← Гариб и словари

Гариб и словари · id 7037

الكليات

أبو البقاء الكفوي

Полный текст (1 069 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وَضعهَا على الْعرُوض والانفكاك، فَيجوز أَن تحذف لفظا وتقدر معنى بِخِلَاف الْألف والأسنان كلهَا مُؤَنّثَة إِلَّا الأضراس والأنياب والجمادات تؤنث من حَيْثُ إِنَّهَا ضاهت الْإِنَاث لانفعالها وتأنيث الْحُرُوف إِنَّمَا يتَصَوَّر فِي حُرُوف المباني والمعاني لَا فِي لفظ الْحَرْف قيل: حُرُوف الهجاء والحروف المعنوية نَحْو: فِي، وعَلى، وأشباههما مؤنثات سماعية وَقيل: تَأْنِيث الْحُرُوف بِاعْتِبَار تَأْوِيل اللَّفْظَة أَو الْكَلِمَة والتأنيث ثَلَاثَة أَقسَام: لَفْظِي ومعنوي مَعًا كَالْمَرْأَةِ، والناقة، وحبلى، وحمراء ومعنوي فَقَط كهند، وَزَيْنَب وَهَذَانِ القسمان وَاجِبا التَّأْنِيث فِي إرجاع الضَّمِير وَإسْنَاد الْفِعْل ولفظي فَقَط مثل: كلمة، وظلمة، وَحُمرَة، وَطَلْحَة، وَرجل عَلامَة، وحلة حَمْرَاء، وصخرة بَيْضَاء، وَدَعوى، وذكرى، وبشرى وَهَذَا الْقسم يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ بِاعْتِبَار اللَّفْظ وَالْمعْنَى، وَمن هَذَا الْقسم جَمِيع المؤنثات السماعية مثل: الشَّمْس، وَالنَّار، وَالدَّار، والنعل، وَالْعَقْرَب وَغَيرهَا فَإِن تأنيثها بِاعْتِبَار ألفاظها فَقَط دون مَعَانِيهَا والتفرقة بَين الْمُذكر والمؤنث فِي الْأَسْمَاء غير الصِّفَات نَحْو: حمَار وحمارة غَرِيب وَمَتى اجْتمع الْمُذكر والمؤنث غلب حكم الْمُذكر إِلَّا فِي موضِعين: أَحدهمَا: (ضبعان) حَيْثُ أجريت التَّثْنِيَة على لفظ الْمُؤَنَّث الَّذِي هُوَ (ضبع) لَا على لفظ الْمُذكر وَالثَّانِي: التَّارِيخ فَإِنَّهُ بالليالي دون الْأَيَّام مُرَاعَاة للأسبق وتغليب الْمُذكر على الْمُؤَنَّث إِنَّمَا يكون فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع، وَفِي عود الضَّمِير، وَفِي الْوَصْف، وَفِي الْعدَد والتذكير والتأنيث مَعْنيانِ من الْمعَانِي لَا يتحققان مَعًا إِلَّا فِي الْأَسْمَاء وَأما الْأَفْعَال فَإِنَّهَا مذكرة، لَان مدلولها الْحَدث، وَالْحَدَث جنس، وَالْجِنْس مُذَكّر والأسماء قبل الِاطِّلَاع على تأنيثها وتذكيرها يعبر عَنْهَا بِلَفْظ مُذَكّر نَحْو: شَيْء، وحيوان، وإنسان، فَإِذا علم تأنيثها ركب عَلَيْهَا الْعَلامَة وتذكير الْمُؤَنَّث أسهل من تَأْنِيث الْمُذكر لِأَن التَّذْكِير أصل والتأنيث فرع، فتذكير الْمُؤَنَّث على تَأْوِيله بمذكر نَحْو: ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه﴾ أَي: وعظ ﴿وأحيينا بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾ : أَي مَكَانا ﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أَي: هَذَا الشَّخْص، أَو الجرم، أَو الطالع ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ أَي: إِحْسَان الله، [وَالْقَوْل بِأَن تأنيثه غير حَقِيقِيّ لَيْسَ بجيد إِلَّا مَعَ تَقْدِيم الْفِعْل، وَفِي التَّأْخِير لَا يجوز إِلَّا التَّأْنِيث، وَقيل لِاكْتِسَابِ الْمُضَاف تذكيرا من الْمُضَاف إِلَيْهِ، ويبعده ﴿لَعَلَّ السَّاعَة قريب﴾ ] (وَلِأَن تأنيثها غير حَقِيقِيّ)

стр. 807

وتأنيث الْمُذكر نَحْو: ﴿الَّذين يَرِثُونَ الفردوس هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ أنث الفردوس وَهُوَ مُذَكّر حملا على معنى الْجنَّة ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ حذف التَّاء من (عشرَة) مَعَ إضافتها إِلَى الْأَمْثَال وواحدها مُذَكّر قيل لإضافة الْأَمْثَال وَهُوَ ضمير الْحَسَنَات فاكتسب مِنْهُ التَّأْنِيث كَمَا فِي: شَرقَتْ صدر الْقَنَاة من الدَّم وَقيل: هُوَ من بَاب مُرَاعَاة الْمَعْنى لِأَن الْأَمْثَال فِي الْمَعْنى مؤنث لِأَن مثل الْحَسَنَة حَسَنَة، وَالتَّقْدِير: فَلهُ عشر حَسَنَات أَمْثَالهَا وَإِذا أضيف فَاعل الْفِعْل إِلَى ضمير الْمُؤَنَّث يجوز فِي فعل الْفَاعِل التَّذْكِير والتأنيث كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا ينفع نفسا إيمَانهَا﴾ وَمَا لَا يعرف ذكوره من إناثه يحمل على اللَّفْظ يُقَال للذّكر وَالْأُنْثَى: هَذَا ابْن عرس، وَهَذَا ابْن دأية، وَفِي الْجمع: بَنَات عرس، وَبَنَات دأية وَامْتِنَاع الْهَاء من (فعول) بِمَعْنى (فَاعل) أصل مطرد لم يشذ مِنْهُ إِلَّا قَوْلهم: (عدوة الله) ليماثل صديقَة وَالشَّيْء قد يحمل على ضِدّه ونقيضه كَمَا يحمل على نَظِيره؛ وَإِنَّمَا تدخل الْهَاء على (فعول) إِذا كَانَ بِمَعْنى (مفعول) كَقَوْلِك: نَاقَة ركوبة، وشَاة حلوبة وَأما (فعيل) فَهُوَ إِذا كَانَ بِمَعْنى (فَاعل) لحقته الْهَاء و (بغي) لَيْسَ بفعيل، وَإِنَّمَا هِيَ (فعول) بِمَعْنى (فاعلة) لِأَن الأَصْل بغوي قيل: (فعيل) بِمَعْنى (فَاعل) يلْزم تأنيثه، وَبِمَعْنى (مفعول) يجب تذكيره وَمَا جَاءَ شاذا من النَّوْعَيْنِ يؤول، وَالْحق أَن كليهمَا يُطلق على الْمُذكر بِلَا تَاء وَلَا خلاف فِيهِ وَيُطلق على الْمُؤَنَّث تَارَة مَعَ التَّاء وَأُخْرَى بِدُونِهَا أَصَالَة كَمَا ورد فِي أشعار الفصحاء لَا على سَبِيل التّبعِيَّة وَلَا على وَجه الشذوذ والندرة و (فعيل) بِمَعْنى (مفعول) إِذا ذكر مَعَه الِاسْم اسْتَوَى فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى يُقَال: عين كحيل، وكف خضيب وَإِذا أفردوا الصّفة أدخلُوا الْهَاء ليعلم أَنَّهَا صفة لمؤنث فَقَالُوا: رَأينَا كحيلة وَالصِّفَات فِي الْمُؤَنَّث لَا تَأتي إِلَّا على (فعلى) ، بِالضَّمِّ ك (حُبْلَى، وَأُنْثَى) وعَلى (فعلى) ، بِالْفَتْح ك (سكرى، وعطشى) وَلَا تَأتي على (فعلى) ، بِالْكَسْرِ إِلَّا فِي بِنَاء الْأَسْمَاء ك (الشعرى، والدفلى) وَفِي الْمصدر ك (الذكرى) والمعدود إِذا كَانَ جمعا وواحده مونثا حذف التَّاء مِنْهُ نَحْو: (ثَلَاث نسْوَة) وَإِذا كَانَ مذكرا ثبتَتْ التَّاء سَوَاء كَانَ فِي لفظ الْجمع عَلامَة التَّأْنِيث ك (أَرْبَعَة حمامات) فِي جمع (حمام) أَو لم يكن والمعدود الْمُذكر إِذا جمع، وكل جمع مؤنث، فَإِنَّهُ يلْزم إِلْحَاق التَّاء بعدده، وَإِذا لحقته فَلم يلْحق بالمؤنث فرقا بَينهمَا، وَفِيمَا وَرَاء الْعشْرَة إِذا كَانَ الْمَعْدُود مذكرا فَإِنَّهُ تدخل التَّاء فِي الشّطْر الأول وتحذف فِي الشّطْر الثَّانِي وَإِذا كَانَ مؤنثا فَتدخل التَّاء فِي الْعشْرَة وتحذف من الشّطْر الأول، يُقَال: ثَلَاث عشرَة نسْوَة، أَو ثَلَاثَة عشر رجلا وَفِي (عشرَة) يجوز تسكين الشين وتحريكها إِذا كَانَت مَعَ تَاء وَأما شين أحد عشر إِلَى تِسْعَة

стр. 808

فمفتوحة لَا غير لعدم توالي الفتحات وَمَا لحق بِآخِرهِ الْوَاو وَالنُّون من الْأَعْدَاد فالمذكر والمؤنث فِيهِ سَوَاء نَحْو: عشرُون رجلا، وَعِشْرُونَ امْرَأَة، وَكَذَا الْمِائَة وَالْألف (وَإِذا كَانَ تَمْيِيز مَا فَوق الِاثْنَيْنِ اسْم جمع يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى كَالْإِبِلِ يسْتَعْمل بِلَا تَاء والاسمان المذكران أَعنِي الْعشْرَة وَمَا زيد عَلَيْهَا يبنيان على الْفَتْح، إِلَّا اثْنَي عشر فَإِنَّهُم أعربوه إِعْرَاب الِاسْم الْمثنى نَحْو: (هَذَا اثْنَا عشر، وَرَأَيْت اثْنَي عشر، ومررت بِاثْنَيْ عشر) وَذَلِكَ لأَنهم جعلُوا آخر شطريه بِمَنْزِلَة النُّون من التَّثْنِيَة عوضا عَنهُ بِدَلِيل أَنه لَا يجوز الْجمع بَينهمَا وَإِذا كَانَ (عشر) بِمَنْزِلَة النُّون وَلم يكن الِاسْم مركبا فَلَا يكون الشّطْر الأول مَبْنِيا) وَزِيَادَة التَّاء فِي عدد الْمُذكر وَتركهَا فِي عدد الْمُؤَنَّث إِنَّمَا يجب إِذا كَانَ الْمُمَيز مَذْكُورا بعد اسْم الْعدَد، وَأما إِذا حذف أَو قدم وَجعل الْعدَد صفة مثلا فَفِيهِ وَجْهَان: إِجْرَاء هَذِه الْقَاعِدَة وَتركهَا تَقول: مسَائِل تسع، وَرِجَال تِسْعَة، وَبِالْعَكْسِ صرح بِهِ النُّحَاة، وَذكره النَّوَوِيّ فِي شرح حَدِيث: " من صَامَ رَمَضَان وستا من شَوَّال " وَعَلِيهِ: " بني الْإِسْلَام على خمس " أَي: خمس دعائم أَو قَوَاعِد، أَو خَمْسَة أَشْيَاء أَو أَرْكَان أَو أصُول وَدخُول تَاء التَّأْنِيث فِي الْكَلَام أَكثر من دُخُول ألف التَّأْنِيث لِأَنَّهَا قد تدخل فِي الْأَفْعَال الْمَاضِيَة للتأنيث نَحْو: (قَامَت هِنْد) وَتدْخل فِي الْمُذكر توكيدا ومبالغة نَحْو: عَلامَة ونسابة وَألف التَّأْنِيث تزيد على تَاء التَّأْنِيث قُوَّة لِأَنَّهَا تبنى مَعَ الِاسْم وَتصير كبعض حُرُوفه، ويتغير الِاسْم مَعهَا عَن هَيْئَة التَّذْكِير وَمَا كَانَ تأنيثه بِالْهَمْزَةِ إِذا صغر لم تقع الْهمزَة فِي حشوه ك (حميرة) وَإِذا كَانَت كلمة لَا يُوجد فِي الِاسْتِعْمَال مذكرها كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة والهمزة وَالْمَسْأَلَة وَنَحْوهَا جَازَ فِيهَا وَجْهَان، يُقَال: الصَّلَاة يجوز فِيهَا أَو فِيهِ شَيْء فلاني وَإِذا توَسط الضَّمِير أَو الْإِشَارَة بَين مُبْتَدأ أَو خبر أَحدهمَا مُذَكّر وَالْآخر مؤنث جَازَ فِي الضَّمِير أَو الْإِشَارَة التَّذْكِير والتأنيث وَالِاسْم الْمُفْرد الَّذِي يَقع على الْجمع فيتميز بَينه وَبَين واحده بِالتَّاءِ هُوَ غَالب فِي الْأَشْيَاء المخلوقة دون المصنوعة نَحْو: (تَمْرَة وتمر) ، و (بقرة وبقر) وَأما نَحْو: (سفينة وسفين) ، و (لبنة وَلبن) فقليل وَالْعرب تسمي الْمُذكر بِمَا فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث ك (طَلْحَة) ، وبالأسماء الَّتِي هِيَ للمؤنث فِي الأَصْل نَحْو: (هِنْد) ، وَكَانَ لِخَدِيجَة ﵂ ابْن يُسمى هِنْد ابْن هَالة وتسمي الْمُؤَنَّث باسم الْمُذكر ك (جَعْفَر) وَمَا زَاد على ثَلَاثَة أحرف من المونث الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَلامَة نَحْو: عِقَاب وعقرب وَزَيْنَب، فالحرف الزَّائِد على الثَّلَاثَة يجْرِي مجْرى عَلامَة التَّأْنِيث فَلَا ينْصَرف لذَلِك إِذا سميت بهَا المنصرف: كل جمع يكون ثالثه ألفا وَبعدهَا حرفان أَو ثَلَاثَة أحرف أوسطها سَاكن ك (دَوَاب، ومساجد ومفاتيح) فَكل مَا كَانَ من هَذَا النَّوْع فَإِنَّهُ

стр. 809

لَا ينْصَرف نكرَة وَلَا معرفَة وكل جمع لَهُ نَظِير من الْوَاحِد وَحكمه فِي التكسير وَالصرْف كَحكم نَظِيره فَهُوَ منصرف فِي النكرَة والمعرفة ك (كلاب) لِأَن نَظِيره فِي الْوَاحِد (كتاب، وإياب) ، وَلَو كَانَ (كلاب) مِمَّا يجمع لَكَانَ قِيَاس جمعه (كَلْبا) على حد (كتاب وَكتب) ، وَكَذَلِكَ بَاقِي الجموع وكل لفظ وضع على مؤنث لم ينْصَرف ذَلِك اللَّفْظ فِي الْعلم سَوَاء كَانَ ثلاثيا أَو غَيره وَسَوَاء وضع ذَلِك الِاسْم أَولا على مُذَكّر ثمَّ نقل إِلَى مؤنث أَو لَا وَأما إِذا وضع اسْم لمذكر فانه يكون منصرفا وَإِذا وضع اسْم مؤنث معنوي لمذكر فَإِن كَانَ الِاسْم ثلاثيا فَإِنَّهُ يكون منصرفا، سَوَاء كَانَ متحرك الْوسط أَو سَاكن الْوسط وَإِن كَانَ أبدا على الثلاثي فَإِنَّهُ يكون غير منصرف فِي الْعلم وَإِن كَانَ الْمُؤَنَّث ثلاثيا سَاكن الْوسط وَوضع علما على مؤنث فَفِيهِ خلاف، وَإِن لم يكن علما فمنصرف إِلَّا مَا فِيهِ الْألف الْمَقْصُورَة أَو الممدودة فَإِنَّهُ غير منصرف مَعَ كَونه نكرَة لِأَن التَّأْنِيث بِالْألف الْمَقْصُورَة أَو الممدودة سَبَب قَامَ مقَام السببين التَّأْنِيث وَأَن لَا يكون مذكرا قطّ، وَهُوَ معنى لُزُوم التَّأْنِيث، بِخِلَاف غير الْألف الْمَقْصُورَة والممدودة من أَنْوَاع الْمُؤَنَّث فَإِنَّهُ يَزُول حكم التَّأْنِيث عَنهُ وَذَلِكَ إِذا صَار نكرَة لِأَن التَّأْنِيث فِي النكرَة غير مُؤثر من غير الْألف الْمَقْصُورَة والممدودة لِأَنَّك تَقول: (مَرَرْت بقائمة) ، فَهِيَ مؤنث وَصفَة فحقها أَن تكون غير منصرفة بالِاتِّفَاقِ، فَعلم أَن التَّأْنِيث فِي غير الْعلم لَا يُؤثر الْمَقْصُور: كل اسْم وَقعت فِي آخِره ألف مُفْردَة فَهُوَ الْمَقْصُور نَحْو: الْعَصَا، والفتى، وحبلى، وسكرى [المنقوص] : وكل اسْم وَقعت فِي آخِره يَاء قبلهَا كسرة فَهُوَ المنقوص نَحْو: القَاضِي، والداعي، وقاض، وداع وكل مؤنث لأَفْعَل التَّفْضِيل وكل مؤنث بِغَيْر هَاء ك (فعلان) من الصّفة وكل جمع لفعيل بِمَعْنى مفعول إِذا تضمن معنى الْبلَاء والآفة وكل مُذَكّر لفعلاء المعتل لامه من الألوان والحلي وكل مؤنث بِالْألف من أَنْوَاع الْمثنى وكل مَا يدل على مُبَالغَة الْمصدر من المكسور فاؤه، المشدد عينه ك (الحليفي) كل ذَلِك من الْمَقْصُور القياسي، وَمِمَّا الْغَالِب فِيهِ الْقصر كل مُفْرد معتل اللَّام يجمع على أَفعَال ك (نِدَاء وأنداء) وكل مَا جَاءَ من الصِّفَات على وزن (فعلى) بِالْفَتْح فَهُوَ مَقْصُور مُلْحق بالرباعي نَحْو: (سكرى) وكل مصدر لأَفْعَل وفاعل غير مصدر بميم زَائِدَة وكل مصدر لافتعل وانفعل واستفعل وأفعل وأفعال وكل مصدر معتل اللَّام لفعلل على غير فعللة نَحْو: (قوقى قيقاء) وكل مصدر ل (فعنلى) وكل صَوت معتل اللَّام مضموم الْفَاء وكل مُفْرد لافعل معتل اللَّام مَفْتُوح الْفَاء وَالْعين وكل مؤنث بِغَيْر التَّاء لافعل الَّذِي هُوَ للألوان والحلي كل ذَلِك مَمْدُود وكل حرف على (فعلاء) فَهُوَ مَمْدُود إِلَّا أحرفا جَاءَت نَوَادِر وَهِي: أدنى، وأدمى، وسبعى، وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب مَا مفرده مَمْدُود، وَجمعه مَمْدُود أَيْضا إِلَّا (دَاء) و (أدواء)

стр. 810

الْمعرفَة: [فِي اصْطِلَاح النُّحَاة] كل اسْم خص وَاحِدًا بِعَيْنِه من جنسه فَهُوَ الْمعرفَة [وَهِي أول فرض افترضه الله على خلقه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ ، وَالْمرَاد الْمعرفَة الإيمانية لَا الْمعرفَة بكنه الْحَقِيقَة لِأَن الْمعرفَة فِي الإطلاع على الْحَقَائِق إِمَّا ممتنعة كَمَا فِي الْوَاجِب، أَو متعذرة كَمَا فِي الْجَوَاهِر غير المادية كالجواهر القدسية والأرواح البشرية، أَو متعسرة كالجواهر المادية وَمَا يتبعهَا من الْأَعْرَاض إِلَّا أَنه لَا يلْزم عَن ذَلِك عدم معرفَة الْبشر بأحوال تِلْكَ الْحَقَائِق وَلِهَذَا يُمكن للبشر معرفَة صِفَات الْبَارِي تَعَالَى وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بهَا من الْأَحْوَال وَمذهب أهل الْحق أَعنِي جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين هُوَ أَن الْعلم بِحَقِيقَة الْوَاجِب تَعَالَى حَاصِل للبشر وَإِن قَالَ بِعَدَمِهِ كثير من الْمُحَقِّقين وَقَالَ ابْن العميد: بَلغنِي من حثالة النَّاس أَنهم ظنُّوا ظنا فَاسِدا كاسدا وَزَعَمُوا زعما بَاطِلا عاطلا فَقَالُوا: إِن النَّبِي ﷺ لم يكن يعرف الله حق مَعْرفَته وافتروا فِي ذَلِك حَدِيثا وَهَذَا عَن قَائِله مَعْصِيّة كَبِيرَة وَجِنَايَة عَظِيمَة ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾ وَكَيف يُقَال مثل ذَلِك وَقد قيل فِيهِ: وعلمك مَا لم تكن تعلم وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي أَنه هَل يُمكن علمهَا فِي الْآخِرَة عقلا أم لَا؟ فَقَالَ بَعضهم: نعم يُمكن ذَلِك لحُصُول الرُّؤْيَة فِيهَا وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الرُّؤْيَا لَا تفِيد الْعلم بِالْحَقِيقَةِ، وَتوقف الْبَعْض قَالَ البُلْقِينِيّ ﵀: وَالصَّحِيح أَنه لَا سَبِيل للعقول إِلَى ذَلِك ثمَّ الْمعرفَة بِالدَّلِيلِ الإجمالي فرض عين لَا مخرج عَنهُ لأحد من الْمُكَلّفين، وبالتفصيل فرض كِفَايَة لَا بُد أَن يقوم بِهِ الْبَعْض والمعرفة تقال للإدراك الْمَسْبُوق بِالْعدمِ ولثاني الإدراكين إِذا تخللهما عدم ولإدراك الجزئي ولإدراك الْبَسِيط كَمَا فِي الْعلم يُقَال لحُصُول صُورَة الشَّيْء عِنْد الْعقل وللاعتقاد الْجَازِم المطابق الثَّابِت ولإدراكه الْكُلِّي، ولإدراك الْمركب والمعرفة قد تقال فِيمَا يدْرك آثاره وَإِن لم تدْرك ذَاته وَالْعلم لَا يُقَال إِلَّا فِيمَا تدْرك ذَاته والمعرفة تقال فِيمَا لَا يعرف إِلَّا كَونه مَوْجُودا فَقَط، وَالْعلم أَصله أَن يُقَال فِيمَا يعرف وجوده وجنسه وكيفيته والمعرفة يُقَال فِيمَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بتفكر وتدبر، وَالْعلم قد يُقَال فِي ذَلِك وَفِي غَيره] والمعارف كلهَا إِذا نوديت تنكرت ثمَّ تكون معارف بالنداء، هَذَا قَول الْمبرد وَهُوَ الصَّوَاب كإضافة الْأَعْلَام والمعرفة فِي لَفظهَا إِشَارَة إِلَى أَن مفهومها مَعْهُود مَعْلُوم بِوَجْه مَا بِخِلَاف النكرَة فَإِن مَعْنَاهَا وَإِن كَانَت مَعْلُومَة للسامع أَيْضا لَكِنَّهَا لَيست فِي لَفظهَا إِشَارَة إِلَى تِلْكَ المعلومية، وَبِهَذَا يظْهر بَين كَون الضمائر الراجعة إِلَى النكرَة معرفَة مَعَ كَون المرجوع إِلَيْهِ نكرَة، وَبَين كَون الْمُعَرّف بلام الْعَهْد معرفَة مَعَ كَون الْمَعْهُود نكرَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾ والمعرفة لَا يجوز أَن تكون صفة لنكرة، وَلِهَذَا

