← Гариб и словари

Гариб и словари · id 7037

الكليات

أبو البقاء الكفوي

Полный текст (1 069 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَالِاسْتِحْسَان تَارَة، وَإِلَى الْإِنْكَار والتعظيم تَارَة أُخْرَى [نوع] ﴿فانفروا ثبات﴾ : أَي جماعات مُتَفَرِّقَة ﴿ثجاجا﴾ : منصبا بِكَثْرَة ﴿ثقفتموهم﴾ : وَجَدْتُمُوهُمْ ﴿ثبورا﴾ : بلَاء ويلا ﴿ثَانِي عطفه﴾ : مستكبرا فِي نَفسه ﴿النَّجْم الثاقب﴾ : المضيء كَأَنَّهُ يثقب الظلام بضوئه فَينفذ فِيهِ ﴿وَمَا كنت ثاويا﴾ : مُقيما ﴿ثلة من الْأَوَّلين﴾ : أَي هم كثير من الْأَوَّلين ﴿هَل ثوب الْكفَّار﴾ : أَي: هَل أثيبوا ﴿فثبتطهم﴾ : فحبسهم بالجبن والكسل [ ﴿قولا ثقيلا﴾ : يَعْنِي الْقُرْآن فَإِنَّهُ لما فِيهِ من التكاليف الشاقة ثقيل على الْمُكَلّفين لَا سِيمَا على الرَّسُول ﴿يَوْمًا ثقيلا﴾ : شَدِيدا ﴿يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ : ثَمَانِيَة أَمْلَاك ﴿ثعبان﴾ : حَيَّة عَظِيمَة الْجِسْم ﴿ثَمُود﴾ : من الثمد وَهُوَ المَاء الْقَلِيل، وَمن جعله اسْم حَيّ أَو أَب صرفه لِأَنَّهُ مُذَكّر، وَمن جعله اسْم قَبيلَة أَو أَرض لم يصرفهُ] (فصل الْجِيم) [جثيا] : كل مَا فِي الْقُرْآن جثيا فَمَعْنَاه جَمِيعًا، إِلَّا ﴿وَترى كل أمة جاثية﴾ فَإِن مَعْنَاهُ تجثو على ركبهَا [جعل] : كل شَيْء فِي الْقُرْآن جعل فَهُوَ بِمَعْنى خلق [الْجلد] : وَفِي " الْقَامُوس " قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا﴾ أَي: لفروجهم [الْجَبَل] : كل وتد فِي الأَرْض عظم وَطَالَ فَهُوَ جبل، فَإِن انْفَرد فأكمة أَو قنة [الْجَوْهَر] : كل حجر يسْتَخْرج مِنْهُ شَيْء ينْتَفع بِهِ فَهُوَ جَوْهَر [جرد] : كل شَيْء قشرته عَن شَيْء فقد جردته عَنهُ [الْجَارِحَة] : كل مَا يصيد من السبَاع وَالطير فَهُوَ جارحة [الْجُحر] : كل شَيْء تحتفره الْهَوَام وَالسِّبَاع لأنفسها فَهُوَ جُحر بِالضَّمِّ

стр. 317

[الْجِنَايَة] : كل فعل مَحْظُور يتَضَمَّن ضَرَرا فَهُوَ جِنَايَة [الجم] : وَالْكثير من كل شَيْء جم الجرثومة] : أصل كل شَيْء ومجتمعه جرثومة، وَمِنْه: جرثومة الْعَرَب [الجهور] : ومعظم كل شَيْء جُمْهُور [الجرو] : ولد كل سبع جرو؛ ووحشية: طلا؛ وطائر: فرخ؛ وإنسان طِفْل كل جَار ومجرور إِذا وَقع حَالا أَو خَبرا أَو صلَة أَو صفة فَإِنَّهُ يتَعَلَّق بِمَحْذُوف كل جَار ومجرورو إِذا جَاءَ بعد النكرَة يكون صفة، وَبعد الْمعرفَة يكون حَالا مِنْهَا. كل مَوضِع حمل فِيهِ الْجَرّ على الْجوَار فَهُوَ خلاف الأَصْل إِجْمَاعًا للْحَاجة وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن خفض الْجوَار يكون فِي النَّعْت قَلِيلا، وَفِي التَّأْكِيد نَادرا، وَلَا يكون فِي النسق، أَي فِي الْعَطف بِالْوَاو، لِأَن العاطف يمْنَع التجاور، وَمن شَرط الْخَفْض على الْجوَار أَن لَا يَقع فِي مَحل الِاشْتِبَاه كل جمع يفرق بَينه وَبَين واحده بِالتَّاءِ يجوز فِي وَصفه التَّذْكِير والتأنيث نَحْو: ﴿أعجاز نخل خاوية﴾ و ﴿أعجاز نخل منقعر﴾ ؛ والأغلب على أهل الْحجاز التَّأْنِيث، وعَلى أهل نجد التَّذْكِير، وَقيل: التَّذْكِير فِيهِ بِاعْتِبَار اللَّفْظ، والتأنيث بِاعْتِبَار الْمَعْنى كل جمع حُرُوفه أقل من حُرُوف واحده فَإِنَّهُ جَازَ تذكيره مثل: (بقر) و (نخل) و (سَحَاب) كل جمع إِذا كَانَ عين فعل مفرده يَاء فَإِنَّهُ لَا يقْرَأ جمعه بِالْهَمْزَةِ ك (معايش) و (فوايد) وَنَحْوهمَا، وَإِلَّا فبالهمزة ك (نَظَائِر) و (فَضَائِل) و (قلائد) وَأما فِي اسْم الْفَاعِل فبالياء مُطلقًا و (الْمَدَائِن) بِالْهَمْزَةِ أفْصح، وَعَلِيهِ (قَرَائِن) قَالَ الْجَوْهَرِي: سَأَلت أَبَا عَليّ النسوي عَن همزَة (مَدَائِن) فَقَالَ: من جعله (فعيلة) من الْإِقَامَة همزه، وَمن جعله (مفعلة) لم يهمز كل جمع كسر على غير واحده وَهُوَ من أبنية الْجمع فَإِنَّهُ يرد فِي تصغيره إِلَى واحده كل جمع ثالثه ألف فَإِنَّهُ بِكَسْر الْحَرْف الَّذِي بعْدهَا نَحْو (مَسَاجِد) و (جعافر) كل جمع مؤنث وتأنيثه لَفْظِي، لِأَن تأنيثه بِسَبَب أَنه بِمَعْنى الْجَمَاعَة، وتأنيث الْجَمَاعَة لَفْظِي كل مَا كَانَ مفرده مشددا ك (كرْسِي) و (عَارِية) و (سَرِيَّة) فَإِنَّهُ جَازَ فِي جمعه التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف (كل مَا كَانَ يجمع بِغَيْر الْوَاو وَالنُّون نَحْو (حسن) و (حسان) فالأجود فِيهِ أَن تَقول: (مَرَرْت بِرَجُل حسان قومه) من قبل، لِأَن هَذَا الْجمع المكسر هُوَ اسْم وَاحِد صِيغ للْجمع أَلا ترى أَنه يعرب كإعراب الْوَاحِد الْمُفْرد وكل مَا كَانَ يجمع بِالْوَاو وَالنُّون نَحْو (منطلقين) فالأجود فِيهِ أَن تَجْعَلهُ بِمَنْزِلَة الْفِعْل الْمُقدم فَتَقول: (مَرَرْت بِرَجُل منطلق قومه) كل اسْم غير إِلَى نَحْو (رجال) و (مُسلمين) و (مسلمات) فَهُوَ للْجَمِيع من مسميات ذَلِك الِاسْم وكل جمع عرف بِاللَّامِ فَهُوَ لجَمِيع تِلْكَ المسميات

стр. 318

كل جمع مصحح مذكرا كَانَ أَو مؤنثا فَهُوَ أوزان الْقلَّة و (أفعل) و (أَفعَال) و (أفعلة) من المكسر، وَالْكَثْرَة مَا عَداهَا كل جمع تغير فِيهِ نظم الْوَاحِدَة فَهُوَ جمع التكسير كل جمع مكسر ك (الْأسد) و (الأبيات) فَهُوَ نَظِير الْفَرد فِي الْإِعْرَاب كل جمع بعد ثَانِيَة ألف فَهُوَ خماسي، فَلَا يتَصَرَّف، وَكَذَا السداسي نَحْو: (دَنَانِير) كل جمع فِيهِ تَاء زَائِدَة فرفعه بِالضَّمِّ ونصبه وجره بِالْكَسْرِ كل مَا كَانَ على (فعلة) من الْأَسْمَاء مَفْتُوح الأول سَاكن الثَّانِي، وَالثَّانِي حرف صَحِيح فَإِنَّهُ حرك فِي جمع التَّصْحِيح نَحْو: (سَجدَات) ؛ وَإِن كَانَ الثَّانِي واوا نَحْو (حومات) ، أَو يَاء نَحْو: (بيضات) فَلَا يُحَرك لِئَلَّا يَنْقَلِب ألفا وَهَكَذَا إِذا كَانَ صفة نَحْو (صعبة) و (صعبات) ؛ و (ضخمة) و (ضخمات) كل جمع من غير الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ (بَنَات) ك (بَنَات عرس) و (بَنَات دأبة) و (بَنَات نعش) كل اسْم على (فعل) ثَانِيه وَاو فَإِنَّهُ جَازَ أَن يجمع على ثَلَاثَة أوجه ك (نون) و (نينات) و (أنوان) و (نونات) كل اسْم جنس جمعي فَإِن واحده بِالتَّاءِ وَجمعه بِدُونِهَا ك (سدر) و (سِدْرَة) ، و (نبق) و (نبقة) ، إِلَّا لفظين وَهِي (الكمأة) جمع (كمء) ، و (الفقعة) جمع (فقع) ، وَهُوَ ضرب من الكمأة، وَهَذَا من النَّوَادِر كل مَا كَانَ على (أَفعَال) فَهُوَ جمع إِلَّا فِي مَوَاضِع نَحْو: (أَرض أحصاب) : إِذا كَانَت ذَات حَصْبَاء، و (بلد أمحال) أَي: قحط و (مَاء أسدام) أَي: متغير من طول الْقدَم، كَمَا أَن (إفعالا) بِالْكَسْرِ مصدر، إِلَّا (إستارا) وَهُوَ فِي الْعدَد أَرْبَعَة من جنس وَاحِد، و (إعصارا) و (إسكافا) و (إمخاضا) وَهُوَ السقاء الَّذِي يمخض فِيهِ اللَّبن، و (إنشاطا) يُقَال (بِئْر إنشاط) وَهِي الَّتِي يخرج مِنْهَا الدَّلْو بجذبة وَاحِدَة كل مَا هُوَ على (أفعل) فَهُوَ جمع، إِلَّا (أبلم) و (أجرب) و (أذرح) و (أسلم) و (أَسْقُف) و (أصبح) و (أصوع) و (أعصر) و (أقرن) كل مَا يجمع من أَسمَاء الْأَجْنَاس ثمَّ يعرف تَعْرِيف الْجِنْس فَإِنَّهُ يُفِيد أَمريْن: أَحدهمَا أَن ذَلِك الْجِنْس تَحْتَهُ أَنْوَاع مُخْتَلفَة، وَالْآخر أَنه مُسْتَغْرق لجَمِيع مَا تَحْتَهُ مِنْهَا وَالْمَعْرُوف بِاللَّامِ من الجموع وأسمائها للْعُمُوم فِي الْأَفْرَاد قلت أَو كثرت وَالْجمع الْمُعَرّف تَعْرِيف الْجِنْس مَعْنَاهُ جمَاعَة الْآحَاد وَهِي أَعم من أَن يكون جَمِيع الْآحَاد أَو بَعْضهَا، فَهُوَ إِذا أطلق احْتمل الْعُمُوم والاستغراق، وَاحْتمل الْخُصُوص أَيْضا، وَالْحمل على وَاحِد مِنْهُمَا يتَوَقَّف على الْقَرِينَة، كَمَا فِي الْمُشْتَرك هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ وَصَاحب " الْمِفْتَاح " وَمن تبعهما، وَهُوَ خلاف مَا ذهب إِلَيْهِ أَئِمَّة الْأُصُول الْجمع: فِي اللُّغَة ضم الشَّيْء إِلَى الشَّيْء، وَذَلِكَ حَاصِل فِي الِاثْنَيْنِ بِلَا نزاع، وَإِنَّمَا النزاع فِي صِيغ الْجمع وضمائره، وَالأَصَح أَن أقل مُسَمّى الْجمع ك (رجال) و (زيدين) ثَلَاثَة بِإِجْمَاع أهل اللُّغَة وَالْمرَاد من قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا﴾ أَي: طَائِفَتَانِ خصمان وَحَدِيث:

стр. 319

" الِاثْنَان وَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة " مَحْمُول على الْمَوَارِيث والوصايا وعَلى سنية تقدم الإِمَام وَإِنَّمَا حمل على مَا ذكر لِأَن النَّبِي ﵊ بعث لتعليم الْأَحْكَام لَا لبَيَان اللُّغَات بَقِي أَن هَذَا فِي جمع الْقلَّة وَاضح، وَأما فِي جمع الْكَثْرَة فمشكل، لِأَن النُّحَاة أطبقوا على أَن أَقَله أحد عشر وَالْجَوَاب بشيوع الْعرف فِي إِطْلَاق الدَّرَاهِم على ثَلَاثَة، وَيجْرِي الْخلاف فِي ضمير الْجمع أَيْضا وَالْجمع الْمُنكر يتَنَاوَل الثَّلَاثَة وَأكْثر سَوَاء كَانَ جمع الْقلَّة أَو الْكَثْرَة، لِأَنَّهَا أقل الْجمع مُطلقًا عرفا لَا الْأَدْنَى من الثَّلَاثَة، لِأَنَّهُ غير مَا وضع لَهُ أصلا وَالْجمع تَصْحِيحا وتكسيرا يصدق على الْوَاحِد مجَازًا لاستعماله فِيهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ فَإِن المُرَاد عَائِشَة ﵂ وجموع السَّلامَة للقلة بِاتِّفَاق النُّحَاة، وَعند الْأُصُولِيِّينَ أَن صِيغَة (الْمُؤمنِينَ) و (الْمُشْركين) وَنَحْوهمَا للْعُمُوم وَلَعَلَّ التَّوْفِيق بَين الْكَلَامَيْنِ هُوَ أَنه لَا مَانع من أَن يكون أصل وَضعهَا للقلة، وَغلب اسْتِعْمَالهَا فِي الْعُمُوم لعرف أَو لشرع، فَنظر النُّحَاة إِلَى أصل الْوَضع والأصوليون إِلَى غَلَبَة الِاسْتِعْمَال؛ أَو تَقول: كَلَام النُّحَاة فِي الْجمع الْمُنكر، وَكَلَام الْأُصُولِيِّينَ فِي الْجمع الْمُعَرّف، وَقد نظم بعض الأدباء: (جمع السَّلامَة منكورا يُرَاد بِهِ ... من الثَّلَاث إِلَى عشر فَلَا تزد) (وأفعل ثمَّ أَفعَال وأفعلة ... وفعلة مثله فِي ذَلِك الْعدَد) (كأنفس وكأثواب وأرغفة ... وغلمة فاحفظنها حفظ مُجْتَهد) وأبنية الْقلَّة أقرب إِلَى الْوَاحِد من أبنية الْكَثْرَة، وَلذَلِك يجْرِي عَلَيْهِ كثير من أَحْكَام الْمُفْرد من ذَلِك جَوَاز تصغيره على لَفظه خلافًا للْجمع الْكثير، وَجَوَاز وصف الْمُفْرد بهَا نَحْو: (ثوب أسمال) وَجَوَاز عود الضَّمِير إِلَيْهِ بِلَفْظ الْإِفْرَاد، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونه﴾ وَمن جمع الْقلَّة مَا جمع بِالْوَاو وَالنُّون، وَالْألف وَالتَّاء جمع التكسير كالتصغير يرد الشَّيْء على أَصله؛ وَالْجمع المكسر إِذا صغر فإمَّا أَن يكون من جمع الْقلَّة، وَهِي أَربع على الصَّحِيح، فيصغر على لَفظه، وَإِن كَانَ من جمع الْكَثْرَة فَلَا يصغر على لَفظه على الصَّحِيح أَيْضا؛ وَإِن ورد مِنْهُ شَيْء عد شاذا، بل يرد إِلَى واحده، فَإِن كَانَ من غير الْعُقَلَاء صغر وَجمع بِالْألف وَالتَّاء ك (حميرات) فِي تَصْغِير (حمر) جمع (حمَار) ؛ وَإِن كَانَ من الْعُقَلَاء صغر وَجمع بِالْوَاو وَالنُّون ك (رجيلون) فِي تَصْغِير (رجال) ؛ وَإِن كَانَ اسْم جمع ك (قوم) و (رَهْط) أَو اسْم جنس ك (تمر) و (شجر) صغر على لَفظه كَسَائِر الْمُفْردَات وَالْجمع المكسر عقلاؤه وَغير عقلائه سَوَاء فِي حكم التَّأْنِيث وَالْجمع المكسر لغير الْعَاقِل يجوز أَن يُوصف بِمَا يُوصف بِهِ الْمُؤَنَّث نَحْو: ﴿مآرب أُخْرَى﴾ وَهُوَ قَلِيل

стр. 320

وَالْجمع المكسر سوى مَا على صِيغَة مُنْتَهى الجموع يَصح تثنيته بِتَأْوِيل فرْقَتَيْن وَجمع التكسير يجْرِي مجْرى الْمُفْرد وَالْجمع لَا ينْسب إِلَّا فِيمَا لَا يكون لَهُ مُفْرد أصلا ك (الْأَعرَابِي) ، أَو من لَفظه ك (الركباني) فَإِن مفردها (رَاحِلَة) ، أَو يكون علما الْآن، وَإِن كَانَ جمعا ك (أنبار) وَهُوَ اسْم بلد بالعراق، وَكَانَ جمع (نبر) ، أَو يكون جَارِيا مجْرى الْعلم ك (الْأَنْصَار) فَإِنَّهُ فِي الأَصْل جمع (نَاصِر) لنصرتهم الْإِسْلَام وَالْجمع يُوصف بالمفرد الْمُؤَنَّث بِالتَّاءِ وَهُوَ الشَّائِع، وَقد يُوصف بالمفرد الْمُؤَنَّث بالصيغة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿من آيَات ربه الْكُبْرَى﴾ وَالْجمع مَا يكون مَوْضُوعا للآحاد المتكثرة بِاعْتِبَار كَونهَا كَثْرَة لوَاحِد مَفْهُوم من لفظ يَصح أَن يكون مُفردا لَهُ وَاسم الْجمع وَإِن كَانَ لَهُ مُفْرد من لَفظه إِلَّا أَن وَضعه للآحاد من حَيْثُ هِيَ آحَاد بِلَا مُلَاحظَة كَونهَا كَثْرَة لوَاحِد مَفْهُوم من لَفظه يَصح أَن يكون مُفردا لَهُ وَلِهَذَا لَا تكون أَسمَاء الجموع على صِيغ الْجمع، وَمَا لَا يكون لَهُ مُفْرد مُنَاسِب من لَفظه وَيكون فِيهِ كَثْرَة كالقوم والرهط فَهُوَ اسْم بِمَعْنى الْجمع والنحويون نصوا على أَنه إِذا كَانَ اللَّفْظ على صِيغَة تخْتَص بالجموع لم يسموه اسْم جمع، بل يَقُولُونَ: هُوَ جمع وَإِن لم يسْتَعْمل واحده وَاسم الْجمع مُفْرد اللَّفْظ مَجْمُوع الْمَعْنى ك (ركب) و (سفر) و (حجب) بِدَلِيل جَوَاز تصغيره على صيغته، وَالْجمع الْحَقِيقِيّ لَا يجوز تصغيره إِذا كَانَ جمع كَثْرَة، بل يرد إِلَى واحده، أَو إِلَى جمع قلَّة إِن وجد، لجَوَاز تَصْغِير جمع الْقلَّة وَأَسْمَاء الجموع سماعية، صرح بِهِ الْمُحَقِّقُونَ. وَجمع الْعَاقِل لَا يعود عَلَيْهِ الضَّمِير غَالِبا إِلَّا بِصِيغَة الْجمع، سَوَاء كَانَ للقلة أَو للكثرة؛ وَأما غير الْعَاقِل فالغالب فِي الْكَثْرَة الْإِفْرَاد، وَفِي الْقلَّة الْجمع وَالْعرب تَقول: (الْجُذُوع انْكَسَرت) لِأَنَّهُ جمع كَثْرَة، و (الأجذاع انكسرن) لِأَنَّهُ جمع قلَّة، كَمَا فِي قَوْله: (وأسيافنا يقطرن من نجدة دَمًا) [يحْكى عَن النَّابِغَة وَهُوَ نقاد الْجَاهِلِيَّة أَنه عرض عَلَيْهِ حسان بن ثَابت ميميته فَمَا نبس ثمَّ نقد عَلَيْهِ قَوْله: (لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من جدة دَمًا) فَأخذ عَلَيْهِ (الجفنات) ، و (الأسياف) لِأَنَّهُمَا جمع قَلِيل وَالشعر فِي معنى الافتخار فعلية أَن يكثر وَهَذَا مِمَّا يبعد من مثل النَّابِغَة الذبياني وَحسان ابْن ثَابت، وَلَعَلَّ الْإِشْكَال جَاءَ من النقال] جمع الْقلَّة: هُوَ الَّذِي يُطلق على الْعشْرَة وَمَا فَوْقهَا بِقَرِينَة، وَمَا دونهَا بِغَيْر قرينَة وَجمع الْكَثْرَة عكس هَذَا والقلة وَالْكَثْرَة إِنَّمَا يعتبران فِي نكرات الجموع، لَا فِي معارفها وَقد يستعار أَحدهمَا للْآخر من اسْتِعْمَال الْقَلِيل فِي الْكثير وَبِالْعَكْسِ وَمِمَّا وَقع فِيهِ جمع الْقلَّة موقع جمع الْكَثْرَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كم تركُوا من جنَّات﴾ لِأَن (كم) للتكثير، وَمِمَّا

