Полный текст (1 034 стр.). Показаны 1016–1034 · переход к 1021.
стр. 1016
الْأَسْمَاء وَفِيه أَنه لَا يلائم لفظ الرَّأْس مَعَ أَنه لَا يتعارف إِسْقَاط مَا بَين العشرات. وَقيل إِن سنة ﷺ َ - اثْنَتَانِ وَنصف وَسِتُّونَ لما روى عَنهُ ﷺ َ - من أَن عمر كل نَبِي نصف عمر نَبِي كَانَ قبله وَكَانَ عمر عِيسَى ﵇ خمْسا وَعشْرين وَمِائَة _ وزيف هَذَا الحَدِيث كَذَا فِي شرح الشَّمَائِل للفاضل المدقق عِصَام الدّين ﵀.
وَقَالَ الشَّيْخ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي ﵀ اتَّفقُوا على أَنه ﷺ َ - ولد يَوْم الِاثْنَيْنِ من شهر ربيع الأول واختلفو هَل هُوَ فِي الْيَوْم الثَّانِي أَو الثَّامِن أم الْعَاشِر أم الثَّانِي عشر فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَقْوَال مَشْهُورَة _ وَتُوفِّي ﷺ َ - ضحى يَوْم الِاثْنَيْنِ اثْنَتَيْ عشرَة خلت من شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة. وَفِيه إِشْكَال من جِهَة أَنه ﷺ َ - كَانَت وقفته بِعَرَفَات بِالْجمعَةِ فِي السّنة الْعَاشِرَة إِجْمَاعًا فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يتَصَوَّر وُقُوع يَوْم الِاثْنَيْنِ فِي ثَانِي عشر من ربيع الأول من السّنة الَّتِي بعْدهَا وَذَلِكَ مطرد فِي كل سنة يكون الوقفة قبله بِالْجمعَةِ على كل تَقْدِير من تَمام الشُّهُور ونقصانها وَتَمام بَعْضهَا ونقصان بَعْضهَا . وَأجَاب بَعضهم بِاحْتِمَال وُقُوع الْأَشْهر الثَّلَاثَة كوامل أَو كَانَ أهل مَكَّة وَالْمَدينَة اخْتلفُوا فِي رُؤْيَة هِلَال ذِي الْحجَّة فَرَآهُ أهل مَكَّة لَيْلَة الْخَمِيس وَلم يره أهل الْمَدِينَة إِلَّا لَيْلَة الْجُمُعَة فحصلت الوقفة بِرُؤْيَة أهل مَكَّة ثمَّ رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة فارخوا بِرُؤْيَة أَهلهَا.
وَهَذَا الْجَواب بعيد من حَيْثُ إِنَّه يلْزم توالي ثَلَاثَة أشهر كوامل. وَأجَاب بَعضهم بِحمْل قَوْلهم لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت أَي بأيامها فَيكون فَوته فِي الْيَوْم الثَّالِث وبفرض الشُّهُور كوامل فَيصح قَول الْجُمْهُور. وَفِيه أَنه لَا يفهم من قَوْلهم لِاثْنَتَيْ عشرَة إِلَّا مُضِيّ اللَّيَالِي وَيكون مَا أرخ وَاقعا فِي الْيَوْم الثَّانِي عشر انْتهى.
أردْت أَن أكتب حلية أفضل الْأَنْبِيَاء ﵊. ليستسعد بهَا الْخَواص والعوام. فَوَجَدتهَا منظومة فِي عدَّة أَبْيَات مُطَابقَة لما نَقله الثِّقَات نظمها الْعَارِف بِاللَّه الصَّمد مير مُحَمَّد الدهداري قدس سره وأنور مرقده.
تَتَحَدَّث عَن صِفَات وأحوال الرَّسُول والرسالة ومدى علمه ومعرفته وَوَصفه وصفات خلقه وخلقه وجماله وَرَحمته ورأفته وحلمه وقوته ... الخ.
لَا طَاقَة لأحد أَن يصف علو جنابك صلى الله عَلَيْك وَسلم فَإنَّك أول مرتبَة تنزل الذَّات الْوَاجِب الْوُجُود والحقيقة المحمدية والعالم بجود وجودك وجد الْوُجُود وَهُوَ حمدك حمدا كثيرا وَأمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْك كل مَوْجُود سُبْحَانَهُ تَعَالَى مَا أعظم شَأْنك وَمَا أجل برهانك فالاعتراف بالقصور فِي هَذَا الْمقَام أولى. والاختصار فِي هَذَا المرام على هَذَا الْكَلَام أَحْرَى.
(بَاب الْمِيم مَعَ الدَّال)
المداد: بِالْكَسْرِ، الْكِتَابَة بالأسود، وَإِنَّمَا سمي مدادا لجريانه ومده على
стр. 1017
القرطاس عِنْد الْكِتَابَة، وَيُسمى مركبا أَيْضا لتركبه من الْأَجْزَاء.
(الخطاطون) لقد جعلُوا يَوْمًا لخط النّسخ. وَقد قَالَ بَعضهم نظما مَا مَعْنَاهُ. أَن تجلب كوبا من عصير البلوط وتغليه مَعَ المَاء وتتركه خَمْسَة أَو سِتَّة أَيَّام حَتَّى تترسب الْمَادَّة فِي قَعْر الْإِنَاء فترمي المَاء وتضعه فِي قَصَبَة وَمن ثمَّ تستعمله.
ثمَّ يذكر الْكَاتِب خَمْسَة أوجه أُخْرَى لكيفية صناعَة (المداد) .
وَقَالَ المحبي إِذا أردْت أَن تمحو الْحُرُوف من على الورقة حَتَّى تصبح بَيْضَاء، فَعَلَيْك حطن؟ مقادير مُتَسَاوِيَة من السم أَو (خلف الْحَيَوَان) والفارسهاكه (كلمة هندية) ونوشادر حَتَّى تصبح سَوْدَاء مثل (المداد) وتوضع فِي إِنَاء للْمَاء ثمَّ نضعها أَو نمسحها على الْحُرُوف السَّوْدَاء فتنمحي، وَهَذَا مجرب فجربه.
(بَاب الْمِيم مَعَ الرَّاء)
المريد: وَحدث زبدة القارئين المصطفين خُلَاصَة العائلة المرتضوية جَامع الكمالات الإنسانية والواقف على الْأَسْرَار الربانية السَّيِّد شمس الدّين الْمَعْرُوف بالسيد مُحَمَّد ميرك الخجندي النقشبندي البالابوري خلد الله ظلاله وأوصل إِلَى الْعَالمين بره ونواله فِي رِسَالَة (العنايات الإلهية) عَن جده الأمجد قدوة العارفين وزبدة السالكين السَّيِّد عنايت الله قدس سره وأنور مرقده. أَن كَرَامَة السالك وَفَائِدَة المريد كَمَا أعلم أَن عوام النَّاس يعتبرون أَمر الْإِرَادَة من جملَة الْفَرَائِض. وَإِذا رفضنا هَؤُلَاءِ المريدين إِلَى فُقَرَاء آخَرين وَأَكْثَرهم فِي هَذِه الْأَيَّام من المبتدعين والفساق فَإِنَّهُم سيصبحون مريدين ومرتكبي الْأَفْعَال القبيحة ويعتبرونها أعمالا مستحسنة لَا بل عبَادَة، فيصبحون عِنْدهَا كفرة ويموتون على هَذَا الِاعْتِقَاد، العياذ بِاللَّه مِنْهَا. وَإِذا لم توفقنا الْإِرَادَة للإشتغال بالأوامر وَاجْتنَاب النواهي فَتكون عِنْد الْبَارِي مَعْصِيّة وتخرجنا من دَائِرَة الْإِسْلَام وَلَيْسَ ذَلِك غنيمَة.
(بَاب الْمِيم مَعَ الزَّاي)
المزاوجة: جعل شَيْء قرينا لشَيْء آخر، وَعند أَرْبَاب البديع فَإِن المزاوجة هِيَ الْإِيقَاع بَين معنين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء:
(إِذا نهى الناهي فلج بِي الْهوى ... أصاخت إِلَى الواشي فلج بهَا الهجر)
أَي عِنْدَمَا يَمْنعنِي مَانع عَن حب المحبوب فَيُصْبِح لَازِما عَليّ أَن لَا أبتعد عَن محبته. يَعْنِي كلما أَمرنِي الناصح بالامتناع عَن محبته فأبالغ فِي ذَلِك بِمُقْتَضى أَن الْإِنْسَان حَرِيص على مَا منع، فَتُصْبِح محبته لَازِمَة عَليّ رغم إِنَّهَا قد أصاخت السّمع وأعطت المحبوبة أذنها لمن استغابني (آكل اللَّحْم النيء) الَّذِي أوصل لَهَا حكايات كَاذِبَة عني
стр. 1018
فصدقت كَلَامه، وَعِنْدهَا يصبح وَاجِبا عَليّ أَن أهجرها وأترك حبها. فزاوج الشَّاعِر بَين نهي الناهي وإصاختها إِلَى الواشين الواقعين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي أَن رتب عَلَيْهِمَا اللجاج بِشَيْء.
(بَاب الْمِيم مَعَ الصاء)
الْمُصَاهَرَة: من الصهر، فِي الْقَامُوس الصهر بِالْكَسْرِ الْقَرَابَة وَحُرْمَة الختونة وَمن أهل هِدَايَة الْعَوام وتنبيه الْخَواص من الْأَنَام، فاذكر لَهُم هَذِه الْحَادِثَة الَّتِي وَقعت هَذِه الْأَيَّام، الَّتِي أرى من الْوَاجِب ذكرهَا، حَتَّى ينجو بِرِوَايَة (الْفُصُول الْعمادِيَّة) كل إِنْسَان من الضَّلَالَة وَيقطع بَاب الزِّنَا.