стр. 811

يؤول مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿عَارض مُمْطِرنَا﴾ بممطر لنا الْعَرَب تَقول هَذَا فِي الْأَسْمَاء المشتقة من الْأَفْعَال دون غَيرهَا والمعرفة لَا تدخل تَحت النكرَة لِأَنَّهُمَا ضدان، وَهَذَا عِنْد اتِّحَاد السِّيَاق بِأَن يَكُونَا فِي الشَّرْط أَو فِي الْجَزَاء دون اختلافه بِأَن يكون أَحدهمَا فِي الشَّرْط وَالْآخر فِي الْجَزَاء وَكَذَا لَا تدخل تَحت النكرَة إِلَّا فِي الْجُزْء الْمُتَّصِل مثل: الرَّأْس، وَالْيَد، وَالرجل، وَنَحْوهَا، إِذْ الِاتِّصَال الْحسي كالإضافة فِي التَّعْرِيف، بِخِلَاف الْمُنْفَصِل كَالدَّارِ وَنَحْوهَا والمعرفة والنكرة فِي بَاب الْجِنْس سَوَاء لَا فرق بَين (فَإِذا الْأسد بِالْبَابِ) ، وَبَين (إِذا أَسد بِالْبَابِ) ، هَكَذَا رَأْي ابْن جني والمضمرات معارف وَالْأَحْوَال نكرات، وَقد نظمت فِيهِ: (أحوالنا نكرات عِنْد عاذلنا ... والمضمرات معارف الإخوان) والمعرفة فِي اللُّغَة: [هِيَ التَّصَوُّر] مصدر عَرفته أعرفهُ، وَكَذَلِكَ الْعرْفَان وَأما فِي اصْطِلَاح أهل الْكَلَام: هِيَ معرفَة الله بِلَا كَيفَ وَلَا تَشْبِيه [مِيم مفعل ومفعله] : (كل اسْم فِي أَوله مِيم زَائِدَة على (مفعل) أَو (مفعلة) مِمَّا ينْقل وَيعْمل بِهِ فَهُوَ مكسور الأول نَحْو: مطرقة، ومروحة، ومرآة، ومئزر إِلَّا أحرفا جَاءَت نَوَادِر بِالضَّمِّ وَهِي: مكحلة، ومدهن، ومحرضة، ومنخل، ومنصل، ومنقر، ومدق، وفتحوا الْمِيم فِي منقبة البيطار) [عين مفعل من فعل يفعل] : كل مَا كَانَ على (فعل يفعل) مثل: دخل يدْخل فالمفعل مِنْهُ بِالْفَتْح، اسْما كَانَ أَو مصدرا، وَلَا يَقع فِيهِ الْفرق إِلَّا أحرفا من الْأَسْمَاء ألزموها كسر عينهَا، من ذَلِك: الْمَسْجِد، والمطلع، والمشرق، وَالْمغْرب، والمسقط، والمجزر، والمسكن، والمرفق، والمنبت، والمنسك، فَجعل الْكسر عَلامَة للاسم وَرُبمَا فَتحه بعض الْعَرَب فِي الِاسْم [عين مفعل من فعل يفعل] : وَمَا كَانَ من بَاب (فعل يفعل) مثل: جلس يجلس فالموضع بِالْكَسْرِ، والمصدر بِالْفَتْح للْفرق بَينهمَا تَقول: نزل منزلا، بِفَتْح الزَّاي تُرِيدُ: نزل نزولا وَهَذَا منزل فلَان، فتكسر لِأَنَّك تَعْنِي الدَّار [عين مفعل مِمَّا مضارعه يفعل] : وكل مَا جَاءَ على (مفعل) بِكَسْر الْعين مِمَّا مضارعه (يفعل) بِالضَّمِّ فَهُوَ شَاذ من وَجه، وَكَذَا (مفعلة) بِالتَّاءِ مَعَ فتح الْعين، وَكَذَا (مفعل) بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْعين، (ومفعلة) بِضَم الْعين، والمقبرة شَذَّ إِذْ هُوَ قِيَاس الْموضع إِمَّا بِفَتْح الْعين أَو بِكَسْرِهَا وَكَذَا كل مَا جَاءَ من (يفعل) مكسور الْعين، (ومفعلة) بِفَتْحِهَا فَإِنَّهُ أشذ، لَكِن كل مَا ثَبت اخْتِصَاصه بِبَعْض الْأَشْيَاء دون بعض وَخُرُوجه عَن طَريقَة الْفِعْل هُوَ الْعذر فِي خُرُوجه عَن الْقيَاس [عين مفاعل من معتل الْعين] : (وكل (مفاعل) من المعتل الْعين فَإِنَّهُ يجب التَّصْرِيح فِيهِ بِالْيَاءِ

стр. 812

ونقطها، كمعايش ومشايخ، إِلَّا (مصائب) فَإِنَّهُ صَحَّ بِالْهَمْزَةِ سَمَاعا، وَالْقِيَاس فِيهِ بِالْوَاو وَأما نَحْو صَحَائِف ورسائل وروائح وفصائل وقلائل فحقها أَن لَا تنقط لِأَنَّهُ خطأ قَبِيح، لَكِن بِهَمْزَة فَوق الْيَاء أَو تحتهَا وَأما اسْم الْفَاعِل فبالياء، لَكِن (قَائِل) بِالْهَمْزَةِ، و (بَايع) بِالْيَاءِ فرقا بَين الواوي واليائي) الْمَكَان: كل مَكَان لَيْسَ بظرف كَمَا كَانَت أَسمَاء الزَّمَان كلهَا ظروفا، وَذَلِكَ لِأَن الْأَمْكِنَة أجسام ثَابِتَة فَهِيَ بعيدَة من الْأَفْعَال والأزمان، وَالْأَفْعَال أَحْدَاث منقضية ومتجددة وَالْفِعْل يدل على الزَّمَان بالتضمن وعَلى الْمَكَان بالالتزام، فَالْأول أقوى وَمن الْمَكَان مَا كَانَ مَجْهُول الْقدر مَجْهُول الصُّورَة، وَهُوَ الْجِهَات السِّت الَّتِي لَا بُد لكل متحيز مِنْهَا، إِذْ لَيْسَ لَهَا مِقْدَار مَعْلُوم من المساحة، وَلم يكن لَهَا نِهَايَة تقف عِنْدهَا، فَهَذِهِ تكون ظروفا تَقول: (سرت خَلفك) ، (وَجَلَست أمامك وَمِنْه مَا كَانَ مَعْلُوم الْقدر مَجْهُول الصُّورَة كالفرسخ والميل والبريد، إِذْ الفرسخ اثْنَا عشر ألف ذِرَاع والميل ثلث فَرسَخ، والبريد أَرْبَعَة فراسخ، وَلَا يخْتَص بمساحتها مَوضِع فَأَشْبَهت الْجِهَات السِّت وَمِنْه مَا كَانَ مَعْلُوم الصُّورَة، وَيُمكن علم قدره بالمساحة، وَذَلِكَ إِمَّا أَسمَاء شائعة كسوق وَدَار وبلدة وغرفة وَمَسْجِد، وَإِمَّا أَعْلَام لأماكن كمكة ودمشق ومصر، فَلَا تكون ظروفا لِأَن هَذِه أَمَاكِن مَخْصُوصَة ينْفَصل بَعْضهَا من بعض بصور وَتعلق وكل اسْم مَكَان ينْتَصب بِمَا اشتق مِنْهُ أَو بمرادفه، وَلَا ينْتَصب الْمَكَان بِغَيْر مَا اشتق مِنْهُ أَو مرادفه وَمَا فِي أَوله مِيم زَائِدَة إِن كَانَ مشتقا من حدث بِمَعْنى الِاسْتِقْرَار والكون فَإِنَّهُ ينْتَصب، وَبِمَا انتصب بِهِ الْمَكَان الْمَخْصُوص وَهُوَ دخلت وسكنت وَنزلت، وَإِن لم يكن كَذَلِك فَلَا ينْتَصب بِهِ الْمَكَان الْمَخْصُوص وَالْمَكَان، لُغَة: الْحَاوِي للشَّيْء المستقر [كمقعد الْإِنْسَان من الأَرْض وَمَوْضِع قِيَامه وإضجاعه وَهُوَ] (فعال) من التَّمَكُّن لَا (مفعل) من الْكَوْن، كالمقال من القَوْل، لأَنهم قَالُوا فِي جمعه: (أمكن) و (أمكنة) و (أَمَاكِن) وَقَالُوا: تمكن، وَلَو كَانَ من القَوْل لقالوا: تكون وَالْمَكَان عِنْد الْمُتَكَلِّمين بعد موهوم يشْغلهُ الْجِسْم بنفوذه فِيهِ، وَهَكَذَا عِنْد أفلاطون، وَأما عِنْد أرسطو فَهُوَ السَّطْح [وَمن الفلاسفة من قَالَ: هُوَ الْخَلَاء] والحيز: هُوَ الْفَرَاغ المتوهم الَّذِي يشْغلهُ شَيْء ممتد أَو غير ممتد كالجوهر الْفَرد، فالمكان أخص من الحيز، والحيز مطلب المتحرك للحصول فِيهِ، والجهة مطلب المتحرك للوصول إِلَيْهَا والقرب مِنْهَا وَالْمَكَان أَمر مُحَقّق مَوْجُود فِي الْخَارِج عِنْد الْحُكَمَاء، وَكَذَا الْحُصُول فِيهِ فَإِنَّهُ أَمر مُحَقّق أَيْضا وَأما الزَّمَان فَلَا وجود اله عِنْدهم بل هُوَ أَمر وهمي، وَكَذَا الْحُصُول فِيهِ

стр. 813

وَالْمَكَان قار الذَّات فَجَمِيع أَجْزَائِهِ مَوْجُود وَالزَّمَان غير قار الذَّات فأجزاؤه منصرمة مُنْقَطِعَة بَعْضهَا حَال يصير مَاضِيا وَبَعضهَا مُسْتَقْبل يصير حَالا والآن: هُوَ السيال الَّذِي قَالُوا بِوُجُودِهِ وَلَيْسَ لَهُ امتداد وَقبُول للتجزيء فَلَا يصلح ظرفا للحوادث وَالْمَكَان يسْتَعْمل فِي الْحَقِيقِيّ والمجازي [فالحقيقي للجسم هُوَ مَا يملؤه وَلَا يسع مَعَه غَيره وَلَا يكون إِلَّا وَاحِدًا وَغير الْحَقِيقِيّ مَا لَيْسَ كَذَلِك، وَهُوَ مُتَعَدد ومختلف بِحَسب الْقرب والبعد من الْحَقِيقِيّ كالبيت والبلد والإقليم والمعمورة إِلَى غير ذَلِك] والمكانة تخص بالمجازي كالمنزل والمنزلة، فَإِن الْمنزل فِي الْحسي والمنزلة فِي الْمَعْنَوِيّ وَفِي " أنوار التَّنْزِيل ": المكانة اسْم للمكان، يستعار للْحَال كَمَا يستعار (هُنَا) و (حَيْثُ) من الْمَكَان للزمان وَالْمَكَان الْوَاحِد يُسمى مرّة مقَاما إِذا اعْتبر بقيامه، ومقعدا إِذا اعْتبر بقعوده والمقامة، بِالْفَتْح: الْإِقَامَة وبالضم: الْجَمَاعَة من النَّاس وَالْمقَام، بِالْفَتْح من (قَامَ يقوم) ، وَهُوَ مَوضِع الْقيام وَالْمرَاد الْمَكَان وَهُوَ من الْخَاص الَّذِي جعل مُسْتَعْملا فِي الْمَعْنى الْعَام، فَإِن مَوضِع قيام الشَّيْء أَعم من أَن يكون قِيَامه فِيهِ بِنَفسِهِ أَو بِإِقَامَة غَيره، وَمن أَن يكون ذَلِك بطرِيق الْمكْث فِيهِ أَو بِدُونِهِ وبالضم: من (أَقَامَ يُقيم) ، وَهُوَ مَوضِع الْإِقَامَة أَي: مَوضِع إِقَامَة الْغَيْر إِيَّاه أَو مَوضِع قِيَامه بِنَفسِهِ قيَاما ممتدا وَالْفِعْل إِذا جَاوز الثَّلَاثَة فالموضع بِضَم الْمِيم وَمعنى الْمقَام مَكَان فِيهِ الْقيام لشَيْء مَا، أَو ذَات مَا فِيهِ الْقيام، ولذاك صَحَّ أَن يجْرِي عَلَيْهِ الصِّفَات، وَلم يَصح أَن يكون صفة للْغَيْر وَكَانَ فِي عداد الْأَسْمَاء دون الصِّفَات وَالْمقَام يُقَال للمصدر وَالْمَكَان وَالزَّمَان وَالْمَفْعُول لَكِن الْوَارِد فِي الْقُرْآن هُوَ الْمصدر والموضوع مَخْصُوص بِالْعرضِ، يُقَال: مَوْضُوع الْبيَاض والسواد وَغير ذَلِك، وَلَا يُقَال مَوْضُوع الْجَوْهَر بل يُقَال مَحل الْجَوْهَر وَالْمحل (وَهُوَ مَا يحل فِيهِ الْعرض أَو الصُّورَة) من (حل يحل) بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَقد يُرَاد بِهِ الذَّات الَّتِي تقوم بهَا الصِّفَات لَا الْمَكَان الَّذِي تجاوزه الْأَجْسَام إِذْ كل مَا لَيْسَ بِذَات مفتقر إِلَى مَحل أَي ذَات يقوم بهَا أَي يخْتَص بهَا اخْتِصَاص النَّعْت بالمنعوت [وَالْمرَاد بالناعت مَا يجوز حمله على الشَّيْء بالاشتقاق بِالْمَعْنَى الْمُقَابل للْحَمْل بالتركيب] كافتقار صِفَات الله تَعَالَى إِلَى ذَاته الْعلية (فَلَا تستقل بِدُونِهَا لَا بِمَعْنى الِاحْتِيَاج إِلَى الموجد لَا بِالِاخْتِيَارِ وَلَا بِالْإِيجَابِ) وَمن الموجودات مَا هُوَ مفتقر إِلَى الْمحل والمخصص وَهُوَ الْأَعْرَاض، وَمِنْهَا مَا هُوَ مفتقر إِلَى الْمُخَصّص دون الْمحل وَهُوَ الأجرام والغني مِنْهَا (عَن الْمحل والمخصص) هُوَ الذَّات الْحَقِيقِيَّة الْعُظْمَى (القيومية المستلزمة لكل سبوحية قدوسية فِي كل جلال وجمال استلزاما لَا يقبل الانفكاك والانفصال)

стр. 814

[وَالْمحل، بِكَسْر الْحَاء يُطلق للمكان وَالزَّمَان] والمباءة: منزل الْقَوْم فِي كل مَوضِع، وَيُسمى كناس الثور الوحشي مباءة والمراح، بِالضَّمِّ حَيْثُ تأوي الْمَاشِيَة بِاللَّيْلِ وبالفتح: اسْم الْموضع الَّذِي يروح مِنْهُ الْقَوْم، أَو يروحون إِلَيْهِ والمروحة، بِالْفَتْح: هِيَ الْموضع الْكثير الرّيح وبالكسر: مَا يتروح بِهِ والمقيل: مَكَان القيلولة وَهِي النّوم نصف النَّهَار وَقَالَ الرَّازِيّ: هُوَ زمَان القيلولة أَو مَكَانهَا وَهِي الفردوس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأحسن مقيلا﴾ والمأوى، بِفَتْح الْوَاو كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى﴾ إِلَّا مأوى الْإِبِل فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ سَمَاعا من الْعَرَب والمحط: الْمنزل والمخيم: مَوضِع الْإِقَامَة والمعسكر: مَكَان الْعَسْكَر والمعركة: مَكَان الْحَرْب ومواطن الْحَرْب: مواقعها، وَقد يُفَسر الموطن بِالْوَقْتِ كمقتل الْحُسَيْن والمرقد: مَكَان الرقاد والمرقب: مَكَان الديدبان والمربع: مَكَان الْحَيّ فِي الرّبيع والمدرس: مَكَان درس الْكتب والمحفل: مَكَان اجْتِمَاع الرِّجَال والمأتم: مَكَان اجْتِمَاع النِّسَاء والمجلس: مَكَان اسْتِقْرَار النَّاس فِي الْبيُوت والنادي لَا يُقَال إِلَّا لمجلس فِيهِ أَهله وَالْعَقار: الْمنزل فِي الْبِلَاد والضياع والمنزل فِي طلب الْكلأ، وَكَذَا المنجع [والمقبرة، بِفَتْح الْبَاء: مَكَان الْفِعْل وَبِضَمِّهَا: مُرَاد الْبقْعَة الَّتِي من شَأْنهَا أَن يقبر فِيهَا، أَي الَّتِي هِيَ متخذة لذَلِك، وَالتَّاء لإِرَادَة الْبقْعَة أَو الْمُبَالغَة] والمصطبة: مَكَان اجْتِمَاع الغرباء والماخور: الْموضع الَّذِي يُبَاع فِيهِ الْخمر والموسم: مَكَان سوق الحجيج والملحمة: هِيَ الْحَرْب وَمَوْضِع الْقِتَال الْمركب: كل مركب فَلهُ اعتباران: الْكَثْرَة والوحدة، فالكثرة بِاعْتِبَار أَجْزَائِهِ، والوحدة بِاعْتِبَار هَيئته الْحَاصِلَة فِي تِلْكَ الْكَثْرَة والأجزاء الْكَثِيرَة تسمى مَادَّة والهيئة الاجتماعية الْمُوَحدَة تسمى صُورَة والمركب: إِمَّا تَامّ أَو غير تَامّ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يَصح

стр. 815

السُّكُوت عَلَيْهِ أَي: يُفِيد الْمُخَاطب فَائِدَة تَامَّة فَلَا يكون مستتبعا للفظ آخر ينتظره الْمُخَاطب، وَإِمَّا أَن لَا يَصح ذَلِك كَمَا إِذا قيل: (زيد) فَبَقيَ الْمُخَاطب ينْتَظر فَائِدَة لِأَن يُقَال: قَائِم أَو قَاعد مثلا، بِخِلَاف مَا إِذا قيل: (زيد قَائِم) والمركب إِن صَحَّ السُّكُوت عَلَيْهِ فَكَلَام، فَإِن احْتمل الصدْق وَالْكذب فقضية وَخبر، وَإِلَّا فَإِن دلّ على طلب الْفِعْل أَو التّرْك مَعَ الاستعلاء فَأمر أَو نهي، أَولا مَعَه، فَإِن طلب من الله تَعَالَى فدعاء أَو لَا مِنْهُ مَعَ التَّوَاضُع فالتماس، أَو أَعم مِنْهُمَا فسؤال وَإِن لم يدل فباقي الإنشاءات كالتمني والترجي وَالْقسم والنداء وَإِن لم يَصح السُّكُوت عَلَيْهِ فتقييدي إِن أوجب قيدا أَو لَا فَغَيره والمركب أَعم من الْمُؤلف، إِذْ لَا بُد فِي التَّأْلِيف من نِسْبَة تحصل فَائِدَة تَامَّة مَعَ التَّرْكِيب والمفرد صَالح لِأَن يُرَاد بِهِ جَمِيع الْجِنْس وَأَن يُرَاد بِهِ بعضه إِلَى الْوَاحِد وَقد يُطلق الْمُفْرد وَيُرَاد بِهِ مَا يُقَابل الْمثنى وَالْمَجْمُوع، أَعنِي بِهِ الْوَاحِد وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ مَا يُقَابل الْمُضَاف يُقَال: هَذَا مُفْرد أَي: لَيْسَ بمضاف وَقد يُطلق على مَا يُقَابل الْمركب وَهُوَ أَن لَا يدْخل جزؤه على جُزْء مَعْنَاهُ بِأَن لم يكن للفظ أَو للمعنى جُزْء كهمزة الِاسْتِفْهَام وَقد يُطلق على مَا يُقَابل الْمركب وَالْجُمْلَة فَيُقَال: هَذَا مُفْرد أَي: لَيْسَ بجملة والمفرد الْحَقِيقِيّ هُوَ أدنى الْجِنْس والحكمي جَمِيع الْجِنْس والمفرد عِنْد اصْطِلَاح الْمُحَقِّقين من النُّحَاة: هُوَ الملفوظ بِلَفْظ وَاحِد بِحَسب الْعرف إِذْ نظرهم فِي اللَّفْظ من حَيْثُ الْإِعْرَاب وَالْبناء وَيُرَاد بالمفرد فِي بَاب الْكَلِمَة مَا يُقَابل الْمركب وَفِي بَاب الْإِعْرَاب مَا لَيْسَ مثنى وَلَا مجموعا وَلَا من الْأَسْمَاء السِّتَّة وَفِي بَاب الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مَا لَيْسَ بجملة وَلَا شبهها وَفِي بَاب المنادى مَا لَيْسَ مُضَافا وَلَا مشبها بِهِ والمفرد: إِمَّا أَن لَا يكون لَهُ جُزْء أصلا كهمزة الِاسْتِفْهَام كَمَا عرفت آنِفا، أَو يكون لَهُ جُزْء لَكِن لَا لمعناه كالنقطة، أَو يكون لَهُ جُزْء ولمعناه كَذَلِك لَكِن لَا يدل ذَلِك الْجُزْء من اللَّفْظ على جُزْء الْمَعْنى ك (زيد) أَو يكون لَهُ جُزْء وَدلّ ذَلِك على الْمَعْنى لَكِن لَا على جُزْء مَعْنَاهُ كَعبد الله علما، أَو يكون لَهُ جُزْء وَدلّ ذَلِك الْجُزْء على مَعْنَاهُ لَكِن لَا تكون دلَالَته عَلَيْهِ مُرَادة كالحيوان النَّاطِق علما والمفرد إِذا كَانَ صفة جَازَ أَن يُطَابق وَأَن يفرد كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ﴾ والمفرد الْمُضَاف إِلَى الْمعرفَة للْعُمُوم، صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِدْلَال على أَن الْأَمر للْوُجُوب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ أَي: عَن كل أَمر الله والمفرد الْمُعَرّف إِذا وَقع مُضَافا إِلَيْهِ الْكل فَهُوَ لاستغراق أَجْزَائِهِ، وَلَا يعم الْمُفْرد الْمُضَاف بِالْإِضَافَة [الْمثنى] : كل مثنى أَو مَجْمُوع فتعريفه بِاللَّامِ إِلَّا نَحْو: أبانين، وعمايتين، وعرفات، وَأَذْرعَات قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي شرح هَذِه الْمَسْأَلَة: فَلَا

