Полный текст (1 069 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
لتولوا﴾ فَإِن أول الْكَلَام يَقْتَضِي نفي الْخَيْر أَي: مَا علم مِنْهُم خيرا وَمَا أسمعهم، وَآخره يَقْتَضِي حُصُول الْخَيْر أَي: مَا أسمعهم وانهم مَا توَلّوا، وَعدم التولي خير من الْخيرَات وَكَذَا التَّنَاقُض فِي حَدِيث " نعم الرجل صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ " إِذْ الْمَعْنى حِينَئِذٍ أَنه خَافَ الله وَعَصَاهُ، وَذَلِكَ متناقض، فَثَبت أَن كلمة (لَو) تفِيد مُجَرّد الاستلزام، وَهَذَا دَلِيل حسن إِلَّا أَنه خلاف قَول الْجُمْهُور
وَأما عِنْد ابْن الْحَاجِب فبعكس مَا هُوَ عِنْد الْجُمْهُور، وَذَلِكَ أَن (لَو) مُشْتَرك مَعَ (أَن) فِي الشّرطِيَّة
وحرف الشَّرْط: كل حرف دخل على جملتين عليتين، فَجعل تحقق مَضْمُون الأولى سَببا لتحقيق مَضْمُون الثَّانِيَة وَالْفرق أَن (إِن) يُفِيد ارتباط الْجَزَاء بِالشّرطِ فِي الِاسْتِقْبَال وَإِن دخلت على الْمَاضِي و (لَو) يُفِيد ارتباطها بِهِ فِي الْمَاضِي على سَبِيل التَّقْدِير وَإِن دخلت على الْمُسْتَقْبل فَمَعْنَى (إِن أكرمتنى أكرمتك) تَعْلِيق تحقق مَضْمُون الثَّانِيَة فِي الْمَاضِي بتحقق مَضْمُون الأولى فِيهِ على سَبِيل التَّقْدِير، وكل وَاحِد من مضموني الجملتين منفي، فَمن ذهب إِلَى أَنَّهَا لانْتِفَاء الثَّانِي لانْتِفَاء الأول نظر إِلَى أَن تحقق مَضْمُون الأولى لما كَانَ سَببا لتحَقّق مَضْمُون الثَّانِيَة كَانَ انْتِفَاء مَضْمُون الأولى فِي الْخَارِج سَببا لانْتِفَاء مَضْمُون الثَّانِيَة فِيهِ ضَرُورَة أَن انْتِفَاء مَضْمُون الْعلَّة لانْتِفَاء الْمَعْلُول، فَإِذا قيل: (لَو جئتني لأكرمتك) كَانَ اللَّازِم انْتِفَاء الْإِكْرَام فِي الْخَارِج أَيْضا، وَإِن لم يكن الْعلم بِانْتِفَاء الأول سَببا للْعلم بِانْتِفَاء الثَّانِي بِنَاء على أَن الْعلم بِانْتِفَاء السَّبَب الْخَاص لَا يسْتَلْزم الْعلم بِانْتِفَاء الحكم مُطلقًا لجَوَاز أَن يتَحَقَّق بسب آخر وَمن ذهب إِلَى أَنَّهَا لانْتِفَاء الأول لانْتِفَاء الثَّانِي نظر إِلَى أَن الْعلم بِانْتِفَاء الثَّانِي يسْتَلْزم الْعلم بِانْتِفَاء الأول ضَرُورَة أَن الْعلم بِانْتِفَاء الْمُسَبّب يدل على انْتِفَاء الْأَسْبَاب كلهَا، فَإِن قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ إِنَّمَا سيق ليستدل بامتناع الْفساد على انْتِفَاء تعدد الْآلهَة دون الْعَكْس، إِذْ لَا يلْزم من انْتِفَاء التَّعَدُّد انْتِفَاء الْفساد، وَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب هُوَ معنى يقْصد إِلَيْهِ فِي مقَام الِاسْتِدْلَال بِانْتِفَاء اللَّازِم الْمَعْلُوم على انْتِفَاء اللَّازِم الْمَجْهُول، وَالْمعْنَى الْمَشْهُور لَازم معنى (لَو) فَإِنَّهَا مَوْضُوعَة لتعليق حُصُول أَمر فِي الْمَاضِي بِحُصُول أَمر آخر مُقَدّر فِيهِ، وَمَا كَانَ حُصُوله مُقَدرا فِي الْمَاضِي كَانَ منتفيا فِيهِ قطعا، فَيلْزم لأجل انتفائه انْتِفَاء مَا علق بِهِ أَيْضا، فَهَذَا الْمَعْنى بَيَان سَبَب أحد انتفاءين معلومين للْآخر بِحَسب الْوَاقِع، فَلَا يتَصَوَّر هُنَاكَ اسْتِدْلَال
وَلها اسْتِعْمَال ثَالِث وَهُوَ أَن يقْصد اسْتِمْرَار شَيْء فيربط ذَلِك الشَّيْء بأبعد النقيضين عَنهُ فَيلْزم وجوده أبدا، إِذْ النقيضان لَا يرتفعان، فَيلْزم اسْتِمْرَار وجود الْجَزَاء على تَقْدِير وجود الشَّرْط وَعَدَمه، فَيكون الْجَزَاء لَازم الْوُجُود فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة عِنْد الْمُتَكَلّم، سَوَاء كَانَ الشَّرْط وَالْجَزَاء مثبتين نَحْو: (لَو أهانني لأكرمته) فَإِنَّهُ إِذا استلزم الإهانة الْإِكْرَام فَكيف لَا يسْتَلْزم الْإِكْرَام الْإِكْرَام
أَو منفيين نَحْو: " لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ "
стр. 772
أَو مُخْتَلفين نَحْو: ﴿وَلَو أَنما فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام﴾ وَنَحْو: (لَو لم تكرمني لأثنيت عَلَيْك)
[وَفِي " التسديد ": كلمة (لَو) أَيْنَمَا دخلت كَانَ المُرَاد من النَّفْي الْإِثْبَات وَمن الْإِثْبَات النَّفْي فَكَانَ النَّفْي فِي الْمَنْفِيّ وَالْإِثْبَات فِي الْمُثبت صور بإلا معنويا فَإِن معنى قَوْلك مثلا (لَو لم تكن الْحَرَكَة مَوْجُودَة فِي هَذَا الْمحل لما وجد التحرك فِيهِ) أَي: الْحَرَكَة الْمَوْجُودَة فِيهِ فَلذَلِك وجد التحرك فِيهِ، وَكَذَلِكَ فِي صُورَة الْإِثْبَات، وَهِي لَو كَانَت الْحَرَكَة قَائِمَة فِي هَذَا الْمحل لَكَانَ التحرك مَوْجُودا، أَي الْحَرَكَة غير قَائِمَة فِيهِ فَلذَلِك لم يُوجد التحرك فِيهِ]
قَالَ أَبُو الْبَقَاء: (لَو) فِي " لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ " تفِيد الْمُبَالغَة، وَهُوَ أَنه لَو لم يكن عِنْده خوف لما عصى الله، فَكيف يَعْصِي وَعِنْده خوف
وَقد تسْتَعْمل (لَو) لمُطلق الرَّبْط ك (إِن) ولقطع الرَّبْط أَيْضا فَتكون جَوَابا لسؤال مُحَقّق أَو متوهم وَقع فِيهِ ربط فتقطعه أَنْت لاعتقادك بطلَان ذَلِك الرَّبْط، كَمَا إِذا سَمِعت قَائِلا يَقُول: (زيد إِذا لم يكن عَالما لم يكرم) فَربط بَين عدم الْعلم وَعدم الْإِكْرَام، فتقطع أَنْت ذَلِك الرَّبْط وَتقول: لَو لم يكن زيد عَالما لأكرم، أَي لشجاعته
وَقَالَ شمس الدّين الخسرو شاهي: إِن (لَو) فِي أصل اللُّغَة لمُطلق الرَّبْط، وَإِنَّمَا اشتهرت فِي الْعرف فِي انقلاب ثُبُوتهَا نفيا وَبِالْعَكْسِ وَحَدِيث " لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ " إِنَّمَا ورد بِمَعْنى الرَّبْط فِي اللُّغَة
وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء: (لَو) حرف لما كَانَ سيقع لوُقُوع غَيره هَذِه عبارَة سِيبَوَيْهٍ وَهِي أولى من عبارَة غَيره: حرف امْتنَاع لِامْتِنَاع، لصِحَّة الْعبارَة الأولى فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ الْبَحْر مدادا﴾ ، وَفِي قَوْله ﵊: " نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ " وَعدم صِحَة الثَّانِيَة فِي ذَلِك ولفساد نَحْو قَوْلهم: (لَو كَانَ إنْسَانا لَكَانَ حَيَوَانا)
وَكلمَة (لَو) و (إِن) الوصليتين ليستا لانْتِفَاء الشَّيْء لانْتِفَاء غَيره، وَلَا للمضي، وَلَا لقصد التَّعْلِيق، بل كل مِنْهُمَا مستعملة فِي تَأْكِيد الحكم الْبَتَّةَ، وَلذَا ترى الْقَوْم يَقُولُونَ: إِنَّهَا للتوكيد، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَو أَعجبتكُم﴾
وَالْوَاو عِنْد الْبَعْض للْعَطْف على مُقَدّر هُوَ ضد الْمَذْكُور أَي: لم يكن كَذَلِك وَلَو كَانَ كَذَلِك
وَعند صَاحب " الْكَشَّاف " للْحَال وَترد (لَو) لِلتَّمَنِّي لتلاقيهما فِي معنى التَّقْدِير نَحْو: ﴿فَلَو أَن لنا كرة فنكون﴾ وَلذَلِك أُجِيب بِالْفَاءِ
وَالْعرض نَحْو: (لَو تنزل عندنَا فنكرمك)
والتحضيض نَحْو: (لَو تسلم فَتدخل الْجنَّة) أَي: هلا تسلم
والتقليل نَحْو قَوْله ﵊: " ردوا السَّائِل وَلَو بظلف محرق " يَعْنِي المشوي المنتفع بِهِ
وَإِذا كَانَ مَدْخُول (لَو) مَاضِيا مثبتا جَاءَ فِي الْقُرْآن جَوَابه بِاللَّامِ كثيرا، وبدونها فِي مَوضِع، وَلم يجِئ جَوَاب (لَو) فِي الْقُرْآن مَحْذُوف اللَّام من الْمَاضِي
стр. 773
الْمُثبت وَلَا فِي مَوضِع وَاحِد، وَذَلِكَ أَن (لَو) للشّرط فِي الْمَاضِي فَإِذا دخلت فِي الْمُسْتَقْبل فقد خرجت عَن حيزها لفظا، فَجَاز فِي الْجَزَاء الْإِخْرَاج عَن حيزه لفظا، وَإِسْقَاط اللَّام عَنهُ جَزَاء، كَمَا أَن (إِن) إِذا جعل مدخوله مَاضِيا جَازَ فِي جَزَائِهِ الْإِخْرَاج عَن حيزه لفظا، وَترك الْجَزْم جَزَاء أَيْضا وَقد نظمت فِيهِ:
(وأفرطت فِي صد فجوزيت بالجفا ... وفرطت فِي حب فجوزيت بالهجر)
(كَأَنَّك إِن كنت كَأَنِّي كَلَوْ ترى ... وَهَذَا جَزَاء للتعدي عَن الطّور)
قَالَ بَعضهم: (لَو) إِذا جَاءَ فِيمَا يشوق إِلَيْهِ أَو يخوف مِنْهُ قَلما يُوصل بِجَوَاب ليذْهب الْقلب فِيهِ كل مَذْهَب
و (لَو) تقوم مقَام (إِن) الْخَفِيفَة فِي الْمَعْنى دون اللَّفْظ أَي: دون الْعَمَل كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾ ، وَكَقَوْلِه ﵊: " اطْلُبُوا الْعلم وَلَو بالصين " وَبِالْعَكْسِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كنت قلته فقد عَلمته﴾
وَقد تَجِيء (لَو) بِمَعْنى (أَن) الناصبة للْفِعْل وَلم تنصبه وفيهَا معنى التَّمَنِّي كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يود أحدهم لَو يعمر ألف سنة﴾ وَقد تشرب معنى الْيَمين فتنصب الْمُضَارع بعد الْفَاء جَوَابا لَهَا نَحْو: ﴿فَلَو أَن لنا كرة فنكون﴾
وَقد يكون جوابها جملَة اسمية مقرونة بِالْفَاءِ وَإِن كَانَ الأَصْل أَن تكون ماضوية مقرونة بِاللَّامِ
[وَعدم وُقُوع الْفَاء فِي جَوَاب (لَو) المستعارة بِمَعْنى (أَن) مَمْنُوع]
وَقد تدخل على الْمُضَارع لقصد اسْتِمْرَار الْفِعْل، أَو لتنزيل الْمُضَارع منزلَة الْمَاضِي لصدوره عَمَّن لَا خلاف فِي إخْبَاره، أَو لاستحضار الصُّورَة، أَو للدلالة على أَن الْفِعْل بلغ من الفصاحة بِحَيْثُ يحْتَرز عَن أَن يعبر عَنهُ بِلَفْظ الْمَاضِي لكَونه مِمَّا يدل على الْوُقُوع فِي الْجُمْلَة
وكل مَوضِع ولي (لَو) الْفِعْل الْمَاضِي ف (لَو) بِمَعْنى (إِن) ، وَلم يسْتَعْمل (لَو) فِي الْكَلَام الفصيح فِي الْقيَاس الاقتراني، وَإِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الْقيَاس الاستثنائي الْمُسْتَثْنى فِيهِ عين الْمُقدم لِأَنَّهَا لتعليق الْوُجُود بالوجود
وَلَو الشّرطِيَّة: هِيَ الَّتِي تصلح موضعهَا (إِن) نَحْو: ﴿وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾
والمصدرية: هِيَ الَّتِي تصلح موضعهَا (أَن) الْمَفْتُوحَة، وَأكْثر وُقُوعهَا بعد (ود) نَحْو: ﴿ود كثير من أهل الْكتاب لَو يردونكم﴾ وَهِي الَّتِي تصلح موضعهَا (لَيْت) نَحْو: ﴿فَلَو أَن لنا كرة فنكون﴾
لَوْلَا: لَو فِي الأَصْل لِامْتِنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره، وَإِذا دخل على (لَا) أَفَادَ إِثْبَاتًا، وَهُوَ امْتنَاع الشَّيْء لثُبُوت غَيره، وَلما دلّ على امْتنَاع الشَّيْء لوُجُود غَيره جعل مَانِعا عَن وُقُوع مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَصَارَ
стр. 774
كالاستثناء
قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: (لَو) حرف شَرط تدخل على انْتِفَاء الشَّرْط، فَإِن كَانَ ثبوتا فَهِيَ مَحْضَة
وَإِن كَانَ الشَّرْط عدميا مثل (لَوْلَا) و (لَو لم) دلّت على انْتِفَاء هَذَا الْعَدَم بِثُبُوت نقيضه فَيَقْتَضِي أَن هَذَا الشَّرْط العدمي مُسْتَلْزم لجزائه إِن وجودا وَإِن عدما، وَأَن هَذَا الْعَدَم مُنْتَفٍ وَإِذا كَانَ عدم شَيْء سَببا فِي أَمر فقد يكون وجوده سَببا فِي أَمر، وَقد يكون وجوده سَببا فِي عَدمه، وَقد يكون وجوده أَيْضا سَببا فِي وجوده بِأَن يكون الشَّيْء لَازِما لوُجُود الْمَلْزُوم ولعدمه وَالْحكم ثَابت مَعَ الْعلَّة الْمعينَة وَمَعَ انتفائها أَيْضا لوُجُود عِلّة أُخْرَى، (وَإِذا كَانَ ملزوم الشرطيتين محالا ترَتّب عَلَيْهِ الْمحَال كَقَوْلِه تَعَالَى) : ﴿فلولا أَنه كَانَ من المسبحين للبث فِي بَطْنه إِلَى يَوْم يبعثون﴾ و ﴿وَلَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة من ربه لنبذ بالعراء وَهُوَ مَذْمُوم﴾ فَإِن الْآيَة الأولى فِي قُوَّة لَو انْتَفَى التَّسْبِيح لثبت اللّّبْث، وَالثَّانيَِة فِي قُوَّة لَو انْتَفَت النِّعْمَة لثبت النبذ، وَالْوَاقِع من مُرَاد الله ثبوتهما فانتفاؤهما محَال، وَلما كَانَ ملزوم الشرطيتين محالا لَا جرم ترَتّب عَلَيْهِ الْمحَال وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أنزلنَا ملكا لقضي الْأَمر ثمَّ لَا ينظرُونَ وَلَو جَعَلْنَاهُ ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا﴾ (فَإِنَّهُ لما كَانَ جعل الْملك على الْوَجْه الَّذِي طلبوه رَسُولا) محالا لما سبق فِي علم الله لَا جرم ترَتّب عَلَيْهِ الْمحَال والواضح مِنْهُ أَن ثَانِيَة الأولى إِنَّمَا نفت النبذ الْمُقَيد بِكَوْنِهِ مذموما، وَنفي الْمُقَيد لَا يسْتَلْزم نفي الْمُطلق، وَبِه يَنْتَفِي اللّّبْث الَّذِي نفته الْآيَة الأولى، وَهَذَا هُوَ الْجَواب عَن آيتي الْأَنْعَام، فَإِن الإهلاك الَّذِي كني عَنهُ بِقَضَاء الْأَمر إِنَّمَا رتب على إِنْزَال الْملك على صُورَة الرجل، واللبس عَلَيْهِم يسْتَلْزم بقاءهم بعد الْإِنْزَال على صفة الرجل إِذْ يُقَال: تلبس عَلَيْهِم الْأَمر ثمَّ يهْلكُونَ
لَوْلَا الامتناعية لَا يَليهَا إِلَّا الْأَسْمَاء لفظا أَو تَقْديرا عِنْد الْبَصرِيين
والتحضيضية لَا يَليهَا إِلَّا الْفِعْل ظَاهرا أَو مضمرا
وَمعنى (لَوْلَا) فِي الْجُمْلَة المضارعية التحضيض
وَهُوَ طلب بحث وإزعاج نَحْو: ﴿لَوْلَا تستغفرون الله﴾ أَي: استغفروه
وَفِي الْجُمْلَة الْمَاضِيَة التوبيخ على ترك الْفِعْل فَتكون جملَة التحضيض فِي قُوَّة قَوْلَيْنِ نَحْو
﴿فلولا نَصرهم الَّذين اتَّخذُوا من دون الله قربانا آلِهَة﴾ وبخهم الله على عدم نصر الشُّرَكَاء إيَّاهُم أَي: مَا نَصرهم وَلم مَا نَصرهم
وَالِاسْم الْوَاقِع بعد لَوْلَا الامتناعية لَا يظْهر خَبره رَأْسا لأجل طول الْكَلَام بِالْجَوَابِ، وَالْجَوَاب يسد مسده
قَالُوا: حذف خبر الْمُبْتَدَأ بعد لَوْلَا وَاجِب لِأَن مَا فِي لَوْلَا من معنى الْوُجُود دلّ عَلَيْهِ
وَقَالَ ابْن النّحاس: إِن كَانَ الْخَبَر مَعْلُوما وَجب
стр. 775
حذفه، وَإِن كَانَ مَجْهُولا وَجب ذكره وَفِي شرح " التسهيل ": وَجب حذف خبر (لَوْلَا) الامتناعية لِأَنَّهُ مَعْلُوم بِمُقْتَضى (لَوْلَا) إِذْ هِيَ دَالَّة، على امْتنَاع الثُّبُوت، والمدلول على امْتِنَاعه هُوَ الْجَواب، والمدلول على ثُبُوته هُوَ الْمُبْتَدَأ وَترك الْجَواب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته وَأَن الله تواب حَكِيم﴾ للتعظيم وَفِي قَوْله: ﴿وَأَن الله رؤوف رَحِيم﴾ اسْتغنى عَن الْجَواب لذكره مرّة
وَالْمرَاد بالثبوت هُنَا الْكَوْن الْمُطلق، فَلَو أُرِيد كَون مُقَيّد لَا دَلِيل عَلَيْهِ لم يجز الْحَذف نَحْو: (لَوْلَا زيد سالمنا مَا سلم) ، و (لَوْلَا عَمْرو عندنَا لهلك) و (لولاك) : فِي معنى اللَّام التعليلية، فَمَعْنَى (لولاك لَكَانَ كَذَا) : لم يكن كَذَا لوجودك
وتستعمللولا كثيرا فِي لوم الْمُخَاطب على أَنه ترك فِي الْمَاضِي شَيْئا لَا يُمكن تَدَارُكه فِي الْمُسْتَقْبل، فَكَأَنَّهَا من حَيْثُ الْمَعْنى للتحضيض على فعل مثل (مافات) وقلما تسْتَعْمل فِي الْمَاضِي أَيْضا إِلَّا فِي مَوضِع التوبيخ واللوم على مَا كَانَ يجب أَن يَفْعَله الْمُخَاطب قبل أَن يطْلب مِنْهُ
[وَإِذا تعَارض بَين أَن يكون جَوَاب (لَوْلَا) محذوفا وَبَين أَن يكون مقدما عَلَيْهَا فَلَا شكّ أَن التَّقْدِيم أولى كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾ فالتقدير فَلَقَد هَمت بِهِ لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه لَهُم بهَا يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كَادَت لتبدي بِهِ لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا﴾ ﴿إِن كَاد ليضلنا عَن آلِهَتنَا لَوْلَا أَن صَبرنَا﴾ إِذْ (لَوْلَا) فِي مثله تَقْيِيد للْحكم الْمُطلق من حَيْثُ الْمَعْنى دون اللَّفْظ]
وَترد للتنديم كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَوْلَا أَن من الله علينا لخسف بِنَا﴾