أَرَادَ أحد أَبنَاء الْأُمَرَاء فِي الْبَلدة العامرة (اورنك آباد) أَن يتَزَوَّج من (مزنية الْأَب) فَذهب إِلَى الْمُفَوض بِأُمُور النِّكَاح مُحَمَّد كَامِل وَأظْهر لَهُ مُرَاده وَطَلَبه. فَأَجَابَهُ الْمَذْكُور إِن ذَلِك على مَذْهَب الشَّافِعِي لَيْسَ حَرَامًا، إِذا مَا تحولت من مَذْهَب أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. لتحقيق طَلَبك ومرادك إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ _ قد أوردت رِوَايَات الِانْتِقَال والتحويل من مَذْهَب إِلَى مَذْهَب آخر _ وَبِمَا أَن الْأَمر كَانَ يتَعَلَّق بتحقيق الْغَرَض، وَصَاحب الْغَرَض، كَانَ مَشْهُورا بجنونه لَدَى الْعَامَّة والخاصة، فَأَخذه مُحَمَّد كَامِل وَمَعَهُ رِوَايَات الِانْتِقَال بَين الْمذَاهب إِلَى مُحَمَّد الْعَارِف مفتي تِلْكَ الْبَلدة وَبَين لَهُ الْقَضِيَّة. فَقَالَ الْمُفْتِي هَذَا لَا احتجاج بانتقال الْمَذْهَب _ وسأعطيك أَيْضا رِوَايَة من (الْفُصُول الْعِمَادِيّ) فِي بَاب جَوَاز نِكَاح (مزنية الْأَب) على مَذْهَب أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَمَا كَانَ من مُحَمَّد كَامِل إِلَّا أَن أرسل النَّص الْمَكْتُوب إِلَى قَاضِي الْبَلدة المذكوره الشَّيْخ أَمَان الله الْمُخَاطب بكريم الدّين خَان، وَقَامَ هَذَا القَاضِي، وَبِنَاء على الرِّوَايَة باعطاء الْإِجَازَة بِالنِّكَاحِ، عِنْدهَا قَامَ مُحَمَّد كَامِل بِعقد الزواج.
وَلما اشْتهر هَذَا الْأَمر الشنيع، وَوصل خَبره إِلَى مسامع أفضل فضلاء الزَّمَان وحيد عصره وعارف المعارف الإلهية والواقف على الْأَسْرَار اللامتناهية ركن الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة عماد الطَّرِيقَة المصطفوية السَّيِّد السَّنَد مَوْلَانَا السَّيِّد قمر الدّين خلد الله ظلاله وضاعف عمره وجلاله، خلف الصدْق حَضْرَة الشاه منيب الله بن السَّيِّد عنايت الله الْحُسَيْنِي النقشبندي الخجندي البالابوري قدس سره الله تَعَالَى سرهما وأنور مرقدهما، فَأرْسل بِطَلَب الْمُفْتِي وَمُحَمّد كَامِل وأفهمهم معنى الرِّوَايَة وَحكم بِفَسْخ العقد، وَأَنا الْكَاتِب كنت فِي خدمَة صَاحب العقيدة الراسخ والمناقب الْعَالِيَة أَن يكرمني باعطائي رِوَايَة (الْفُصُول الْعمادِيَّة) وَكَيْفِيَّة الْفَسْخ. فتكرم بذلك وَهَذَا نَصهَا.
стр. 1019
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فِي الْحَادِثَة الْمَشْهُورَة الَّتِي ابْتُلِيَ بهَا ذَلِك الشَّخْص، أَولا: أَتَانَا استفسار عَن جَوَاز هَذَا النِّكَاح الَّذِي وَقع، وَالْجَوَاب الَّذِي أعطيناه هُوَ عدم جَوَازه على مَذْهَبنَا. وَقَالَ إِذا مَا كَانَت الرِّوَايَة بِجَوَازِهِ ضَعِيفَة فلماذا يُعْطي أحدهم فَتْوَى بِنَاء على ذَلِك، وَهُوَ مَأْخُوذ بِعَمَلِهِ هَذَا عِنْد الله. وَمَعَ ذَلِك فَإِن الرِّوَايَة لَيست ضَعِيفَة بِهَذَا الشكل. وَمن هُنَا وَلِأَنَّهُ كَانَ قد حصل على جَوَاب شاف بِالظَّاهِرِ وَذهب إِلَى مُحَمَّد كَامِل وَقَالَ عَن جَوَاز هَذَا النِّكَاح عِنْد الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأظْهر لَهُ رِوَايَات الِانْتِقَال من الْمَذْهَب الْمُنْتَخب. وَلما وصل هَذَا الْكَلَام إِلَى سَمْعِي كَانَ مَحل تعجب مني، والأناس الَّذِي يزينون للْمَرْأَة أَن تتْرك مذهبها وتتحول إِلَى مَذْهَب آخر حَتَّى يحسنوا نِكَاح (مزنية الْأَب) فَهَؤُلَاءِ لَيْسَ بَعيدا عَنْهُم أَن يزينوا ترك دين الْإِسْلَام والتحول إِلَى الدّين الْمَجُوسِيّ ويمرروا حَتَّى أَن (مزنية الْأَب) أم حَقِيقِيَّة.
الْقِصَّة: أَن هَذَا الرجل ذهب إِلَى الْمُفْتِي مُحَمَّد الْعَارِف وَمَعَهُمْ الرِّوَايَات المستخرجة على انْتِقَال من الْمَذْهَب، فَقَالَ الْمُفْتِي الْعَارِف أَن لَا حَاجَة للانتقال عَن الْمَذْهَب، وَقد استخرجت رِوَايَة جَوَاز هَذَا النِّكَاح على مَذْهَبنَا.
وَلما كَانَت هَذِه الرِّوَايَة قد أرْسلت إِلَى القَاضِي مَعَ هَذَا الشَّخْص. وَلما رأى القَاضِي هَذِه الرِّوَايَة بالخط الشريف أجْرى النِّكَاح، وَلما كَانَ مُحَمَّد كَمَال وَبِنَاء على فَتْوَى الْمُفْتِي ورسالته قد أوقع النِّكَاح. فَجَاءَنِي هَذَا الرجل بعد وُقُوع النِّكَاح وعَلى الشماتة وَقَالَ لقد أَعْطَانِي الْمفْتُون فَتْوَى وأجريت النِّكَاح، وَكَذَلِكَ وصلني ذَلِك عَن طَرِيق النَّقْل، وحينها استدعي الْمُفْتِي مُحَمَّد الْعَارِف وَسُئِلَ من أَيْن أَعْطَيْت رِوَايَة جَوَاز هَذَا النِّكَاح، فأظهر أَن هَذِه الرِّوَايَة مَكْتُوبَة فِي (فُصُول الْعِمَادِيّ) وَهِي (وَلَو قضى بِجَوَاز نِكَاح مزنية الْأَب أَو مزنية الابْن لَا ينفذ عِنْد أبي يُوسُف لِأَن الْحَادِثَة مَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الْكتاب، وَعند مُحَمَّد ينفذ، وَمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا، أَنه قَالَ الْحَرَام لَا يحرم الْحَلَال يُؤَيّد قَول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ
стр. 1020
مُجْتَهدا فِيهِ فَينفذ حكمه، كَذَا ذكر فِي الْمُحِيط) .
قيل إِن هَذِه الرِّوَايَة لَيست محصورة فِي (فُصُول الْعِمَادِيّ) وَلكنهَا مَوْجُودَة فِي كتب أُخْرَى. وَلكنهَا لَا تدل على مقصودكم، أما لماذا، لِأَن الْمَذْكُور فِي هَذِه الرِّوَايَة هُوَ نَفاذ الْقَضَاء فِي مزنية الْأَب أَو مزنية الابْن وَلَيْسَ جَوَاز نِكَاحهَا، وَإِذا كَانَت الْعبارَة (لَو نكح أحد بمزنية الْأَب) فَإِنَّهَا تُؤدِّي هَذَا الْمَعْنى، وَلَكِن الْعبارَة هِيَ (لَو قضى) وَالْقَضَاء فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء مَشْرُوط بالدعوة أَو الْقَضِيَّة، وتريد دَعْوَى سبق النِّكَاح. يَعْنِي أَن النِّكَاح قد سبق، وَوَقع بَين الزَّوْجَيْنِ دَعْوَى لجِهَة الْمهْر أَو النَّفَقَة وأمثال ذَلِك، وترافعوا لَدَى القَاضِي، وَأخذ القَاضِي حكما بِنَاء على بَيِّنَة أَو أَي من الْحجَج الشَّرْعِيَّة. فَهَذَا الحكم يُقَال لَهُ الْقَضَاء. وَلَيْسَ كل مَا قَالَه القَاضِي بِصِيغَة الْأَمر هُوَ قَضَاء. كَأَن يَقُول مثلا ضع الإبريق فِي بَيت الْخَلَاء، فَهَذَا لَيْسَ قَضَاء بالاصطلاح الشَّرْعِيّ فالقضاء بحاجة إِلَى الِاصْطِلَاح الْعرفِيّ.
وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الْمُتَعَارف على اصْطِلَاحه لَدَى الْعلمَاء ومشهور فِيمَا بَينهم، وَمَعَ هَذَا فقد صرح بعض المصنفين عَن هَذِه الْمَسْأَلَة حَتَّى لَا يَقع أحد فِي الْغَلَط. كَمَا فِي (حسب الْمُفْتِينَ) إِذا قضى القَاضِي مُجْتَهدا فِيهِ وَهُوَ لَا يعلم بذلك الْأَصَح أَنه يجوز قَضَاؤُهُ وَأَن ينفذ إِذا علم بِكَوْنِهِ مُجْتَهدا فِيهِ، قَالَ شمس الْأَئِمَّة، وَهَذَا ظَاهر الْمَذْهَب وَهَا هُنَا شَرط لنفاذ الْقَضَاء فِي الْمُجْتَهد فِيهِ وَهُوَ أَن يصير الحكم حَادِثَة فتجري فِيهِ خُصُومَة صَحِيحَة بَين يَدي القَاضِي من خصم على خصم، وَفِي الْبَحْر الرَّائِق هَا هُنَا شَرط لنفاذ الْقَضَاء فِي المجتهدات وَهُوَ أَن تصير حَادِثَة تجْرِي بَين القَاضِي من خصم على خصم حَتَّى لَو فَاتَ هَذَا الشَّرْط لَا ينفذ الْقَضَاء لِأَنَّهُ فَتْوَى) .
وَالْأَصْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة هُوَ أَنه إِذا اخْتلف المجتهدون فِي الْقَضِيَّة، ترجع إِلَى القَاضِي وَيظْهر القَاضِي حكمه بِخِلَاف مذْهبه. عِنْد الإِمَام أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه إِذا حكم سَاهِيا فَينفذ. وَإِذا كَانَ عَامِدًا فَإِن فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَعند الصاحبين نَافِذ مُطلقًا سَاهِيا كَانَ أم عَامِدًا. وَأَصْحَاب الْمُتُون مثل (وفاية الرِّوَايَة) وَغَيره وَأَصْحَاب الشُّرُوح مثل (الْهِدَايَة) وَشرح (الْوِقَايَة) وَغَيره وعَلى قَول الصاحبين هُوَ فَتْوَى، وَكتب الشَّيْخ كَمَال الدّين بن همام فِي (فتح الْقَدِير) حَاشِيَة (الْهِدَايَة) إِنَّه فِي زَمَاننَا الْفَتْوَى على قَول الْأَصْحَاب لِأَنَّهُ فِي هَذَا الزَّمن كل من يحكم بِخِلَاف مذْهبه، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَو لَيْسَ خَالِيا من الطمع. إِذا فِي هَذِه الْحَادِثَة إِذا تحقق الْقَضَاء الَّذِي اصْطلحَ عَلَيْهِ الْعلمَاء، فَإِن نَفاذ الْقَضَاء على الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة يثبت، وَلَكِن بقول الصاحبين فَإِن قَضَاء الْمُفْتِي لَا ينفذ فِي جَوَاز النِّكَاح، وَلَا إِمْكَان.
وعلاوة على ذَلِك فَإِن فِي نَفاذ مثل هَذَا الْقَضَاء شَرطه اجْتِهَاد القَاضِي حَتَّى لَا ينفذ قَضَاء من قضى وَهُوَ غير مُجْتَهد عِنْد الإِمَام والصاحبين. وَهَذَا الِاشْتِرَاط يفهم من كَلَام
стр. 1021
صَاحب (الْهِدَايَة) وَكَذَلِكَ صرح صَاحب (الْفَتْح الْقَدِير) وَغَيره من الْمُحَقِّقين، (هَذَا كُله فِي القَاضِي الْمُجْتَهد فَأَما الْمُقَلّد فَإِنَّمَا ولاه ليحكم بِمذهب أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مثلا فَلَا يملك الْمُخَالفَة فَيكون معزولا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك الحكم) .
وَكَذَلِكَ مَعَ أَن هَذِه الرِّوَايَة لَا دلَالَة لَهَا على الْمَقْصُود، فَإِنَّهَا لَيست خَالِيَة من الضعْف لِأَنَّهَا تخَالف الْقَاعِدَة الْكُلية الْمَذْكُورَة فِي جَمِيع الْمُتُون والشروح، مَعَ وجود أَن الْعلمَاء صَرَّحُوا أَن رِوَايَات الْمُتُون مُقَدّمَة على رِوَايَات الشُّرُوح، وَرِوَايَات الشُّرُوح مُقَدّمَة على رِوَايَات فَتَاوَى الْخُصُوص. وَكتب أَيْضا أَن تَصْحِيح صَاحب الْهِدَايَة مقدم على الآخرين، وَبعد الَّتِي واللتيا، لما فهم الْمُفْتِي (الْمَذْكُور سَابِقًا) وَأدْركَ سوء فهمه وَعرف أَن مَدْلُول الرِّوَايَة هُوَ نَفاذ الْقَضَاء وَلَيْسَ زواج النِّكَاح، قَالَ هَذَا خطأ القَاضِي لِأَنَّهُ أذن بِالنِّكَاحِ وَلَيْسَ مني لأنني أَعْطَيْت سَابِقًا فَتْوَى نَفاذ قَضَاء هَذَا النِّكَاح ومضمون الرِّوَايَة شَرْطِيَّة، والشرطية صَادِقَة، حَتَّى وَلَو لم يتَحَقَّق مَا تقدم. قيل إِنَّه هُنَا لَا يسري صدق الشّرطِيَّة، وَيجب الْمُطَابقَة بَين سُؤال، فالمستفتي يسْأَل عَن جَوَاز النِّكَاح، وَأَنت تجيب عَن نَفاذ الْقَضَاء. وَإِذا كتبت فِي جَوَاب الاستفتاء الْمَذْكُور (كل مَا يخرج من السَّبِيلَيْنِ ينْقض الْوضُوء) فَإِن الرِّوَايَة فِي نَفسهَا صَحِيحَة وَلكنهَا من حَيْثُ الْمُطَابقَة كَاذِبَة. وعَلى قَول مولوي فِي المثنوي:
(أيتها الْخَالَة بطريقة سَيِّئَة أَصبَحت خالا ... )
أَي على صدق هَذِه الشّرطِيَّة فَلَا يمكننا اجراء أَحْكَام الْخَال على الْخَالَة. وَقد قيل كَذَلِك فِي نَفاذ الْقَضَاء على مَدْلُول الرِّوَايَة كَلَام، لِأَنَّهُ مُخَالف للمتون والشروح الَّتِي فِيهَا الْفَتَاوَى على قَول الصاحبين، وَنُخَالِف الْمُحَقِّقين الَّذين اشترطوا الِاجْتِهَاد وعدوا الافتاء على رِوَايَة غير الْمُفْتِي بِخِلَاف آدَاب الْإِفْتَاء وَالدّين. قَالَ لقد أتيت (السبهري) بالمفتي الثَّانِي، وَقد جَاءَ كل من الْمُفْتِي الْمَذْكُور مَعَ مُحَمَّد يحيى الَّذِي أصبح الْمُفْتِي الثَّانِي وَأصْبح الْحل وَالْعقد فِي الْقَضَاء بِيَدِهِ مَعَ مُحَمَّد كَامِل الَّذِي وصلت إِلَيْهِ خُلَاصَة افتاء الْمُفْتِي الثَّانِي وَلما فهم القَاضِي والمفتيان أَن معنى الرِّوَايَة بِخِلَاف ذَلِك الَّذِي بنوا عَلَيْهِ الْعَمَل، فبدل مُحَمَّد يحيى مجْرى الْوَاقِعَة مقررا بقوله بِمَا أَن هَذَا النِّكَاح قد انْعَقَد أَمَامه وترافعوا لَدَيْهِ، فَحكم القَاضِي بِجَوَازِهِ وموافقته لمَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي وَحكم بِهِ، قيل فِي جَوَابه، لماذا هَذَا التَّحْرِير فِي التَّقْرِير، أَولا لقد أعْطى القَاضِي الْإِذْن الَّذِي بِمُوجبِه انْعَقَد النِّكَاح، وَلم ينْعَقد أَولا النِّكَاح وَبعد ذَلِك ترافعوا أَمَام القَاضِي. وَمن الاتفاقات الجيدة، كَانَ الْمُفْتِي مُحَمَّد الْعَارِف قد حضر، وَفِي الْوَقْت نَفسه حضر فَجْأَة ذَلِك الشَّخْص المبتلي، وَمن أجل الْآخِرَة وَحَتَّى لَا يحور النَّاس تَقْرِيره بعد أَن سمعُوا معنى الرِّوَايَة كَانَ يجب أَخذ الْإِقْرَار من ذَلِك الرجل المبتلي على مَا حدث فَسئلَ هَذَا الرجل المبتلي عَمَّا إِذا أَخذ الْإِذْن من القَاضِي أَولا وَبعد ذَلِك عقد النِّكَاح أم أَنه عقد النِّكَاح
стр. 1022
ثمَّ جَاءَ إِلَى القَاضِي ليَأْخُذ مِنْهُ حكما بِجَوَازِهِ، فَقَالَ أَولا حصلت على الرِّوَايَة وَبِنَاء عَلَيْهَا اعطاني القَاضِي الْإِذْن وبموجب ذَلِك عقد مُحَمَّد كَامِل عقد النِّكَاح، فَلَمَّا ثَبت كذب مُحَمَّد يحيى وتحويره للتقرير، أَخذ الْمُفْتِي الْعَارِف شَاهدا وَقيل لَهُ أَن لَا تكْتم الشَّهَادَة. وَمَا سمعته من هَذَا الرجل صباحا أعده وقله، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَن أظهر مَا سَمعه. وَكَذَلِكَ قيل لمُحَمد يحيى على تَقْدِير أَن النِّكَاح كَانَ سَابِقًا لإذن القَاضِي، فَكيف لَهُ أَن يُعْطي حكما بِجَوَاز هَذَا النِّكَاح. لِأَن الثَّابِت عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم حُرْمَة الْمُصَاهَرَة بالزنى، وَهَذَا النِّكَاح غير جَائِز عِنْد أَي وَاحِد مِنْهُم، وَمهما كَانَ القَاضِي مُجْتَهدا فَلَا يجوز لَهُ أَن يحكم بِمَا يُخَالف الْعلمَاء الثَّلَاثَة.