стр. 816

يكون مثنى أَو مجموعا من الْأَعْلَام إِلَّا وَفِيه الْألف وَاللَّام، هَذَا إِذا كَانَ فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى مثنى أَو مجموعا وَأما إِذا كَانَ فِي اللَّفْظ مثنى أَو مجموعا وَفِي الْمَعْنى مُفردا لم يدْخل فِيهِ الْألف وَاللَّام كَمَا فِي أبانين وَغَيره وَحقّ الْمثنى أَن تكون صِيغَة الْمُفْرد فِيهِ مَحْفُوظَة إِلَّا فِيمَا آخِره ألف، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذا كَانَت ثَالِثَة ردَّتْ إِلَى أَصْلهَا نَحْو: عصوان، ورحيان وَإِن كَانَت رَابِعَة فَصَاعِدا لم تقلب إِلَّا يَاء نَحْو: حبليان، وأوليان وأخريان وَإِن كَانَت ممدودة للتأنيث كحمراء وصحراء قلبت واوا، وَمَا عَداهَا بَاقٍ على حَاله وَيجوز إِفْرَاد الْمُضَاف الْمثنى معنى إِذا كَانَ جُزْء مَا أضيف إِلَيْهِ نَحْو: (أكلت رَأس شَاتين) ، وَجمعه أَجود كَمَا فِي: ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ والتثنية مَعَ أصالتها قَليلَة وَإِن لم يكن الْمُضَاف جزأه فالأكثر مَجِيئه بِلَفْظ التَّثْنِيَة نَحْو: (سل الزيدان سيفيهما) وَإِن أَمن اللّبْس جَازَ جعل الْمُضَاف بِلَفْظ الْجمع وَمَا وحد من خلق الْإِنْسَان فتثنيته بِلَفْظ التَّثْنِيَة، وَكَذَا مَا كَانَ اثْنَيْنِ من وَاحِد ك (الْكَعْبَيْنِ) ، وَأما (مَا كَانَ وَاحِدًا من وَاحِد فتثنيته بِلَفْظ الْجمع ك (الْمرَافِق) وَالْعرب تجْعَل الِاثْنَيْنِ على لفظ الْجمع إِذا كَانَا متصلين وَلَا تَقول منفصلين مثل: (أفراسهما وغلمانهما) والمثنى: مَا دلّ على اثْنَيْنِ بِزِيَادَة فِي آخِره صَالح للتجريد وَعطف مثله عَلَيْهِ مثلا إِذا قلت: الزيدان، فقد دلّ على اثْنَيْنِ بِزِيَادَة فِي آخِره وَهِي الْألف وَالنُّون، وَيصْلح أَن يجرد من الزِّيَادَة فَيَعُود زيدا، وعَلى أَن أَحدهمَا عطف على مثله لِأَن الأَصْل فِيهِ زيد وَزيد وَأما التَّثْنِيَة فَهِيَ ضم وَاحِد إِلَى مثله بِشَرْط اتِّفَاق اللَّفْظَيْنِ والمعنيين أَو الْمَعْنى الْمُوجب للتثنية، هَكَذَا فرق النُّحَاة بَينهمَا والمثنى لَهُ إِعْرَاب يَخُصُّهُ، فيعرب بِالْألف فِي حَالَة الرّفْع وَفتح مَا قبل الْألف، وبالياء فِي حالتي النصب والجر وَفتح مَا قبلهَا، وَنون مَكْسُورَة فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة الْمَبْنِيّ: كل مَبْنِيّ حَقه أَن يبْنى على السّكُون إِلَّا أَن تعرض عِلّة توجب لَهُ الْحَرَكَة وَالَّتِي تعرض أُمُور: أَحدهَا اجْتِمَاع الساكنين مثل: (كَيفَ وَأَيْنَ) ثَانِيهَا: كَونه على حرف وَاحِد مثل الْبَاء الزَّائِدَة ثَالِثهَا: الْفرق بَينه وَبَين غَيره مثل: الْفِعْل الْمَاضِي بني على الْفَتْح لِأَنَّهُ ضارع بعض المضارعة، فَفرق بالحركة بَينه وَبَين مَا لم يضارع وَهُوَ فعل الْأَمر المواجه بِهِ وَبِنَاء بِالْأَصَالَةِ كبناء الْحَرْف وَالْفِعْل الْمَاضِي وَالْأَمر بِغَيْر اللَّام على أفْصح القَوْل، وَبِنَاء بالمطابقة كالأسماء المبنية، وَبِنَاء بالتبعية كالتوابع والمنادى فِي قَوْلك: يَا رجل ظريف، وَيَا زيد عَمْرو وإعراب بِالْأَصَالَةِ كإعراب الِاسْم، وإعراب بالتبعية كإعراب التوابع والمبني مَا لزم وَجها وَاحِدًا وَهُوَ جَمِيع الْحُرُوف وَأكْثر الْأَفْعَال وَهُوَ الْمَاضِي وَأمر الْمُخَاطب وَبَعض

стр. 817

الْأَسْمَاء نَحْو " (من وَكم وَكَيف وَأَيْنَ) وَمَا أشبه الْحَرْف ك (الَّذِي وَالَّتِي وَمن) و (مَا) فِي معنى الَّذِي أَو تضمن مَعْنَاهُ: وَالْبَاء لَازم فِيمَا ذكر وعارض فِي نَحْو: (غلامي) ، و (لَا رجل فِي الدَّار) ، و (يَا زيد) ، و (خَمْسَة عشر) وَمن الْأَفْعَال الْمُضَارع إِذا اتَّصل بِهِ ضمير جمَاعَة الْمُؤَنَّث نَحْو: (هَل يفعلن) ، وَنون التوكيد نَحْو: (هَل تفعلن) من: كل مَوضِع يَصح الْكَلَام فِيهِ بِدُونِ (من) ف (من) فِيهِ للتَّبْعِيض كَمَا فِي قَوْلك (أخذت من الدَّرَاهِم) و (أكلت من هَذَا الْخبز) وَلَو زيد (الْجيد) كَانَ (من) حِينَئِذٍ للْبَيَان وكل مَوضِع لَا يَصح الْكَلَام فِيهِ بِدُونِ (من) ف (من) فِيهِ صلَة زيدت لتصحيح الْكَلَام وَقَالَ بَعضهم: المبعضة مَا يَصح فِي موضعهَا (بعض) كَمَا فِي: (أخذت من الدَّرَاهِم) أَو يكون الْمَذْكُور قبلهَا لفظا أَو معنى بَعْضًا مِمَّا بعْدهَا كَقَوْلِك: (أخذت درهما من الدَّرَاهِم) وَلها مَسْلَك آخر غير مَعْهُود من أهل اللِّسَان وَهُوَ أَنَّهَا إِن تقدمها كلمة (مَا) كَانَت لتبعيض مَا قبلهَا، فَكَانَ وجودهَا وَعدمهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بعْدهَا سَوَاء، وَإِن لم يتقدمها (مَا) كَانَت لتبعيض مَا بعْدهَا [وَفِي كل مَوضِع تمّ الْكَلَام بِنَفسِهِ وَلَكِن اشْتَمَل على ضرب إِبْهَام ف (من) للتمييز، وَإِلَّا فللتبعيض قَالَه الْعَلامَة الشَّيْخ النَّسَفِيّ] وَقَالَ السَّيِّد الشريف: (من) إِذا كَانَت للتَّبْعِيض يكون مَا قبلهَا أقل مِمَّا بعْدهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رجل مُؤمن من آل فِرْعَوْن﴾ وَإِن كَانَت للتبيين يكون مَا قبلهَا أَكثر مِمَّا بعْدهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ والبعضية الْمُعْتَبرَة فِي (من) التبعيضية هِيَ البعضية فِي الْأَجْزَاء لَا البعضية فِي الْأَفْرَاد خلاف التنكير الَّذِي يكون للتَّبْعِيض، فَإِن الْمُعْتَبر فِيهِ التَّبْعِيض فِي الْأَفْرَاد لَا فِي الْأَجْزَاء وَقد صرح الزَّمَخْشَرِيّ فِي مَوَاضِع من " الْكَشَّاف " بِأَنَّهُ قد يقْصد بالتنكر الدّلَالَة عيلى البعضية فِي الْأَجْزَاء، مِنْهَا مَا ذكره فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ وَالْحق مَا قَالَه الشَّيْخ سعد الدّين: وَهُوَ أَن البعضية الَّتِي تدخل عَلَيْهَا (من) هِيَ البعضية الْمُجَرَّدَة المنافية للكلية لَا البعضية الَّتِي هِيَ أَعم من أَن تكون فِي ضمن الْكُلِّي أَو بِدُونِهِ لِاتِّفَاق النُّحَاة على ذَلِك، حَيْثُ احتاجوا إِلَى التَّوْفِيق بَين قَوْله تَعَالَى: (يغْفر لكم من ذنوبكم﴾ وَبَين قَوْله: ﴿إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ إِلَى أَن قَالُوا: لَا يبعد أَن يغْفر جَمِيع الذُّنُوب لقوم وَبَعضهَا لقوم وَلم يذهب أحد إِلَى أَن التَّبْعِيض لَا يُنَافِي الْكُلية، [قَالَ الْأَخْفَش: كلمة (من) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يغْفر لكم من ذنوبكم﴾ زَائِدَة وَإِلَّا لتناقضت هَذِه الْآيَة لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ ومحمولة على الْبَعْض عِنْد سَائِر النُّحَاة وَهُوَ الْحق، لِأَن زِيَادَة (من) فِي الْوَاجِب لَا يجوز عِنْد الْعَرَب، دلّ عَلَيْهِ انْتِفَاء صِحَة قَوْلهم: مَاتَ من رجل، ومورد الْآيَة الأولى قوم

стр. 818

سيدنَا نوح ﵊، ومورد الثَّانِيَة أمة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد ﷺ فَلَا تنَاقض وَلَو سلم اتحادهما فَمَا الْمَانِع من أَن يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا لبَعْضهِم وَيغْفر بَعْضًا لبَعْضهِم، إِذْ من الذُّنُوب مَا لَا يغْفر بِالْإِيمَان كذنوب الْمَظَالِم وَنَحْوهَا وَلَفْظَة (من) للابتداءات الْمَخْصُوصَة لَا بأوضاع مُتعَدِّدَة حَتَّى يلْزم كَونه مُشْتَركا بل بِوَضْع وَاحِد عَام وَلَفْظَة الِابْتِدَاء مَوْضُوع لمُطلق الِابْتِدَاء] (وَجِيء فِي ﴿يغْفر لكم﴾ فِي الْقُرْآن ب (من) فِي خطاب الْكَفَرَة دون الْمُؤمنِينَ مثل: ﴿يغْفر لكم ذنوبكم﴾ فِي خطاب الْمُؤمنِينَ فِي " الْأَحْزَاب " وَفِي " الصَّفّ " ﴿وَيغْفر لكم من ذنوبكم﴾ فِي خطاب الْكفَّار فِي " نوح " وَفِي " إِبْرَاهِيم " وَفِي " الْأَحْقَاف " وَمَا ذَاك إِلَّا للتفرقة بَين الخطابين لِئَلَّا يسوى بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي الْوَعْد) و (من) لابتداء الْغَايَة غَالِبا فِي الْمَكَان اتِّفَاقًا نَحْو: ﴿من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ وَفِي الزَّمَان عِنْد الْكُوفِيّين نَحْو: ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة﴾ ، وَالصَّحِيح أَن (من) فِيهِ للتَّبْعِيض لِأَن النداء يَقع فِي بعض الْيَوْم، وَالْمرَاد بالغاية هُنَا جَمِيع الْمسَافَة إطلاقا لاسم الْجُزْء على الْكل إِذْ لَا معنى لابتداء النِّهَايَة وَمن غير الْغَالِب وُرُودهَا للتَّبْعِيض نَحْو: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ والتبيين نَحْو: ﴿أساور من ذهب﴾ [والابتداء والتبيين أصلان لَا يعدل عَنْهُمَا إِلَى التَّبْعِيض بِغَيْر دَاع] وَالتَّعْلِيل نَحْو: ﴿من غم أعيدوا فِيهَا﴾ أَي لأَجله، كَذَا و (من ثمَّة) وَالْبدل نَحْو: ﴿أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة﴾ أَي بدلهَا والتنصيص على الْعُمُوم وَهِي الدَّاخِلَة على نكرَة لَا تخْتَص بِالنَّفْيِ نَحْو: (مَا فِي الدَّار من رجل) والفصل بَين المتضادين نَحْو: ﴿وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح﴾ ومرادفة الْبَاء نَحْو: ﴿يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله﴾ أَي بأَمْره ومرادفة (عَن) نَحْو: ﴿قد كُنَّا فِي غَفلَة من هَذَا﴾ أَي عَنهُ ومرادفة (فِي) نَحْو: ﴿فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم﴾ أَي فِي قوم، (و ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة﴾ أَي: فِي الصَّلَاة) ومرادفة (عِنْد) نَحْو: ﴿لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا﴾ أَي: عِنْد الله

стр. 819

ومرادفة (على) نَحْو: ﴿نصرناه من الْقَوْم﴾ أَي عَلَيْهِم وَتَكون لانْتِهَاء الْغَايَة نَحْو: (رَأَيْته من ذَلِك الْموضع) أَي: جعلته غَايَة للرؤية أَي: محلا للابتداء والانتهاء وَمِمَّا يشْهد بذلك أَن فعل الاقتراب كَمَا يسْتَعْمل ب (من) يسْتَعْمل أَيْضا ب (إِلَى) وَلم يذكر أحد فِي مَعَاني كلمة (إِلَى) أَن تكون لابتداء الْغَايَة، وَالْأَصْل أَن يكون الصلتان بِمَعْنى فَيحمل (من) على (إِلَى) فَعلم أَن المُرَاد بهَا انْتِهَاء الْغَايَة و (من) إِذا وَقع بعْدهَا (مَا) كَانَت بِمَعْنى (رُبمَا) وَعَلِيهِ خَرجُوا قَول سِيبَوَيْهٍ: " وَاعْلَم أَنهم مِمَّا يَجدونَ كَذَا " و (من) تسْتَعْمل فِيمَا ينْتَقل مثل: (أخذت مِنْهُ الدَّرَاهِم) و (عَن) تسْتَعْمل فِيمَا لَا ينْتَقل مثل: (أخذت عَنهُ الْعلم) وتجيء (من) للتجريد نَحْو: (لقِيت من زيد أسدا) وَتَكون فعل أَمر من: مان يَمِين وَمَتى كَانَ مَا قبل (من) البيانية نكرَة يكون مدخولها صفة لَهُ نَحْو: (رَأَيْت رجلا من قَبيلَة بني تَمِيم) وَمَتى كَانَ معرفَة يكون حَالا مِنْهُ نَحْو: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ و (من) الَّتِي للابتداء لَا تكون إِلَّا فِي مُقَابلَة (إِلَى) وَبَيَان (من) الابتدائية هُوَ إِمَّا أَن يكون الِابْتِدَاء دَاخِلا فِي الِانْتِهَاء كَقَوْلِك: (لفُلَان عَليّ دِرْهَم من وَاحِد إِلَى الْعشْرَة) فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الِابْتِدَاء والانتهاء داخلين فِي الحكم فَيكون الدِّرْهَم عشرَة، وَإِمَّا أَن يكون الِابْتِدَاء دَاخِلا دون الِانْتِهَاء فَيكون الدِّرْهَم تِسْعَة، أَو لَا يكونَانِ داخلين فِي الحكم فَيكون الدِّرْهَم ثَمَانِيَة وَقد تكون ابتدائية على سَبِيل الْعلية فَيكون مَا بعْدهَا أمرا باعثا على الْفِعْل الَّذِي قبلهَا فَيُقَال مثلا: (قعد من الْجُبْن) وَلَا يكون غَرضا مَطْلُوبا مِنْهُ إِلَّا إِذا صرح بِمَا يدل على التَّعْلِيل ظَاهرا كَقَوْلِك: (ضَربته من أجل التَّأْدِيب) بِخِلَاف اللَّام لِأَنَّهَا وَحدهَا تسْتَعْمل فِي كل مِنْهُمَا مَا: يسْأَل بهَا عَن الْجِنْس تَقول: (مَا عنْدك) أَي: أَي أَجنَاس الْأَشْيَاء عنْدك؟ وَجَوَابه: كتاب وَنَحْوه وَيدخل فِيهِ السُّؤَال عَن الْمَاهِيّة والحقيقة نَحْو: (مَا الْكَلِمَة) أَي: أَي أَجنَاس الْأَلْفَاظ؟ وَجَوَابه: لفظ مُفْرد مَوْضُوع و (مَا الِاسْم) أَي: أَي أَجنَاس الْكَلِمَات هُوَ؟ وَجَوَابه: الْكَلِمَة الدَّالَّة على معنى فِي نَفسهَا غير مقترنة بِأحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة أَو عَن الْوَصْف، تَقول: (مَا زيد) وَجَوَابه: الْكَرِيم وَنَحْوه و (مَا) حَيْثُ وَقعت قبل (لَيْسَ) أَو (لم) ، أَو (لَا) ، أَو بعد (إِلَّا) فَهِيَ مَوْصُولَة وَحَيْثُ وَقعت بعد كَاف التَّشْبِيه فَهِيَ مَصْدَرِيَّة وَحَيْثُ وَقعت بعد الْبَاء تحتملهما نَحْو: ﴿بِمَا كَانُوا يظْلمُونَ﴾ وَحَيْثُ وَقعت بعد فعلين سابقهما علم أَو دراية أَو نظر تحْتَمل الموصولية والاستفهامية والمصدرية

стр. 820

وَحَيْثُ وَقعت فِي الْقُرْآن قبل (إِلَّا) فَهِيَ نَافِيَة إِلَّا فِي ثَلَاثَة عشر موضعا ذكرهَا صَاحب " الإتقان " وَقد نظمت فِيهِ: (لضابط مَا فاسمع مقَالا منظما ... ولاتك فِي ضبط الْقَوَاعِد غافلا) (إِذا وَقعت مَا قبل لَيْسَ وَلَا وَلم ... كَذَا بعد إِلَّا فَهِيَ مَوْصُولَة بِلَا) (وَلَو وَقعت فِي وسط فعلين مِنْهُمَا ... لَهَا نظر علم دراية أَولا) (فموصولة سمها سوى المصدرية ... كَذَاك بالاستفهام سمها بِلَا وَلَا) (وَمَا بعد كَاف الشّبَه تصديرها بدا ... وَمَا بعد بَاء يحتملها وموصلا) (وَمَا قبل إِلَّا فَهِيَ نَافِيَة سوى ... مَوَاضِع يج فِي النُّور إِن شِئْت رتلا) مَا الْإِثْبَات نَحْو: ﴿لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ﴾ مَا النَّفْي نَحْو: ﴿مَا أُرِيد مِنْهُم من رزق﴾ مَا الْجحْد نَحْو: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول﴾ مَا الواقفة نَحْو: ﴿مَا داموا فِيهَا﴾ مَا الصِّلَة نَحْو: ﴿جند مَا هُنَالك﴾ مَا الاستفهامية نَحْو: ﴿وَمَا تِلْكَ بيمينك﴾ مَا الموصولة نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر﴾ أَي: بِمَا تُؤمر بالصدع بِهِ وَفِي بعض الْمُعْتَبرَات لم يَأْتِ فِي الْقُرْآن إِثْبَات الْعَائِد إِلَّا فِي ثَلَاث آيَات وَهِي: ﴿كَالَّذي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس﴾ ، ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين﴾ ، ﴿واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه﴾ مَا الشّرطِيَّة نَحْو: ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة﴾ مَا التَّعَجُّب نَحْو: ﴿فَمَا أصبرهم على النَّار﴾ وَمَا النافية إِذا دخلت الْأَسْمَاء تكون لنفي المعارف كثيرا والنكرات قَلِيلا وَلَا النافية إِذا دخلت الْأَسْمَاء تكون بِالْعَكْسِ مَعَ تَكْرِير (لَا) ، وَإِذا دخلتا الْأَفْعَال ف (مَا) لنفي الْحَال عِنْد الْجُمْهُور و (لَا) لنفي الِاسْتِقْبَال عِنْد الْأَكْثَرين (مَا لنفي مَا فِي الْحَال لَا غير، و (لَا) قد تكون لنفي الْمَاضِي نَحْو: ﴿فَلَا صدق وَلَا صلى﴾ ، فَلَمَّا كَانَت (مَا) ألزم لنفي مَا فِي الْحَال كَانَت أوغل فِي الشّبَه (لَيْسَ) من (لَا) ، فَلذَلِك قل اسْتِعْمَال (لَا) بِمَعْنى لَيْسَ وَكثر اسْتِعْمَال (مَا) وَكَانَت لذَلِك أَعم تَصرفا حَيْثُ تعْمل فِي الْمعرفَة والنكرة نَحْو:

