصير مُلْحقًا ببنات الثَّلَاثَة، وَهِي أَفعَال محصورة لَا يجوز الْقيَاس عَلَيْهَا
والاتساع فِي الظّرْف: هُوَ أَن لَا يقدر مَعَه (فِي) توسعا؛ فينصب نصب الْمَفْعُول بِهِ نَحْو: (دخل بَيْتا) و (قَامَ لَيْلًا) و (صَاد يَوْمَيْنِ) و (صَامَ شهرا) و (سرق اللَّيْلَة) وَالْمعْنَى على ظَاهر التَّرْكِيب من غير تَقْدِير (فِي) وَإِن كَانَ أصل الْمَعْنى على الظَّرْفِيَّة وَمن ثمَّة يفهم مِنْهُ غَالِبا قيام اللَّيْلَة بِتَمَامِهَا، وَكَذَا فِي الْبَوَاقِي؛ وَلَو كَانَ بِتَقْدِير (فِي) لم يفهم التَّمام
وَمعنى التَّوَسُّع فِي الظروف: هُوَ أَن كل حَادث فِي الدُّنْيَا فحدوثه يكون فِي زمَان وَفِي مَكَان، والانفكاك محَال؛ وَلما كَانَ الزَّمَان وَالْمَكَان من ضرورات الحادثات، وَكَانَ بَينهمَا شدَّة الِاتِّصَال وَقُوَّة الالتصاق كَانَ الزَّمَان وَالْمَكَان مَعَ كل شَيْء كجزئه وَبَعضه، لَا أَجْنَبِيّا مِنْهُ، فَهُوَ إِذن كالمحارم يدْخلُونَ حَيْثُ لَا يدْخل الْأَجْنَبِيّ وَلَيْسَ التَّوَسُّع مطردا فِي كل ظروف الْأَمْكِنَة كَمَا فِي الزَّمَان، بل التَّوَسُّع فِي الْأَمْكِنَة سَماع نَحْو (نحا نَحْوك) و (قصد قصدك) و (أقبل قبلك) وَلَا يجوز ذَلِك فِي (خلف) واخواتها، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن ظرف الزَّمَان أَشد تمَكنا من ظرف الْمَكَان [وَإِذا توسع فِي فعل لَهُ مفعول وَاحِد يُقَال للظرف المتوسع فِيهِ مفعول ثَان، وَلَا يتوسع فِيمَا لَهُ ثَلَاثَة مفاعيل لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ مَفْعُولا رَابِعا، وَلم يجِئ فِي كَلَام الْعَرَب مَاله أَرْبَعَة مفاعيل]
والاتساع البديعي: هُوَ أَن يَأْتِي الشَّاعِر بِبَيْت يَتَّسِع فِيهِ التَّأْوِيل على قدر قوى الناظرين فِيهِ بِحَسب مَا تحمله الْأَلْفَاظ كَمَا فِي فواتح السُّور وَقد اتَّسع النقاد فِي تَأْوِيل قَول الشَّاعِر:
(إِذا قامتا تضوع الْمسك مِنْهُمَا ... نسيم الصِّبَا جَاءَت بريا القرنفل)
فَمن قَائِل: تضوع مثل الْمسك مِنْهُمَا نسيم الصِّبَا
وَمن قَائِل: تضوع نسيم الصِّبَا كالمسك مِنْهُمَا
وَمن قَائِل: تضوع الْمسك مِنْهُمَا كتضوع نسيم الصِّبَا وَهَذَا أَجود الْوُجُوه وَمعنى قَوْلهم: هَذَا على الاتساع: أَي على التَّجَوُّز
الِاتِّحَاد: هُوَ يُطلق بطرِيق الْمجَاز على صيرورة شَيْء شَيْئا آخر بطرِيق الاستحالة، أَعنِي التَّغْيِير والانتقال دفعيا كَانَ أَو تدريجيا، كَمَا يُقَال: (صَار المَاء هَوَاء وَالْأسود أَبيض)
وَيُطلق أَيْضا بطرِيق الْمجَاز على صيرورة شَيْء شَيْئا آخر بطرِيق التَّرْكِيب، وَهُوَ أَن يَنْضَم شَيْء إِلَى شَيْء ثَان فَيحصل مِنْهُمَا شَيْء ثَالِث، كَمَا يُقَال: (صَار التُّرَاب طينا والخشب سريرا) وَلَا شكّ فِي وُقُوع الِاتِّحَاد بِهَذَيْنِ الْمَعْنيين، وَأما مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ عِنْد الْإِطْلَاق وَهُوَ الْمَفْهُوم الْحَقِيقِيّ لَهُ، وَهُوَ أَن يصير شَيْء بِعَيْنِه شَيْئا آخر من غير أَن يَزُول عَنهُ شَيْء أَو يَنْضَم إِلَيْهِ شَيْء؛ فَهَذَا الْمَعْنى بَاطِل بِالضَّرُورَةِ
стр. 23
قَالَ بَعضهم: الِاتِّحَاد شُهُود الْوُجُود الْحق الْوَاحِد الْمُطلق الَّذِي لكل مَوْجُود بِالْحَقِّ فيتحد بِهِ الْكل من حَيْثُ كَون كل شَيْء مَوْجُودا بِهِ مَعْدُوما بِنَفسِهِ، لَا من حَيْثُ أَنه لَهُ وجودا خَاصّا اتَّحد بِهِ فَإِنَّهُ محَال، واتحاد الشَّيْء بأَشْيَاء كَثِيرَة مُمْتَنع بِخِلَاف انطباق الصُّورَة الْوَاحِدَة على أَشْيَاء كَثِيرَة [وَاعْلَم أَن الْأُمَم قد اخْتلفُوا فِي أَنه هَل يجوز أَن يتحد موجودان بحث لَا تبقى الأثنينية بَينهمَا أم لَا؟ ، فَذهب الْمُحَقِّقُونَ أَن امْتِنَاعه وَمَال إِلَيْهِ طَائِفَة من متألهة الفلاسفة فَقَالَ بَعضهم باتحاد النَّفس مَعَ الْبدن، وَذهب بَعضهم إِلَى اتِّحَاد النَّفس مَعَ الْعقل الغول، وَزعم قوم من الْمَشَّائِينَ أَن النَّفس إِذا عقلت شَيْئا اتّحدت مَعَ الصُّورَة المعقولة، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو عَليّ وَذهب قوم من متصوفة الْإِسْلَام إِلَى أَن الْمُنْقَطع عَن الدُّنْيَا المتوجه إِلَى الله تَعَالَى قد يتحد مَعَ الله تَعَالَى؛ وَزعم قوم من النَّصَارَى أَن الِاتِّحَاد هُوَ الممازجة بِحَيْثُ لَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر كممازجة المَاء مَعَ اللَّبن، وَهَذَا غير متنازع فِيهِ، إِلَّا إِذا ادعوا ذَلِك فِي الله سُبْحَانَهُ وَالْمَشْهُور عِنْد الْعلمَاء فِي ابطال الِاتِّحَاد هُوَ أَنَّهُمَا بعد الِاتِّحَاد إِن بقيا موجودين فهما اثْنَان وَإِن عدما أَو أَحدهمَا فَلَا اتِّحَاد لِأَن الْمَعْدُوم لَا يتحد بالمعدوم وَلَا بالموجود وَفِيه أَن الاثنينية فِي صُورَة كَونهَا بوجودين وتعينين، وَلم لَا يجوز أَن يَكُونَا بعد الِاتِّحَاد موجودين بِوُجُود وَاحِد وَتعين وَاحِد كَمَا فِي الْجِنْس والفصل فَإِنَّهُمَا حقيقتا مغايرين موجودتان بِوُجُود وَاحِد وَتعين وَاحِد وَهَذَا مَا اتّفق عَلَيْهِ الْحُكَمَاء] وَفِيه مناظرة لبَعض الْفُضَلَاء جرت بِبَعْض النَّصَارَى فهاك ملخصه
قَالَ: قلت لَهُ: هَل تسلم أَن عدم الدَّلِيل لَا يدل على عدم الْمَدْلُول؟ فَإِن انكرت لزمك أَنه لَا يكون الله قَائِما، لِأَن دَلِيل وجوده هُوَ الْعَالم، فَلَزِمَ من عدم الْعَالم، وَهُوَ الدَّلِيل، عدم الْمَدْلُول فَإِذا جوزت اتِّحَاد كلمة الله بِعِيسَى أَو حلولها فِيهِ، فَلم خصصت بِهِ؟ وَكَيف عرفت أَنَّهَا مَا حلت فِي سَائِر الْخلق؟ فَقَالَ: إِنَّمَا اثبتنا ذَلِك بِنَاء على مَا ظهر على يَد عِيسَى من إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والابرص وَلم نجد شَيْئا من ذَلِك فِي يَد غَيره
فَقلت لَهُ: قد سلمت أَن عدم الدَّلِيل لَا يدل على عدم الْمَدْلُول، فَلَا يلْزم من عدم ظُهُور هَذِه الخوارق على يَد غَيره من الْمَخْلُوق عدم ذَلِك الْحُلُول، فَثَبت أَنَّك مهما جوزت القَوْل بالاتحاد والحلول لزمك تَجْوِيز حُصُول ذَلِك فِي سَائِر الْمَخْلُوق فَإِن قيل: الْمَعْنى بالإلهية أَنه حلت فِيهِ صفة الْإِلَه، فَالْجَوَاب: هَب أَنه كَانَ كَذَلِك، لَكِن الْحَال هُوَ صفة الْإِلَه، والمسيح هُوَ الْمحل مُحدث مَخْلُوق، فَكيف يُمكن وَصفه بالالهية؟ وَلَو كَانَ الله تَعَالَى ولد فَلَا بُد أَن يكون من جنسه، فَإِذن قد اشْتَركَا من بعض الْوُجُوه، فَإِن لم يتَمَيَّز فَمَا بِهِ الامتياز غير مَا بِهِ الِاشْتِرَاك، فَيلْزم التَّرْكِيب فِي ذَات الله تَعَالَى، وكل مركب مُمكن، فَالْوَاجِب مُمكن، وَهنا خلف هَذَا كُله على الِاتِّحَاد والحلول فَإِن قَالُوا: معنى كَونه إِلَهًا أَنه سُبْحَانَهُ خص نَفسه أَو بدنه بِالْقُدْرَةِ على خلق الْأَجْسَام وَالتَّصَرُّف فِي هَذَا الْعَالم، فَهَذَا أَيْضا بَاطِل، كَيفَ وَإِنَّهُم قد نقلوا عَنهُ الضعْف وَالْعجز، وَأَن الْيَهُود
стр. 24
قَتَلُوهُ، وَإِن قَالُوا: معنى كَونه إِلَهًا أَنه اتَّخذهُ لنَفسِهِ على سَبِيل التشريف وَهَذَا قد قَالَ بِهِ قوم من النَّصَارَى، وَلَيْسَ فِيهِ كثير خطأ إِلَّا فِي اللَّفْظ
انْتهى، وَمِمَّا يقرب إِلَيْهِ مَا يحْكى أَن لهارون الرشيد غُلَاما نَصْرَانِيّا جَامعا لخصال الْأَدَب، فألح الرشيد عَلَيْهِ يَوْمًا بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ: ان فِي كتابكُمْ حجَّة لما أنتحله، قَوْله تَعَالَى: ﴿وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ حَتَّى أجَاب عَنهُ عَليّ بن الْحُسَيْن بن وَاقد بقوله تَعَالَى: ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾
فَأسلم النَّصْرَانِي [واتحاد الِاسْم والمسمى بَاطِل سَوَاء كَانَ الْمُسَمّى مُسَمّى بالمطابقة أَو التضمن لِأَن الْمُسَمّى مَدْلُول الِاسْم دَال، وَلَا بُد للدلالة من طرفين]
والاتحاد فِي الْجِنْس: يُسمى مجانسة كاتفاق الانسان وَالْفرس فِي الحيوانية
وَفِي النَّوْع: مماثلة كاتفاق زيد وَعَمْرو فِي الإنسانية
وَفِي الْخَاصَّة: مشاكلة كاتفاق العناصر الْأَرْبَعَة فِي الكرية
وَفِي الكيف: مشابهة كاتفاق الْإِنْسَان وَالْحجر فِي السوَاد
وَفِي الْكمّ: مُسَاوَاة كاتفاق ذِرَاع من خشب وذراع من ثوب فِي الطول
وَفِي الْأَطْرَاف: مُطَابقَة كاتفاق الأجانين فِي الْأَطْرَاف
وَفِي الْإِضَافَة: مُنَاسبَة كاتفاق زيد وَعَمْرو فِي بنوة بكر
وَفِي الْوَضع الْمَخْصُوص: موازنة وَهُوَ أَن لَا يخْتَلف الْبعد بَينهمَا كسطح كل وَاحِد من الافلاك
الاتقاء: هُوَ افتعال من الْوِقَايَة، وَهِي فرط الصيانة وَشدَّة الاحتراس من الْمَكْرُوه [وَاصل الاتقاء الْحجر بَين شَيْئَيْنِ وَمِنْه يُقَال: (اتَّقى بترسه) وَفِي الحَدِيث " كُنَّا إِذا احمر الْبَأْس اتقينا برَسُول الله ﷺ " قيل: الصَّحِيح أَنه لَا يعْتَبر فِي مَفْهُوم المتقي اجْتِنَاب الصَّغَائِر، فعلى هَذَا يُقَال، هُوَ من تجنب الْكَبَائِر وَمن الْمَعْلُوم لَا صَغِيرَة مَعَ الْإِصْرَار فيندرج فِي الاجتناب وَالْفرق بَينه وَبَين اسْم الْمُؤمن اظهر ان لم يشْتَرط دُخُول الْأَعْمَال فِي الايمان] والمتقي فِي عرف الشَّرْع اسْم لمن يقي نَفسه عَمَّا يضرّهُ فِي الْآخِرَة وَهُوَ الشّرك المفضي إِلَى الْعَذَاب المخلد، وَعَن كل مَا يؤثم من فعل أَو ترك، وَعَن كل مَا يشغل عَن الْحق والتبتل عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ التقي الْحَقِيقِيّ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ وَإِلَى الأول قَوْله تَعَالَى: ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى﴾ وَإِلَى الثَّانِي قَوْله: ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا﴾
وَاتَّقَى: يتَعَدَّى إِلَى [مفعول] وَاحِد، وَوقى، يتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ ﴿ووقاهم عَذَاب الْجَحِيم﴾
الاتكاء: هُوَ أَعم من الِاسْتِنَاد، وَهُوَ الِاعْتِمَاد على
стр. 25
شَيْء بِأَيّ شَيْء كَانَ وَبِأَيِّ جَانب كَانَ
والاستناد: اتكاء بِالظّهْرِ لَا غير، وَيَتَعَدَّى (اتكأ) ب (على) دون (إِلَى) الِاتِّصَال: هُوَ أَن يكون لأجزاء شَيْء حد مُشْتَرك تتلاقى عِنْده
الإتراع: أترع الْإِنَاء: ملأَهُ، وَهُوَ مَقْصُور على الْحِيَاض، كَمَا أَن الإمراع مَخْصُوص بالرياض
الاتهاب: هُوَ قبُول الْهِبَة والتقبل بعد التقبض
والاستيهاب: سؤالها
الإتقان: هُوَ معرفَة الْأَدِلَّة بعللها وَضبط الْقَوَاعِد الْكُلية بجزئياتها
﴿آتت أكلهَا ضعفين﴾ : أَعْطَتْ ثَمَرهَا ضعْفي غَيرهَا من الارضين
﴿وَآتُوهُمْ من مَال الله﴾ : ضَعُوا عَنْهُم من مكاتبتهم
﴿اتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ : اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كَرَامَة الْخَلِيل عِنْد خَلِيله
﴿أترفناهم﴾ : نعمناهم
المترف: المتقلب فِي لين الْمَعيشَة والعيش
﴿أَتَيْنَا بهَا﴾ : أحضرناها
﴿أَتْرَابًا﴾ : لدات كُلهنَّ بَنَات ثَلَاث وَثَلَاثِينَ كأزواجهن
﴿أتقن كل شَيْء﴾ : أحكم خلقه وسواه على مَا يَنْبَغِي ﴿لآتوها﴾ : لأعطوها ﴿أتوكأ عَلَيْهَا﴾ أعْتَمد عَلَيْهَا ﴿فَاتبع قرآنه﴾ : اعْمَلْ بِهِ
﴿وَالْقَمَر إِذا اتسق﴾ : اجْتمع وَتمّ بَدْرًا
﴿رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا﴾ : اجْعَل إيتاءنا ومنحتنا فِي الدُّنْيَا
﴿فأتمهن﴾ : فأداهن كملا وَقَامَ بِهن حق الْقيام
﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم﴾ : أرشدناه إِلَيْهَا وعملناه إِيَّاهَا
﴿لأت﴾ : لكائن لَا محَالة
﴿اتل﴾ : اقْرَأ
(فصل الْألف والثاء)
[أثبت] : كل من شدّ فقد أثبت لِأَنَّهُ لَا يقدر على الْحَرَكَة فِي الذّهاب والمجيء
وَالْإِثْبَات: مصدر أثبت وأفعل يَصح للتعدية وَالنِّسْبَة أَي نِسْبَة ثُبُوت الشَّيْء
وَالْإِثْبَات: هُوَ الحكم بِثُبُوت شَيْء لآخر، وَيُطلق على الإيجاد [وَهُوَ من الْوُجُوه المتعددة للْوَقْف عِنْد الْأَئِمَّة والقراء] وَقد يُطلق على الْعلم تجوزا
يُقَال: الْعلم إِثْبَات الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ
الأثاث: هُوَ مَا يكتسبه الْمَرْء ويستعمله فِي الغطاء والوطاء
وَالْمَتَاع: مَا يفرش فِي الْمنَازل ويزين بِهِ
وَقيل: الأثاث: مَا جد من مَتَاع الْبَيْت
والخرثي: مَا رث
وَذكر بَعضهم أَن الْمَتَاع من متع النَّهَار: إِذا طَال
стр. 26
وَيسْتَعْمل فِي امتداد مشارف للزوال، وَلِهَذَا يسْتَعْمل فِي معرض التحقير، لَا سِيمَا فِي التَّنْزِيل وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْمَتَاع لُغَة: كل مَا ينْتَفع بِهِ من عرُوض الدُّنْيَا، قليلها وكثيرها فَيكون مَا سوى الحجرين مَتَاعا وَعرفا كل مَا يلْبسهُ النَّاس ويبسط
الْأَثر: فِي " الْقَامُوس ": أثر يفعل كَذَا، كفرح: طفق و [أثر] على الْأَمر: عزم و [أثر] لَهُ: تفرغ
وآثر: اخْتَار
و [أثر] كَذَا بِكَذَا: أتبعه إِيَّاه
واستأثر بالشَّيْء: استبد بِهِ وَخص بِهِ نَفسه
و [اسْتَأْثر] الله بفلان: إِذا مَاتَ ورجي لَهُ الغفران
وَمَا بَقِي من رسم الشَّيْء فَهُوَ أثر بِالْكَسْرِ والسكون وَبِفَتْحِهَا أَيْضا
وَأثر الْجرْح: بِالضَّمِّ والتسكين
وَحَدِيث مأثور: من الْأَثر، بِالْفَتْح والسكون
وآثر على نَفسه: بِالْمدِّ من الإيثار وَهُوَ الِاخْتِيَار
أَو آثاره من علم: بِالْفَتْح أَي بَقِيَّة مِنْهُ وبالكسر أَي مناظرة
وَعَن ابْن عَبَّاس أَن المُرَاد الْخط الْحسن
والأثرة: بِمَعْنى التَّقَدُّم والاختصاص، من الإيثار
والأثرة: بِالضَّمِّ المكرمة المتوارثة ويستعار (الاثر) للفضل، والإيثار للتفضيل
وآثرت فلَانا عَلَيْك: بِالْمدِّ فَأَنا أوثره؛ وأثرت الحَدِيث فَأَنا آثره: أَي أرويه وأثرت التُّرَاب فَأَنا أثيره
[والأثر فِي اصْطِلَاح أهل الشَّرْع قَول الصَّحَابِيّ أَو فعله وَهُوَ حجَّة فِي الشَّرْع]
الْإِثْم: الذَّنب الَّذِي يسْتَحق الْعقُوبَة عَلَيْهِ، وَلَا يَصح أَن يُوصف بِهِ إِلَّا الْمحرم، سَوَاء أُرِيد بِهِ الْعقَاب أَو مَا يسْتَحق بِهِ من الذُّنُوب وَبَين الذَّنب وَالْإِثْم فرق من حَيْثُ أَن الذَّنب مُطلق الجرم عمدا كَانَ أَو سَهوا، بِخِلَاف الْإِثْم، فَإِنَّهُ مَا يسْتَحق فَاعله الْعقَاب فَيخْتَص بِمَا يكون عمدا وَيُسمى الذَّنب تبعة اعْتِبَارا بذنب الشَّيْء، كَمَا أَن الْعقُوبَة بِاعْتِبَار مَا يحصل من عاقبته والهمزة فِيهِ من الْوَاو، كَأَنَّهُ يثم الْأَعْمَال أَي يكسرها وَهُوَ أَيْضا عبارَة عَن الانسلاخ عَن صفاء الْعقل، وَمِنْه سمي الْخمر إِثْمًا، لِأَنَّهَا سَبَب الانسلاخ عَن الْعقل ﴿قل فيهمَا إِثْم كَبِير﴾ أَي فِي تناولهما إبطاء عَن الْخيرَات و ﴿آثم قلبه﴾ أَي ممسوخ
والأثام: كسلام: الاثم وجزاؤه [يلق أثاما: أَي عقَابا]
والأثيم: كثير الْإِثْم
وَالْإِثْم والوزر: هما وَاحِد فِي الحكم الْعرفِيّ، وَإِن اخْتلفَا فِي الْوَضع، فَإِن وضع الْوزر للقوة لِأَنَّهُ من الْإِزَار، وَهُوَ مَا يُقَوي الْإِنْسَان، وَمِنْه الْوَزير