وَقد جَاءَ التَّنْصِيص على أَنه (إِذا اتّفق أَصْحَابنَا أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله تَعَالَى فِي مَسْأَلَة، لَا يسع القَاضِي أَن يخالفهم وَلَا يبقي ذَلِك محلا للِاجْتِهَاد، وَإِن اخْتلفُوا فِي مَسْأَلَة فِيمَا بَينهم قَالَ عَامَّة مَشَايِخنَا ﵏ إِن كَانَ القَاضِي من أهل الِاجْتِهَاد يجْتَهد، فَإِن وَقع اجْتِهَاده على قَول الْوَاحِد أَخذ بقوله وَيتْرك قَول الْمثنى وَإِن كَانَ فِي الْمثنى أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى) وَالرِّوَايَة الْمَذْكُورَة لَا تدل على أَنه يجوز للْقَاضِي أَن يُعْطي حكما بِجَوَاز هَذَا النِّكَاح. وَلكنهَا تدل على أَنه على تَقْدِير أَنه حكم، فَإِن حكمه ينفذ كَمَا هِيَ الْعبارَة (لَو قضى القَاضِي _ الخ) وَهُوَ نَص صَرِيح وَكتب الْفِقْه مشحونة بأمثال هَذِه الْعبارَة. مثل (لَو وطئ رجل دبر امْرَأَة وَلَو وطئ فرج بَهِيمَة فَعَلَيهِ الْغسْل) فَهَذِهِ الْعبارَات تدل على وجوب الْغسْل على تَقْدِير الوطئ فِي الدبر أَو فِي فرج الْبَهِيمَة، أم تدل على جَوَاز الوطئ فِي الدبر أَو فِي فرج الْبَهِيمَة. وَبعد تَقولُونَ إِن القَاضِي حكم بعد سَماع المرافعة وعَلى تَقْدِير صدق هَذَا القَوْل من أَيْن كَانَ للْقَاضِي أَن يحكم، وَمَا هُوَ الدَّلِيل الَّذِي حكم بِهِ. بعد ذَلِك اعتذروا وَمضى مَا سَمِعُوهُ.) انْتهى) .
(بَاب الْمِيم مَعَ الْعين)
الْمعلم الأول: الْحَكِيم ارسطاطاليس وَقد يُخَفف وَيُقَال ارسطو قَالُوا مقنن قوانين الْمنطق والفلسفة هُوَ الْحَكِيم ارسطو ودونها بِأَمْر الاسكندر وَلِهَذَا لقب بالمعلم الأول، وَقيل إِن الْمنطق مِيرَاث ذِي القرنين.
ثمَّ بعد نقل المترجمين تِلْكَ الفلسفات من لُغَة اليونان إِلَى لُغَة الْعَرَب القح. هذبها ورتبها وأحكمها وأتقنها ثَانِيًا.
الْمعلم الثَّانِي: وَهُوَ الْحَكِيم أَبُو نصر الفارابي واسْمه مُحَمَّد بن طرخون، وَقد فصلها وحررها بعد إِضَاعَة كتب أبي نصر الشَّيْخ الرئيس أَبُو عَليّ سينا شكر الله مساعيهم
стр. 1023
الجميلة، وَالنِّسْبَة بَين الْمعلم والمتعلم عُمُوم من وَجه، فَإِنَّهُمَا قد يصيبان وَقد يُخطئ الْمعلم ويصيب المتعلم فِي المطالعة فيعترض على معلمه، وَقد يُخطئ المتعلم فيعترض الْمعلم عَلَيْهِ ويهديه.
الْمعرفَة: والمعرفة فِي اصْطِلَاح أَرْبَاب السلوك فِي هِيَ مَا قَالَه الْعَارِف النامي قدوة العارفين نور الدّين الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الجامي قدس سره السَّامِي فِي (نفحات الْأنس من حضرات الْقُدس) من أَن الْمعرفَة عبارَة عَن إِعَادَة الْمعرفَة بالمعلوم الْمُجْمل فِي صور التفاصيل. كَمَا هُوَ فِي (علم النَّحْو) كل من العوامل اللفظية والمعنوية وَمَا هُوَ عَملهَا، هَذَا النَّوْع من الْفَهم على سَبِيل الْإِجْمَال (هُوَ النَّحْو) . وإعادة فهم كل عَامل مِنْهَا على التَّفْصِيل فِي وَقت قِرَاءَة سَواد الْعَرَبيَّة بِلَا توقف وَلَا روية واستعمالها فِي محلهَا هُوَ معرفَة النَّحْو. وإعادة الْفَهم بالفكر الْجيد وروية هُوَ التعرف على النَّحْو. إِذا معرفَة الربوبية عبارَة عَن إِعَادَة فهم الذَّات وَالصِّفَات الإلهية فِي صور تفاصيل الْأَهْوَال والحوادث والنوازل، بعد ذَلِك وعَلى سَبِيل الْإِجْمَال يصبح مَعْلُوما أَن الْمَوْجُود الْحَقِيقِيّ وَالْفَاعِل الْمُطلق هُوَ سُبْحَانَهُ، وَحَتَّى تكون صُورَة التَّوْحِيد الْمُجْمل مفصلة علميا وَلَا عيب فِيهَا فعلى صَاحب علم التَّوْحِيد أَلا يرى فِي صور تفاصيل الوقائع وَالْأَحْوَال المتجددة والمتضادة من ضَرَر ونفع وَمنع وَعَطَاء وثابت ومتحول وضار وَنَافِع ومعطي ومانع وقابض وباسط سوى الْحق ، وَأَن لَا يعلم من دون التَّوَقُّف والروية، فَإِذا لم يفعل لَا يُسمى عَارِفًا. وَإِذا كَانَ لأوّل وهلة غافلا وحاضرا عَن قريب وَيعرف الْفَاعِل الْمُطلق جلّ ذكره فِي صُورَة الوسائط والروابط، فَإِنَّهُ يُسمى متعرفا وَلَيْسَ عَارِفًا، وَإِذا كَانَ غافلا كليا ويحول تأثيرات الْأَفْعَال إِلَى الوسائط فَإِنَّهُ يُسمى سَاهِيا ولاهيا مُشْركًا خفِيا. مثلا إِذا قرر معنى التَّوْحِيد وَهُوَ مُسْتَغْرق فِي بَحر التَّوْحِيد وَالْآخر وعَلى سَبِيل انكاره يعاوده وَيَقُول إِن هَذَا القَوْل لَيْسَ عَفْو الخاطر بل نتيجة للفكر والروية، فَيُؤْخَذ فِي الْحَال بغضب وقسوة لِأَنَّهُ لَا يعلم أَن جَزَاء هَذَا هُوَ عين مصداق قَول الْمُنكر، وَإِلَّا فالفاعل الْمُطلق فِي صُورَة هَذَا الانكار إِعَادَة الْفَهم ويترفق بِهِ.
المعمى: هُوَ الْكَلَام الْمَوْزُون الدَّال على اسْم من الْأَسْمَاء أَو غير ذَلِك بطرِيق الرَّمْز والإيماء بِحَيْثُ يقبله ذُو طبع سليم وَفهم مُسْتَقِيم (مِثَاله فِي النّظم اسْم مُحَمَّد ﷺ َ -) :
(خُذ الميمين من مِيم فَلَا تنقط على أَمر ... فامزجها يكن اسْما لمن كَانَ بِهِ فَخر)
وَأَيْضًا بِالْفَارِسِيَّةِ:
(خم جونكون كشت أزو قطره ريخت ... )
(هُوَ ش ز مدهو ش برفت برفت ... )
стр. 1024
أَي ننزع نقط (خم) ونقلبها فَتُصْبِح (مح) وننزع (هوش) من كلمة (مدهوش) فَيبقى لدينا (مد) . فندمجهما ببعضهما الْبَعْض الآخر، فنحصل على (مُحَمَّد) .
وباسم الْبَرْق:
(خُذ الْقرب ثمَّ اقلب جَمِيع حُرُوفه ... فَذَاك اسْم من اقصى من الْقلب قربه)
ومثاله فِي النثر (آش دِرْهَم جوش بانمك خوان آصف جاه) . يَقُول اخلط ال (آش) مَعَ بعض (هم) وأغليه بملح قشرة آصف جاه. وَهَذَا كَلَام منثور يعلم مِنْهُ اسْم (هَاشم عَليّ خَان) بالاستعانة بقوانين المعمى على هَذِه الطَّرِيقَة إِذا أنزلنَا ال (آش) فِي وسط (هم) فنحصل على (هَاشم) ، وَعدد (عَليّ) و (نمك) متساو إِذا المُرَاد ب (نمك) هُوَ عَليّ، وَإِذا أضفنا هَاشم إِلَى عَليّ فنحصل على (هَاشم عَليّ) ، وَلما كَانَت (الْوَاو) فِي (خوان) لَا اعْتِبَار لَهَا وَلَا تلفظ كَمَا هُوَ مُقَرر فِي الْعرُوض عِنْدهَا نحصل على (هَاشم عَليّ خَان) .