وَأما لَوْلَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ ملك﴾ فقد أطبق الْجُمْهُور على أَن (لَوْلَا) هُنَاكَ مفيدة للتنديم والتوبيخ لدخولها على الْمَاضِي، وَلم يبينوا كَيفَ معنى التنديم والتوبيخ، وَإِلَى من يرجع وَالْحَاجة ماسة إِلَى الْبَيَان، وَذَلِكَ أَن التنديم والتوبيخ إِنَّمَا يَقع على عدم صُدُور الْفِعْل الَّذِي دخل عَلَيْهِ حرف التنديم من فَاعله فِي الزَّمَان الْمَاضِي كَمَا فِي (لَوْلَا ضربت زيدا) ، و (هلا ضرب هُوَ) فالتنديم يتَوَجَّه إِلَى الْفَاعِل لَا إِلَى الْمَفْعُول وفاعل الْفِعْل الَّذِي دخل عَلَيْهِ حرف التنديم هُنَا هُوَ الله تَعَالَى وَلَا نتصور تنديمه وتوييخه سُبْحَانَهُ، وَلَيْسَ هُوَ مقصودهم بل مُرَادهم تنديم الْمنزل عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ رَسُول الله وتوبيخه، فَلَا بُد أَن يُقَال: إِن التنديم والتوبيخ لم يَقع هُنَا على الْفِعْل الَّذِي دخل عَلَيْهِ حرف التنديم صَرِيحًا، بل على الْفِعْل الْمُقدر الْمُسْتَفَاد من فحوى الْكَلَام بمعونة الْمقَام، كَأَنَّهُ قيل: لَوْلَا سَأَلَ مُحَمَّد إِنْزَال ملك عَلَيْهِ من ربه ومجيئه مَعَه فَيشْهد بنبوته على رُؤُوس الأشهاد ويعاينه منا كَائِنا من كَانَ من الْآحَاد والأفراد
وَقَالَ بَعضهم كَون (لَوْلَا) هَهُنَا للتنديم غبر ظَاهر
стр. 776
لظُهُور أَن غرضهم بأمثال هَذَا الْمقَال التَّعْجِيز، وَهُوَ يَقْتَضِي التحضيض، وَبِهَذَا فسره أَكثر الْمُفَسّرين بِنَاء على أَن (أنزل) هَهُنَا فِي تَأْوِيل الْمُضَارع كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا أخرتني﴾ لِأَن المُرَاد اقتراح إِنْزَال الْملك، وَهَذَا مُرَاد من قَالَ: لَوْلَا هُنَا تحضيضية لدخلوها على الْمُضَارع، وَلَو دخلت على الْمَاضِي لكَانَتْ للتوبيخ على ترك الْفِعْل، فَهِيَ هَهُنَا بِمَعْنى الْأَمر
لوما: حرف تحضيض ك (هلا) و (أَلا) وَتَكون أَيْضا حرف امْتنَاع لوُجُود، كَمَا أَن (لَوْلَا) مترددة بَين هذَيْن الْمَعْنيين وَالْفرق بَينهمَا أَن التحضيضية لَا يَليهَا إِلَّا الْفِعْل، ظَاهرا أَو مضمرا والامتناعية لَا يَليهَا إِلَّا الْأَسْمَاء لفظا أَو تَقْديرا عِنْد الْبَصرِيين
لما: هِيَ من حُرُوف الْجَزْم، تسْتَعْمل على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: لنفي الْمَاضِي وتقريب الْفِعْل نَحْو: ﴿وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا﴾
وَالثَّانِي: للظرف نَحْو: ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير﴾
وتختص باستغراق أزمنة الْمَاضِي من وَقت الانتفاء إِلَى وَقت التَّكَلُّم بهَا تَقول: (نَدم فلَان وَلما يَنْفَعهُ النَّدَم) ، وَلَا يلْزم حِينَئِذٍ اسْتِمْرَار انْتِفَاء النَّدَم إِلَى وَقت التَّكَلُّم بهَا
و (لما) الدَّاخِلَة على الْمَاضِي حرف وجود لوُجُود يَقْتَضِي جملتين وجدت ثانيتهما عِنْد وجود أولاهما
وَقيل: إِنَّهَا ظرف بِمَعْنى (حِين) ورده ابْن خروف، وَقَالَ ابْن مَالك: ظرف بِمَعْنى (إِذْ) فَاسْتَحْسَنَهُ ابْن هِشَام
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: أعجب الْكَلِمَات كلمة (لما) ، إِن دخل على الْمَاضِي يكون ظرفا، وَإِن دخل على الْمُضَارع يكون حرفا، وَإِن دخل لَا على الْمَاضِي وَلَا على الْمُضَارع يكون بِمَعْنى (إِلَّا) نَحْو: ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ وَلَا تدخل (لما) بِمَعْنى (لم) إِلَّا على الْمُسْتَقْبل كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿بل لما يَذُوقُوا عَذَاب﴾
ومنفي (لما) يتَّصل بِالْحَال لِأَن (لما يقم زيد) نفي (لقد قَامَ زيد) ، (وَقد قَامَ زيد) إِخْبَار عَن الْمُضِيّ فَكَذَلِك نَفْيه، ومنفي (لم) يحْتَمل الِاتِّصَال بِزَمَان الْإِخْبَار نَحْو: ﴿وَلم أكن بدعائك رب شقيا﴾ فَإِن الْمَعْنى نفي الشَّقَاء عَنهُ مُتَّصِلا بِزَمَان النُّطْق، وَلَيْسَ الْمَعْنى نفي الشَّقَاء عَنهُ فِيمَا مضى، ثمَّ اتَّصل بِهِ الشَّقَاء
وَيحْتَمل الِانْقِطَاع عَن زمَان الْإِخْبَار نَحْو: ﴿لم يكن شَيْئا مَذْكُورا﴾ لِأَن عدم كَونه شَيْئا مَذْكُورا مُنْقَطع عَن زمَان الْإِخْبَار
(ومنفي (لما) لَا يكون إِلَّا قَرِيبا من الْحَال، وَلَا يشْتَرط ذَلِك فِي منفي (لم) تَقول: (لم يكن زيد فِي الْعَام الْمَاضِي مُقيما) ، وَلَا يجوز لما يكن)
ومنفي (لما) متوقع ثُبُوته قَيده الرضي بالأغلب ك (قد) فِي الْإِيجَاب، بِخِلَاف منفي (لم) وَعلة
стр. 777
هَذِه الْأَحْكَام أَن (لم) لنفي (فعل) ، و (لما) لنفي (قد فعل) ، يَعْنِي أَن الْمَنْفِيّ ب (لم) هُوَ فعل غير مقرون بقد و (لما) نفي لفعل مقرون بقد
قَالَ الزّجاج: إِذا قيل: قد فعل فلَان فَجَوَابه: لما يفعل
وَإِذا قيل: فعل فلَان فَجَوَابه: لم يفعل
وَإِذا قيل: قد فعل فَجَوَابه: مَا فعل
وَإِذا قيل: وَهُوَ يفعل فَجَوَابه: لَا يفعل
وَإِذا قيل: وَهُوَ يفعل فَجَوَابه: لن يفعل
وَلما بمعني إِلَّا، وَلَا يسْتَثْنى بِهِ إِلَّا الْأَشْيَاء كَمَا يسْتَثْنى ب (إِلَّا) وَأَخَوَاتهَا، فَتدخل على الْجُمْلَة الاسمية نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ أَي: إِلَّا اسْتَقر عَلَيْهَا حَافظ وعَلى الْمَاضِي لفظا لَا معنى نَحْو: (أنْشدك الله لما فعلت) أَي: مَا أَسأَلك إِلَّا فعلك
(وَلما للتوقع فِي النَّفْي، كقد فِي الْإِثْبَات)
والمتعارف فِي جَوَاب (لما) الْفِعْل الْمَاضِي لفظا أَو معنى بِدُونِ الْفَاء
وَقد تدخل على قلَّة لما فِي (لما) من معنى الشَّرْط [وَقد يحذف جَوَابه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غيابت الْجب﴾ أَي: فعلوا بِهِ مَا فعلوا من الْأَذَى]
لم: كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من (لَا) و (مَا) لِأَن (لم) لنفي الاسقبال لفظا والمضي معنى، فَأخذ اللَّام من (لَا) الَّتِي هِيَ لنفي الْمُسْتَقْبل، وَالْمِيم من (مَا) الَّتِي هِيَ لنفي الْمَاضِي، وَجمع بَينهمَا إِشَارَة إِلَى أَن فِي (لم) إِشَارَة إِلَى الْمُسْتَقْبل والماضي، وَقدم اللَّام على الْمِيم إِشَارَة إِلَى أَن (لَا) هِيَ أصل النَّفْي، وَلِهَذَا ينفى بهَا فِي أثْنَاء الْكَلَام
فَيُقَال: (لم يفعل زيد وَلَا عَمْرو) وَأما (لم) فمركبة من لَام الْجَرّ و (مَا) الاستفهامية، وَالْأَكْثَر على حذف ألفها مَعَ حرف الْجَرّ لِكَثْرَة استعمالهما مَعًا واعتناقهما فِي الدّلَالَة على المستفهم عَنهُ، وَخص هَذَا السُّقُوط بالاستفهامية لِأَنَّهَا تَامَّة، وألفها طرف والأطراف مَحل للحذف وَغَيره من التَّغْيِير، بِخِلَاف الموصولة فَإِنَّهَا نَاقِصَة تحْتَاج إِلَى مَا توصل بِهِ، وَهِي وَمَا توصل بِهِ كاسم وَاحِد، فألفها فِي حكم الْمُتَوَسّط، وَمَا أحسن قَول من قَالَ: دُخُول لم على الْمُضَارع كدخول الدَّوَاء المسهل على الْجَسَد، إِن وجد فضلَة أزالها، وَإِلَّا أَضْعَف الْبدن وَكَذَا (لم) إِن كَانَ الْمُضَارع فِيهِ عِلّة متوسطة أَو متطرفة أزالها، وَإِن كَانَ صَحِيحا أضعفه، لِأَنَّهُ يَنْقُلهُ من الْحَرَكَة إِلَى السّكُون
[وَالنَّفْي بلم لنفي الْمُمكن نَحْو: (لم يقم زيد) بِخِلَاف (لَا) ك (الْحجر لَا يطير) ]
وَالْجَوَاب الْمَنْفِيّ بلم لَا تدخل عَلَيْهِ الْفَاء
و (لم بِكَسْر اللَّام وَفتح الْمِيم يستفهم بِهِ، وَأَصله (مَا) وصلت بلام وَلَك أَن تدخل الْهَاء فَتَقول: لمه)
لن: هِيَ حرف نفي لحَدث الْمُضَارع، وَنصب للفظة، واستقبال لزمانه، وَلَا تفِيد تأبيد النَّفْي خلافًا للزمخشري، وَهُوَ دَعْوَى بِلَا دَلِيل إِذْ لَو كَانَت
стр. 778
للتأبيد لم يُقيد نَفيهَا بِالْيَوْمِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا﴾ ، ولكان ذكر الْأَبَد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا﴾ تَكْرَارا وَالْأَصْل عَدمه وللزوم التَّنَاقُض بمقارنة (حَتَّى) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَنْ أَبْرَح الأَرْض حَتَّى يَأْذَن لي أبي﴾ وَإِنَّمَا هِيَ لنفي مَا قرب، وَعدم امتداد النَّفْي، وَذَلِكَ لِأَن الْأَلْفَاظ مشاكلة للمعاني، ف (لَا) جزؤها ألف يُمكن امتداد الصَّوْت بهَا بِخِلَاف (لن) ، فطابق كل لفظ مَعْنَاهُ، فَحَيْثُ لم يرد النَّفْي مطابقا أُتِي بلن، وَحَيْثُ أُرِيد النَّفْي على الْإِطْلَاق أُتِي ب (لَا) وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ألن يكفيكم﴾ إِنَّمَا جِيءَ ب (لن) الَّتِي لتأكيد النَّفْي إشعارا بِأَنَّهُم كَانُوا كالآيسين من النَّصْر لضعفهم وَقُوَّة الْعَدو
وَترد (لن) للدُّعَاء نَحْو: ﴿رب بِمَا أَنْعَمت عَليّ فَلَنْ أكون ظهيرا للمجرمين﴾ أَي: فَاجْعَلْنِي لَا أكون وَيُمكن حملهَا على النَّفْي الْمَحْض، وَيكون ذَلِك معاهدة مِنْهُ تَعَالَى أَن لَا يظاهر مجرما جَزَاء للنعمة الَّتِي أنعم بهَا عَلَيْهِ
وَفِي " أنوار التَّنْزِيل ": لن بِمَا فِيهَا من تَأْكِيد النَّفْي دَالَّة على مُنَافَاة مَا بَين الْمَنْفِيّ والمنفي عَنهُ
لَكِن: هِيَ للاستدراك، وَهُوَ دفع توهم يتَوَلَّد من الْكَلَام السَّابِق دفعا شَبِيها بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا بُد أَن يتقدمها كَلَام إِمَّا مُنَاقض لما بعْدهَا نَحْو: مَا هَذَا سَاكن لكنه متحرك
أَو ضد لَهُ نَحْو: مَا هَذَا أسود لكنه أَبيض أَو خلاف لَهُ على الْأَصَح نَحْو: (مَا قَامَ زيد لَكِن عَمْرو شَارِب) وَيمْتَنع أَن يكون مماثلا لَهُ بِاتِّفَاق وَفِي كَون مَا بعْدهَا مُخَالفا لما قبلهَا ك (إِلَّا) فِي الِاسْتِثْنَاء، إِلَّا أَن (لَكِن) لَا يشْتَرط أَن يكون مَا بعْدهَا بَعْضًا لما قبلهَا، بِخِلَاف (إِلَّا) ثمَّ انه إِذا دخل فِي الْمُفْرد يجب أَن يكون بعد النَّفْي، وَإِذا دخل فِي الْجُمْلَة لَا يجب ذَلِك، بل يجب اخْتِلَاف الجملتين فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات، فَإِن كَانَت الْجُمْلَة الَّتِي قبلهَا مثبتة وَجب أَن تكون الَّتِي بعْدهَا منفية، وَإِن كَانَت الْجُمْلَة الَّتِي قبلهَا منفية وَجب أَن تكون الَّتِي بعْدهَا مثبتة، بِخِلَاف (بل) (فَإِنَّهُ للإعراض عَن الأول، وَلَكِن فِي عطف الْمُفْردَات نقيضة (لَا) ، وَفِي عطف الْجمل نقيضة بل) فِي مجيئها بعد النَّفْي وَالْإِثْبَات، فَبعد النَّفْي لإِثْبَات مَا بعْدهَا، وَبعد الْإِثْبَات لنفي مَا بعْدهَا نَحْو: (جَاءَنِي زيد لَكِن عَمْرو لم يجِئ) ، و (مَا جاءنى زيد لَكِن عَمْرو قد جَاءَنِي)
وَهِي مُشَدّدَة ومخففة مُتَقَارِبَة الْمَعْنى، إِلَّا أَن الشَّدِيدَة من الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ، والخفيفة من حُرُوف الْعَطف، والشديدة تعْمل عمل (إِن) تنصب الِاسْم وترفع الْخَبَر، ويستدرك بهَا بعد النَّفْي وَالْإِثْبَات والخفيفة لَا تعْمل
وَيجوز دُخُول الْوَاو على (لَكِن) مُشَدّدَة ومخففة فَحِينَئِذٍ لَا يكون (لَكِن) حرف عطف لِأَنَّهُ لَا يجْتَمع حرفان من حُرُوف الْعَطف، فَمَتَى رَأَيْت حرفا من حُرُوف الْعَطف مَعَ الْوَاو فَهِيَ العاطفة دونه، وَمن ذَلِك (إِمَّا) فِي (إِمَّا زيد، وَإِمَّا عَمْرو) ، و (لَا) فِي (مَا) قَامَ زيد لَكِن قَامَ زيد وَلَا عَمْرو) فَإِنَّهَا دخلت لتوكيد النَّفْي، وَلَا تكون (لَا) عاطفة إِلَّا بعد الْإِيجَاب، وَفِيمَا إِذا قَالَ
стр. 779
الْمولى للَّذي تزوج أمته على مائَة بِغَيْر إِذن مِنْهُ: لَا أُجِيز وَلَكِن زِدْنِي خمسين فِي الصَدَاق، بَطل العقد لِأَن قَوْله: وَلَكِن زِدْنِي، مُقَرر لنفي العقد، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا أُجِيز وَسكت ثمَّ قَالَ: زِدْنِي
وَكلمَة (لَكِن) للاستئناف، وَإِذا كَانَ كَذَا يكون ردا، بِخِلَاف قَول الْمقر لَهُ فِيمَا إِذا قيل لَهُ: (لَك عَليّ ألف قرضا) لَا وَلَكِن من غصب حَيْثُ لَا يرْتَد الْإِقْرَار لِأَن ثمَّة نفي جِهَة الدّين، وَهنا نفى الْمولى أصل الْإِجَازَة
[وَفِي " الْجَامِع ": رجل فِي يَده عبد فَأقر بِهِ لإِنْسَان فَقَالَ الْمقر لَهُ: مَا كَانَ لي قطّ لَكِن لفُلَان، فَإِن وصل كَلَامه فَهُوَ للْمقر لَهُ الثَّانِي، وَإِن فصل فَهُوَ للْمقر]
وأصل ﴿لَكنا هُوَ الله﴾ ﴿لَكِن أَنا﴾ حذفت الْألف فالتقت نونان، فجَاء التَّشْدِيد لذَلِك، وَيُسمى هَذَا الْحَذف بالحذف الاعتباطي أَي: الَّذِي لغير مُوجب
لَعَلَّ: هِيَ مَوْضُوعَة لإنشاء توقع أَمر إِمَّا مَرْغُوب لَا وثوق بحصوله، وَمن ثمَّة لَا يُقَال: لَعَلَّ الشَّمْس تطلع، وَلَعَلَّ الشَّمْس تغرب أَو مرهوب كَذَلِك
وَالْأول يُسمى ترجيا نَحْو: ﴿لعَلي آتيكم مِنْهَا بقبس﴾
وَالثَّانِي يُسمى إشفاقا نَحْو: (لَعَلَّ الحبيب يلبس النِّعَال وَيقطع الْوِصَال)
وكل وَاحِد مِنْهُمَا يكون تَارَة من الْمُتَكَلّم وَهُوَ الأَصْل نَحْو: (لَعَلَّك تُعْطِينِي شَيْئا) ، و (لَعَلَّه يَمُوت السَّاعَة) وَتارَة من الْمُخَاطب وَهُوَ أَيْضا كثير لتنزيلة منزلَة إشفاق الْمُتَكَلّم فِي التَّلَبُّس التَّام بِكَلَام كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ ، ﴿لَعَلَّ السَّاعَة قريب﴾ باستحالة الترجي من الله تَعَالَى باستحالة الْأَمر الْمَأْخُوذ فِي مَفْهُومه، وَهُوَ عدم الوثوق بِحُصُول الْأَمر المرجو فِي حَقه تَعَالَى اسْتِحَالَة الإشفاق مِنْهُ تَعَالَى بِالسَّبَبِ الْمَذْكُور
وَقد يكون من غَيرهمَا مِمَّن لَهُ نوع نعلق بالْكلَام، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى، ﴿فلعلك تَارِك بعض مَا يُوحى إِلَيْك﴾ على أحد الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ أَنَّك بلغت من التهالك على إِيمَانهم مبلغا يرجون أَن تتْرك بعض مَا يُوحى إِلَيْك
وَقد تسْتَعْمل (لَعَلَّ) فِي معنى الْإِرَادَة، إِمَّا بطرِيق الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة تَشْبِيها لَهَا بالترجي فِي ضمن تَشْبِيه المُرَاد بالمرجو فِي كَون كل مِنْهُمَا أمرا محبوبا أَو بطرِيق الْمجَاز الْمُرْسل من قبيل ذكر الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم بِنَاء على أَن الترجي يسْتَلْزم الْإِرَادَة
وتد تسْتَعْمل لِمَعْنى (كي) الْمَوْضُوعَة لتعليل مَا بعْدهَا لما قبلهَا، لَكِن لَا على سَبِيل الْحَقِيقَة، بل على سَبِيل اسْتِعَارَة (لَعَلَّ) لِمَعْنى (كي) اسْتِعَارَة تَبَعِيَّة تَشْبِيها لَهُ بالترجي فِي ضمن تَشْبِيه الْعلَّة الغائية بالمرجو فِي كَون كل مِنْهُمَا مَقْصُودا مترتبا على فعل مُتَقَدم
وَذكر السَّيِّد الشريف ﵀ فِي حَاشِيَة " الْكَشَّاف " أَن ابْن الْأَنْبَارِي وَجَمَاعَة من الأدباء ذَهَبُوا إِلَى أَن (لَعَلَّ) قد تَجِيء بِمَعْنى (كي) حَتَّى حملوها على
стр. 780
التَّعْلِيل فِي كل مَوضِع امْتنع فِيهِ الترجي سَوَاء كَانَ من قبل الإطماع نَحْو: ﴿لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ أَو لَا نَحْو: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ]
قَالَ السيرافي وقطرب: معنى لَعَلَّ الْوَاقِع فِي كَلَام الله التَّعْلِيل. فَقَوله تَعَالَى: ﴿وافعلوا الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ مَعْنَاهُ: لتفلحوا
وَقد تسْتَعْمل مجَازًا مُرْسلا للإطماع أَي إِيقَاع الْمُتَكَلّم الْمُخَاطب فِي الطمع لعلاقة اللُّزُوم بَين الترجي والطمع نَحْو: (لعَلي أَقْْضِي حَاجَتك) كَمَا هُوَ دأب الْمُلُوك وَسَائِر الكرماء فِي وعدهم الْمُخَاطب بِشَيْء مَحْبُوب عِنْده لَا يَنَالهُ إِلَّا من جهتهم، عازمين على إِيقَاعه، غير جازمين بِوُقُوعِهِ
وَجوز التَّفْتَازَانِيّ أَن يكون مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ من هَذَا الْقَبِيل، وَإِن كَانَ حُصُول الْفَلاح وَالرَّحْمَة مَجْزُومًا ومقطوعا بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى
وَقد تكون (لَعَلَّ) للاستفهام مَعَ بَقَاء الترجي، كَذَا قيل
وَاعْلَم أَن جُمْهُور أَئِمَّة اللُّغَة اقتصروا فِي بَيَان مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيّ على الترجي والإشفاق، وَعدم صلوحها لمُجَرّد الْعلية والفرضية مِمَّا وَقع عَلَيْهِ الِاتِّفَاق تَقول: دخلت على الْمَرِيض كي أعوده وَأخذت المَاء كي أشربه وَلَا يَصح فِيهِ لَعَلَّ
ثمَّ اعْلَم أَن لَعَلَّ، وَعَسَى، وسوف، فِي مواعيد الْمُلُوك كالجزم بهَا، وَإِنَّمَا يطلقونها إِظْهَارًا لوقارهم وإشعارا بِأَن الرَّمْز مِنْهُم كالتصريح من غَيرهم
وَعَلِيهِ وعد الله ووعيده تَنْبِيها على أَنه يجب أَن يكون الْمُكَلف على الطمع والإشفاق، لِأَنَّهُ أبعد عَن الاتكال والإهمال، وَقد تقرر أَن الخصائص الإلهية لَا ندخل فِي أوضاع الْعَرَبيَّة، بل هِيَ مَبْنِيَّة على خَصَائِص الْخلق وَلِهَذَا ورد الْقُرْآن على الْعَادة فِيمَا بَينهم لِأَنَّهُ خطاب لَهُم