لَكِن غلب اسْتِعْمَاله لعمل الشَّرّ لمَكَان أَن صَاحب الْوزر يتقوى وَلَا يلين للحق وَوضع الْإِثْم للذة، وَإِنَّمَا خص بِهِ فعل الشَّرّ، لِأَن الشرور لذيذة
والذنب وَالْمَعْصِيَة: كِلَاهُمَا اسْم لفعل محرم يَقع الْمَرْء عَلَيْهِ عَن قصد فعل الْحَرَام بِخِلَاف الزلة، فَإِنَّهُ اسْم لفعل محرم يَقع الْمَرْء عَلَيْهِ عَن قصد فعل
стр. 27
الْحَلَال يُقَال: (زل الرجل فِي الطين) : إِذا لم يُوجد مِنْهُ الْقَصْد إِلَى الْوُقُوع وَلَا إِلَى الثَّبَات بعده، وَلَكِن وجد الْقَصْد إِلَى الْمَشْي فِي الطَّرِيق كَمَا وجد فِي الزلة قصد الْفِعْل لَا قصد الْعِصْيَان، وَإِنَّمَا يُعَاتب لتقصير مِنْهُ، كَمَا يُعَاتب من زل فِي الطين
وَقد تسمى الزلة مَعْصِيّة مجَازًا، وَيسْتَعْمل الذَّنب فِيمَا يكون بَين العَبْد وربه، وَفِيمَا يكون بَين إِنْسَان وإنسان وَغَيره، بِخِلَاف الْجنَاح فَإِنَّهُ ميل يسْتَعْمل فِيمَا بَين إِنْسَان وإنسان فَقَط
والحنث: أبلغ من الذَّنب، لِأَن الذَّنب يُطلق على الصَّغِيرَة والحنث يبلغ مبلغا يلْحقهُ فِيهِ الْكَبِيرَة
والجرم بِالضَّمِّ: لَا يُطلق إِلَّا على الذَّنب الغليظ، والمجرمون: هم الْكَافِرُونَ
والعصيان: بِحَسب اللُّغَة هُوَ الْمُخَالفَة لمُطلق الْأَمر لَا الْمُخَالفَة لِلْأَمْرِ التكليفي خَاصَّة، يرشدك إِلَيْهِ قَول عَمْرو بن الْعَاصِ لمعاوية:
(أَمرتك أمرا جَازِمًا فعصيتني)
والعاصي: من يفعل مَحْظُورًا لَا يَرْجُو الثَّوَاب بِفِعْلِهِ، بِخِلَاف المبتدع فَإِنَّهُ يَرْجُو بِهِ الثَّوَاب فِي الْآخِرَة والعاصي وَالْفَاسِق فِي الشَّرْع سَوَاء
الاثابة: هِيَ مَا يرجع للْإنْسَان من ثَوَاب أَعماله وتستعمل فِي المحبوب نَحْو: ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات﴾ وَفِي الْمَكْرُوه أَيْضا نَحْو: ﴿فأثابكم غما﴾ لكنه على الِاسْتِعَارَة
الِاثْنَان: هُوَ ضعف الْوَاحِد، من ثنيت الشَّيْء: إِذا عطفته، حذف اللَّام وَهُوَ الْيَاء؛ والهمزة فِي أَوله كالعوض عَن الْمَحْذُوف والمؤنث (اثْنَتَانِ) بإلحاق التَّاء وَإِن شِئْت قلت: (ثِنْتَانِ) ، كَمَا تَقول (بنتان) فِي (ابنتان) ؛ وَالْجمع (اثانين) ، وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا اكْتِفَاء عَنهُ بِالْوَاحِدِ، كَمَا لَا تَثْنِيَة للْوَاحِد
والاثنان: الغيران عِنْد الْجُمْهُور، وَقَالَت الأشاعرة: لَيْسَ كل اثْنَيْنِ غيرين، بل الغيران موجودان جَازَ انفكاكهما فِي حيّز أَو عدم، فَخرج بِقَيْد الْوُجُود الاعدام وَالْأَحْوَال أَيْضا؛ إِذْ لَا يثبتونها فَلَا يتَصَوَّر اتصافها بِالْغَيْر؛ وَخرج بِقَيْد جَوَاز الانفكاك أَيْضا مَا لَا يجوز انفكاكه كالصفة مَعَ الْمَوْصُوف والجزء مَعَ الْكل، فَإِنَّهُ لَا هُوَ وَلَا غَيره
الأثل: الطرفاء لَا ثَمَر لَهُ
والأثال: كسحاب وغراب: الْمجد والشرف
وأثل مأله تأثيلا: زَكَّاهُ
وأثل الرجل: كثر مَاله
الأثمد: بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْمِيم: اسْم مَوضِع
و [الإثمد] بكسرهما: حجر يكتحل بِهِ
الأثافي: الصخرات الَّتِي يوضع عَلَيْهَا الْقدر
ورماه بثالثة الأثافي: أَي بِالشَّرِّ كُله
الاثنوي: هُوَ من يَصُوم الِاثْنَيْنِ دَائِما
﴿اثاقلتم﴾ : تباطأتم
﴿وأخرجت الأَرْض أثقالها﴾ : مَا فِي جوفها
﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْم﴾ : أَي الْحَرَام أَو الْكَذِب
الأثام: الْعقُوبَة والاثم أَيْضا أَو وَاد فِي جَهَنَّم
﴿فأثرن بِهِ﴾ : فهيجن بِهِ
﴿أثخنتموهم﴾ : أَكثرْتُم قَتلهمْ وأغلظتم
стр. 28
﴿وأثاروا الأَرْض﴾ : قلبوا وَجههَا
﴿تحمل أثقالكم﴾ : أحمالكم ﴿مناع للخير مُعْتَد أثيم﴾ : متجاوز فِي الظُّلم كثير الآثام
﴿وَمَا يكذب بِهِ إِلَّا كل مُعْتَد أثيم﴾ : متجاوز عَن التفكر فِي الظُّلم، منهمك فِي الشَّهَوَات
(فصل الْألف وَالْجِيم)
[أجم] : كل بَيت مربع مسطح فَهُوَ أجم
وآجام الْأسد: غاباتها
الْإِجْمَال: أجمل إِلَيْهِ: أحسن
وأجمل الصَّنْعَة وَفِي الصَّنْعَة وأجمله: أَي: حسنه وكثره وزينه
وأجمل الْأَمر: أبهم وَمِنْه: الْمُجْمل: وَهُوَ مَا لَا يُوقف على المُرَاد مِنْهُ إِلَّا بِبَيَان من جِهَة الْمُتَكَلّم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وآتو حَقه يَوْم حَصَاده﴾
وَنَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَنَوع آخر شرعا لَا لُغَة كالعام الَّذِي خص مِنْهُ بعض مَجْهُول، فَيبقى الْمَخْصُوص مِنْهُ مَجْهُولا فَيصير مُجملا وَالْعَام الَّذِي اقترنت بِهِ صفة مَجْهُولَة مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم أَن تَبْتَغُوا بأموالكم﴾ فَإِنَّهُ لما قَيده بِصفة مَجْهُولَة وَهُوَ قَوْله (محصنين) وَلَا يدرى مَا الْإِحْصَان صَار قَوْله (وَأحل لكم) مُجملا
والمجمل يحمل على الْمُحكم، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا أدعى الْمَدْيُون الْإِيفَاء فشهدا بِالْإِبْرَاءِ أَو التَّحْلِيل جَازَت شَهَادَتهمَا؛ فَإِن الْإِبْرَاء أَو التَّحْلِيل يحْتَمل الْبَرَاءَة بالإيفاء والإسقاط، فَيحمل على الْبَرَاءَة الْمقيدَة بالإيفاء، بِقَرِينَة الْقَصْد، فكأنهما شَهدا بالإيفاء بِدلَالَة الْحَال وَهِي تَحْسِين الظَّن بِالشَّاهِدِ، لما أَن ظَاهر حَاله أَنه يُرِيد الْجِهَة الْمُوَافقَة للدعوى فَينزل ذَلِك منزلَة الْبَيَان لمجمل كَلَام الْمُدَّعِي، فَتكون الدَّعْوَى هُنَا مفسرة فَلَا حَاجَة إِلَى السُّؤَال
والإجمال: إِيرَاد الْكَلَام على وَجه يحْتَمل أمورا مُتعَدِّدَة وَالتَّفْصِيل: تعْيين تِلْكَ المحتملات
الْإِجْمَاع: هُوَ فِي اللُّغَة يُطلق على مَعْنيين: أَحدهمَا الْعَزْم التَّام، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم﴾ وَقَوله ﵊: " لَا صِيَام لمن لَا يجمع الصّيام من اللَّيْل " وَالْإِجْمَاع بِهَذَا الْمَعْنى يتَصَوَّر من الْوَاحِد
وَثَانِيهمَا: الِاتِّفَاق يُقَال: (أجمع الْقَوْم على كَذَا) : إِذا اتَّفقُوا
وَفِي الِاصْطِلَاح: يُطلق على اتِّفَاق الْمُجْتَهدين من أمة مُحَمَّد بعد زَمَانه فِي عصر على حكم شَرْعِي
وَمن عمم اقْتصر على حكم
وَالْإِجْمَاع: اتِّفَاق جَمِيع الْعلمَاء، والاتفاق: اتِّفَاق معظمهم وَأَكْثَرهم
وَلَا خلاف فِي أَن جَمِيع أهل الِاجْتِهَاد وَلَو اجْتَمعُوا على قَول وَاحِد من الْحل وَالْحُرْمَة، أَو الْجَوَاز وَالْفساد، أَو على وَاحِد نَحْو أَن يَفْعَلُوا بأجمعهم فعلا وَاحِدًا وَوجد الرضى من الْكل بطرِيق التَّنْصِيص على حكم من أُمُور الدّين يكون
стр. 29
ذَلِك إِجْمَاعًا وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا نَص الْبَعْض وَسكت الْبَاقُونَ لَا عَن خوف وضرورة بعد اشتهار القَوْل وانتشار الْخَبَر ومضي مُدَّة التَّأَمُّل فَقَالَ عَامَّة أهل السّنة يكون ذَلِك إِجْمَاعًا، وَيكون حجَّة، فَإِن مَا هُوَ حجَّة فِي حَقنا إِن كَانَ من الله يُوحى بِالروحِ الْأمين، وَقد تَوَاتر نَقله فَهُوَ الْكتاب، وَإِلَّا فَإِن كَانَ من الرَّسُول فَهُوَ السّنة؛ وَإِن كَانَ من غَيره، فَإِن كَانَ آراء جَمِيع الْمُجْتَهدين فَهُوَ الْإِجْمَاع، أَو رَأْي بَعضهم فَهُوَ الْقيَاس وَأما رَأْي غير الْمُجْتَهد سَوَاء كَانَ الْحَاكِم وَهُوَ الإلهام، أَو رَأْي غَيره وَهُوَ التَّقْلِيد، فَلَا يثبت بهما الحكم الشَّرْعِيّ، لعدم كَونهمَا حجَّة وَالْجُمْهُور على أَنه لَا يجوز الْإِجْمَاع إِلَّا عَن سَنَد من دَلِيل أَو أَمارَة، لِأَن عدم السَّنَد يسْتَلْزم الْخَطَأ، إِذْ الحكم فِي الدّين بِلَا دَلِيل خطأ، وَيمْتَنع إِجْمَاع الْأمة على الْخَطَأ