стр. 821

(مَا زيد قَائِما) ، و (مَا أحد مثلك) و (لَا) لَيْسَ لَهَا عمل إِلَّا فِي النكرَة مَا الاسمية تكون نَاقِصَة نَحْو: ﴿مَا عِنْد الله بَاقٍ﴾ وَتَكون تَامَّة وَهِي نَوْعَانِ: عَامَّة نَحْو: ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ﴾ أَي: فَنعم الشَّيْء هِيَ، وَهِي الَّتِي لم يتقدمها اسْم وخاصة: وَهِي الَّتِي تقدمها اسْم، وتقدر من لفظ ذَلِك الِاسْم نَحْو: (غسلته غسلا نعما) أَي: نعم غسلا وَتَكون نكرَة مَوْصُوفَة متضمنة معنى الْحَرْف نَحْو: ﴿مَا لَوْنهَا﴾ وَتَكون شَرْطِيَّة غير زمانية نَحْو: ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ وزمانية نَحْو: ﴿فَمَا استقاموا لكم﴾ أَي: اسْتَقِيمُوا لَهُم مُدَّة استقامتهم لكم مَا الْحَقِيقَة: هِيَ الَّتِي يسْأَل بهَا عَن الْحَقِيقَة وَمَا الشارحة: هِيَ الَّتِي يسْأَل بهَا عَن الْمَفْهُوم و (مَا) فِي مثل: (أَعْطِنِي كتابا مَا) إبهامية، وَهِي الَّتِي إِذا اقترنت باسم نكرَة أبهمت إبهاما وزادته شياعا وعموما أَي: أَي كتاب كَانَ، أَو صفة للتَّأْكِيد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم﴾ وَيتَفَرَّع على الْإِبْهَام الحقارة نَحْو: (أعْطه شَيْئا مَا) والفخامة نَحْو: (لأمر مَا يسود من يسود) إِذا لم تجْعَل مَصْدَرِيَّة والنوعية مثل: (اضربه ضربا مَا) وَفِي الْجُمْلَة يُؤَكد بهَا مَا أَفَادَهُ تنكير الِاسْم قبلهَا وَمَا الحرفية تكون نَافِيَة وَإِن دخلت على الْجُمْلَة الاسمية أعملها الحجازيون والتهاميون والنجديون عمل (لَيْسَ) بِشُرُوط مَعْرُوفَة نَحْو: ﴿مَا هَذَا بشرا﴾ وَتَكون مَصْدَرِيَّة غير زمانية نَحْو: ﴿ودوا مَا عنتم﴾ وزمانية نَحْو: ﴿مَا دمت حَيا﴾ وَتَكون زَائِدَة وَهِي نَوْعَانِ كَافَّة وَغير كَافَّة، فالكافة إِمَّا كَافَّة عَن عمل الرّفْع وَهِي الْمُتَّصِلَة ب (قل) و (طَال) و (كثر) وَأما الكافة عَن عمل النصب وَالرَّفْع وَهِي الْمُتَّصِلَة بإن وَأَخَوَاتهَا نَحْو: ﴿إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد﴾ وَأما الكافة عَن عمل الْجَرّ فَهِيَ تتصل بأحرف وظروف، فالأحرف: رب وَالْكَاف وَالْبَاء وَمن والظروف: بعد وَبَين وَغير الكافة عوض وَغير عوض، فالعوض كَمَا فِي: (مَا أَنْت مُنْطَلقًا انْطَلَقت) وَغير الْعِوَض يَقع بعد الرافع نَحْو: (شتان مَا زيد وَعَمْرو) وَبعد الناصب والرافع نَحْو: (ليتما زيد قَائِم) وَبعد الْخَافِض نَحْو: ﴿فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم﴾ ، و ﴿عَمَّا قَلِيل﴾ ، و ﴿مِمَّا خطيئاتهم أغرقوا﴾

стр. 822

وتزاد مَعَ أدوات الشَّرْط نَحْو: (إذما مَا تخرج أخرج) و (مَتى مَا تذْهب أذهب) ، و (أَيْنَمَا تجْلِس أَجْلِس) ، ﴿فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا﴾ و (مَا) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَال هَذَا الرَّسُول يَأْكُل﴾ استفهامية وَعلة وُقُوع اللَّام مُنْفَصِلَة فِي الْمُصحف أَنه كتب على لفظ المملي، قَالَ الْفراء: أَصله: مَا بَال هَذَا (ثمَّ حذفت (با) فَبَقيت مُنْفَصِلَة) وَقيل: أصل حُرُوف الْجَرّ أَن تَأتي مُنْفَصِلَة عَمَّا بعْدهَا نَحْو: من وَعَن وعَلى، فَأتى مَا هُوَ على حرف على قِيَاس مَا هُوَ على حرفين وَمثله: ﴿فَمَال هَؤُلَاءِ الْقَوْم﴾ و (مَا) فِي (مَا دَامَ) مَصْدَرِيَّة فِي مَوضِع نصب على الظّرْف، وَفِي بَاقِي أخواتها حرف نفي، وَمعنى جَمِيعهَا الدَّوَام والثبات وَمَا الموصولة مَعَ الصِّلَة معرفَة، وبدونها نكرَة و (مَا) ك (من) بِالْفَتْح فِي أَنَّهَا إِذا كَانَت شَرْطِيَّة أَو استفهامية تكون عَامَّة غير مُعْتَبر فِي عمومها الِانْفِرَاد كَمَا فِي (كل) وَلَا الِاجْتِمَاع كَمَا فِي (جَمِيع) لَا إِن كَانَت مَوْصُولَة فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تكون عَامَّة قطعا و (مَا) فِي (مَاذَا) اسْتِفْهَام و (ذَا) إِمَّا إِشَارَة نَحْو: (مَاذَا الْوُقُوف) أَو مَوْصُولَة أَو كلمة اسْتِفْهَام على التَّرْكِيب كَقَوْلِك: (لماذا جِئْت) ؟ أَو كلمة اسْم جنس بِمَعْنى شَيْء أَو الَّذِي، أَو مَا زَائِدَة وَذَا إِشَارَة، أَو اسْتِفْهَام وَذَا زَائِدَة كَمَا فِي: (مَاذَا صنعت) ؟ وَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أمك مَا يُوحى﴾ لَيْسَ ك (مَا) فِي قَوْله: ﴿فغشيهم من اليم مَا غشيهم﴾ ﴿فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى﴾ أَعنِي التفخيم، بل هُوَ مثل: (هَذَا مِمَّا يحفظ) أَي: مِمَّا يجب أَن يحفظ، فَمَعْنَى مَا يُوحى: مَا يجب أَن يُوحى (وَهُوَ قذفه فِي التابوت وقذفه فِي اليم) إِذْ لَا سَبِيل إِلَى [معرفَة قذف سيدنَا مُوسَى فِي التابوت وقذفه فِي اليم] سوى الْوَحْي، وإنقاذ نَبِي من عَدو غوي مصلحَة لَا يَلِيق الْإِخْلَال بهَا من، بِالْفَتْح: هِيَ صَالِحَة لكل من يعقل و " مَا " صَالِحَة لكل مَا لَا يعقل من غير حصر وَالْمرَاد بالصلاحية التَّنَاوُل لأفراده دفْعَة لَا على سَبِيل الْبَدَل كالنكرة فِي الْإِثْبَات، فَإِنَّهَا فِي حَال الْإِفْرَاد تتَنَاوَل كل فَرد فَرد، بَدَلا عَن الآخر، وَفِي حَال التَّثْنِيَة تتَنَاوَل كل اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَفِي حَال الْجمع تتَنَاوَل كل جمع جمع تنَاول بدل لَا شُمُول وَالْأَكْثَرُونَ على أَن (مَا) تعم الْعُقَلَاء وَغَيرهم قَالَ بَعضهم: وَالْغَالِب فِي اسْتِعْمَال (من) فِي الْعَالم عكس (مَا) ونكتته أَن (مَا) أَكثر وقوعا فِي الْكَلَام من (من) ، وَمَا لَا يعقل أَكثر مِمَّن يعقل، فأعطوا مَا كثرت صفته للتكثير وَمَا قلت للتقليل للمشاكلة وَفِي " أنوار التَّنْزِيل ": (مَا) يسْأَل بِهِ عَن كل شَيْء مَا لم يعرف فَإِذا عرف خص الْعُقَلَاء ب (من) إِذا سُئِلَ عَن تَعْيِينه، وَإِذا سُئِلَ عَن وَصفه قيل: (مَا زيد أفقيه أم طَبِيب؟) وَلما اسْتعْمل (مَا) للعقلاء كَمَا

стр. 823

اسْتعْمل لغَيرهم كَانَ اسْتِعْمَال حَيْثُ اجْتمع القبيلان أولى من إِطْلَاق (من) تَغْلِيبًا للعقلاء وَقد يكون (مَا) و (من) للخصوص وَإِرَادَة الْبَعْض، وَقد يستعار أَحدهمَا للْآخر نَحْو: ﴿فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه﴾ ، ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ وَإِذا اسْتعْمل (مَا) فِي ذَوي الْعُقُول يُرَاد الْوَصْف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ وَاسْتدلَّ على إِطْلَاق (مَا) على ذَوي الْعُقُول بإطباق أهل الْعَرَبيَّة على صِحَة قَوْلهم (من) لما يعقل من غير تجوز فِي ذَلِك، حَتَّى لَو قيل لمن يعقل كَانَ لَغوا من الْكَلَام بِمَنْزِلَة أَن يُقَال لذِي عقل: عَاقل قَالَ بَعضهم (من) عَامَّة لذوات من يعقل قطعا إِن كَانَت شَرْطِيَّة أَو استفهامية، لَا إِن كَانَت مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة فإئها حِينَئِذٍ لَا تكون عَامَّة قطعا، أما الموصولة فَإِنَّهَا قد تكون للخصوص وَإِرَادَة الْبَعْض نَحْو: ﴿وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون إِلَيْك وَمِنْهُم من ينظر إِلَيْك﴾ فَإِن المُرَاد بعض مَخْصُوص من الْمُنَافِقين وإفراد الضَّمِير وَجمعه بِاعْتِبَار اللَّفْظ وتعددهم معنى وَأما الموصوفة فَإِنَّهَا فِي الْمَعْنى نكرَة وتخص (من) إِذا لحقه لفظ أول لِأَن الأول اسْم لفرد سَابق، فَإِذا قَالَ: (من دخل الْحصن أَولا) فَهُوَ تَصْرِيح بالخصوص فيرجح معنى الْخُصُوص و (مَا) ك (من) فِي جَمِيع مَا ذكر لكنه لصفات من يعقل وَذَوَات غَيرهم، كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَقَالَ بَعضهم: (من) للعاقل وَقد يَقع لغيره قيل مُطلقًا، وَالصَّحِيح أَنه إِذا اخْتَلَط بالعاقل و (مَا) لغير الْعَاقِل وَقد يُطلق على الْعَاقِل قيل مُطلقًا وَقيل إِذا اخْتَلَط وَيُطلق أَيْضا على الْعَاقِل إِذا جهل أذكر أم أُنْثَى وَقد يصنع هَذَا فِي (من) الموصوفة إِذْ لَا تَخْصِيص فِيهَا بِخِلَاف الموصولة لِأَن وَضعهَا على أَن لَا تخصص بمضمون الصِّلَة وَتَكون معرفَة بهَا وَمن اسْتِعْمَال الْقُرْآن أَن (من) مَوْصُوفَة عِنْد إِرَادَة الْجِنْس وموصولة عِنْد إِرَادَة الْعَهْد و (من) فِي الشَّرْط والاستفهام تعم عُمُوم الِانْفِرَاد، وَفِي الْخَبَر تعم عُمُوم الاشتمال، حَتَّى لَو قَالَ: (من زارني فأعطه درهما) ، يسْتَحق كل من زَارَهُ الْعَطِيَّة وَلَو قَالَ: (أعْط من فِي هَذِه الدَّار درهما) اسْتحق الْكل درهما وَمن الشّرطِيَّة نَحْو ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ والاستفهامية نَحْو: ﴿من ذَا الَّذِي يعصمكم من الله﴾ والموصولة نَحْو: ﴿لله يسْجد من فِي السَّمَوَات﴾ و (من) فِي قَوْله: (مَرَرْت بِمن معجب لَك) نكرَة مَوْصُوفَة أَي بِإِنْسَان معجب لَك وَقد تدخل (رب) على (من) دون (أَي) و (من) تدْخلهَا الْألف وَاللَّام وياء النِّسْبَة فِي الْحِكَايَة بِخِلَاف (أَي) ، و (أَي) قد يُوصف بهَا بِخِلَاف (من) ، (وَقد تكون من فِي معنى اثْنَيْنِ كَمَا

стр. 824

فِي قَوْله: نَكُنْ مثل من يَا ذِئْب يصطحبان) و (من) إِنَّمَا تذكر وتؤنث بِاعْتِبَار مدلولها وإبهامه وشيوعه كالمشترك، وَأما لفظ (من) فَلَيْسَ إِلَّا مذكرا (وَمَا) كَذَلِك وَكلمَة (من) مَفْتُوحًا نَص فِي الْعُمُوم، ومكسورا وَإِن كَانَت للتَّبْعِيض إِلَّا أَنَّهَا تحمل على التَّمْيِيز وَالْبَيَان فِي مَوضِع الْإِبْهَام كَمَا فِي (من شِئْت من نسَائِي طَلاقهَا فَطلقهَا) حَتَّى يجوز أَن يُطَلِّقهُنَّ جَمْعَاء عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَأما عِنْد أبي حنيفَة يعم الْكل إِلَّا وَاحِدَة مِنْهُنَّ لِأَن كلمة (من) مَفْتُوحًا للتعميم والإحاطة فِيمَا يُرَاد بِهِ وَيذكر فِي صلته بِشَهَادَة النَّقْل والاستعمال ومكسورا للتَّبْعِيض حَقِيقَة إِذا قرنت بِمَا فِيهِ تعدد وشمول على مَا يشْهد بِهِ الِاسْتِعْمَال، وَإِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الْبَيَان والتمييز لما فِيهِ من معنى التَّمْيِيز فِي الْجُمْلَة، وَقد جمع الْمُتَكَلّم بَينهمَا فَوَجَبَ الْعَمَل بحقيقتها فَيَقَع الطَّلَاق على أَكثر من وَاحِد عملا بِالْعُمُومِ وَلَا يَقع على الْكل عملا بالخصوص، وَإِنَّمَا تعين الْوَاحِد لِأَنَّهُ الْأَقَل الْمُتَيَقن وَاخْتلف فِي (من) هَل بتناول الْأُنْثَى؟ فعندنا لَا يتَنَاوَلهُ خلافًا للشَّافِعِيَّة و (من) يثنى وَيجمع فِي الْحِكَايَة كَقَوْلِه: منان ومنون مَعَ: اسْم، (وَقد يسكن وينون) ، أَو حرف خفض، أَو كلمة تضم الشَّيْء إِلَى الشَّيْء ظرف بِلَا خلاف فَإِنَّهُ مُضَاف إِلَى أحد المتصاحبين وَهُوَ لإِثْبَات المصاحبة ابْتِدَاء كَمَا أَن الْبَاء لاستدامتها وَأما: ﴿وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان﴾ فثمة يحمل على التَّخْصِيص للصارف من الْحمل على الْحَقِيقَة، أَو الْمَعْنى أسلمت مصاحبة بِسُلَيْمَان وَهُوَ فِي الْقُرْآن لمعان: للقران وَهُوَ الأَصْل نَحْو: ﴿وَإِذا كَانُوا مَعَه على أَمر﴾ وَله وللحوق أَيْضا نَحْو: ﴿هَذَا ذكر من معي وَذكر من قلبِي﴾ وَبِمَعْنى " بعد " نَحْو: ﴿وَدخل مَعَه السجْن فتيَان﴾ وَبِمَعْنى " عِنْد " نَحْو: ﴿مُصدقا لما مَعكُمْ﴾ وَبِمَعْنى " الْعلم " نَحْو: ﴿وَهُوَ مَعَهم إِذْ يبيتُونَ﴾ [وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الله مَعَ الصابرين﴾ أَي لَا يُفَارق قُلُوبهم وهم فِي ذكره فَيكون بِمَعْنى شُهُود الْقلب وَبِمَعْنى الْمُتَابَعَة نَحْو: ﴿وَطَائِفَة من الَّذين مَعَك﴾

стр. 825

وَبِمَعْنى شُهُود الصُّورَة نَحْو: ﴿ألم نَكُنْ مَعكُمْ﴾ وَبِمَعْنى شُهُود الْقلب نَحْو: ﴿إِنَّا مَعكُمْ﴾ وَبِمَعْنى شهودهما مَعًا نَحْو: ﴿وَالَّذين مَعَه﴾ والمعية الشرفية كشخصين متساويين فِي الْفَضِيلَة والمعية بالرتبة كنوعين مُتَقَابلين تَحت جنس وَاحِد وشخصين متساوين فِي الْقرب إِلَى الْمِحْرَاب والمعية بِالذَّاتِ كجرمين متقومين لماهية وَاحِدَة فِي رُتْبَة وَاحِدَة والمعية بالعلية كعلتين لمعلولين شخصيين عَن نوع وَاحِد، وَلَا تدخل " مَعَ " إِلَّا على الْمَتْبُوع وَيَقْتَضِي معنى النُّصْرَة وَأَن الْمُضَاف إِلَيْهِ لفظ مَعَ الْمَنْصُور نَحْو: ﴿لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ ، ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا﴾ وَنَحْو ذَلِك كثير (فِي النّظم الْمُبين) وَإِن سكنت عينه كَانَ حرفا، وَإِن فتحت وأضيفت كَانَ ظرفا، وَإِن فتحت ونونت كَانَ اسْما وَكُنَّا مَعًا: أَي جَمِيعًا وَفِي حِكَايَة سِيبَوَيْهٍ: ذهبت من مَعَه وَإِذا قيل: جَاءَ زيد وَعَمْرو كَانَ إِخْبَارًا عَن (اشتراكهما فِي الْمَجِيء على احْتِمَال أَن يكون فِي وَقت وَاحِد أَو سبق أَحدهمَا وَإِذا قيل: جَاءَ زيد مَعَ عَمْرو، كَانَ إِخْبَارًا عَن) مجيئهما متصاحبين وَبَطل تَجْوِيز الِاحْتِمَالَيْنِ الآخرين وَيُقَال: (رجل إمعة) أَي من شَأْنه أَن يَقُول لكل أحد: أَنا مَعَك مَتى: من الظروف الزمانية المتضمنة للشّرط الجازمة للْفِعْل وَقد يكون خَبرا وَالْفِعْل الْوَاقِع بعده مُبْتَدأ على تَنْزِيله منزلَة الْمصدر كَقَوْل صَاحب " الْهِدَايَة ": مَتى يصير مُسْتَعْملا أَي: صَيْرُورَته مُسْتَعْملا فِي أَي زمَان وَمَتى لتعميم الْأَوْقَات فِي الِاسْتِقْبَال بِمَعْنى أَن الحكم الْمُعَلق بِهِ يعم كل وَقت من أَوْقَات وُقُوع مَضْمُون الْجَزَاء و (مَتى مَا) أَعم من ذَلِك وأشمل، وَرُبمَا يجْرِي فِي " مَتى " من التَّخْصِيص مَا لَا يجْرِي فِي " مَتى مَا "، وَقد يشبه مَتى بإذا فَلم يجْزم، كَمَا يشبه إِذا بمتى فِي قَوْله: " إِذا أخذتما مضاجعكما فَكَبرَا أَرْبعا وَثَلَاثِينَ " وَفِي " الْكرْمَانِي ": يجوز الْجَزْم بإذا وَالِاسْم بعد " مَتى " يَقع مَرْفُوعا تَارَة ومجرورا أُخْرَى، وَالْفِعْل بعْدهَا يَقع مَرْفُوعا أَو مَجْزُومًا وَمَعْنَاهَا مُخْتَلف باخْتلَاف أحوالها و" مَتى " إِذا أطلق يُفِيد الْجُزْئِيَّة و " كلما " إِذا أطلق يُفِيد الْكُلية وَمَتى الشّرطِيَّة للزمان الْمُبْهم، وَلما لَا يتَحَقَّق وُقُوعه و" إِذا " الشّرطِيَّة للزمان الْمعِين وَلما لَا يتَحَقَّق وُقُوعه و" مَتى " للزمان فِي الِاسْتِفْهَام وَالشّرط نَحْو: " مَتى تقوم "، و " مَتى تقم أقِم " و" أَيْن " للمكان فيهمَا نَحْو: " أَيْن كنت تجْلِس أَجْلِس " و " حَيْثُمَا " للمكان فِي الشَّرْط فَقَط نَحْو: " حَيْثُمَا تجْلِس أَجْلِس " ولكونه أَدخل فِي الْإِبْهَام لم يصلح