وَقد يتَمَنَّى ب (لَعَلَّ) فِي الْبعيد فَيعْطى حكم (لَيْت) فِي نصب الْجَواب نَحْو: ﴿لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات﴾ وَأما (لَيْت) فَهِيَ كلمة مَوْضُوعَة لكل متمنى مَخْصُوص عَارض لمتمنى مَخْصُوص نَحْو: ﴿يَا ليتنا نرد﴾ ، ﴿يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ﴾
وَهِي ننصب الِاسْم وترفع الْخَبَر كَسَائِر أخواتها لشبهها بِالْفِعْلِ فَإِن معنى (لَيْت) تمنيت، كَمَا أَن (إِن) أكدت أَو حققت و (كَأَن) شبهت، و (لَكِن) استدركت، و (لَعَلَّ) ترجيت وَلِأَنَّهَا مفتوحات الآخر كآخر الْفِعْل، وَلِأَنَّهَا تدْخلهَا نون الْوِقَايَة كالفعل
و (لَيْت) تتَعَلَّق بالمستحيل غَالِبا وبالممكن قَلِيلا وَقد تنزل منزلَة (وجدت) فَيُقَال: لَيْت زيد شاخصا
وَقَوْلهمْ: (لَيْت شعري) مَعْنَاهُ: لَيْتَني أشعر، ف (أشعر) هُوَ الْخَبَر، وناب (شعري) عَن (أشعر) ، وَالْيَاء الْمُضَاف إِلَيْهَا شعري عَن اسْم لَيْت
لَيْسَ: أَصله لَيْسَ كفرح فسكنت تَخْفِيفًا؛ أَو (لَا أيس) : أَي لَا مَوْجُود طرحت الْهمزَة، والتزقت
стр. 781
اللَّام بِالْيَاءِ، وَالدَّلِيل قَوْلهم: أتيتني من حَيْثُ أيس وَلَيْسَ: أَي من حَيْثُ هُوَ وَلَا هُوَ
وَهِي ترفع الِاسْم وتنصب الْخَبَر
وَالْأَفْعَال النَّاقِصَة كلهَا دَالَّة على الْحَدث إِلَّا (لَيْسَ) ، ك (مَا) النافية والمستثنى بليس لَا يكون إِلَّا مَنْصُوبًا، منفيا كَانَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ أَو مُوجبا
[وَيجوز تَقْدِيم خبر (لَيْسَ) عَلَيْهَا كَمَا يجوز تَقْدِيم خبر (كَانَ) عَلَيْهَا هَذَا مَذْهَب الْبَصرِيين قَالَ أَبُو حَيَّان ﵀: قد تتبعت جملَة من دواوين الْعَرَب فَلم أظفر بِتَقْدِيم خبر لَيْسَ عَلَيْهَا وَلَا لمعمولها إِلَّا مَا دلّ عَلَيْهِ ظَاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِي لَيْسَ لَهُم فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار﴾ ] (وَقَوْلهمْ: لَيْسَ بِذَاكَ: أَي لَيْسَ بمقبول، لِأَن المقبول لعلو مرتبته يشار إِلَيْهِ بِمَا يشار إِلَى الْبعيد)
اللَّفْظ: هُوَ فِي أصل اللُّغَة مصدر بِمَعْنى الرَّمْي، وَهُوَ بِمَعْنى الْمَفْعُول، فَيتَنَاوَل مَا لم يكن صَوتا وحرفا، وَمَا هُوَ حرف وَاحِد وَأكْثر، مهملا أَو مُسْتَعْملا، صادرا من الْفَم أَو لَا، لَكِن خص فِي عرف اللُّغَة بِمَا صدر من الْفَم من الصَّوْت الْمُعْتَمد على الْمخْرج حرفا وَاحِدًا أَو أَكثر، مهملا، أَو مُسْتَعْملا، فَلَا يُقَال لفظ الله، بل يُقَال كلمة الله
وَفِي اصْطِلَاح النُّحَاة مَا من شَأْنه أَن يصدر من الْفَم من الْحَرْف، وَاحِدًا أَو أَكثر، أَو يجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامه كالعطف والإبدال فيندرج فِيهِ حِينَئِذٍ كَلِمَات الله وَكَذَا الضمائر الَّتِي يجب استتارها
وَهَذَا الْمَعْنى أَعم عَن الأول، وَأحسن تعاريفه على مَا قيل: صَوت مُعْتَمد على مقطع، حَقِيقَة أَو حكما، فَالْأول كزيد، وَالثَّانِي كالضمير الْمُسْتَتر فِي (قُم) الْمُقدر بأنت
وَاللَّفْظ على مصطلح أَرْبَاب الْمعَانِي: عبارَة عَن صُورَة الْمَعْنى الأول الدَّال على الْمَعْنى الثَّانِي على مَا صرح بِهِ الشَّيْخ حَيْثُ قَالَ: إِذا وضعُوا اللَّفْظ بِمَا يدل على تفخيمه لم يُرِيدُوا اللَّفْظ الْمَنْطُوق، وَلَكِن معنى اللَّفْظ الَّذِي دلّ بِهِ على الْمَعْنى الثَّانِي قَالَ السَّيِّد الشريف: نفس اللَّفْظ ظرف لنَفس الْمَعْنى، وَبَيَان الْمَعْنى ظرف لنَفس اللَّفْظ
وَمَفْهُوم كل لفظ مَا وضع ذَلِك اللَّفْظ بإزائه
وَذَات كل لفظ مَا صدق عَلَيْهِ ذَلِك الْمَفْهُوم كَلَفْظِ الْكَاتِب مثلا مَفْهُومه شَيْء لَهُ الْكِتَابَة، وذاته مَا صدق عَلَيْهِ الْكَاتِب من أَفْرَاد الْإِنْسَان
اللُّزُوم: [هُوَ يسْتَعْمل بِمَعْنى امْتنَاع الانفكاك اصْطِلَاحا، وَبِمَعْنى التّبعِيَّة لُغَة، وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ، فَإِذا اسْتعْمل الأول مَعَ (من) فَكَأَنَّهُ قيل: امْتنع انفكاكه مِنْهُ، وَإِذا اسْتعْمل الثَّانِي مَعَه فَكَأَنَّهُ قيل ينشأ مِنْهُ] (معنى اللُّزُوم للشَّيْء عدم الْمُفَارقَة عَنهُ) يُقَال: لزم فلَان بَيته إِذا لم يُفَارِقهُ وَلم يُوجد فِي غَيره
وَمِنْه قَوْلهم: [الْبَاء لَازِمَة للحرفية والجرو] أم الْمُتَّصِلَة لَازِمَة لهمزة الِاسْتِفْهَام [والكلمات الاستفهامية لَازِمَة لصدر الْكَلَام و (قد) من لَوَازِم الْأَفْعَال]
стр. 782
وَمعنى لُزُوم شَيْء عَن شَيْء كَون الأول ناشئا عَن الثَّانِي وحاصلا مِنْهُ، لَا كَون حُصُوله يسْتَلْزم حُصُوله وَفرق بَين اللَّازِم من الشَّيْء ولازم الشَّيْء بِأَن أَحدهمَا عِلّة الآخر فِي الأول بِخِلَاف الثَّانِي
واللزوم الذهْنِي: كَونه بِحَيْثُ يلْزم من تصور الْمُسَمّى فِي الذِّهْن تصَوره فِيهِ، فَيتَحَقَّق الِانْتِقَال مِنْهُ إِلَيْهِ كالزوجية للاثنين
واللزوم الْخَارِجِي: كَونه بِحَيْثُ يلْزم من تحقق الْمُسَمّى فِي الْخَارِج تحَققه فِيهِ، وَلَا يلْزم من ذَلِك الِانْتِقَال للذهن كوجود النَّهَار لطلوع الشَّمْس
واللزوم فِي نظر علم الْبَيَان أَعم من أَن يكون عقليا أَو اعتقاديا وَفِي اللُّزُوم الاعتقادي لَا يمْتَنع وجود الْمَلْزُوم بِدُونِ اللَّازِم، فَيجوز أَن يكون اللَّازِم أخص، بِمَعْنى أَن لَهُ تعلق لُزُوم بالشَّيْء، لَكِن لَيْسَ بِحَيْثُ مَتى تحقق ذَلِك الشَّيْء تحقق هُوَ
واللزوم: عدم قبُول الحكم النّسخ
واللزومية: مَا حكم فِيهَا بِصدق قَضِيَّة على تَقْدِير قَضِيَّة أُخْرَى لعلاقة بَينهمَا مُوجبَة لذَلِك
وَاللَّازِم الْبَين بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ: هُوَ الَّذِي يَكْفِي تصَوره ملزومه فِي جزم الْعقل باللزوم بَينهمَا، كالانقسام بمتساوين للأربعة
وَاللَّازِم الْبَين بِالْمَعْنَى الْأَخَص: هُوَ الَّذِي يلْزم من تصور ملزومه تصَوره، ككون الِاثْنَيْنِ ضعف الْوَاحِد، فَإِن من تصور الِاثْنَيْنِ أدْرك أَنه ضعف الْوَاحِد وَالْأول أَعم لِأَنَّهُ مَتى يَكْفِي تصور الْمَلْزُوم فِي اللُّزُوم يَكْفِي تصور اللَّازِم مَعَ تصور الْمَلْزُوم
وَاللَّازِم غير الْبَين: هُوَ الَّذِي يفْتَقر فِي جزم الذِّهْن باللزوم بَينهمَا إِلَى أَمر آخر من دَلِيل أَو تجربة أَو إحساس وَصَحَّ التَّعْبِير عَن اللُّزُوم بالملازمة نظرا إِلَى أَنه أبدا يكون من الطَّرفَيْنِ، وَلَو كَانَ فِي الْبَعْض جزئيا فِي أحد الْجَانِبَيْنِ، مثلا بَين الْعلم والحياة مُلَازمَة بِأَن الْعلم يسْتَلْزم الْحَيَاة كليا، والحياة تَسْتَلْزِم الْعلم جزئيا وَلِهَذَا جوز كَون اللَّازِم أخص، كَالْعلمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيّ
وَإِطْلَاق الْمُلَازمَة والتلازم أَيْضا على معنى اللُّزُوم كثير وَقد يُرَاد بِلَازِم الشَّيْء مَا يتبعهُ ويرادفه
وبلزومه إِيَّاه أَن يكون لَهُ تعلق مَا
اللُّغَة: فِي " الراموز ": هِيَ أصوات بهَا يعبر كل قوم عَن أغراضهم أَصْلهَا (لغي) ، أَو (لَغْو) جمعهَا (لغي) و (لُغَات)
وَقيل: مَا جرى على لِسَان كل قوم
وَقيل: الْكَلَام المصطلح عَلَيْهِ بَين كل قَبيلَة
وَقيل: معرفَة أَفْرَاد الْكَلِمَة وأوضاعها
واللغات السَّبع الْمَشْهُورَة بالفصاحة فِي الْعَرَب العرباء هِيَ: لُغَة قُرَيْش، وهذيل، وهوازن، واليمن، وطيىء، وَثَقِيف، وَبني تَمِيم وَقد اسْتمرّ فِي كَلَام الْعلمَاء مثل: الْإِعْرَاب لُغَة: الْبَيَان وَقد يصرحون بِالْأَصْلِ وَهُوَ فِي اللُّغَة، فعلى الأول يرد أَن اسقاط الْخَافِض فِي هَذَا وَنَحْوه لَيْسَ بِقِيَاس وعَلى الثَّانِي بِمَاذَا يتَعَلَّق هَذَا الْخَافِض؟ وَلَو قدر التَّعَلُّق بمضاف مَحْذُوف، وَهُوَ تَفْسِير الْإِعْرَاب فِي اللُّغَة، كَمَا قدر فِي قَوْلهم: الِاسْم مَا دلّ على معنى فِي نَفسه بِاعْتِبَار نَفسه لَا بِاعْتِبَار أَمر خَارج عَنهُ كي لَا يلْزم الْمحَال، وَهُوَ اقْتِضَاء كَون معنى الِاسْم وَهُوَ الْمُسَمّى مَوْجُودا فِي لفظ الِاسْم، فَهَذَا التَّقْدِير صَحِيح، لكنه قد عرفت أَن إِسْقَاط الْخَافِض لَيْسَ بِقِيَاس وَالْقَوْل بِأَن ذَلِك على الْمَفْعُول الْمُطلق، وَأَنه من الْمصدر الْمُؤَكّد لغيره فَاسد، إِذْ اللُّغَة لَيست بمصدر لِأَنَّهَا لَيست اسْما للْحَدَث، والمصدر الْمُؤَكّد لغيره لَا يجوز أَن
стр. 783
يتوسط وَلَا أَن يتَقَدَّم عِنْد الْجُمْهُور، فَلَا يُقَال: زيد حَقًا ابْني، وَلَا حَقًا زيد ابْني، بل يُؤْتى بعد الْجُمْلَة وَالظَّاهِر: أَنه حَال على تَقْدِير مُضَاف إِلَيْهِ من الْمَجْرُور ومضافين من الْمَنْصُوب، وَالْأَصْل تَفْسِير الْإِعْرَاب مَوْضُوع أهل اللُّغَة، ثمَّ حذف المضافان على حد حذفهما فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فقبضت قَبْضَة من أثر الرَّسُول﴾ أَي: من أثر حافر فرس الرَّسُول، وَلما أنيب الثَّالِث عَمَّا هُوَ الْحَال بِالْحَقِيقَةِ الْتزم تنكيره لنيابته عَن لَازم التنكير، وَلَك أَن تَقول: الأَصْل مَوْضُوع اللُّغَة على نسبته الْوَضع إِلَى اللُّغَة مجَازًا، وَفِيه حذف مُضَاف وَاحِد
اللطافة: هِيَ تطلق بالاشتراك على معَان: دقة القوام، وَقبُول الانقسام إِلَى أَجزَاء صَغِيرَة جدا، وَسُرْعَة التَّأْثِير عَن الملاقي والشفافية
واللطف: مَا يَقع عِنْده صَلَاح العَبْد آخر عمره بِطَاعَة الْإِيمَان دون فَسَاده بِكفْر وعصيان هَذَا مَذْهَب أهل السّنة
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: اللطف: مَا يخْتَار الْمُكَلف عِنْده الطَّاعَة تركا وإتيانا، أَو يقرب مِنْهُمَا مَعَ تمكنه فِي الْحَالين وَيُسمى الأول عِنْدهم لطفا محصلا، وَالثَّانِي لطفا مقربا كِلَاهُمَا بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل
واللطيف: من الْأَسْمَاء الْحسنى مَعْنَاهُ الْبر بعباده، المحسن إِلَى خلقه بإيصال الْمَنَافِع إِلَيْهِم بِرِفْق، ولطف، فَيكون من صِفَات الْأَفْعَال [فالصفات الجميلة للعباد بِخلق الله تَعَالَى وإقداره إيَّاهُم على كسبها أَو بإقداره إيَّاهُم على خلقهَا فَتكون من أنوار ذَاته وآثار صِفَاته واللطيف مَعْنَاهُ] الْعَالم بخفايا الْأُمُور ودقائقها، فَيكون من صِفَات الذَّات
واللطيف من الْكَلَام: مَا غمض مَعْنَاهُ وخفي
ولطف: كنصر لطفا: رفق ودنا
و [لطف] الله لَك: أوصل إِلَيْك مرادك بلطف
وككرم: صغر ودق لطفا أَيْضا ولطافة
اللّحن: لحن القَوْل: فحواه وَمَعْنَاهُ وأسلوبه وإمالته إِلَى جِهَة تَعْرِيض وتورية قَالَ: وَلَقَد لحنت لكم لكيما مَا تفهموا
واللحن يعرفهُ ذَوُو الْأَلْبَاب، وَمِنْه قيل للمخطئ: لاحن لِأَنَّهُ يعدل بالْكلَام عَن الصَّوَاب
ولحن الْكَلَام، بِالسُّكُونِ: وَهُوَ قِسْمَانِ جلي وخفي: فالجلي: خطأ يعرض للفظ ويخل بِالْمَعْنَى وَالْعرْف كتغيير كل وَاحِد من الْمَرْفُوع والمنصوب وَالْمَجْرُور والمجزوم، أَو تَغْيِير المبنى عَمَّا قسم لَهُ من حَرَكَة أَو سُكُون
والخفي: هُوَ خطأ يعرض للفظ وَلَا يخل بِالْمَعْنَى بل بِالْعرْفِ كتكرير الراءات وتطنين النونات
اللمم: بِالْفَتْح: الْجُنُون، وصغار الذُّنُوب، وَمَا يَقْصِدهُ الْمُؤمن وَلَا يحققه، وَأما مَا قَالَ بِهِ الْمُؤمن ويندم فِي الْحَال فَهُوَ من اللمم الَّذِي هُوَ مس من الْجُنُون، كَأَنَّهُ مَسّه وفارقه
وصغار الذُّنُوب من ألم إِذا نزل نزولا من غير لبث طَوِيل
واللمم، بِالْكَسْرِ: جمع لمة وَهِي الشّعْر المسترسل إِلَى الْمنْكب
اللَّعْن: هُوَ بِمَعْنى الطَّرْد من رَحْمَة الله، فَلَا يكون إِلَّا للْكَافِرِينَ
وَبِمَعْنى الإبعاد من دَرَجَة الْأَبْرَار ومقام الصَّالِحين
стр. 784
وَهُوَ المُرَاد فِي حَدِيث الاحتكار، وَلَا يجوز الأول على شخص وَإِن كَانَ فَاسِقًا
وَالْمرَاد من لعن الْمُحَلّل والمحلل لَهُ الخساسة لَا حَقِيقَة اللَّعْن، لِأَن النَّبِي ﷺ مَا بعث لعانا
اللجاج: التَّمَادِي فِي الْخُصُومَة
والعناد: الْمُعَارضَة بالعدول عَن سَوَاء الطَّرِيق وَبرد الْحق
ولجة النَّاس، بِالْفَتْح: صوتهم
ولجة المَاء، بِالضَّمِّ: معظمه
اللاهوت: الْخَالِق
والناسوت: الْمَخْلُوق وَرُبمَا يُطلق الأول على الرّوح وَالثَّانِي على الْبدن
وَرُبمَا يُطلق الأول أَيْضا على الْعَالم الْعلوِي، وَالثَّانِي على الْعَالم السفلي
وعَلى السَّبَب والمسبب
وعَلى الْجِنّ وَالْإِنْس
اللب: الْعقل الْخَالِص من الشوائب وَقيل: هُوَ مَا ذكا من الْعقل فَكل لب عقل وَلَا عكس وَلِهَذَا عقل الله الْأَحْكَام الَّتِي لَا تدركها إِلَّا الْعُقُول الذكية بأولي الْأَلْبَاب
اللِّسَان: هُوَ على لُغَة من جعله مذكرا يجمع على أَلْسِنَة، وعَلى من جعله مؤنثأ يجمع على ألسن، كذراع وأذرع
ولسان الْعَرَب: لغتهم، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك﴾
وَالْمرَاد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاجعَل لي لِسَان صدق﴾ : مَا يوحد بِهِ
وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واحلل عقدَة من لساني﴾ : الْقُوَّة النطقية الْقَائِمَة بالجارحة لَا الْجَارِحَة نَفسهَا
اللف والنشر: هُوَ من المحسنات المعنوية، وَهُوَ ذكر مُتَعَدد على التَّفْصِيل أَو الْإِجْمَال ثمَّ ذكر مَا لكل من غير تعْيين ثِقَة بِأَن السَّامع يردهُ إِلَيْهِ نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن رَحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ ولتبتغوا من فَضله﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه ولعلكم تشكرون﴾ فِيهِ نشر لفين مفصل ومجمل كَمَا جنح إِلَيْهِ بعض الْمُحَقِّقين
واللف التقديري: هُوَ لف الْكَلَامَيْنِ وجعلهما كلَاما وَاحِدًا إيجازا وبلاغة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل أَو كسبت فِي إيمَانهَا خيرا﴾ أَي: لَا ينفع نفسا إيمَانهَا وَلَا كسبها فِي الْإِيمَان لم تكن آمَنت من قبل أوكسبت فِيهِ خيرا
واللفيف فِي الصّرْف: مقرون ك (طوى) ، ومفروق ك (وعى) لِاجْتِمَاع المعتلين فِي ثلاثية
اللَّغْو: هُوَ اسْم لكَلَام لَا فَائِدَة فِيهِ وَهُوَ المُرَاد فِي
стр. 785
آيَة الْمَائِدَة
وضد كسب الْقلب وَهُوَ السَّهْو كَمَا فِي آيَة الْبَقَرَة بِدَلِيل التقابل فِي كل مِنْهُمَا
اللَّهْو: صرف الْهم بِمَا لَا يحسن أَن يصرف بِهِ
واللعب: طلب الْفَرح بِمَا لَا يحسن أَن يطْلب بِهِ
وَقيل: اللَّهْو الِاسْتِمْتَاع بلذات الدُّنْيَا واللعب: الْعَبَث
وَقيل: اللَّهْو: الْميل عَن الْجد إِلَى الْهزْل
واللعب: ترك مَا ينفع بِمَا لَا ينفع
وَقيل: اللَّهْو: االإعراض عَن الْحق واللعب: الإقبال على الْبَاطِل ولهيت عَن الشَّيْء، بِالْكَسْرِ: إِذا سلوت عَنهُ وَتركت ذكره وأضربت عَنهُ وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لاهية قُلُوبهم﴾
ولهوت: من اللَّهْو
واللهاة: هِيَ جَوْهَر لحمي مُعَلّق على أَعلَى الحنجرة كالحجاب ومنفعتها تدريج الْهَوَاء لِئَلَّا يقرع بِبرْدِهِ الرئة، وليمنع الدُّخان وَالْغُبَار وَكَأَنَّهُ بَاب موصد على مخرج الصَّوْت بِقَدرِهِ
اللَّمْس: هُوَ لصوق بإحساس
والمس أقل تمَكنا من الْإِصَابَة وَهُوَ أقل درجاتها
واللمس أَعم مِمَّا هُوَ بِالْيَدِ كَمَا هُوَ الْمَفْهُوم من الْكتب الكلامية
والتماس بِالْيَدِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر من كتب اللُّغَة
فَقَوله تَعَالَى: ﴿فلمسوه بِأَيْدِيهِم﴾ أَي: فمسوه، وَالتَّقْيِيد فِيهِ بِأَيْدِيهِم لدفع التَّجَوُّز لَا محَالة، فَإِنَّهُ قد يتجوز بِهِ للفحص كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنا لمسنا السَّمَاء﴾
واللمس قد يُقَال لطلب الشَّيْء وَإِن لم يُوجد
والمس يُقَال فِيمَا مَعَه إِدْرَاك بحاسة السّمع، ويكنى بِهِ عَن النِّكَاح وَالْجُنُون وَيُقَال فِي كل مَا ينَال الْإِنْسَان من أَذَى: مس، وَلَا اخْتِصَاص لَهُ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ لصوق فَقَط
قَالَ الشَّيْخ الرئيس: الْحَواس الَّتِي يصير بهَا الْحَيَوَان حَيَوَانا إِنَّمَا هُوَ اللَّمْس فَإِن بَاقِي الْحَواس قد يَنْتَفِي مَعَ بَقَاء الحيوانية بِخِلَاف اللَّمْس
اللَّقِيط: هُوَ فِي الْآدَمِيّ يُقَال: صبي منبوذ، اعْتِبَارا بِمن طَرحه ولقيط وملقوط أَيْضا، اعْتِبَارا بِمن تنَاوله