стр. 321

وَقع فِيهِ بِالْعَكْسِ مثل: ﴿ثَلَاثَة قُرُوء﴾ فَإِن تَمْيِيز الثَّلَاثَة لَا يكون إِلَّا جمع قلَّة وَالتَّحْقِيق أَن الْجمع الصَّحِيح إِنَّمَا هُوَ للقلة إِذا لم يعرف بِاللَّامِ وَقد يسْتَغْنى بِبَعْض الجموع عَن بعض أَلا يرى أَنهم قَالُوا فِي (رسن) (أرسان) وَفِي (قلم) (أَقْلَام) فاستغنوا بهَا عَن جمع الْكَثْرَة؛ وَقُولُوا فِي (رجل) (رجال) وَفِي (سبع) (سِبَاع) وَلم يأتو لَهما بِبِنَاء الْقلَّة؛ وَإِذا لم يَأْتِ للاسم إِلَّا بِنَاء الْقلَّة ك (أرجل) فِي (الرجل) ، أَو بِنَاء الْكَثْرَة ك (رجال) فِي (رجل) فَهُوَ مُشْتَرك بَين الْقلَّة وَالْكَثْرَة وَالْجمع الْمُضَاف قد يكون للْجِنْس فَيشْمَل الْقَلِيل وَالْكثير والعهد لِأَن الْإِضَافَة كاللام فِي أَنَّهَا للْجِنْس والعهد والاستغراق وَجمع الْجمع لَيْسَ بِقِيَاس، بل مُتَوَقف على السماع، لِأَن الْغَرَض من الْجمع الدّلَالَة على الْكَثْرَة، وَذَلِكَ يحصل من لفظ الْجمع فَلَا حَاجَة إِلَى جمعه ثَانِيًا، بِخِلَاف جمع الْقلَّة، فَإِنَّهُ تستفاد الْكَثْرَة من الْجمع ثَانِيًا لدلالته على الْقلَّة وَجمع الْجمع قِسْمَانِ: جمع التَّصْحِيح وَجمع التكسير وَإِذا أَرَادوا أَن يجمعوه جمع التكسير يقدرونه مُفردا فجمعوه مثل جمع الْوَاحِد الَّذِي على زنته ك (جمال) جمع (جمل) على (جمائل) ، و (شمال) وَهُوَ الرّيح على (شمائل) وَإِذا أَرَادوا جمع التَّصْحِيح ألْحقُوا بأخره الْألف وَالتَّاء نَحْو: (جمالات) فِي جمع (جمال) جمع (جمل) وَجمع التَّصْحِيح إِنَّمَا يكون للقلة إِذا لم يعرف بِاللَّامِ؛ وَجمع الْجمع لَا يُطلق على أقل من تِسْعَة؛ وَجمع الْمُفْرد لَا يُطلق على أقل من ثَلَاثَة إِلَّا مجَازًا؛ وَبِنَاء الْوَاحِد إِن كَانَ سالما فِيهِ فمصحح وَإِلَّا فمكسر؛ (وَالْجمع على (المفعولات) فِي غير الْعُقَلَاء، إِذْ قد تقرر أَن) الْجمع بِالْألف وَالتَّاء مطرد فِي صِيغَة الْمُذكر الَّذِي لَا يعقل، سَوَاء كَانَ مذكرا حَقِيقِيًّا ك (الصافنات) للذكور من الْخَيل، أَو غير حَقِيقِيّ ك (الْجبَال الراسيات) ، و (الْأَيَّام الخاليات) فرقا بَين الْعَاقِل وَغير الْعَاقِل، وَإِن كَانَ غير الْعَاقِل فرعا على الْعَاقِل، كَمَا أَن الْمُؤَنَّث فرع على الْمُذكر، فَألْحق غير الْعَاقِل بالمؤنث وَجمع جمعه وَالْجمع على (أفعل) مَخْصُوص للإناث، ك (أَذْرع) فِي جمع (ذِرَاع) وَالْجمع الْمُذكر بعلامة الذُّكُور نَحْو: (مُسلمين) ، و (فعلوا) يخْتَص بالذكور إِلَّا عِنْد الِاخْتِلَاط بالإناث، فَحِينَئِذٍ يتَنَاوَل الذُّكُور أَصَالَة وَالْإِنَاث تبعا بطرِيق الْحَقِيقَة عرفا؛ وَقد كَانَ النَّبِي ﵊ يَتْلُو الْخطاب على الْكل، وَكَانَ يعْتَقد الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا دُخُولهمْ تَحت الْخطاب، وَكَانَ حكم الْخطاب يلْزم الْكل؛ وَلم يكن ثمَّة دَلِيل زَائِدَة على ظَاهر الْخطاب، إِذْ لَو كَانَ ذَلِك لنقل إِلَيْنَا وَالْجمع الْمُذكر بعلامة الْإِنَاث نَحْو: (مسلمات) و (فعلن) يخْتَص بِهن، وَلَا يتَنَاوَل الذُّكُور أصلا، إِذْ لَا وَجه للتبعية هَهُنَا وَسبب نزُول آيَة ﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات﴾ هُوَ أَن النِّسَاء شكون إِلَى رَسُول الله فَقُلْنَ: مَا بالنا لم نذْكر فِي الْقُرْآن؟

стр. 322

مَعَ عرفانهن الدُّخُول فِي جمع الذُّكُور، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة لتطييب قلوبهن وَلَا خلاف فِي دخولهن فِي الْجمع المكسر، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي جمع الْمُذكر السَّالِم وَالْجمع فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى ك (رجال) و (زيدين) وَفِي اللَّفْظ دون الْمَعْنى، كَمَا فِي ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ وَفِي الْمَعْنى دون اللَّفْظ ك (رَهْط) و (نفر) و (قوم) و (بشر) و (كل) فِي التَّأْكِيد وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَيْسَ لَهُ وَاحِد من لَفظه من أَسمَاء الجموع، وَكَذَا (تمر) و (عسل) وَنَحْو ذَلِك من أَسمَاء الْأَجْنَاس وَالْعَام من الْجمع جمع التكسير لعمومه للمذكر والمؤنث مُطلقًا؛ وَالْخَاص مِنْهُ الْمُذكر السَّالِم؛ والمتوسط: الْجمع الْمُؤَنَّث السَّالِم، لِأَنَّهُ إِن لم يسلم فِيهِ نظم الْوَاحِد وبناؤه فَهُوَ مكسر، وَإِن سلم فَهُوَ إِمَّا مُذَكّر أَو مؤنث وَوزن صِيغَة مُنْتَهى الجموع سَبْعَة ك (أقَارِب) و (أقاويل) و (مَسَاجِد) و (مصابيح) و (ضواريب) و (جداول) و (براهين) وَاسم الْجمع يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير ك (المَاء) وَاسم الْجِنْس لَا يُطلق عَلَيْهِمَا، بل يُطلق على كل مِنْهُمَا على سَبِيل الْبَدَل ك (رجل) فعلى هَذَا كل جنس هُوَ اسْم الْجِنْس لَا الْعَكْس، ومقابلة الْجمع بِالْجمعِ تَارَة تَقْتَضِي مُقَابلَة كل فَرد من هَذَا كل فَرد من هَذَا، خُصُوصا إِذا تعذر مُقَابلَة الْجمع بالمفرد، وَتارَة تَقْتَضِي ثُبُوت الْجمع لكل فَرد من أَفْرَاد الْمَحْكُوم عَلَيْهِ، وَتارَة يحْتَمل الْأَمريْنِ فَيحْتَاج إِلَى دَلِيل يعين أَحدهمَا وَأما مُقَابلَة الْجمع بالمفرد فالغالب أَنه لَا تَقْتَضِي تَعْمِيم الْفَرد، وَقد تَقْتَضِيه وَالِاسْم إِذا كَانَ جمعا وَلَا يكون مفرده من ذَوي الْعُقُول وَدخل عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام فَلَا يُرَاد حِينَئِذٍ الْجمع، بل يُرَاد بِهِ الْمُفْرد وَالْجمع الْمُعَرّف بِاللَّامِ يسْتَغْرق جَمِيع الْأَفْرَاد بِلَا تَفْصِيل، بِخِلَاف لفظ (الْكل) مُضَافا إِلَى نكرَة، فَإِنَّهُ يُفِيد الِاسْتِغْرَاق التفصيلي، وَلِهَذَا لَو قَالَ: (للرِّجَال عِنْدِي دِرْهَم) لزمَه دِرْهَم وَاحِد، وَلَو قَالَ: (لكل رجل عِنْدِي دِرْهَم) لزمَه دَرَاهِم بعددهم وَالْجمع الْمُعَرّف بِحرف التَّعْرِيف أَو الْإِضَافَة أَو اسْم الْجمع، وَهُوَ مَا لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه ك (النِّسَاء) أصل تَعْرِيفهَا الْعَهْد، إِذْ بِهِ كَمَال التَّمْيِيز الشخصي، فَعِنْدَ عدم الْعَهْد جنس حكما، فَحكمه حكم الْجِنْس وضعا، لِأَن بَين حَقِيقِيّ التَّعْرِيف والجمصة مُنَافَاة، إِذْ مؤدى الْجمع عِنْد عدم الْعَهْد أَفْرَاد مُتعَدِّدَة مُبْهمَة، فالملحوظ فِيهِ التَّعَدُّد والإبهام وَفِي التَّعْرِيف رفع تردد التَّعَدُّد وَرفع الْإِبْهَام فَحمل على معنى الْجِنْس الَّذِي فِيهِ الْعَمَل بالتعريف والجمعية من وَجه لِأَن الْعَمَل بالدليلين وَلَو من وَجه أولى من إهمال أَحدهمَا، لِأَن الْجِنْس هُوَ الْمُعَرّف من بَين الْأَجْنَاس الْجَامِع لأفراده وتوابع الْجمع إِذا لم تكن من الْأَعْدَاد يلْزم أَن تكون مُؤَنّثَة، وَإِذا كَانَت من الْأَعْدَاد فتذكيرها وتأنيثها تابعان لتذكير وَاحِد ذَلِك الْجمع وتأنيثه لَا لنَفس ذَلِك الْجمع وَالْقَوْل بِأَن الْألف وَاللَّام إِذا دخلا فِي الْجمع يكون معنى الْجمع مضمحلا ومنسلخا قَول مَخْصُوص بموقع النَّفْي، أَو بِمَا

стр. 323

إِذا كَانَ اللَّام للْجِنْس وَأما إِذا كَانَ للتعريف والاستغراق وَغير ذَلِك فَلَا يكون كَذَلِك وَاللَّام يرد الْجمع إِلَى الْجِنْس وَإِذا دخل على الْجمع لَام التَّعْرِيف يكون نَعته مذكرا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ وَأدنى الْجمع لُغَة يتَصَوَّر فِي الِاثْنَيْنِ لِأَن فِيهِ جمع وَاحِد مَعَ وَاحِد وَأدنى كَمَال الْجمع ثَلَاثَة، لِأَن فِيهِ معنى الْجمع لُغَة واصطلحا وَشرعا وَالْجمع الْمُعَرّف إِذا انْصَرف إِلَى الْجِنْس جَازَ أَن يُرَاد بِهِ الْفَرد وَالْكل لَا الْمثنى، بِخِلَاف الْمُنكر مِنْهُ، فَإِن إِرَادَة الْمثنى مِنْهُ جَائِزَة، لِأَنَّهُ كالجمع فِي بعض اللُّغَات وَحكم الْجمع الْمُعَرّف غير الْمَعْهُود حكم الْمُفْرد الْمُعَرّف غير الْمَعْهُود فِي أَن المنصرف إِلَيْهِ الْوَاحِد أَو الْكل وَلَفظ الْجمع فِي مقَام الْإِفْرَاد يدل على التَّعْظِيم كَقَوْلِه: أَلا فارحموني يَا إِلَه مُحَمَّد وَكَذَا لفظ الْإِفْرَاد فِي مقَام الْجمع قد يدل عَلَيْهِ كَمَا فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: " إِذا مرت بك جَنَازَة يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو مُسلم فَقومُوا لَهَا " وَمَا ورد بِلَفْظ الْجمع فِي حَقه تَعَالَى مرَادا بِهِ التَّعْظِيم ك ﴿نَحن الْوَارِثين﴾ فَهُوَ مَقْصُور على مَحل وُرُوده، فَلَا يتَعَدَّى فَلَا يُقَال: (الله رحيمون) قِيَاسا على ماورد قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: مَا يسْندهُ الله إِلَى نَفسه بِصِيغَة ضمير الْجمع يُرِيد بِهِ مَلَائكَته، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه﴾ و ﴿نَحن نقص عَلَيْك﴾ ونظائرهما وَالْجمع أَخُو التَّثْنِيَة فَلذَلِك نَاب منابها كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ وَاشْترط النحويون فِي وُقُوع الْجمع موقع التَّثْنِيَة شُرُوطًا، من جُمْلَتهَا أَن يكون الْجُزْء الْمُضَاف مُفردا من صَاحبه نَحْو (قُلُوبكُمَا) و (رُؤُوس الكبشين) لأمن الإلباس، بِخِلَاف الْعَينَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ للبس، وَمن الْجمع الَّذِي يُرَاد بِهِ الِاثْنَان قَوْلهم: (امْرَأَة ذَات أوراك) وَقد تذكر جمَاعَة وَجَمَاعَة، أَو جمَاعَة وَوَاحِد ثمَّ يخبر عَنْهُمَا بِلَفْظ الِاثْنَيْنِ نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَت رتقا ففتقناهما﴾ ، وَقَوْلهمْ: الْجمع الْمُضَاف من قبيل الْفَرد حكما منقوض بِمَا إِذا حلف لَا يكلم إخْوَة فلَان، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث مَا لم يكلم جَمِيعهم، والمخلص مِنْهُ بِحَدِيث الْعَهْد، وَكَذَا بِمَا إِذا حلف لَا يكلم عبيد فلَان هَذِه فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث مَا لم يكلم ثَلَاثَة مِنْهُم، وَإِن كَانَ لَهُ غلْمَان، والمخلص مِنْهُ أَيْضا بِأَن يُقَال الْإِضَافَة عدم عِنْد الْإِشَارَة فَبَقيَ مُجَرّد الْجمع الْمُنكر، وَلَا يكون الْجمع للْوَاحِد إِلَّا فِي مسَائِل، مِنْهَا أَنه وقف على أَوْلَاده وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا وَاحِد، بِخِلَاف بنيه، أَو على أَقَاربه المقيمين فِي بلد كَذَا، وَلم يبْق مِنْهُم إِلَّا وَاحِد، أَو حلف لَا

стр. 324

يكلم إخْوَة فلَان، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا وَاحِد؛ أَو لَا يَأْكُل ثَلَاثَة أرغفة من هَذَا الْحبّ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا وَاحِد أَو لَا يكلم الْفُقَرَاء أَو الْمَسَاكِين أَو الرِّجَال، حنث بِوَاحِد فِي تِلْكَ الصُّورَة وَلَا فرق عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء بَين جمع الْقلَّة وَالْكَثْرَة فِي الأقارير وَغَيرهَا، على خلاف طَريقَة النَّحْوِيين، كَمَا فِي " التَّمْهِيد " والجميع قد يكون بِمَعْنى الْكل الإفرادي، وَقد يكون بِمَعْنى الْمَجْمُوع، وَلَيْسَ فِي اللُّغَة جمع ومثنى بِصِيغَة وَاحِدَة إِلَّا (قنوان) جمع (قنو) ، و (صنْوَان) جمع (صنو) وَلم يَقع فِي الْقُرْآن لفظ ثَالِث [وَالْجمع فِي أَلْسِنَة المتصوفين: هُوَ اتِّصَال لَا يُشَاهد صَاحبه إِلَّا الْحق جلّ شَأْنه، فَمَتَى شَاهد غَيره فَمَا جمع، والتفرقة شُهُود لمن شَاهد بالمباينة فَقَوله: ﴿آمنا بِاللَّه﴾ جمع ﴿وَمَا أنزل علينا﴾ تَفْرِقَة وكل جمع بِلَا تَفْرِقَة زندقة، وكل تَفْرِقَة بِلَا جمع تَعْطِيل قَالَ الْجُنَيْد: الْقرب بالوجد جمع وغيبته فِي البشرية تَفْرِقَة] وَالْجمع البديعي: هُوَ أَن يجمع بَين شَيْئَيْنِ أَو أَشْيَاء مُتعَدِّدَة فِي حكم، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿المَال والبنون زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَكَذَا قَوْله: ﴿الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان والنجم وَالشَّجر يسجدان﴾ وَالْجمع والتفريق: هُوَ أَن يدْخل شَيْئَيْنِ فِي معنى، وَيفرق بَين جهتي الإدخال، وَجعل الطَّيِّبِيّ قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا﴾ إِلَى آخِره وَمِنْه قَوْله: (تشابه دمعانا غَدَاة فراقنا ... مشابهة فِي قصَّة دون قصَّة) (فوجنتها تكسو المدامع حمرَة ... ودمعي يكسو حمرَة اللَّوْن وجنتي) وَالْجمع والتقسيم: هُوَ جمع مُتَعَدد تَحت حكم ثمَّ تقسيمه، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا﴾ إِلَى آخِره وَالْجمع مَعَ التَّفْرِيق والتقسيم، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَوْم لَا تكلّف نفس﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَأما الَّذين سعدوا﴾ وَجمع المؤتلف والمختلف: هُوَ أَن يُرِيد الشَّاعِر التَّسْوِيَة بَين ممدوحين فَيَأْتِي بمعان مؤتلفة فِي مدحهما ويروم بعد ذَلِك تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بِزِيَادَة فضل لَا ينقص بهَا مدح الآخر، فَيَأْتِي لأجل التَّرْجِيح بمعان تخَالف معنى التَّسْوِيَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان فِي الْحَرْث﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ الْجِنْس: هُوَ عبارَة عَن لفظ يتَنَاوَل كثيرا؛ وَلَا تتمّ ماهيته بفرد من هَذَا الْكثير، كالجسم

стр. 325

وَإِن تنَاول اللَّفْظ كثيرا على وَجه تتمّ ماهيته بفرد مِنْهُ يُسمى نوعا كالإنسان ثمَّ هَذَا الْفَرد الَّذِي تتمّ بِهِ مَاهِيَّة النَّوْع يُسمى فصلا، وَهَذَا عِنْد الْمُتَكَلِّمين والمناطقة الْجِنْس من الطبيعات الْكُلية، وَهِي موجودات خارجية كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْبَعْض، وَرجحه الْبَيْضَاوِيّ حَيْثُ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن مَعَ الْعسر يسرا﴾ بقوله: سَوَاء كَانَ اللَّام للْعهد أَو الْجِنْس وَالْجِنْس الْخَاص: مَا يشْتَمل على كثيرين متفاوتين فِي أَحْكَام الشَّرْع، كالإنسان وَالنَّوْع الْخَاص: هُوَ مَا يشْتَمل على كثيرين متفقين فِي الحكم، كَالرّجلِ. وَالْعين الْخَاص: هُوَ مَا لَهُ معنى وَاحِد حَقِيقَة ك (زيد) وَالْجِنْس العالي: هُوَ الَّذِي تَحْتَهُ جنس وَلَيْسَ فَوْقه جنس، كالجوهر على القَوْل بجنسيته وَالْجِنْس السافل: هُوَ الَّذِي فَوْقه جنس وَلَيْسَ تَحْتَهُ جنس، كالحيوان، لِأَنَّهُ الَّذِي تَحْتَهُ أَنْوَاع الْأَجْنَاس وَالْجِنْس الْمُتَوَسّط: هُوَ الَّذِي فَوْقه جنس وَتَحْته جنس كالجسم النامي وَالْجِنْس الْمُنْفَرد: هُوَ الَّذِي لَيْسَ فَوْقه جنس وَلَا تَحْتَهُ جنس، قَالُوا: لم يُوجد لَهُ مِثَال والأجناس الْعَالِيَة بسيطة لَا يتَصَوَّر لَهَا حد حَقِيقِيّ بل ترسم وَالْجِنْس يدل على الْكَثْرَة تضمنا، بِمَعْنى أَنه مَفْهُوم كلي لَا يمْنَع شركَة الْكثير فِيهِ، لَا بِمَعْنى أَن الْكَثْرَة جُزْء مَفْهُومه وَالْجِنْس يدل على جَوْهَر الْمَحْدُود دلَالَة عَامَّة، والقريب مِنْهُ أدل على حَقِيقَة الْمَحْدُود، لِأَنَّهُ يتَضَمَّن مَا فَوْقه من الذاتيات الْعَامَّة والفصل يدل على جَوْهَر الْمَحْدُود دلَالَة خَاصَّة وَالْجِنْس ضرب من الشَّيْء وَالنَّوْع أخص مِنْهُ يُقَال (تنوع الشَّيْء أنواعا) فالإبل جنس من الْبَهَائِم وَعند الأصولي: الْجِنْس أخص من النَّوْع وَالنَّوْع فِي عرف الشَّرْع قد يكون نوعا منطقيا، كالفرس، وَقد لَا يكون، كَالرّجلِ، فَإِن الشَّرْع يَجْعَل الرجل وَالْمَرْأَة نَوْعَيْنِ مُخْتَلفين نظرا إِلَى اخْتِصَاص الرجل بِالْأَحْكَامِ وَالْجِنْس عِنْد النَّحْوِيين وَالْفُقَهَاء هُوَ اللَّفْظ الْعَام، فَكل لفظ عَم شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا فَهُوَ جنس لما تَحْتَهُ، سَوَاء اخْتلف نَوعه أَو لم يخْتَلف وَعند آخَرين: لَا يكون جِنْسا حَتَّى يخْتَلف بالنوع نَحْو: الْحَيَوَان، فَإِنَّهُ جنس للْإنْسَان وَالْفرس والطائر وَنَحْو ذَلِك فالعام جنس وَمَا تَحْتَهُ نوع، وَقد يكون جِنْسا لأنواع، ونوعا لجنس كالحيوان، فَإِنَّهُ نوع بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجِسْم، وجنس بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان وَالْفرس والجزء الْمَحْمُول إِن كَانَ تَمام الْمُشْتَرك لحقيقتين فَهُوَ الْجِنْس، وَإِلَّا فَهُوَ الْفَصْل، والفصل قد يكون خَاصّا بِالْجِنْسِ كالحساس للنامي مثلا، فَإِنَّهُ لَا يُوجد لغيره، وَقد لَا يكون، كالناطق للحيوان عِنْد من يَجعله مقولا على غير الْحَيَوَان، كبعض الْمَلَائِكَة مثلا