(بَاب الْمِيم مَعَ النُّون)
من بنته فِي بَيته: سُئِلَ أحد الْكِبَار فِي مجْلِس مختلط كَانَ فِيهِ من السّنة والشيعة، من أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ َ -؟ فَأجَاب ذَلِك الْكَبِير ب (من بنته فِي بَيته) وَهَذِه الْعبارَة تفِيد مَعْنيين، أَحدهَا أَن الْأَفْضَل هُوَ أَبُو بكر الصّديق لِأَن ابْنَته فِي منزل الرَّسُول، وَثَانِيها هُوَ أَن عَليّ المرتضى هُوَ الْأَفْضَل لِأَن ابْنة الرَّسُول ﷺ َ - فِي منزله. إِذا لهَذَا الْكَلَام مَعْنيانِ متضادان. وكما ورد فِي التواريخ الْمَكْتُوبَة انه لما أَتَى عقيل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ابْن أبي طَالب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ كرم الله وَجهه أَيَّام خِلَافَته وَطلب مِنْهُ زِيَادَة فِي أَعْطيته، فَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن زِيَادَة الْعَطاء لَا تناسب أهل العفاف، والمعيشة على سَبِيل القناعة أَنْفَع وانفس بضَاعَة. فَلَمَّا سمع عقيل هَذَا القَوْل قرر الْهِجْرَة والذهاب إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وَبعد اسْتِقْبَال مُعَاوِيَة لَهُ وتكريمه والإنعام الْكَبِير عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ أصبح لَازِما عَلَيْك حَتَّى تثبت خِلافك مَعَ عَليّ أَن تصعد إِلَى الْمِنْبَر أَمَام حشد النَّاس وتلعن (عَليّ) وَكلما أَرَادَ عقيل التملص من هَذَا الْأَمر فَلم يسْتَطع وَلم يقبل مِنْهُ أَي عذر، بعْدهَا صعد عقيل الْمِنْبَر وَقَالَ: ((أَن عَليّ بن أبي طَالب أخي وَأَمرَنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ مُعَاوِيَة أَن ألعنه، فلعنة الله عَلَيْهِ)) . وَهَذِه الْعبارَة تَتَضَمَّن مَعْنيين متضادين لِأَنَّهُ إِذا عَاد ضمير (عَلَيْهِ) إِلَى مُعَاوِيَة، فَإِن اللَّعْنَة تكون عَلَيْهِ، وَإِذا عَاد إِلَى (عَليّ) اسْتغْفر الله من ذَلِك، فَلَا تعود اللَّعْنَة على مُعَاوِيَة، فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لمعاوية حينها، لقد
стр. 1025
لعنك عقيل وَلم يلعن (عَليّ) لِأَن ارجاع الضَّمِير إِلَى الْأَقْرَب أولى.
وَقَالَ قدوة العارفين الشَّيْخ فريد الدّين الْعَطَّار قدس سره فِي (تذكرة الْأَوْلِيَاء) عَن الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق ﵁: إِن معرفَة أَصْحَاب الرَّسُول من أصُول الْإِيمَان إِذا لَيْسَ فضلا إِذا كنت تعرف ملك الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مُحَمَّد، ووزراءه فِي خِلَافَته وصحابته فِي مكانتهم وَأَوْلَاده فِي مكانتهم حَتَّى تكون سنيا مُسْتَقِيمًا، وَلَا تكون شماتا لأي من المقربين لَهُ. وَقد سُئِلَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَي من المقربين للرسول الْفَاضِل (أَكثر فضلا) فَقَالَ من الْكِبَار الصّديق والفاروق، وَمن الشَّبَاب عُثْمَان وَعلي، وَمن النِّسَاء عَائِشَة، وَمن الْبَنَات فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم ورضوان الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ.
(بَاب الْمِيم مَعَ الْهَاء)
الْمهْدي: من هدى يهدي هِدَايَة، وَالْإِمَام الْهمام مُحَمَّد الْمهْدي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سيولد خلافًا لرأي الشِّيعَة، فَإِنَّهُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عِنْدهم مَوْجُود مختف عَن الْأَعْدَاء وَهُوَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من أَوْلَاد الْحسن بن فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا خلافًا للشيعة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ من أَوْلَاد الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَيكْتب صَاحب (منتخب التواريخ) أَن الإِمَام مُحَمَّد الْمهْدي ابْن الإِمَام الْحسن العسكري أمه أم ولد اسْمهَا (نرجس) كَانَت وِلَادَته لَيْلَة الْجُمُعَة الْخَامِس عشر من شعْبَان سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ فِي سامراء، غَابَ غيبته الصُّغْرَى فِي زمن الْمُعْتَمد العباسي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وغيبته الْكُبْرَى كَانَت فِي زمن الراضي بن المقتدر العباسي بتاريخ ثَمَان وَعشْرين وَثَلَاث مائَة. (انْتهى) . وَعِنْدنَا اسْمه مُحَمَّد وَاسم أَبِيه عبد الله، وَاسم أمه آمِنَة، مَوْلُود بِمَكَّة، وهجرته بِبَيْت الْمُقَدّس وَيكون فِيهَا قَبره.
وحليته مسطورة فِي كتب السّير وَيظْهر على الْخلق وَله أَرْبَعُونَ سنة فِي مَكَّة الشَّرِيفَة يَوْم عَاشُورَاء بعد الْعشَاء وَيفهم من بعض الرسائل أَن ظُهُوره فِي الْمِائَتَيْنِ بعد الْألف وَفِي وَقت ظُهُوره رِوَايَات مُخْتَلفَة ويبايعه ثَلَاث مائَة وَثَلَاثَة عشر رجلا من أَشْرَاف الْقَوْم على عدد أهل بدر بَين الْحجر الْأسود ومقام إِبْرَاهِيم، وَمَعَهُ علم النَّبِي ﵇ مَكْتُوب عَلَيْهِ الْبيعَة لله وحامله شُعَيْب بن صَالح التَّيْمِيّ وَأَيْضًا قَمِيص النَّبِي ﵊ وسيفه وَأكْثر من يبايعه أهل الْكُوفَة وَأهل الْيمن وأبدال الشَّام وَيملك الدُّنْيَا كلهَا كسليمان ﵇ وَذي القرنين يملك الْعَرَب والعجم بِلَا محاربة وَمُدَّة سلطنته سبع سِنِين. وَفِي رِوَايَة ثَمَان. وَفِي رِوَايَة تسع. مقدم جَيْشه جِبْرَائِيل ومؤخره مِيكَائِيل وَمَعَهُ ثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة. وَيكون على رَأسه سَحَاب فِيهِ ملك يَقُول هَذَا هُوَ الْمهْدي الْمَوْعُود فَبَايعُوهُ وسعة كَلَامه من الْمشرق إِلَى الْمغرب حَتَّى يَسْتَيْقِظ النَّائِم مِنْهُ.
стр. 1026
وَله خوارق وكرامات وَيخرج من الْبَلدة التابوت فِيهِ سكينَة من ربكُم وَبَقِيَّة مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هَارُون وَأَرْبَعَة أَلْوَاح من التَّوْرَاة وعصا مُوسَى وحلة آدم وَخَاتم سُلَيْمَان ﵇. وَإِذا أَتَى على بَلْدَة يَقُول الله أكبر الله أكبر فيهدم جدران حصنها. فَإِذا ملك الأَرْض كلهَا يملأها عدلا بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي المؤذيات أحدا ويلعب الصّبيان مَعَ الْحَيَّات والعقارب ويسكن فِي بَيت الْمُقَدّس ثمَّ يبلغهُ الْخَبَر بِخُرُوج الدَّجَّال. فَينزل عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇. ثمَّ الْأَصَح أَنه يُصَلِّي بِالنَّاسِ ويقتدي بِهِ الْمهْدي لِأَن عِيسَى ﵇ أفضل فإمامته أولى كَذَا فِي شرح العقائد للعلامة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ الْمعول عَلَيْهِ الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ الثِّقَات من الْمُحدثين (وَقَالَ القَاضِي عِيسَى) فِي رسَالَته فِي بَاب الْمهْدي أَنه يجمع الْمهْدي وَعِيسَى ابْن مَرْيَم فِي وَقت الصَّلَاة فَيَقُول الْمهْدي لعيسى ابْن مَرْيَم تقدم فَيَقُول عِيسَى أَنْت أولى بِالصَّلَاةِ فَيصَلي عِيسَى عَلَيْهِ وَالسَّلَام وَرَاءه مَأْمُوما. وَعَن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه قَالَ الْمهْدي ينزل عَلَيْهِ عِيسَى ابْن مَرْيَم يُصَلِّي خَلفه عِيسَى ﵇. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - الْمهْدي مني أجلى الْجَبْهَة أقنى الْأنف يمْلَأ الأَرْض قسطا وعدلا كَمَا ملئت ظلما وجورا يملك سبع سِنِين .