стр. 826

للاستفهام وَتقول الْعَرَب: " أخرجه من مَتى كمه " بِمَعْنى وسط كمه و (المتى) : هُوَ حُصُول الشَّيْء فِي الزَّمَان، ككون الْكُسُوف فِي وَقت كَذَا [وَهُوَ إِحْدَى المقولات] مهما: كلمة تسْتَعْمل للشّرط وَالْجَزَاء، قيل هِيَ بسيطة وَقيل هِيَ مركبة أَصْلهَا " ماما " ضمت إِلَى " مَا " الجزائية " مَا " المزيدة للتَّأْكِيد كَمَا ضمت إِلَى " أَيْن " فِي ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ خلا أَن الْألف الأولى قلبت هَاء حذرا من تَكْرِير المتجانسين، وَلها ثَلَاثَة معَان: الأول: مَا لَا يعقل غير الزَّمَان مَعَ تضمن معنى الشَّرْط نَحْو: ﴿مهما تأتنا بِهِ من آيَة﴾ وَالثَّانِي: الزَّمَان وَالشّرط فَتكون ظرفا لفعل الشَّرْط كَقَوْلِه: وَإنَّك مهما تعط بَطْنك سؤله وَالثَّالِث: الِاسْتِفْهَام نَحْو: (مهما لي اللَّيْلَة مهماليه ... أودى بنعلي وسرباليه) (ومحلها الرّفْع بِالِابْتِدَاءِ أَو النصب بِفعل يفسره) الْمَاضِي: هُوَ مَا وضع لحَدث سبق والمضارع: مَا وضع لحاضر أَو مُسْتَقْبل بِزِيَادَة أحد حُرُوف " أتين " على الْمَاضِي والغابر: يسْتَعْمل بِمَعْنى الْمَاضِي والمستقبل بالاشتراك وكل مَاض يسند إِلَى التَّاء أَو النُّون فَإِنَّهُ يسكن آخِره ويحذف مَا قبله من حُرُوف الْعلَّة، فَإِن كَانَ على " فعل " بِضَم الْعين ك " طَال " فَإِن أَصله " طول " بِدَلِيل (طَوِيل) ، أَو " فعل " بِكَسْرِهَا ك " خَافَ " فَإِن أَصله " خوف " بِدَلِيل (يخَاف) فتقلب حَرَكَة ذَلِك الْحَرْف لالتقائه سَاكِنا مَعَ آخر الْفِعْل الْمسكن للإسناد وَإِن كَانَ على " فعل " ك " كَانَ وَبَاعَ " فَفِيهِ خلاف مَذْكُور فِي مَحَله والماضي كالمضارع فِي الثَّنَاء وَالدُّعَاء فِي لُغَة الْعَرَب، يَقُولُونَ: (مَاتَ فلَان ﵀، وَغفر الله لَهُ) والماضي جعل للإنشاء كثيرا كَمَا فِي " بِعْت " و " زوجت " وَلم يَجْعَل الْمُضَارع للإنشاء إِلَّا فِي الثَّنَاء والأيمان وَالدُّعَاء، والايمان لما عرف فِي " أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله " وَفِي " أشهد أَن لفُلَان حَقًا " والمضارع حَقِيقَة فِي الْحَال عِنْد الْفُقَهَاء، ومشترك بَين الْحَال والاستقبال فِي الْعرف والمقابل للماضي هُوَ الْمُضَارع لَا الْمُسْتَقْبل، وَالْأَفْعَال الْوَاقِعَة بعد " إِلَّا " و " لما " مَاضِيَة فِي اللَّفْظ مُسْتَقْبلَة فِي الْمَعْنى، لِأَنَّك إِذا قلت: " عزمت عَلَيْك لما فعلت " لم يكن قد فعل وَإِنَّمَا طلبت فعله وَأَنت تتوقعه والماضي بِمَعْنى الْمُسْتَقْبل نَحْو: ﴿أَتَى أَمر الله﴾ وَيكون فِي بَاب الْجَزَاء، يُقَال: كَيفَ أعظ من

стр. 827

لَا يقبل موعظتي؟ أَي: من لَا يقبل وَالتَّعْبِير عَن الْمَاضِي بالمضارع وَعَكسه يعد من بَاب الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة على مَا حَقَّقَهُ السَّيِّد فِي حَوَاشِي " المطول " وتستعمل صِيغَة الْمَاضِي مُجَرّدَة عَن الدّلَالَة على الْحُدُوث كَمَا فِي قَوْلهم: سُبْحَانَ من تقدس عَن الأنداد وتنزه عَن الأضداد والماضي إِذا وَقع جَوَابا للقسم وَكَانَ من الْأَفْعَال المتصرفة فَلَا بُد من (قد) أَو (رُبمَا) ، وَلَا يكْتَفى فِي الصُّورَة الأولى ب (قد) إِلَّا للضَّرُورَة أَو إِذا طَال الْقسم، بل لَا بُد مَعَ (قد) من اللَّام وَإِذا كَانَ الْمَاضِي بعد (إِلَّا) فالاكتفاء بِدُونِ الْوَاو وَقد كثر نَحْو: (مَا لَقيته إِلَّا أكرمني) لِأَن دُخُول (إِلَّا) فِي الْأَغْلَب الْأَكْثَر على الْأَسْمَاء فَهُوَ بِتَأْوِيل إِلَّا مكرما، فَصَارَ كالمضارع الْمُثبت وَإِذا ورد الْمَاضِي مُجَردا من (قد) كَانَ مُبْهما فِي بعد الْمُضِيّ وقربه، وَإِذا اقْترن ب (قد) تخلص للقرب وَهَذَا شَبيه بإبهام الْمُضَارع عِنْد تجرده من الْقَرَائِن وتخلصه للاستقبال بِحرف التَّنْفِيس وَإِذا كَانَت الْجُمْلَة الفعلية الْوَاقِعَة حَالا منفية جَازَ حذف الْوَاو وإثباتها مضارعا كَانَ أَو مَاضِيا، تَقول: (جَاءَ زيد مَا تفوه ببنت شفة) و (جلس عَمْرو وَلم يتَكَلَّم) وَلَا يَأْتِي فِي الْمُضَارع (يفعل) بِالْكَسْرِ إِلَّا ويشركه (يفعل) بِالضَّمِّ إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا مَا خلا (حبه يُحِبهُ) بِكَسْر الْعين فِي الْمُضَارع وقلما يَأْتِي النَّعْت من (فعل يفعل) بِكَسْر الْعين فِي الْمُضَارع على (فعيل) ، وَلم يَأْتِ اسْم فعل بِمَعْنى الْمُضَارع إِلَّا قَلِيلا نَحْو: (أُفٍّ وأوه) بِمَعْنى أتوجع [وينتصب الْفِعْل الْمُضَارع بِأَن مقدرَة بعد الْفَاء إِذا كَانَ مَا قبلهَا سَببا لما بعْدهَا بعد عدَّة أَشْيَاء مِنْهَا النَّفْي] والمضارع الْمُثبت إِذا وَقع جَوَابا للقسم لَا بُد فِيهِ من نون التَّأْكِيد كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿تالله لأكيدن أصنامكم﴾ وينتقل من الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارع نَحْو: ﴿وَالله الَّذِي أرسل الرِّيَاح فتثير سحابا﴾ وَنَحْو: ﴿خر من السَّمَاء فتخطفه الطير﴾ وَمن الْمُضَارع إِلَى الْمَاضِي نَحْو: ﴿وَيَوْم ينْفخ فِي الصُّور فَفَزعَ من فِي السَّمَاوَات﴾ ، ﴿وَترى الأَرْض بارزة وحشرناهم﴾ كل ذَلِك لنكات بليغة حواها النّظم الْمُبين وَالْمرَاد بالتجدد فِي الْمَاضِي الْحُصُول وَفِي الْمُضَارع أَنه من شَأْنه أَن يتَكَرَّر وَيَقَع مرّة بعد أُخْرَى، وَبِهَذَا يَتَّضِح الْجَواب عَمَّا يَدُور فِي نَحْو: (علم الله كَذَا) ، وَكَذَا سَائِر الصِّفَات الدائمة الَّتِي يسْتَعْمل فِيهَا الْفِعْل الْمَعْنى: هُوَ إِمَّا (مفعل) كَمَا هُوَ الظَّاهِر من (عَنى يَعْنِي) إِذا قصد الْمَقْصد، وَإِمَّا مخفف (معنى) بِالتَّشْدِيدِ اسْم مفعول مِنْهُ أَي: الْمَقْصُود وأيا مَا كَانَ لَا يُطلق على الصُّور الذهنية من حَيْثُ هِيَ بل من حَيْثُ إِنَّهَا تقصد من اللَّفْظ وَالْمعْنَى مقول بالاشتراك على مَعْنيين:

стр. 828

الأول: مَا يُقَابل اللَّفْظ سَوَاء كَانَ عينا أَو عرضا وَالثَّانِي: مَا يُقَابل الْعين الَّذِي هُوَ قَائِم بِنَفسِهِ، وَيُقَال: هَذَا معنى أَي: لَيْسَ بِعَين سَوَاء كَانَ مَا يُسْتَفَاد من اللَّفْظ أَو كَانَ لفظا وَالْمرَاد بالْكلَام النَّفْسِيّ هُوَ هَذَا الْمَعْنى الثَّانِي وَهُوَ الْقَائِم بِالْغَيْر أَعم من أَن يكون لفظا أَو معنى لَا مَدْلُول اللَّفْظ كَمَا فهم أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ من كَلَامه: " الْكَلَام هُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ " وَالْمعْنَى مُطلقًا: هُوَ مَا يقْصد بِشَيْء، وَأما مَا يتَعَلَّق بِهِ الْقَصْد بِاللَّفْظِ فَهُوَ معنى اللَّفْظ وَلَا يطلقون الْمَعْنى على شَيْء إِلَّا إِذا كَانَ مَقْصُودا، وَأما إِذا فهم الشَّيْء على سَبِيل التّبعِيَّة فَهُوَ يُسمى معنى بِالْعرضِ لَا بِالذَّاتِ وَالْمعْنَى: هُوَ الْمَفْهُوم من ظَاهر اللَّفْظ [وانفهامه مِنْهُ صفة للمعنى دون اللَّفْظ فَلَا اتِّحَاد فِي الْمَوْضُوع] وَالَّذِي تصل إِلَيْهِ بِغَيْر وَاسِطَة وَمعنى الْمَعْنى: هُوَ أَن يعقل من اللَّفْظ معنى ثمَّ يُفْضِي لَك ذَلِك الْمَعْنى إِلَى معنى آخر وَالْمعْنَى: مَا يفهم من اللَّفْظ والفحوى مُطلق الْمَفْهُوم، وَقيل: فحوى الْكَلَام مَا فهم مِنْهُ خَارِجا عَن أصل مَعْنَاهُ وَقد يخص بِمَا يعلم من الْكَلَام بطرِيق الْقطع كتحريم الضَّرْب من قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ أَو من خلال التراكيب وَإِن لم يكن بالمطابقة وَاللَّفْظ إِذا وضع بِإِزَاءِ الشَّيْء فَذَلِك الشَّيْء من حَيْثُ يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ يُسمى مدلولا، وَمن حَيْثُ يعْنى بِاللَّفْظِ يُسمى معنى، وَمن حَيْثُ يحصل مِنْهُ يُسمى مفهوما، وَمن حَيْثُ كَون الْمَوْضُوع لَهُ اسْما يُسمى مُسَمّى والمسمى أَعم من الْمَعْنى فِي الِاسْتِعْمَال لتنَاوله الْأَفْرَاد وَالْمعْنَى قد يخْتَص بِنَفس الْمَفْهُوم، مثلا: يُقَال لكل من زيد وَبكر وَعَمْرو: مُسَمّى للفظ الرجل، وَلَا يُقَال: مَعْنَاهُ والمدلول قد يعم من الْمُسَمّى لتنَاوله الْمَدْلُول التضمني والالتزامي دون الْمُسَمّى والمسمى يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْمَفْهُوم الإجمالي الْحَاصِل فِي الذِّهْن عِنْد وضع الِاسْم، وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ اصدق عَلَيْهِ هَذَا الْمَفْهُوم فَإِذا أضيف إِلَى الِاسْم يُرَاد بِهِ الأول فالإضافة بِمَعْنى اللَّام، وَإِذا أضيف إِلَى الْعلم يُرَاد بِهِ الثَّانِي فالإضافة بَيَانِيَّة والمنطوق هُوَ الملفوظ وَقد يُرَاد بِهِ مَدْلُول اللَّفْظ وبالمفهوم مَا يلْزم من الْمَدْلُول وَالْمعْنَى مَا قَامَ بِغَيْرِهِ، وَالْعين مَا يُقَابله هَذَا هُوَ المصطلح النَّحْوِيّ وَأما اسْم الْمَعْنى الَّذِي هُوَ مَا دلّ على شَيْء فَهُوَ بِاعْتِبَار أَي صفة عارضة لَهُ سَوَاء كَانَ قَائِما بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ كالمكتوب والمضمر، وَحَاصِله الْمُشْتَقّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَاسم الْعين: هُوَ الَّذِي لَيْسَ كَذَلِك كَالدَّارِ وَالْعلم فإضافة اسْم الْمَعْنى يُفِيد الِاخْتِصَاص بِاعْتِبَار الصّفة الدَّاخِلَة فِي مَفْهُوم الْمُضَاف تَقول (مَكْتُوب زيد) وَالْمرَاد اخْتِصَاصه بِهِ بمكتوبيته لَهُ وَإِضَافَة اسْم الْعين تفِيد الِاخْتِصَاص مُطلقًا أَي: غير مُقَيّدَة بِصفة دَاخِلَة فِي مُسَمّى الْمُضَاف ثمَّ إِن اللَّفْظ وَالْمعْنَى إِمَّا أَن يتحدا فَهُوَ الْمُفْرد

стр. 829

كلفظة (الله) أَو يتعددا فَهِيَ الْأَلْفَاظ المتباينة كالإنسان وَالْفرس وَغير ذَلِك من الْأَلْفَاظ الْمُخْتَلفَة الْمَوْضُوعَة لمعان مُخْتَلفَة، وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن يمْتَنع الِاجْتِمَاع كالسواد وَالْبَيَاض فتسمى المتباينة المتفاضلة، أَو لَا يمْتَنع كالاسم وَالصّفة نَحْو: السَّيْف والصارم، أَو الصّفة وَصفَة الصّفة كالناطق والفصيح فتسمى المتباينة المتواصلة، أَو يَتَعَدَّد اللَّفْظ ويتحد الْمَعْنى، فَهِيَ الْأَلْفَاظ المترادفة، أَو يتحد اللَّفْظ ويتعدد الْمَعْنى، فَإِن كَانَ قد وضع للْكُلّ فَهُوَ الْمُشْتَرك، وَإِلَّا فَإِن وضع لِمَعْنى ثمَّ نقل إِلَى غَيره لَا لعلاقة فَهُوَ المرتجل، أَو لعلاقة فَإِن اشْتهر فِي الثَّانِي كَالصَّلَاةِ يُسمى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأول مَنْقُولًا عَنهُ، وَإِلَى الثَّانِي مَنْقُولًا إِلَيْهِ، وَإِن لم يشْتَهر فِي الثَّانِي كالأسد فَهُوَ حَقِيقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأول مجَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّانِي المشاكلة: هِيَ اتِّفَاق الشَّيْئَيْنِ فِي الْخَاصَّة كَمَا أَن المشابهة اتِّفَاقهمَا فِي الْكَيْفِيَّة والمساواة اتِّفَاقهمَا فِي الكمية والمماثلة اتِّفَاقهمَا فِي النوعية وَقد يُرَاد من المشاكلة التناسب الْمُسَمّى بمراعاة النظير، أَعنِي جمع أَمر مَعَ أَمر يُنَاسِبه لَا بالتضاد كَمَا قَالَ مصري لبغدادي: " خسنا خير من خسكم " فَقَالَ الْبَغْدَادِيّ فِي جَوَابه: " خيارنا خير من خياركم " فَفِيهِ التقابل بَين الخس وَالْخيَار بِوَجْه بِأَن يُرَاد بالخس الخسيس وبالخيار خلاف الأشرار والمشاكلة أَيْضا بِوَجْه آخر بِأَن يُرَاد بالخس النبت الْمَعْرُوف وبالخيار القثاء، والتقابل مَعَ التشاكل فِي هَذَا الْكَلَام إِنَّمَا نَشأ من اشْتِرَاك كل من الخس وَالْخيَار بَين معنييه والموازاة اتِّفَاقهمَا فِي جَمِيع الْمَذْكُورَات والمناسبة: أَعم من الْجَمِيع والمضاهاة: شُعْبَة من الْمُمَاثلَة فِي " التَّبْصِرَة ": إِنَّا لَا نقُول مثل الْأَشْعَرِيّ أَي لَا مماثلة إِلَّا بالمساواة من جَمِيع الْوُجُوه، لِأَن أهل اللُّغَة لم يمتنعوا عَن القَوْل بِأَن زيدا مثل عَمْرو وَفِي " الْفِقْه ": إِذا كَانَ يُسَاوِيه فِيهِ ويسد مسده وَإِن كَانَ بَينهمَا مُخَالفَة كَثِيرَة صُورَة وَمعنى وَفِي " التسديد ": إِنَّمَا تقع إِذا كَانَ فِي وصف وَاحِد يصلح أَحدهمَا لما يصلح لَهُ الآخر لَا فِي جَمِيع الْوُجُوه وَكَذَا قَوْله ﵊: " إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُوله الْمُؤَذّن " وَقَوله: " الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ مثلا بِمثل " أَرَادَ بِهِ الاسْتوَاء فِي الْكَيْل فَقَط ومجيء الْكَلَام على سَبِيل الْمُقَابلَة وإطباق الْجَواب على السُّؤَال فن من كَلَامهم يُسمى مشاكلة وَهِي قِسْمَانِ: تحقيقية وتقديرية فالتحقيقية: هِيَ أَن يذكر الشَّيْء بِلَفْظ غَيره لوُقُوعه فِي صحبته كَقَوْلِه: (قَالُوا اقترح شَيْئا نجد لَك طبخه ... قلت أطنجوا لي جُبَّة وقميصا) وَقَوله تَعَالَى: ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ والمشاكلة التقديرية: هِيَ أَن يكون فعل لَهُ لفظ دلّ

стр. 830

عَلَيْهِ وَلم يذكر، فيذكر لفظ كاللفظ الدَّال على ذَلِك الْفِعْل كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿صبغة الله﴾ ذكر لفظ الصَّبْغ فِي صُحْبَة فعلهم الَّذِي هُوَ الصَّبْغ بِمَاء المعمودية؛ وَالْأَصْل فِيهِ أَن النَّصَارَى كَانُوا يغمسون أَوْلَادهم فِي مَاء أصفر يسمونه المعمودية وَيَقُولُونَ إِنَّه تَطْهِير لَهُم فَعبر عَن الْإِيمَان بصبغة الله أَي: تَطْهِير الله للمشاكلة بِهَذِهِ الْقَرِينَة والصحبة التحقيقية مُتَأَخِّرَة عَن الذّكر، والصحبة التقديرية مُتَقَدّمَة عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخ سعد الدّين: تَحْقِيق العلاقة فِي مجَاز المشاكلة مُشكل، إِذْ لَا يظْهر بَين الطَّبْخ والخياطة علاقَة، وَكَأَنَّهُم جعلُوا المصاحبة فِي الذّكر علاقَة وَتعقبه الْأَبْهَرِيّ بِأَن المصاحبة فِي الذّكر لَا تصلح لِأَن تكون علاقَة لِأَن حُصُولهَا بعد اسْتِعْمَال الْمجَاز، أجَاب بَعضهم بِأَن الْمُتَكَلّم يعبر عَمَّا فِي نَفسه فَلَا بُد من مُلَاحظَة المصاحبة فِي الذّكر قبل التَّعْبِير بالمتصاحبين فِي التحقيقية، وبأحدهما فِي التقديرية وَاخْتَارَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي " الْفُصُول ": إِنَّهَا التقارن فِي الخيال، وَالْأولَى أَنَّهَا التقارن فِي الْعلم لوقوعها فِي كَلَام من لَا يَصح إِطْلَاقه وَالْحق أَن بَيَان العلاقة فِي المشاكلة مُشكل، وَكَذَا فِي التغليب وَقد تكون المشاكلة بِذكر الشَّيْء بِلَفْظ غَيره لوُقُوعه فِي صُحْبَة مُقَابِله كَمَا فِي قَول مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي: " من طَالَتْ لحيته تكوسج عقله "، وَمِنْه قَوْله ﵊: " صدق الله وَكذب بطن أَخِيك وَيُمكن فِي بعض صور المشاكلة اعْتِبَار الِاسْتِعَارَة كَمَا فِي حِكَايَة شُرَيْح وَهِي أَنه قَالَ لرجل شهد عِنْده: إِنَّك لسبط الشَّهَادَة فَقَالَ الرجل: " إِنَّهَا لن تجعد عني. فَقَالَ: لله بلادك! حَيْثُ أَرَادَ أَنه يُرْسل الشَّهَادَة إرْسَالًا من غير تَأْوِيل وروية كالشعر السبط المسترسل فَأجَاب: بِأَنَّهَا [لم تجعد عني أَي] ، لم تنقبض عني بل أَنا واثق من نَفسِي بِحِفْظ مَا شهِدت فاسترسل الْقُوَّة الذاكرة إِيَّاهَا واستحضر أولاها وأخراها فَشبه انقباض الشَّهَادَة عَن الْحِفْظ، وتأتيها عَن الْقُوَّة الذاكرة بتجعيد الشّعْر وَاسْتعْمل التجعيد فِي مُقَابلَة السبوطة أَولا، وَهَذِه من المشاكلة الْمَحْضَة، إِلَّا أَن فِيهَا شَائِبَة الِاسْتِعَارَة وَقَوله: لله بلادك تعجب من بِلَاده فَإِنَّهُ خرج مِنْهَا فَاضل مثله (وَلَا شكّ أَن المشاكلة من قبيل الْمجَاز والعلاقة فِيهَا التقارن فِي الخيال لَا الْوُقُوع فِي الصُّحْبَة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور، لِأَن العلاقة مصححة للاستعمال الَّذِي بِهِ الْوُقُوع فِي الصُّحْبَة ومقدمة عَلَيْهَا) الْمُطَابقَة: قَالَ الْأَصْمَعِي: أَصْلهَا وضع الرجل مَوضِع الْيَد فِي ذَوَات الْأَرْبَع وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: تَقول طابقت بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا جمعت بَينهمَا على حد وَاحِد وَفِي الِاصْطِلَاح: هِيَ الْجمع بَين الضدين فِي كَلَام أَو فِي بَيت شعر كالإيراد والإصدار، وَاللَّيْل وَالنَّهَار، وَالْبَيَاض والسواد وَقَالَ الرماني وَغَيره: الْبيَاض والسواد ضدان