стр. 326

وَالْجِنْس فِيهِ معنى الْجمع، لكَونه معروض الْكَثْرَة ذهنا أَو خَارِجا، وَكَذَا الْجمع فِيهِ معنى الْجِنْس لِأَن كل فَرد مِنْهُ يتضمنه، لَكِن الْجِنْس مَا يُمكن أَن يكون معروض الْوحدَة وَالْكَثْرَة، وَأما فِي الْجمع لَيْسَ كَذَلِك وَالْجِنْس الجمعي إِذا زيد عَلَيْهِ التَّاء نقص مَعْنَاهُ ك (تمر) و (تَمْرَة) وكل جمع جنس، وَلَيْسَ كل جنس جمعا الْجَار: الْجَار وَالْمَجْرُور إِذا كَانَ ب (فِي) يكون مَفْعُولا فِي غير صَرِيح؛ وَإِذا كَانَ بِاللَّامِ يكون مَفْعُولا لَهُ غير صَرِيح؛ وَإِذا كَانَ بِغَيْرِهِمَا يكون مَفْعُولا بِهِ، وَيعْمل إِذا لم يكن صلَة، وَإِن كَانَ زَائِدا لم يحْتَج إِلَى مُتَعَلق لِأَنَّهُ لَا يكون ظرفا، وَأما إِذا كَانَ ظرفا فَلَا بُد من مُتَعَلق مَذْكُور أَو مُقَدّر وَالْجَار وَالْمَجْرُور إِنَّمَا يقومان مقَام الْفَاعِل إِذا تأخرا عَن الْفِعْل، وَأما إِذا تقدما فَلَا يقومان مقَامه قِيَاسا على الِاسْم لِأَن الِاسْم إِذا تَأَخّر عَن الْفِعْل أَو مَا قَامَ مقَامه كَانَ فَاعِلا وَإِذا تقدم عَلَيْهِ صَار مُبْتَدأ وحر الْجَرّ إِذا تقدم لم يصر مُبْتَدأ، بل ينْتَصب بِالْفِعْلِ ومتعلق الْجَار وَالْمَجْرُور إِنَّمَا يكون محذوفا إِذا وَقع خَبرا أَو صفة أَو صلَة أَو حَالا وَالْجَار وَالْمَجْرُور مُطلقًا يُسمى ظرفا، لِأَن كثيرا من المجرورات ظروف زمانية أَو مكانية، فَأطلق اسْم الْأَخَص عل الْأَعَمّ، وَقيل: سمي بذلك لِأَن معنى الِاسْتِقْرَار يعرض لَهُ، وكل مَا يسْتَقرّ فِيهِ غَيره فَهُوَ ظرف وَالْجَار وَالْمَجْرُور إِذا وَقعا بعد نكرَة مَحْضَة كَانَا صفتين نَحْو: (رَأَيْت طائرا فَوق غُصْن، أَو على غُصْن) ؛ وَإِذا وَقعا بعد معرفَة مَحْضَة كَانَا حَالين نَحْو: (رَأَيْت الْهلَال بَين السَّحَاب، أَو فِي السَّحَاب) ؛ ومحتملان نَحْو: (يُعجبنِي الزهر فِي أكمامه وَالثَّمَر على أغصانه) لِأَن الْمُعَرّف الجنسي كالنكرة فِي نَحْو: (هَذَا ثَمَر يَانِع على قضبانه) لِأَن النكرَة الموصوفة كالمعرفة الْجَائِز: هُوَ الْمَار على جِهَة الصَّوَاب، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْمُجَاوزَة، وَكَذَلِكَ النَّافِذ، يُقَال: جَازَ السهْم إِلَى الصَّيْد: إِذا نفذ إِلَى غير الْمَقْصد؛ وَعَن الصَّيْد: إِذا أَصَابَهُ وَنفذ مِنْهُ وَرَاءه والجائز فِي الشَّرْع: هُوَ المحسوس الْمُعْتَبر الَّذِي ظهر نفاذه فِي حق الحكم الْمَوْضُوع لَهُ مَعَ الْأَمْن عَن الذَّم وَالْإِثْم شرعا وَقد يُطلق على خَمْسَة معَان بالاشتراك: الْمُبَاح، وَمَا لَا يمْتَنع شرعا مُبَاحا كَانَ أَو وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا أَو مَكْرُوها وَمَا لَا يمْتَنع عقلا وَاجِبا أَو راجحا أَو متساوي الطَّرفَيْنِ أَو مرجوحا وَمَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ شرعا كالمباح، أَو عقلا، كَفعل الصَّبِي وَمَا يشك فِيهِ شرعا أَو عقلا والمشكوك إِمَّا بِمَعْنى اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ، أَو بِمَعْنى عدم الِامْتِنَاع وَالْجَوَاز الشَّرْعِيّ من هَذِه الْمعَانِي هُوَ الْإِبَاحَة وَيُطلق الْجَائِز أَيْضا على الْجَائِز الَّذِي هُوَ أحد أَقسَام الْعقلِيّ، أَعنِي الْمُمكن؛ فالممكن والجائز الْعقلِيّ فِي اصْطِلَاح الْمُتَكَلِّمين مُتَرَادِفَانِ، والممكن الْخَاص عِنْد المناطقة هُوَ المرادف للجائز الْعقلِيّ وَأما الْمُمكن الْعَام فَهُوَ عِنْدهم مَا لَا يمْتَنع وُقُوعه، فَيدْخل فِيهِ الْوَاجِب والجائز العقليان، وَلَا يخرج مِنْهُ إِلَّا المستحيل الْعقلِيّ فَعَلَيْك بالتمييز بَينهمَا وَقد يسْتَعْمل الْجَوَاز فِي مَوضِع الْكَرَاهَة بِلَا اشْتِبَاه فِي " الْمُهِمَّات ": لجَوَاز يشْعر بِعَدَمِ الْكَرَاهَة، وَفِي

стр. 327

" الصُّغْرَى وَغَيره: قد يُطلق عدم الْجَوَاز على الْكَرَاهَة والجائز: مَا يُمكن تَقْدِير وجوده فِي الْعقلِيّ، بِخِلَاف الْمحَال، وَتَقْدِير وجود الشَّيْء وَعَدَمه بِالنّظرِ إِلَى ذَاته، لَا بِالنّظرِ إِلَى علم الله وإرادته، إِذْ لَو صَار مَا علم وجوده وَاجِبا وَمَا علم أَن لَا يُوجد وجوده مستحيلا لم يكن جَائِز الْوُجُود لتحَقّق كَون الْإِرَادَة لتمييز الْوَاجِب من المجال لَا لتخصيص أحد الجائزين من الآخر، وَأَنه خلاف قَول الْعُقَلَاء (والجائز الْمَقْطُوع بِوُجُودِهِ كأنصاف الجرم بِخُصُوص الْبيَاض أَو خُصُوص الْحَرَكَة وَنَحْوهمَا، وكالبعث وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب) والجائز الْمَقْطُوع بِعَدَمِهِ كَإِيمَانِ أبي لَهب وَأبي جهل، وَدخُول الْكَافِر الْجنَّة، وَنَحْو ذَلِك (والجائز الْمُحْتَمل للوجود والعدم كقبول الطَّاعَات منا، وفوزنا بِحسن الخاتمة إِن شَاءَ الله، وسلامتنا من عَذَاب الْآخِرَة وَنَحْو ذَلِك) الْجُمْلَة: هِيَ أَعم من الْكَلَام على االاصطلاح الْمَشْهُور، لِأَن الْكَلَام مَا تضمن الْإِسْنَاد الْأَصْلِيّ، سَوَاء كَانَ مَقْصُودا لذاته أَو لَا فالمصدر وَالصِّفَات المسندة إِلَى فاعلها لَيست كلَاما وَلَا جملَة لِأَن إسنادها لَيْسَ أصلا وَالْجُمْلَة الْوَاقِعَة خَبرا أَو وَصفا أَو حَالا أَو شرطا أَو صلَة أَو نَحْو ذَلِك هِيَ جملَة وَلَيْسَت بِكَلَام، لِأَن إسنادها لَيْسَ مَقْصُودا لذاته وكل جملَة خبرية فضلَة بعد نكرَة مَحْضَة فَهِيَ صفة، وَبعد معرفَة مَحْضَة حَال، وَبعد غير مَحْضَة مِنْهُمَا تحتملهما، إِلَّا إِذا تعين أَحدهمَا أَو غَيرهمَا بِدَلِيل وَالْجُمْلَة الاسمية إِذا وَقعت حَالا وَلم يكن فِيهَا ضمير عَائِد إِلَى ذِي الْحَال جرت مجْرى الظّرْف، وَلَا تكون مبينَة لهيئة الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول، بل تكون مبينَة لهيئة زمَان صُدُور الْفِعْل عَن الْفَاعِل ووقوعه على الْمَفْعُول نَحْو: (لقيتك والجيش قادم) وَالْجُمْلَة الاسمية مَوْضُوعَة للإخبار بِثُبُوت الْمسند للمسند إِلَيْهِ بِلَا دلَالَة على تجدّد أَو اسْتِمْرَار، وَإِذا كَانَ خَبَرهَا اسْما فقد يقْصد بِهِ الدَّوَام والاستمرار الثبوتي بمعونة الْقَرَائِن، وَإِذا كَانَ خَبَرهَا مضارعا فقد يُفِيد استمرارا تجدديا إِذا لم يُوجد دَاع إِلَى الدَّوَام فَلَيْسَ كل جملَة اسمية مفيدة للدوام فَإِن (زيد قَائِم) يُفِيد تجدّد الْقيام لَا دَوَامه وَالْجُمْلَة الظَّرْفِيَّة تحتملهما وَالْجُمْلَة الفعلية مَوْضُوعَة لإحداث الْحَدث فِي الْمَاضِي أَو الْحَال فتدل على تجدّد سَابق أَو حَاضر وَقد يسْتَعْمل الْمُضَارع للاستمرار بِلَا مُلَاحظَة التجدد فِي مقَام خطابي يُنَاسِبه وَالْجُمْلَة الْوَاقِعَة حَالا لَهَا إِعْرَاب بِالْأَصَالَةِ محلي قطعا وَالْجُمْلَة من حَيْثُ هِيَ جملَة مُسْتَقلَّة بإفادة فَائِدَة هِيَ النِّسْبَة التَّامَّة بَين طرفيها، وَإِن كَانَت غير مُسْتَقلَّة بِاعْتِبَار مَا عرض لَهَا من وُقُوعهَا موقع الْمُفْرد وقيدا للْفِعْل مثلا [وَالْجُمْلَة إِذا وَقعت حَالا لَا بُد أَن تشْتَمل على فعل أَو مَا يشتق مِنْهُ سَوَاء كَانَ اسْم فَاعل أَو غَيره ليَكُون مُبينًا لهيئة الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول، وَاخْتِلَاف الجملتين طلبا وخبرا أَمارَة الحالية]

стр. 328

والجلمة إِذا وَقعت حَالا فَحكمهَا فِي دُخُول الْوَاو على قِيَاس الْأَحْكَام الْخَمْسَة، فقد يمْتَنع وَقد يجب وَقد يجوز، إِمَّا مَعَ التَّسَاوِي، وَإِمَّا مَعَ رُجْحَان أحد طَرفَيْهِ وَالْجُمْلَة تسْتَعْمل اسْتِعْمَال الْمُفْردَات، وَلَا يعكس والجمل الَّتِي لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب وَاقعَة موقع الْمُفْردَات، وَلَيْسَت النّسَب الَّتِي بَين أَجْزَائِهَا مَقْصُودَة بِالذَّاتِ، فَلَا الْتِفَات إِلَى إختلاف تِلْكَ النّسَب بالخبرية والطلبية، خُصُوصا فِي الْجمل المحكية بعد القَوْل، بل الْجمل حنيئذ فِي حكم الْمُفْردَات الَّتِي وَقعت موقعها لظُهُور فَائِدَة الْعَطف بَينهمَا بِالْوَاو، بِخِلَاف مَا لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، فَإِن نسبتها مَقْصُودَة بذواتها فَتعْتَبر صفاتها الْعَارِضَة لَهَا، فَلَيْسَ تظهر فَائِدَة الْعَطف بَينهمَا بِالْوَاو إِلَّا بِتَأْوِيل وَالْجُمْلَة لَا تقع مفعولة إِلَّا فِي الْأَفْعَال الدَّاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، نَحْو (كَانَ) و (ظَنَنْت) وأخواتهما وَلَا تقع صفة إِلَّا للنكرة، لِأَن الْجُمْلَة نكرَة لكَونهَا خَبرا شَائِعا كالفعل، فَلَا بُد من التطابق بَين الصّفة والموصوف تعريفا وتنكيرا وَوُقُوع الْجُمْلَة الإنشائية خَبرا لضمير الشَّأْن مِمَّا يناقش فِيهِ والزمخشري مُسْتَمر عَلَيْهِ وَالْجُمْلَة لَيست معرفَة وَلَا نكرَة، لِأَنَّهُمَا من عوارض الذَّات، وَهِي لم تكن ذاتا وَقَوْلهمْ: " النَّعْت يُوَافق المنعوت فِي التَّعْرِيف والتنكير " يخص بالنعت الْمُفْرد، وَإِنَّمَا جَازَ نعت النكرَة بهَا دون الْمعرفَة مَعَ أَنَّهَا لم تكن معرفَة وَلَا نكرَة لمناسبتها للنكرة من حَيْثُ يَصح تَأْوِيلهَا بالنكرة كَمَا تَقول: (مَرَرْت بِرَجُل أَبوهُ زيد) بِمَعْنى كَائِن زيدا وَالْجُمْلَة مَتى كَانَت وَارِدَة على أصل الْحَال، فَإِن كَانَت فعلية، فَمَتَى كَانَت وَارِدَة على نهجها بِأَن كَانَت مصدرة بمضارع مُثبت وَجب ترك الْوَاو، نَحْو: (جَاءَ زيد يعدو فرسه) وَقَوله: نجوت وأرهنهم مَالِكًا مَحْمُول على إِظْهَار مُبْتَدأ وَمَتى كَانَت غير وَارِدَة على نهج الْحَال، كَمَا إِذا صدرت بمضارع منفي جَازَ ترك الْوَاو وَذكرهَا واتفاق الجملتين يرتقي إِلَى ثَمَان صور، لِأَنَّهُمَا إِمَّا خبران لفظا وَمعنى، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ أَو إنْشَاء كَذَلِك نَحْو قَوْله: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا﴾ وَإِمَّا خبران معنى وإنشاءان لفظا نَحْو قَوْلك للفخور: (ألم تكن نُطْفَة، وَألا تكون جيفة؟) أَو مُخْتَلِفَانِ لفظا بِأَن يكون لفظ الأولى إنْشَاء وَالثَّانيَِة خَبرا، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يُؤْخَذ عَلَيْهِم مِيثَاق الْكتاب أَن لَا يَقُولُوا على الله إِلَّا الْحق ودرسوا مَا فِيهِ﴾ أَي: أَخذ عَلَيْهِم أَو بِالْعَكْسِ نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي أشهد الله واشهدوا أَنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ أَي: وأشهدكم

стр. 329

وَأما إنشاءان معنى وخبران لفظا، أَو مُخْتَلِفَانِ كَذَلِك نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله وبالوالدين إحسانا﴾ على اخْتِلَاف الْقِرَاءَة وَالتَّقْدِير والجمل الَّتِي لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب حصروها فِي سبع: الابتدائية، والمعترضة، والتفسيرية، والمجاب بهَا الْقسم، والواقعة جَوَابا لشرط غير جازم مُطلقًا ك (لَو) و (لَوْلَا) و (لما) و (كَيفَ) ؛ أَو جازم وَلم يقرن بِالْفَاءِ وَلَا بإذا الفجائية، والواقعة صلَة اسْم أَو حرف، والتابعة لما لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب والجمل الَّتِي لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب حصروها فِي سبع أَيْضا: الخبرية، والحالية، والمحكية، والمضاف إِلَيْهَا، وَالْمُعَلّق عَنْهَا، والتابعة لما هُوَ مُعرب أَو ذُو مَحل، وَجَزَاء شَرط جازم بِالْفَاءِ وبإذا الفجائية وَالْجُمْلَة الَّتِي تكون صفة لما لَهَا مَوضِع لَهَا من الْإِعْرَاب بِحَسب إِعْرَاب موصوفها وَالْجُمْلَة الَّتِي تكون صلَة لَهَا لَا مَوضِع لَهَا من الْإِعْرَاب وَالْجُمْلَة المعترضة على مَا تقرر فِي علم الْمعَانِي يُؤْتى بهَا فِي أثْنَاء كَلَام أَو بَين كلامين متصلين معنى عِنْد الْأَكْثَرين وَجوز وُقُوعهَا فرقة فِي آخر الْكَلَام، لَكِن اتَّفقُوا على اشْتِرَاط أَن لَا يكون لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب؛ وَتَقَع بَين الْفِعْل ومرفوعه، وَبَين الْفِعْل ومفعوله، والمبتدأ وَالْخَبَر، وَمَا أَصلهمَا الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَالشّرط وَجَوَابه، والموصوف وَصفته، والموصول وصلته، وَبَين أَجزَاء الصِّلَة، والمتضايفين وَالْجَار وَالْمَجْرُور، والحرف النَّاسِخ وَمَا دخل عَلَيْهِ، وحرف التَّنْفِيس وَالْفِعْل، و (قد) وَالْفِعْل، وحرف النَّفْي ومنفيه، وَبَين جملتين مستقلتين، وبأكثر من جملتين وَكَثِيرًا مَا تَلْتَبِس بالحالية، ويميزها امْتنَاع قيام الْمُفْرد مقَامهَا، وَجَوَاز اقترانها بِالْفَاءِ أَو بِالْوَاو مَعَ تصديرها بالمضارع الْمُثبت، و (إِن) الشّرطِيَّة، و (لن) وَالسِّين و (سَوف) ، وَكَونهَا طلبية والحالية قيد لعامل الْحَال وَوصف لَهُ فِي الْمَعْنى، بِخِلَاف الاعتراضية، فَإِن لَهَا تعلقا بِمَا قبلهَا لَكِن لَيست بِهَذِهِ الْمرتبَة والاعتراض أبلغ من الْحَال، لِأَن فِيهِ عُمُوم الْحَال بِخِلَاف الْحَال وَالْوَاو الدَّاخِلَة عَلَيْهَا تسمى اعتراضية وَالْجُمْلَة القسمية لَا يُؤْتى بهَا إِلَّا لتأكيد الْجُمْلَة الْمقسم عَلَيْهَا الَّتِي هِيَ جوابها، وَالْجَوَاب متوقع للمخاطب عِنْد سَماع الْقسم، وَلِهَذَا كثر دُخُول لَام الْقسم على (قد) لما فِيهَا من التوقع وَالْجُمْلَة قد تقع صفة للمعارف بتوسط (الَّذِي) نَحْو: (جَاءَنِي زيد الَّذِي أَبوهُ قَائِم) وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة إِذا وَقعت حَالا استغني عَن الْجَزَاء لتجردها عَن معنى الشَّرْط وَالْجُمْلَة المصدرة بأداة السُّور تسمى كُلية وجزئية ومسورة وَإِن كَانَ الْمَوْضُوع معينا تسمى محصورة، وَإِلَّا تسمى مُهْملَة: وَالْجُمْلَة المستأنفة المقرونة بالعاطفة لَا تكون إِلَّا مُعْتَرضَة أَو مذيلة وَالْجُمْلَة إِذا وَقعت صفة للنكرة جَازَ أَن يدخلهَا الْوَاو وَهُوَ الصَّحِيح فِي إِدْخَال الْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وثامنهم كلبهم﴾

стр. 330

وَالْجُمْلَة اعْتبر فِيهَا الْهَيْئَة الاجتماعية دون الْجمع فَإِنَّهُ لم يعْتَبر فِيهِ ذَلِك [الْجِسْم: هُوَ فِي اللُّغَة مَبْنِيّ عَن التَّرْكِيب والتأليف بِدَلِيل أَنهم إِذا راموا تَفْضِيل الشَّخْص على شخص فِي التَّأْلِيف وَكَثْرَة الْأَجْزَاء يَقُولُونَ: فلَان أجسم من فلَان، إِذا كَانَ أَكثر مِنْهُ ضخامة وتأليف أَجزَاء وَاخْتلف النَّاس فِي تَحْدِيد الْجِسْم وَمَعْنَاهُ فَقيل: الْجِسْم هُوَ الْقَائِم بِنَفسِهِ، ورد بالجوهر الْفَرد وبالباري تَعَالَى، فَإِنَّهُ قَائِم بِنَفسِهِ وَلَيْسَ بجسم مَعَ أَنه مُخَالف لوضع اللُّغَة لما تحقق من أَن مَدْلُول الْجِسْم هُوَ التَّأْلِيف، وَلَا تأليف فِي الْجَوْهَر الْفَرد وَلَا فِي الْبَارِي تَعَالَى وَقيل: الْجِسْم هُوَ الْمَوْجُود، ورد بالجوهر الْفَرد وبالعرض فَإِنَّهُمَا شَيْء وليسا بجسم ﴿وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر﴾ وَالْمرَاد تحريفهم وتبدليهم، وأفعال الْعباد أَعْرَاض وَالله سُبْحَانَهُ شَيْء بالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ جسما والجسم: هُوَ جمَاعَة الْبدن والأعضاء من النَّاس وَغَيرهم وَسَائِر الْأَنْوَاع الْعَظِيمَة الْخلق، ك (الجسمان) ، بِالضَّمِّ، و (الجسماني) خطأ، يعنون بذلك مَا يكون حَالا فِي الْجِسْم، وَهُوَ خطأ لِأَن الشاذ لَا يُقَاس عَلَيْهِ والذات تطلق على الْجِسْم وَغَيره والشخص: لَا يُطلق إِلَّا على الْجِسْم والجسد: جسم ذُو لون كالإنسان وَالْملك وَالْجِنّ، وَمِنْه الجساد للزعفران، وَلذَلِك لَا يُطلق الْجَسَد على المَاء والهواء والجرم، بِالْكَسْرِ: الْجَسَد، كالجرمان والجسم: لطيف بَاطِن، والجرم كثيف دائر والأوائل ذكرُوا الْجِسْم والجرم؛ والمتكلمون ذكرُوا الْأَجْزَاء الْأَصْلِيَّة والفضيلة والجسم فِي بادئ النّظر هُوَ هَذَا الْجَوْهَر الممتد فِي الْجِهَات، أَعنِي الصُّورَة الجسمية وَأما أَن هَذَا الْجَوْهَر قَائِم بجوهر آخر فمما لَا يثبت إِلَّا بأنظار دقيقة فِي أَحْوَال الْجَوْهَر الممتد والجسم لَا تخرج أجزاؤه عَن كَونهَا أجساما وَإِن قطع وجزئ، بِخِلَاف الشَّخْص فَإِنَّهُ يخرج بالتجزؤ عَن كَونه شخصا وأطراف الرَّأْس دَاخل فِي الْجَسَد دون الْبدن لِأَن الْبدن مَا سوى الْأَطْرَاف من الْمنْكب إِلَى الألية، فالرأس والعنق وَالْيَد وَالرجل يدْخل فِي حكم الطَّهَارَة تَغْلِيبًا والرقبة: اسْم للبنية مُطلقًا والجثمان: بالثاء الْمُثَلَّثَة: شخص الْإِنْسَان قَاعِدا والجسم: إِمَّا بسيط وَهُوَ الَّذِي لم يتألف من اجسام مُخْتَلفَة الطبائع، أَو مركب إِن تألف والبسيط إِن كَانَ جزؤه كالكل فِي الرَّسْم وَالْحَد فَهُوَ الْبَسِيط العنصري، وَإِلَّا فالفلكي والمركب إِن لم يكن لَهُ النمو فَهُوَ الجماد، وَإِلَّا فَإِن لم يكن لَهُ الْحس فَهُوَ النَّبَات، وَإِن كَانَ فَإِن