( [حرف النُّون] )
(بَاب النُّون مَعَ الصَّاد)
النَّصِيحَة: هِيَ الدُّعَاء والطلب إِلَى مَا فِيهِ الصّلاح وَالنَّهْي عَمَّا فِيهِ الْفساد. وَقد قَالَ الشَّيْخ زين الْحق وَالْملَّة وَالدّين دَاوُد بن السَّيِّد مَحْمُود الشِّيرَازِيّ قدس سره وَصَاحب سجادة الشَّيْخ برهَان الدّين الْغَرِيب قدس سره وَمن عُظَمَاء الْأَوْلِيَاء وكبراء هَذِه الطَّائِفَة الْعليا وَصَاحب الكرامات الظَّاهِرَة وَمجمع الْعُلُوم الظَّاهِرِيَّة والباطنة ومرقده الْمُبَارك فِي رَوْضَة (خلدآباد) الْوَاقِعَة على فاصلة ثَمَانِيَة فراسخ من معمورة الْبُنيان (اورنك آباد) ، يجب اسداء النَّصِيحَة عَن طَرِيق الْكِنَايَة بالحكاية وَمَا شابه حسب الْحَال، لِأَن النَّصِيحَة إِذا كَانَت صَرِيحَة تصبح خُصُومَة وَلَيْسَ نصيحة، أَو النَّصِيحَة والفضيحة وَالْخُصُومَة، كل مَا يُقَال فِي خلْوَة فَهُوَ نصيحة، وكل مَا يُقَال على الْمَلأ فَهُوَ فضيحة، وكل مَا يُقَال صَرَاحَة فَهُوَ خُصُومَة. وَقد قَالَ سُلْطَان الْمَشَايِخ حَضْرَة الشاه نظام الدّين البداواني قدس سره: ((كلامنا إِشَارَة فَإِذا صَار عبارَة صَار جفَاء)) .
стр. 1027
( [حرف الْوَاو] )
(بَاب الْوَاو مَعَ اللَّام)
الْولَايَة: الْقرْبَة وَالتَّصَرُّف والقرابة الْحَاصِلَة من الْعتْق أَو من الموالات وَعند أَرْبَاب السلوك مرتبَة عالية لخواص الْمُؤمنِينَ المقربين فِي الحضرة الصمدية تحصل بالمواضبة على الطَّاعَات والإجتناب عَن السَّيِّئَات. وَقد قَالَ قدوة العارفين الْعَارِف النامي نور الدّين الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الجامي قدس سره السَّامِي فِي (نفحات الْإِنْس من حضرات الْقُدس) أَن الْولَايَة على قسمَيْنِ: ولَايَة عَامَّة وَولَايَة خَاصَّة. وَالْولَايَة الْعَامَّة مُشْتَركَة بَين جَمِيع الْمُؤمنِينَ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ ، وَالْولَايَة الْخَاصَّة مَخْصُوصَة بالواصلين وأرباب السلوك. وَهِي عبارَة عَن فنَاء العَبْد فِي الْحق وبقاءه بِهِ _ فالولي هُوَ الفاني فِيهِ وَالْبَاقِي بِهِ _ والفناء عبارَة عَن نِهَايَة السّير إِلَى الله تَعَالَى، والبقاء عبارَة عَن بداية السّير فِي الله تَعَالَى، وَيَنْتَهِي السّير إِلَى الله بعد قطع بداية الْوُجُود بقدم الصدْق دفْعَة وَاحِدَة، وَالسير فِي الله يتَحَقَّق بعد فنَاء العَبْد الْمُطلق وَيُصْبِح وجوده وذاته مطهرا من لوث الْحدثَان الرخيصان حَتَّى يَتَّصِف فِي ذَلِك الْعَالم بالأوصاف الإلهية ويتخلق بالأخلاق الربانية ويرتقي. وَيَقُول أَبُو عَليّ الْجوزجَاني رَحْمَة الله عَلَيْهِ (الْوَلِيّ هُوَ الفاني من حَاله الْبَاقِي فِي مُشَاهدَة الْحق لم يكن لَهُ عَن أَخْبَار وَلَا مَعَ غير الله قَرَار) .
قَالَ إِبْرَاهِيم بن أدهم ﵀ لرجل، أَتُرِيدُ أَن تصبح وليا من أَوْلِيَاء الله، قَالَ بلَى أُرِيد، فَقَالَ: (لَا ترقب فِي شَيْء من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وأفرغ نَفسك لله تَعَالَى وَأَقْبل بِوَجْهِك عَلَيْهِ) فَإِذا وجدت هَذِه الْأَوْصَاف فِيك أَصبَحت وليا.
وَفِي الرسَالَة القشيرية أَن الْوَلِيّ لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: فعيل بِمَعْنى مفعول وَهُوَ من يتَوَلَّى الله أمره (قَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ يتَوَلَّى الصَّالِحين) فَلَا يكله إِلَى نَفسه لَحْظَة بل يتَوَلَّى الْحق سُبْحَانَهُ رعايته. وَالثَّانِي: فعيل مُبَالغَة من الْفَاعِل وَهُوَ الَّذِي يتَوَلَّى عبَادَة الله وطاعته، فعبادته تجْرِي عَلَيْهِ على التوالي من غير أَن يتخللها عصيان. وكلا الوصفين وَاجِب حَتَّى يكون الْوَلِيّ وليا يجب قِيَامه بِحُقُوق الله على الِاسْتِقْصَاء والاستيفاء ودوام حفظه الله إِيَّاه فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء. (وَمن شَرط الْوَلِيّ) أَن يكون مَحْفُوظًا كَمَا أَن من شَرط النَّبِي أَن يكون مَحْفُوظًا فَكل مَا كَانَ للشَّرْع عَلَيْهِ اعْتِرَاض فَهُوَ مغرور مخادع. (قصد أَبُو يزِيد البسطامي) قدس الله تَعَالَى روحه بعض من وصف بِالْولَايَةِ فَلَمَّا دنا مَسْجده قعد ينْتَظر خُرُوجه فَخرج الرجل وَرمى ببزاقه تجاه الْقبْلَة فَانْصَرف أَبُو يزِيد وَلم يسلم عَلَيْهِ، وَقَالَ هَذَا رجل غير مَأْمُون على أدب من آدَاب الشَّرِيعَة فَكيف يكون أَمينا
стр. 1028
على أسرار الْحق) . جَاءَ شخص إِلَى الشَّيْخ أَبُو سعيد أَبُو الْخَيْر قدس سره، فَدخل عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد بِرجلِهِ الْيُسْرَى أَولا، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ ارْجع، فَنحْن لَا نُكَلِّم من لَا يُرَاعِي الْآدَاب فِي منزل الحبيب (انْتهى) _ (السَّرَّاء) الرخَاء و (الضراء) الشدَّة.
( [حرف الْهَاء] )
(بَاب الْهَاء مَعَ الْجِيم)
الهجو: هُوَ الشتم بالشعر. كَانَ فِي (أَحْمد نكر) عمرها الله تَعَالَى وحفظها عَن الْخطر سنة ألف وَمِائَة وَعشْرين هجرية شخص اسْمه (إِسْحَاق) من قوم (النوايه) وَكَانَ لَهُ نصيب وافر من الفارسية وَصَاحب فنون وَكَانَ لَا يجاري فِي النّظم والنثر، فَسَأَلَ يَوْمًا أحد الْأَشْخَاص أَي كتاب تقْرَأ، فَقَالَ إنْشَاء أَبُو الْفضل وطغرا، فَضَحِك إِسْحَاق وَقَالَ أَسْتَطِيع كِتَابَة هَذَا النَّوْع من الْإِنْشَاء أثْنَاء الْبَوْل. وَأرْسل بِطَلَبِهِ ذُو الفقار خَان ابْن وَزِير الممالك أَسد خَان وَكَرمه وَجعله من جُلَسَائِهِ. وَقَالَ لَهُ فِي أحد الْأَيَّام يجب أَن أرسل رِسَالَة منظومة إِلَى الْأَمِير الْفُلَانِيّ، فَحمل إِسْحَاق الْقَلَم وَبَدَأَ يكْتب مَا يُريدهُ ذُو الفقار خَان عِنْد مُجَرّد سَمَاعه لما يُرِيد، فَكَانَ ينظم ذَلِك مُسْتَعْملا بديع الاستعارات الغريبة وبطريقة لَطِيفَة ومطبوعة، وَلما كَانَ كثير التكبر والغرور انقلبت هَذِه الصُّحْبَة إِلَى زعل بَينهمَا ... وَكَانَ يكْتب بالخط (النستعليق) و _ المكسور شكسته) وَكَانَ فريد عصره فِي استنساخ الْكتب. وَيَقُول السَّيِّد السَّنَد السَّيِّد نجش قدس سره أَنه أنْجز نسخ (الكلستان) فِي لَيْلَة وَاحِدَة، وَكَانَ طَالب علم إِلَى أَن قراء (الكافية) وتتلمذ فِي الفارسية على الْعَارِف بِاللَّه شاه محسن ﵀.