стр. 831

بِخِلَاف بَقِيَّة الألوان، لِأَن كلا مِنْهُمَا إِذا قوي زَاد بعدا من صَاحبه والمطابقة لَا تكون إِلَّا بِالْجمعِ بَين ضدين والمقابلة تكون غَالِبا بَين أَرْبَعَة أضداد، ضدان فِي صدر الْكَلَام وضدان فِي عَجزه نَحْو: ﴿فليضحكوا قَلِيلا وليبكوا كثيرا﴾ وتبلغ إِلَى الْجمع بَين عشرَة أضداد وَقد تكون الْمُطَابقَة بالأضداد وبغيرها، لَكِن الأضداد أَعلَى رُتْبَة وَأعظم موقعا، وَلَا تكون الْمُقَابلَة إِلَّا بالأضداد والمطابقة، وَتسَمى طباقا أَيْضا، وَهِي قِسْمَانِ: حَقِيقِيّ ومجازي وَالثَّانِي يُسمى بالتكافؤ، وكل مِنْهُمَا إِمَّا لَفْظِي أَو معنوي، وَإِمَّا طباق إِيجَاب أَو سلب وَمن أَمْثِلَة ذَلِك قَوْله: ﴿وَأَنه هُوَ أضْحك وأبكى وَأَنه هُوَ أمات وَأَحْيَا﴾ وَمن أَمْثِلَة الْمجَازِي قَوْله: ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه﴾ أَي: ضَالًّا فهديناه وَمن أَمْثِلَة طباق السَّلب قَوْله: ﴿فَلَا تخشوا النَّاس واخشون﴾ وَمن أَمْثِلَة الْمَعْنَوِيّ قَوْله: ﴿جعل لكم الأَرْض فراشا وَالسَّمَاء بِنَاء﴾ وَمِنْه نوع يُسمى الطباق الْخَفي كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿مِمَّا خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نَارا﴾ وأملح الطباق وأخفاه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الْقصاص حَيَاة﴾ الْمُحكم: المتقن: يُقَال: بِنَاء مُحكم أَي: متقن لَا وَهن فِيهِ وَلَا خلل وَمَا أحكم: المُرَاد بِهِ قطعا، وَلَا يحْتَمل من التَّأْوِيل إِلَّا وَجها وَاحِدًا والمتشابه: مَا اشْتبهَ مِنْهُ مُرَاد الْمُتَكَلّم على السَّامع لاحْتِمَاله وُجُوهًا مُخْتَلفَة وَقيل: الْمُحكم مَا عرف المُرَاد مِنْهُ إِمَّا بالظهور وَإِمَّا بالتأويل والمتشابه: مَا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ كقيام السَّاعَة وَخُرُوج الدَّجَّال والحروف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور وَمن الْمُتَشَابه إِيرَاد الْقِصَّة الْوَاحِدَة فِي سور شَتَّى وفواصل مُخْتَلفَة فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَالزِّيَادَة وَالتّرْك والتعريف والتنكير وَالْجمع والإفراد والإدغام والفك وتبديل حرف بِحرف آخر وَقيل: الْمُحكم مَا لَا يتَوَقَّف مَعْرفَته على الْبَيَان والمتشابه مَا لَا يُرْجَى بَيَانه وَعَن عِكْرِمَة وَغَيره: أَن الْمُحكم هُوَ الَّذِي يعْمل بِهِ، والمتشابه هُوَ الَّذِي يُؤمن بِهِ وَلَا يعْمل قَالَ الطَّيِّبِيّ: المُرَاد بالمحكم مَا اتَّضَح مَعْنَاهُ والمتشابه بِخِلَافِهِ، لِأَن اللَّفْظ الَّذِي يقبل معنى إِمَّا أَن يحْتَمل غَيره أَولا، الثَّانِي النَّص، وَالْأول إِمَّا أَن يكون دلَالَته على ذَلِك الْغَيْر أرجح أَولا الأول هُوَ الظَّاهِر، وَالثَّانِي إِمَّا أَن يكون مساويه أَولا، الأول الْمُجْمل، وَالثَّانِي المؤول، فالمشترك بَين النَّص وَالظَّاهِر هُوَ الْمُحكم، وَبَين الْمُجْمل والمؤول هُوَ الْمُتَشَابه

стр. 832

وَقَالَ بَعضهم: اللَّفْظ إِذا ظهر المُرَاد مِنْهُ فَإِن لم يحْتَمل النّسخ فَحكم، وَإِلَّا فَإِن لم يحْتَمل التَّأْوِيل فمفسر، وَإِلَّا فَإِن سيق الْكَلَام لأجل ذَلِك المُرَاد فنص، وَإِلَّا فَظَاهر وَإِذا خَفِي لعَارض أَي لغير الصِّيغَة فخفي وَإِن خَفِي لنَفسِهِ أَي لنَفس الصِّيغَة فَأدْرك عقلا فمشكل أَو نقلا فمهمل، أَو لم يدْرك أصلا فمتشابه فَالظَّاهِر هُوَ مَا انْكَشَفَ واتضح مَعْنَاهُ للسامع من غير تَأمل وتفكر كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَأحل الله البيع﴾ وضده الْخَفي وَهُوَ الَّذِي لَا يظْهر المُرَاد مِنْهُ إِلَّا بِالطَّلَبِ وَالنَّص: مَا فِيهِ زِيَادَة ظُهُور سيق الْكَلَام لأَجله وَأُرِيد بالإسماع ذَلِك باقتران صِيغَة أُخْرَى بِصِيغَة الظَّاهِر كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ سيق هَذَا النَّص للتفرقة بَينهمَا، وَهُوَ المُرَاد بالإسماع؛ لِأَن الْكَفَرَة كَانُوا يدعونَ الْمُمَاثلَة بَينهمَا فورد الشَّرْع بالتفرقة، فالآية ظَاهِرَة من حَيْثُ إِنَّه ظهر بهَا إحلال البيع وَتَحْرِيم الرِّبَا، وإسماع الصِّيغَة من غير قرينَة نَص فِي التَّفْرِقَة بَينهمَا، حَيْثُ أُرِيد بالإسماع ذَلِك بِقَرِينَة دَعْوَى الْمُمَاثلَة والمشكل على خلاف النَّص وَهُوَ اللَّفْظ الَّذِي اشْتبهَ المُرَاد مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يُوقف على المُرَاد مِنْهُ بِمُجَرَّد التَّأَمُّل والمفسر: اسْم للظَّاهِر المكشوف الَّذِي اتَّضَح مَعْنَاهُ وَالنَّص وَالظَّاهِر والمفسر سَوَاء من حَيْثُ اللُّغَة والمجمل: مَا لَا يُوقف على المُرَاد مِنْهُ إِلَّا بِبَيَان من جِهَة الْمُتَكَلّم نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ فَإِنَّهُ مُجمل فِي مَاهِيَّة الصَّلَاة وَمِقْدَار الزَّكَاة والمشترك: اسْم متساو بَين المسميات يَتَنَاوَلهَا على الْبَدَل، فَإِذا تعين بعض وُجُوه الْمُشْتَرك بِدَلِيل غير مَقْطُوع بِهِ - وَهُوَ الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد - فَهُوَ مؤول وَمَتى أُرِيد بالمشترك أَو الْمُشكل أَو الْمُجْمل بعض الْوُجُوه قطعا يُسمى مُفَسرًا ثمَّ اعْلَم أَن الْمُتَشَابه على ثَلَاثَة أضْرب: ضرب لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف عَلَيْهِ كوقت السَّاعَة وَنَحْو ذَلِك وَضرب للْإنْسَان سَبِيل إِلَى مَعْرفَته كالألفاظ الغريبة وَالْأَحْكَام المغلقة وَضرب (مُتَرَدّد بَين الْأَمريْنِ) يخْتَص بِمَعْرِِفَة حَقِيقَته بعض الراسخين فِي الْعلم وَيخْفى على من دونهم وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله ﵊ لِابْنِ عَبَّاس: " اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل "، (وَإِذا عرفت هَذَا فقد وقفت) على أَن الْوَقْف على قَوْله: ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ وَوَصله بقوله: ﴿والراسخون فِي الْعلم﴾ كِلَاهُمَا جَائِز ثمَّ اعْلَم أَن كل لفظ من الْقُرْآن أَفَادَ معنى وَاحِدًا جليا يعلم أَنه مُرَاد الله تَعَالَى فَمَا كَانَ من هَذَا الْقسم فَهُوَ مَعْلُوم لكل أحد بِالضَّرُورَةِ وَأما مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله فَهُوَ مِمَّا يجْرِي مجْرى الْغَيْب، فَلَا مساغ للِاجْتِهَاد فِي تَفْسِيره، وَلَا طَرِيق إِلَى ذَلِك إِلَّا بالتوقيف بِنَصّ من الْقُرْآن أَو الحَدِيث أَو الْإِجْمَاع على تَأْوِيله وَأما مَا يُعلمهُ الْعلمَاء فَيرجع إِلَى

стр. 833

اجتهادهم وكل لفظ احْتمل مَعْنيين فَصَاعِدا فَهُوَ الَّذِي لَا يجوز لغير الْعلمَاء الِاجْتِهَاد فِيهِ وَعَلَيْهِم اعْتِمَاد الشواهد والدلائل دون مُجَرّد الرَّأْي فَإِن كَانَ أحد الْمَعْنيين أظهر وَجب الْحمل عَلَيْهِ إِلَّا أَن يقوم دَلِيل على أَن المُرَاد الْخَفي، وَإِن اسْتَويَا والاستعمال فيهمَا حَقِيقَة لَكِن فِي أَحدهمَا حَقِيقَة لغوية أَو عرفية وَفِي الآخر شَرْعِيَّة فالحمل على الشَّرْعِيَّة أولى إِلَّا أَن يدل دَلِيل على إِرَادَة اللُّغَوِيَّة وَلَو كَانَ فِي أَحدهمَا عرفية وَفِي الآخر لغوية فالحمل على الْعُرْفِيَّة أولى، وَإِن اتفقَا فِي ذَلِك، فَإِن لم يُمكن إرادتهما بِاللَّفْظِ الْوَاحِد اجْتهد فِي المُرَاد مِنْهُمَا بالأمارات الدَّالَّة عَلَيْهِ فَمَا ظَنّه فَهُوَ مُرَاد الله تَعَالَى فِي حَقه وَإِن لم يظْهر لَهُ شَيْء فَهَل يتَخَيَّر فِي الْحمل أَو يَأْخُذ بالأغلظ حكما أَو بالأخف حكما فِيهِ أَقْوَال، وَإِن أمكن إرادتهما وَجب الْحمل عَلَيْهِمَا عِنْد الْمُحَقِّقين. [وَالْحكمَة فِي أَن الْعلم بِمُرَاد الله تَعَالَى مستنبط بأمارات وَدَلَائِل هِيَ من الله أَرَادَ أَن يتفكر عباده بكتابه فَلم يَأْمر نبيه ﵊ بالتنصيص على المُرَاد فِي جَمِيع آيَاته ومسلك الْأَوَائِل أَن يُؤمنُوا بالمتشابهات ويفوضوا مَعْرفَتهَا إِلَى الله وَرَسُوله وَلذَلِك سموا بالمفوضة ومسلك الْأَوَاخِر أَن يؤولوها بِمَا ترتضيه الْعُقُول وَلذَلِك سموا بالمؤولة، وهم قِسْمَانِ: قسم أَصْحَاب الْأَلْفَاظ يؤولونها بِالْحملِ على الْحَذف كَمَا فِي: ﴿وَجَاء رَبك﴾ [ ﴿فَأتى الله بنيانهم﴾ أَو على الْمجَاز الْمُفْرد كَمَا فِي: ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ أَي: قدرَة الله وَقسم أَصْحَاب الْمعَانِي يؤولونها بِالْحملِ على التَّمْثِيل والتصوير وَالْمُخْتَار التَّفْوِيض لِأَن اللَّفْظ إِذا كَانَ لَهُ معنى رَاجِح ثمَّ دلّ دَلِيل أقوى مِنْهُ على أَن ذَلِك الظَّاهِر غير مُرَاد علم أَن مُرَاد الله بعض مجازات تِلْكَ الْحَقِيقَة، وَفِي المجازات كَثْرَة، وترجيح الْبَعْض لَا يكون إِلَّا بالتراجيح اللُّغَوِيَّة الظنية، وَمثل ذَلِك لَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي الْمسَائِل القطعية فيفوض تَعْبِير ذَلِك المُرَاد إِلَى علمه تَعَالَى، فَجَمِيع أهل السّنة سلفهم وخلفهم صرفُوا المتشابهات من مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّة إِلَى المجازات، إِمَّا اجمالا بِنَفْي الكيفيات وتفويض تعْيين الْمَعْنى الْمجَازِي المُرَاد إِلَى الله تَعَالَى مُطلقًا، أَو بِتَعْيِين نوع الْمجَاز وَهُوَ الصّفة وتفويض تعْيين تِلْكَ الصّفة إِلَى الله تَعَالَى وَهُوَ أسلم وَهُوَ مُخْتَار الإِمَام أبي حنيفَة، وَصرح بِهِ الْأَشْعَرِيّ وَأكْثر السّلف وَإِمَّا تَفْصِيلًا بِتَعْيِين المُرَاد بِحَسب الظَّاهِر من المجازات، وَهُوَ مُخْتَار الْخلف، وَهُوَ أحكم قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: وَقد يُقَال: إِن التَّوَقُّف عَن تَأْوِيل التشابه إِنَّمَا هُوَ عَن طلب الْعلم حَقِيقَة لَا ظَاهرا وَالْأَئِمَّة إِنَّمَا تكلمُوا فِي تَأْوِيله ظَاهرا لَا حَقِيقَة، وَبِهَذَا يُمكن أَن يرفع نزاع الْفَرِيقَيْنِ الْمُطلق: هُوَ مَا يتَنَاوَل الْأَفْرَاد على سَبِيل الْبَدَل ك (رجل) مثلا وَالْعَام: مَا يتَنَاوَل جَمِيع الْأَفْرَاد وَالْمُطلق: هُوَ الدَّال على الْمَاهِيّة من غير دلَالَة

стр. 834

على الْوحدَة وَالْكَثْرَة والنكرة دَالَّة على الْوحدَة وَلَا فرق بَينهمَا فِي اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ والمطلقة، بِالتَّاءِ: النكرَة وَهُوَ الدَّال على فَرد غير معِين لِأَن التَّاء لَا تدخل على الْمُطلق المصطلح لِأَنَّهُ صَار لقبا فَخرج عَن الوصفية وَالْمُطلق: هُوَ المتعري عَن الصّفة وَالشّرط وَالِاسْتِثْنَاء والمقيد: مَا فِيهِ أحد هَذِه الثَّلَاثَة وَالْمُطلق إِذا كَانَ مقولا بالتشكيك ينْصَرف إِلَى الْكَمَال، وَكَذَا إِذا كَانَ هُنَاكَ قرينَة مَانِعَة عَن إِرَادَة مَعْنَاهُ الْعَام وَأما إِذا كَانَ مقولا بالتواطؤ فَلَا ينْصَرف إِلَى الْكَمَال وَالْمُطلق عَلَيْهِ: مَا وَقع عَلَيْهِ اللَّفْظ وَصَارَ الحكم مُتَعَلقا بِهِ بِحَسب الْوَاقِع من غير اشْتِرَاط تفهيمه للمخاطب والمستعمل فِيهِ مَا يكون الْغَرَض الْأَصْلِيّ طلب دلَالَة اللَّفْظ عَلَيْهِ ويقصد تفهيمه بِخُصُوصِهِ للمخاطب، وَإِذا لم يكن اللَّفْظ مُفِيدا بِخُصُوصِهِ يجب نصب قرينَة دَالَّة عَلَيْهِ وَالْمُطلق لَا يحمل على الْمُقَيد عندنَا [إِذا وردا فِي الحكم فِي حادثين أصلا لَا فِي حكمين وَلَا فِي حكم وَاحِد وَلَا فِي حَادِثَة وَاحِدَة بعد أَن يَكُونَا فِي حكمين وَأما فِي حَادِثَة وَاحِدَة فِي حكم وَاحِد فَيحمل عَلَيْهِ بالِاتِّفَاقِ، وَذَلِكَ لِأَن الْإِطْلَاق أَمر مَقْصُود لِأَنَّهُ يُنبئ عَن التَّوسعَة على الْمُكَلف، كَمَا أَن التَّقْيِيد أَمر مَقْصُود يُنبئ عَن التَّضْيِيق، وَعند إِمْكَان الْعَمَل بهما لَا يجوز إبِْطَال أَحدهمَا بِالْآخرِ أما الْإِمْكَان فِي الحادثتين فَظَاهر فَكَذَا فِي حَادِثَة وَاحِدَة لجَوَاز أَن تكون التَّوسعَة مَقْصُودَة للشارع فِي حكم حَادِثَة، والتضييق مَقْصُودا فِي حكم آخر فِي تِلْكَ الْحَادِثَة كَالصَّوْمِ وَالْإِطْعَام فِي كَفَّارَة الظِّهَار فَلَا يجوز إبِْطَال أَحدهمَا بِالْآخرِ وَالْعَمَل بالمطلق وَاجِب، وَالْوَصْف فِي الْمُطلق مسكوت عَنهُ وَقد نهى الله عَن السُّؤَال عَن الْمَسْكُوت عَنهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾ فالرجوع إِلَى الْمُقَيد مَعَ إِمْكَان الْعَمَل بالمطلق إقدام على هَذَا الْمنْهِي عَنهُ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ ابْن عَبَّاس ﵁ حَيْثُ قَالَ: أبهموا مَا أبهم الله وَاتبعُوا مَا بَين الله أَي اتركوه على إبهامه فَإِن الِاسْتِقْصَاء شُؤْم وَالْمُطلق مُبْهَم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقَيد فَلَا يحمل عَلَيْهِ] إِلَّا إِذا اتّحدت الْحَادِثَة وَكَانَ الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد فِي الحكم دون السَّبَب كَقِرَاءَة الْعَامَّة: ﴿فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام﴾ ، وَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود: ﴿ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات﴾ ، فَيحمل على الْمُقَيد لِامْتِنَاع الْجمع بَينهمَا، [وَإِنَّمَا حمل الشَّافِعِي ﵁ الْمُطلق على الْمُقَيد فِي آيَة السّرقَة حَتَّى قَالَ: دلّت الْآيَة على قطع يسرى السَّارِق فِي الكرة الثَّانِيَة مَعَ الِاتِّفَاق على الْحمل فِي صُورَة اتِّحَاد الحكم والحادثة فَإِنَّهُ لَا يعْمل بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود ﴿فَاقْطَعُوا أيمانهما﴾ لكَونهَا متواترة وَلَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد] عِنْد اخْتِلَاف الحكم إِلَّا فِي صُورَة الاستلزام بِأَن كَانَ أحد الْحكمَيْنِ مُوجبا لتقييد

стр. 835

الآخر بِالذَّاتِ نَحْو: (أعتق رَقَبَة وَلَا تعْتق رَقَبَة كَافِرَة) أَو بالواسطة مثل: (أعتق عني رَقَبَة وَلَا تملكني رَقَبَة كَافِرَة) فَإِن نفي تمْلِيك الْكَافِرَة يسْتَلْزم نفي إعْتَاقهَا عَنهُ، وَهَذَا يُوجب تَقْيِيد إِيجَاب الْإِعْتَاق عَنهُ بالمؤمنة فَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد وَالْمُطلق يجْرِي على إِطْلَاقه إِلَّا إِذا قَامَ دَلِيل التَّقْيِيد، فالوكيل بِالنِّكَاحِ من جَانب الْمَرْأَة أَو الزَّوْج يتَحَمَّل مِنْهُ الْغبن الْفَاحِش عِنْد الإِمَام بِنَاء على أَصله هَذَا لَا عِنْدهمَا للتَّقْيِيد بِدلَالَة الْعرف، وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَالْمُطلق يَكْفِي فِي صدقه صُورَة وَاحِدَة بِدَلِيل: ﴿وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ ، فَإِن فَضلهمْ على الْكل فِي أَمر مَا لَا يَقْتَضِي الْفضل من الْكل فِي كل الْأُمُور، فَلَا دلَالَة فِيهِ على تَفْضِيل الْبشر على الْملك وَالْمُطلق مَا تعرض للذات دون الصِّفَات كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ والمقيد مَا تعرض ذاتا مَوْصُوفَة بِصفة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ وَالْمُطلق يحمل على الْمُقَيد فِي الرِّوَايَات، وَلِهَذَا ترى مطلقات الْمُتُون يقيدها الشُّرَّاح، وَلَا خلاف فِي تَقْيِيد المطلقات بِالشُّرُوطِ كالحول وَالْعَدَالَة وَالطَّهَارَة وَغير ذَلِك من الشَّرَائِط المناظرة: هِيَ النّظر بالبصيرة من الْجَانِبَيْنِ فِي النِّسْبَة بَين الشَّيْئَيْنِ إِظْهَارًا للصَّوَاب، وَقد يكون مَعَ نَفسه والمجادلة: هِيَ الْمُنَازعَة فِي الْمَسْأَلَة العلمية لإلزام الْخصم سَوَاء كَانَ كَلَامه فِي نَفسه فَاسِدا أَو لَا وَإِذا علم بِفساد كَلَامه وَصِحَّة كَلَام خَصمه فنازعه فَهِيَ المكابرة وَمَعَ عدم الْعلم بِكَلَامِهِ وَكَلَام صَاحبه فنازعه فَهِيَ المعاندة وَأما المغالطة: فَهُوَ قِيَاس مركب من مُقَدمَات شَبيهَة بِالْحَقِّ، وَيُسمى سفسطة أَو شَبيهَة بالمقدمات الْمَشْهُورَة وَيُسمى مشاغبة وَأما المناقضة: فَهِيَ منع مُقَدّمَة مُعينَة من الدَّلِيل إِمَّا قبل تَمَامه وَإِمَّا بعده وَالْأول: إِمَّا منع مُجَرّد عَن ذكر مُسْتَند الْمَنْع، أَو مَعَ ذكر الْمُسْتَند [وَهُوَ الَّذِي يكون الْمَنْع مَبْنِيا عَلَيْهِ] ك (لَا نسلم أَن الْأَمر كَذَا، وَلم لَا يكون الْأَمر كَذَا) أَو (لَا نسلم كَذَا وَإِنَّمَا يلْزم لَو كَانَ الْأَمر كَذَا) وَيُسمى أَيْضا بِالنَّقْضِ التفصيلي عِنْد الجدليين وَالثَّانِي: وَهُوَ منع الْمُقدمَة بعد تَمام الدَّلِيل، أما أَن يكون مَعَ منع الدَّلِيل أَيْضا بِنَاء على تخلف حكمه فِي صُورَة بِأَن يُقَال: مَا ذكر من الدَّلِيل غير صَحِيح لتخلف حكمه فِي كَذَا فالنقض الإجمالي لِأَن جِهَة الْمَنْع فِيهِ غير مُعينَة وَأما الْمَنْع لمقدمة من مُقَدمَات الدَّلِيل مَعَ تَسْلِيم الدَّلِيل وَمَعَ الِاسْتِدْلَال بِمَا يُنَافِي ثُبُوت الْمَدْلُول مَعَ تَسْلِيم الدَّلِيل فالمعارضة، فَيَقُول الْمُعْتَرض للمستدل فِي صُورَة الْمُعَارضَة: مَا ذكرت من الدَّلِيل إِن دلّ على مَا تدعيه فعندي مَا يُنَافِيهِ أَو يدل على نقيضه وَيثبت