стр. 331

لم يكن مَعَ ذَلِك نطق فَهُوَ الْحَيَوَان غير الْإِنْسَان، وَإِن كَانَ فَهُوَ الْإِنْسَان والنزاع بَين الأشاعرة والمعتزلة فِي أَن لفظ الْجِسْم فِي اللُّغَة هَل يُطلق على الْمُؤلف المنقسم وَلَو فِي جِهَة وَاحِدَة؟ أَو على الْمُؤلف المنقسم فِي الْجِهَات الثَّلَاث؟ فَحَيْثُ وَقع فِي " الْمَقَاصِد " من أَن النزاع معنوي يُرَاد بِهِ الأول، وَحَيْثُ وَقع فِي " المواقف " من أَن النزاع لَفْظِي يُرَاد بِهِ الثَّانِي فالنزاع لَفْظِي والجسم النَّاطِق هُوَ تَمام الْمُشْتَرك بَين الْإِنْسَان وَالْملك عِنْد الْمُتَكَلِّمين، وَبَين الْإِنْسَان والفلك عِنْد الْحُكَمَاء، مَعَ أَن تَمام الْمُشْتَرك بَين الْحَيَوَان وَالْملك هُوَ الْجِسْم عِنْد الْمُتَكَلِّمين والجوهر عِنْد الْحُكَمَاء؛ وَبَين الْحَيَوَان والفلك هُوَ الْجِسْم اتِّفَاقًا والجسم والجوهر فِي اللُّغَة بِمَعْنى، وَإِن كَانَ الْجِسْم أخص من الْجَوْهَر اصْطِلَاحا، لِأَنَّهُ الْمُؤلف من جوهرين أَو أَكثر، على الْخلاف فِي أقل مَا يتركب مِنْهُ الْجِسْم على مَا بَين فِي المطولات والجوهر يصدق بِغَيْر الْمُؤلف وبالمؤلف والفلاسفة يطلقون الْجِسْم على مَاله مَادَّة، والجوهر على مَا لَا مَادَّة لَهُ ويطلقون الْجَوْهَر أَيْضا على كل متحيز، فَيكون أَعم من الْجِسْم على الْوَجْه الثَّانِي، وبالمعنى الأول يطلقون اسْم الْجَوْهَر على الْبَارِي تَعَالَى والجسم جَوْهَر بسيط لَا تركيب فِيهِ بِحَسب الْخَارِج أصلا، وَهَذَا عِنْد أفلاطون فَإِنَّهُ لم يقل إِلَّا بالصورة الجسمية وَأما عِنْد أرسطو فالجسم مركب من حَال وَمحل؛ فالحال هُوَ الصُّورَة، وَالْمحل هُوَ الهيولى وَأما عِنْد جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين وَبَعض الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين فَهُوَ مركب من أَجزَاء متناهية لَا تتجزأ بِالْفِعْلِ وَلَا بالوهم، وَتسَمى تِلْكَ الْأَجْزَاء جَوَاهِر فردة [تتألف مِنْهَا الْأَجْسَام متماثلة لَا تتمايز إِلَّا بالأعراض] ، إِذْ لَو لم يتناه الْجُزْء كَانَ الْعَالم أبديا مشاركا لأحد وصفي قديم، وَهُوَ عدم الِانْتِهَاء، كَمَا أَن الْعَالم مشارك الْقَدِيم عِنْد الدهري فِي الِابْتِدَاء لعدم الدُّخُول فِي وجوده تَحت الْقُدْرَة فالتناهي يُؤَدِّي إِلَى حُدُوث الْعَالم كَمَسْأَلَة الْحَوْض الْكَبِير إِذا وَقعت نَجَاسَة فِيهِ، فعلى تناهي الْجُزْء طَاهِر، وعَلى عدم التناهي غير طَاهِر، وَلَو قلت: كَانَ فِي كل قطرات المَاء نَجَاسَة فعلى تَقْدِير ثُبُوت الْجَوْهَر الْفَرد لَا صُورَة وَلَا هيولى وَلَا مَا يتركب مِنْهُمَا، بل هُنَاكَ جسم مركب من جَوَاهِر فردة، فاستحال خلوه عَن الأكوان الَّتِي هِيَ عبارَة عَن الْحَرَكَة والسكون والاجتماع والافتراق وَهِي معَان حَادِثَة، فيترتب عَلَيْهَا أَن مَا لَا يَخْلُو عَن الأكوان الْحَادِثَة لَا يسبقها، وَمَا لَا يسْبق الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث، أَو يُؤَدِّي إِلَى مَا لَا أول لَهُ من الْحَوَادِث، وَهُوَ محَال وَاعْلَم أَن عُظَمَاء قدماء الْحُكَمَاء لما وقفُوا على حجَّة تدل على نفي الْجُزْء أذعنوا لَهَا، وحكموا بِأَن الْجِسْم يَنْقَسِم انقسامات لَا تتناهى؛ وَلما وقفُوا أَيْضا على حجَّة تدل على عدم الِاتِّصَال، وَهِي أَنه لَو كَانَ الْجِسْم مُتَّصِلا يلْزم انعدامه بكليته

стр. 332

عِنْد انْفِصَال شَيْء قَلِيل مِنْهُ، وأذعنوا لَهَا وأنكروه وَقَالُوا صَرِيحًا بِأَن جَمِيع أَجزَاء الْجِسْم مَوْجُودَة بِالْفِعْلِ فلزمهم بِحكم هَذِه الْمُقدمَات القَوْل بِوُجُود الْجُزْء وتركب الْجِسْم مِنْهُ، إِلَّا أَنهم رَأَوْا أَن فِي عدم تناهي الانقسام مخلصا عَنهُ، إِذْ حِينَئِذٍ يكون كل جُزْء منقسما، وَإِلَّا يلْزم تناهي الْقِسْمَة عِنْده، وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض، فَلم يلتزموا بِوُجُود الْجُزْء، فالخلل فِي مَذْهَبهم من جِهَة أَنهم جمعُوا بَين مقدمتين، مُوجب إِحْدَاهمَا وجود الْجُزْء، وَمُوجب الْأُخْرَى عَدمه، وَلَا يخفى أَن مُنَافَاة الموجبين مستلزمة لمنافاة الموجبين، هَكَذَا قَرَّرَهُ بعض الْفُضَلَاء، وَذهب من كَانَ قبل أرسطو مثل سقراط وفيثاغورث إِلَى قدم الْأَجْسَام بذواتها، سَوَاء كَانَت فلكية أَو عنصرية؛ وحدوث صورها وصفاتها وَبَاقِي أحوالها والجسم الطبيعي: هُوَ الَّذِي يفْرض فِيهِ أبعاد ثَلَاثَة متقاطعة على زَوَايَا قَائِمَة والجسم التعليمي: هُوَ عرض لَا وجود لَهُ على الِاسْتِقْلَال الْجَوْهَر: هُوَ والذات والماهية والحقيقة كلهَا أَلْفَاظ مترادفة [وَالْمَشْهُور فِيمَا بَين الفلاسفة اسْتِعْمَال الْجَوْهَر بِمَعْنى الْمَوْجُود الْقَائِم بِنَفسِهِ وَبِمَعْنى الذَّات والحقيقة، وَبَين الْمُتَكَلِّمين هُوَ بِمَعْنى المتحيز بِالذَّاتِ، وَمعنى الْقيام بِنَفسِهِ أَن يَصح وجوده من غير مَحل يقوم بِهِ، لَا مَا يَسْتَغْنِي وجوده عَن غَيره كَمَا قَالَه الْأَشْعَرِيّ حَتَّى قَالَ: لَا قَائِم بِالنَّفسِ إِلَّا الله، فَأنْكر قيام الْجَوَاهِر بِنَفسِهَا وَكَون الْجَوَاهِر أصلا للمركبات حدا لَهُ أَو عِلّة أقوى من كَون الْقيام بِالذَّاتِ حدا لَهُ أَو عِلّة، لما أَن فِي لفظ الْجَوْهَر مَا يُنبئ عَن كَونه أصلا، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنبئ عَن الْقيام بِالذَّاتِ وَاسم الْجَوْهَر لَيْسَ باسم لمُطلق الْوُجُود، بل هُوَ اسْم لموجود يتركب مِنْهُ وَمن غَيره الْجِسْم، أَو لما هُوَ قَابل للأعراض، حَتَّى إِنَّه لَا يتَنَاوَل مَوْجُودا لَيْسَ يتركب مِنْهُ الْأَجْسَام، وَلَا مَوْجُودا لَا يقبل الْعرض، وَكَذَلِكَ الْعرض لَيْسَ باسم لمُطلق الْمَوْجُود، إِذْ موجودات كَثِيرَة لَيست بأعراض، بل هُوَ اسْم لما يعرض فِي الْجَوْهَر مِمَّا يَسْتَحِيل بَقَاؤُهُ، فَمَا لم يُوجد فِيهِ هَذَا الْمَعْنى لم يكن عرضا، وَكَذَا كل اسْم جنس كالحيوان والنبات وَغير ذَلِك] ثمَّ الْجَوْهَر مُمكن الْوُجُود لَا فِي مَوْضُوع عِنْد الْحُكَمَاء؛ وحادث متحيز عِنْد الْمُتَكَلِّمين والمتحيز: الشاغل للحيز الَّذِي هُوَ عِنْد الْمُتَكَلِّمين الْفَرَاغ المتوهم المشغول بالشَّيْء الَّذِي لَو لم يشْغلهُ لَكَانَ ذَا خلاء كداخل الْكوز للْمَاء وَقد يذكر وَيُرَاد بِهِ أحد أُمُور أَرْبَعَة: الأول: المتحيز الَّذِي لَا يقبل الْقِسْمَة هَذَا على قَول من يثبت الْجَوْهَر الْفَرد الْمُسَمّى بالجزء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ لَا كسرا لصغره، وَلَا قطعا لصلابته، وَلَا وهما لِامْتِنَاع تميزه، وَلَا فرضا لاستلزام

стр. 333

انقسام مَالا يَنْقَسِم فِي نفس الْأَمر، إِذْ لَيْسَ الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ جسما على مَا ذكره المتكلمون، بل لَا يُمكن أَن يكون جسما والجسم عِنْد الْحُكَمَاء مَأْخُوذ مِنْهُ فِي الْوَاقِع، وَقد يطلع الله بعض أوليائه عَلَيْهِ وَالثَّانِي: هُوَ الذَّات الْقَابِلَة لتوارد الصِّفَات المتضادة عَلَيْهَا وَالثَّالِث: أَنه الْمَاهِيّة الَّتِي إِذا وجدت فِي الْأَعْيَان كَانَت فِي مَوْضُوع أَي ذَات، وَيخرج عَنهُ الْوَاجِب لذاته، إِذْ لَيْسَ لَهُ مَاهِيَّة وَرَاء الْوُجُود وَالرَّابِع: أَنه الْمَوْجُود الْغَنِيّ عَن مَحل يحل فِيهِ فالجوهر بِهَذَا الْمَعْنى يجوز إِطْلَاقه على الْبَارِي تَعَالَى من حَيْثُ الْمَعْنى، لوُجُود الْمَعْنى الْمُصَحح لَهُ فِيهِ، لَا من حَيْثُ اللَّفْظ أما سمعا فلعدم وُرُود الْإِذْن من الشَّارِع بِصَرِيح إِطْلَاقه على الْوَاجِب فِي الْكتاب وَالسّنة، أَو بِمَا يرادفه، أَو بِمَا كَانَ مَوْصُوفا بِمَعْنَاهُ وَلَا يَكْفِي فِي صِحَة الْأَجْزَاء على الْإِطْلَاق مُجَرّد وُقُوع مَا لَا يَصح إِطْلَاقه على الْوَاجِب فِي الْكتاب وَالسّنة بِحَسب اقْتِضَاء الْمقَام وَسِيَاق الْكَلَام، بل يجب أَن لَا يَخْلُو عَن نوع وتعظيم ورعاية أدب وَأما عقلا فلإيهامه لما يُنَافِي الألوهية من تبادر الْفَهم إِلَى المتحيز الْمحَال إِطْلَاقه على الْوَاجِب تَعَالَى وَاعْلَم أَن الْقَائِم بِالنَّفسِ الَّذِي يكون متحيزا وقابلا للْقِسْمَة هُوَ الْجِسْم؛ والقائم بِالنَّفسِ الَّذِي يكون متحيزا لَا قَابلا للْقِسْمَة هُوَ الْجَوْهَر الْفَرد، والقائم بِالنَّفسِ الَّذِي لَا يكون متحيزا هُوَ الْجَوْهَر الروحاني، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون مثلا للباري تَعَالَى، إِذْ الِاشْتِرَاك فِي السلوب لَا يُوجب الِاشْتِرَاك فِي الْمَاهِيّة وَاتفقَ الْحُكَمَاء على أَن كل جَوْهَر عَاقل فَهُوَ لَيْسَ بجسم وَلَا بجسماني (والجوهر عبارَة عَن الأَصْل فِي اللُّغَة أَي أصل المركبات، لَا عَن الْقَائِم بِالذَّاتِ) والجواهر الْعَقْلِيَّة هِيَ الْعُقُول الْعشْرَة، والجسمية هِيَ الهيولى وَالصُّورَة والنفسانية هِيَ نفس الْحَيَوَان وَالْمرَاد بالجواهر فِي عرف النَّحْوِيين الْأَجْسَام المتشخصة والجوهر والكم كِلَاهُمَا جنس عِنْد الْحُكَمَاء؛ وَعند غَيرهم: الْكمّ جنس والجوهر كالجنس وللجوهر تحققان: تحقق فِي نَفسه وَهُوَ الْوُجُود الْمُقَابل لعدمه، وَتحقّق فِي مَكَانَهُ وَهُوَ حُصُوله فِيهِ، بِخِلَاف الْعرض، فَإِنَّهُ لما لم يقم بِنَفسِهِ كَانَ تحَققه حصولي فِي مَوْضُوعه بِحَيْثُ لَا يتمايزان فِي الْإِشَارَة الحسية كاللون مَعَ المتلون، بِخِلَاف الْجِسْم فِي الْمَكَان وخلو الْجَوْهَر عَن أعراضه مُمْتَنع عِنْد أهل الْحق مُفردا كَانَ الْجَوْهَر أَو مركبا مَعَ جَوْهَر آخر، وَهُوَ الْجِسْم، إِذْ لَا يُوجد جَوْهَر بِدُونِ تشخصه، وتشخصه إِنَّمَا هُوَ بأعراضه، فَيجب أَن يقوم بِهِ عِنْد تشخصه بِشَيْء من الْأَعْرَاض والجوهر جنس للأنواع المندرجة تَحْتَهُ عرض عَام لفصولها، بل كل جنس بِالْقِيَاسِ إِلَى الْفَصْل الَّذِي يقسمهُ عرض عَام لَهُ الْجعل: (جعل) أَعم من (فعل) و (صنع)

стр. 334

وَسَائِر أخواتها، وَهُوَ يجْرِي مجْرى (صَار) و (طفق) فَلَا يتَعَدَّى نَحْو (جعل زيد يفعل كَذَا) أَي: أقبل وَأخذ وَشرع وتلبس وَمعنى ﴿مَا جعل الله﴾ : مَا شرع وَمَا وضع وَلذَلِك تعدى إِلَى مفعول وَاحِد وَهُوَ الْبحيرَة وَيجْرِي مجْرى (أوجد) فيتعدى إِلَى وَاحِد أَيْضا نَحْو: ﴿وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ وَيكون بِمَعْنى إِيجَاد شَيْء من شَيْء وتكوينه مِنْهُ نَحْو: ﴿جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا﴾ وَبِمَعْنى تصيير الشَّيْء على حَالَة دون حَالَة، فيتعدى إِلَى اثْنَيْنِ نَحْو: ﴿جعل لكم الأَرْض فراشا﴾ والتصيير يكون بِالْفِعْلِ نَحْو: (جعلت الْفضة خَاتمًا) وبالقول غير مُسْتَند إِلَى وثوقه نَحْو: (جعلت زيدا أَمِيرا) ؛ وبالعقد نَحْو: (جعلت زيدا قَائِما) وَهُوَ اعْتِقَاد كَون الشَّيْء على صفة اعتقادا غير مُطَابق للْوَاقِع وَيكون الْجعل بِمَعْنى الحكم بالشَّيْء على الشَّيْء حَقًا كَانَ نَحْو: ﴿جاعلوه من الْمُرْسلين﴾ أَو بَاطِلا نَحْو: ﴿الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين﴾ وَبِمَعْنى بعث نَحْو: ﴿وَجَعَلنَا مَعَه أَخَاهُ هَارُون وزيرا﴾ وَبِمَعْنى قَالَ نَحْو: ﴿وَجعلُوا لله أندادا﴾ وَبِمَعْنى تبين نَحْو: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ و ﴿جعلنَا لكل نَبِي عدوا﴾ وَقَالَ الشَّاعِر: (جعلنَا لَهُم نهج الطَّرِيق فَأَصْبحُوا ... على ثَبت من أَمرهم حَيْثُ يمموا) وَبِمَعْنى التَّسْمِيَة نَحْو: ﴿وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا﴾ و (جعلت زيدا أَخَاك) : نسبته إِلَيْك و (جعل لَهُ كَذَا على كَذَا) : شارطه بِهِ عَلَيْهِ وَلَا يُقَال: (جعل كَذَا إِلَيْهِ) إِلَّا بتضمين معنى الضَّم وَجعل الشَّيْء جعلا: وَضعه و [جعل] بعضه فَوق بعض: أَلْقَاهُ والجعل: بِالضَّمِّ: أَعم من الْأجر وَالثَّوَاب والجعل لَا يسْتَعْمل لابتداء الْفِعْل وإنشائه، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ وَلِهَذَا قَالُوا: إِذا قَالَت الْمَرْأَة: (جعلت نَفسِي لَك بِكَذَا) وَقبل كَانَ نِكَاحا إِذا كَانَ بِحَضْرَة الشُّهُود، بِخِلَاف الْإِجَازَة، فَإِنَّهَا تسْتَعْمل لتنفيذ مَا تقدم الْجِهَة: هِيَ والحيز متلازمان فِي الْوُجُود، لِأَن كلا مِنْهُمَا مقصد للمتحرك الأيني، إِلَّا أَن الحيز مقصد للمتحرك بالحصول فِيهِ، والجهة مقصد لَهُ بالوصول إِلَيْهَا والقرب مِنْهَا فالجهة مُنْتَهى الْحَرَكَة، لَا مَا يَصح فِيهِ الْحَرَكَة، وَلِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مقصد الْإِشَارَة الحسية، فَمَا يكون مُخْتَصًّا بِجِهَة يكون مُخْتَصًّا بحيز والجهة قِسْمَانِ:

стр. 335

حَقِيقَة لَا تتبدل أصلا، وَهِي الفوق والتحت وَإِنَّمَا يتبدلان بتبدل جِهَة الرَّأْس وَالرجل فِي الْحَيَوَانَات، كَمَا فِي النملة والذباب وأشباههما، حَيْثُ تدب منتكسة تَحت السّقف وعَلى مقعرها وَغير حَقِيقِيَّة وَهِي تتبدل بِالْعرضِ، وَهِي الْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة والأولان جهتان وَاقِعَتَانِ بالطبع لَا يتغيران بِالْعرضِ والجهات المتبدلة بِالْعرضِ غير متناهية لِأَن الْجِهَة طرف الامتداد، وَيُمكن أَن يفْرض فِي كل جسم امتدادات غير متناهية فَيكون كل طرف مِنْهَا جِهَة فَالْحكم بِأَن الْجِهَات سِتّ مَشْهُور عَامي، وَلَيْسَ بِحَق عِنْد الْخَاص، فَإِن الْجِسْم يُمكن أَن يفْرض فِيهِ أبعاد ثَلَاثَة متقاطعة على زَوَايَا قَوَائِم، وَلكُل بعد مِنْهَا طرفان، فَلِكُل جسم جِهَات سِتّ فَهَذَا الِاعْتِبَار يشْتَمل على الِاعْتِبَار الْمَشْهُور مَعَ زِيَادَة هِيَ تقاطع الأبعاد على زَوَايَا قَوَائِم وَلَا شكّ أَن قيام بعض الامتدادات على بعض مِمَّا لَا يجب فِي اعْتِبَار الْجِهَات فَتكون غير متناهية، لِإِمْكَان أَن يفْرض فِي جسم وَاحِد امتدادات غير متناهية هَكَذَا حَقَّقَهُ بعض الْفُضَلَاء الْجُنُون: هُوَ اخْتِلَاف الْقُوَّة المميزة بَين الْأُمُور الْحَسَنَة والقبيحة، المدركة للعواقب بِأَن لَا يظْهر أَثَرهَا ويتعطل أفعالها إِمَّا بِالنُّقْصَانِ الَّذِي جبل عَلَيْهِ دماغه فِي أصل الْخلقَة، وَإِمَّا بِخُرُوج مزاج الدِّمَاغ عَن الِاعْتِدَال بِسَبَب خلط أَو آفَة، وَإِمَّا لاستيلاء الشَّيْطَان عَلَيْهِ وإلقاء الخيالات الْفَاسِدَة إِلَيْهِ، بِحَيْثُ يفزع من غير مَا يصلح سَببا والسفه: الخفة، والحلم يُقَابله وَفِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء: عبارَة عَن التَّصَرُّف فِي المَال بِخِلَاف مُقْتَضى الشَّرْع وَالْعقل بالتبذير فِيهِ والإسراف مَعَ قيام خفَّة الْعقل فَلَا يدْفع إِلَيْهِ مَاله قبل الْبلُوغ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا﴾ إِلَى آخِره وَأما عدم الدّفع إِلَيْهِ بعد الْبلُوغ قبل الإيناس فَلَا دلَالَة عَلَيْهِ فِي هَذِه الْآيَة أما منطوقا فَظَاهر، وَأما مفهوما فَلِأَن مَفْهُوم قَوْله: ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا﴾ عدم الدّفع على الْفَوْر، لَا عدم الدّفع مُطلقًا قَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا زَادَت على سنّ الْبلُوغ سبع سِنِين وَهِي مُدَّة مُعْتَبرَة فِي تغير الْأَحْوَال، إِذْ الطِّفْل يُمَيّز بعْدهَا وَيُؤمر بِالْعبَادَة تدفع إِلَيْهِ المَال، وَإِن لم يؤنس مِنْهُ الرشد فسن الرشد عِنْد الإِمَام هُوَ أَن يبلغ سنّ الجدية، وَهُوَ خمس وَعِشْرُونَ سنة، فَإِن أقل مُدَّة الْبلُوغ اثْنَتَا عشرَة سنة، وَأَقل مُدَّة الْحمل نصف سنة، فَأَقل مَا يُمكن أَن يصير الْمَرْء فِيهِ جدا ذَلِك وَعند الْإِمَامَيْنِ إِلَى الرشد، وَهُوَ الصّلاح فِي الْعقل وَالْحِفْظ وَالْمَال والعته: آفَة توجب خللا فِي الْعقل، فَيصير صَاحبه مختلط الْكَلَام يشبه بعض كَلَامه بِكَلَام الْعُقَلَاء وَبَعضه بِكَلَام المجانين وَكَذَا سَائِر أُمُوره؛ فَكَمَا أَن الْجُنُون يشبه أول أَحْوَال الصَّبِي فِي عدم الْعقل يشبه العته أَحْوَال اصبي فِي وجود أصل الْعقل مَعَ تمكن خلل فِيهِ وَقيل: الْعَاقِل من يَسْتَقِيم حَاله وَكَلَامه غَالِبا وَلَا يكون غَيره إِلَّا نَادرا، وَالْمَجْنُون ضِدّه وَالْمَعْتُوه: من يخْتَلط حَاله وَكَلَامه فَيكون هَذَا غَالِبا