واللقطة فِي غير الْآدَمِيّ
واللقاطة، بِالضَّمِّ: مَا كَانَ سَاقِطا مِمَّا لَا قيمَة لَهُ
اللَّوْح، بِالْفَتْح: الْكتب
وبالضم: الْهَوَاء بَين الأَرْض وَالسَّمَاء
واللوح الْمَحْفُوظ عِنْد أهل الشَّرْع: جسم فَوق السَّمَاء السَّابِعَة كتب فِيهِ مَا كَانَ وَمَا سَيكون، وَهَذَا لَيْسَ بمستحيل لِأَن الكائنات عندنَا متناهية
وَأما عِنْد الفلاسفة: فَهُوَ النَّفس الْكُلِّي للفلك الْأَعْظَم يرتسم فِيهَا الكائنات ارتسام الْمَعْلُوم فِي الْعَالم
وَاعْلَم أَن ثُبُوت الْمَقَادِير فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ يضاهي ثُبُوت كَلِمَات الْقُرْآن وحروفه فِي دماغ حَافظ الْقُرْآن وَقَلبه، فَإِنَّهُ مسطور فِيهِ كَأَنَّهُ ينظر
стр. 786
إِلَيْهِ [فَإِن جَمِيع الْحُرُوف بهيئاتها التأليفية الْعَارِضَة لمفرداتها ومركباتها مَحْفُوظَة فِي قلب الْحَافِظ ومجتمعة الْوُجُود فِيهِ بِحَيْثُ إِن وجود بَعْضهَا لَيْسَ مَشْرُوطًا بِانْقِضَاء الْبَعْض وانعدامه عَن قلبه كَمَا فِي التَّلَفُّظ لعدم مساعدة الْآلَة] وَلَو فتشت دماغه جُزْءا جُزْءا لم تشاهد من ذَلِك حرفا [وَهَذَا خلاف وجود الْعبارَات فِي ذَات الله تَعَالَى، بل وجودهَا فِي ذَاته تَعَالَى بالوجود الْعَيْنِيّ اللَّازِم لذاته الدَّائِم بدوامه، وَفِي نفس الْحَافِظ بالوجود اللَّفْظِيّ الخيالي، بل كَلَامه تَعَالَى حَقِيقَة على مَا ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من الماتريدية والأشعرية ﵄ هُوَ الْمعَانِي أَي النّسَب الإخبارية والإنشائية دون الْمعَانِي اللُّغَوِيَّة الْمعبر عَنْهَا بالألفاظ فَإِنَّهَا جَوَاهِر وأعراض يَسْتَحِيل قِيَامهَا بِذَاتِهِ تَعَالَى
وَدَلَائِل الْحُدُوث مَحْمُولَة على حُدُوث تِلْكَ الصِّفَات الْمُتَعَلّقَة بالْكلَام فِي الْوُجُود دون حَقِيقَة الْكَلَام جمعا بَين الْأَدِلَّة كَمَا صرح بِهِ صَاحب " المواقف " وَأول قَول الْأَشْعَرِيّ أَن الْكَلَام هُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ بِحمْل الْمَعْنى على الْقَائِم بِالْغَيْر فيقابل الْعين دون مَدْلُول اللَّفْظ وَهَذَا هُوَ مَذْهَب السّلف كَمَا فِي " نِهَايَة الْإِقْدَام " للشهرستاني وَأقرب إِلَى الْأَحْكَام الظَّاهِرِيَّة المنسوبة إِلَى قَوَاعِد الْملَّة كَمَا قَالَ الْعَلامَة الشريف الْجِرْجَانِيّ ﵀]
(ولوح الله لَا يشبه لوح الْمَخْلُوق، وَكتاب الله لَا يشبه كتاب الْخلق، كَمَا أَن ذَاته وَصِفَاته لاتشبه ذَات المخلوقين وصفاتهم)
اللوم، بِالْفَتْح: العذل، واللوم مِمَّا يحرض، كَمَا أَن العذل مِمَّا يغري، والعتاب مِمَّا يزِيد فِي الْإِعْرَاض، والتعنيف مِمَّا يحس الْمنْهِي عَنهُ واللؤم، بِالضَّمِّ والهمزة بعده: هُوَ ضد الْكَرم
اللَّطْم: الضَّرْب على الخد ببسط الْكَفّ
واللكم: بِقَبض الْكَفّ والكدم: بكلتا الْيَدَيْنِ
اللبان: هُوَ يخْتَص بِالرّضَاعِ يُقَال: هُوَ أَخُوهُ بلبان أمه، وَلَا يُقَال: بلبنها، وَيُقَال: لبن الشَّاة، ولبان الْمَرْأَة
اللمز: الغمز فِي الْوَجْه بِكَلَام خَفِي
والهمز: فِي الْقَفَا
اللّبْس: بِالْفَتْح: الْخَلْط من بَاب (ضرب) ، وَقد يلْزمه جعل الشَّيْء مشتبها بِغَيْرِهِ
و [التباس] ككتاب: الزَّوْج وَالزَّوْجَة، والاختلاط والاجتماع ولباس التَّقْوَى: الْإِيمَان، أَو الْحيَاء، أَو ستر الْعَوْرَة
وَلبس الثَّوْب، كسمع لبسا بِالضَّمِّ
لله كَذَا: هُوَ كلمة تعجب ومدح يُقَال عِنْد استغراب الشَّيْء واستعظامه
قَالَ صَاحب " التَّحْرِير ": إِذا وجد من الْوَلَد مَا يحمد يُقَال (لله أَبوك) حَيْثُ أَتَى بمثلك وَكَذَا يُقَال فِي الْمَدْح: لله دره والدر فِي اللُّغَة: اللَّبن، وَفِيه خير كثير عِنْد الْعَرَب فَأُرِيد الْخَيْر مجَازًا وَيُقَال فِي الذَّم: (لَا در دره) أَي: لَا كثر خَيره وَالْعرب إِذا عظموا شَيْئا نسبوه إِلَى الله تَعَالَى قصدا إِلَى أَن غَيره
стр. 787
لَا يقدر، وإيذانا بِأَنَّهُ متعجب من أَمر نَفسه لِأَنَّهُ قد يخفى عَلَيْهِ شَأْن من شؤون نفس، وَإِمَّا تعجيب لغيره مِنْهُ
لَدَى: هِيَ بِجَمِيعِ لغاتها بِمَعْنى (عِنْد) مُتَضَمّن لِمَعْنى (من) وَلذَا بني، وَيَكْفِي لجِهَة الْبناء كَون (لدن) فِي (من لدن) على لفظ مَا هُوَ مَبْنِيّ، وَلَا يُوجب دُخُول (من) عَلَيْهِ عدم تضمنه لمعناه لجَوَاز أَن يكون الدُّخُول للتَّأْكِيد
لوط: قَالَ ابْن اسحق: هُوَ لوط بن هاران بن آزر وَعَن ابْن عَبَّاس: لوط ابْن أَخ إِبْرَاهِيم [نوع] ﴿أَن نتَّخذ لهوا﴾ : اللَّهْو الْمَرْأَة بلغَة أهل الْيمن
﴿لفيفا﴾ : جَمِيعًا أَو مختلطين
﴿من لدنا﴾ : من عندنَا
﴿لبس﴾ : شكّ
﴿لغوب﴾ : إعياء
﴿لَغوا﴾ : بَاطِلا
﴿لِسَان صدق عليا﴾ : الثَّنَاء الْحسن
﴿ليا بألسنتهم﴾ : تحريفا بِالْكَذِبِ
﴿لواحة﴾ : معرضة، أَو حراقة، أَو مسودة لأعالي الْجلد، أَو لائحة للنَّاس
﴿أكلا لما﴾ : ذَا لم أَي: جمع بَين الْحَلَال وَالْحرَام
﴿كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ أَي كَادُوا يركبون النَّبِي رَغْبَة فِي الْقُرْآن وشهوة لاستماعه
﴿لَوَاقِح﴾ : حوامل
﴿قوما لدا﴾ : أشداء الْخُصُومَة
﴿صَنْعَة لبوس﴾ : عمل دروع
﴿لزاما﴾ : لَازِما يَحِيق بكم لَا محَالة
﴿لَهو الحَدِيث﴾ : مَا يلهي عَمَّا يَعْنِي. ﴿كلمح الْبَصَر﴾ :: كرجع الطّرف من أَعلَى الحدقة إِلَى أَسْفَلهَا
﴿للجوا﴾ : لثبتوا
﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل لباسا﴾ : غطاء يسْتَتر بظلمته من أَرَادَ الأختفاء
﴿لجي﴾ : عميق
﴿طين لازب﴾ : طين علك لاصق
﴿فِي لحن القَوْل﴾ : فحوى القَوْل وَمَعْنَاهُ
стр. 788
﴿مَا قطعْتُمْ من لينَة﴾ : من نَخْلَة، فعلة من اللَّوْن وَتجمع على ألوان، أَو من اللين وَمَعْنَاهَا النَّخْلَة الْكَرِيمَة، وَجَمعهَا أليان
﴿لُمزَة﴾ : عياب
﴿لِوَاذًا﴾ : أَي يلوذ بَعضهم بِبَعْض أَي: يسْتَتر بِهِ
﴿لووا رؤوسهم﴾ : عطفوها إعْرَاضًا واستكبارا
﴿فِي لبس﴾ : فِي خلط وشبهة
﴿من لدنا﴾ : من جِهَة قدرتنا، أَو من عندنَا
﴿لِسَان صدق فِي الآخرين﴾ : جاها وَحسن صيت فِي الدُّنْيَا يبْقى أَثَره إِلَى يَوْم الدّين
﴿وللبسنا﴾ : ولخلطنا
﴿مَا يلبسُونَ﴾ : مَا يخلطون على أنفسهم
﴿كم لَبِثت﴾ : كم مكثت
﴿لَوْلَا ينهاهم الربانيون﴾ أَي: هلا
وَكَذَا ﴿لَو مَا تَأْتِينَا﴾ : فَإِنَّهُمَا إِذا لم يحتاجا إِلَى جَوَاب فمعناهما هلا
﴿مروا بِاللَّغْوِ﴾ : مَا يجب أَن يلغى ويطرح
﴿لَذَّة للشاربين﴾ : أَي لذيذة لَهُم
﴿لظى﴾ : من أَسمَاء جَهَنَّم
﴿اللوامة﴾ : لَيْسَ من نفس برة وَلَا فاجرة إِلَّا تلوم نَفسهَا إِن كَانَت عملت خيرا هلا زَادَت مِنْهُ، وَإِن كَانَت عملت سوءا لم عملته
﴿لُقْمَان﴾ : هُوَ ابْن باعورا من أَوْلَاد آزر ابْن أُخْت أَيُّوب أَو خَالَته، عَاشَ ألف سنة حَتَّى أدْرك سيدنَا دَاوُد ﵊ وَأخذ مِنْهُ الْعلم وَكَانَ يُفْتِي قبل مبعثه وَالْجُمْهُور على أَنه كَانَ حكيما وَلم يكن نَبيا
(فصل الْمِيم)
[الْمِصْبَاح] : كل مِصْبَاح فِي الْقُرْآن فَهُوَ كَوْكَب إِلَّا الَّذِي فِي " النُّور " فَإِن المُرَاد هُنَاكَ السراج
[المجرم] : كل مجرم فِي الْقُرْآن فَالْمُرَاد بِهِ الْكَافِر
[الْمُبَاشرَة] : كل مُبَاشرَة فِي الْقُرْآن فَالْمُرَاد مقلوب الْكِنَايَة
[الْمُشْركُونَ] : كل شَيْء فِي الْقُرْآن ﴿وَمَا لَهُم فِي الأَرْض من ولي وَلَا نصير﴾ فَهُوَ للْمُشْرِكين
[مَا يدْريك] : كل شَيْء فِي الْقُرْآن (مَا يدْريك) فَلم يخبر بِهِ
стр. 789
[مَا أَدْرَاك] : وكل شَيْء فِي الْقُرْآن (وَمَا أَدْرَاك) فقد أخبر بِهِ، وَذَلِكَ أَن (مَا) فِي الْمَوْضِعَيْنِ للاستفهام الإنكاري، لَكِن فِي (مَا يدْريك) إِنْكَار وَنفي للإدراك فِي الْحَال والمستقبل، فَإِذا نفى الله ذَلِك فِي الْمُسْتَقْبل لم يُخبرهُ وَلم يفسره، وَفِي (مَا أَدْرَاك) إِنْكَار وَنفي لتحَقّق الْإِدْرَاك فِي الْمَاضِي وَلَا يُنَافِي تحَققه فِي الْحَال أَو الْمُسْتَقْبل، فأدرى الله بإخباره وَتَفْسِيره
[الْمَكْر] : كل مكر فِي الْقُرْآن فَهُوَ عمل
[مذ ومنذ] : وَالْقُرْآن الْعَزِيز على كَثْرَة جملَته وغزارة تأليفاته لم يَأْتِ فِيهِ (مذ) و (مُنْذُ)
[الموطن] : كل مقَام قَامَ فِيهِ الْإِنْسَان لأمر مَا فَهُوَ موطن لَهُ
[الْمشكاة] : كل كوَّة غير نَافِذَة فَهِيَ مشكاة
[الْميتَة] : كل أَرض لَا تنْبت شَيْئا فَهِيَ ميتَة
[المولد] : كل لفظ كَانَ عَرَبِيّ الأَصْل ثمَّ حرفته الْعَامَّة بهمز أَو تَركه أَو تسكين أَو تَحْرِيك فَهُوَ مولد
[الماعون] : كل مَا يستعار من قدوم أَو شفرة أَو قدر أَو قَصْعَة فَهُوَ ماعون [المتنطس] : كل من دقق النّظر فِي الْأُمُور واستقصى علمهَا فَهُوَ متنطس
[المهاوش] : كل مَال أُصِيب من غير حلّه كالغصب وَالسَّرِقَة فَهُوَ مهاوش
[الممطول] : كل مَمْدُود فَهُوَ ممطول، وَمِنْه اشتق المطل بِالدّينِ
[الميسر] : كل شَيْء فِيهِ خطر فَهُوَ من الميسر
[المنطقة] : كل مَا شددت بِهِ وسطك فَهُوَ منْطقَة
[الْمجلة] : كل كتاب عِنْد الْعَرَب فَهُوَ مجلة
[الماخض] : كل حَامِل ضربهَا الطلق فَهِيَ ماخض
[المأوى] : كل مَكَان يأوي إِلَيْهِ شَيْء فَهُوَ المأوى
[المحصنة] : كل امْرَأَة عفيفة فَهِيَ مُحصنَة ومحصنة بِالْفَتْح وَالْكَسْر وكل امْرَأَة متزوجة فَهِيَ مُحصنَة بِالْفَتْح لَا غير
[المستهل] : كل مُتَكَلم رفع صَوته أَو خفض فَهُوَ مستهل
[المشمت، والمسمت] : كل دَاع لأحد بِخَير فَهُوَ مشمت ومسمت بِالْمُعْجَمَةِ والمغفلة
[الْمُحَرر] : كل مَا أخْلص فَهُوَ مُحَرر
[الْملك] : كل من لَا تدخل عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَهُوَ ملك
[الْمُؤَذّن] : كل من تكلم بِشَيْء نِدَاء فَهُوَ مُؤذن
[المعشر] : كل جمَاعَة أَمرهم وَاحِد فَهِيَ معشر
[المكنوز] : كل شَيْء جمع بعضه إِلَى بعض فَهُوَ مكنوز
[المكافئ] : كل شَيْء سَاوَى شَيْئا حَتَّى يكون مثله فَهُوَ مكافئ لَهُ
[الْمَنّ] : كل مَا يمن الله بِهِ مِمَّا لَا تَعب فِيهِ وَلَا نصب فَهُوَ الْمَنّ
[الْمِسْكِين] : كل من احْتَاجَ إِلَى كل شَيْء فَهُوَ مِسْكين
стр. 790
[الْمحرم] : كل من لم يَأْتِ شَيْئا تستحل، بِهِ عُقُوبَته فَهُوَ محرم وَعَلِيهِ قَوْله: قتلوا ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرما فَلَيْسَ المُرَاد الْإِحْرَام بِالْحَجِّ قَالَه الْأَصْمَعِي
وَيحْتَمل أَن المُرَاد الممسك عَن قِتَالهمْ، أَو فِي الشَّهْر الْحَرَام لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَيَّام التَّشْرِيق، جزم بِهِ الْمبرد فِي " الْكَامِل "
[الْموَات] : كل مَا فَارق الْجَسَد من نُطْفَة أَو شعر فَهُوَ موَات وَكَذَا كل مَالا روح فِيهِ
[الْمُصَلِّي] : كل دَاع فَهُوَ مصل هَذَا معنى الصَّلَاة لُغَة، ثمَّ ضمت إِلَيْهَا هيئات وأركان وَسميت مجموعها صَلَاة
[المفلح] : كل من أصَاب خيرا فَهُوَ مُفْلِح
[الْملك وَالْملك] : كل ملك بِالضَّمِّ ملك بِالْكَسْرِ بِلَا عكس
[الْمَتَاع] : كل مَا حصل التَّمَتُّع وَالِانْتِفَاع بِهِ على وَجه مَا فَهُوَ مَتَاع وأصل الْمَتَاع والمتعة مَا ينْتَفع بِهِ انتفاعا قَلِيلا غير بَاقٍ بل يَنْقَضِي عَن قريب [فَهُوَ فِي الْعرف يَقع على مَا يلْبسهُ النَّاس ويبسطه، وَالثيَاب والقميص والبسط والستور والفراش والمرافق جمع مرفقة كل ذَلِك يدْخل تَحت الْمَتَاع، وَفِي الْأَوَانِي اخْتِلَاف الْمَشَايِخ] ومتعة الطَّلَاق وَالْحج وَالنِّكَاح كلهَا من ذَلِك
﴿ومتاع إِلَى حِين﴾ ، وتمتيع إِلَى أجل مُقَدّر
[الْمُخَالفَة] : كل عصيان مُخَالفَة بِلَا عكس لِأَن الْمُخَالفَة ترك الْمُوَافقَة
[المتنافر] : كل مَا يعده الذَّوْق الصَّحِيح والسليم ثقيلا متعسر النُّطْق بِهِ فَهُوَ متنافر، سَوَاء كَانَ من قرب المخارج أَو بعْدهَا أَو غير ذَلِك
[الْمَعْرُوف] : كل مَا سكنت إِلَيْهِ النَّفس واستحسنته لحسنه عقلا أَو شرعا أَو عرفا فَهُوَ مَعْرُوف
[الْمُنكر] : وكل مَا نفرت مِنْهُ وكرهته فَهُوَ مُنكر (وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ يكون وَاجِبا ومندوبا على حسب مَا يُؤمر بِهِ وَكَذَا النَّهْي عَن الْمُنكر فَإِنَّهُ يكون وَاجِبا إِن كَانَ الْمنْهِي محرما أَو مَكْرُوها كَرَاهَة تَحْرِيم، ومندوبا إِن كَانَ الْمنْهِي عَنهُ مَكْرُوها كَرَاهَة تَنْزِيه)
[الْمُضَاف] : كل اسْم أضيف إِلَى اسْم آخر فَهُوَ الْمُضَاف و (يَوْم يقوم زيد) تَأْوِيل لمصدر وَلَفظ الْفِعْل اسْم بالِاتِّفَاقِ]
[الْمُمكن] : كل مَا يجب أَو يمْتَنع بِالْغَيْر فَهُوَ مُمكن فِي نَفسه لِأَن الْوُجُوب بِالْغَيْر يُنَافِي الْوُجُوب بِالذَّاتِ
[الْمجَاز] : هُوَ اسْم لما أُرِيد بِهِ غير مَوْضُوعه لاتصال بَينهمَا، وَهُوَ مفعول بِمَعْنى فَاعل جَازَ: إِذا تعدى، كالمولى بِمَعْنى الْوَالِي لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ عَن معنى الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز وَقيل: من قَوْلهم: جعلت كَذَا مجَازًا إِلَى حَاجَتي: أَي طَرِيقا، فَإِن الْمجَاز طَرِيق إِلَى مَعْنَاهُ]
стр. 791
وكل نِسْبَة وضعت فِي غير موضعهَا بعلاقة فَهِيَ مجَاز عَقْلِي، تَامَّة كَانَت أَو نَاقِصَة، سمي بِهِ لتجاوزه عَن مَكَانَهُ الْأَصْلِيّ بِحكم الْعقل، وَيُسمى أَيْضا مجَازًا فِي الْإِثْبَات، وَإِن كَانَ يَقع فِي النَّفْي، لِأَن الْمجَاز فِي النَّفْي فرع الْمجَاز فِي الْإِثْبَات أَو لِأَن النَّفْي مَا لم يَجْعَل بِمَعْنى الْإِثْبَات لَا يكون مجَازًا وَيُسمى أَيْضا إِسْنَادًا مجازيا بِاعْتِبَار أَن الْإِسْنَاد بِمَعْنى مُطلق النِّسْبَة، ويقابله الْمجَاز اللّغَوِيّ الْمُسَمّى بالمجاز فِي الْمُفْرد بِمَعْنى مَا ينْسب إِلَى الْوَضع غير الشَّرْعِيّ فَيعم الْعرفِيّ والاصطلاحي وَاخْتلفُوا فِي الْمجَاز الإسنادي فَمنهمْ من نَفَاهُ كَالْإِمَامِ أبي عَمْرو بن الْحَاجِب، فَهُوَ عِنْدهم من الْمجَازِي الإفرادي وَمِنْهُم من جعل الْمجَاز فِي الْمسند، وَهُوَ قَول ابْن الْحَاجِب، وَمِنْهُم من جعله فِي الْمسند إِلَيْهِ ويجعله من الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ عَمَّا يَصح الْإِسْنَاد إِلَيْهِ حَقِيقَة، والمسند هُوَ قرينَة الِاسْتِعَارَة وَهُوَ قَول السكاكي وَالَّذين أثبتوه مِنْهُم من لم يَجْعَل فِيهِ مجَازًا بِحَسب الْوَضع بل بِحَسب الْعقل حَيْثُ أسْند الْفِعْل إِلَى مَا يَقْتَضِي الْعقل عدم إِسْنَاده اليه، وَهَذَا قَول الشَّيْخ عبد القاهر وَالْإِمَام الرَّازِيّ وَجَمِيع عُلَمَاء الْبَيَان
وَمِنْهُم من قَالَ: لَا مجَاز فِي شَيْء من الْمُفْردَات، بل شبه التَّلَبُّس بِغَيْر الْفَاعِل، فَاسْتعْمل فِيهِ اللَّفْظ الْمَوْضُوع لإِفَادَة التَّلَبُّس الفاعلي، فَيكون اسْتِعَارَة تمثيلية
وَالْمجَاز قد يصير (حَقِيقَة عرفية بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال، فَلَا يخرج بذلك عَن كَونه مجَازًا بِحَسب أَصله
وَكَذَلِكَ الْكِنَايَة قد تصير) بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فِي المكنى عَنهُ بِمَنْزِلَة التَّصْرِيح كَأَن اللَّفْظ مَوْضُوع بإزائه، فَلَا يُلَاحظ هُنَاكَ الْمَعْنى الْأَصْلِيّ، بل يسْتَعْمل حَيْثُ لَا يتَصَوَّر فِيهِ الْمَعْنى الْأَصْلِيّ أصلا كالاستواء على الْعَرْش، وَبسط الْيَد، إِذا استعملا فِي شَأْنه تَعَالَى، وَلَا يخرج بذلك عَن كَونه كِنَايَة فِي أَصله وَأَن يُسمى مجَازًا متفرعا على الْكِنَايَة
ومجاز الْمجَاز: هُوَ أَن يَجْعَل الْمجَاز الْمَأْخُوذ عَن الْحَقِيقَة بِمَثَابَة الْحَقِيقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مجَاز آخر، فيتجوز الْمجَاز الأول عَن الثَّانِي لعلاقة بَينهمَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله﴾ فَإِن قَوْله: لَا اله إِلَّا الله مجَاز عَن تَصْدِيق الْقلب بمدلول هَذَا اللَّفْظ، والعلاقة هِيَ السَّبَبِيَّة، لِأَن تَوْحِيد اللِّسَان سَبَب عَن تَوْحِيد الْجنان، وَالتَّعْبِير بِلَا اله إِلَّا الله عَن الوحدانية مجَاز عَن التَّعْبِير بالْقَوْل عَن الْمَقُول فِيهِ، وَجعل مِنْهُ ابْن السَّيِّد قَوْله تَعَالَى: ﴿أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا﴾ فَإِن الْمنزل عَلَيْهِم لَيْسَ نفس اللبَاس بل المَاء المنبت للزَّرْع الْمُتَّخذ مِنْهُ الْغَزل المنسوج مِنْهُ اللبَاس