стр. 836

بطريقه، فَيصير الْمُعْتَرض بهَا مستدلا والمستدل مُعْتَرضًا وعَلى الْمُسْتَدلّ الْمَمْنُوع دَلِيله الدّفع لما اعْترض بِهِ عَلَيْهِ بِدَلِيل ليسلم لَهُ دَلِيله الْأَصْلِيّ، وَلَا يَكْفِيهِ الْمَنْع الْمُجَرّد كَمَا لَا يَكْتَفِي من الْمُعْتَرض بذلك، فَإِن ذكر الْمُسْتَدلّ دَلِيلا آخر منع ثَانِيًا تَارَة قبل تَمام الدَّلِيل وَتارَة بعد تَمَامه وَهَكَذَا يسْتَمر الْحَال مَعَ منع الْمُعْتَرض ثَالِثا ورابعا دفع الْمُسْتَدلّ لما يُورد عَلَيْهِ إفحام الْمُسْتَدلّ وَأما فِي صُورَة المناقضة فَإِن أَقَامَ الْمَانِع دَلِيلا على انْتِفَاء الْمُقدمَة فالاحتجاج الْمَذْكُور يُسمى غصبا، لِأَن الْمُعْتَرض غصب منصب الْمُسْتَدلّ فَلَا يسمعهُ الْمُحَقِّقُونَ من أهل الجدل لاستلزام الْخبط فِي الْبَحْث فَلَا يسْتَحق الْمُعْتَرض بِهِ جَوَابا، وَقيل: يسمع جَوَابا فَيسْتَحق الْمُعْتَرض بِهِ والمناقضة المصطلح عَلَيْهَا فِي علم الجدل هِيَ تَعْلِيق أَمر على مُسْتَحِيل إِشَارَة إِلَى اسْتِحَالَة وُقُوعه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ والمناقضة فِي البديع: تَعْلِيق الشَّرْط على نقيضين مُمكن ومستحيل وَمُرَاد الْمُتَكَلّم المستحيل دون الْمُمكن ليؤثر التَّعْلِيق عدم وُقُوع الْمَشْرُوط، فَكَأَن الْمُتَكَلّم نَاقض نَفسه فِي الظَّاهِر كَقَوْلِه: (وَإنَّك سَوف تحلم أَو تناهى ... إِذا مَا شبت أَو شَاب الْغُرَاب) لِأَن مُرَاده التَّعْلِيق على الثَّانِي، وَهُوَ مُسْتَحِيل، لَا الأول الَّذِي هُوَ مُمكن، لِأَن الْقَصْد أَن يَقُول: إِنَّك لَا تحلم أبدا والمعارضة: هِيَ فِي اللُّغَة عبارَة عَن الْمُقَابلَة على سَبِيل الممانعة والمدافعة يُقَال: لفُلَان ابْن يُعَارضهُ أَي: يُقَابله بِالدفع وَالْمَنْع، وَمِنْه سمي الْمَوَانِع عوارض [وَفِي الِاصْطِلَاح: تَسْلِيم دَلِيل الْمُعَلل دون مَدْلُوله وَالِاسْتِدْلَال على خلاف مَدْلُوله وَمَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْمُعَارضَة لُغَة نَوْعَانِ: مُعَارضَة خَالِصَة وَهِي المصطلح الْمَذْكُور، ومعارضة مناقضة وَهِي الْمُقَابلَة بتعليل مُعَلل، سميت بذلك لتضمنها إبِْطَال دَلِيل الْمُعَلل] وَمن شَرط تحقق الْمُعَارضَة الْمُمَاثلَة والمساواة بَين الدَّلِيلَيْنِ فِي الثُّبُوت وَالْقُوَّة والمنافاة بَين حكمهمَا واتحاد الْوَقْت وَالْمحل والجهة، فَلَا يتَحَقَّق التَّعَارُض أَيْضا فِي الْجمع بَين الْحل وَالْحُرْمَة وَالنَّفْي وَالْإِثْبَات فِي زمانين فِي مَحل وَاحِد، أَو فِي محلين فِي زمَان وَاحِد لِأَنَّهُ مُتَصَوّر؛ وَكَذَلِكَ لَا تعَارض عِنْد اخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ كالنهي عَن البيع وَقت النداء مَعَ دَلِيل الْجَوَاز وَإِن اجْتمعت هَذِه الشَّرَائِط وَتعذر التَّخَلُّص عَن التَّعَارُض بِهَذَا الطَّرِيق ينظر إِن كَانَا عَاميْنِ يحمل أَحدهمَا على الْقَيْد وَالْآخر على الْإِطْلَاق؛ أَو يحمل أَحدهمَا على الْكل وَالْآخر على الْبَعْض دفعا للتعارض وَإِن كَانَا خاصين يحمل أَحدهمَا على الْقَيْد وَالْمجَاز على مَا أمكن، وَإِن كَانَ أَحدهمَا خَاصّا وَالْآخر عَاما يقْضِي الْخَاص على الْعَام هُنَا بِالْإِجْمَاع دفعا للتعارض وَفِي " جمع الْجَوَامِع ": يتَحَصَّل من النصين المتعارضين سِتَّة وَثَلَاثُونَ نوعا لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا عَاميْنِ أَو خاصين، أَو أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا، أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا عَام من وَجه خَاص من

стр. 837

وَجه، فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَنْوَاع كل مِنْهُمَا يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام، لِأَنَّهَا إِمَّا مَعْلُومَات أَو مظنونات، أَو أَحدهمَا مَعْلُوم والأخر مظنون يحصل اثْنَا عشر، وكل مِنْهُمَا إِمَّا أَن يعلم تقدمه أَو تَأَخره، أَو يجهل فَيحصل سِتَّة وَثَلَاثُونَ الْمُبَالغَة: هِيَ أَن يذكر الْمُتَكَلّم وَصفا فيزيد فِيهِ حَتَّى يكون أبلغ فِي الْمَعْنى الَّذِي قَصده، فَإِن كَانَت بِمَا يُمكن عقلا لَا عَادَة فإغراق نَحْو: (ونكرم جارنا مَا دَامَ فِينَا ... ونتبعه الْكَرَامَة حَيْثُ مَالا) وَالْمُبَالغَة ضَرْبَان: مُبَالغَة بِالْوَصْفِ بِأَن يخرج إِلَى حد الاستحالة، وَمِنْه: ﴿حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ ومبالغة بالصيغة وصيغ الْمُبَالغَة عِنْد الْجُمْهُور محصورة فِي ثَلَاث وَهِي: فعال ومفعال وفعول وَمَا نقل عَن سِيبَوَيْهٍ أَن فعيلا من صِيغ الْمُبَالغَة فَمَحْمُول على حَالَة الْعَمَل للنصب، فَحَيْثُ لَا عمل لَهُ لَا يحمل على صيغها، بل مَعْنَاهُ أَنه صفة مشبهة لإِفَادَة الْمُبَالغَة وَمَا بني للْمُبَالَغَة فعلان وفعيل وَفعل كفرح، وَفعل ككبر، وفعلاء كعلياء قَالَ بَعضهم: صِيغ الْمُبَالغَة قِسْمَانِ: أَحدهمَا مَا تحصل الْمُبَالغَة فِيهِ بِحَسب زِيَادَة الْفِعْل وَالثَّانِي بِحَسب تعدد المفعولات وَلَا شكّ أَن تعددها لَا يُوجب للْفِعْل زِيَادَة، إِذْ الْفِعْل الْوَاحِد قد يَقع على جمَاعَة متعددين، وعَلى هَذَا الْقسم تنزل صِفَات الله الْمثل، بِالْكَسْرِ: [أَعم الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة للمشابهة والنظير أخص مِنْهُ، وَكَذَا الند فَإِنَّهُ يُقَال لما يُشَارِكهُ فِي الْجَوْهَر فَقَط، وَكَذَا الشّبَه والمساوي والشكل] وَقد يُطلق الْمثل وَيُرَاد بِهِ الذَّات كَقَوْلِك: (وَمثلك لَا يفعل هَذَا) أَي: أَنْت لَا تَفْعَلهُ وَعَلِيهِ: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ أَي: كَهُوَ تَقول الْعَرَب: (مثلي لَا يُقَال لَهُ هَذَا) أَي: أَنا لَا يُقَال لي هَذَا، أَو المُرَاد فِيهِ نفي (التَّمَاثُل عَن الْمثل، فَلَا مثل لله حَقِيقَة) أَو المُرَاد نفي الْمثل وَزِيَادَة الْحَرْف بِمَنْزِلَة أعادة الْجُمْلَة ثَانِيًا، أَو الْجمع بَين الْكَاف والمثل لتأكيد النَّفْي تَنْبِيها على أَنه لَا يَصح استعمالهما فنفي ب (لَيْسَ) الْأَمْرَانِ جَمِيعًا أَو الْمثل بِمَعْنى الصّفة، وَفِيه تَنْبِيه على أَن الصِّفَات لَهُ تَعَالَى لَا على حسب مَا تسْتَعْمل فِي الْبشر ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ وَالْأَكْثَرُونَ على كَون الْكَاف فِيهِ زَائِدَة إِذْ الْقَصْد نفي الْمثل وَاعْلَم أَن الْمثل الْمُطلق للشَّيْء هُوَ مَا يُسَاوِيه فِي جَمِيع أَوْصَافه، وَلم يتجاسر أحد من الْخَلَائق على إِثْبَات الْمثل الْمُطلق لله، بل من أثبت لَهُ شَرِيكا ادّعى أَنه كالمثل لَهُ يَعْنِي يُسَاوِيه فِي بعض صِفَات الإلهية، فالآية رد على من زعم التَّسَاوِي من وَجه دون وَجه ﴿﴾ [ثمَّ اعْلَم أَن الْمثل لَو فرض عَاما لَا يلْزم عجزهما

стр. 838

من جِهَة التمانع والتطارد بَين إرادتهما وقدرتيهما، اتفقَا على مُمكن وَاحِد وَاخْتلفَا وَالثَّانِي ظَاهر، وَأما الأول فلاستحالة نُفُوذ الإرادتين فِي مُمكن وَاحِد، وَإِلَّا لزم انقسام مَا لَا يَنْقَسِم أَو تَحْصِيل الْحَاصِل فَلَا بُد من عجز إِحْدَى القدرتين وَإِحْدَى الإرادتين وَيلْزم مِنْهُ عجز الْأُخْرَى بالمماثلة، وَلَو فرض الْمثل خَاصّا فِي بعض الصِّفَات كالقدرة الإلهية مثلا فَإِنَّهُ يلْزم الْحُدُوث لكل من المثلين لافتقارهما إِلَى مُخَصص يخصصهما بِالْمحل الَّذِي وجدت فِيهِ لقبُول كل مِنْهُمَا حِينَئِذٍ المحلين، وَذَلِكَ يُنَافِي مَا ثَبت للإله من وجوب الْوُجُود، وَيلْزم حِينَئِذٍ الْعَجز أَيْضا للحدوث والتمانع] والمثل، بِفتْحَتَيْنِ لُغَة؛ اسْم لنَوْع من الْكَلَام، وَهُوَ مَا تراضاه الْعَامَّة والخاصة لتعريف الشَّيْء بِغَيْر مَا وضع لَهُ من اللَّفْظ، يسْتَعْمل فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء [ويستعار لفظ الْمثل للْحَال كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿مثلهم كَمثل الَّذِي استوقد نَارا﴾ أَي حَالهم العجيبة و ﴿مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون﴾ ؛ أَي فِيمَا قَصَصنَا عَلَيْك من الْعَجَائِب وَمن الْعَجَائِب قصَّة الْجنَّة العجيبة ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ أَي الصّفة العجيبة] (وَهُوَ أبلغ من الْحِكْمَة وَقد يَأْتِي المكسور بِمَعْنى (الْمثل) بِفتْحَتَيْنِ، أَعنِي الصّفة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿مثل الْجنَّة﴾ أَي: صفتهَا وَقد يَأْتِي بِمَعْنى النَّفس، كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن آمنُوا بِمثل مَا آمنتم بِهِ﴾ ) والمثال: من مثل الرجل بَين يَدي رجل ككرم: إِذا انتصب قَائِما أَو سقط بَين يَدَيْهِ والأمثل: للتفضيل وَسمي أفاضل النَّاس أماثل لقيامهم فِي كل الْمُهِمَّات وَمِنْه الْمثل يسد مسد غَيره وَيُسمى الْكَلَام الدائر فِي النَّاس للتمثيل مثلا لقصدهم إِقَامَة ذَلِك مقَام غَيره وَالشّرط فِي حسن التَّمْثِيل هُوَ أَن يكون على وفْق الممثل لَهُ من الْجِهَة الَّتِي تعلق بهَا التَّمْثِيل فِي الْعظم والصغر والخسة والشرف وَإِن كَانَ الممثل أعظم من كل عَظِيم كَمَا مثل فِي الْإِنْجِيل غل الصَّدْر بالنخالة، والقلوب القاسية بالحصاة، ومخاطبة السُّفَهَاء بإثارة الزنانير وَفِي كَلَام الْعَرَب: (أسمع من قراد) ، و (أطيش من فراشة) ، و (أعز من مخ البعوض) وَنَحْو ذَلِك والمثلة: كاللمزة للْمَفْعُول كلون مَقْطُوع الْأنف وَنَحْوه، كالمنصوب بَين يَدي النَّاس بِاعْتِبَار تكلمهم بِهِ للتمثيل فِي التقبيح (والمثل، محركة: الْحجَّة والْحَدِيث وتمثل: أَي أنْشد بَيْتا ثمَّ آخر وتمثل بالشَّيْء: ضربه مثلا وَمثله لَهُ تمثيلا: صوره لَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهِ ﴿فتمثل لَهَا بشرا سويا﴾ : أَي أَتَاهَا جِبْرِيل

стр. 839

بِصُورَة شَاب أَمْرَد سوي الْخلق، يُقَال: تمثل كَذَا عِنْد كَذَا، إِذا حضر منتصبا عِنْده بِنَفسِهِ أَو بمثاله والطريقة المثلى: أَي الْأَشْبَه بِالْحَقِّ و ﴿أمثلهم طَريقَة﴾ أَي: أعدلهم وأشبههم بِأَهْل الْحق وأعلمهم عِنْد نَفسه بِمَا يَقُوله الْملك، بِالْكَسْرِ: أَعم من المَال يُقَال: ملك النِّكَاح، وَملك الْقصاص، وَملك الْمُتْعَة وَهُوَ قدرَة يثبتها الشَّارِع ابْتِدَاء على التَّصَرُّف، فَخرج نَحْو الْوَكِيل كَذَا فِي " فتح الْقَدِير " وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِلَّا لمَانع كالمحجور عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَالك وَلَا قدرَة لَهُ على التَّصَرُّف وَالْمَبِيع الْمَنْقُول ملك للْمُشْتَرِي وَلَا قدرَة لَهُ على بَيْعه قبل قَبضه وَملك يَمِيني، بِالْفَتْح أفْصح من الْكسر وَالْملك، بِالضَّمِّ: عبارَة عَن الْقُدْرَة الحسية الْعَامَّة لما يملك شرعا وَلما لَا يملك فِي " الْقَامُوس ": بِالضَّمِّ مَعْلُوم وَيُؤَنث، وبالفتح، وككتف وأمير وَصَاحب: ذُو الْملك وَقَالَ الزّجاج: بِالضَّمِّ السُّلْطَان وَالْقُدْرَة وبالكسر مَا حوته الْيَد. وبالفتح مصدر وَقيل: بِالضَّمِّ يعم التَّصَرُّف فِي ذَوي الْعُقُول وَغَيرهم، وبالكسر يخْتَص بِغَيْر الْعُقَلَاء وَقيل بَينهمَا عُمُوم وخصوص من وَجه، فالمضموم هُوَ التسلط على من يَتَأَتَّى مِنْهُ الطَّاعَة، وَيكون بِالِاسْتِحْقَاقِ وَبِغَيْرِهِ، والمسكور كَذَلِك إِلَّا أَنه لَا يكون لَا بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالْملك؛ بِالْفَتْح وَكسر اللَّام: أدل على التَّعْظِيم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَالِك، لِأَن التَّصَرُّف فِي الْعُقَلَاء المأمورين بِالْأَمر وَالنَّهْي أرفع وأشرف من التَّصَرُّف فِي الْأَعْيَان الْمَمْلُوكَة الَّتِي أشرفها العبيد وَالْإِمَاء وَأَيْضًا الْملك من حَيْثُ إِنَّه ملك أَكثر تَصرفا من الْمَالِك من حَيْثُ إِنَّه مَالك وأقدر على مَا يُريدهُ فِي تصرفانه وَأقوى تمَكنا مِنْهَا واستيلاء عَلَيْهَا وَأكْثر إحاطة وورود لفظ الْملك فِي الْقُرْآن أَكثر من وُرُود لفظ الْمَالِك إِذْ هُوَ أَعلَى شَأْنًا من الْمَالِك وَقَالَ بَعضهم: الْمَالِك اسْم فَاعل من الْملك بِالْكَسْرِ، وَاسم الْفَاعِل مَا اشتق مِمَّا حدث مِنْهُ الْفِعْل فِي الْحَال وَالْملك: من لَهُ السلطنة وَالتَّصَرُّف فِي الْأَمر وَالنَّهْي فِي جمَاعَة الْعُقَلَاء فَهُوَ صفة مشبهة من الْملك بِالضَّمِّ بِمَعْنى الْإِمَارَة والسلطنة وَالصّفة المشبهة مَا اشتق مِمَّا ثَبت فِيهِ الْفِعْل وَاسْتمرّ، وَمن ثمَّة خصت باللازم كالحسن وَالْكَرم والجود فالمالك وَإِن كَانَ أوسع لشُمُوله لغير الْعُقَلَاء أَيْضا لَكِن الْملك أبلغ لدلالته على الْقُوَّة الْقَاهِرَة وَقيل: الْمَالِك أَكثر إحاطة وتصرفا من الْملك، لِأَن الْملك لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى أَحْرَار من النَّاس بِخِلَاف الْمَالِك وَإِن الْمَالِك يتَصَرَّف بِالْبيعِ وَأَمْثَاله، وَلَيْسَ ذَلِك للْملك وَقيل: الْمَالِك من الْملك بِالضَّمِّ عَام من جِهَة الْمَعْنى وَفِيه معنى التسلط وَالْمَالِك من الْملك بِالْكَسْرِ خَاص وَفِيه معنى الِاسْتِحْقَاق، فَكل مَالك ملك وَلَيْسَ كل ملك مَالِكًا وَالْمُتوَلِّيّ من الْمَلَائِكَة شَيْئا من السياسة يُقَال لَهُ (ملك) بِفَتْح اللَّام وَمن الْبشر يُقَال لَهُ (ملك)