стр. 336

وَذَاكَ غَالِبا وَقَالَ بَعضهم: الْمَجْنُون من يفعل مَا يَفْعَله الْعُقَلَاء لَا عَن قصد؛ والعاقل من يفعل مَا يَفْعَله المجانين فِي الْأَحَايِين لَكِن عَن قصد؛ وَالْمَعْتُوه من يفعل مَا يَفْعَله المجانين فِي الْأَحَايِين لَكِن عَن قصد وَتَفْسِير الْقَصْد: هُوَ أَن الْعَاقِل يفعل على ظن الصّلاح، وَالْمَعْتُوه يفعل مَعَ ظُهُور وَجه الْفساد والمغفل: اسْم مفعول من التغفل، وَهُوَ الَّذِي لَا فطنة لَهُ وجنون مطبق: بِالْكَسْرِ ومجنونة مطبق عَلَيْهَا، بِالْفَتْح [وَمعنى مطبق: الممتد، والامتداد عبارَة عَن تعاقب الْأَزْمِنَة وَلَيْسَ لَهُ حد معِين فقدروه بالأدنى، وَهُوَ أَن يستوعب الْجُنُون وَظِيفَة الْوَقْت وَهُوَ الْيَوْم وَاللَّيْلَة فِي الصَّلَاة وَجَمِيع الشَّهْر فِي حق سُقُوط الصَّوْم] الْجَهْل: يُقَال للبسيط، وَهُوَ عدم الْعلم عَمَّا من شَأْنه أَن يكون عَالما، وَيُقَال أَيْضا للمركب، وَهُوَ عبارَة عَن اعْتِقَاد جازم غير مُطَابق، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يعْتَقد الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَهَذَا جهل آخر قد تركبا مَعًا وَيقرب من الْبَسِيط السَّهْو وَسَببه عدم استثبات التَّصَوُّر، فَيثبت مرّة وَيَزُول أُخْرَى، وَيثبت بدله تصور آخر، فيشتبه أَحدهمَا بِالْآخرِ اشتباها غير مُسْتَقر، حَتَّى إِذا نبه بِأَدْنَى تنبه وَعَاد إِلَى التَّصَوُّر الأول وَيقرب من الْجَهْل أَيْضا الْغَفْلَة، وَيفهم مِنْهَا عدم التَّصَوُّر مَعَ وجود مَا يَقْتَضِيهِ كَذَلِك يقرب مِنْهُ الذهول، وَسَببه عدم استثبات التَّصَوُّر حيرة ودهشا وَالْجهل يُقَال اعْتِبَارا بالاعتقاد؛ والغي يُقَال اعْتِبَارا بالأفعال وَلِهَذَا قيل: زَوَال الْجَهْل بِالْعلمِ، وَزَوَال الغي بِالرشد، وَيُقَال لمن أصَاب: رشد؛ وَلمن أَخطَأ: غوى وَالْجهل أَنْوَاع: بَاطِل لَا يصلح عذرا، وَهُوَ جهل الْكَافِر بِصِفَات الله وَأَحْكَامه، وَكَذَا جهل الْبَاغِي وَجَهل من خَالف فِي اجْتِهَاده الْكتاب وَالسّنة، كالفتوى بِبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، بِخِلَاف الْجَهْل فِي مَوضِع الِاجْتِهَاد فَإِنَّهُ يصلح عذرا وَهُوَ الصَّحِيح وَكَذَا الْجَهْل فِي مَوضِع الشُّبْهَة وَأما جهل ذَوي الْهوى بِالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلّقَة بِالآخِرَة كعذاب الْقَبْر والرؤية والشفاعة لأهل الْكَبَائِر، وعفو مَا دون الْكفْر، وَعدم خُلُود الْفُسَّاق فِي النَّار فَلم يكن هَذَا الْجَهْل عذرا لكَونه مُخَالفا للدليل الْوَاضِح فِي الْكتاب وَالسّنة والمعقول، لكنه لما نَشأ من التَّأْوِيل للأدلة كَانَ دون جهل الْكَافِر وَجَهل مُسلم فِي دَار الْحَرْب لم يُهَاجر إِلَيْنَا بالشرائع كلهَا يكون عذرا حَتَّى لَو مكث ثمَّة مُدَّة وَلم يصل وَلم يصم وَلم يعلم أَنَّهُمَا واجبان عَلَيْهِ لَا يجب الْقَضَاء بعد الْعلم بِالْوُجُوب، خلافًا لزفَر، لِأَن الْخطاب النَّازِل خَفِي فِي حَقه، فَيصير الْجَهْل بِهِ عذرا، لِأَنَّهُ غير مقصر، وَإِنَّمَا جَاءَ الْجَهْل من قبل خَفَاء الدَّلِيل وَيلْحق بِهَذَا الْجَهْل جهل الشَّفِيع بِالْبيعِ، وَالْأمة بِالْإِعْتَاقِ، وَالْبكْر بِنِكَاح الْوَلِيّ، وَالْوَكِيل والمأذون بِالْإِطْلَاقِ وضده الْجِنّ: حَده أَبُو عَليّ بن سينا بِأَنَّهُ حَيَوَان هوائي

стр. 337

يتشكل بأشكال مُخْتَلفَة ثمَّ قَالَ: وَهَذَا شرح الِاسْم أَي بَيَان لمدلول هَذَا اللَّفْظ مَعَ قطع النّظر عَن انطباقه على حَقِيقَة خارجية، سَوَاء كَانَ مَعْدُوما فِي الْخَارِج أَو مَوْجُودا وَلم يعلم وجوده فِيهِ، فَإِن التَّعْرِيف الاسمي لَا يكون إِلَّا كَذَلِك، بِخِلَاف التَّعْرِيف الْحَقِيقِيّ، فَإِنَّهُ عبارَة عَن تصور مَا لَهُ حَقِيقَة خارجية فِي الذِّهْن [وَقد دلّ الْكتاب وأخبار الْأَنْبِيَاء على وجود الْجِنّ] ، وَجُمْهُور ارباب الْملَل المصدقين بالأنبياء قد اعْتَرَفُوا بِوُجُودِهِ، واعترف بِهِ جمع عَظِيم من قدماء الفلاسفة أَيْضا [وَمن أحَاط معرفَة بعجائب المقدورات وَمَا خلق الله من السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا من الْعَجَائِب والغرائب علم أَن خلق الْجِنّ مِمَّا لَيْسَ بمحال بِنَفسِهِ، وَلَا الْقُدْرَة الأزلية قَاصِرَة عَنهُ، وَلَا أَنه مِمَّا يلْزم عَنهُ إبِْطَال قَاعِدَة من الْقَوَاعِد الْعَقْلِيَّة وَلَا هدم أصل من الْأُصُول الدِّينِيَّة فَلم يستدع وجود الْجِنّ وَالْعَمَل بظواهر الْأَدِلَّة السمعية من غير تَأْوِيل، وَغَايَة مَا فِيهِ وجود أشخاص بَيْننَا لَا نراهم، وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يمْنَع من وجودهم وَإِلَّا لزم مِنْهُ امْتنَاع وجود الْمَلَائِكَة والحفظة الْكَاتِبين، وَهُوَ خلاف مَذْهَب الْمُسلمين وأرباب الشَّرَائِع ثمَّ نقُول: خُرُوج الشَّيْء عَن الْوَهم الَّذِي هُوَ نتيجة الْحس مِمَّا لَا يُوجب اسْتِحَالَة ثُبُوته عِنْد قيام الدَّلِيل على ثُبُوته، فَإِن الْعلم مُحِيط بِثُبُوت الرّوح فِي الْبدن وَثُبُوت الْعقل فِيهِ وَوُجُود الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة لثبوتهم بِالدَّلِيلِ وَإِن كُنَّا لم نعاينهم وَمن يتبع الْوَهم فَأول مَا يلْزمه إِنْكَار ثُبُوت صانع لَيْسَ بجوهر وَلَا جسم وَلَا عرض وَلَا قَائِم بِنَاؤُه بِجِهَة من الْجِهَات منا وَلَا اتِّصَال لَهُ بِنَا، وَلَا انْفِصَال لَهُ عَنَّا، وَيلْزمهُ أَن يخرج ثُبُوت الصَّانِع عَن الْعقل لِخُرُوجِهِ عَن الْوَهم، وَيَقُول: إِن ثُبُوته لَيْسَ بمعقول لَا إِنَّه لَيْسَ بموهوم، فَمن أقرّ بِثُبُوت الصَّانِع اتبَاعا للدليل وَإِن لم يَتَقَرَّر ذَلِك فِي الْوَهم يلْزمه الْإِقْرَار بذلك اتبَاعا لما أَقَمْنَا من الدَّلِيل وَإِن لم يتَصَوَّر ذَلِك فِي الْوَهم] وَالْجِنّ يُقَال على وَجْهَيْن: أَحدهمَا للروحانيين المستترة عَن الْحَواس كلهَا بِإِزَاءِ الْإِنْس فعلى هَذَا يدْخل فِيهِ الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو صَالح: الْمَلَائِكَة كلهَا جن نعم إِلَّا أَن يُقَال بِأَن هَذَا من بَاب تَقْيِيد الْمُطلق بِسَبَب الْعرف وَالثَّانِي أَن الْجِنّ بعض الروحانيين، وَذَلِكَ أَن الروحانيين ثَلَاثَة: أخيار: وهم الْمَلَائِكَة وأشرار: وهم الشَّيَاطِين وأخيار وأشرار: وهم الْجِنّ وَظَاهر الْكَلَام الفلاسفة أَن الْجِنّ وَالشَّيَاطِين هم النُّفُوس البشرية الْمُفَارقَة عَن الْأَبدَان بِحَسب الْخَيْر وَالشَّر وَمِمَّا توقف فِيهِ أَبُو حنيفَة ثَوَاب الْجِنّ بِنَاء على أَن الإثابة لَا تجب على الله فَلَا يسْتَحق العَبْد الثَّوَاب على الله تَعَالَى بِالطَّاعَةِ، وَالْمَغْفِرَة لَا تَسْتَلْزِم الإثابة لِأَنَّهُ ستر؛ والإثابة بالوعد فضل هَذَا هُوَ الْقيَاس إِلَّا أَن الْأَثر ورد فِي بني آدم فَصَارَ معدولا عَنهُ، وَلم يرد فِي حق من آمن من الْجِنّ إِلَّا سُقُوط عُقُوبَة الْكفْر عَنْهُم فهم يبعثون ويحاسبون ويعذب من كفر مِنْهُم فِي جَهَنَّم وَيجْعَل من آمن مِنْهُم تُرَابا

стр. 338

وَمن قَالَ بالْحسنِ والقبح العقليين وبوجوب ثَوَاب الْمُطِيع لله تَعَالَى فَإِنَّهُ يقطع بِأَن مؤمني الْجِنّ يدْخلُونَ الْجنَّة ويثابون فِيهَا وَمن لَا يَقُول بهما وَذهب إِلَى إثابتهم بِالْجنَّةِ والحور الْعين من الجنيات فَإِنَّمَا يذهب إِلَيْهَا اسْتِدْلَالا بقوله تَعَالَى ﴿حور مقصورات فِي الْخيام﴾ وبكونهن ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ حَيْثُ فهم مِنْهُ أَن كل فريق مِنْهُم يدْخلُونَ الْجنَّة ويثابون بنعيمها ويطمثون مَا أعد لَهُم من الْحور الْعين وَالصَّحِيح أَن المُرَاد بالتوقف التَّوَقُّف فِي المآكل والمشارب لَا الدُّخُول فِي الْجنَّة كدخول الْمَلَائِكَة للسلام والزيارة والخدمة ذكر أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ أَن أهل السّنة يَقُولُونَ: إِن الْجِنّ تدخل فِي بدن المصروع وَفِي " المواقف تقدر على أَن تلج فِي بواطن الْحَيَوَانَات وتنفذ فِي منافذها الضيقة نُفُوذ الْهَوَاء المستنشق [وَفِي حَاشِيَة عِصَام على " الْأَنْوَار " كَون المصروع ممسوس الشَّيْطَان بَاطِل، بل هُوَ مرض] وَذكر وهب أَن من الْجِنّ من يُولد لَهُم ويأكلون وَيَشْرَبُونَ بِمَنْزِلَة الْآدَمِيّين، وَمِنْهُم بِمَنْزِلَة الرّيح وَالْجِنّ يَمُوت، والشيطان يَمُوت إِذا مَاتَ إِبْلِيس وَالْجنَّة، بِالْكَسْرِ: الْجِنّ وَالْجُنُون أَيْضا وبالفتح: الْبُسْتَان، وبالضم نوع من السِّلَاح والجنان: بِالْفَتْح: الْقلب والجنين: الْوَلَد مَا دَامَ فِي بطن أمه، وَيجمع على (أجنة) وجن عَلَيْهِ اللَّيْل وأجنه: فالثلاثي لَازم و (أفعل) مُتَعَدٍّ، وَهُوَ الأجود فِي الِاسْتِعْمَال فمادة الْجِيم وَالنُّون للاستتار والاختفاء وَلم ير رَسُول الله الْجِنّ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ﴾ وَذهب الْحَارِث المحاسبي إِلَى أَن الْجِنّ فِي الْآخِرَة يكونُونَ عكس مَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا بِحَيْثُ نراهم وَلَا يروننا والجان: اسْم جمع للجن، وَقيل هُوَ أَبُو الْجِنّ وإبليس: أَبُو الشَّيَاطِين والجني: نِسْبَة إِلَى الْجِنّ أَو إِلَى الْجنَّة الْجَواب: هُوَ مُشْتَقّ من (جاب الفلاة) إِذا قطعهَا، سمي الْجَواب جَوَابا لِأَنَّهُ يَنْقَطِع بِهِ كَلَام الْخصم وَهُوَ يكون تَارَة ب (نعم) وَتارَة ب (لَا) وَيسْتَعْمل فِيمَا يتَحَقَّق ويجزم وُقُوعه وَالْجَزَاء يسْتَعْمل فِيمَا لَا يجْزم وُقُوعه وَعدم وُقُوعه قَالَ سِيبَوَيْهٍ: الْجَواب لَا يجمع وَقَوْلهمْ: (جوابات كتبي) و (أجوبة كتبي) مولد، وَإِنَّمَا يُقَال: (جَوَاب كتبي) والجوابي: جمع (جابية) من (الجباية) وَهِي الْحَوْض الْكَبِير الْجَامِع الْعقلِيّ: هُوَ أَمر بِسَبَبِهِ يَقْتَضِي الْعقل اجْتِمَاع الجملتين فِي المفكرة وَالْجَامِع الوهمي: هُوَ أَمر بِسَبَبِهِ يَقْتَضِي الْوَهم اجْتِمَاعهمَا فِي المفكرة أَيْضا وَالْجَامِع الخيالي: أَمر بِسَبَبِهِ يَقْتَضِي الخيال

стр. 339

اجْتِمَاعهمَا أَيْضا فِي المفكرة، وَإِن كَانَ الْعقل من حَيْثُ الذَّات غير مُقْتَض لذَلِك الْجُود: هُوَ صفة ذاتية للجواد وَلَا يسْتَحق بِالِاسْتِحْقَاقِ وَلَا بالسؤال وَالْكَرم: مَسْبُوق بِاسْتِحْقَاق السَّائِل وَالسُّؤَال مِنْهُ والجواد: يُطلق على الله تَعَالَى دون السخي والجود لَا يتَعَدَّى إِلَّا بِالْبَاء أَو اللَّام، وينتظم بِهِ الْإِعْطَاء فيتعدى إِلَى مَفْعُوله الأول بِاللَّامِ وَإِلَى الثَّانِي بِالْبَاء الجدل: هُوَ عبارَة عَن دفع الْمَرْء خَصمه عَن فَسَاد قَوْله بِحجَّة أَو شُبْهَة، وَهُوَ لَا يكون إِلَّا بمنازعة غَيره وَالنَّظَر قد يتم بِهِ وَحده الجامد: هُوَ الَّذِي لَا يَنْمُو كالحجر والنامي: مَا يزِيد كالشجر، وَيدخل فِيهِ الْبَهَائِم والهوام كالبرغوث وَالْقمل وَنَحْوهمَا [وَالِاسْم الجامد عِنْد الْأَشْعَرِيّ وَغَيره هُوَ الْمُسَمّى، فَلَا يفهم من اسْم الله مثلا سواهُ والمشتق غير الْمُسَمّى عِنْده إِن كَانَ صفة فعل كالخالق والرازق، وَلَا عينه وَلَا غَيره إِن كَانَ صفة ذَات كالعالم والمريد وَعند غَيره هُوَ الْمُسَمّى، وَالْخلاف فِي مَادَّة (اس م) لِأَن تمسكات الْفَرِيقَيْنِ تشعر بذلك، لَا فِي مَدْلُول (اسْم) نَحْو: الْإِنْسَان، وَالْفرس، وَالِاسْم، وَالْفِعْل] الْجَبْر: هُوَ ربط المنكسر ليلتئم ويكمل، وَمِنْه اسْم الْجَبَّار والجبار أَيْضا: المتكبر المتعالي عَن قبُول الْحق نَحْو: ﴿وَلم يَجْعَلنِي جبارا﴾ والمتسلط نَحْو: ﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بجبار﴾ والقتال نَحْو: ﴿إِذا بطشتم بطشتم جبارين﴾ وَيُقَال: أجبرت فلَانا على كَذَا، وَلَا يُقَال: (جبرت) إِلَّا فِي الْعظم والفقر (والجبيرة: مَا يرْبط من الْعود وَنَحْوه على الْعُضْو حَال الْكسر وَنَحْوه والجبرية: بِالتَّحْرِيكِ: خلاف الْقَدَرِيَّة، والتسكين لحن أَو صَوَاب والتحريك للازدواج وَهُوَ اصْطِلَاح الْمُتَقَدِّمين، وَفِي تعارف الْمُتَكَلِّمين يسمون الْمُجبرَة، وَفِي التعارف الشَّرْعِيّ المرجئة والجبار، بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيف: الهدر وَالْبَاطِل [وَفِي الحَدِيث: " جرح العجماء جَبَّار "] الجزالة: هِيَ إِذا أطلقت على اللَّفْظ يُرَاد بهَا نقيض الرقة، وَإِذا أطلقت على غَيره يُرَاد بهَا نقيض الْقلَّة الْجَرّ: هُوَ اصْطِلَاح أهل الْبَصْرَة؛ والخفض اصْطِلَاح أهل الْكُوفَة والجر لم يجِئ فِي الْقُرْآن مُجَردا من الْبَاء إِلَّا وَهُوَ مَنْصُوب وَلِهَذَا قُلْنَا: إِن الْمَجْرُور فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبك بغافل﴾ فِي مَوضِع نصب وَهُوَ الصَّوَاب الْجمل: هُوَ بِمَنْزِلَة الرجل، والناقة بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان، يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَالْبكْر بِمَنْزِلَة الْفَتى، والقلوص بِمَنْزِلَة الفتاة والجمل، بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد: تعداد الْحُرُوف