وتتلمذ فِي الْعَرَبيَّة على أستاذ الْكل فِي الْكل حَضَره سيد نجش الْكرْمَانِي الخيرآبادي ثمَّ الأحمد نكرِي قدس سره وَكَانَ ذَا طباع عالية وسامية. وَقد قَالَ لي حَضْرَة السَّيِّد نجش قدس سره أَن لإسحاق طباع عالية، وَفِي حِين الْقِرَاءَة (الكافية) كَانَ يُجيب على أسئلتي بعد التفكير والتأمل. وَكَانَ مدمنا على (البنج) _ قصير الْقَامَة، مستدير الْوَجْه واللحية، أسود اللَّوْن، يرتدي الثِّيَاب النفسية والمكلفة. وَقد صرف كل جهد طباعه الرَّديئَة فِي الهجاء. وَكَانَ يضع فِي مجَالِس الْكِبَار عطرا ودهنا حادا ونفاذا. وَكَانَ على علاقَة فسق بِامْرَأَة تسمى (رام بولِي) فتشاحن مَعهَا يَوْمًا وتحولت الصداقة الَّتِي بَينهمَا إِلَى خُصُومَة، فنظم قصيدة طَوِيلَة يهجوها فِيهَا. وَكَانَ الشَّيْخ عظمت الله
стр. 1029
درويش الأحمد نكرِي على صداقة مَعَ عالمكير بادشاه كرمي، وَكَانَ قد سمع عَن لِسَان إِسْحَاق السليط، فَقَالَ لَهُ: أَلا تخَاف مني يَا إِسْحَاق فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَن نظم قِطْعَة شعر على البديهة مضمونها هُوَ: أَنا اسْمِي إِسْحَاق من مَادَّة سحق، وَأَنت اسْمك عظمت من مَادَّة الْعظم. يَعْنِي يجب أَن يكون أَنا من يسحق عظامك، لذَلِك يجب عَلَيْك أَنْت أَن تخَاف مني وَلَيْسَ أَنا. وَيَوْما كَانَ فِي ضِيَافَة أحد الْمجَالِس، فَلَمَّا فرغ الْمجْلس، فتش عَن حذائه فَلم يجده وَوجد حذاء عتيقا مَكَانَهُ. فَقَالَ للسَّيِّد صَاحب مَا هُوَ هَذَا الْمجْلس الَّذِي يُوجب التشويش والتردد. وَقَالَ على البدية:
(ذهبت إِلَى مجْلِس لم يكن بِالْمَكَانِ الْمُنَاسب لي ... )
(تركت حذائي الْفَرد، فَلم أَجِدهُ ورائي ... )
(أَخذ لص وَوَضعه فِي فرج امْرَأَة ... )
(الشُّكْر الْكثير أَن رجلاي لم تكن فِيهِ ... )
فَمَا كَانَ من صَاحب الْمجْلس إِلَّا أَن جَاءَهُ بحذاء جَدِيد طَالب مِنْهُ الْعذر وَالْعَفو.
(بَاب الْهَاء مَعَ الدَّال)
الْهِدَايَة: وَيَقُول بعض الأحباب فِي تَفْصِيل هَذَا اللَّفْظ الْمُجْمل أَنه لَدَى الأشاعرة هُوَ دلَالَة على مَا يُوصل إِلَى الْمَطْلُوب، وَعند الْمُعْتَزلَة هُوَ إِيصَال إِلَى الْمَطْلُوب، وَالْفرق بَين هذَيْن الْمَعْنيين هُوَ أَن الأول لَا يسلتزم الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب أما الثَّانِي فَإِنَّهُ مُسْتَلْزم الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب. وَالْمعْنَى الأول ينْتَقض بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ وَهُوَ خطاب موجه إِلَى صَاحب الرسَالَة ﷺ َ -. لِأَن الرَّسُول ﵊ يهدي الْجَمِيع إِلَى طَرِيق الْحق، وَهَذِه كرامته ومقامه الرفيع.
أما القَوْل الثَّانِي فمنقوض بقوله تَعَالَى: ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ وَإِذا كَانَت الْهِدَايَة هُنَا بِمَعْنى الدّلَالَة إِلَى الْمَطْلُوب فَإِن الْمَعْنى هُنَا يصبح أَنهم وصلوا إِلَى الْمَطْلُوب وَلَكنهُمْ اخْتَارُوا الضَّلَالَة والعمى. وَالظَّاهِر أَن الْعَمى بعد الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب غير مُتَصَوّر. وَهل هَذَا إِلَّا تنَاقض فَاحش، وَالْحق أَن الْهِدَايَة لَفْظَة مُشْتَركَة بَين الْمَعْنيين الْمَذْكُورين. وَهَذَا مُخْتَار الطوسي يسْتَعْمل الْمَعْنى للدلالة على مَا يُوصل بالقرائن مثل: ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ وَأَحْيَانا بِمَعْنى الدّلَالَة الموصولة مثل: ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ وتفصيل الْقَرَائِن هُوَ أَن الْهِدَايَة أَحْيَانًا متعدية إِلَى مفعول ثَان بِنَفسِهَا مثل: ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ . وَأَحْيَانا
стр. 1030
متعدية ب (إِلَى) مثل: ﴿وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَأَحْيَانا أُخْرَى ب (اللَّام) مثل: ﴿إِن هَذَا الْقُرْآن يهدي للَّتِي هِيَ أقوم﴾ أَي يهدي النَّاس للَّتِي (أَي للطريقة) الَّتِي هِيَ أقوم. وعندما تكون متعدية بِنَفسِهَا تكون بِمَعْنى الإيصال إِلَى الْمَطْلُوب، وَإِذا كَانَت متعدية ب (إِلَى وَاللَّام) تكون بِمَعْنى إراءة الطَّرِيق. فَافْهَم واحفظ.
وَقَالَ شخص فِي هجاء الشَّيْخ المصلح بدكيش الَّذِي كَانَ مقربا مُشِيرا فِي الدولة وَصَاحب المرثية فِي الْهِدَايَة وَكَانَ آباؤه يعْملُونَ فِي الحلاقة.
(إِن الْإِصْلَاح هُوَ فِي امكانك وقوتك ... وَهُوَ صفة ورسم من مِيرَاث كبارك)
(وَلَيْسَت الْهِدَايَة فَقَط يُمكن اصلاحها ... فالعالم كُله منقاد مطئاطئ على بَاب دكانك)
(بَاب الْهَاء مَعَ الرَّاء)
هِرقل: بِكَسْر الأول وَفتح الثَّانِي وَسُكُون الْقَاف، على وزن (قمطر) ، اسْم عَظِيم الرّوم، وَكتب إِلَيْهِ نَبينَا ﷺ َ - هَكَذَا: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من مُحَمَّد بن عبد الله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم، فَإِنِّي أَدْعُوك بدعوة الْإِسْلَام، اسْلَمْ تسلم) ، وَسَائِر قصَّته فِي كتب السّير .
(بَاب الْهَاء مَعَ النُّون)
هِنْد: بِكَسْر الأول وَسُكُون الثَّانِي، اسْم ابْن أبي هَالة، وَكَانَ هُوَ أَخا اخيافيا لسيدة النِّسَاء خاتون الْجنَّة فَاطِمَة الزهراء رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا _ وَكَانَ هِنْد بن أبي هَالة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وصاف النَّبِي ﵊ كَمَا مر فِي ذكر أشرف الْأَسْمَاء مُحَمَّد ﷺ َ -.
وَيكْتب صَاحب الْقَامُوس الإبراهيمي أَن الْهِنْد بِالْكَسْرِ إقليم كَبِير وَاسم معشوقه بشر ومنكوحة مُعَاوِيَة وَابْن هِنْد هُوَ يزِيد. (انْتهى) .
وَفِي (كشكول) الشَّيْخ بهاء الدّين العاملي رَحمَه الله تَعَالَى يُقَال فَضَائِل الْهِنْد ثَلَاث: كليلة ودمنة وَلعب الشطرنج والحروف التِّسْعَة الَّتِي تجمع أَنْوَاع الْحساب. (انْتهى) . لَعَلَّ المُرَاد بالحروف الرقوم الهندسية أَو النقوش كَمَا لايخفى.
والفاضل النامي مير غُلَام عَليّ البلكرامي سلمه الله تَعَالَى كتب فِي فَضَائِل اقليم الْهِنْد رِسَالَة عَجِيبَة الْبَيَان عَظِيمَة الشَّأْن كنز الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَعْدن الْأَقَاوِيل الرفيعة
стр. 1031
بالعبارة الفصيحة البليغة، وَكَانَ الصائب رَحمَه الله تَعَالَى لم يطلع على تِلْكَ الْفَضَائِل، وَلِهَذَا قَالَ:
(يَا صائب اخْرُج من الْهِنْد آكِلَة الأكباد ... )
(بأنك سَوف تعتقل حَتَّى وَلَو كنت على نجف كَبِير ... )
عَفا الله عَنهُ. وَمن هُنَا يصبح مَعْلُوما أَن (هِنْد) هُوَ اسْم أم مُعَاوِيَة _ وَيكْتب (مُحَمَّد أفضل سرفوش) شعرًا أَنه كتب لملك الرّوم رِسَالَة تهنئة بتنصيب الْمُعظم شاه جهان قَالَ: كن على يَقِين أَنه إِذا لم يكن ملكنا مَعَ إيران وطوران وَغَيرهَا من الأقاليم من ضمن عالمكم فَإِنَّهُ لَا امبراطورية لَك عِنْدهَا (أولست امبراطور الدُّنْيَا) وَأفضل الْأَسْمَاء عِنْد الله عبد الله وَعبد الرَّحْمَن أَي اختر اسْما من هَذِه، وَبعد مطالعة يَمِين الدولة لهَذِهِ الرسَالَة رأى من الْمصلحَة أَن يُغير هَذَا الْخطاب، وَقد نمي إِلَيّ أَنهم وضعُوا هَذَا الْبَيْت:
(الْهِنْد وَالدُّنْيَا متساويان بِالْعدَدِ ... )
(وَكِلَاهُمَا قد أقرّ بِكَلَام الشاه جهان ... )
وَقد كتبُوا هَذَا الْبَيْت فِي الْجَواب بِمَاء الذَّهَب (تمّ لَفظه) .