[وَالْمجَاز لَا يكون إِلَّا مَعَ قرينَة مُعينَة دَالَّة على أَن اللَّفْظ لم يسْتَعْمل فِيمَا وضع لَهُ، وَهِي غير الْقَرِينَة الدَّالَّة على تعْيين المُرَاد صرح بِهِ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ عَلَيْهِ الرَّحْمَة فِي " شرح الشمسية " وَصرح أَيْضا فِي " التَّلْوِيح " بِأَن كَون الْقَرِينَة مَأْخُوذَة فِي مَفْهُوم الْمجَاز رَأْي عُلَمَاء الْبَيَان ﵏، وَأما رَأْي عُلَمَاء الْأُصُول ﵏ فِي شَرط صِحَّته واعتباره وَاسْتِعْمَال اللَّفْظ الْمجَازِي بِلَا قرينَة
стр. 792
أردأ من اسْتِعْمَال الْأَلْفَاظ الغريبة، لِأَن الذِّهْن يتَبَادَر إِلَى غير الْمَقْصُود عِنْد عدم الْقَرِينَة الْمَانِعَة، بِخِلَاف الْأَلْفَاظ الغربية إِذْ لَا يفهم مِنْهَا شَيْء]
وَالْمجَاز فِي اللُّغَة مثل: (قَامَت الْحَرْب على سَاق) ، (وشابت لمة اللَّيْل) ، (وَفُلَان على جنَاح السّفر) وَغير ذَلِك فمنكر الْمجَاز فِي اللُّغَة مُبْطل محَاسِن لُغَة الْعَرَب والحذف من الْمجَاز وَهُوَ الْمَشْهُور وَقيل: إِنَّمَا يكون مجَازًا إِذا تغير حكم مَا بَقِي من الْكَلَام
وَفِي " الْإِيضَاح " مَتى تغير إِعْرَاب الْكَلِمَة بِحَذْف أَو زِيَادَة فَهِيَ مجَاز نَحْو: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ (لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ، وَإِلَّا فَلَا تُوصَف الْكَلِمَة بالمجاز نَحْو: ﴿أَو كصيب﴾ ﴿﴾ (فبمَا رَحْمَة من الله﴾ والتأكيد حَقِيقَة وَلَيْسَ مجَازًا هُوَ الصَّحِيح وَكَذَا التَّشْبِيه إِذْ لَيْسَ فِيهِ نقل اللَّفْظ عَن مَوْضُوعه
وَقيل: إِن كَانَ بِحرف فَهُوَ حَقِيقَة، أَو بحذفه فمجاز
وَفِي الْكِنَايَة أَرْبَعَة مَذَاهِب: أَحدهَا: أَنَّهَا حَقِيقَة لِأَنَّهَا اسْتعْملت فِيمَا وضعت لَهُ وَأُرِيد بهَا الدّلَالَة على غَيره وَالثَّانِي: أَنَّهَا مجَاز
وَالثَّالِث: أَنَّهَا لَا حَقِيقَة وَلَا مجَاز
وَالرَّابِع: أَنَّهَا تقسم إِلَيْهِمَا، فَإِن اسْتعْملت اللَّفْظ فِي مَعْنَاهُ مرَادا مِنْهُ لَازم الْمَعْنى أَيْضا فَهُوَ حَقِيقَة وَإِن لم يرد الْمَعْنى بل عبر بالملزوم عَن اللَّازِم فَهُوَ مجَاز وَتَقْدِيم مَا حَقه التَّأْخِير وَبِالْعَكْسِ لَيْسَ من الْمجَاز وَهُوَ الصَّحِيح فَإِن الْمجَاز نقل مَا وضع لَهُ إِلَى مَا لم يوضع لَهُ
والالتفات حَقِيقَة حَيْثُ لم يكن مَعَه تَجْرِيد
والموضوعات الشَّرْعِيَّة كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَغَيرهمَا هِيَ حقائق بِالنّظرِ إِلَى الشَّرْع، مجازات بِالنّظرِ إِلَى اللُّغَة
وَاللَّفْظ قبل الِاسْتِعْمَال وَاسِطَة بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَكَذَا الْأَعْلَام وَكَذَا اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي المشاكلة قَالَ صَاحب " الإتقان ": وَالَّذِي يظْهر أَنَّهَا مجَاز والعلاقة هِيَ الصُّحْبَة
الْمُبْتَدَأ: كل اسْم ابتدأته وعريته من العوامل اللفظية فَهُوَ الْمُبْتَدَأ، وعامله معنى الابتدأ
وَالْعَامِل الْمَعْنَوِيّ لم يَأْتِ عِنْد النُّحَاة إِلَّا فِي موضِعين أَحدهمَا هَذَا
وَالثَّانِي: وُقُوع الْفِعْل الْمُضَارع موقع الِاسْم حَتَّى أعرب، وَهَذَا قَول سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْبَصرِيين
стр. 793
وأضاف إِلَيْهِمَا الْأَخْفَش ثَالِثا: وَهُوَ عَامل الصّفة، فَذهب إِلَى أَن الِاسْم يرْتَفع لكَونه صفة لمرفوع، وينتصب لكَونه صفة لمنصوب، وينجر لكَونه صفة لمجرور وَكَون صفة فِي هَذِه الْمَوَاضِع معنى يعرف بِالْقَلْبِ وَلَيْسَ للفظ فِيهِ حَظّ
(وكل مُبْتَدأ مَوْصُول بِفعل أَو ظرف، أَو نكرَة مَوْصُوفَة بهما، أَو مَوْصُوف بالموصول الْمَذْكُور فَإِنَّهُ يتَضَمَّن معنى الشَّرْط)
وكل مُبْتَدأ عقب ب (إِن) الوصلية فَإِنَّهُ يُؤْتى فِي خَبره ب (إِلَّا) الاستدراكية أَوب (لَكِن) مثل: (هَذَا الْكتاب وَإِن صغر حجمه لَكِن كثرت فَوَائده) وَذَلِكَ لما فِي الْمُبْتَدَأ بِاعْتِبَار تَقْيِيده ب (إِن) الوصلية من الْمَعْنى الَّذِي يصلح الْخَبَر استدراكا لَهُ واشتمالا على مُقْتَضى خِلَافه
والمبتدأ لَا يكون إِلَّا اسْما الْبَتَّةَ
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَن تصبروا خير لكم﴾ ، و ﴿سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم﴾ كل ذَلِك فِي التَّحْقِيق اسْم أَي صبركم وإنذارك
وكل مُبْتَدأ بعده مَرْفُوع مصدر بواو الْمَعِيَّة قصدا إِلَى الْإِخْبَار بالتقارن كَقَوْلِه: (كل رجل وضيعته) أَي: كل رجل مقرون هُوَ وضيعته، على أَن (ضيعته) عطف على الضَّمِير فِي الْخَبَر لَا على الْمُبْتَدَأ ليَكُون من تتمته فَلَا يَقع موقع الْخَبَر
وكل مُبْتَدأ مَوْصُول إِذا وصل بالمبتدأ وَالْخَبَر وَلم يكن فِي الصِّلَة طول وَكَانَ الْمُبْتَدَأ مضمرا لم يجز حذف الْمُبْتَدَأ وإبقاء الْخَبَر إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر
وَإِذا اشْتَمَل الْمُبْتَدَأ على فعل وَاقع موقع الشَّرْط أَو نَحوه مَوْصُوفا بظرف أَو شبهه، أَو فعل صَالح للشرطية، فَحِينَئِذٍ يدْخل الْفَاء فِي خَبره، وَكَذَا يجوز دُخُول الْفَاء فِي خبر مُبْتَدأ مُضَاف إِلَى مَوْصُوف بِغَيْر ظرف وَلَا جَار وَلَا مجرور وَلَا فعل صَالح للشرطية على حد حَدِيث: [الِابْتِدَاء] " كل أَمر ذِي بَال لم يبْدَأ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أقطع " [وَقيل: معنى صِحَة دُخُول الْفَاء فِي خبر الْمُبْتَدَأ المتضمن بِمَعْنى الشَّرْط أَنه مَعَ قصد السَّبَبِيَّة وَاجِب وَمَعَ عَدمه مُمْتَنع] وَإِذا تضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط كَانَ خَبره كالجزاء لَهُ يتَوَقَّف على تحَققه توقف الْجَزَاء على تحقق الشَّرْط، وتضمنه لِمَعْنى الشَّرْط بِكَوْنِهِ مَوْصُولا صلته فعل، فَكَانَ الْجَزَاء متوقفا على الْفِعْل
والمبتدأ الْمُذكر إِذا أخبر عَنهُ بمؤنث يجوز أَن يعود عَلَيْهِ ضمير الْمُؤَنَّث فيؤنث لتأنيث خَبره وَلَا يجب توَافق الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي التَّأْنِيث إِلَّا إِذا كَانَ الْخَبَر صفة مُشْتَقَّة غير مَا يتحد فِيهِ الْمُذكر والمؤنث، وَغير سَبَبِيَّة نَحْو: (هِنْد حَسَنَة) أَو فِي حكمهَا كالمنسوب أما فِي الجوامد فَيجوز نَحْو: (هَذِه الدَّار مَكَان طيب) ، (وَزيد نسبه عَجِيبَة)
والابتداء بالنكرة مجوز فِي الدُّعَاء نَحْو: ﴿ويل لكل همزَة﴾ فَإِنَّهُ لما كَانَ مصدرا سَادًّا مسد فعله المتخصص بصدوره عَن فَاعل معِين كَانَت النكرَة الْمَذْكُورَة متخصصة بذلك الْفِعْل، فساغ الِابْتِدَاء بهَا لذَلِك كَمَا قَالُوا فِي (سَلام عَلَيْك)
وَفِيمَا إِذا كَانَ الْكَلَام مُفِيدا نَحْو: (كَوْكَب انقض السَّاعَة) و (فِئَة تقَاتل فِي سَبِيل الله وَأُخْرَى
стр. 794
كَافِرَة﴾ ، و (مَا أحسن زيدا) فَإِن (مَا) مُبْتَدأ، مَعَ أَنه نكرَة عد سِيبَوَيْهٍ، وَعند الْأَخْفَش أَيْضا فِي أحد قوليه و (أحسن) خَبره، وَفِيه ضمير رَاجع إِلَى (مَا) وَهُوَ فَاعله، والمنصوب بعده مَفْعُوله، وَذَلِكَ لِأَن التَّعَجُّب إِنَّمَا يكون فِيمَا يجهل سَببه، فالتنكير يُنَاسب معنى التَّعَجُّب وَكَذَا فِيمَا إِذا وَقع فِي معرض التَّفْصِيل كَقَوْلِك: (هُوَ إِمَّا كَذَا وَإِمَّا كَذَا) فَأول (كَذَا) مُبْتَدأ فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى نَحْو (زيد قَائِم) وَفِي اللَّفْظ دون الْمَعْنى نَحْو (أقائم زيد) ، وَفِي الْمَعْنى دون اللَّفْظ نَحْو: (تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ)
الْمَفْعُول: كل اسْم انتصب بعد ذكر الْفَاعِل وَالْفِعْل فَهُوَ الْمَفْعُول وكل من الْمَفْعُول بِهِ، وَله، وَفِيه، يكون صَرِيحًا إِذا لم يكن بِحرف الْجَرّ، وَغير صَرِيح إِذا كَانَ بِحرف الْجَرّ
وَالْمَفْعُول الْمُطلق لَا يكون إِلَّا صَرِيحًا
وَالْمَفْعُول مَعَه لَا يكون إِلَّا غير صَرِيح
وكل مَا نصب الْمَفْعُول بِهِ نصب غَيره من المفاعيل وَلَا ينعكس
وَالْمَفْعُول بِهِ: هُوَ الْفَارِق بَين اللَّازِم والمتعدي، وَيكون وَاحِدًا إِلَى ثَلَاثَة، وَغَيره لَا يكون إِلَّا وَاحِدًا، فَإِن جِيءَ بِاثْنَيْنِ فعلى التّبعِيَّة وَأَنه لَا يتَأَوَّل بِغَيْرِهِ من المفاعيل وَغَيره يتَأَوَّل بِهِ
وَالْمَفْعُول لَهُ غَرَض للْفِعْل
وَالْمَفْعُول الْمُطلق هُوَ الْمصدر الْمَنْصُوب للتَّأْكِيد، أَو لعدد المرات، أَو لبَيَان النَّوْع، سمي مَفْعُولا مُطلقًا لصِحَّة إِطْلَاق صِيغَة الْمَفْعُول على كل فَرد مِنْهُ من غير تَقْيِيد بالجار بِخِلَاف المفاعيل الْبَاقِيَة
وَالْمَفْعُول أَعم من المفتعل، يُقَال لما لَا يقْصد الْفَاعِل إِلَى إيجاده وَإِن تولد مِنْهُ كحمرة اللَّوْن من الخجل
وكل مَا دخله حرف الْجَرّ فَهُوَ الْمَفْعُول بِهِ حَتَّى الْمَفْعُول فِيهِ، وَله عِنْد ذكر (فِي) وَاللَّام سَوَاء كَانَ الْحَرْف للتعدية كَمَا فِي (ذهبت بزيد) ، أَو للاستعانة كَمَا فِي (كتبت بالقلم) ، وَمِنْه (ضربت بِالسَّوْطِ)
وَالْمَفْعُول إِذا كَانَ ضميرا مُنْفَصِلا وَالْفِعْل مُتَعَدٍّ لوَاحِد وَجب تَأْخِير الْفِعْل نَحْو: ﴿إياك نعْبد﴾ وَلَا يجوز أَن يتَقَدَّم إِلَّا فِي ضَرُورَة، وَقد يجوز نصب الْفَاعِل وَرفع الْمَفْعُول عِنْد عدم الالتباس نَحْو: (خرق الثَّوْب المسمار) إِذا كَانَ مقدما على الْفَاعِل، وَلَا يجوز ذَلِك إِذا كَانَ مُؤَخرا عَنهُ
وَقد يَأْتِي الْمَفْعُول بِلَفْظ الْفَاعِل نَحْو: (سر كاتم) ، (مَكَان عَامر) وَفِي التَّنْزِيل: ﴿لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله﴾ ﴿و﴾ (حرما آمنا﴾ وَقد يَأْتِي بِالْعَكْسِ نَحْو: ﴿وعده مأتيا﴾ ﴿و﴾ (حِجَابا مَسْتُورا﴾
الْمُتَعَدِّي: كل فعل كَانَ فهمه مَوْقُوفا على فهم غير الْفَاعِل فَهُوَ الْمُتَعَدِّي ك (ضرب) بِخِلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان والغاية وهيئة الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، لِأَن فهم الْفِعْل وتعقله بِدُونِ هَذِه الْأُمُور مُمكن
غير الْمُتَعَدِّي: وكل فعل لَا يتَوَقَّف فهمه على فهم
стр. 795
أَمر غير الْفَاعِل فَهُوَ غير الْمُتَعَدِّي كخرج وَقعد
وكل فعل مُتَعَدٍّ فَلهُ مصدر نَحْو: (قَارب قرابا) ، وَمَا لَا مصدر لَهُ ك (عَسى) فَلَيْسَ بمتعد
وكل فعل نسبته إِلَى عُضْو معِين فَهُوَ مُتَعَدٍّ نَحْو: (ضرب بِيَدِهِ) ، و (ركض بِرجلِهِ) ، و (نظر بِعَيْنِه) ، و (ذاق بفمه) ، و (سمع بأذنه)
اللَّازِم: وكل فعل نسبته إِلَى جَمِيع الْأَعْضَاء، وكل مَا كَانَ من الْأَفْعَال خلقَة وطبيعة لَا تعلق لَهُ بِغَيْر من صدر عَنهُ فَهُوَ لَازم نَحْو: قَامَ، وَصَامَ، وَجلسَ، وَخرج، وَنَحْو ذَلِك
وَأَصْحَاب اللُّغَة مَا أثبتوا لكل فعل مُتَعَدٍّ لَازِما إِلَّا إِذا اتفقَا فِي الْوُجُود
وكل فعل غير مُتَعَدٍّ فلك أَن تعديه بِحرف الْجَرّ نَحْو: (ذهبت بزيد) ، والهمزة ك (أذهبت زيدا) ، والتعدية بِالْهَمْزَةِ قياسية
والتضعيف ك (خرجت زيدا) وَألف المفاعلة ك (مَاشِيَته)
وسين الِاسْتِقْبَال ك (استخرجته)
وكل فعل مُتَعَدٍّ لاثْنَيْنِ إِلَى أَحدهمَا بِنَفسِهِ وَإِلَى الْأُخَر بِحرف الْجَرّ كأمر وَاخْتَارَ، واستغفر، وَصدق، وسمى، ودعا بِمَعْنَاهُ، وروح، ونبأ، وأنبأ، وَأخْبر، وَخبر، وَحدث غير متضمنة لِمَعْنى اعْلَم، فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ إِسْقَاط الْخَافِض وَالنّصب
وكل فعل مُتَعَدٍّ ينصب مَفْعُوله مثل: (سقى) و (شرب) ، لَكِن فعل الشَّك وَالْيَقِين ينصب مفعوليه فِي التَّلْقِين تَقول: (قد خلت الْهلَال لائحا، وَقد وجدت المستشار ناصحا، وَمَا أَظن عَامِرًا رَفِيقًا، وَلَا أرى لي خَالِدا صديقا) ، وَهَكَذَا فِي علمت وحسبت وَزَعَمت
وَالَّذِي يتَعَدَّى إِلَى وَاحِد بِنَفسِهِ هُوَ كل فعل يطْلب مَفْعُولا بِهِ وَاحِدًا لَا على معنى حرف من حُرُوف الْجَرّ نَحْو: ضرب، وَأكْرم
وَالَّذِي يتَعَدَّى إِلَى وَاحِد بِحرف الْجَرّ نَحْو: مر، وَسَار
وَالَّذِي يتَعَدَّى إِلَى وَاحِد تَارَة بِنَفسِهِ وَتارَة بِحرف الْجَرّ أَفعَال خَمْسَة مسموعة تحفظ وَلَا يُقَاس عَلَيْهَا، نصح، وشكر، وكال، وَوزن، وَعدد
وَالَّذِي يتَعَدَّى إِلَى مفعولين بِنَفسِهِ وَلَيْسَ أَصلهمَا الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر هُوَ كل فعل يطْلب مفعولين يكون الأول مِنْهُمَا فَاعِلا فِي الْمَعْنى نَحْو: أعْطى، وكسا
وَالَّذِي يتَعَدَّى إِلَى مفعولين وأصلهما الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر هُوَ ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا
[وَأما (خلت) بِمَعْنى (صرت) ذَا خَال فيتعدى إِلَى وَاحِد، وَكَذَا (حسبت) بِمَعْنى صرت ذَا حسب، و (زعمت) بِمَعْنى كفلت]
وَالَّذِي يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل هِيَ أَفعَال سَبْعَة: أعلمت، وأريت،، وأنبأت، ونبأت، وأخبرت، وخبرت، وَحدثت وَهَذِه الْأَفْعَال إِذا لم يسم فاعلها تتعدى إِلَى مفعولين، وَكَانَ حَال المفعولين فِيهَا كحالهما فِي بَاب ظَنَنْت، فَلَا يجوز الِاقْتِصَار على أَحدهمَا
والمتعدي إِلَى ثَلَاثَة إِذا اسْتَوَى فِي مفاعيله يتَعَدَّى إِلَى المفاعيل الْأَرْبَعَة، وَذَلِكَ هُوَ النِّهَايَة فِي التَّعَدِّي
وكل مَا كَانَ من فَاعل فِي معنى الْمُعَامَلَة كالمزارعة
стр. 796
والمشاركة فَإِنَّهُ لَا يتَعَدَّى إِلَّا إِلَى وَاحِد
وكل من اللَّازِم والمتعدي يكون علاجا وَهُوَ مَا يفْتَقر فِي إيجاده إِلَى إِعْمَال جارحة ظَاهِرَة نَحْو: قُمْت، وَقَعَدت، وقطعته، ورأيته
وَغير علاج نَحْو: حسن، وقبح، وعدمته، وفقدته، وعلمته، وفهمته، وهويته، وذكرته، وَالْمرَاد ذكر الْقلب
وكل مطاوعة لَازم وَلَا عكس والمطاوعة حُصُول فعل عَن فعل، فَالثَّانِي مُطَاوع لِأَنَّهُ طاوع الأول، وَالْأول مُطَاوع لِأَنَّهُ طاوعه الثَّانِي
والمطاوع يَجِيء مِمَّا كَانَ فِيهِ علاج، وكما يَأْتِي المطاوع من وزن الْفِعْل يَأْتِي من غَيره، بل يَأْتِي من الْمُجَرّد أَيْضا تَقول: ضاعفت الْحساب فتضاعف، وعلمته فتعلم، وَلما خصوا بَاب الانفعال بالمطاوعة خصوه بالمعاني الْوَاضِحَة للحس، وَلِهَذَا لم يجز (عدمته فانعدم) لِأَن (عدمته) بِمَنْزِلَة (لم أَجِدهُ) فِي أَن الْمَعْنى انْتِفَاء الْوُجُود وَلَا يلْزم معنى المطاوعة فِي الْفِعْل لقَولهم: انْقَضى الْأَمر، وَانْطَلق الرجل إِذْ لم يكن مُطَاوع طلق
والمطاوع قِسْمَانِ: قسم يجوز تخلفه وَذَا فِيمَا يتخلله الِاخْتِيَار كالأمر مَعَ الائتمار وَقسم لَا يجوز ذَلِك وَذَا فِيمَا لَا يتخلله الِاخْتِيَار كالكسر مَعَ الانكسار فَلَا يُقَال كَسرته فَلم ينكسر إِلَّا مجَازًا على معنى أردْت كَسره فَلم ينكسر وكل من الثلاثي والمزيد فِيهِ مِمَّا يتَعَدَّى وَمِمَّا لَا يتَعَدَّى فالمتعدي من الْمَزِيد فِيهِ لنقل لَازم الثلاثي ك (أَوَى) مثلا بِالْمدِّ وَالْقصر، لِأَن كلا مِنْهُمَا يَجِيء مُتَعَدِّيا وقاصرا، لَكِن الْقصر فِي اللَّازِم وَالْمدّ فِي الْمُتَعَدِّي أشهر نَحْو ﴿أَرَأَيْت إِذْ أوينا إِلَى الصَّخْرَة﴾ ، ﴿سآوي إِلَى جبل﴾ ، ﴿وآويناهما إِلَى ربوة﴾
والمتعدي من الْمَمْدُود لنقل لَازم الْمَقْصُور
وَهَكَذَا الشَّأْن فِي (أجلى) اللَّازِم فَإِنَّهُ مَنْقُول من (جلا) اللَّازِم ك (أجلى) الْمُتَعَدِّي كي يُفِيد فَائِدَة التَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة وَلَو كَانَ مَنْقُولًا من المتعدى لَكَانَ الزَّائِد فِي اللَّفْظ نَاقِصا فِي الْمَعْنى وَكَذَا الْقيَاس فِي أضرابه
وَالْحَاصِل أَن الثلاثي مَتى كَانَ مُتَعَدِّيا ولازما يكون الْمَزِيد فِيهِ مَنْقُولًا من اللَّازِم، سَوَاء كَانَ لَازِما أَو مُتَعَدِّيا، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا إِلَى اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يكون مَنْقُولًا من الْمُتَعَدِّي حتما، إِذْ اللَّام لَا يتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ إِلَى مفعولين