стр. 340

الأبجدية، وَأكْثر مَا يَسْتَعْمِلهُ المشارقة هُوَ الْجمل الْكَبِير ومشايخ المغاربة يعتنون بشأن الْجمل الصَّغِير الجري: هُوَ المر السَّرِيع، وَأَصله ممر المَاء، وَهُوَ فِي كَلَامهم يسْتَعْمل فِي أَشْيَاء يُقَال: هَذَا الْمصدر جَار على هَذَا الْفِعْل: أَي أصل لَهُ ومأخذ اشتق مِنْهُ، فَيُقَال فِي (حمدت حمدا) أَن الْمصدر جَار على فعله، وَفِي ﴿وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا﴾ إِنَّه لَا يجْرِي عَلَيْهِ وَيُقَال اسْم الْفَاعِل جَار على الْمُضَارع: أَي يوازيه فِي الحركات والسكنات وَالصّفة جَارِيَة على شَيْء: أَي ذَلِك الشَّيْء صَاحبهَا إِمَّا مُبْتَدأ لَهَا أَو مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة والجريان أتم فِي الْمُبَالغَة من السيلان الجرموق، بِالضَّمِّ: مَا يلبس فَوق الْخُف لحفظه من الطين وَغَيره على الْمَشْهُور، لَكِن فِي الْمَجْمُوع أَنه الْخُف الصَّغِير الْجِدَار: هُوَ كالحائط، لَكِن الْحَائِط يُقَال اعْتِبَارا بالإحاطة للمكان، والجدار اعْتِبَارا بالنتوء والارتفاع والجدر، بِضَمَّتَيْنِ: جمع (جِدَار) وبفتحتين وَاحِدَة الجدران الْجزع، بِفتْحَتَيْنِ: حزن يصرف الْإِنْسَان عَمَّا هُوَ بصدده ويقطعه عَنهُ؛ وَهُوَ أبلغ من الْحزن لِأَن الْحزن عَام الْجِمَاع: الْمُوَافقَة والمساعدة فِي أَي شَيْء كَانَ وجامعناكم على كَذَا: وافقناكم، لكنه لما كثر اسْتِعْمَاله فِي الِاجْتِمَاع الْخَاص عِنْد الْإِضَافَة إِلَى النِّسَاء صَار صَرِيحًا لَا يفهم غَيره وينصرف إِلَيْهِ بِلَا نِيَّة، وَفِيه حِكَايَة الإِمَام الطَّحَاوِيّ مَعَ ابْنَته على مَا نَقله صَاحب " النِّهَايَة " عَن " الْفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة " وَمَا جمع عددا فَهُوَ جماع أَيْضا يُقَال: الْخمر جماع الْإِثْم وَيُقَال: جمعت شركائي، وأجمعت أَمْرِي وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم﴾ للمجاورة وَيُقَال: جمع المَال، وجبى الْخراج، وَكتب الكتبية، وقرى المَاء فِي الْحَوْض، وصرى اللَّبن فِي الضَّرع، وعقص الشّعْر على الرَّأْس الْجِهَاد: الدُّعَاء إِلَى الدّين الْحق، والقتال مَعَ من لَا يقبله والجهد، بِالضَّمِّ وَالْفَتْح: الطَّاقَة وبالفتح فَقَط: الْمَشَقَّة وبفتح الْهَاء: من أَسمَاء الْجِمَاع وَجهد الْبلَاء: هِيَ الْحَالة الَّتِي يخْتَار عَلَيْهَا الْمَوْت، أَو كَثْرَة الْقِتَال والفقر الجاسوس: هُوَ صَاحب سر الشَّرّ، كَمَا أَن الناموس صَاحب سر الْخَيْر الْجب: هُوَ اسْم ركية لم تطو، وَإِذا طويت فَهِيَ بِئْر الْجور: هُوَ خلاف الاسْتقَامَة فِي الحكم وَالظُّلم: قيل، هُوَ ضَرَر من حَاكم أَو غَيره الْجُمُعَة: بِسُكُون الْمِيم: اسْم من الِاجْتِمَاع، أَو بِمَعْنى الْمَفْعُول أَي: الفوج الْمَجْمُوع و [الْجُمُعَة] بتحريكها: بِمَعْنى الْفَاعِل أَي: الْوَقْت الْجَامِع فحركوا الْفَاعِل لقُوته وَسَكنُوا الْمَفْعُول لضَعْفه وَهَذِه قَاعِدَة كُلية فِي (فعلة)

стр. 341

ك (ضحكة) و (همزَة) و (لُمزَة) وَالْجُمْهُور على أَنه يضم الْمِيم وَهُوَ الأَصْل والإسكان تَخْفيف، وَكِلَاهُمَا مصدر بِمَعْنى الِاجْتِمَاع الْجنب، كالنصر: هُوَ والجانب أَيْضا شقّ الْإِنْسَان وَغَيره وَيُقَال: جناب الْبَارِي: وَالْمرَاد الذَّات، وَفِيه تَعْظِيم ورعاية للأدب وَمِنْه قَوْله: حَضْرَة فلَان، ومجلس فلَان، وأرسلته إِلَى جنابه الْعَزِيز وَفِي جنب الله أَي: فِي أمره وَحده الَّذِي حَده لنا وَالْجَار الْجنب: أَي الْبعيد [الَّذِي لَا قرَابَة لَهُ، كَمَا أَن الْجَار ذَا الْقُرْبَى هُوَ الَّذِي قرب جواره، أَو لَهُ مَعَ الْجوَار قرب اتِّصَال بِنسَب أَو دين] والصاحب بالجنب: أَي الْقَرِيب وَصَاحِبك فِي السّفر وَالْجَار الْجنب: بِضَمَّتَيْنِ: وَهُوَ جَارك من غير قَوْمك والجنابة: [خُرُوج] الْمَنِيّ [وَالْجنب: يَسْتَوِي فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْوَاحد والتثنية وَالْجمع لِأَنَّهُ على صِيغَة الْمصدر كالنكر وَالنّذر بِمَعْنى الْإِنْكَار والإنذار] الْجَرَاد: هُوَ مَعْرُوف، كَانَ بحري الأَصْل بري المعاش، كَمَا قيل إِن بيض السّمك إِذا انحسر عَنهُ المَاء يصير جَرَادًا، كَمَا فِي " الْمَبْسُوط " الجميلة: هِيَ الَّتِي تَأْخُذ ببصرك على الْبعد والمليحة: هِيَ الَّتِي تَأْخُذ بقلبك على الْقرب الْجَزْم: الْقطع وَالْأَخْذ فِي الشَّيْء بالثقة وَجزم الْأَمر: قطعه لَا عودة فِيهِ و [جزم] الْحَرْف: أسْكنهُ و [جزم] عَلَيْهِ: سكت و [جزم] عَنهُ: جبن وَعجز (الْجَبْهَة: هِيَ الَّتِي يسْجد الْإِنْسَان عَلَيْهَا) الجسر: هُوَ اسْم لما يوضع وَيرْفَع مِمَّا يكون متخذا من الْخشب والألواح، والقنطرة من الْحجر والآجر الْجد: بِالْفَتْح: أَبُو الْأَب وَأَبُو الْأُم وَالْجدّة: أم الْأُم وَأم الْأَب وَالْجد أَيْضا: الْقطع وَمِنْه جد فِي سيره، وَفِي أمره والفيض الإلهي: وَمِنْه: ﴿تَعَالَى جد رَبنَا﴾ أَي: فيضه، أَو تجَاوز عَظمته عَن دَرك أفهامنا وَالْعَظَمَة وَمِنْه حَدِيث عمر: كَانَ الرجل منا إِذا قَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان جد فِينَا أَي: جلّ قدره وَعظم وَالْجد أَيْضا: الْغنى، وَمَا يَجعله الله للْعَبد من الحظوظ الدُّنْيَوِيَّة، وَهُوَ البخت " وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد " أَي: لَا يتَوَصَّل إِلَى ثَوَاب الله فِي الْآخِرَة بالجد، وَإِنَّمَا ذَلِك بالجد فِي الطَّاعَة وَالْجد فِي الْأَمر: الِاجْتِهَاد وَهُوَ مصدر، وَالِاسْم بِالْكَسْرِ، وَمِنْه: فلَان محسن جدا: أَي نِهَايَة ومبالغة

стр. 342

وضد الْهزْل بِالْكَسْرِ أَيْضا وَمِنْه حَدِيث: " ثَلَاث جدهن جد وهزلهن جد " الجمة: الشّعْر الْكثير وَهِي أَكثر من اللمة وَالْجمع الجم الجثوم: هُوَ للنَّاس وَالطير بِمَنْزِلَة البروك للبعير الْجوف: المطمئن من الأَرْض وجوف اللَّيْل: هُوَ الْخَامِس من أسداسه والأجوفان: الْبَطن والفرج الجرو: هُوَ ولد السَّبع، وَهُوَ أَيْضا الصغار من القثاء وَالرُّمَّان الْجِنَازَة؛ بِالْفَتْح: الْمَيِّت، وَقيل: بِالْفَتْح السرير وبالكسر الْمَيِّت أَو بِالْعَكْسِ أَو بِالْكَسْرِ السرير مَعَ الْمَيِّت، قَالَ بَعضهم: الْأَعْلَى للأعلى والأسفل للأسفل الْجِنَايَة؛ بِالْكَسْرِ [كالكناية] : فِي الأَصْل أَخذ الثَّمر من الشّجر، نقلت إِلَى إِحْدَاث الشَّرّ، ثمَّ إِلَى الشَّرّ، ثمَّ إِلَى فعل محرم [الجزرة: اسْم لما أعد لجزر وَذبح وَهُوَ الشَّاة لَا الْبَعِير وَالْبَقر فَإِنَّهُمَا يصلحان لعمل آخر، وَالْجمع يتَنَاوَل الْبَعِير، يركب أَو لَا، وَلَا يتَنَاوَل بقرًا وشَاة] الْجحْد: هُوَ نفي مَا فِي الْقلب ثباته وَإِثْبَات مَا فِي الْقلب نَفْيه، وَلَيْسَ بمرادف للنَّفْي من كل وَجه الْجَزَاء: الْمُكَافَأَة على الشَّيْء وَقد ورد فِي الْقُرْآن (جزى) دون (جازى) وَذَلِكَ أَن المجازاة هِيَ الْمُكَافَأَة، والمكافأة مُقَابلَة نعْمَة بِنِعْمَة هِيَ كفؤها، ونعمة الله لَا كُفْء لَهَا وَلِهَذَا لَا يسْتَعْمل لفظ الْمُكَافَأَة فِي حق الله تَعَالَى (فِي " الْقَامُوس ": الْحَمد لله كُفْء الْوَاجِب: أَي مَا يكون مكافئا لَهُ) [وَالْجَزَاء إِذا أطلق فِي معرض الْعُقُوبَات يُرَاد بِهِ مَا يجب حَقًا لله تَعَالَى بِمُقَابلَة فعل العَبْد لِأَنَّهُ الْمجَازِي على الْإِطْلَاق، وَلِهَذَا سميت دَار الْآخِرَة دَار الْجَزَاء] الجنف: الْخَطَأ وَالْإِثْم الْعمد وجنف: ك (فَرح) فِي مُطلق الْميل عَن الْحق وأجنف: مُخْتَصّ بِالْوَصِيَّةِ جَاءَ: هُوَ لَازم ومتعد بِنَفسِهِ، وبالباء أَيْضا تَقول: جِئْت شَيْئا حسنا: إِذا فعلته وَجئْت زيدا: إِذا أتيت إِلَيْهِ وَقد يُقَال: جِئْت إِلَيْهِ، على معنى ذهبت وَجَاء الْغَيْث: نزل و [جَاءَ] أَمر السُّلْطَان: بلغ وَجَاء: بِمَعْنى تَقْرِير الشَّيْء على صفة نَحْو: (مَا جَاءَت حَاجَتك) : أَي مَا صَارَت وَبِمَعْنى ظهر نَحْو: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ جهرة: أَي عيَانًا فِي الأَصْل مصدر (جهرت بِالْقُرْآنِ) استعيرت للمعاينة، لما بَينهمَا من الِاتِّحَاد فِي الوضوح والانكشاف، إِلَّا أَن الأول فِي المسموعات وَالثَّانِي فِي المبصرات

стр. 343

و ﴿أرنا الله جهرة﴾ : نصب على المصدرية لِأَنَّهَا نوع من الرُّؤْيَة، أَو حَال جُمَادَى: جَاءَت على بنية (فعالى) ك (حبارى) وَهِي لَا تكون إِلَّا للمؤنث فَإِن سمع (جُمَادَى) مذكرا فِي شعر فَإِنَّمَا يذهب بِهِ إِلَى الشَّهْر وَأَسْمَاء الشُّهُور كلهَا مذكرة إِلَّا (جُمَادَى) فِي " الْقَامُوس ": " وجمادى خَمْسَة الأولى، وجمادى سِتَّة الْآخِرَة " وهما معرفتان فإدخال اللَّام فيهمَا غير صَحِيح جَمِيعًا: حَال فِي اللَّفْظ وتأكيد فِي الْمَعْنى، أَي: أَجْمَعُونَ كَقَوْلِهِم: (جاؤوا جَمِيعًا) ، وَلَا يَسْتَدْعِي الِاجْتِمَاع فِي زمَان [نوع] ﴿فَلَا جنَاح﴾ : فَلَا حرج ﴿جنفا﴾ : ميلًا عَن الْحق ﴿جاسوا﴾ : ترددوا للطلب ﴿جذاذا﴾ : قطاعا ﴿جسدا﴾ : شَيْطَانا ﴿جد رَبنَا﴾ : فعله وَأمره وَقدرته ﴿جما﴾ : شَدِيدا ﴿رطبا جنيا﴾ : طريا ﴿كالجواب﴾ : كالحياض الواسعة ﴿حبا جما﴾ : كثيرا مَعَ حرص وشره ﴿جابوا الصخر﴾ : نقبوا الْحِجَارَة ﴿جثيا﴾ : على ركبهمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْقيام ﴿جاثية﴾ : باركة على الركب وَتلك جلْسَة المخاصم والمجادل ﴿الْجَوَارِي الكنس﴾ : السيارات الَّتِي تختفي تَحت ضوء الشَّمْس ﴿جنود رَبك﴾ : جموع خلقه ﴿وَلكم فِيهَا جمال﴾ : زِينَة ﴿جاثمين﴾ : جامدين ميتين ﴿وَمن آيَاته الْجوَار﴾ : السفن ﴿الجبت﴾ : الشَّيْطَان أَو السَّاحر [وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم صنم فَاسْتعْمل فِي كل مَا عبد من دون الله] ﴿الْجَوَارِح﴾ : الْكلاب والفهود والصقور وأشباهها

стр. 344

﴿الجبلة﴾ : الْخلق ﴿جهولا﴾ : غرا بِأَمْر الله ﴿فِي جيبك﴾ : فِي قَمِيصك ﴿جنيا﴾ : غضا ﴿إِلَى جناحك﴾ : إِلَى جَنْبك تَحت الْعَضُد ﴿فَصَبر جميل﴾ : لَا جزع فِيهِ ﴿فِي جيدها﴾ : فِي عُنُقهَا ﴿بصرت بِهِ عَن جنب﴾ : عَن بعد الأَرْض ﴿جذوة﴾ : مُثَلّثَة الْفَاء، قِطْعَة غَلِيظَة من الْحَطب فِيهَا نَار لَا لَهب لَهَا ﴿وأضعف جندا﴾ : فِئَة وأنصارا ﴿جزوعا﴾ : كثير الْجزع ﴿وَجَبت جنوبها﴾ : سَقَطت على الأَرْض ﴿جنَّة﴾ : بِالْكَسْرِ: جُنُون ﴿تحسبها جامدة﴾ : ثَابِتَة مَكَانهَا ﴿الجرز: الأَرْض الَّتِي جرز نباتها أَي قطع وأزيل (جفان﴾ : صحاف ﴿من الْجبَال جدد﴾ : أَي ذُو خطط وطرائق ﴿فِي جنب الله﴾ : فِي حَقه ﴿الْجلاء﴾ : بِالْفَتْح: الْخُرُوج من الوطن ﴿الصافنات الْجِيَاد﴾ : جمع جواد وَهُوَ الَّذِي يسْرع فِي جريه ﴿أرنا الله جهرة﴾ : عيَانًا ﴿جنحوا﴾ : مالوا ﴿جفَاء﴾ ؛ بِالضَّمِّ: بَاطِلا ﴿فِي جو السَّمَاء﴾ : فِي الْهَوَاء المتباعد من الأَرْض ﴿كَأَنَّهَا جَان﴾ : حَيَّة خَفِيفَة سريعة ﴿جَهَنَّم﴾ : قيل عجمية وَقيل فارسية وَقيل عبرانية أَصْلهَا (كهنام) وَالله أعلم [ ﴿أَكثر شَيْء جدلا﴾ : خُصُومَة بِالْبَاطِلِ ﴿كَمَا بلونا أَصْحَاب الْجنَّة﴾ : يُرِيد الْبُسْتَان، كَانَ دون صنعاء بفرسخين ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة﴾ : فِي سفينة نوح

стр. 345

﴿نفر من الْجِنّ﴾ : هم أجسام عَاقِلَة خُفْيَة تغلب عَلَيْهِم النارية أَو الهوائية ﴿واهجرهم هجرا جميلا﴾ : بِأَن تجانبهم وتداريهم لَا تكافئهم وتكلهم إِلَى الله ﴿ثمَّ الْجَحِيم صلوه﴾ : وَهِي النَّار الْعُظْمَى ﴿وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ : أنشأهما ﴿جعلنَا فِي كل قَرْيَة﴾ : صيرنا فِيهَا] (فصل الْحَاء) [الحسبان] : كل مَا فِي الْقُرْآن من حسبان فَهُوَ من الْعدَد، إِلَّا ﴿حسبانا من السَّمَاء﴾ فِي " الْكَهْف " فَإِنَّهُ الْعَذَاب [الْحَسْرَة] : كل مَا فِي الْقُرْآن من حسرة فَهِيَ الندامة، إِلَّا ﴿ليجعل الله ذَلِك حسرة فِي قُلُوبهم﴾ فَإِن مَعْنَاهُ الْحزن [الْحَمد] : كل مَا ورد فِي الْقُرْآن من (الْحَمد لله) فَهُوَ إِخْبَار بِمَعْنى الْأَمر، لِأَن مثل هَذَا تَعْلِيم للعباد وَتقول على ألسنتهم [الْحَرَام] : كل مَوضِع ذكر الله فِيهِ الْمَسْجِد الْحَرَام فَالْمُرَاد بِهِ الْحرم إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ فَإِن المُرَاد بِهِ الْكَعْبَة [الْحِفْظ] : كل آيَة ذكر فِيهَا حفظ الْفروج فَهُوَ من الزِّنَا إِلَّا ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم﴾ فَإِن المُرَاد الاستتار [الْحُضُور] : كل مَا فِي الْقُرْآن من الْحُضُور فَهُوَ بالضاد من الْمُشَاهدَة إِلَّا قَوْله: ﴿كهشيم المحتظر﴾ فَإِنَّهُ بالضاء من الاحتظار، وَهُوَ الْمَنْع [الْحَظ] : كل حَظّ فِي الْقُرْآن فَهُوَ بالظاء إِلَّا فِي " الْفجْر " و " الماعون " و " الحاقة " فَإِنَّهُ بالضاد فِيهَا [الحنيف] : كل مَوضِع فِي الْقُرْآن ذكر الحنيف مَعَ الْمُسلم فَهُوَ الْحَاج ﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما﴾ وَفِي كل مَوضِع ذكر وَحده فَهُوَ الْمُسلم نَحْو: ﴿لله حَنِيفا﴾ وكل من أسلم لله وَلم ينحرف عَنهُ فِي شَيْء فَهُوَ حنيف و ﴿مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ أَي: مُخَالفا للْيَهُود وَالنَّصَارَى منصرفا عَنْهُمَا [الْحَادِث] : كل مَا كَانَ وجوده طارئا على عَدمه أَو عَدمه طارئا على وجوده فَهُوَ حَادث [الحم] : كل من كَانَ من قبل الزَّوْج مثل الْأَخ وَالْأَب فَهُوَ حم [الحيد] : كل نتو فِي الْقرن والجبل وَغَيرهمَا فَهُوَ حيد

стр. 346

[الحصب] : كل مَا هيجت بِهِ النَّار إِذا أوقدتها فَهُوَ حصب، وَلَا يكون الْحَطب حَصْبًا حَتَّى يسجر بِهِ أَي يحمى بِهِ التَّنور، [قَالَ بَعضهم: لحصب جَهَنَّم اعتباران فَمن حَيْثُ تتقد بِهِ النَّار بِلَا مهلة وقود، وَمن حَيْثُ زَمَانا بقدرة الله حصب] [الحديقة] : كل بُسْتَان عَلَيْهِ حَائِط فَهُوَ حديقة [الْحمام] : كل طَائِر لَهُ طوق فَهُوَ حمام [الحم والحمة] : كل مَا أذيب من الألية فَهُوَ حم وحمة، كَمَا أَن كل مَا أذيب من الشَّحْم فَهُوَ صهارة [الْحلِيّ] : كل مَا حليت بِهِ امْرَأَة أَو سَيْفا فَهُوَ حلي [الْحصْر] : كل من امْتنع من شَيْء لم يقدر عَلَيْهِ فقد حصر عَنهُ، وَلِهَذَا قيل: حصر فِي الْقِرَاءَة، وَحصر عَن أَهله [الحيز] : كل نَاحيَة فَهِيَ حيّز [الْحجاب] : كل مَا يستر الْمَطْلُوب وَيمْنَع من الْوُصُول إِلَيْهِ فَهُوَ حجاب، كالستر والبواب والجسم وَالْعجز وَالْمَعْصِيَة [الحنش] : كل مَا يصاد من الطير والهوام فَهُوَ حَنش بِفتْحَتَيْنِ [الْحمل] : كل مُتَّصِل فَهُوَ حمل بِالْفَتْح وكل مُنْفَصِل فَهُوَ حمل بِالْكَسْرِ [الحمولة] : كل مَا احْتمل عَلَيْهِ الْحَيّ من حمَار أَو غَيره سَوَاء كَانَت عَلَيْهِ الْأَحْمَال أَو لم تكن فَهُوَ حمولة، بِالْفَتْح والحمولة، بِالضَّمِّ: الْأَحْمَال و (فعولة) تدخله الْهَاء إِذا كَانَ بِمَعْنى الْمَفْعُول والحمول، بِلَا هَاء: الْإِبِل الَّتِي عَلَيْهَا الهوادج، كَانَ فِيهَا نسَاء أَو لم يكن [حَال واستحال] : كل مَا تحرّك أَو تغير من الاسْتوَاء إِلَى العوج فقد حَال واستحال [حل] : كل جامد أذيب فقد حل وحبل الحبلة: نتاج النِّتَاج [حَال] : كل مَا حجز بَين شَيْئَيْنِ فقد حَال بَينهمَا [الْحيرَة] : كل محلّة دنت مِنْك مَنَازِلهمْ فَهِيَ الْحيرَة [حلا يحلو] : كل طَعَام وشراب يحدث فِيهِ حلاوة ومرارة فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ: حلا يحلو، وَمر يمر وكل مَا كَانَ من دبير أَو أَمر يشْتَد ويلين وَلَا طعم لَهُ فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ: أحلى يحلى، وَأمر يمر [حج] : كل من قصد شَيْئا فقد حجَّة [حَرْب] : كل من عصاك فَهُوَ حَرْب لَك [الحريد] : كل قَلِيل من كثير فَهُوَ حريد، يُقَال رجل حرد: إِذا ترك أَهله وحول [الْحرَّة] : كل أَرض ذَات حِجَارَة سود فَهِيَ حرَّة كَأَنَّهَا محترقة من الْحر [حَاز] : كل من ضم إِلَى نَفسه شَيْئا فقد حازه حوزا وحيازا وحيازة، واحتازه أَيْضا وبيضة كل شَيْء حوزته