وَمُخَالفَة الْإِجْمَاع حرَام، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَسَاءَتْ مصيرا﴾ وَكفر جَاحد الْإِجْمَاع لَيْسَ بكلي أَلا يرى أَن متروكة التَّسْمِيَة عمدا مُحرمَة عِنْد الْحَنَفِيَّة، ثَابِتَة بِالْإِجْمَاع؛ مَعَ أَن الشَّافِعِي قَائِل بحلها وَالْخلْوَة الصَّحِيحَة كَالْوَطْءِ عِنْد الْحَنَفِيَّة بِالْإِجْمَاع، وَلَيْسَ كَذَلِك عِنْد الشَّافِعِي، وترث زَوْجَة الفار عِنْد الْحَنَفِيَّة بِالْإِجْمَاع، وَلم تَرث عِنْد الشَّافِعِي، وَأَشْبَاه ذَلِك
وَالِاسْتِدْلَال على حجية الْإِجْمَاع بقوله تَعَالَى: ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ إِلَخ لَيْسَ بتام
[والعامة تمسكوا فِي حجية الْإِجْمَاع بِالدَّلِيلِ النقلي، وَأَنه يَنْقَسِم إِلَى مُصَرح بِهِ وَإِلَى مُقَدّر أما الْمُصَرّح بِهِ فَقَوله تَعَالَى: ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وتنهون عَن الْمُنكر﴾ فَلَو اتَّفقُوا على مُنكر لما نهوا عَنهُ وَكَانَ (لما) نَاقِصَة أَو تَامَّة أَو زَائِدَة فَلَا دلَالَة فِيهَا على عدم كَونهم كَذَلِك فِي الْحَال وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَالْحكم الْمجمع عَلَيْهِ سَبِيل الْمُؤمنِينَ مَا يخْتَار لنَفسِهِ قولا وفعلا فَيجب اتباعهم فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى جعل مُخَالفَة سَبِيل الْمُؤمنِينَ أحد أَسبَاب اسْتِحْقَاق النَّار وَأما النقلي الْمُقدر فَهُوَ أَنا نستدل بِالْعَادَةِ المطردة أَن جمعا من الْعلمَاء الْمُتَّقِينَ الْبَالِغين عَددهمْ التَّوَاتُر لم يجز عَلَيْهِم الِاتِّفَاق على الْكَذِب، فَإِذا قطعُوا بتخطئة الْمُخَالف دلنا ذَلِك أَنه بَلغهُمْ نَص من رَسُول الله ﷺ وَإِن لم ينْقل إِلَيْنَا لاحْتِمَال أَنهم استغنوا بِالْإِجْمَاع عَن الدَّلِيل أَو نقل ثمَّ اندرس والتمسك بِهَذَا أولى مِمَّا يحْتَمل وُجُوهًا، على أَن التَّمَسُّك بالظواهر إِنَّمَا بثبت بِالْإِجْمَاع فَلَزِمَ الدّور وَالِاخْتِلَاف على الْأَقْوَال الثَّلَاثَة إِجْمَاع مِنْهُم على بطلَان القَوْل الرَّابِع؛ وَهَذَا وَارِد فِي كل مَوضِع كاختلاف عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة فِي حكم المَاء الْمُسْتَعْمل على الْأَقْوَال الثَّلَاثَة من كَونه نَجَاسَة غَلِيظَة وخفيفة وطاهر أَو غير طَاهِر فَقَوْل سيدنَا مَالك وَالْإِمَام الشَّافِعِي ﵏ بِأَنَّهُ طَاهِر ومطهر قَول رَابِع يُخَالف الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فَهُوَ مَحْكُوم بِالْبُطْلَانِ عِنْد الثَّلَاثَة لوُقُوعه مُخَالفا لإِجْمَاع الثَّلَاثَة]
ثمَّ الْإِجْمَاع على مَرَاتِب: إِجْمَاع الصَّحَابَة وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْآيَة وَالْخَبَر الْمُتَوَاتر يكفر جاحده ثمَّ
стр. 30
إِجْمَاع من بعدهمْ فِيمَا لم يرو فِيهِ الصَّحَابَة وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْخَبَر الْمَشْهُور يضلل جاحده ثمَّ إِجْمَاعهم فِيمَا رُوِيَ خلافهم لَا يضلل جاحده وَنقل الْإِجْمَاع إِلَيْنَا قد يكون بالتواتر فَيُفِيد الْقطع؛ وَقد يكون بالشهرة فَيقرب مِنْهُ وَقد يكون بِخَبَر الْوَاحِد فَيُفِيد الظَّن وَيُوجب الْعَمَل وَالِاخْتِلَاف فِي الْعَصْر الأول لَا يمْنَع انْعِقَاد الْإِجْمَاع فِي الْعَصْر الثَّانِي عندنَا وتخطئة الصَّحَابَة من حَيْثُ الْعَمَل دون الِاعْتِقَاد لَا يُسمى تضليلا، لِأَن التضليل يجْرِي فِي العقليات وَفِيمَا كَانَ من بَاب الِاعْتِقَاد دون الشرعيات، لِأَن الحكم الشَّرْعِيّ جَازَ أَن يكون على خلاف مَا شرع، وعَلى الْمُجْتَهد الْعَمَل فِي الشرعيات
الِاجْتِهَاد: افتعال من جهد يجْهد: إِذا تَعب؛ والافتعال فِيهِ للتكلف لَا للطوع؛ وَهُوَ بذل المجهود فِي إِدْرَاك الْمَقْصُود ونيله وَفِي عرف الْفُقَهَاء: هُوَ استفراغ الْفَقِيه الوسع، بِحَيْثُ يحس من نَفسه الْعَجز عَن الْمَزِيد عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لتَحْصِيل ظن بِحكم شَرْعِي، وَلَا يُكَلف الْمُجْتَهد بنيل الْحق وإصابته بِالْفِعْلِ، إِذْ لَيْسَ ذَلِك فِي وَسعه لغموضه وخفاء دَلِيله، بل ببذل الْجهد واستفراغ الطَّاقَة فِي طلبه، وَلَيْسَ فِيهِ تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق أصلا، خلافًا لجمهور الْمُعْتَزلَة والأشاعرة فِي صُورَة عدم تعدد الْحق والتكليف بِالِاجْتِهَادِ فِي العمليات
وأجمعت الْأمة على أَن الْمُجْتَهد قد يُخطئ ويصيب فِي العقليات، إِلَّا على قَول الْحسن الْعَنْبَري من الْمُعْتَزلَة
وَاخْتلفُوا فِي الشرعيات؛ والمروي عَن أبي حنيفَة أَن كل مُجْتَهد مُصِيب، وَالْحق عِنْد الله وَاحِد، مَعْنَاهُ: أَنه مُصِيب فِي الطّلب وَإِن أَخطَأ الْمَطْلُوب
[يحْكى أَن صَاحب " الْبَدَائِع " وَهُوَ أَبُو بكر الكاشاني نَاظر مَعَ فَقِيه فِي مَسْأَلَة وَهِي أَن الْمُجْتَهدين هَل هما مصيبان أم أَحدهمَا مُخطئ؟ فَقَالَ الْفَقِيه: الْمَنْقُول عَن أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن كل مُجْتَهد مُصِيب؟ فَقَالَ: لَا بل الصَّحِيح عَن أبي حنيفَة ﵀ أَنَّهُمَا مُصِيب ومخطئ وَمَا تَقوله فِي مَذْهَب الْمُعْتَزلَة]
وَالْإِجْمَاع على عدم الْعذر للمخطئ الْمُجْتَهد فِي طلب عقائد الْإِسْلَام وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِي وفَاقا لِلْجُمْهُورِ أَن الْمُصِيب فِي الشرعيات وَاحِد، وَللَّه تَعَالَى فِيهَا حكم قبل الِاجْتِهَاد، وَأَن عَلَيْهِ أَمارَة، وَأَن الْمُجْتَهد مُكَلّف بإصابته، وَأَن الْمُخطئ لَا يَأْثَم بل يُؤجر لبذله وَسعه فِي طلبه، كَمَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث الِاجْتِهَاد
واتفقنا على أَن الْحق فِي العقليات وَاحِد، وَأَن الْمُجْتَهد فِيهَا يُخطئ ويصيب وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْعَنْبَري من أَن الْحق فِيهَا حُقُوق، وَأَن كل مُجْتَهد فِيهَا مُصِيب بَاطِل لما فِيهِ من تصويب الدهري والثنوي وَالنَّصَارَى والمجسمة والمشبهة، وَجعل كل فريق على الْحق وَهُوَ محَال
وَأما فِي الشرعيات فَمَا ثَبت بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ فَالْحق فِيهِ وَاحِد حَتَّى يكفر راده ويضلل جاحده وَمَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد فقد اخْتلفُوا فِيهِ قَالَت الْمُعْتَزلَة: الْحق فِيهَا حُقُوق؛ وَقَالَ أهل السّنة: الْحق فِيهَا وَاحِد معِين، لِأَن الْجمع بَين النقيضين المتنافيين وَهُوَ الْحل وَالْحُرْمَة، وَالصِّحَّة وَالْفساد فِي حق شخص وَاحِد، فِي مَحل وَاحِد، فِي زمَان وَاحِد من بَاب التَّنَاقُض؛ وَنسبَة التَّنَاقُض إِلَى
стр. 31
الشَّرْع محَال وَلِهَذَا اتفقنا على أَن الْحق فِي العقليات وَاحِد؛ لِأَن القَوْل بِوُجُود الصَّانِع وَعَدَمه وحدوث الْعَالم وَقدمه تنَاقض بَين
وَمن جملَة مقالتهم الْفَاسِدَة أَن اجْتِهَاد الْمُجْتَهد فِي الحكم كاجتهاد الْمُصَلِّي فِي أَمر الْقبْلَة عِنْد التباسها وَالْحق فِي أَمر الْقبْلَة مُتَعَدد اتِّفَاقًا، فَكَذَا هَهُنَا لعدم الْفرق