стр. 840

بِكَسْرِهَا، فَكل ملك مَلَائِكَة وَلَيْسَ كل مَلَائِكَة ملكا؛ بل الْملك هم الْمشَار إِلَيْهِم بقوله تَعَالَى: ﴿فالمدبرات﴾ ، ﴿فَالْمُقَسِّمَات﴾ وَنَحْو ذَلِك وَمِنْه ملك الْمَوْت (وملكوت الشَّيْء عِنْد الصُّوفِيَّة حَقِيقَة الْمُجَرَّدَة اللطيفة، غير الْمقيدَة بقيود كثيفة شجية جسمانية ويقابله الْملك بِمَعْنى الْمَادَّة الكثيفة بالقيود) وَالْمَلَائِكَة جمع (ملأك) على أَصله الَّذِي هُوَ (لأك) بِالْهَمْزَةِ، وَالتَّاء لتأكيد ثأنيث الْجَمَاعَة (أَو الْمُبَالغَة) هَكَذَا كَلَام السّلف وليت شعري مَا وَجه قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا لَا علم لنا﴾ ﴿﴾ (وَإِذ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم) ﴿﴾ (فنادته الْمَلَائِكَة﴾ وَاخْتلف فِي حقيقتهم بعد الِاتِّفَاق على أَنهم ذَوَات مَوْجُودَة قَائِمَة بِأَنْفسِهِم، فَأكْثر الْمُتَكَلِّمين على أَنهم أجسام لَطِيفَة قادرة على التشكل بصور مُخْتَلفَة، كَمَا أَن الرُّسُل كَانُوا يرونهم كَذَلِك [إِمَّا بانضمام الْأَجْزَاء وتكاتفها دون إفناء الزَّائِد من خلقه وإعادته، وَإِمَّا بِغَيْر ذَلِك على مَا يَشَاء الله تَعَالَى] (وَالْمَلَائِكَة عباد الله الْعَامِلُونَ بِأَمْر الله إِلَّا هاروت وماروت، كَمَا أَن الشَّيَاطِين أَعدَاء الله المخالفون لأمر الله إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُم قرين النَّبِي ﵊ قد أسلم وَهُوَ هَامة بن هميم بن لاقيس بن إِبْلِيس اللعين) وَذهب الْحُكَمَاء إِلَى أَنهم جَوَاهِر مُجَرّدَة مُخَالفَة للنفوس الناطقة فِي الْحَقِيقَة [وَالْحق أَنهم جَوَاهِر بسيطة معقولة مبرأة من الْحُلُول فِي الْموَاد، وَهِي مَعَ ذَلِك إِمَّا غير مُتَعَلقَة بعلائق الْمَادَّة كالعقول، وَإِمَّا مُتَعَلقَة بعلائق الْمَادَّة كالنفوس، وَلَهُم نطق عَقْلِي غير نَام يحْتَمل خلقهمْ توليدا كَمَا جَازَ إبداعا، غير محجوبين عَن تجلي الْأَنْوَار القدسية لَهُم وَلَا ممنوعين من الالتذاذ بهَا فِي وَقت من الْأَوْقَات وَلَا فِي حَالَة من الْحَالَات بنوم وَلَا غَفلَة وَلَا شَهْوَة، بل هم فِي التذاذ ونعيم بِمَا يشاهدونه ويطالعونه من الْعَالم الْقُدسِي والنور الرباني أبدا دَائِما سرمدا وطاعتهم طبع وعصيانهم تكلّف خلاف الْبشر فَإِن طاعتهم تكلّف ومتابعة الْهوى مِنْهُم طبع قيل: الْمَلَائِكَة مكلفون بالتكليفات الكونية لَا الشَّرْعِيَّة الَّتِي بعث بهَا الرُّسُل وَلَيْسَ كَذَلِك، كَيفَ وَقد دلّت الْآثَار على أَنهم مكلفون بشرعنا فيؤذنون أذاننا وَيصلونَ صَلَاتنَا وملائكة اللَّيْل وَالنَّهَار يشْهدُونَ صَلَاة الْفجْر وَيصلونَ فِي جماعتنا ويحضرون مَعَ الْأمة فِي قتال الْعَدو لنصرة الدّين وَهَذِه خصيصة مستمرة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا مُخْتَصَّة بالبدر، وَقد أَعْطَيْت لَهُم قِرَاءَة سُورَة الْفَاتِحَة من الْقُرْآن لَا غير، ومطالعة اللَّوْح الْمَحْفُوظ مِمَّا لَا تحقق لَهُ وَاخْتلف فِي الْفضل بَين الْأَنْبِيَاء

стр. 841

وَالْمَلَائِكَة، فمذهب الأشاعرة والشيعة أَن الْأَنْبِيَاء أفضل والأدلة على ذَلِك كَثِيرَة مِنْهَا سجودهم لسيدنا آدم ﵊ لَوْلَا أَن السَّجْدَة دَالَّة على زِيَادَة منصب السُّجُود لَهُ على الساجد لما قَالَ إِبْلِيس: ﴿أرأيتك هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ﴾ وَمِنْهَا أَنه أعلم مِنْهُم بِدَلِيل ﴿يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ والأعلم أفضل بِدَلِيل ﴿هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ وَمِنْهَا إطاعة الْبشر أشق لِكَثْرَة الْمَوَانِع، وَالْفِعْل مَعَ الْمَانِع أشق مِنْهُ مَعَ غير الْمَانِع، والأشق أفضل لحَدِيث: " أفضل الْعِبَادَة أحمزها " وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين﴾ والإشكال بقوله تَعَالَى فِي بني إِسْرَائِيل ﴿وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ حَيْثُ يسْتَلْزم تَفْضِيلهمْ على سيدنَا مُحَمَّد وَسَيِّدنَا آدم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام مَدْفُوع بِأَن يُقَال: إِن سيدنَا مُحَمَّدًا كَانَ مَوْجُودا حَال وجود بني إِسْرَائِيل وَأما الْمَلَائِكَة فهم موجودون حَال وجود سيدنَا مُحَمَّد ﵊ وَقَالَت الفلاسفة والمعتزلة: إِن الْمَلَائِكَة السماوية أفضل من الْبشر وَهُوَ اخْتِيَار القَاضِي أبي بكر الباقلاني وَأبي عبد الله الْحَلِيمِيّ من أَصْحَاب الأشاعرة وَاحْتَجُّوا بأدلة كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون﴾ وَالْجَوَاب: أَنه من قبيل مَا أعَان على هَذَا الْأَمر لَا زيد وَلَا عَمْرو وَهَذَا لَا يُغير كَون الْمُتَأَخر فِي الذّكر أفضل من الْمُتَقَدّم وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام﴾ أَو المُرَاد أَن النَّصَارَى لما شاهدوا من الْمَسِيح مَا شاهدوا من الْقُدْرَة العجيبة أَخْرجُوهُ بهَا من عبَادَة الله وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لن يستنكف الْمَسِيح﴾ بِهَذِهِ الْقُدْرَة عَن عبوديتي وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون الَّذين فَوْقه بِالْقُوَّةِ والبطش والاستيلاء على عَالم السَّمَاوَات وَالْأَرضين وَأما الِاحْتِجَاج بقوله تَعَالَى: ﴿وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته﴾ فمعارض بقوله تَعَالَى فِي صفة الْبشر ﴿فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر﴾ وَبِحَدِيث: " أَنا عِنْد المنكسرة قُلُوبهم " وَأما الِاحْتِجَاج بقوله تَعَالَى: ﴿والمؤمنون كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله﴾ بِنَاء على أَن التَّقْدِيم فِي الذّكر يدل على التَّقْدِيم فِي الرُّتْبَة فمعارض بتقديمه على الْكتب أَيْضا، وَلم يقل أحد بِأَنَّهُم أفضل من الْكتب، وَأما الِاحْتِجَاج بقوله تَعَالَى: ﴿علمه شَدِيد القوى﴾ فمعارض بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه﴾ وَفِيه سر لَا يعرفهُ إِلَّا العرفاء بِاللَّه تَعَالَى وَأما الِاحْتِجَاج بقوله تَعَالَى: (قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول

стр. 842

لكم إِنِّي ملك﴾ ، وَقَوله تَعَالَى أَيْضا: ﴿مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ﴾ فَفِيهِ أبحاث دقيقة وَمذهب أَكثر أهل السّنة أَن الرُّسُل من بني آدم أفضل من الْمَلَائِكَة الرُّسُل وَغير الرُّسُل، وَالرسل من الْمَلَائِكَة أفضل من عَامَّة بني آدم، والمؤمنون من بني آدم أفضل من عَامَّة الْمَلَائِكَة (وَالْملك: جَوْهَر بسيط ذُو حَيَاة ونطق عَقْلِي غير نَام، يحْتَمل خلقه توليدا كَمَا جَازَ إبداعا طَاعَته طبع وعصيانه تكلّف خلاف الْبشر، فَإِن طَاعَته تكلّف ومتابعة الْهوى مِنْهُ طبع، وَلَا يُنكر من الْملك تصور الْعِصْيَان، إِذْ لَوْلَا التَّصَوُّر لما مدح بِأَنَّهُم لَا يعصون الله وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ) والملكة: تطلق على مُقَابلَة الْعَدَم وعَلى مُقَابلَة الْحَال، فعلى الأول بِمَعْنى الْوُجُود، وعَلى الثَّانِي بِمَعْنى الْكَيْفِيَّة الراسخة وَأَسْمَاء الْمَلَائِكَة كلهَا أَعْجَمِيَّة إِلَّا أَرْبَعَة: (مُنكر وَنَكِير وَمَالك ورضوان) وَملكه يملكهُ: (من بَاب ضرب) ملكا مُثَلّثَة الْمِيم وملكة ومملكة بِفَتْح اللَّام فيهمَا وَقد يضم وَقيل يثلث (وَمَاله ملك: مثلث الْمِيم وبضم الْمِيم وَاللَّام أَيْضا، وَذَلِكَ بانضمام الْأَجْزَاء وتكاثفها حَتَّى يصير على قدر رجل وهيئته على مَا روى النَّسَائِيّ من صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ ثمَّ يعود إِلَى هَيئته الْأَصْلِيَّة دون إفناء الزَّائِد من خلقه وإعادته) الْمُحَاذَاة: هِيَ أَن يَجْعَل كَلَام بحذاء كَلَام فَيُؤتى بِهِ على وَزنه لفظا وَإِن كَانَا مُخْتَلفين وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله: ﴿وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم فلقاتلوكم﴾ فَهَذِهِ حوذيت بِاللَّامِ الَّتِي فِي (لسلطهم) وَهِي جَوَاب (لَو) فَالْمَعْنى: لسلطهم عَلَيْكُم فقاتلوكم، وَمثله: ﴿لأعذبنه عذَابا شَدِيدا أَو لأذبحنه﴾ فهما لاما قسم وَأما ﴿أَو ليأتيني﴾ فَلَيْسَ ذَا مَوضِع قسم لكنه لما جَاءَ على إِثْر مَا يجوز فِيهِ الْقسم أجري مجْرَاه وَمِنْه أَيْضا كِتَابَة الْمُصحف، مثلا إِنَّهُم كتبُوا: ﴿وَاللَّيْل إِذا سجى﴾ بِالْيَاءِ وَهُوَ من ذَوَات الْوَاو، وَلما قرن بِغَيْرِهِ مِمَّا يكْتب بِالْيَاءِ وَقد نظمت فِيهِ: (قد يقرن بِي امْرُؤ فَيعْطى شأني ... كالليل إِذا سجى ليأتيني) الْمُسَاوَاة: هِيَ أَن يكون اللَّفْظ مُسَاوِيا للمعنى بِحَيْثُ

стр. 843

لَا يزِيد مِنْهُ وَلَا ينقص عَنهُ، وَهِي مُعْتَبرَة فِي قسمي البلاغة الإيجاز والإطناب مَعًا أما الإيجاز فكقوله تَعَالَى: ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ والإطناب هَذَا الْمَعْنى كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمن قتل مَظْلُوما فقد جعلنَا لوَلِيِّه سُلْطَانا فَلَا يسرف فِي الْقَتْل﴾ وَأما الإيجاز من غير هَذَا الْمَعْنى فكقوله تَعَالَى: ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ طرفاها مَنْسُوخ وَالْوسط مُحكم والإطناب كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى﴾ وَلَا بُد من الْإِتْيَان بِهَذَا الْفَصْل لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن الإيجاز لَا يُوصف بالمساواة وَمن أَمْثِلَة الْمُسَاوَاة قَوْله: (فَإِن تكتموا الدَّاء لَا نخفه ... وَإِن تبعثوا الْحَرْب لَا نقعد) (وَإِن تقتلونا فنقتلكم ... وَإِن تقصدوا الذَّم لَا نقصد) والمساوقة عِنْدهم تسْتَعْمل فِيمَا يعم الِاتِّحَاد فِي الْمَفْهُوم الْمَسْأَلَة، لُغَة: السُّؤَال أَو المسؤول أَو مَكَان السُّؤَال وَعرفا: هِيَ قَضِيَّة نظرية فِي الْأَغْلَب تتألف مِنْهَا حجتها وَهِي مبانيها التصديقية وَقد تكون ضَرُورِيَّة محتاجة إِلَى تَنْبِيه وَأما مَا لَا خَفَاء فِيهِ فَلَيْسَ من الْمَسْأَلَة فِي شَيْء وَالْمرَاد الْقَضِيَّة الْكُلية الَّتِي تشْتَمل بِالْقُوَّةِ على أَحْكَام تتَعَلَّق بجزئيات موضوعها الْمَدْح: هُوَ الثَّنَاء الْحسن، ومدحه وامتدحه بِمَعْنى، والمدحة والأمدوحة مَا يمدح بِهِ وَقيل: الْمَدْح هُوَ الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على الْجَمِيل مُطلقًا سَوَاء كَانَ من الفواضل أَو من الْفَضَائِل، وَسَوَاء كَانَ اختياريا أَو غير اخْتِيَاري، وَلَا يكون إِلَّا قبل النِّعْمَة وَلِهَذَا لَا يُقَال مدحت الله إِذْ لَا يتَصَوَّر تقدم وصف الْإِنْسَان على نعْمَة الله بِوَجْه من الْوُجُوه لِأَن نفس الْوُجُود نعْمَة من الله تَعَالَى وَفِي " التَّبْيِين ": الْحَمد يسْتَعْمل فِي الْإِحْسَان السَّابِق على الثَّنَاء، والمدح يسْتَعْمل فِي السَّابِق وَغَيره، وَهَذَا كالماضي والمضارع فَإِنَّهُمَا يدلان سَوَاء على مُطلق الْمَعْنى بِحَسب الِاشْتِرَاك فِي الْحُرُوف، ثمَّ كل وَاحِد يخْتَص بِزَمَان بِحَسب الِاخْتِلَاف فِي اللَّفْظ، وَلَا يخْتَص الْمَدْح بالفاعل الْمُخْتَار وَلَا بِاخْتِيَار الممدوح عَلَيْهِ وَلَا بِقصد التَّعْظِيم كَمَا يشْهد بِهِ موارد استعمالاته [والمدح بِمَعْنى عد المآثر والمناقب يُقَابله الهجو بِمَعْنى عد المثالب والمدح بِالْوَصْفِ الْجَمِيل يُقَابله الذَّم] والمدح زِيَادَة على الرضى وَقد يرضى الْمَرْء عَن الشَّيْء وَإِن لم يمدحه الْمَوْت: [هُوَ ضد الْحَيَاة لُغَة وَالْأولَى فِي التَّعْرِيف عدم الْحَيَاة عَمَّا وجد فِيهِ الْحَيَاة لِئَلَّا ينْتَقض بالجنين وَفِي " شرح الْمَقَاصِد ": زَوَال

стр. 844

الْحَيَاة، وَمعنى زَوَال الْحَيَاة عدمهَا عَمَّا يَتَّصِف بِالْفِعْلِ وَهَذَا معنى مَا قيل إِنَّه عدم الْحَيَاة عَمَّا من شَأْنه الْحَيَاة] وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة جسم على صُورَة الْكَبْش، كَمَا أَن الْحَيَاة جسم على صُورَة الْفرس وَأما الْمَعْنى الْقَائِم بِالْبدنِ عِنْد مُفَارقَة الرّوح فَإِنَّمَا هُوَ أَثَره، فتسميته بِالْمَوْتِ من بَاب الْمجَاز [فخلق الْمَوْت مجَاز عَن تعلقه بمصحح الْمَوْت ومبدئه وَفِي " شرح الْمَقَاصِد ": المُرَاد بِخلق الْمَوْت إِحْدَاث أَسبَابه وَقَالَ بَعضهم: لَا ضَرَر لَو أُرِيد إِحْدَاث نفس الْمَوْت، لِأَن الْأُمُور العدمية قد تحدث بعد أَن لم تكن كالعمى وَالْمرَاد بقوله تَعَالَى: ﴿موتوا ثمَّ أحياهم﴾ إماتة الْعقُوبَة مَعَ بَقَاء الْأَجَل وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى﴾ إماتة بانتهاء الْأَجَل، وَالْمعْنَى لَا يعْرفُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى فَعبر عَن إِدْرَاك الْمَوْت ومعرفته حِين يُؤْتى بِهِ للذبح فِي صُورَة الْكَبْش بالذوق تجوزا ﴿وأحيينا بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾ قيل بِزَوَال الْقُوَّة النامية الْمَوْجُودَة فِي الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان والنبات [وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْإِحْيَاء عبارَة عَن تهييج الْقُوَّة النامية وإثارتها وَهُوَ التَّحْقِيق لِأَنَّهُ لَا تَزُول القوى النامية بل تنعزل عَن الْعَمَل كَمَا فِي المفلوج، فالحياة هيجانها وَالْمَوْت فتورها، فالحواس الَّتِي انعدمت انكمنت فَلَا نشك بِسَمَاع الْمَيِّت ورؤيته كَمَا كَانَ فِي حَال حَيَاته، ويتأثر بالعنف واللطف من الْغَاسِل وَمِمَّنْ يُبَاشر جِسْمه، وَقد دلّت الْأَخْبَار على ذَلِك] ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه﴾ بِزَوَال الْقُوَّة الْعَاقِلَة ﴿أئذا مَا مت﴾ بِزَوَال الْقُوَّة الحساسة ﴿ويأتيه الْمَوْت من كل مَكَان﴾ أَي: الْحزن المكدر للحياة والإماتة: جعل الشَّيْء عادم الْحَيَاة ابْتِدَاء، أَو التصيير كالتصغير وَالتَّكْبِير وَالْمَوْت الْأَحْمَر يرْوى بالتوصيف وبالإضافة أَيْضا، فالأحمز على الثَّانِي بالزاي. قيل: هُوَ حَيَوَان بحري يشق مَوته وعَلى الأول بالراء يُرَاد موت الشُّهَدَاء حَيْثُ لَا مشقة فِي مَوْتهمْ وَالْمَوْت الْأَبْيَض: الْفُجَاءَة وَالْمَيِّت، مُخَفّفَة: هُوَ الَّذِي مَاتَ وَالْمَيِّت والمائت: هُوَ الَّذِي لم يمت بعد قَالَ الشَّاعِر: (وَمن يَك ذَا روح فَذَلِك ميت ... وَمَا الْمَيِّت إِلَّا من إِلَى الْقَبْر يحمل) وَلَا يسْتَعْمل (مَاتَ حتف أَنفه) فِي الْميتَة بِالْغَرَقِ وَالْهدم [يُقَال لَهُ هَكَذَا زعما أَن روحه تخرج من أَنفه، وَفِي الْمَجْرُوح من جرحه] وَجَمِيع فجاءات الْمَوْت؛ وَإِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الْميتَة المماطلة

стр. 845

(والموتة، بِالضَّمِّ: ضرب من الْجُنُون) وَالْميتَة تَأْنِيث مجازي فَإِنَّهَا تقع على الذّكر وَالْأُنْثَى من الْحَيَوَان فَمن أنث الْفِعْل الْمسند إِلَيْهِ نظر إِلَى اللَّفْظ، وَمن ذكر نظر إِلَى الْمَعْنى وَالْميتَة: مَا لم تلْحقهُ الذَّكَاة وبالكسر: للنوع وبالضم: الغشي وَالْجُنُون وَفِي ﴿مت﴾ قراءتان: الْكسر من مَاتَ يمات كخاف يخَاف، وبالضم من مَاتَ يَمُوت والموات، كغراب: الْمَوْت، وكسحاب: مَا لَا روح فِيهِ وَالْأَرْض الَّتِي لَا مَالك لَهَا والموتان، بِالتَّحْرِيكِ: خلاف الْحَيَوَان أَو أَرض لم تحي بعد، وَمِنْه قَوْلهم: (اشْتَرِ الموتان وَلَا تشتر الْحَيَوَان) وبالضم: موت يَقع فِي الْمَاشِيَة، وَيفتح وَرجل موتان الْفُؤَاد: كحيوان [والمواتاة: الْمُوَافقَة] الْمسْح: مسح يتَعَدَّى إِلَى المزال عَنهُ بِنَفسِهِ، وَإِلَى المزيل بِالْيَاءِ الْمَفْهُوم الْمَقْصُود من اللَّفْظ سَوَاء كَانَ مَوْجُودا ومعدوما وَالْمسح، كالملح: البلاس أَي اللبَاس الْخلق وَالْجمع مسوح قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْمسْح، بِالْفَتْح: الْمس وَالْغسْل جَمِيعًا، فالنسبة إِلَى الرَّأْس مس، وَإِلَى الرجل غسل وَالدَّلِيل على هَذَا فعل النَّبِي وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَاعْلَم أَن الْوَاو إِنَّمَا تعطف الِاسْم على الِاسْم فِي نوع الْفِعْل أوفي جنسه لَا فِي كميته وَلَا فِي كيفيته، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ فِي قِرَاءَة خفض الأرجل: إِن الأرجل تغسل والرؤوس تمسح، وَلم يُوجب عطفها على الرؤوس أَن تكون ممسوحة كمسح الرؤوس لِأَن الْعَرَب تسْتَعْمل الْمسْح على مَعْنيين: أَحدهمَا النَّضْح، وَالْآخر الْغسْل وَحكى أَبُو زيد: تمسحت للصَّلَاة أَي: تَوَضَّأت، فَلَمَّا كَانَ الْمسْح على نَوْعَيْنِ أَوجَبْنَا لكل عُضْو مَا يَلِيق بِهِ، إِذْ كَانَت وَاو الْعَطف كَمَا قُلْنَا إِنَّهَا توجب الِاشْتِرَاك فِي نوع الْفِعْل وجنسه، فالنضح وَالْمسح جَمعهمَا جنس الطَّهَارَة، وَلَا يسن تكْرَار مسح الرَّأْس عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي مسح الرَّأْس ركن فَيسنّ تكراره كالغسل، وَيشْهد لتأثير الْمسْح فِي عدم التّكْرَار أصُول كمسح الْخُف وَالتَّيَمُّم والجورب والجبيرة، وَلَا يشْهد لتأثير الرُّكْن فِي التّكْرَار إِلَّا الْغسْل يَقُول الشَّافِعِي فِي مسح الرَّأْس ثَلَاثًا: هُوَ مسح فَيسنّ الإيتار فِيهِ كالاستنجاء بِالْحجرِ، فيعترضه الْحَنَفِيّ بِأَن مسح الْخُف لَا يسن إيتاره إِجْمَاعًا، وَالْقِيَاس الْمُخَالف للْإِجْمَاع بَاطِل [والمسيح: الصّديق قَالَه إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵀، سمي سيدنَا عِيسَى بن مَرْيَم ﵊ مسيحا لِأَنَّهُ مَسحه سيدنَا جِبْرِيل ﵊ بجناحه حَتَّى لَا يكون للشَّيْطَان سَبِيل، أَو كَانَ مسيح الْقدَم الَّذِي لَا أَخْمص لَهُ، أَو أَنه مَا مسح لعاهة إِلَّا براها، أَو كَانَ يسيح فِي الأَرْض وَلَا يُقيم فِي مَكَان
следующие страницы →