стр. 347

[الحَدِيث] : كل كَلَام يبلغ الْإِنْسَان من جِهَة السّمع أَو الْوَحْي فِي يقظة أَو مَنَام يُقَال لَهُ حَدِيث قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا﴾ ﴿وعلمتني من تَأْوِيل الْأَحَادِيث﴾ أَي مَا يحدث بِهِ الْإِنْسَان من نَومه [الْحَال] : كل اسْم نكرَة منتصب بعد تَمام الْكَلَام فَهُوَ الْحَال [الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة] : كل لفظ وضع لِمَعْنى فِي اللُّغَة ثمَّ اسْتعْمل فِي الشَّرْع لِمَعْنى آخر مَعَ هجران الِاسْم اللّغَوِيّ عَن الْمُسَمّى بِحَيْثُ لَا يسْبق إِلَى أفهام السامعين الْوَضع الأول فَهُوَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة لَا يقبل النَّفْي أصلا كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا وضعت للدُّعَاء ثمَّ صَارَت فِي الشَّرْع عبارَة عَن الْأَركان الْمَعْلُومَة والحقيقة الْعُرْفِيَّة: هِيَ اللَّفْظ الَّذِي نقل عَن مَوْضُوعه الْأَصْلِيّ إِلَى غَيره لغَلَبَة الِاسْتِعْمَال وَصَارَ الْوَضع الْأَصْلِيّ مَهْجُورًا، كاسم الْعدْل فَإِنَّهُ فِي صنع اللُّغَة مصدر كالعدالة، ثمَّ فِي عرف الِاسْتِعْمَال صَار عبارَة عَن الْعَادِل، فَصَارَ حَقِيقَة عرفية حَتَّى لَا يَسْتَقِيم نَفْيه فِي الشَّاهِد وَالْغَائِب جَمِيعًا [الْحَقِيقَة الْكَامِلَة] : كل لفظ إِذا اسْتعْمل فِيمَا هُوَ مَوْضُوع لَهُ فَهُوَ حَقِيقَة كَامِلَة وَفِيمَا هُوَ جُزْء من مَوْضُوعه فَهُوَ حَقِيقَة قَاصِرَة وَفِيمَا هُوَ خَارج عَن مَوْضُوعه فَهُوَ مجَاز [الْحَقِيقَة البلاغية] : كل كلمة أُرِيد بهَا مَا وضعت لَهُ فَهِيَ حَقِيقَة، كالأسد للحيوان المفترس وَالْيَد للجارحة وَنَحْو ذَلِك وَإِن أُرِيد بهَا غير مَا وضعت لَهُ لمناسبة بَينهمَا فَهِيَ مجَاز، كالأسد للرجل الشجاع، وَالْيَد للنعمة أَو للقوة، فَإِن النِّعْمَة تُعْطى بِالْيَدِ وَالْقُوَّة تظهر بكمالها فِي الْيَد، هَذَا حدهما فِي الْمُفْرد، وَأما حدهما فِي الْجُمْلَة: فَهُوَ أَن كل جملَة كَانَ الحكم الَّذِي دلّت عَلَيْهِ كَمَا هُوَ فِي الْعقل فَهِيَ حَقِيقَة، كَقَوْلِنَا (خلق الله الْخلق) [الْمجَاز] : وكل جملَة أخرجت الحكم المفاد بهَا عَن مَوْضُوعه فِي الْعقل لضرب من التَّأْوِيل فَهِيَ مجَاز، كَمَا إِذا أضيف الْفِعْل إِلَى شَيْء يضاهي الْفَاعِل كالمفعول بِهِ فِي ﴿عيشة راضية﴾ و ﴿مَاء دافق﴾ ، أَو الْمصدر ك (شعر شَاعِر) ، أَو الزَّمَان ك (نَهَاره صَائِم) ، أَو الْمَكَان ك (طَرِيق سَائِر) ، أَو الْمُسَبّب ك (بنى الْأَمِير الْمَدِينَة) ، أَو السَّبَب كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا﴾ فمجاز لمفرد لغَوِيّ وَيُسمى مجَازًا فِي الْمُثبت، ومجاز الْجُمْلَة عَقْلِي وَيُسمى مجَازًا فِي الْإِثْبَات، فَكل نِسْبَة وضعت فِي غير موضعهَا بعلامة فَهِيَ مجَاز عَقْلِي، تَامَّة كَانَت أَو نَاقِصَة وعلامة الْحَقِيقَة أَن لَا يجوز نَفيهَا عَن الْمُسَمّى بِحَال بِخِلَاف الْمجَاز [فَإِن عَلامَة كَونه مجَازًا أَن يَصح نَفْيه عَن الْمُسَمّى، قَالَ بَعضهم: صِحَة النَّفْي يتَوَقَّف على معرفَة الْمجَاز، فَلَو عَرفْنَاهُ بِصِحَّة النَّفْي لزم الدّور، نعم لَكِن معرفَة كَونه مجَازًا للْحَال تتَوَقَّف على صِحَة النَّفْي فِي مجَال استعمالاته، وَذَلِكَ لَا يتَوَقَّف على معرفَة كَونه

стр. 348

مجَازًا] ، وعلامة أُخْرَى لَهَا هِيَ أَن الْحَقِيقَة مَا يفهم السَّامع مَعْنَاهَا من غير قرينَة الْحَقِيقَة: [هِيَ إِمَّا (فعيل) بِمَعْنى فَاعل من (حق الشَّيْء) إِذا ثَبت، وَمِنْه (الحاقة) لِأَنَّهَا ثَابِتَة كائنة لَا محَالة وَإِمَّا بِمَعْنى (مفعول) من (حققت الشَّيْء) إِذا أثْبته فَيكون مَعْنَاهَا الثَّابِتَة والمثبتة فِي موضعهَا الْأَصْلِيّ، وَالتَّاء للتأنيث فِي الْوَجْه الأول، ولنقل اللَّفْظ من الوصفية إِلَى الاسمية فِي الثَّانِي كَمَا فِي (نطيحة) و (أكيلة) لِأَن (فعيلا) بِمَعْنى الْمَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَقَالَ صَاحب " الْمِفْتَاح ": إِنَّهَا للتأنيث فِي الْوَجْهَيْنِ: لِأَنَّهُ صفة غير جَارِيَة على موصوفها وَالتَّقْدِير كلمة حَقِيقِيَّة، وَإِنَّمَا يَسْتَوِي الْمُذكر والمؤنث فِي (فعيل) بِمَعْنى مفعول إِذا كَانَ جَارِيا على موصوفه نَحْو: (رجل) قَتِيل) و (امْرَأَة قَتِيل) وَإِلَّا فالتأنيث وَاجِب دفعا للالتباس نَحْو: (مَرَرْت بقتيل بني فلَان) و (قتيلة بني فلَان) ، و (فعيل) بِمَعْنى فَاعل يذكر وَيُؤَنث سَوَاء أجري على موصوفه أَو لَا نَحْو: (رجل ظريف) و (امْرَأَة ظريفة) و] حَقِيقَة الشَّيْء: كَمَاله الْخَاص بِهِ يُقَال: حَقِيقَة الله وَلَا يُقَال: مَاهِيَّة الله لإيهامها معنى التجانس وَفِي اصْطِلَاح الميزانيين: حَقِيقَة الشَّيْء المحمولة ب (هُوَ) ذَات الشَّيْء كالحيوان النَّاطِق للْإنْسَان وَأما ذاتيته وَهِي الحيوانية، والناطقية فتسمى مَاهِيَّة فَاعْتبر مثل هَذَا فِي الْوُجُود فَإِنَّهُ نفس الْمَاهِيّة، وَوُجُود الْإِنْسَان هُوَ نفس كَونه حَيَوَانا ناطقا فِي الْخَارِج وَقد تطلق الْحَقِيقَة وَيُرَاد بهَا مَا يُقَال فِي جَوَاب السُّؤَال بِمَا هُوَ، وَهُوَ حَقِيقَة نوعية إِن كَانَ السُّؤَال عَن جزئيات النَّوْع بالاشتراك فَقَط، وَحَقِيقَة شخصية إِن كَانَ السُّؤَال بالخصوصية، كالحيوان النَّاطِق مَعَ التشخص فِي الثَّانِي، وبدونه فِي الأول، فَلَا يَصح أَن تقع الْحَقِيقَة النوعية جَوَابا عَن السُّؤَال ب (مَا هُوَ) إِذا أفرد بعض الجزئيات بِالذكر، لعدم الْمُطَابقَة بَينهمَا وَقد تطلق الْحَقِيقَة وَيُرَاد بهَا مَا يكون مَعْرفَتهَا غنية عَن الِاكْتِسَاب، وَهِي الَّتِي يكون مَعْرفَتهَا حَاصِلَة عِنْد الْإِنْسَان من غير كسب وَطلب مِنْهُ، فَلَا يُمكن تَعْرِيفهَا، لِأَنَّهُ لَو أمكن لَكَانَ بِأُمُور هِيَ أظهر وَأعرف مِنْهَا، وَلَا يُوجد شَيْء أعرف وَأظْهر من المحسوسات والحقيقة الَّتِي يبْحَث عَنْهَا أهل الْحِكْمَة هِيَ الْأَحْوَال الثَّابِتَة للأشياء فِي نَفسهَا، مَعَ قطع النّظر عَن جعل جَاعل وَاعْتِبَار مُعْتَبر وَهَذِه الْحَقِيقَة لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا إِلَّا بِالْعلمِ وَالْيَقِين، بِخِلَاف الاعتبارية الَّتِي هِيَ المباحث المنوطة بالجعل وَالِاعْتِبَار، كالمباحث الشَّرْعِيَّة والعرفية، فَإِن الظَّن يعْتَبر فِيهَا عدم الْوُصُول إِلَى الْيَقِين وَلَفْظَة الْحَقِيقَة مجَاز فِي مَعْنَاهَا، فَإِنَّهَا (فعلية) مَأْخُوذَة من الْحق، وَالْحق بِحَسب اللُّغَة: الثَّابِت، لِأَنَّهُ نقيض الْبَاطِل الْمَعْدُوم، و (الفعيل) الْمُشْتَقّ من الْحق إِن كَانَ بِمَعْنى الْفَاعِل كَانَ مَعْنَاهُ الثَّابِت، وَإِن كَانَ بِمَعْنى الْمَفْعُول كَانَ مَعْنَاهُ الْمُثبت، نقل من الْأَمر الَّذِي لَهُ ثبات إِلَى العقد المطابق للْوَاقِع، لِأَنَّهُ أولى بالوجود من العقد غير المطابق، ثمَّ نقل

стр. 349

من العقد إِلَى القَوْل المطابق لهَذِهِ الْعلَّة بِعَينهَا، ثمَّ نقل إِلَى الْمَعْنى المصطلح، وَهُوَ اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِيمَا وضع لَهُ فِي اصْطِلَاح التخاطب، (وَالتَّاء الدَّاخِلَة على الْفِعْل الْمُشْتَقّ من الْحق لنقل اللَّفْظ من الوصفية إِلَى الاسمية الصرفة) وَكَذَا الْمجَاز مجَاز فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّهُ (مفعل) من الْجَوَاز بِمَعْنى العبور، وَهُوَ حَقِيقَة فِي الْأَجْسَام، وَاللَّفْظ عرض يمْتَنع عَلَيْهِ الِانْتِقَال من مَحل إِلَى آخر، وَبِنَاء (مفعل) مُشْتَرك بَين الْمصدر وَالْمَكَان لكَونه حَقِيقَة فيهمَا، ثمَّ نقل من الْمصدر أَو الْمَكَان إِلَى الْفَاعِل الَّذِي هُوَ الْجَائِز، ثمَّ من الْفَاعِل إِلَى الْمَعْنى المصطلح، وَهُوَ اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ يُنَاسب الْمَعْنى المصطلح بِحَسب التخاطب والحقيقة: عبارَة عَن الِاسْتِعْمَال فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والحقيقي: عبارَة عَن الْوَضع وَالْمجَاز يتَوَقَّف على الثَّانِي لَا على الأول وَالْمجَاز لَا يفهم مَعْنَاهُ إِلَّا بِقَرِينَة من حَيْثُ اللَّفْظ أَو دلَالَة الْحَال وَاعْتِبَار العلاقة مَعَ الْقَرِينَة كَاف فِي الْمجَاز هَذَا عِنْد الْجُمْهُور، وَلَيْسَ كَذَلِك عِنْد الْبَعْض، بل السماع عَن الْعَرَب شَرط لَهُ كَأَن يُقَال: إِن هَذِه العلاقة السَّبَبِيَّة مثلا مسموع من الْعَرَب فِي مثل هَذَا الْمجَاز وَالْمُعْتَبر نوع العلاقة المضبوطة فِي استعمالات البلغاء الخلص، لَا علاقَة جزئية حَتَّى يلْزم نقل عينهَا عَن أَرْبَاب البلاغة السليقية، لاتفاقهم على ارْتِفَاع الْكَلَام الْمُشْتَمل على الِاسْتِعَارَة البديعية الَّتِي صدرت عَن أَصْحَاب البلاغة المكتسبة، (وَيدل على عدم شَرط السماع عدم بيانهم الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة فِي كتب اللُّغَة كبيانهم الْحَقِيقَة فِيهَا) [وَلَا ينْقل الِاسْم عَن مَحل الْحَقِيقَة إِلَى غَيره بطرِيق الْمجَاز إِلَّا لمشابهة قَوِيَّة بَينهمَا حَتَّى قَالَ أهل اللُّغَة: إِن الْمجَاز تَشْبِيه بِدُونِ كَاف التَّشْبِيه، وَذَلِكَ بِدلَالَة تَأَكد المشابهة بَينهمَا فَكَانَت المشابهة لَازِمَة بَين مَحل الْمجَاز وَمحل الْحَقِيقَة] وأنواع العلاقات قيل خَمْسَة وَعِشْرُونَ كَمَا ذكره الْقَوْم؛ وَضبط صَاحب " التَّوْضِيح " فِي تِسْعَة؛ وَابْن الْحَاجِب فِي خَمْسَة؛ (وَمَا ذكره الْقَوْم بالاستقراء، وَإِن كَانَ بعض مِنْهَا متداخلا، وَهُوَ اسْتِعْمَال اسْم السَّبَب للمسبب نَحْو: (بلوا أَرْحَامكُم) أَي: صلوا؛ وَبِالْعَكْسِ كالإثم للخمر، وَاسْتِعْمَال الْكل للجزء كالأصابع للأنامل وَبِالْعَكْسِ كالوجه للذات؛ وَاسْتِعْمَال الملزم للازم كالنطق للدلالة، وَبِالْعَكْسِ كشد الْإِزَار للاعتزال عَن النِّسَاء فِي قَوْله: (قوم إِذا حَاربُوا شدوا مآزرهم ... دون النِّسَاء وَلَو باتت بأطهار) وَاسْتِعْمَال أحد المتشابهين فِي صفة شكلا أَو غَيره للْآخر كالأسد للشجاع وَاسْتِعْمَال الْمُطلق للمقيد كَالْيَوْمِ ليَوْم الْقِيَامَة، وَبِالْعَكْسِ كالمشفر للشفة وَاسْتِعْمَال الْخَاص للعام نَحْو: ﴿وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أَي: رُفَقَاء

стр. 350

وَبِالْعَكْسِ، كالعام الْمَخْصُوص وَحذف الْمُضَاف نَحْو: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَيُسمى مجَازًا بِالنُّقْصَانِ؛ وَبِالْعَكْسِ نَحْو: أَن ابْن جلا ... والمجاورة كالميزاب للْمَاء وَالْأول وَاعْتِبَار مَا كَانَ وَالْمحل للْحَال وَبِالْعَكْسِ نَحْو: ﴿فَفِي رَحْمَة الله﴾ أَي: الْجنَّة وَآلَة الشَّيْء لَهُ، كاللسان للذّكر وَأحد الْبَدَلَيْنِ للْآخر نَحْو: الدَّم للدية والنكرة فِي الْإِثْبَات للْعُمُوم نَحْو: ﴿علمت نفس مَا أحضرت﴾ والضد للضد والمعرف للْمُنكر، كَقَوْلِه: ﴿وادخلوا الْبَاب﴾ أَي: بَابا من أَبْوَابهَا والحذف نَحْو ﴿يبين الله لكم أَن تضلوا﴾ أَي: لِئَلَّا تضلوا وَالزِّيَادَة نَحْو ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ [وَاعْلَم أَن اللَّفْظ إِذا تجرد عَن الْقَرِينَة فإمَّا أَن يحمل على حَقِيقَته أَو مجازه أَو عَلَيْهِمَا أَو لَا على وَاحِد مِنْهُمَا، وَالثَّلَاثَة الْأَخِيرَة بَاطِلَة لِأَن شَرط الْحمل على الْمجَاز حُصُول الْقَرِينَة الْمَانِعَة اتِّفَاقًا، وَالْمَجْمُوع من حَيْثُ لَيْسَ حَقِيقَة لَهُ إِذْ الْمُقدر خِلَافه فَيكون مَعْنَاهُ الْمجَازِي وَقد فَاتَ شَرط الْحمل عَلَيْهِ، وعَلى التَّقْدِير الْأَخير يكون مهملا أَو مُجملا وَذَلِكَ خلاف الْإِجْمَاع فَتعين الْوَجْه الأول ثمَّ اعْلَم أَن الْحَقِيقَة إِمَّا متعذرة وَإِمَّا مهجورة] فالحقيقة المتعذرة هِيَ مَا لَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِلَّا بِمَشَقَّة ك (أكل النَّخْلَة) والمهجورة: مَا يتْركهُ النَّاس وَإِن تيَسّر الْوُصُول إِلَيْهِ، ك (وضع الْقدَم) وَقيل: المتعذرة مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم وَإِن تحقق والمهجورة قد يثبت بهَا الحكم إِذا صَار فَردا من أَفْرَاد الْمجَاز عَادَة أَو شرعا وَقيل: المهجورة كِنَايَة كالمجاز غير الْغَالِب الِاسْتِعْمَال (والحقيقة إِذا تَعَذَّرَتْ يُصَار إِلَى الْمجَاز، والمهجور شرعا أَو عرفا كالمتعذر) وَإِذا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، أَو كَانَ اللَّفْظ مُشْتَركا بِلَا مرجع أهمل لعدم الْإِمْكَان والحقيقة إِذا كَانَت مستعملة وَالْمجَاز أَكثر مِنْهَا اسْتِعْمَالا فَالْعَمَل بالمجاز على وَجه يصير الْحَقِيقَة فَردا مِنْهُ أولى هَذَا عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد تَرْجِيحا بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال، إِذْ الْحَقِيقَة مَتى قل اسْتِعْمَالهَا لَا تتسارع الأفهام إِلَيْهَا، فَالْعِبْرَة للمجاز تَحْقِيقا لغَرَض الإفهام بأبلغ الْوُجُوه وَأما عِنْد أبي حنيفَة فَالْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ أولى لِأَنَّهَا الأَصْل وَإِذا اسْتَويَا فِي الِاسْتِعْمَال فَالْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ أولى بالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ بالتعارض يسْقط اعْتِبَار الْعرف سَوَاء كَانَ بالتعامل، وَهُوَ قَوْلهمَا وَعَلِيهِ مَشَايِخ بَلخ، أَو بالتفاهم والأقوال وَهُوَ قَول الإِمَام وَعَلِيهِ مَشَايِخ الْعرَاق

стр. 351

[وَجُمْلَة مَا تتْرك بِهِ الْحَقِيقَة خَمْسَة أَنْوَاع عرف ذَلِك بطرِيق الاستقراء: تتْرك بِدلَالَة الْعدة أَي الْعرف وَالشَّرْع، وبدلالة مَحل الْكَلَام، لِأَن مَحل الْحَقِيقَة مَا لم يقبل حكمهَا للتعذر تعين إِرَادَة الْمجَاز؛ وبدلالة معنى يرجع إِلَى الْمُتَكَلّم أَي صفة من صِفَاته، كَمَا لَو وكل بشرَاء اللَّحْم فَإِنَّهُ ينفذ بالنيء إِن كَانَ مُقيما وبالمطبوخ والمشوي إِن كَانَ مُسَافِرًا بِدلَالَة حَالهمَا على ذَلِك وبقرينة لفظية التحقت بِهِ سَابِقَة أَو مُتَأَخِّرَة، إِلَّا أَن السِّيَاق أَكثر اسْتِعْمَاله فِي الْمُتَأَخِّرَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر إِنَّا أَعْتَدْنَا للظالمين نَارا﴾ لِأَن حَقِيقَة الْأَمر الْإِيجَاب عِنْد الْجُمْهُور، وَعند الْبَعْض للنَّدْب وَالْإِبَاحَة وَالْكفْر غير وَاجِب وَلَا مَنْدُوب وَلَا مُبَاح، إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لما اسْتوْجبَ الْعقُوبَة بسياق الْآيَة وتترك أَيْضا بِدلَالَة اللَّفْظ فِي نَفسه بِأَن يكون الِاسْم منبئا عَن كَمَال فِي مُسَمَّاهُ لُغَة، وَفِي أَفْرَاد ذَلِك الْمُسَمّى نوع قُصُور، فَعِنْدَ الْإِطْلَاق لَا يتَنَاوَل اللَّفْظ ذَلِك الْفَرد الْقَاصِر، كَلَفْظِ الصَّلَاة فَإِنَّهُ لما كَانَ عبارَة عَن الْأَركان الْمَخْصُوصَة لَا يتَنَاوَل عِنْد الْإِطْلَاق صَلَاة الْجِنَازَة لقُصُور فِيهَا، أَلا يرى أَنَّهَا لَا تذكر إِلَّا بِقَرِينَة] والحقيقة المقدسة: هِيَ الْمَاهِيّة الْكُلية المفاضة للوجود والتشخص عِنْد الْمُتَكَلِّمين، والوجود الْخَاص الْحَقِيقِيّ الْقَائِم بِذَاتِهِ عِنْد الْحُكَمَاء وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ يمْتَنع تعقلها بخصوصها، وَلَا تتعقل إِلَّا بمفهومات كُلية اعتبارية فَقَط عِنْد الْحَكِيم والمعتزلة، أَو بهَا وبصفات حَقِيقِيَّة عِنْد الماتريدية والأشاعرة الْحَمد: هُوَ الشُّكْر، والرضى، وَالْجَزَاء وَقَضَاء الْحق وَأحمد (فلَان) : صَار أمره إِلَى الْحَمد، أَو فعل مَا يحمد عَلَيْهِ و [أَحْمد] فلَانا: رَضِي فعله ومذهبه وَلم ينشره للنَّاس و [أَحْمد] أمره: صَار عِنْده مَحْمُودًا [وحمدت الله على كَذَا، أَي حمدته بإلقاء ذَلِك الْحَمد على كَذَا، إِذْ لَا يتَعَدَّى بعلى] والحميد: فعيل من الْحَمد بِمَعْنى الْمَحْمُود وأبلغ مِنْهُ، وَهُوَ من حصل لَهُ من صِفَات الْحَمد أكملها، أَو بِمَعْنى الحامد أَي: يحمد أَفعَال عباده والتحميد: حمد الله مرّة بعد مرّة وَإنَّهُ لحماد الله وَمِنْه: مُحَمَّد كَأَنَّهُ يحمد مرّة بعد مرّة وَأحمد إِلَيْك الله: أشكره وَالْعود أَحْمد: أَي أَكثر حمدا، لِأَنَّك لَا تعود إِلَى شَيْء غَالِبا إِلَّا بعد خيريته أَو مَعْنَاهُ أَنه إِذا ابْتَدَأَ الْمَعْرُوف جلب الْحَمد لنَفسِهِ، فَإِذا عَاد كَانَ أحمل أَي: أكسب للحمد لَهُ (أَو هُوَ (أفعل) من الْمَفْعُول. أَي: الِابْتِدَاء مَحْمُود وَالْعود أَحَق بِأَن يحمدوه كَذَا فِي " الْقَامُوس ") وَاخْتلف فِي الْحَمد وَالثنَاء وَالشُّكْر والمدح هَل هِيَ أَلْفَاظ متباينة، أَو مترادفة أَو بَينهَا عُمُوم وخصوص مُطلق، أَو من وَجه؟ فَمن قَالَ بالتباين نظر إِلَى مَا انْفَرد بِهِ كل وَاحِد مِنْهُمَا من الْجِهَة وَمن قَالَ