وَالْجَوَاب: أَنا لَا نسلم تعدد الْحق فِي أَمر الْقبْلَة، إِذْ لَو تعدد لما فَسدتْ صَلَاة مُخَالف الإِمَام عَالما حَاله؛ إِذْ لَو كَانَ كل مُجْتَهد مصيبا لصَحَّ صَلَاة الْمُخَالف، لإصابتهما جَمِيعًا فِي جِهَة الْقبْلَة، نظرا إِلَى الْوَاقِع؛ وَفَسَاد الصَّلَاة يدل على حَقِيقَة مَذْهَبنَا
وَاخْتلف فِي الِاجْتِهَاد للنَّبِي ﵊
قَالَ بَعضهم: يمْتَنع لَهُ الِاجْتِهَاد لقدرته على الْيَقِين فِي الحكم بالتلقي من الْوَحْي بِأَن ينتظره وَقَالَ بَعضهم بِالْجَوَازِ والوقوع فِي الآراء والحروب فَقَط، جمعا بَين الْأَدِلَّة المجوزة والمانعة وَأكْثر الْمُحَقِّقين على الْوَقْف، حَكَاهُ الإِمَام فِي " الْمَحْصُول "
[وَقَالَ بَعضهم: لَهُ الْوَحْي الْخَاص وَإِنَّمَا الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد حَظّ أمته وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ بَعضهم: كَانَ لَهُ الْعَمَل فِي أَحْكَام الشَّرْع بِالْوَحْي لَا الرَّأْي جَمِيعًا وَهُوَ مَنْقُول عَن أبي يُوسُف ﵀ وَهُوَ مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي ﵀ وَعَامة أهل الحَدِيث، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَالنَّبِيّ ﷺ أعظم النَّاس بَصِيرَة وأصفاهم فطنة وَأَحْسَنهمْ استنباطا فَكَانَ أولى بِالدُّخُولِ تَحت هَذَا الْخطاب الْعَام، وَالصَّحِيح أَنه كَانَ مَأْمُورا بانتظار الْوَحْي فِي حَادِثَة لَيْسَ فِيهَا وَحي، ثمَّ إِذا انْقَطع طمعه عَن الْوَحْي فِي بَيَان حَال الْحَادِثَة الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِ يعْمل بِالِاجْتِهَادِ كَمَا فِي انْتِظَار الْمُتَيَمم، ثمَّ اخْتلفُوا فِي جَوَاز خطئه فِي اجْتِهَاده]
وَالصَّحِيح جَوَازه لَهُ فِيمَا لَا نَص فِيهِ، ووقوعه لقَوْله تَعَالَى: ﴿عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم﴾ أَي: لمن ظهر نفاقهم فِي التَّخَلُّف عَن غَزْوَة تَبُوك، لَكِن لَا يجوز إِقْرَاره على الْخَطَأ، بل يُنَبه عَلَيْهِ فِي الْحَال، وَإِلَّا لَأَدَّى إِلَى أَمر الْأمة بِاتِّبَاع الْخَطَأ وَقيل: الصَّوَاب أَن اجْتِهَاده لَا يُخطئ تَنْزِيها لمنصب النُّبُوَّة عَن ذَلِك واجتهاد الصَّحَابِيّ أقرب من اجْتِهَاد التَّابِعِيّ لما لَهُم من الدرجَة الزَّائِدَة وَلَهُم زِيَادَة جهد وحرص فِي طلب الْحق
وَالِاجْتِهَاد على مَرَاتِب: بَعْضهَا فَوق بعض فَيجب الْعَمَل بِمَا فِيهِ احْتِمَال الْغَلَط أقل، وَلِهَذَا قُلْنَا: خبر الْوَاحِد مقدم على الْقيَاس؛ وَالِاجْتِهَاد لَا ينْقض بِمثلِهِ، لِأَن الثَّانِي لَيْسَ بأقوى من الأول، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يسْتَقرّ حكم، وَفِيه مشقة، فَلَو حكم القَاضِي برد شَهَادَة الْفَاسِق ثمَّ تَابَ فَأَعَادَهَا لم تقبل، لِأَن قبُول شَهَادَته بعد التَّوْبَة يتَضَمَّن نقض الِاجْتِهَاد بِالِاجْتِهَادِ
وَالِاجْتِهَاد قد يكون فِي مورد النَّص: كالاجتهاد فِي قَوْله ﵊: " الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا
وَالْقِيَاس شَرطه فقد النَّص فالاجتهاد يُوجد بِدُونِ
стр. 32
الْقيَاس، وَلَا يُوجد الْقيَاس بِدُونِ الِاجْتِهَاد؛ وتبدل رَأْي الْمُجْتَهد بِمَنْزِلَة انتساخ النَّص، يعْمل بِهِ فِي الْمُسْتَقْبل لَا فِيمَا مضى
[وَلَا يرجح الِاجْتِهَاد بِكَثْرَة الْمُجْتَهدين بِخِلَاف الرِّوَايَة فَإِنَّهَا ترجح بِكَثْرَة الروَاة]
الِاجْتِمَاع: هُوَ حُصُول المتحيزين فِي حيزين بِحَيْثُ يُمكن أَن يتوسطهما ثَالِث واجتماع المثلين فِي مَوضِع وَاحِد مُسْتَحِيل، وَأما عرُوض أَحدهمَا على الآخر فَلَا اسْتِحَالَة فِيهِ، كَمَا فِي قَوْلهم: (الْوُجُود مَوْجُود) وَأَيْضًا استحالته لَيْسَ مثل اسْتِحَالَة اجْتِمَاع النقيضين واجتماع الضدين محَال كالسواد وَالْبَيَاض، بِخِلَاف الخلافين فَإِنَّهُمَا أَعم من الضدين، فيجتمعان من حَيْثُ الأعمية كالسواد والحلاوة وَيجوز فِي كل من الضدين والخلافين والمثلين ارتفاعهما بضد آخر، أَو بِخِلَاف آخر، أَو بِمثل آخر؛ وَأما النقيضان فَلَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان، وشرطهما أَن يكون أَحدهمَا وجوديا وَالْآخر عدميا كالقيام وَعَدَمه
واجتماع النقيضين مَوْجُود فِي الذِّهْن مَعْنَاهُ أَن إِدْرَاك الذِّهْن النقيضين مَوْجُود فِي الْخَارِج، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن اجْتِمَاع النقيضين لَهُ مَاهِيَّة أَو صُورَة مَوْجُودَة فِي الذِّهْن؛ فَإِن الممتنعات لَيست لَهَا ماهيات وحقائق مَوْجُودَة فِي الْعقل، فَإِن الْوُجُود عين الْمَاهِيّة، فَمَا لَا وجود لَهُ مَاهِيَّة لَهُ، لَا سِيمَا إِذا كَانَ مُمْتَنعا، فَإِنَّهُ لَا ثُبُوت لَهُ اتِّفَاقًا
واجتماع الْأَمْثَال مَكْرُوه، وَلِهَذَا قلبت الْيَاء الثَّانِيَة من الْحَيَوَان واوا، وَإِن كَانَ الْوَاو أثقل مِنْهَا، كَذَا فِي (دِينَار) و (قِيرَاط) و (ديوَان) وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي الْجمع: (أخون) و (أبون) حَيْثُ أجري الْجمع على حكم الْمُفْرد حذار اجْتِمَاع ضمات أَو كسرات وَلما كَانَ هَذَا الْمَانِع مفقودا فِي التَّثْنِيَة رد الْمَحْذُوف فَقيل: (أَخَوان) و (أَبَوَانِ)
واجتماع العاملين على مَعْمُول وَاحِد غير جَائِز
وَلِهَذَا رد قَول من قَالَ: إِن الْفِعْل وَالْفَاعِل مَعًا عاملان فِي الْمَفْعُول، والابتداء والمبتدأ مَعًا عاملان فِي الْخَبَر؛ والمتبوع وعامله مَعًا عاملان فِي التَّابِع
وَإِذا اجْتمع العاملان فإعمال الْأَقْرَب جَائِز بالِاتِّفَاقِ، وَفِي الْأَبْعَد اخْتِلَاف مَنعه البصريون وَجوزهُ الْكُوفِيُّونَ
وَإِذا اجْتمعت همزتان متفقتان فِي كَلِمَتَيْنِ نَحْو: (جَاءَ أَجلهم) جَازَ حذف إِحْدَاهمَا تَخْفِيفًا وَفِي الْمَحْذُوف اخْتِلَاف فَقيل: الْمَحْذُوف هُوَ الأولى لِأَنَّهَا وَقعت آخر الْكَلِمَة مَحل التَّغْيِير، وَقيل: الثَّانِيَة
وَإِذا اجْتمعت همزَة الِاسْتِفْهَام مَعَ همزَة قطع نَحْو: ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾
فَإِنَّهَا ترسم بِالْألف الْوَاحِدَة وتحذف الْأُخْرَى
وَاخْتلف فِي المحذوفة فَقيل: الأولى، لِأَن الْأَصْلِيَّة أولى بالثبوت، وَقيل: الثَّانِيَة، لِأَن بهَا يحصل الاستثقال
وَإِذا اجْتمع نون الْوِقَايَة وَنون (إِن) و (أَن) و (كَأَن) و (لَكِن) جَازَ حذف أَحدهمَا وَفِي الْمَحْذُوف قَولَانِ: أَحدهمَا، نون الْوِقَايَة، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، وَقيل: نون (إِن)
[وَإِذا اجْتمعت الهمزتان فِي كلمة وَاحِدَة: فالمختار عِنْدهم أَن تحذف إِحْدَاهمَا أَو تخفف،
стр. 33
لِأَن حذف إِحْدَاهمَا أَو تخفيفها أخف من الْإِدْغَام إِلَّا فِي بَاب (فعال) بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد فَإِنَّهُ بَاب قيامي حوفظ عَلَيْهِ مَعَ وجود الْمدَّة بعْدهَا فَكَانَت مسهلة لأمرهما]
وَإِذا اجْتمعت همزَة الِاسْتِفْهَام مَعَ حرف الْعَطف [نَحْو: (أَو من كَانَ مَيتا) ] فَحِينَئِذٍ تدخل همزَة الِاسْتِفْهَام فِي الْمُقدر لرعاية حَقّهَا
وَإِذا اجْتمع اسمان من جنس وَاحِد، وَكَانَ أَحدهمَا أخف على أَفْوَاه الْقَائِلين غلبوه فسموا الآخر باسمه ك (العمرين)
[وَإِذا اجْتمع سَبَب الإعلال وَسبب الْإِدْغَام قدم الإعلال، لِأَن سَببه مُوجب وَسبب الْإِدْغَام مجوز يدل عَلَيْهِ امْتنَاع الفتحة فِي (رَضِي) وَجَوَاز الفك فِي (حَيّ) ]