والحروف الَّتِي يتَعَدَّى بهَا الْفِعْل سَبْعَة: الْبَاء: وَهِي أصل فِي تَعديَة جَمِيع الْأَفْعَال اللَّازِمَة، وَاللَّام، وَفِي، وَمن، وَعَن، وَإِلَى، وعَلى، وَهَذِه السَّبْعَة تسمع وَلَا يُقَاس عَلَيْهَا
وَإِذا كَانَ تعلق الْفِعْل بالمفعول ظَاهرا لَا يعدى إِلَيْهِ بِحرف الْجَرّ فَلَا يُقَال: ضربت بزيد، بل يُقَال: ضربت زيدا
وَإِذا كَانَ فِي غَايَة الخفاء لَا يعدى إِلَيْهِ إِلَّا بِحرف فَلَا يُقَال: ذهبت زيدا، بل يُقَال: ذهبت بزيد
стр. 797
وَإِذا كَانَ التَّعَلُّق بَين الْأَمريْنِ جَازَ الْوَجْهَانِ
فَيُقَال: سميته وَسميت بِهِ، وشكرته وشكرت لَهُ
وَقد يَجْعَل الْمُتَعَدِّي لَازِما كالغرائز اللَّازِمَة بِنَقْل بَابه إِلَى بَاب (كرم) ، فَإِنَّهُ بَاب مَوْضُوع للغرائز وَنَحْوهَا من الملكات الراسخة كالكرم والجود
كَمَا يَجْعَل اللَّازِم مُتَعَدِّيا فِي المغالبة بنقله إِلَى بَاب (فعلته) نَحْو: كارمني فكرمته، بِفَتْح الرَّاء
والتعدية بِالْهَمْزَةِ أولى من التَّعْدِيَة بِالْبَاء من حَيْثُ اللَّفْظ، وَذَلِكَ لِأَن الْبَاء من حُرُوف الْمعَانِي، وَهِي كلمة على حيالها، مُنْفَصِلَة عَمَّا عدي بهَا، مُتَّصِلَة بمدخولها، دَالَّة على معنى التَّعَدِّي، لَهَا أثر لَفْظِي وَهُوَ الْجَرّ، وَأثر معنوي وَهُوَ إِيصَال متعلقها بِأَن تغير مَعْنَاهُ إِلَى مدخولها
والتعدية بِالْهَمْزَةِ أخصر، لِأَن الْهمزَة من حُرُوف المباني كألف (ضَارب) ، فَأذْهب مثلا كلمة وَاحِدَة حَقِيقَة، فالمجموع دَال على الْمَعْنى، فَكَانَت أولى لفظا من التَّعْدِيَة بِالْبَاء وَأما معنى فقد قيل: إِن التَّعْدِيَة بِالْبَاء أولى لكَونهَا أبلغ لما فِيهَا من معنى المصاحبة بِخِلَاف التَّعْدِيَة بِالْهَمْزَةِ فَإِنَّهَا يجوز فِيهَا المصاحبة وضدها وَإِسْقَاط الْهمزَة فِي (أكب) وَأَمْثَاله من أَسبَاب التَّعْدِيَة، وإسقاطها فِي نَحْو (أذهبته) من أَسبَاب اللُّزُوم (وَاخْتلف فِيمَا كَانَ فَاعِلا للْفِعْل قبل الْهمزَة يصير مَفْعُولا أَولا بِسَبَبِهَا أَو ثَانِيًا، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه الأول)
وَمَفْهُوم الْفِعْل اللَّازِم الْحَدث وَنسبَة إِلَى الْفَاعِل وَنسبَة إِلَى الزَّمَان وَمَفْهُوم الْمُتَعَدِّي الْحَدث ونسبته إِلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَالزَّمَان، فَيكون مَفْهُوم اللَّازِم الْحَدث مَعَ نِسْبَة ذَلِك الْحَدث إِلَى الشَّيْئَيْنِ، وَمَفْهُوم الْمُتَعَدِّي الْحَدث مَعَ نِسْبَة إِلَى ثَلَاثَة أَشْيَاء
والتعدية قد تكون بِحَسب الْمَعْنى فيختلف حَالهَا ثبوتا وعدما باخْتلَاف الْمَعْنى، وَإِن اتَّحد اللَّفْظ كأظلم وأضاء
وَقد تكون بِحَسب اللَّفْظ فيختلف حَالهَا باخْتلَاف اللَّفْظ وَإِن اتّفق الْمَعْنى وَأما الصِّلَة فَلَا تكون إِلَّا بِحَسب الْمَعْنى، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا من تَوَابِع الْمَعْنى ومتمماته، فَإِن الْبَاء مثلا فِي قَوْلك: (مَرَرْت بزيد) من تَمام معنى الْمُرُور، فَإِنَّهُ قَاصِر عَن معنى الْجَوَاز، فينجبر ذَلِك النُّقْصَان بِزِيَادَة الْبَاء
والمتعدي بِنَفسِهِ إِذا قرن بِحرف الْجَرّ يوجهونه تَارَة بِالْحملِ على الزِّيَادَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ وَأُخْرَى بِالْحملِ على التَّضْمِين كَمَا فِي قَوْله: ﴿أذاعوا بِهِ﴾ ﴿وَأصْلح لي فِي ذريتي﴾
وَالْفِعْل اللَّازِم يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول بالتضمين، وَلذَلِك عدي (رحب) لتضمين معنى (وسع)
وَالْأَفْعَال مُطلقًا بِاعْتِبَار الْمَعْنى على نَوْعَيْنِ: مُتَعَدٍّ ولازم، وكل مِنْهُمَا على قسمَيْنِ: مُتَعَدٍّ بِالْوَضْعِ الشخصي، ومتعد بِالْوَضْعِ النوعي وَاللَّازِم كَذَلِك والشخصي من الْمُتَعَدِّي وَاللَّازِم لَا يتَوَقَّف على غير الْوَاضِع بِخِلَاف النوعي مِنْهُمَا إِذْ هما يحتاجان إِلَى الْأَسْبَاب الوجودية والعدمية
وَالْأَفْعَال إِمَّا خَاصَّة وَإِمَّا عَامَّة، فالخاصة مثل: قَامَ، وَقعد، وَخرج فِي اللَّازِم وَأكل، وَشرب، وَضرب فِي الْمُتَعَدِّي والعامة مثل: فعل،
стр. 798
وَعمل، وصنع فَإِذا سئلنا عَن الْأَفْعَال الْعَامَّة هَل هِيَ متعدية أَو لَازِمَة لم يجز لنا إِطْلَاق القَوْل بِوَاحِد من الْأَمريْنِ لِأَنَّهَا أَعم، والأعم من شَيْئَيْنِ لَا يصدق عَلَيْهِ وَاحِد، فَإِن الْأَعَمّ يصدق على الْأَخَص بِلَا عكس، وَإِنَّمَا يَصح أَن يُقَال ذَلِك عَلَيْهَا بطرِيق الإهمال الَّذِي هُوَ فِي قُوَّة جزئي فَمَتَى وجد فِي كَلَام أحد من الْفُضَلَاء مثلا أَن (عمل) متعدية وَجب حمله على ذَلِك، وَأَن مُرَاده أَنَّهَا قد تكون متعدية. وَكَذَا إِذا قيل: إِنَّهَا لَازِمَة أَو غير متعدية أُرِيد بِهِ اللُّزُوم، كَمَا هُوَ غَالب الِاصْطِلَاح وَوجه الْفرق بَينهمَا أَن تعدِي الْفِعْل إِلَى الْمَفْعُول وُصُول مَعْنَاهُ إِلَيْهِ، فالضرب مثلا تَعديَة بوصول الضَّرْب إِلَى الْمَضْرُوب، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الضَّارِب مؤثرا فِي ذَات الْمَضْرُوب، أَعنِي موجدا لَهَا وَعمل مثلا تَعديَة بوصول مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْعَمَل
وَالْعَمَل معنى عَام فِي الذَّات وصفاتها، فَلذَلِك اقْتضى الْعُمُوم وإيجاد الْمَعْمُول حَتَّى يقوم دَلِيل على خِلَافه، فمثار الْفرق إِنَّمَا هُوَ من مَعَاني الْأَفْعَال ووصولها إِلَى الْمَفْعُول
وَإِذا كَانَ الْفِعْل يتَعَدَّى تَارَة بِحرف الْجَرّ وَتارَة بِنَفسِهِ وحرف الْجَرّ لَيْسَ بزائد فَلَا يجوز فِي تَابعه إِلَّا الْمُوَافقَة فِي الْإِعْرَاب
وَإِذا تعدى الْفِعْل بِحرف الْجَرّ لم يجز حذفه إِلَّا إِذا كَانَ الْمَجْرُور (أَن) و (أَن) المصدريتين فَحَذفهُ إِذن جَائِز باطراد، فَلَا يجوز حذفه مَعَ غَيرهمَا إِلَّا سَمَاعا
والنحويون إِذا أطْلقُوا الْمُتَعَدِّي أَرَادوا بِهِ الناصب للْمَفْعُول بِهِ، وان لم يُرِيدُوا ذَلِك قيدوه بقَوْلهمْ: مُتَعَدٍّ بِحرف الْجَرّ، ومتعد إِلَى الْمصدر، ومتعد إِلَى الظّرْف وَمَا هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مفعول وَاحِد قد يكون لَازِما بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين للزومه على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول الْوَاحِد وَعدم تعديه إِلَى الْمَفْعُول الآخر فيصلح أَن يكون لَازِما أَي مطاوعا لما هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين؛ كَمَا يُقَال: عَلمته الْقُرْآن فتعلمه
وكل فعل حسن إِلْحَاق المكنى بِآخِرهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ نَحْو: (منعته، وضربتك، وَمَنَعَنِي) وَمَا أشبه ذَلِك
وَإِن لم يحسن الْإِلْحَاق فَهُوَ لَازم نَحْو: ذهب، وَقعد
وَمن الْأَفْعَال أبنية لَازِمَة لَا يتَعَدَّى مِنْهَا شَيْء، وَهِي مَا جَاءَ على وزن كرم وَعز، وَصَحَّ من بَاب التَّضْعِيف وحور يحور، وَعين بِعَين، من الأجوف الَّذِي جَاءَ على التَّمام وَمَا جَاءَ على انفعل ينفعل فَهَذِهِ سِتَّة أبنية كلهَا لَازم لَا يتَعَدَّى مِنْهُ شَيْء وَسَائِر الْأَبْنِيَة المتشعبة تتعدى وَتلْزم وأبواب الرباعي كلهَا متعدية إِلَّا دربخ
وأبواب الخماسي كلهَا لَازِمَة إِلَّا افتعل وَتفعل، وتفاعل، فَإِنَّهَا مُشْتَركَة بَين اللَّازِم والمتعدي
وأبواب السداسي كلهَا لَازِمَة أَيْضا إِلَّا (استفعل) فَإِنَّهُ مُشْتَرك
وأفعال الْحَواس الْخمس كلهَا متعدية لِأَنَّهَا وضعت للإدراك، وكل وَاحِد مِنْهَا يَقْتَضِي مَفْعُولا تَقْتَضِيه تِلْكَ الحاسة
وَأَسْمَاء الْأَفْعَال لَهَا فِي التَّعَدِّي واللزوم حكم الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ بمعناها، إِلَّا أَن الْبَاء تزاد فِي مفعولها كثيرا نَحْو: (عَلَيْك بِهِ) لِضعْفِهَا فِي الْعَمَل، فتعدى بِحرف عَادَته إِيصَال اللَّازِم إِلَى الْمَفْعُول
[وكل شَيْء يبْعَث بِنَفسِهِ فالفعل يتَعَدَّى إِلَيْهِ بِنَفسِهِ فَيُقَال: بعثته وكل شَيْء لَا يبْعَث بِنَفسِهِ كالكتاب
стр. 799
والهدية فالفعل] يتَعَدَّى إِلَيْهِ بِالْبَاء فَيُقَال: بعثت بِهِ
كل مصدر ثني لقصد التكثير وأضيف إِلَى الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول يجب حذف الْعَامِل فِيهِ
كل مصدر ثني لقصد التكثير وأضيف إِلَى الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول يجب حذف الْعَامِل فِيهِ قيل: لم يَأْتِ فِي الْقُرْآن شَيْء من المصادر الْمعرفَة بِاللَّامِ عَاملا فِي فَاعل أَو مفعول صَرِيح، بل قد جَاءَ عَاملا بِحرف الْجَرّ نَحْو: ﴿لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء﴾
وكل بِنَاء من المصادر على وزن (فعلان) بِفَتْح الْعين فَإِنَّهُ لم يَتَعَدَّ فعله إِلَّا إِن شَذَّ شَيْء كالشنآن لِأَن فعله مُتَعَدٍّ
وكل مصدر مُتَعَدٍّ إِذا اعْتبر للْمَجْهُول يكون بِمَعْنى مطاوعه، كَمَا أَن المكسورية والانكسار الْحَاصِل من الْكسر شَيْء وَاحِد
وكل مصدر يتَعَدَّى بِحرف من الْحُرُوف الجارة يجوز جعل ذَلِك الْجَار خَبرا عَن ذَلِك الْمصدر، مثبتا كَانَ أَو منفيا، كَمَا يُقَال: (الاتكال عَلَيْك) ، و (إِلَيْك الْمصير) ، و (مِنْك الْخَوْف) ، و (بك الِاسْتِعَانَة) ، و (مَا عَلَيْك الْمعول) ، و (لَيْسَ بك الالتجاء) ، وَمِنْه: ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم﴾ وَلَا يجوز مثل ذَلِك فِي اسْم الْفَاعِل فَلَا تَقول: (بك مار عَليّ) ، إِن (بك) خبر عَن (مار)
وكل مصدر من الْفِعْل الْمُتَعَدِّي فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُضَاف إِلَى الْفَاعِل وَيذكر الْمَفْعُول مَنْصُوبًا نَحْو: (عجبت من ضرب زيد عمرا) أَو يُضَاف إِلَى الْفَاعِل وَيتْرك الْمَفْعُول نَحْو: (أعجبني ضرب زيد) أَو يُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَيذكر الْفَاعِل مَرْفُوعا نَحْو: (عجبت من ضرب اللص الجلاد) أَو يُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَيتْرك الْفَاعِل كَقَوْلِه ﵊: " يسْتَحبّ تبريد الصَّلَاة فِي الصَّيف " أَي: تبريد الْمُصَلِّي إِيَّاهَا
والمصدر إِذا كَانَ مَنْسُوبا إِلَى فَاعله يُزَاد فِيهِ (من) بِخِلَاف الْمصدر الْمَنْسُوب إِلَى مَفْعُوله
والمصدر قسم وَاحِد، وَهُوَ أَن يُضَاف إِلَى الْفَاعِل نَحْو: (جِئْت بعد ذهَاب زيد) فَهَذِهِ الإضافات كلهَا منسوبة مفيدة للتعريف، إِلَّا إِذا كَانَ الْمصدر بِمَعْنى الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول فَحِينَئِذٍ تكون إِضَافَته لفظية كإضافتهما
وكل مصدر كَانَ على مِثَال (فعيلى) فَهُوَ مَقْصُور لَا يمد وَلَا يكْتب بِالْألف ك (الحطيطى) و (الرديدى)
وكل مصدر دخل فِيهِ الْفَاء وَهُوَ مُضَاف يكون مَعْنَاهُ أمرا نَحْو: ﴿فَضرب الرّقاب﴾ ، ﴿فنظرة إِلَى ميسرَة﴾
وَلم يَأْتِ فِي الْقُرْآن مصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَالْفَاعِل مَعَه مَذْكُور
والمصدر يدل على فعله الْمُشْتَقّ، فَفِيمَا إِذا قَالَ: لي عَلَيْك حق فَقَالَ: حَقًا فَهُوَ إِقْرَار يكون التَّقْدِير: حققت فِيمَا قلته حَقًا وَكَذَا لَو قَالَ: الْحق، مُعَرفا أَي: قلت القَوْل الْحق، أَو ادعيت الْحق، أَو قَوْلك الْحق، أَو مَا قلته أَو ادعيته الْحق، لِأَن هَذَا اللَّفْظ وَأَمْثَاله يسْتَعْمل للتصديق عرفا من غير فصل، وَلَا فرق بَين الرّفْع وَالنّصب والإبهام على الْأَصَح وَكَذَلِكَ لَو كرر الْمصدر مُعَرفا أَو
стр. 800
مُنْكرا للتَّأْكِيد بِخِلَاف الْحق حق، والصدق صدق، وَالْيَقِين يَقِين، لِأَنَّهُ كَلَام تَامّ بِنَفسِهِ خلاف الْمُعَرّف وَالْمُنكر والمكرر مِنْهُمَا، إِذْ لَا اسْتِقْلَال لكل مِنْهُمَا بِنَفسِهِ فِي تِلْكَ الصُّور، فَلَا بُد هُنَاكَ من الرَّبْط بِكَلَام الْمُدَّعِي
[وَالرَّفْع فِي بَاب المصادر الَّتِي أَصْلهَا النِّيَابَة عَن أفعالها يدل على الثُّبُوت والاستقرار بِخِلَاف النصب فَلَا يدل على التجدد والحدوث الْمُسْتَفَاد من عَامله الَّذِي هُوَ الْفِعْل فَإِنَّهُ مَوْضُوع للدلالة عَلَيْهِ بِخِلَاف الْجُمْلَة الإسمية فَإِنَّهَا مَوْضُوعَة للدلالة على مُجَرّد الثُّبُوت مُجَردا عَن قيد التجدد والحدوث فَنَاسَبَ أَن يقْصد بهَا الدَّوَام والثبات بِقَرِينَة الْمقَام ومعونته]
(والمصادر الَّتِي اسْتعْملت فِي دُعَاء الْإِنْسَان أَو عَلَيْهِ، أَو هِيَ صَالِحَة لذَلِك كلهَا مَنْصُوبَة بإضمار فعل لَا يظْهر، لِأَنَّهَا صَارَت عوضا عَن الْفِعْل الناصب لَهَا كهنيئا ومريئا، وكرامة، ومسرة وَسُحْقًا وبعدا، ونكسا وتعسا، وَمَا أشبه ذَلِك)
والمصادر الَّتِي لم يَأْتِ بعْدهَا مَا ببينها ويعين مَا تعلّقت بِهِ من فَاعل أَو مفعول لَيست مِمَّا يجب حذف فعله بل يجوز نَحْو: (سقاك الله سقيا) ، (ورعاك الله رعيا) وَأما مَا يبين فَاعله بِالْإِضَافَة نَحْو: (كتاب الله) ، و (صبغة الله) ، و (سنة الله)
أويبين فَاعله بِحرف الْجَرّ نَحْو: (بؤسا لَك، وَسُحْقًا لَك)
أَو يبين مَفْعُوله بِحرف الْجَرّ نَحْو: (غفرا لَك) ، (وعجبا مِنْك) ، (وشكرا لَك) فَيجب حذف الْفِعْل فِي هَذِه الصُّور قِيَاسا
والمصدر بِمَعْنى الْمَاضِي مثل: تعسا
وَبِمَعْنى الْمُسْتَقْبل مثل: معَاذ الله
وَبِمَعْنى اسْم الْفَاعِل مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ماؤكم غورا﴾
وَبِمَعْنى الْمَفْعُول مثل: ﴿هَذَا خلق الله﴾
وَبِمَعْنى الْأَمر مثل: ﴿فَضرب الرّقاب﴾
وَقد يَأْتِي على زنة الْمَفْعُول كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ويدخلكم مدخلًا كَرِيمًا﴾ أَي: إدخالا كَرِيمًا
وَقد جَاءَ على وَزنه (فاعلة) فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن كالخائنة وَالْعَاقبَة والكاذبة والكاشفة واللاغية
والمصدر من الثلاثي الْمُجَرّد للْمُبَالَغَة قِيَاسه فتح التَّاء ك (التعداد والتهداد) وَأما (التِّبْيَان) ، بِالْكَسْرِ فقد حُكيَ عَن سِيبَوَيْهٍ أَنه قَائِم مقَام الْمصدر ك (الثَّبَات وَالعطَاء) ، وَلَيْسَ بمصدر الْمُبَالغَة ك (التّكْرَار، والتذكار)
وَقِيَاس الْمصدر الميمي واسمي الزَّمَان وَالْمَكَان من الثلاثي الْمُجَرّد ينْحَصر فِي وزنين مفعل، بِالْكَسْرِ [وَهُوَ لمصدر الْفِعْل الواوي الْمَحْذُوف فاؤه فِي مستقبله، وللزمان وَالْمَكَان من الْمِثَال الواوي، وَمن (مفعل) بِالْكَسْرِ] ، إِذا لم يكن معتل اللَّام و (مفعل) ، بِالْفَتْح وَهُوَ لغير مَا ذكر جَمِيعًا
(وَالْأَصْل وَالْغَالِب فِي أوزان مصَادر الْأَفْعَال الثلاثية) أَن (فعل) مَتى كَانَ مَفْتُوح الْعين كَانَ
стр. 801
مصدره على وزن (فعل) إِن كَانَ مُتَعَدِّيا، و (فعول) إِن كَانَ لَازِما
وَمَتى كَانَ (فعل) ، مكسور الْعين، وَيفْعل مَفْتُوح الْعين كَانَ مصدره على وزن (فعل) بِالْكَسْرِ والسكون إِن كَانَ مُتَعَدِّيا، و (فعل) بِفتْحَتَيْنِ إِن كَانَ لَازِما
وَمَتى كَانَ (فعل) مضموم الْعين كَانَ مصدره على وزن (فعالة) ، بِالْفَتْح، أَو (فعولة) ، بِالضَّمِّ، أَو (فعل) بِكَسْر الْفَاء وَفتح الْعين وَهَذَا هُوَ الْقيَاس فِي الْكل، وَأما المصادر السماعية فَلَا طَرِيق لضبطها إِلَّا السماع وَالْحِفْظ، وَالسَّمَاع مقدم على الْقيَاس
والمصدر كَمَا يكون من الْفِعْل الْمَعْلُوم يَجِيء أَيْضا من الْفِعْل الْمَجْهُول يُقَال: ضرب زيد ضربا وَقد صرح صَاحب " الْكَشَّاف " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ فَإِن الْمَعْنى على تَشْبِيه محبوبية الْأَصْنَام من جهتهم بمحبوبية الله من جِهَة الْمُؤمنِينَ، إِذْ لَا دلَالَة فِي الْكَلَام على الْفَاعِل، أَعنِي الْمُؤمنِينَ وَصرح بِهِ العلامتان السعد وَالسَّيِّد رحمهمَا الله