стр. 352

بالترادف نظر إِلَى جِهَة اتحادها وَاسْتِعْمَال كل وَاحِد مِنْهَا فِي مَكَان الآخر وَلِهَذَا ترى أهل اللُّغَة يفسرون هَذِه الْأَلْفَاظ بَعْضهَا بِبَعْض وَمن قَالَ بالاجتماع والافتراق فقد نظر إِلَى الْجِهَتَيْنِ مَعًا، وَهُوَ قَول بعض أهل اللُّغَة، وَعَلِيهِ جُمْهُور الأدباء وَالْأَصْل فِي الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على الْمعَانِي التباين، والاتحاد والاشتراك خلاف الأَصْل فِي " الْفَائِق ": الْحَمد والمدح أَخَوان، حمله السَّيِّد على الترادف بَينهمَا، إِمَّا بعد قيد الِاخْتِيَار فِي الْحَمد، أَو بِاعْتِبَارِهِ فيهمَا والتفتازاني حمله على الِاشْتِقَاق كَبِيرا كَانَ أَو أكبر، مَعَ اتِّحَاد فِي الْمَعْنى، أَو تناسب فَلَا ترادف قَالُوا: الْحَمد هُوَ الثَّنَاء مَعَ الرضى بِشَهَادَة موارد اسْتِعْمَاله والمدح مُطلقًا هُوَ الثَّنَاء، وَيشْتَرط فِي الْحَمد صدوره عَن علم لَا عَن ظن، وَكَون الصِّفَات المحمودة صِفَات الْكَمَال والمدح قد يكون عَن ظن وبصفة مستحسنة، وَإِن كَانَ فِيهِ نقص مَا وَالْحَمْد مَأْمُور بِهِ: ﴿قل الْحَمد لله﴾ والمدح مَنْهِيّ عَنهُ: " احثوا التُّرَاب على المداحين " وَالْحَمْد وضع بعد النِّعْمَة، وَفِيه دلَالَة على أَنه فَاعل بِاخْتِيَارِهِ وقائله مقرّ بِهِ، والمدح لَيْسَ كَذَلِك [وَفِي الْحَمد اعْتِرَاف بدوام النِّعْمَة واقتضاء سَابِقَة الْإِحْسَان بِخِلَاف الْمَدْح فَإِنَّهُ عَام] وَتعلق الْحَمد فِي قَوْلك (حمدته) بمفعوله منبئ عَن معنى الإنهاء، فَصَارَ كبعض الْأَفْعَال فِي استدعاء أدنى الملابسة ك (أعنته إِلَيْهِ) و (استعنته مِنْهُ) ، وَلَيْسَ كَذَلِك الْمَدْح، لِأَن تعلقه بمفعوله فِي قَوْلك: (مدحته) على منهاج عَامَّة الْأَفْعَال بمفعولاتها فِي الملابسة التَّامَّة المؤثرة فِيهِ، وَمن ثمَّة صَار التَّعَلُّق فِيهِ بالمفعول الْحَقِيقِيّ، وَفِي الْحَمد بِوَاسِطَة الْجَار الْمُنَاسب، وَمَا هَذَا إِلَّا لاختلافهما فِي الْمَعْنى قطعا وَلَا بُد فِي الْحَمد أَن يكون الْمَحْمُود مُخْتَارًا، وَفِي الْمَدْح غير لَازم، وَلِهَذَا يكون وصف اللؤلؤة بصفائها مدحا لَا حمدا، وَأما ﴿مقَاما مَحْمُودًا﴾ فَمَعْنَاه مَحْمُودًا فِيهِ النَّبِي لشفاعته، أَو الله تَعَالَى لتفضله عَلَيْهِ بِالْإِذْنِ فِي الشَّفَاعَة وَلَا يلْزم النَّقْض بِالْوَصْفِ الْجَمِيل فِي مُقَابلَة الصِّفَات الذاتية كالقدرة والإرادة غير الاختيارية بِنَاء على أَن كل اخْتِيَاري حَادث، لِأَن الِاخْتِيَارِيّ يَقْتَضِي أَن يكون مَسْبُوقا بالإرادة، والإرادة مسبوقة بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة، وَذَلِكَ يسْتَلْزم الْحُدُوث على مَا تقرر فِي مَحَله، إِذْ الصِّفَات الذاتية أَمر اخْتِيَاري أَي أَمر مَنْسُوب إِلَى الِاخْتِيَار نِسْبَة المصاحب إِلَى المصاحب الآخر، لَا نِسْبَة الْمَعْلُول إِلَى علته حَتَّى يكون مَعْنَاهُ أمرا أَو مَنْسُوبا إِلَى الِاخْتِيَار الَّذِي هُوَ منشأ ذَلِك الْأَمر، أَو هِيَ بِمَنْزِلَة أَفعَال اختيارية، لكَونهَا مبدأ لَهَا، وَالْحَمْد عَلَيْهَا بِاعْتِبَار تِلْكَ الْأَفْعَال، فَيكون الْمَحْمُود عَلَيْهِ اختياريا فِي الْمَآل، أَو لكَون الذَّات مُسْتقِلّا وكافيا فِيهَا غير مُحْتَاج فِيهَا إِلَى أَمر خَارج كَمَا هُوَ شَأْن بعض الْأَفْعَال الاختيارية، وَفِيه أَن بعض الصِّفَات لَيْسَ الذَّات مُسْتقِلّا فِيهَا، بل يحْتَاج إِلَى صفة أُخْرَى، إِلَّا أَن يُقَال: المُرَاد من الْخَارِج الْخَارِج من الذَّات وَالصِّفَات، وَيُمكن أَن

стр. 353

يُجَاب بِأَن الِاخْتِيَارِيّ كَمَا يَجِيء بِمَعْنى مَا صدر بِالِاخْتِيَارِ يَجِيء بِمَعْنى مَا صدر من الْمُخْتَار، أَو المُرَاد من الِاخْتِيَارِيّ هَهُنَا الْمَعْنى الْأَعَمّ الْمُشْتَرك بَين الْقَادِر والموجب، وَهُوَ إِن شَاءَ الله فعل وَإِن لم يَشَأْ لم يفعل وَلَا شكّ أَن صِفَاته تَعَالَى عِنْد الأشاعرة صادرة عَن الْفَاعِل الْمُخْتَار الَّذِي هُوَ ذَاته تَعَالَى، وَإِن لم يصدر عَنهُ بِالِاخْتِيَارِ، (وَأَيْضًا هِيَ صادرة بِالِاخْتِيَارِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وَأجَاب الْبَعْض بِأَنا لَا نسلم عدم كَون الصِّفَات الْمَذْكُورَة صادرة بِالِاخْتِيَارِ بِالْمَعْنَى الْأَخَص أَيْضا لجَوَاز أَن يكون سبق الِاخْتِيَار عَلَيْهِ سبقا ذاتيا، كسبق الْوُجُوب على الْوُجُود، لَا سبقا زمانيا حَتَّى يلْزم حدوثها، وَفِيه أَنهم قَالُوا بِأَن أثر الْفَاعِل الْمُخْتَار حَادث قطعا بِلَا خلاف، وَإِن اعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سبق الِاخْتِيَار عَلَيْهِ ذاتيا لَا زمانيا حَتَّى يلْزم الْحُدُوث وَيَكْفِي فِي الْجَمِيل أَن كَون طَرِيقه وَسبب تَحْصِيله اختياريا كَمَا فِي الْعلم، وَأَن يكون ثمراته وآثاره اختيارية كَمَا فِي الْكَرم والشجاعة) ثمَّ الْحَمد لَا يخْتَص بِهَذِهِ الْمَادَّة والصيغة، بل قد يكون بغَيْرهَا مِمَّا يشْعر بالتعظيم نَحْو: (العظمة لله) و (الْأَمر بيد الله) حَتَّى قيل: قَول الْقَائِل (زيد حسن الْوَجْه) وصف لزيد وَحمد لباريه، إِذْ كل حسن صَنِيع جمال فطرته، أَو كل محسن رَضِيع لبان نعْمَته، وَمَا من خير إِلَّا هُوَ موليه بوسط [على مَذْهَب من يَقُول بمؤثر سوى الله] أَو بِغَيْر وسط [على مَذْهَب من لَا يرى مؤثرا سواهُ] ، فَكل حمد وثناء رَاجع إِلَيْهِ عِنْد التَّحْقِيق، لِأَنَّهُ الْمُنعم الْحَقِيقِيّ الْمُبْدع المخترع الْمُوفق المقتدر، وَمَا سواهُ شَرَائِط ووسائط وَأَسْبَاب وآلات لوصول نعمائه إِلَى الْخلق، وَهُوَ الْمُسْتَحق للحمد ذاتا وَصفَة وَلَا شَيْء مِنْهُ لغيره فِي الْحَقِيقَة فاستحقاق الذَّات الْعلية للحمد إِنَّمَا هُوَ بصفاته الذاتية الَّتِي لَا يحمد عَلَيْهَا إِلَّا الذَّات فَقَط فِي قَول الحامدين لله: (الْحَمد لله) وَاسْتِحْقَاق الصِّفَات الذاتية أَيْضا للحمد إِنَّمَا هُوَ بِكَمَال صفاتها أَيْضا، كَمَا هُوَ الْمَفْهُوم من صِفَات الْأَفْعَال، فَإِنَّهَا وَسِيلَة لإنعام صِفَات الذَّات الْعلية الَّتِي هِيَ منشأ تِلْكَ الصِّفَات المتفجرة من الإنعام وَالْإِحْسَان على جَمِيع الأكوان فاستحقاق الذَّات أَولا من حَيْثُ هُوَ بصفاته الذاتية السَّبع أَو الثماني على اخْتِلَاف الرائين ثمَّ اسْتِحْقَاق الصِّفَات الْمَذْكُورَة ثَانِيًا إِنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَة الْفِعْل كالإنعام مثلا وَلما كَانَت الذَّات الْعلية منشأ الْحَمد، وَالْوَصْف آلَة لملاحظتها، لَا أَنه مَقْصُود أَصَالَة فَهِيَ محمودة بِاعْتِبَار أَنَّهَا نصب عين الحامد، ومحمود عَلَيْهَا بِاعْتِبَار أَن الْحَمد لأَجلهَا، ومحمود بهَا بِاعْتِبَار أَن الْحَمد كَانَ بهَا بَقِي الْكَلَام فِيهِ من جِهَة التَّقْسِيم وَالْإِعْرَاب فَنَقُول: إِن الْحَمد اللّغَوِيّ هُوَ الْوَصْف الْجَمِيل على جِهَة التَّعْظِيم والتبجيل بِاللِّسَانِ وَحده والعرفي: هُوَ فعل يُنبئ عَن تَعْظِيم الْمُنعم لكَونه منعما أَعم من أَن يكون فعل اللِّسَان والجنان والأركان والقولي: هُوَ حمد اللِّسَان وثناؤه على الْحق بِمَا

стр. 354

أثنى بِهِ على نَفسه على أَلْسِنَة الْأَوْلِيَاء والأنبياء وَالرسل والفعلي: هُوَ الْإِتْيَان بِالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّة ابْتِغَاء لوجه الله والحالي: هُوَ مَا يكون بِحَسب الرّوح وَالْقلب كالاتصاف بالكمالات العلمية والعملية والتخلق بالأخلاق الإلهية والنبوية فَحَمدَ الله عبارَة عَن تَعْرِيفه وتوصيفه بنعوت جَلَاله وصفات جماله وسمات كَمَاله الْجَامِع لَهَا، سَوَاء كَانَ بِالْحَال أَو بالمقال، وَهُوَ معنى يعم الثَّنَاء بأسمائه فِيهِ جليلة، وَالشُّكْر على نعمائه فَهِيَ جزيلة، والرضى بأقضيته فَهِيَ حميدة، والمدح بأفعاله فَهِيَ جميلَة وَذَلِكَ لِأَن صِفَات الْكَمَال أَعم من صِفَات الذَّات وَالْأَفْعَال، والتعريف بهَا أَعم مِنْهُ بِاللِّسَانِ أَو بالجنان أَو بالأركان وَأما الْحَمد الذاتي: فَهُوَ على أَلْسِنَة المكملين ظُهُور الذَّات فِي ذَاته لذاته وَالْحَمْد الحالي: اتصافه بِصِفَات الْكَمَال (وَالْحَمْد الْفعْلِيّ: إِيجَاد الأكوان بصفاتها حَسْبَمَا يقتضيها فِي كل زمَان وَمَكَان وَنَفس الأكوان أَيْضا محامد دَالَّة على صِفَات مبدعها) سوابقها ولواحقها مثل الْأَقْوَال وَالله سُبْحَانَهُ يثني بِنَفسِهِ على نَفسه ﴿نعم الْمولى وَنعم النصير﴾ وَقيل: كل مَا أثنى الله بِهِ على نَفسه فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة إِظْهَاره بِفِعْلِهِ فحمده لنَفسِهِ بَث آيَاته وَإِظْهَار نعمائه بمحكمات أَفعاله، وعَلى ذَلِك ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ فَإِن شَهَادَته لنَفسِهِ إِحْدَاث الكائنات دَالَّة على وحدانيته، ناطقة بِالشَّهَادَةِ لَهُ، ويثني بِنَفسِهِ على فعله: ﴿نعم العَبْد إِنَّه أواب﴾ ويثني بِفِعْلِهِ على نَفسه كَقَوْل العَبْد: (الْحَمد لله) ، ويثني بِفِعْلِهِ على فعله كَقَوْل العَبْد: (نعم الرجل زيد) فَكل حمد إِذن مُضَاف إِلَيْهِ وَإِن اخْتلفت جِهَة الْإِضَافَة وَالْحَمْد لله تَعَالَى وَاجِب فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ على نعْمَة متفضل بهَا وَهُوَ الطَّرِيق إِلَى تَحْصِيل نعم الْآخِرَة وَالْحَمْد لَهُ فِي الْآخِرَة لَيْسَ بِوَاجِب لِأَنَّهُ على نعْمَة وَاجِبَة الإيصال إِلَى مستحقها، وَإِنَّمَا هُوَ تَتِمَّة سرُور الْمُؤمنِينَ، يتلذذون بِهِ كَمَا يتلذذ من بِهِ الْعَطش بِالْمَاءِ الْبَارِد والحامد فِي بَدْء تصنيفه إِن لم يُقَابل حَمده بِنِعْمَة فَهُوَ حَامِد لُغَة فَقَط، وَإِن قابله بهَا فَهُوَ حَامِد لُغَة وَعرفا، وشاكر لُغَة؛ وَإِن جعله جُزْءا من شكر عرفي بِأَن صرف سَائِر مَا أنعم عَلَيْهِ إِلَى مَا أنعم لَهُ كَمَا صرف لِسَانه فَهُوَ حَامِد لُغَة وَعرفا وشاكر كَذَلِك وَذَلِكَ أَعلَى مَرَاتِب الحامدين وَأما إِعْرَاب (الْحَمد لله) فَهُوَ فِي الأَصْل من المصادر المنصوبة بالأفعال الْمقدرَة السَّادة مسدها، كَمَا فِي (شكرا) و (سقيا) و (رعيا) وَنَحْوهَا، فَحذف فعله لدلَالَة الْمصدر عَلَيْهِ، ثمَّ عدل إِلَى الرّفْع لقصد الدَّوَام والثبات، وَأدْخل عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام فَصَارَ (الْحَمد لله) وَلما كَانَت نعم الله على كثرتها قسمَيْنِ دائمة ثَابِتَة وحادثة متجددة اخْتلف من هَهُنَا اخْتِيَار الْعلمَاء، مِنْهُم من يخْتَار الْجُمْلَة الاسمية وَمِنْهُم من يخْتَار

стр. 355

الفعلية جَريا على قَضِيَّة التناسب، لَكِن (الْحَمد لله) أبلغ من (أَحْمد الله) و (الله أَحْمد) أما من الأول فَلِأَنَّهُ يحْتَمل الِاسْتِقْبَال فَيكون وَعدا لَا تنجيزا؛ وَكَونه حَقِيقَة فِي الْحَال عِنْد الْفُقَهَاء لَا يدْفع الِاحْتِمَال؛ على أَن إِرَادَة الْحَال تفِيد انْقِطَاعه من الْجَانِبَيْنِ لعدم مَا يدل على الِاسْتِمْرَار، إِلَّا أَن يُرَاد معنى قَوْلهم: (مَا مضى فَاتَ والمؤمل غيب وَلَك السَّاعَة الَّتِي أَنْت فِيهَا) وَأما من الثَّانِي فَلِأَن الْحصْر إِنَّمَا يعْتَبر فِي مقَام يكون فِيهِ خطأ يرد إِلَى الصَّوَاب ومقام الْحَمد من الْمُسلم يَأْبَى أَن يعْتَقد أَن غير الله مَحْمُود اعتقادا خطأ فَيرد إِلَى الصَّوَاب، وَيَقْتَضِي أَن يكون على أسلوب دَال على الثُّبُوت لَهُ دَائِما وَهُوَ (الْحَمد لله) وَصِيغَة الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر وَإِن دلّت على وجود مشارك فِي صفة الحامدين من بني صنفه أَو نَوعه أَو جنسه أَو كل الْعَالمين أَو مِمَّا يخْتَص بِهِ من الْجَوَارِح والموارد مَعَ مَا فِي التَّشْرِيك من الِاسْتِعَانَة والإشفاق وَدفع توهم الِاخْتِصَاص وَغير ذَلِك، لكنه لَا يُفِيد أَيْضا مَا يفِيدهُ (الْحَمد لله) من كَونه تَعَالَى مَحْمُودًا أزلا وأبدا بِحَمْدِهِ الْقَدِيم سَوَاء حمد أَو لم يحمد، وَأَن الْحَمد حَقه وَملكه بِسَبَب كَثْرَة أياديه وأنواع آلائه على الْعباد، وَلَيْسَ فِيهِ ادِّعَاء أَن العَبْد آتٍ بِالْحَمْد، بل تَقول: من أَنا حَتَّى أَحْمَده، لكنه مَحْمُود بِجَمِيعِ حمد الحامدين، وَلِأَن فِيهِ دخل حَمده وَحمد غَيره من أول الْعَالم إِلَى آخِره، بل إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ، إِلَى غير ذَلِك من الْفَوَائِد وَفِي (الْحَمد لله) تَصْرِيح بِأَن الْمُؤثر فِي وجود الْعَالم فَاعل مُخْتَار، لَا مُوجب، كَمَا تَقول بِهِ الفلاسفة، وَلَيْسَ فِي الْمَدْح لله هَذِه الْفَائِدَة، وَفِيه أَيْضا دلَالَة على أَن الْحَمد لأجل كَونه مُسْتَحقّا لَهُ لَا لخُصُوص أَنه أوصل النِّعْمَة إِلَيْهِ فَيكون الْإِخْلَاص أكمل والانقطاع عَمَّا سواهُ أقوى وَأثبت وَلَيْسَ من الشُّكْر لله ذَلِك، بل فِيهِ إِشْعَار بِأَن ذكر تَعْظِيمه إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب مَا وصل إِلَيْهِ من النِّعْمَة وَهِي الْمَطْلُوب الْأَصْلِيّ، وَهَذِه دَرَجَة صَغِيرَة وَإِذا عرفت هَذَا فَنَقُول: إِن فِي الْإِتْيَان بِالْجُمْلَةِ الاسمية الإخبارية لفظا كَمَا هُوَ الأَصْل، والإنشائية معنى كَمَا فِي أَلْفَاظ الْعُقُود وَغَيرهَا على معنى أَنه منشئ للْأَخْبَار أَن كل حمد ثَابت لَهُ لَا أَنه منشئ لكل حمد، محلاة جزؤها الأول بلام لَا يقْصد الْمصدر الْمُؤَكّد إِلَّا بهَا، وَهُوَ لَام الْجِنْس الصَّالح بِحَسب الْمقَام للاستغراق بتنزيل الْأَفْرَاد الثَّابِتَة للْغَيْر فِي الْمقَام الْخطابِيّ منزلَة الْعَدَم كَمَا وكيفا، وجزؤها الثَّانِي بلام الِاخْتِصَاص الَّذِي يُقَال لَهُ لَام التَّمْلِيك والاستحقاق [لَا سِيمَا فِيهِ] التأسي بمفتتح التَّنْزِيل الْجَلِيل والتنبيه على استغنائه عَن حمد الحامدين [مَعَ مَا فِيهِ من الْإِيمَاء إِلَى أَنه لَا يَلِيق بِذَاتِهِ الْقَدِيم إِلَّا حَمده الْقَدِيم الصَّادِر عَن ذَاته الْقَدِيمَة، وَهَذَا الْمَعْنى على الْعَهْد الرَّاجِح عِنْد بعض الْمُحَقِّقين وَإِمَّا على الْجِنْس والاستغراق] وَالْمعْنَى أَن مَا يعرفهُ كل أحد من الْمَعْنى الَّذِي يُطلق عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظ أَو جَمِيع أَفْرَاده ثَابت لذاته تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ على وَجه الِاخْتِصَاص، وَأَنه الْحقيق بِهِ بِالِاخْتِيَارِ الْحَقِيقِيّ المنحصر فِيهِ حمد أَو
следующие страницы →