وَإِذا اجْتمع فعلان متقاربان فِي الْمَعْنى، وَلكُل وَاحِد مُتَعَلق على حِدة، جَازَ ذكر أَحدهمَا وَعطف مُتَعَلق الآخر الْمَتْرُوك على [مُتَعَلق] الْمَذْكُور، كَقَوْلِه: (مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا)
وَإِذا اجْتمع طالبان نَحْو الْقسم وَالشّرط فَالْجَوَاب للْأولِ
وَإِذا اجْتمع ضميران: مُتَكَلم ومخاطب، روعي الْمُتَكَلّم نَحْو (قمنا)
وَإِذا اجْتمع الْمُخَاطب وَالْغَائِب: روعي الْمُخَاطب نَحْو (قمتما)
وَإِذا اجْتمع الْمُخَاطب وَالْغَائِب: روعي الْمُخَاطب نَحْو (قمتما)
وَإِذا اجْتمع الْمعرفَة والنكرة: روعي الْمعرفَة
تَقول: (هَذَا زيد وَرجل منطلقين) على الْحَال؛ وَلَا يجوز الرّفْع والأعدل فِيمَا إِذا اجْتمعَا أَن يكون الْمعرفَة اسْما والنكرة خَبرا، وَلَا يجوز الْعَكْس إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر
واجتماع المعرفتين جَائِز إِذا كَانَ فِي أَحدهمَا مَا فِي الآخر وَزِيَادَة
وَإِذا اجْتمع الْوَاو وَالْيَاء: روعي الْيَاء نَحْو (طويت طيا) وَالْأَصْل (طويا)
وَإِذا اجْتمع فِي الضمائر مُرَاعَاة اللَّفْظ وَالْمعْنَى بُدِئَ بِاللَّفْظِ ثمَّ بِالْمَعْنَى هَذَا هُوَ الجادة فِي الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿وَمَا هم بمؤمنين﴾ أفرد أَولا بِاعْتِبَار اللَّفْظ، ثمَّ جمع بِاعْتِبَار الْمَعْنى
وَإِذا اجْتمع الْمُبَاشر والمتسبب: أضيف الحكم إِلَى الْمُبَاشر، فَلَا ضَمَان على حافر الْبِئْر تَعَديا بِمَا تلف بإلقاء غَيره، وَلَا من دلّ سَارِقا على مَال إِنْسَان فسرقه، إِلَّا إِذا تعذر الْوُقُوف على الْمُبَاشر، فَحِينَئِذٍ يعلق الحكم بِالسَّبَبِ الظَّاهِر، كَمَا إِذا اجْتمع الْقَوْم بِالسَّيْفِ وَتَفَرَّقُوا، فَظهر فِي مَوضِع الِاجْتِمَاع قَتِيل حَيْثُ تجب الدِّيَة والقامة على أهل الْمحلة
وَإِذا اجْتمع الْحَلَال وَالْحرَام: غلب الْحَرَام
وَعلله الأصوليون بتقليل النّسخ، لِأَنَّهُ لَو قدم الْمُبِيح لزم تكْرَار النّسخ، لِأَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة، فَإِذا جعل الْمُبِيح مُتَأَخِّرًا كَانَ الْمحرم نَاسِخا للْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة ثمَّ يصير مَنْسُوخا؛ وَلَو جعل الْمحرم مُتَأَخِّرًا لَكَانَ نَاسِخا للمبيح، وَهُوَ لم ينْسَخ شَيْئا لكَونه وفْق الأَصْل
وَإِذا اجْتمع الحقان قدم حق العَبْد إِلَّا فِي صُورَة صيد الْمحرم قدم حق الله تَعَالَى
стр. 34
الْأجر: الْجَزَاء على الْعَمَل كَالْإِجَارَةِ، وَالذكر الْحسن وَأَجَارَهُ الله من الْعَذَاب: أنقذه وَنعم مَا قَالَ من قَالَ: (من أَجَارَ جَاره أَعَانَهُ الله وَأَجَارَهُ)
وَقَالَ بَعضهم: الْأجر وَالْأُجْرَة يُقَال فِيمَا كَانَ عقدا وَمَا يجْرِي مجْرى العقد، وَلَا يُقَال إِلَّا فِي النَّفْع
وَالْجَزَاء: يُقَال فِيمَا كَانَ عَن عقد وَعَن غير عقد، وَيُقَال فِي النافع والضار
والأجير: هُوَ الْمُسْتَأْجر بِفَتْح الْجِيم، فعيل بِمَعْنى مفاعل بِفَتْح الْعين، أَو فَاعل وَمن الظَّن أَنه مفعول أَو مفاعل بِالْكَسْرِ فَإِنَّهُ سَمَاعي وَاخْتلف فِي قَوْلهم: (أجرت الدَّار أَو الدَّابَّة) بِمَعْنى أكريتها هَل هُوَ (أفعل) أَو (فَاعل) وَالْحق أَنه بِهَذَا الْمَعْنى مُشْتَرك بَينهمَا، لِأَنَّهُ جَاءَ فِيهِ لُغَتَانِ: إِحْدَاهمَا (فَاعل) ومضارعه (يُؤَاجر) وَالْأُخْرَى (أفعل) ومضارعه (يُؤجر) ، وَجَاء لَهُ مصدران: فالمؤاجرة مصدر (فَاعل) و (الْإِيجَار) مصدر (أفعل) ، وَالْمَفْهُوم من " الأساس " وَغَيره اخْتِصَاص (آجرت الدَّابَّة) بِبَاب: أفعل واختصاص: (آجرت الْأَجِير) بِبَاب: فَاعل وَاسم الْفَاعِل من الأول (مؤجر) وَاسم الْمَفْعُول (مؤجر) ، وَمن الثَّانِي اسْم الْفَاعِل (مؤاجر) وَاسم الْمَفْعُول (مؤاجر) وَقَالَ الْمبرد: " أجرت دَاري ومملوكي غير مَمْدُود، وآجرت فلَانا بِكَذَا: أَي أثْبته فَهُوَ مَمْدُود " وَقيل: (أجرته) بِالْقصرِ يُقَال إِذا اعْتبر فعل أَحدهمَا، و (آجرته) بِالْمدِّ، يُقَال إِذا اعْتبر فعلاهما، وَكِلَاهُمَا يرجعان إِلَى معنى [وَاحِد]
وَالْإِجَارَة: شرعا: تمْلِيك الْمَنَافِع بعوض
والإعارة: تمْلِيك الْمَنَافِع بِغَيْر عوض
والأجير الْخَاص: هُوَ الَّذِي يسْتَحق الْأُجْرَة بِتَسْلِيم نَفسه فِي الْمدَّة، عمل أَو لم يعْمل، كراعي الْغنم
والأجير الْمُشْتَرك: هُوَ من يعْمل لغير وَاحِد، كالصباغ
الإجراء: مَعْنَاهُ ظَاهر
إِجْرَاء اللَّازِم مجْرى غير اللَّازِم: كَقَوْلِه: الْحَمد لله الْعلي الأجلل وَبِالْعَكْسِ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَكنا هُوَ الله رَبِّي﴾ أَصله: (لَكِن أَنا) خففت الْهمزَة بحذفها وإبقاء حركتها على نون (لَكِن) فَصَارَت (لكننا) فَأجرى غير اللَّازِم مجْرى اللَّازِم فاستثقل إبْقَاء المثلين متحركين، فأسكن الأول وأدغم فِي الثَّانِي
[وإجراء الظّرْف مجْرى الْمَفْعُول بِهِ: كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَذَلِكَ يَوْم مشهود﴾ ] وإجراء الْمُتَعَدِّي مجْرى غير الْمُتَعَدِّي: حَيْثُ يكون الْمَفْعُول سَاقِطا عَن حيّز الِاعْتِبَار، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وتركهم فِي ظلمات لَا يبصرون﴾ أَو يكون الْمُتَعَدِّي نقيضا لغير الْمُتَعَدِّي، فَإِن من دأبهم حمل النقيض على النقيض، كَفعل الْإِيمَان فَإِنَّهُ يعدى بِالْبَاء حَيْثُ قصد التَّصْدِيق الَّذِي هُوَ نقيض الْكفْر
وإجراء غير الْمُتَعَدِّي مجْرى الْمُتَعَدِّي: هُوَ طَريقَة الْحَذف والإيصال، أَو اعْتِبَار مَا فِي اللَّازِم من معنى الْمُبَالغَة، فَإِن ذَلِك قد يصلح أَن يكون سَببا للتعدية من غير أَن ينْتَقل اللَّازِم من صيغته إِلَى صِيغَة الْمُتَعَدِّي ويتغير مَعْنَاهُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي
стр. 35
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَاء طهُورا﴾ أَي: بليغا فِي طَهَارَته، وبلاغته فِي طَهَارَته بِأَن كَانَ طَاهِرا فِي نَفسه ومطهرا لغيره، أَو بِاعْتِبَار مَا فِي غير الْمُتَعَدِّي من الاشتهار بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي أَو بِاعْتِبَار التَّضْمِين
وإجراء الْأَكْثَر مجْرى الْكل: إِنَّمَا يجوز فِي الصُّورَة الَّتِي يكون الْخَارِج عَن الحكم حَقِيرًا قَلِيل الْقدر، فَيجْعَل وجوده كَعَدَمِهِ وَيحكم على الْبَوَاقِي بِحكم الْكل
وإجراء الْأَصْلِيّ مجْرى الزَّائِد: كَقَوْلِهِم فِي النّسَب إِلَى (تَحِيَّة) (تحوي) وَبِالْعَكْسِ كَقَوْلِهِم فِي تَثْنِيَة مَا همزته منقلبة عَن حُرُوف الْإِلْحَاق نَحْو: (علْبَاء) و (حرباء) (عُلَبًا آن) و (حَربًا آن) بِالْإِقْرَارِ تَشْبِيها لَهَا بالمنقلبة عَن الْأَصْلِيّ
وإجراء الْوَصْل مجْرى الْوَقْف: كَمَا فِي قِرَاءَة نَافِع ﴿محياي﴾ بِإِسْكَان الْيَاء
وإجراء الِاسْم مجْرى الصّفة: كَقَوْلِه: (الطير أغربة عَلَيْهِ) أَي: باكية عَلَيْهِ بكاء الْغرْبَان
وإجراء الْموَات وَمَا لَا يعقل مجْرى بني آدم: كَقَوْلِهِم فِي جمع (أَرض) (أرضون) وَفِي التَّنْزِيل: ﴿كل فِي فلك يسبحون﴾
وإجراء الضَّمِير مجْرى اسْم الْإِشَارَة: كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن أَخذ الله سمعكم وأبصاركم وَختم على قُلُوبكُمْ من إِلَه غير الله يأتيكم بِهِ﴾ أَي بذلك
ومجرى: فِي أَمْثَال هَذِه الْمَوَاضِع مفعول مُطلق، فَحِينَئِذٍ كَانَ الْأَظْهر جعله ك (مُوسَى) دون (مرضِي)