وَلَفظ الْمصدر قد يسْتَعْمل فِي أصل مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْأَمر النسبي وَقد يسْتَعْمل فِي الْهَيْئَة الْحَاصِلَة للْفَاعِل بِسَبَب تعلق الْمَعْنى المصدري بِهِ فَيُقَال حِينَئِذٍ إِنَّه مصدر من الْمَبْنِيّ للْفَاعِل وَقد يسْتَعْمل فِي الْهَيْئَة الْحَاصِلَة للْمَفْعُول بِسَبَب تعلقه بِهِ، فَيُقَال حِينَئِذٍ إِنَّه مصدر من الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول وَقَالَ بَعضهم: كَيْفيَّة الْمصدر تطلق حَقِيقَة على كَون الذَّات بِحَيْثُ صدر عَنْهَا الْحَدث، وَبِهَذَا الِاعْتِبَار يُسمى الْمَبْنِيّ للْفَاعِل، وعَلى كَونهَا وَقع عَلَيْهَا الْحَدث، وَبِهَذَا الِاعْتِبَار يُسمى الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ الْمَفْعُول الْمُطلق، وَصِيغَة الْمصدر مُشْتَركَة بَين الْمصدر الْمَبْنِيّ للْفَاعِل وَبَين الْمصدر الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول وَبَين الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ، فالفاعل إِذا صدر مِنْهُ الْمُتَعَدِّي لَا بُد هُنَاكَ من حُصُول أثر حسي أَو معنوي نَاشِئ من الْفَاعِل بِلَا وَاسِطَة وَاقع على الْمَفْعُول من الْفَاعِل، أَو غَيره قَائِم من حَيْثُ الصُّدُور بالفاعل، وَمن حَيْثُ الْوُقُوع بالمفعول، فَإِذا نظرت إِلَى قيام ذَلِك الْأَثر بِذَات الْفَاعِل ولاحظت كَون الذَّات بِحَيْثُ قَامَ بِهِ كَانَ ذَلِك الْكَوْن مَا يعبر عَنهُ بِالْمَصْدَرِ الْمَبْنِيّ للْفَاعِل، وَإِذا نظرت إِلَى وُقُوعه على الْمَفْعُول، ولاحظت كَون الذَّات بِحَيْثُ وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل كَانَ ذَلِك الْكَوْن مَا يعبر عَنهُ بِالْمَصْدَرِ الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول، وَإِذا نظرت إِلَى عين ذَلِك الْأَثر كَانَ ذَلِك الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ
والمصدر نَوْعَانِ: غير مُشْتَقّ كالضرب، ومشتق من الْأَسْمَاء الجامدة كالتحجر من الْحجر وَلَا بُد أَن يكون مَعْنَاهُ مُشْتَمِلًا على معنى ذَلِك الِاسْم الجامد
والمصدر هُوَ الَّذِي لَهُ فعل يجْرِي عَلَيْهِ كالانطلاق فِي انْطلق
وَاسم الْمصدر هُوَ اسْم لِمَعْنى وَلَيْسَ لَهُ فعل يجْرِي عَلَيْهِ كالقهقرى، إِذْ لَا فرع لَهُ يجْرِي عَلَيْهِ من لَفظه
وَقد يَقُولُونَ: مصدر وَاسم مصدر فِي الشَّيْئَيْنِ المتقاربين (لفظا، أَحدهمَا للْفِعْل، وَالْآخر للآلة الَّتِي يسْتَعْمل بهَا الْفِعْل كالطهور وَالطهُور
стр. 802
وَالْأكل وَالْأكل، بِالْفَتْح وَالضَّم)
وَقيل: الْمصدر مَوْضُوع الحَدِيث من حَيْثُ اعْتِبَار تعلقه بالمنسوب إِلَيْهِ على وَجه الْإِبْهَام، وَلِهَذَا يَقْتَضِي الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَيحْتَاج إِلَى تعيينهما فِي اسْتِعْمَاله
وَاسم الْمصدر مَوْضُوع لنَفس الْحَدث من حَيْثُ هُوَ بِلَا اعْتِبَار تعلقه بالمنسوب إِلَيْهِ فِي الْمَوْضُوع لَهُ وَإِن كَانَ لَهُ تعلق فِي الْوَاقِع، وَلذَلِك لَا يَقْتَضِي الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَلَا يحْتَاج إِلَى تعيينهما
وَقيل: الْفِعْل مَعَ مُلَاحظَة تعلقه بالفاعل يُسمى مصدرا، وَمَعَ ملاحظته بالأثر الْمُتَرَتب عَلَيْهِ يُسمى اسْم الْمصدر وَالْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ
وَقَالَ بَعضهم صِيغ المصادر تسْتَعْمل إِمَّا فِي أصل النِّسْبَة وَيُسمى مصدرا، وَإِمَّا فِي الْهَيْئَة الْحَاصِلَة بهَا للتعلق، معنوية كَانَت أَو حسية كَهَيئَةِ التحركية الْحَاصِلَة من الْحَرَكَة فيسمى الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ
وَالْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ قد يُسمى أَيْضا مصدرا أَشَارَ إِلَيْهِ التَّفْتَازَانِيّ فِي " التَّلْوِيح "
(وَقَالَ الشَّيْخ بدر الدّين بن مَالك: اعْلَم أَن اسْم الْمَعْنى الصَّادِر عَن الْفَاعِل ك (الضَّرْب) أَو الْقَائِم بِذَاتِهِ ك (الْعلم) يَنْقَسِم إِلَى مصدر وَاسم مصدر، فَإِن كَانَ أَوله ميما مزيدة وَهِي لغير مفاعلة كالمضرب والمحمدة أَو كَانَ لغير الثلاثي كالغسل وَالْوُضُوء فَهُوَ اسْم الْمصدر، وَإِلَّا فَهُوَ الْمصدر، فعلى هَذَا المعجزة اسْم للمصدر الَّذِي هُوَ الْعَجز)
والمصدر لَا يكون مقول القَوْل
وَعبارَة " الْكَشَّاف " الْعِبَادَة لَا تقال وَعبارَة ابْن الْمُنِير: لم تقل الْعِبَادَة
والمصدر الْمُعَرّف بِاللَّامِ وَإِن جَازَ عمله فِي الظّرْف بِلَا تَأْوِيله بِالْفِعْلِ لَكِن إِنَّمَا يجوز فِيمَا إِذا لم يَتَخَلَّل بَينهمَا فاصل كَمَا فِي قَوْلك: نَوَيْت الْخُرُوج يَوْم الْجُمُعَة وَأما إِذا تخَلّل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أَيَّامًا معدودات﴾ فَلَا يجوز بِنَاء على أَن الْمصدر عَامل ضَعِيف لَا سِيمَا إِذا أسْند تَأْوِيله بِالْفِعْلِ بِدُخُول لَام التَّعْرِيف عَلَيْهِ، فَلَا تسري قوته إِلَى مَا وَرَاء الْفَاصِل، لَكِن المظنون من كَلِمَات النُّحَاة جَوَاز عمله فِي الظروف الْمُتَقَدّمَة للاتساع فِيهَا ولوجود رَائِحَة الْفِعْل فِي المصادر، وَكَذَا جوزوا عمله فِي الظروف الْمُتَأَخِّرَة وَلَو تخَلّل بَينهمَا فاصل، لأَنهم وَسعوا فِي الظروف مَا لم يوسعوا فِي غَيرهَا مثل أَنهم لم يجوزوا تَقْدِيم مَعْمُول الْمصدر عَلَيْهِ إِذا لم يكن ظرفا كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي بحث الظروف
وَقَالَ بَعضهم: الْمصدر إِذا كَانَ بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل أَو اسْم الْمَفْعُول جَازَ تَقْدِيم معموله عَلَيْهِ
والمصدر إِذا أخبر عَنهُ لَا يعْمل بعد الْخَبَر، وَكَذَا لَا يعْمل إِذا جمع وَإِذا قصد بِهِ الْأَنْوَاع جَازَ تثنيته وَجمعه، وَالْمُنَاسِب مَعَ ذَلِك إِيرَاد مُفْرد نظرا إِلَى رِعَايَة الْقَاعِدَة الْمَشْهُورَة، وَهِي فِيمَا إِذا كَانَ الْمصدر للتَّأْكِيد وَكَانَ الْقَصْد إِلَى الْمَاهِيّة وَعدم تثنيته وَجمعه، لَا لكَونه اسْم جنس، بل لكَونه دَالا على الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَإِلَّا كَانَ الأَصْل فِي اسْم الْجِنْس أَن لَا يثنى وَلَا يجمع، وَلم يقل بِهِ أحد
стр. 803
وَيجوز جمع المصادر وتثنيتها إِذا كَانَ فِي آخرهَا تَاء التَّأْنِيث كالتلاوات والتلاوتين، أَو يؤول بالحاصل بِالْمَصْدَرِ، فَيجمع كالعلوم والبيوع، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وتظنون بِاللَّه الظنونا﴾ وَكَذَا يجمع إِذا أُرِيد بِهِ الصّفة أَو الِاسْم، وَكِلَاهُمَا شَائِع كالتسبيحات
وَمن المصادر مَا يَجِيء مثنى، وَالْمرَاد التكثير لَا حَقِيقَة التَّثْنِيَة، وَإِنَّمَا جعلت التَّثْنِيَة علما لذَلِك لِأَنَّهَا أول تَضْعِيف الْعدَد وتكثيره من ذَلِك (لبيْك) وَهُوَ عِنْد سِيبَوَيْهٍ مصدر مثنى مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَلم يسْتَعْمل لَهُ مُفْرد، و (سعديك) وَقد اسْتعْمل لَهُ مُفْرد وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول أَيْضا، وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعْطُوفًا على (لبيْك) و (حذاريك) ، بِفَتْح الْمُهْملَة أَي: احذر حذرا بعد حذر، وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْفَاعِل، وَقد اسْتعْمل لَهُ مُفْرد و (حنانيك) ، وَقد اسْتعْمل لَهُ مُفْرد أَيْضا
﴿وَحَنَانًا من لدنا﴾ أَي: رَحْمَة
ودواليك: أَي إدالة بعد إدالة وَلم يسْتَعْمل لَهُ مُفْرد، فَكَأَنَّهُ تَثْنِيَة (دوال) ، كَمَا أَن حواليك تَثْنِيَة (حوال)
وَإِذا كَانَ الْمصدر مُسْتَعْملا فِي معنى اسْم الْمَفْعُول فالمعهود اسْتِعْمَاله، بِغَيْر التَّاء كَقَوْلِهِم للمخلوق خلق، وللمنسوج نسج، وَلذَلِك قَلما يُوجد فِي عِبَارَات القدماء اللَّفْظَة بل اللَّفْظ
ومعمول الْمصدر كالصلة فَلَا يجوز الْفَصْل بَينه وَبَين معموله بأجنبي
والمصدر إِذا كَانَت فِيهِ تَاء الْوحدَة يشبه الجوامد مثل: تَمْرَة ونخلة، فيضعف مشابهته للْفِعْل فَلَا يعْمل
وَقَالَ بَعضهم: الْمصدر الْمَحْدُود بتاء التَّأْنِيث لَا يعْمل إِلَّا فِي قَلِيل من كَلَامهم
والمبني على التَّاء يعْمل كَقَوْلِه:
(فلولا رَجَاء النَّصْر مِنْك وَرَهْبَة ... عقابك قد كَانُوا لنا بالموارد)
فأعمل (رهبة) لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على التَّاء، وَشرط عمله أَن لَا يكون مَفْعُولا مُطلقًا، وَإِذا وصف بِهِ اسْتَوَى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْوَاحد وَغَيره، ونصوا على أَن الْمصدر المنسبك من أَن وَالْفِعْل لَا ينعَت كالضمير، فَلَا يُقَال: (أعجبني أَن تخرج السَّرِيع) ، وَلَا فرق بَين هَذَا وَبَين بَاقِي الْحُرُوف المصدرية، (وَالرَّفْع فِي بَاب المصادر الَّتِي أَصْلهَا النِّيَابَة عَن أفعالها يدل على الثُّبُوت والاستقرار، بِخِلَاف النصب فَلَا يدل على التجدد، والحدوث الْمُسْتَفَاد من عَامله الَّذِي هُوَ الْفِعْل فَإِنَّهُ مَوْضُوع للدلالة عَلَيْهِ، بِخِلَاف الْجُمْلَة الاسمية فَإِنَّهَا مَوْضُوعَة للدلالة على الثُّبُوت مُجَردا عَن قيد التجدد والحدوث، فَنَاسَبَ أَن يقْصد بهَا الدَّوَام والثبات بِقَرِينَة الْمقَام ومعونته
والمصدر الْمُؤَكّد لَا يقْصد بِهِ الْجِنْس)
وكل مصدر عِنْد الْعَمَل مؤول بِأَن مَعَ الْفِعْل، لَكِن لَيْسَ على إِطْلَاقه، بل قد يكون عَاملا بِدُونِهِ
(قيل: التَّأْوِيل فِي تقدم مَعْمُول الْمصدر إِنَّمَا هُوَ فِي الْمصدر الْمُنكر دون الْمُعَرّف، وَهَذَا مَمْنُوع نقلا، فَإِن الْمَنْصُوص استواؤهما فِي التَّأْوِيل، وَإِنَّمَا اخْتلف فِي الإعمال، والمرجح استواؤهما أَيْضا فِي أَصله، وَإِن كَانَ إِعْمَال الْمُنكر أَكثر،
стр. 804
وَيجوز إِعْمَال الْمصدر الْمحلى بِاللَّامِ وَإِن كَانَ قَلِيلا)
والمصدر [لَا يقْصد بِهِ الْجِنْس و] قد يكون نفس الْمَفْعُول كَمَا فِي قَوْلنَا: خلق الله الْعَالم، إِذْ التغاير بَين الْخلق والعالم يسْتَلْزم قدم المغاير أَن كَانَ قَدِيما فَيلْزم من قدمه قدمه، وَإِن كَانَ حَادِثا فيفتقر خلقه إِلَى خلق آخر فيتسلسل
الْمُؤَنَّث: كل مَا كَانَ على فَاعل من صفة الْمُؤَنَّث مِمَّا لم يكن للمذكر فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِيهِ الْهَاء نَحْو: امْرَأَة عَاقِر، وحائض وطاهر من الْحيض لَا من الْعُيُوب إِذْ يُقَال فِيهَا طَاهِرَة كقاعدة من الْقعُود، وقاعد عَن الْحَبل
وكل مؤنث التَّاء حكمه أَن لَا تحذف التَّاء مِنْهُ إِذا ثني ك (تمرتان) ، وضاربتان) لِأَنَّهَا لَو حذفت الْتبس بتثنية الْمُذكر، وَيسْتَثْنى من ذَلِك لفظان (ألية) و (خصية) فَإِن أفْصح اللغتين وأشهرهما أَن يحذف مِنْهُمَا التَّاء فِي التَّثْنِيَة لأَنهم لم يَقُولُوا فِي الْمُفْرد (إِلَيّ) و (خصي)
وكل مَا تأنيثه لَيْسَ بحقيقي فتأنيثه وتذكيره جَائِز، تقدم الْفِعْل أَو تَأَخّر، وَهَذَا فِيمَا إِذا أسْند إِلَى الظَّاهِر، وَكَذَا فِي صُورَة الْفَصْل، إِلَّا إِذا كَانَ الْمُؤَنَّث الْحَقِيقِيّ مَنْقُولًا عَمَّا يغلب فِي أَسمَاء الذُّكُور ك (زيد) إِذا سميت بِهِ امْرَأَة، فَإِنَّهُ مَعَ الْفَصْل يجب إِثْبَات التَّاء، وَأما إِذا أسْند إِلَى الضَّمِير فالتذكير غير جَائِز لوُجُوب دفع الالتباس على مَا صرح بِهِ الرضي وَغَيره، [قَالَ الْفراء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قد كَانَ لكم آيَة فِي فئتين﴾ إِنَّمَا ذكر لِأَنَّهُ حَالَتْ الصّفة بَين الْفِعْل وَالِاسْم الْمُؤَنَّث، وكل مَا جَاءَ من هَذَا النَّوْع فَهَذَا وَجهه]
وَيجب أَن يسْتَثْنى من قَاعِدَة الْخِيَار فِي ظَاهر غير الْحَقِيقِيّ علم الْمُذكر مَعَ التَّاء نَحْو: (طَلْحَة) إِذْ لَا خِيَار فِيهِ، بل يجب تذكير الْفِعْل وَالْجمع بِالْألف وَالتَّاء، وَاسم جنس أُرِيد بِهِ مُذَكّر من أَفْرَاده فَإِنَّهُ يجب ترك التَّاء فِيهِ عِنْد ابْن السّكيت ليعلم أَن الْمسند إِلَيْهِ مُذَكّر من أَفْرَاده، وَبِهَذَا يتم اسْتِدْلَال أبي حنيفَة بِالْقُرْآنِ على أَن نملة سُلَيْمَان كَانَت أُنْثَى
وَكَذَا يجب أَن يسْتَثْنى من قَاعِدَة الْخِيَار أَيْضا فِي ظَاهر الْجمع غير جمع الْمُذكر السَّالِم، سَوَاء كَانَ واحده مؤنثا أَو مذكرا، (وَقد يتَرَجَّح أحد المتساويين فِي نفس الْأَمر مَعَ جَوَاز الآخر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا﴾ ، ﴿وَقَالَ نسْوَة﴾ تَنْزِيلا لَهُم منزلَة الْإِنَاث فِي نُقْصَان الْعقل، إِذْ لَو كملت عُقُولهمْ لدخل الْإِيمَان فِي قُلُوبهم، أَلا ترى النسْوَة لما وصفوا زليخا بالضلال الْمُبين وَذَلِكَ من شَأْن الْعقل التَّام نزلت منزلَة الذُّكُور بتجريد القَوْل من عَلامَة التَّأْنِيث) و (بنُون) كَمَا فِي: ﴿آمَنت بِهِ بَنو إِسْرَائِيل﴾ وَسَائِر الجموع بِالْوَاو وَالنُّون الَّتِي حَقّهَا أَن تجمع بِالْألف وَالتَّاء ك (أرضون) و (سنُون)
قَالَ الدماميني: قد كثر فِي الْكتاب الْعَزِيز الْإِتْيَان بالعلامة عِنْد الْإِسْنَاد إِلَى ظَاهر غير الْحَقِيقِيّ كَثْرَة
стр. 805
فَاحِشَة فَوَقع مِنْهُ ذَلِك مَا ينيف على مِائَتي مَوضِع، وَوَقع فِيهِ مِمَّا تركت فِيهِ الْعَلامَة فِي الصُّور الْمَذْكُورَة نَحْو خمسين موضعا، وأكثرية أحد الاستعمالين دَلِيل على أرجحيته
قَالَ الْفراء: وللمؤنث خمس عشرَة عَلامَة، ثَمَان فِي الْأَسْمَاء: الْهَاء، وَالْألف الممدودة والمقصورة، وتاء الْجمع فِي (الهندات) ، والكسرة فِي (أَنْت) ، وَالنُّون فِي (أنتن) و (هن) ، وَالتَّاء فِي (أُخْت) و (بنت) ، وَالْيَاء فِي (هذي)
وَأَرْبَعَة فِي الْأَفْعَال: التَّاء الساكنة فِي (قَامَت) ، وَالْيَاء فِي (تفعلين) ، والكسرة فِي (قُمْت) ، وَالنُّون فِي (فعلن)
وَثَلَاث فِي الأدوات: التَّاء فِي (ربة) ، و (ثمَّة) ، و (لات) ، وَالتَّاء فِي (هَيْهَات) وَالْهَاء وَالْألف فِي قَوْلك إِنَّهَا هِنْد
والمؤنث الْحَقِيقِيّ مَا بإزائه ذكر من الْحَيَوَان كامرأة وناقة
وَغير الْحَقِيقِيّ مَا لم يكن كَذَلِك، بل يتَعَلَّق بِالْوَضْعِ والاصطلاح كالظلمة وَغَيرهَا
وكل أَسمَاء الْأَجْنَاس يجوز فِيهَا التَّذْكِير حملا على الْجِنْس، والتأنيث حملا على الْجَمَاعَة نَحْو: ﴿أعجاز نخل خاوية﴾ ، و ﴿أعجاز نخل منقعر﴾ وكل اسْم جمع لآدَمِيّ فَإِنَّهُ يذكر وَيُؤَنث ك (الْقَوْم) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكذب بِهِ قَوْمك﴾ و ﴿كذبت قوم نوح﴾ وَأما لغير الْآدَمِيّ فلازم التَّأْنِيث وكل شَيْء لَيْسَ فِيهِ روح إِن شِئْت فَذكر وَإِن شِئْت فأنث
وكل مَا قرب من مَكَان أَو نسب فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث، قَالَ الزّجاج: وَالْفرق غلط
وكل جمع مؤنث إِلَّا مَا صَحَّ بِالْوَاو وَالنُّون فِيمَن يعلم، تَقول: جَاءَ الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَجَاءَت الرِّجَال وَالنِّسَاء
وَأَسْمَاء الجموع مُؤَنّثَة نَحْو: الْإِبِل وَالْغنم وَالْخَيْل والوحش وَالْعرب والعجم
وَكَذَا كل مَا بَينه وَبَين واحده تَاء أَو يَاء النِّسْبَة كتمر ونخل ورمان ورومي وبختي
وكل عُضْو زوج من أَعْضَاء الْإِنْسَان فَهُوَ مؤنث إِلَّا الخد وَالْجنب والحاجب
وكل عُضْو فَرد مِنْهَا فَهُوَ مُذَكّر إِلَّا الكبد والكرش وَالطحَال، لِأَن كل عُضْو فِي الْإِنْسَان أول اسْمه كَاف فَهُوَ مؤنث
وحروف المعجم كلهَا مُؤَنّثَة تَقول: هَذِه ألف قَائِمَة وجيم قَاعِدَة
والشهور كلهَا مذكرة إِلَّا جماديها
وَأَسْمَاء الْحَشْر كلهَا مُؤَنّثَة، وتأنيثها تَأْنِيث تهويل ومبالغة
وتذكير الْأَمْكِنَة وتأنيثها غير حَقِيقِيّ
والظروف كلهَا مذكرة إِلَّا (قُدَّام) و (وَرَاء) فَإِنَّهُمَا شَاذان، وَإِثْبَات التَّاء فِي تصغيرهما لإِزَالَة كَون (قُدَّام) بِمَعْنى الْملك، و (وَرَاء) بِمَعْنى ولد الْوَلَد، كَمَا أَنَّهُمَا بِمَعْنى الْجِهَة
وَلَا يقدر من جملَة عَلَامَات التَّأْنِيث إِلَّا التَّاء لِأَن
стр. 806
وَضعهَا على الْعرُوض والانفكاك، فَيجوز أَن تحذف لفظا وتقدر معنى بِخِلَاف الْألف
والأسنان كلهَا مُؤَنّثَة إِلَّا الأضراس والأنياب
والجمادات تؤنث من حَيْثُ إِنَّهَا ضاهت الْإِنَاث لانفعالها
وتأنيث الْحُرُوف إِنَّمَا يتَصَوَّر فِي حُرُوف المباني والمعاني لَا فِي لفظ الْحَرْف
قيل: حُرُوف الهجاء والحروف المعنوية نَحْو: فِي، وعَلى، وأشباههما مؤنثات سماعية
وَقيل: تَأْنِيث الْحُرُوف بِاعْتِبَار تَأْوِيل اللَّفْظَة أَو الْكَلِمَة
والتأنيث ثَلَاثَة أَقسَام: لَفْظِي ومعنوي مَعًا كَالْمَرْأَةِ، والناقة، وحبلى، وحمراء
ومعنوي فَقَط كهند، وَزَيْنَب وَهَذَانِ القسمان وَاجِبا التَّأْنِيث فِي إرجاع الضَّمِير وَإسْنَاد الْفِعْل
ولفظي فَقَط مثل: كلمة، وظلمة، وَحُمرَة، وَطَلْحَة، وَرجل عَلامَة، وحلة حَمْرَاء، وصخرة بَيْضَاء، وَدَعوى، وذكرى، وبشرى وَهَذَا الْقسم يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ بِاعْتِبَار اللَّفْظ وَالْمعْنَى، وَمن هَذَا الْقسم جَمِيع المؤنثات السماعية مثل: الشَّمْس، وَالنَّار، وَالدَّار، والنعل، وَالْعَقْرَب وَغَيرهَا فَإِن تأنيثها بِاعْتِبَار ألفاظها فَقَط دون مَعَانِيهَا
والتفرقة بَين الْمُذكر والمؤنث فِي الْأَسْمَاء غير الصِّفَات نَحْو: حمَار وحمارة غَرِيب
وَمَتى اجْتمع الْمُذكر والمؤنث غلب حكم الْمُذكر إِلَّا فِي موضِعين: أَحدهمَا: (ضبعان) حَيْثُ أجريت التَّثْنِيَة على لفظ الْمُؤَنَّث الَّذِي هُوَ (ضبع) لَا على لفظ الْمُذكر
وَالثَّانِي: التَّارِيخ فَإِنَّهُ بالليالي دون الْأَيَّام مُرَاعَاة للأسبق
وتغليب الْمُذكر على الْمُؤَنَّث إِنَّمَا يكون فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع، وَفِي عود الضَّمِير، وَفِي الْوَصْف، وَفِي الْعدَد
والتذكير والتأنيث مَعْنيانِ من الْمعَانِي لَا يتحققان مَعًا إِلَّا فِي الْأَسْمَاء وَأما الْأَفْعَال فَإِنَّهَا مذكرة، لَان مدلولها الْحَدث، وَالْحَدَث جنس، وَالْجِنْس مُذَكّر
والأسماء قبل الِاطِّلَاع على تأنيثها وتذكيرها يعبر عَنْهَا بِلَفْظ مُذَكّر نَحْو: شَيْء، وحيوان، وإنسان، فَإِذا علم تأنيثها ركب عَلَيْهَا الْعَلامَة
وتذكير الْمُؤَنَّث أسهل من تَأْنِيث الْمُذكر لِأَن التَّذْكِير أصل والتأنيث فرع، فتذكير الْمُؤَنَّث على تَأْوِيله بمذكر نَحْو: ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه﴾ أَي: وعظ
﴿وأحيينا بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾ : أَي مَكَانا
﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أَي: هَذَا الشَّخْص، أَو الجرم، أَو الطالع
﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ أَي: إِحْسَان الله، [وَالْقَوْل بِأَن تأنيثه غير حَقِيقِيّ لَيْسَ بجيد إِلَّا مَعَ تَقْدِيم الْفِعْل، وَفِي التَّأْخِير لَا يجوز إِلَّا التَّأْنِيث، وَقيل لِاكْتِسَابِ الْمُضَاف تذكيرا من الْمُضَاف إِلَيْهِ، ويبعده ﴿لَعَلَّ السَّاعَة قريب﴾ ] (وَلِأَن تأنيثها غير حَقِيقِيّ)
стр. 807
وتأنيث الْمُذكر نَحْو: ﴿الَّذين يَرِثُونَ الفردوس هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ أنث الفردوس وَهُوَ مُذَكّر حملا على معنى الْجنَّة
﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ حذف التَّاء من (عشرَة) مَعَ إضافتها إِلَى الْأَمْثَال وواحدها مُذَكّر قيل لإضافة الْأَمْثَال وَهُوَ ضمير الْحَسَنَات فاكتسب مِنْهُ التَّأْنِيث كَمَا فِي: شَرقَتْ صدر الْقَنَاة من الدَّم
وَقيل: هُوَ من بَاب مُرَاعَاة الْمَعْنى لِأَن الْأَمْثَال فِي الْمَعْنى مؤنث لِأَن مثل الْحَسَنَة حَسَنَة، وَالتَّقْدِير: فَلهُ عشر حَسَنَات أَمْثَالهَا
وَإِذا أضيف فَاعل الْفِعْل إِلَى ضمير الْمُؤَنَّث يجوز فِي فعل الْفَاعِل التَّذْكِير والتأنيث كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا ينفع نفسا إيمَانهَا﴾
وَمَا لَا يعرف ذكوره من إناثه يحمل على اللَّفْظ يُقَال للذّكر وَالْأُنْثَى: هَذَا ابْن عرس، وَهَذَا ابْن دأية، وَفِي الْجمع: بَنَات عرس، وَبَنَات دأية
وَامْتِنَاع الْهَاء من (فعول) بِمَعْنى (فَاعل) أصل مطرد لم يشذ مِنْهُ إِلَّا قَوْلهم: (عدوة الله) ليماثل صديقَة
وَالشَّيْء قد يحمل على ضِدّه ونقيضه كَمَا يحمل على نَظِيره؛ وَإِنَّمَا تدخل الْهَاء على (فعول) إِذا كَانَ بِمَعْنى (مفعول) كَقَوْلِك: نَاقَة ركوبة، وشَاة حلوبة
وَأما (فعيل) فَهُوَ إِذا كَانَ بِمَعْنى (فَاعل) لحقته الْهَاء و (بغي) لَيْسَ بفعيل، وَإِنَّمَا هِيَ (فعول) بِمَعْنى (فاعلة) لِأَن الأَصْل بغوي قيل: (فعيل) بِمَعْنى (فَاعل) يلْزم تأنيثه، وَبِمَعْنى (مفعول) يجب تذكيره وَمَا جَاءَ شاذا من النَّوْعَيْنِ يؤول، وَالْحق أَن كليهمَا يُطلق على الْمُذكر بِلَا تَاء وَلَا خلاف فِيهِ
وَيُطلق على الْمُؤَنَّث تَارَة مَعَ التَّاء وَأُخْرَى بِدُونِهَا أَصَالَة كَمَا ورد فِي أشعار الفصحاء لَا على سَبِيل التّبعِيَّة وَلَا على وَجه الشذوذ والندرة
و (فعيل) بِمَعْنى (مفعول) إِذا ذكر مَعَه الِاسْم اسْتَوَى فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى يُقَال: عين كحيل، وكف خضيب
وَإِذا أفردوا الصّفة أدخلُوا الْهَاء ليعلم أَنَّهَا صفة لمؤنث فَقَالُوا: رَأينَا كحيلة
وَالصِّفَات فِي الْمُؤَنَّث لَا تَأتي إِلَّا على (فعلى) ، بِالضَّمِّ ك (حُبْلَى، وَأُنْثَى)
وعَلى (فعلى) ، بِالْفَتْح ك (سكرى، وعطشى)
وَلَا تَأتي على (فعلى) ، بِالْكَسْرِ إِلَّا فِي بِنَاء الْأَسْمَاء ك (الشعرى، والدفلى) وَفِي الْمصدر ك (الذكرى)
والمعدود إِذا كَانَ جمعا وواحده مونثا حذف التَّاء مِنْهُ نَحْو: (ثَلَاث نسْوَة) وَإِذا كَانَ مذكرا ثبتَتْ التَّاء سَوَاء كَانَ فِي لفظ الْجمع عَلامَة التَّأْنِيث ك (أَرْبَعَة حمامات) فِي جمع (حمام) أَو لم يكن
والمعدود الْمُذكر إِذا جمع، وكل جمع مؤنث، فَإِنَّهُ يلْزم إِلْحَاق التَّاء بعدده، وَإِذا لحقته فَلم يلْحق بالمؤنث فرقا بَينهمَا، وَفِيمَا وَرَاء الْعشْرَة إِذا كَانَ الْمَعْدُود مذكرا فَإِنَّهُ تدخل التَّاء فِي الشّطْر الأول وتحذف فِي الشّطْر الثَّانِي وَإِذا كَانَ مؤنثا فَتدخل التَّاء فِي الْعشْرَة وتحذف من الشّطْر الأول، يُقَال: ثَلَاث عشرَة نسْوَة، أَو ثَلَاثَة عشر رجلا
وَفِي (عشرَة) يجوز تسكين الشين وتحريكها إِذا كَانَت مَعَ تَاء وَأما شين أحد عشر إِلَى تِسْعَة
стр. 808
فمفتوحة لَا غير لعدم توالي الفتحات وَمَا لحق بِآخِرهِ الْوَاو وَالنُّون من الْأَعْدَاد فالمذكر والمؤنث فِيهِ سَوَاء نَحْو: عشرُون رجلا، وَعِشْرُونَ امْرَأَة، وَكَذَا الْمِائَة وَالْألف
(وَإِذا كَانَ تَمْيِيز مَا فَوق الِاثْنَيْنِ اسْم جمع يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى كَالْإِبِلِ يسْتَعْمل بِلَا تَاء
والاسمان المذكران أَعنِي الْعشْرَة وَمَا زيد عَلَيْهَا يبنيان على الْفَتْح، إِلَّا اثْنَي عشر فَإِنَّهُم أعربوه إِعْرَاب الِاسْم الْمثنى نَحْو: (هَذَا اثْنَا عشر، وَرَأَيْت اثْنَي عشر، ومررت بِاثْنَيْ عشر) وَذَلِكَ لأَنهم جعلُوا آخر شطريه بِمَنْزِلَة النُّون من التَّثْنِيَة عوضا عَنهُ بِدَلِيل أَنه لَا يجوز الْجمع بَينهمَا وَإِذا كَانَ (عشر) بِمَنْزِلَة النُّون وَلم يكن الِاسْم مركبا فَلَا يكون الشّطْر الأول مَبْنِيا)
وَزِيَادَة التَّاء فِي عدد الْمُذكر وَتركهَا فِي عدد الْمُؤَنَّث إِنَّمَا يجب إِذا كَانَ الْمُمَيز مَذْكُورا بعد اسْم الْعدَد، وَأما إِذا حذف أَو قدم وَجعل الْعدَد صفة مثلا فَفِيهِ وَجْهَان: إِجْرَاء هَذِه الْقَاعِدَة وَتركهَا تَقول: مسَائِل تسع، وَرِجَال تِسْعَة، وَبِالْعَكْسِ صرح بِهِ النُّحَاة، وَذكره النَّوَوِيّ فِي شرح حَدِيث: " من صَامَ رَمَضَان وستا من شَوَّال " وَعَلِيهِ: " بني الْإِسْلَام على خمس " أَي: خمس دعائم أَو قَوَاعِد، أَو خَمْسَة أَشْيَاء أَو أَرْكَان أَو أصُول
وَدخُول تَاء التَّأْنِيث فِي الْكَلَام أَكثر من دُخُول ألف التَّأْنِيث لِأَنَّهَا قد تدخل فِي الْأَفْعَال الْمَاضِيَة للتأنيث نَحْو: (قَامَت هِنْد) وَتدْخل فِي الْمُذكر توكيدا ومبالغة نَحْو: عَلامَة ونسابة
وَألف التَّأْنِيث تزيد على تَاء التَّأْنِيث قُوَّة لِأَنَّهَا تبنى مَعَ الِاسْم وَتصير كبعض حُرُوفه، ويتغير الِاسْم مَعهَا عَن هَيْئَة التَّذْكِير
وَمَا كَانَ تأنيثه بِالْهَمْزَةِ إِذا صغر لم تقع الْهمزَة فِي حشوه ك (حميرة)
وَإِذا كَانَت كلمة لَا يُوجد فِي الِاسْتِعْمَال مذكرها كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة والهمزة وَالْمَسْأَلَة وَنَحْوهَا جَازَ فِيهَا وَجْهَان، يُقَال: الصَّلَاة يجوز فِيهَا أَو فِيهِ شَيْء فلاني
وَإِذا توَسط الضَّمِير أَو الْإِشَارَة بَين مُبْتَدأ أَو خبر أَحدهمَا مُذَكّر وَالْآخر مؤنث جَازَ فِي الضَّمِير أَو الْإِشَارَة التَّذْكِير والتأنيث
وَالِاسْم الْمُفْرد الَّذِي يَقع على الْجمع فيتميز بَينه وَبَين واحده بِالتَّاءِ هُوَ غَالب فِي الْأَشْيَاء المخلوقة دون المصنوعة نَحْو: (تَمْرَة وتمر) ، و (بقرة وبقر) وَأما نَحْو: (سفينة وسفين) ، و (لبنة وَلبن) فقليل
وَالْعرب تسمي الْمُذكر بِمَا فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث ك (طَلْحَة) ، وبالأسماء الَّتِي هِيَ للمؤنث فِي الأَصْل نَحْو: (هِنْد) ، وَكَانَ لِخَدِيجَة ﵂ ابْن يُسمى هِنْد ابْن هَالة وتسمي الْمُؤَنَّث باسم الْمُذكر ك (جَعْفَر)
وَمَا زَاد على ثَلَاثَة أحرف من المونث الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَلامَة نَحْو: عِقَاب وعقرب وَزَيْنَب، فالحرف الزَّائِد على الثَّلَاثَة يجْرِي مجْرى عَلامَة التَّأْنِيث فَلَا ينْصَرف لذَلِك إِذا سميت بهَا
المنصرف: كل جمع يكون ثالثه ألفا وَبعدهَا حرفان أَو ثَلَاثَة أحرف أوسطها سَاكن ك (دَوَاب، ومساجد ومفاتيح) فَكل مَا كَانَ من هَذَا النَّوْع فَإِنَّهُ
стр. 809
لَا ينْصَرف نكرَة وَلَا معرفَة وكل جمع لَهُ نَظِير من الْوَاحِد وَحكمه فِي التكسير وَالصرْف كَحكم نَظِيره فَهُوَ منصرف فِي النكرَة والمعرفة ك (كلاب) لِأَن نَظِيره فِي الْوَاحِد (كتاب، وإياب) ، وَلَو كَانَ (كلاب) مِمَّا يجمع لَكَانَ قِيَاس جمعه (كَلْبا) على حد (كتاب وَكتب) ، وَكَذَلِكَ بَاقِي الجموع
وكل لفظ وضع على مؤنث لم ينْصَرف ذَلِك اللَّفْظ فِي الْعلم سَوَاء كَانَ ثلاثيا أَو غَيره وَسَوَاء وضع ذَلِك الِاسْم أَولا على مُذَكّر ثمَّ نقل إِلَى مؤنث أَو لَا
وَأما إِذا وضع اسْم لمذكر فانه يكون منصرفا
وَإِذا وضع اسْم مؤنث معنوي لمذكر فَإِن كَانَ الِاسْم ثلاثيا فَإِنَّهُ يكون منصرفا، سَوَاء كَانَ متحرك الْوسط أَو سَاكن الْوسط وَإِن كَانَ أبدا على الثلاثي فَإِنَّهُ يكون غير منصرف فِي الْعلم وَإِن كَانَ الْمُؤَنَّث ثلاثيا سَاكن الْوسط وَوضع علما على مؤنث فَفِيهِ خلاف، وَإِن لم يكن علما فمنصرف إِلَّا مَا فِيهِ الْألف الْمَقْصُورَة أَو الممدودة فَإِنَّهُ غير منصرف مَعَ كَونه نكرَة لِأَن التَّأْنِيث بِالْألف الْمَقْصُورَة أَو الممدودة سَبَب قَامَ مقَام السببين التَّأْنِيث وَأَن لَا يكون مذكرا قطّ، وَهُوَ معنى لُزُوم التَّأْنِيث، بِخِلَاف غير الْألف الْمَقْصُورَة والممدودة من أَنْوَاع الْمُؤَنَّث فَإِنَّهُ يَزُول حكم التَّأْنِيث عَنهُ وَذَلِكَ إِذا صَار نكرَة لِأَن التَّأْنِيث فِي النكرَة غير مُؤثر من غير الْألف الْمَقْصُورَة والممدودة لِأَنَّك تَقول: (مَرَرْت بقائمة) ، فَهِيَ مؤنث وَصفَة فحقها أَن تكون غير منصرفة بالِاتِّفَاقِ، فَعلم أَن التَّأْنِيث فِي غير الْعلم لَا يُؤثر
الْمَقْصُور: كل اسْم وَقعت فِي آخِره ألف مُفْردَة فَهُوَ الْمَقْصُور نَحْو: الْعَصَا، والفتى، وحبلى، وسكرى
[المنقوص] : وكل اسْم وَقعت فِي آخِره يَاء قبلهَا كسرة فَهُوَ المنقوص نَحْو: القَاضِي، والداعي، وقاض، وداع
وكل مؤنث لأَفْعَل التَّفْضِيل
وكل مؤنث بِغَيْر هَاء ك (فعلان) من الصّفة
وكل جمع لفعيل بِمَعْنى مفعول إِذا تضمن معنى الْبلَاء والآفة
وكل مُذَكّر لفعلاء المعتل لامه من الألوان والحلي
وكل مؤنث بِالْألف من أَنْوَاع الْمثنى
وكل مَا يدل على مُبَالغَة الْمصدر من المكسور فاؤه، المشدد عينه ك (الحليفي) كل ذَلِك من الْمَقْصُور القياسي، وَمِمَّا الْغَالِب فِيهِ الْقصر
كل مُفْرد معتل اللَّام يجمع على أَفعَال ك (نِدَاء وأنداء)
وكل مَا جَاءَ من الصِّفَات على وزن (فعلى) بِالْفَتْح فَهُوَ مَقْصُور مُلْحق بالرباعي نَحْو: (سكرى)
وكل مصدر لأَفْعَل وفاعل غير مصدر بميم زَائِدَة
وكل مصدر لافتعل وانفعل واستفعل وأفعل وأفعال وكل مصدر معتل اللَّام لفعلل على غير فعللة نَحْو: (قوقى قيقاء) وكل مصدر ل (فعنلى)
وكل صَوت معتل اللَّام مضموم الْفَاء وكل مُفْرد لافعل معتل اللَّام مَفْتُوح الْفَاء وَالْعين وكل مؤنث بِغَيْر التَّاء لافعل الَّذِي هُوَ للألوان والحلي كل ذَلِك مَمْدُود
وكل حرف على (فعلاء) فَهُوَ مَمْدُود إِلَّا أحرفا جَاءَت نَوَادِر وَهِي: أدنى، وأدمى، وسبعى، وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب مَا مفرده مَمْدُود، وَجمعه مَمْدُود أَيْضا إِلَّا (دَاء) و (أدواء)
стр. 810
الْمعرفَة: [فِي اصْطِلَاح النُّحَاة] كل اسْم خص وَاحِدًا بِعَيْنِه من جنسه فَهُوَ الْمعرفَة
[وَهِي أول فرض افترضه الله على خلقه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ ، وَالْمرَاد الْمعرفَة الإيمانية لَا الْمعرفَة بكنه الْحَقِيقَة لِأَن الْمعرفَة فِي الإطلاع على الْحَقَائِق إِمَّا ممتنعة كَمَا فِي الْوَاجِب، أَو متعذرة كَمَا فِي الْجَوَاهِر غير المادية كالجواهر القدسية والأرواح البشرية، أَو متعسرة كالجواهر المادية وَمَا يتبعهَا من الْأَعْرَاض إِلَّا أَنه لَا يلْزم عَن ذَلِك عدم معرفَة الْبشر بأحوال تِلْكَ الْحَقَائِق وَلِهَذَا يُمكن للبشر معرفَة صِفَات الْبَارِي تَعَالَى وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بهَا من الْأَحْوَال وَمذهب أهل الْحق أَعنِي جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين هُوَ أَن الْعلم بِحَقِيقَة الْوَاجِب تَعَالَى حَاصِل للبشر وَإِن قَالَ بِعَدَمِهِ كثير من الْمُحَقِّقين
وَقَالَ ابْن العميد: بَلغنِي من حثالة النَّاس أَنهم ظنُّوا ظنا فَاسِدا كاسدا وَزَعَمُوا زعما بَاطِلا عاطلا فَقَالُوا: إِن النَّبِي ﷺ لم يكن يعرف الله حق مَعْرفَته وافتروا فِي ذَلِك حَدِيثا وَهَذَا عَن قَائِله مَعْصِيّة كَبِيرَة وَجِنَايَة عَظِيمَة ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾ وَكَيف يُقَال مثل ذَلِك وَقد قيل فِيهِ: وعلمك مَا لم تكن تعلم
وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي أَنه هَل يُمكن علمهَا فِي الْآخِرَة عقلا أم لَا؟ فَقَالَ بَعضهم: نعم يُمكن ذَلِك لحُصُول الرُّؤْيَة فِيهَا وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الرُّؤْيَا لَا تفِيد الْعلم بِالْحَقِيقَةِ، وَتوقف الْبَعْض قَالَ البُلْقِينِيّ ﵀: وَالصَّحِيح أَنه لَا سَبِيل للعقول إِلَى ذَلِك
ثمَّ الْمعرفَة بِالدَّلِيلِ الإجمالي فرض عين لَا مخرج عَنهُ لأحد من الْمُكَلّفين، وبالتفصيل فرض كِفَايَة لَا بُد أَن يقوم بِهِ الْبَعْض
والمعرفة تقال للإدراك الْمَسْبُوق بِالْعدمِ ولثاني الإدراكين إِذا تخللهما عدم ولإدراك الجزئي ولإدراك الْبَسِيط كَمَا فِي الْعلم يُقَال لحُصُول صُورَة الشَّيْء عِنْد الْعقل وللاعتقاد الْجَازِم المطابق الثَّابِت ولإدراكه الْكُلِّي، ولإدراك الْمركب
والمعرفة قد تقال فِيمَا يدْرك آثاره وَإِن لم تدْرك ذَاته وَالْعلم لَا يُقَال إِلَّا فِيمَا تدْرك ذَاته
والمعرفة تقال فِيمَا لَا يعرف إِلَّا كَونه مَوْجُودا فَقَط، وَالْعلم أَصله أَن يُقَال فِيمَا يعرف وجوده وجنسه وكيفيته
والمعرفة يُقَال فِيمَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بتفكر وتدبر، وَالْعلم قد يُقَال فِي ذَلِك وَفِي غَيره]
والمعارف كلهَا إِذا نوديت تنكرت ثمَّ تكون معارف بالنداء، هَذَا قَول الْمبرد وَهُوَ الصَّوَاب كإضافة الْأَعْلَام
والمعرفة فِي لَفظهَا إِشَارَة إِلَى أَن مفهومها مَعْهُود مَعْلُوم بِوَجْه مَا بِخِلَاف النكرَة فَإِن مَعْنَاهَا وَإِن كَانَت مَعْلُومَة للسامع أَيْضا لَكِنَّهَا لَيست فِي لَفظهَا إِشَارَة إِلَى تِلْكَ المعلومية، وَبِهَذَا يظْهر بَين كَون الضمائر الراجعة إِلَى النكرَة معرفَة مَعَ كَون المرجوع إِلَيْهِ نكرَة، وَبَين كَون الْمُعَرّف بلام الْعَهْد معرفَة مَعَ كَون الْمَعْهُود نكرَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾
والمعرفة لَا يجوز أَن تكون صفة لنكرة، وَلِهَذَا
следующие страницы →