الْإِجْزَاء: بِالْكَسْرِ هُوَ الْفِعْل الْكَافِي فِي سُقُوط مَا فِي الْعهْدَة، ومورده أخص من مورد الصِّحَّة، فَإِن الصِّحَّة يُوصف بهَا الْعِبَادَة وَالْعقد
والإجزاء: لَا يُوصف بِهِ إِلَّا الْعِبَادَة؛ وَهل هُوَ يخْتَص بِالْوُجُوب أَو يعم الْمَنْدُوب فِيهِ قَولَانِ لأهل الْأُصُول
والإجزاء: يُقَابله الْعَدَم، وَالصِّحَّة يقابلها الْبطلَان
والاجتباء: هُوَ أَن تَأْخُذ الشَّيْء بِالْكُلِّيَّةِ، (افتعال) من (جبيت) أَصله: جمع المَاء فِي الْحَوْض
والجباية: الْحَوْض ﴿وجفان كالجواب﴾
واجتباه: أَي اصطفاه وَاخْتَارَهُ
والإجباء: بيع الزَّرْع قبل أَن يَبْدُو صَلَاحه
وَفِي الحَدِيث: " من أجبى فقد أربى "
الْإِجْبَار: فِي الأَصْل حمل الْغَيْر على الْأَمر، تعورف فِي الْإِكْرَاه الْمُجَرّد فَقيل: (أجْبرهُ على كَذَا) أَي: أكرهه فَهُوَ (مجبر)
(وجبرت الْعظم وَالْفَقِير) : فَهُوَ (مجبور)
والجبر: بِمَعْنى الْملك، سمي بذلك لِأَنَّهُ يجْبر بجوده
الْأَجَل: الْوَقْت الَّذِي كتب الله فِي الْأَزَل انْتِهَاء الْحَيَاة فِيهِ بقتل أَو غَيره؛ وَقيل: يُطلق على مُدَّة
стр. 36
الْحَيَاة كلهَا وعَلى مُنْتَهَاهَا؛ يُقَال لعمر الْإِنْسَان أجل، وللموت الَّذِي يَنْتَهِي بِهِ أجل [قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ : المُرَاد بالأجل الأول آجال الماضين، وَبِالثَّانِي آجال البَاقِينَ، أَو الأول أجل الْمَوْت وَالثَّانِي أجل الْقِيَامَة والبعث والنشور أَو مَا بَين أَن يخلق إِلَى أَن يَمُوت، وَالثَّانِي هُوَ النّوم؛ أَو مَا انْقَضى من عمر كل وَاحِد وَمَا بَقِي]
وَفِي " الْأَنْوَار ": ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا﴾ أجل الْمَوْت ﴿وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ أجل الْقِيَامَة وَالْأول سماوي لكَونه من الزَّمَان الَّذِي هُوَ مِقْدَار أسْرع الحركات السماوية عِنْد الفلاسفة وَهَذَا بَاطِل على تَقْدِير تقدم خلق الأَرْض على قَول الْأَكْثَرين لتحَقّق الزَّمَان من قبل الأفلاك، وَهَذَا الْأَجَل قدر وَكتب فِي الجباه وَالثَّانِي وَهُوَ (أجل مُسَمّى) أَي معِين فِي حق الْكل، وَهُوَ عِنْده، لَا يُعلمهُ سواهُ، وَلم يكْتب فِي الجباه، بِدَلِيل ترك ذكر (قضى) لعدم اخْتِصَاصه بأربابها، ويكذب المتمسكين بِهَذِهِ الْآيَة من الْحُكَمَاء الإسلامية على أَن للْإنْسَان أجلين: اخترامي، وَهُوَ الَّذِي يحصل بالأسباب الخارجية وطبيعي وَهُوَ الَّذِي يحصل بِفنَاء الرُّطُوبَة وَعدم الْحَار الغريزي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره﴾ مَحْمُول على إِرَادَة النَّقْص عَن الْخَيْر وَالْبركَة، كَمَا فِي زِيَادَة الرزق ونقصه، أَو مؤول بإرجاع الضَّمِير إِلَى مُطلق المعمر لَا الشَّخْص المعمر بِعَيْنِه، أَي لَا ينقص عمر شخص من أَعمار أضرابه وَعَلِيهِ جُمْهُور الْمُفَسّرين
[وَحَدِيث: " لَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر " فَقيل إِنَّه خبر الْوَاحِد فَلَا يعْتَمد فِي هَذَا الْبَاب وَقد يُقَال: (زِيَادَة الْعُمر ونقصانه) إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أثْبته الْمَلَائِكَة فِي صحيفتهم، إِذْ قد يثبت فِيهِ الشَّيْء مُطلقًا وَهُوَ فِي علم الله مُقَيّد، فيؤول إِلَى مُوجب علم الله على مَا أُشير إِلَيْهِ بقوله: ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ إِلَخ]
وَقد نظمت فِي زِيَادَة الْأَجَل ونقصه:
(لنا مَوَازِين عِنْد الدَّهْر قد نصبت ... بهَا مقادير أَعمار بِلَا ملل)
(يضم إِن شَاءَ من بعث لنا أَََجَلًا ... وَلَو يَشَاء يزِيد الْبَعْث من أجل)
وَالْأَجَل: حُلُول الدّين
وفعلته من إجلك وإجلاك: بِالْكَسْرِ فيهمَا أَي: من جللك
الْأَجَل فِي الأَصْل: مصدر أجل شرا: إِذا جناه؛ اسْتعْمل فِي تَعْلِيل الْجِنَايَات، ثمَّ اتَّسع فِيهِ فَاسْتعْمل فِي كل تَعْلِيل
الْإِجَابَة: هِيَ مُوَافقَة الدعْوَة فِيمَا طلب بهَا لوقوعها على تِلْكَ الصِّحَّة
والاستجابة: يتَعَدَّى إِلَى الدُّعَاء بِنَفسِهِ كَقَوْلِه:
стр. 37
فَلم يستجبه عِنْد ذَاك مُجيب
وَإِلَى الدَّاعِي بِاللَّامِ نَحْو: ﴿فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك﴾ ويحذف الدُّعَاء إِذا عدي إِلَى الدَّاعِي فِي الْغَالِب فَيُقَال: (اسْتَجَابَ الله دعاءه) و (اسْتَجَابَ لَهُ) وَلَا يكَاد يُقَال: (اسْتَجَابَ لَهُ دعاءه)
ويستجيب: فِيهِ قبُول لما دعِي إِلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك يُجيب لِأَنَّهُ قد يُجيب بالمخالفة
والإجابة: أَعم من الْقبُول، لِأَنَّهُ عبارَة عَن قطع سُؤال السَّائِل؛ وَالْقطع قد يكون بترتيب الْمَقْصُود بالسؤال، وَقد يكون بِمثل: (سَمِعت سؤالك وَأَنا أَقْْضِي حَاجَتك) وَقد نظمت فِيهِ:
(تقبل سُؤَالِي، لَا تجبه فإنني ... لوعدك فِي ضمن الْإِجَابَة خَائِف)
الْإِجَازَة: أجَاز لَهُ: سوغ لَهُ
و [أجَاز] رَأْيه: أنفذ ك (جوزه)
و [أجَاز] البيع: أَمْضَاهُ
وَالْإِجَازَة: تعْمل فِي تَنْفِيذ الْمَوْقُوف لَا فِي تَصْحِيح الْفَاسِد؛ فَفِيمَا إِذا تزوج أمة بِغَيْر شُهُود وَبِغير إِذن مَوْلَاهَا، ثمَّ أجَازه الْمولى بِحَضْرَة الشُّهُود لَا يجوز النِّكَاح، لِأَن الْإِشْهَاد شَرط العقد، وَلم يُوجد، فَكَانَ بَاطِلا لَا مَوْقُوفا فَلَا تلْحقهُ الْإِجَازَة
وَالْفَسْخ أقوى من الْإِجَازَة، فَإِن الْمجَاز يقبل الْفَسْخ، وَلَا ترد الْإِجَازَة على عقد قد انْفَسَخ؛ لِأَن الْإِجَازَة إِثْبَات صفة النَّفاذ، ويستحيل ذَلِك فِي الْمَعْدُوم
وَالْإِجَازَة فِي الشّعْر: مُخَالفَة حركات الْحَرْف الَّذِي يَلِي حرف الروي؛ أَو أَن تتمّ مصراع غَيْرك
والاستجازة: طلب الْإِجَازَة إِذا سقاك مَاء لماشيتك أَو أَرْضك؛ فَكَذَا الطَّالِب يستجيز الْعَالم علمه فيجيزه لَهُ
وأجزت على الجريح: أجهزت، أَي أسرعت قَتله
الأجيج: هُوَ تلهب النَّار
وَمَاء أجاج: أَي ملح وَمر
أجمع: لَا يُضَاف أجمع الْمَوْضُوع للتَّأْكِيد وَلَا يدْخل عَلَيْهِ الْجَار، بِخِلَاف مَا فِي قَوْلهم: (جَاءَ الْقَوْم بأجمعهم) بِضَم الْمِيم، فَإِنَّهُ مَجْمُوع جمع ك (أفرخ) و (أعبد) فيضاف وَيدخل عَلَيْهِ الْجَار
وَجَمِيع وَأجْمع وأجمعون: يسْتَعْمل لتأكيد الِاجْتِمَاع على الْأَمر
وأجمعون: يُوصف بِهِ الْمعرفَة، وَلَا يجوز نَصبه على الْحَال
وجميعا: ينْتَصب على الْحَال نَحْو قَوْله: ﴿اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾
أَجْدَر: أَي أليق وَأولى يؤنث ويثنى وَيجمع؛ من الْجِدَار، وَهُوَ الْحَائِط
والجدير: الْمُنْتَهى لانْتِهَاء الْأَمر إِلَيْهِ انْتِهَاء الشَّيْء إِلَى الْجِدَار وَالَّذِي يظْهر أَنه من (الْجدر) وَهُوَ أصل الشَّجَرَة، فَكَأَنَّهُ ثَابت كثبوت الْجدر فِي قَوْلك: (جدير بِكَذَا)
أجاء: هُوَ فِي الأَصْل [مَنْقُول] من (جَاءَ) لكنه خص بالإلجاء فِي الِاسْتِعْمَال ك (أَتَى) فِي (أعْطى) يُقَال: (أجأته إِلَى كَذَا) إِذا ألجأته إِلَيْهِ
стр. 38
﴿فأجاءها الْمَخَاض﴾ : فألجأها وجع الْولادَة [نوع قَوْله تَعَالَى] ﴿لَوْلَا اجتبيتها﴾ لَوْلَا أحدثتها، لَوْلَا تلقيتها
﴿بلغن أَجلهنَّ﴾ أَي آخر عدتهن
﴿وبلغنا أجلنا الَّذِي أجلت لنا﴾ أَي حد الْمَوْت وَقيل حد الْهَرم وهما وَاحِد فِي التَّحْقِيق
﴿كل يجْرِي إِلَى أجل مُسَمّى﴾ فِي مُدَّة دوره أَو منتهاه أَو يَوْم الْقِيَامَة
﴿واجنبني﴾ بعدني
﴿اجترحوا﴾ اكتسبوا
﴿ملح أجاج﴾ بليغ الملوحة، يحرق لملوحته
﴿لأي يَوْم أجلت﴾ أخرت
﴿من الأجداث﴾ من الْقُبُور
﴿اجتباه﴾ اصطفاه وقربه
﴿فعلي إجرامي﴾ : وباله
﴿أُجُورهنَّ﴾ : مهورهن
﴿من أجل ذَلِك﴾ : من جِنَايَة ذَلِك أَو من سَبَب ذَلِك
﴿وأجلب عَلَيْهِم﴾ : اجْمَعْ عَلَيْهِم أَو صَحَّ عَلَيْهِم
﴿فَأَجْمعُوا كيدكم﴾ فأزمعوه واجعلوه جمعا عَلَيْهِ، أَو أحكموه أَو اعزموا عَلَيْهِ
﴿اجتثت﴾ : استؤصلت وَأخذت جثة بِالْكُلِّيَّةِ
(فصل الْألف والحاء)
[أحدية] : كل مَا يتحد بِهِ فِي الْأُمُور المتكثرة فَهُوَ أحدية جمع جَمِيعهَا كلفظة الْجَلالَة، فَإِنَّهُ أحدية جمع جَمِيع الْأَسْمَاء الإلهية
والحقيقة الإنسانية: فَإِنَّهَا أحدية جمع جَمِيع زيد وَعَمْرو وَبكر وَغَيرهم
وَالْبَيْت: فَإِنَّهُ أحدية جمع جَمِيع السّقف والجدران
الْأَحَد: هُوَ بِمَعْنى الْوَاحِد، وَيَوْم من الْأَيَّام، وَاسم لمن يصلح أَن يُخَاطب، مَوْضُوع للْعُمُوم فِي النَّفْي مُخْتَصّ بعد نفي مَحْض نَحْو: ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ أَو نهي نَحْو: (وَلَا يلْتَفت مِنْكُم
стр. 39
أحد﴾ أَو اسْتِفْهَام يشبهها نَحْو: ﴿هَل تحس مِنْهُم من اُحْدُ﴾ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والمثنى وَالْمَجْمُوع والمذكر والمؤنث، وَحَيْثُ أضيف " بَين " اليه أَو أُعِيد إِلَيْهِ ضمير الْجمع، أَو نَحْو ذَلِك يُرَاد بِهِ جمع من الْجِنْس الَّذِي يدل الْكَلَام عَلَيْهِ، فَمَعْنَى: ﴿لَا نفرق بَين أحد من رسله﴾ أَي بَين جمع من الرُّسُل وَمعنى: ﴿فَمَا مِنْكُم من أحد﴾ أَي من جمَاعَة وَمعنى: ﴿لستن كَأحد من النِّسَاء﴾ كجماعة من جمَاعَة النِّسَاء
وَلَا يَقع فِي الْإِثْبَات إِلَّا مَعَ " كل " وَلَا يدْخل فِي الضَّرْب وَالْعدَد وَالْقِسْمَة وَلَا فِي شَيْء من الْحساب
قَالَ الْأَزْهَرِي: " هُوَ صفة من صِفَات الله اسْتَأْثر بهَا فَلَا يشركهُ فِيهَا شَيْء "
وَيَأْتِي فِي كَلَام الْعَرَب بِمَعْنى الأول ك (يَوْم الْأَحَد) وَمِنْه ﴿هَل هُوَ الله أحد﴾ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَبِمَعْنى الْوَاحِد كَقَوْلِنَا: (مَا فِي الدَّار أحد) أَي من يصلح للخطاب
والأحد: اسْم بني لنفي مَا يذكر مَعَه من الْعدَد
وَالْوَاحد: اسْم بني لمفتتح الْعدَد
وهمزته إِمَّا أَصْلِيَّة، وَإِمَّا منقلبة عَن الْوَاو على تَقْدِير أَن يكون أَصله (وحد) وعَلى كل من الْوَجْهَيْنِ يُرَاد بالأحد مَا يكون وَاحِدًا من جَمِيع الْوُجُوه، لِأَن الأحدية هِيَ البساطة الصرفة عَن جَمِيع أنحاء التَّعَدُّد عدديا أَو تركيبا أَو تحليليا، فاستهلاك الْكَثْرَة النسبية الوجودية فِي أحدية الذَّات، وَلِهَذَا رجح على الْوَاحِد فِي مقَام التَّنْزِيه، لِأَن الْوَاحِد مِنْهُ عبارَة عَن انْتِفَاء التَّعَدُّد العددي، فالكثرة العينية وَإِن كَانَت منتفية فِي الواحدية إِلَّا أَن الْكَثْرَة النسبية تتعقل فِيهَا
وَلَا يسْتَعْمل أحد وَإِحْدَى إِلَّا فِي التنيف أَو مضافين نَحْو (أحدهم) و (إِحْدَاهُنَّ) .
وَلَا يسْتَعْمل وَاحِد وَوَاحِدَة فِي التنيف إِلَّا قَلِيلا وأتى بِإِحْدَى الْأَحَد: أَي بِالْأَمر الْمُنكر الْعَظِيم؛ فَإِن الْأَمر المتفاقم (إِحْدَى الْأَحَد) وَيُقَال أَيْضا: (إِحْدَى من سبع)
الْإِحْسَان: هُوَ فعل مَا ينفع غَيره بِحَيْثُ يصير الْغَيْر حسنا بِهِ، كإطعام الجائع أَو يصير الْفَاعِل بِهِ حسنا بِنَفسِهِ؛ فعلى الأول الْهمزَة فِي أحسن للتعدية، وعَلى الثَّانِي للصيرورة يُقَال: (أحسن الرجل) إِذا صَار حسنا أَو دخل فِي شَيْء حسن
وَأحسن: يتَعَدَّى بإلى وباللام وَيَتَعَدَّى بِالْبَاء أَيْضا
ولطف: لَا يتَعَدَّى إِلَّا بِاللَّامِ يُقَال: (لطف الله لَهُ) من بَاب نصر، أَي أوصل إِلَيْهِ مُرَاده بلطف، ولطف بِهِ: غير مُسلم
وَالْإِحْسَان أَعم من الْأَنْعَام
وَالرَّحْمَة أَعم من اللطف
والإفضال أَعم من الإنعام والجود، وَقيل: هُوَ أخص مِنْهُمَا لِأَن الإفضال إِعْطَاء بعوض وهما عبارَة عَن مُطلق الْإِعْطَاء.
وَالْكَرم: إِن كَانَ بِمَال فَهُوَ جود. وَإِن كَانَ بكف ضَرَر مَعَ الْقُدْرَة فَهُوَ عَفْو وَإِن كَانَ ببذل النَّفس فَهُوَ شجاعة
стр. 40
الإحساس: هُوَ إِدْرَاك الشَّيْء مكتنفا بالعوارض الغربية واللواحق المادية مَعَ حُضُور الْمَادَّة وَنسبَة خَاصَّة بَينهمَا وَبَين الْمدْرك
والإحساس: للحواس الظَّاهِرَة، كَمَا أَن الْإِدْرَاك للحس الْمُشْتَرك أَو الْعقل
وَالْفِعْل الْمَأْخُوذ من الْحَواس رباعي، كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أحس عِيسَى﴾
وحس الثلاثي: لَهُ معَان ثَلَاثَة
حسه: قَتله، نَحْو: ﴿إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ﴾ ، أَو مَسحه، أَو ألْقى عَلَيْهِ الْحِجَارَة المحماة لينضج، فَهَذِهِ الثَّلَاثَة يُقَال فِيهَا للْمَفْعُول محسوس، أما الْمَفْعُول من الْحَواس فمحس وَجَمعهَا محسات لَا محسوسات
والإحساس: إِن كَانَ للحس الظَّاهِر فَهُوَ المشاهدات، وَإِن كَانَ للحس الْبَاطِن فَهُوَ الوجدانيات والمتكلمون أَنْكَرُوا الْحَواس الْبَاطِنَة [وَهِي الْحس الْمُشْتَرك والخيال والواهمة والحافظة والمتخيلة] لابتنائها على أصُول الفلاسفة فِي نفي الْفَاعِل على الْمُخْتَار، وَالْقَوْل بِأَن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ إِلَّا الْوَاحِد وَقد صرح الْمُحَقِّقُونَ من متأخري الْحُكَمَاء بِأَن القوى الجسمانية آلَات للإحساس وَإِدْرَاك الجزئيات، والمدرك هُوَ النَّفس وأثبتها بعض الْمُتَكَلِّمين أَيْضا من الماتريدية والأشاعرة وَاسْتدلَّ بِأَنَّهُ يحصل عقيب صرفهَا الإدراكات، الحسية؛ وَلَو أَصَابَت وَاحِدَة مِنْهَا آفَة اخْتَلَّ ذَلِك الْفِعْل كالحواس الظَّاهِرَة وَقَالُوا: إِثْبَات ذَلِك إِنَّمَا يُخَالف الشَّرْع لَو جعلت مُؤثرَة فِي تِلْكَ الفعال وفاعلة لهاتيك الْآثَار
وَلَو جعلت آلَات للإحساس وَإِدْرَاك الجزيئات، والمدرك هُوَ النَّفس كَمَا ذهب إِلَيْهِ متأخرو الفلاسفة فَلَا مُخَالفَة فِيهِ
[وَمن النَّاس من يَقُول: للنَّفس حاسة سادسة تدْرك بهَا عوارض النَّفس كالجوع والعطش والشبع، وَالأَصَح مَا عَلَيْهِ الْعَامَّة وَهُوَ الْخمس، إِذْ لكل من الْخمس يحصل علم مَخْصُوص بِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ آلَة مَخْصُوصَة بِهِ، وَأما مَا يدْرك بِهِ عوارض النَّفس فبخلق الله فِي الْحَيَوَان بِدُونِ اخْتِيَاره إِذا وجد شَرطه]
وَاعْلَم أَن مثبتي الْحَواس الْخمس الْبَاطِنَة لَا يسمون عقليا إِلَّا الْمعَانِي الْكُلية، وَلَا وهميا إِلَّا الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة، وَلَا خياليا إِلَّا الصُّور المحسوسات، ومقالة أَرْبَاب البلاغة لَيست على وفْق مقالتهم، فَإِنَّهُم عدوا الِاتِّحَاد والتماثل والتضايف عقلية سَوَاء كَانَت كُلية أَو جزئية؛ وعدوا شبه التَّمَاثُل والتضاد وَشبهه وهمية، سَوَاء كَانَت كُلية أَو جزئية أَيْضا، وَسَوَاء كَانَت بَين المحسوسات أَو بَين الْمعَانِي؛ وعدوا تقارن الْأَمريْنِ مُطلقًا فِي أَي قُوَّة كَانَ بِسَبَب غير مَا ذكر خياليا كَمَا تقرر فِي فنه
الْإِحْصَار: هُوَ شرعا أَن يعرض للرجل مَا يحول بَينه وَبَين الْحَج أَو الْعمرَة بعد الْإِحْرَام من مرض أَو أسر أَو عَدو، وَيُقَال: (أحْصر الرجل إحصارا فَهُوَ محصر) فَإِن حبس فِي سجن أَو دَار يُقَال: (حصر فَهُوَ مَحْصُور)
وَقيل: الْإِحْصَار: الْمَنْع من أحصره وحصره
следующие страницы →