فهم الْحَال: من جملَة الْكَلِمَات القدسية لحضرة الخواجة بهاء الدّين النقشبندي قدس سره الْعَزِيز فِي (الرشحات) وَكَذَلِكَ من الْكَلِمَات القدسية لحضرة الخواجا ثَمَانِيَة فقرات تبنى عَلَيْهَا الطَّرِيقَة (الخواجية) قدس الله تَعَالَى أَرْوَاحهم. وَهِي (فهم الْحَال) _ (النّظر إِلَى الْقدَم) _ (السّفر فِي الوطن) _ الْخلْوَة فِي الْمجْلس) _ (الذّكر) _ (العودة) _ (المداومة) _ (الاستذكار أَو التَّذَكُّر) . أما (فهم الْحَال) فَهُوَ أَن كل نفس يخرج من الدَّاخِل يجب أَن يكون نابعا من أصل الْحُضُور والمعرفة وَأَن لَا يكون للغفلة طَرِيقا عَلَيْهِ.
و (النّظر إِلَى الْقدَم) أَنه على السالك فِي ذَهَابه ومجيئه فِي الصَّحرَاء والحاضرة وَجَمِيع الْأَمَاكِن أَن يكون نظره على قَدَمَيْهِ. حَتَّى لَا يتشتت نظره وَحَتَّى لَا يَقع فِي مَكَان لَا يجب أَن يَقع عَلَيْهِ، وَيُمكن أَن يكون (النّظر إِلَى الْقدَم) إِشَارَة إِلَى سرعَة سير السالك فِي قطع مَسَافَة الْوُجُود وطي عقبات الأنانية وَعبادَة الذَّات.
و (السّفر فِي الوطن) يَعْنِي أَن يُسَافر السالك فِي الطبيعة البشرية، أَي الِانْتِقَال من الصِّفَات البشرية إِلَى الصِّفَات الملكوتية. وَمن الصِّفَات الذميمة إِلَى الصِّفَات الحميدة.
و (الْخلْوَة فِي الْمجْلس) وَقد سُئِلَ حَضْرَة الخواجة بهاء الدّين قدس سره، على
стр. 1032
مَاذَا تقوم طريقتكم، فَقَالَ إِن الْخلْوَة فِي الْمجْلس ظَاهرا مَعَ الْخلق وَبَاطنا مَعَ الْحق.
و (الذّكر) هُوَ عبارَة عَن الذّكر بِاللِّسَانِ أَو الْقلب وَهُوَ عِنْدهم مرسوم.
و (العودة) أَو الأوبة وَهِي أَنه كلما ورد على لِسَان قلب الذاكر كلمة طيبَة، يجب أَن يَقُول وباللسان نَفسه فِي عَقبهَا (يَا إلهي، إِن مقصودي أَنْت ورضاك) لِأَن لهَذِهِ الْكَلِمَة حَاصِل سالب. لكل خاطر يَأْتِي من الْحسن أَو الْقبْح من يصفي ذكره ويفرغ رَأسه عَمَّا سواهُ، وَإِذا ذكر الْمُبْتَدِئ فِي الْبِدَايَة كلمة لَا يظْهر مِنْهَا الصدْق فَلَا يجب أَن يَتْرُكهَا لِأَن آثَار صدقهَا ستظهر بالتدريج.
و (المداومة) هِيَ عبارَة عَن مراقبة الخاطر، لِأَنَّهُ فِي لَحْظَة مَا يَقُول كلمة طيبَة عدَّة مَرَّات حَتَّى لَا يتَغَيَّر خاطره، وَقد قَالَ مَوْلَانَا سعد الدّين قدس سره الْعَزِيز فِي معنى هَذِه الْكَلِمَة أَن احفظ خاطرك سَاعَة أَو ساعتين أَو أَكثر من ساعتين على قدر المتيسر وداوم على أَن لَا يكون فِي خاطرك سواهُ.
و (الاستذكار أَو التَّذَكُّر) هُوَ عبارَة عَن دوَام التنبه والانتباه للحق على سَبِيل الذَّوْق، وَالْبَعْض عبر بِهَذَا (الْحُضُور الشهودي _ لَا غيب فِيهِ) وَعند أهل التحقق الْمُشَاهدَة أَي اسْتِيلَاء شُهُود الْحق على الْقلب بِوَاسِطَة الْحبّ الذاتي، كِنَايَة عَن حُصُول الاستذكار أَو التَّذَكُّر.
( [حرف الْيَاء] )
(بَاب الْيَاء مَعَ الرَّاء)
اليرقان: الدَّوَاء الَّذِي جرب مررا لدفعه هُوَ نبته الكمون بجذورها وأوراقها وَأَغْصَانهَا، شومر أَبيض بِمِقْدَار (دمري وَاحِد) وَمِقْدَار دمري وَاحِد من السكر الْأَبْيَض، تغسل شَجَرَة الكمون بِالْمَاءِ وتعصر حَتَّى نحصل على خلاصتها، ثمَّ نعصر الشومر لنحصل على خلاصته، ثمَّ نضع فَوْقهَا السكر ويشربه على رِيقه لمُدَّة ثَلَاثَة أَيَّام، وَيجب أَن يبتعد عَن الْملح والدهن الْأَصْفَر وَهُوَ مجرب.
(بَاب الْيَاء مَعَ الزَّاي)
يزِيد: مضارع مَعْرُوف من الزِّيَادَة يُقَال زَاد الْعَذَاب عَلَيْهِ يزِيد زِيَادَة فجوفه خَال عَن الصِّحَّة من الْأَزَل إِلَى الْأَبَد مَمْلُوء من الْعلَّة وَالْفساد.
стр. 1033
وَهُوَ علم ابْن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَأَيْضًا علم ابْن نهشل وَاعْلَم أَن يزِيد بن نهشل كَانَ مَشْهُورا بالجود والسخاء وإعانة العاجزين عَن انتقام الْأَعْدَاء وَإِعْطَاء السَّائِلين بِغَيْر وَسِيلَة عِنْد اهلاك الهالكين أَمْوَالهم كَمَا أَن يزِيد بن مُعَاوِيَة أشهر من الشَّيْطَان عَلَيْهِ اللَّعْنَة والخسران فِي الشرارة والخباثة وإيذاء أهل بَيت رَسُول الله ﵊ وَأحل الْمَدِينَة المكرمة ثَلَاثَة أَيَّام وَقد قَالَ النَّبِي ﵊ من أَبَاحَ حرمي فقد حل عَلَيْهِ غَضَبي.
فَغَيره سوى عِلّة الْجوف عِلَّتَانِ: أَحدهمَا: أَنه علم مَشْهُور فِي أمره بقتل أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحُسَيْن بن عَليّ كرم الله وَجهه على اخْتِلَاف الرِّوَايَة أَو استحلاله واستبشاره عِنْد سَماع الْخَبَر بقتْله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَالثَّانيَِة: وزن فعله فَإِنَّهُ لَو اتزن فعله الشنيع مَعَ سَائِر الْأَفْعَال السَّيئَة للعصاة الْأَوَّلين والآخرين لرجح _ وَلِهَذَا امْتنع صرفه من جَزَاء الشَّرّ إِلَى جَزَاء الْخَيْر وَإِن سَأَلت عَن جَوَاز اللَّعْن عَلَيْهِ فَانْظُر فِي اللَّعْن. وَهلك يزِيد بن مُعَاوِيَة عَلَيْهِ مَا هُوَ أَهله فِي رَابِع عشرَة من ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة وَله تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير فِي فنَاء قَرْيَة حواريم من مضافات دمشق. وَقَالَ صَاحب الْمُجْمل الفصيحي أَنه ولد فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من الْهِجْرَة وَكَانَ مخمورا وسكران فتواجد فِي مجْلِس الرقص فَوَقع بِرَأْسِهِ على الأَرْض وَانْشَقَّ رَأسه فَهَلَك وَدخل فِيمَا دخل وَالله أعلم.
وَكَانَ عبيد الله بن زِيَاد أَمِير الْجَيْش وَهُوَ أجهز على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحُسَيْن بن عَليّ كرم الله وَجهه وعَلى من كَانَ مَعَه من أهل بَيته ورفقائه السُّعَدَاء حَتَّى قَتله رَئِيس الأشقياء شمر بن ذِي الجوشن لعنة الله عَلَيْهِ وسبى عبيد الله الملعون بن زِيَاد حرمه المكرم وأهان بِمَا يقشعر من ذكره جُلُود الْأَبدَان. ويبكي الْملك وَالْإِنْس والجان _ وَكَانَ مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ثَمَانِيَة عشر رجلا من أهل بَيته وَسِتُّونَ رجلا من شيعته _ وَحكي أَن شمر بن ذِي الجوشن لعنة الله عَلَيْهِ لما قتل الإِمَام الْهمام وَأخذ بِرَأْسِهِ وَذهب بِهِ مَعَ جماعته الخبيثة إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ كَانَ بِدِمَشْق حَتَّى وصلت تِلْكَ الْجَمَاعَة إِلَى دير فِي الطَّرِيق فنزلوا ليقيلوا بِهِ فوجدوا مَكْتُوبًا على بعض جدرانه.
شعر:
(اترجوا أمة قتلت حُسَيْنًا ... شَفَاعَة جده يَوْم الْحساب)
فسألوا الراهب عَن السطر وَعَمن كتبه فَقَالَ إِنَّه مَكْتُوب هُنَا من قبل أَن يبْعَث نَبِيكُم بِخمْس مائَة عَام. وَقيل إِن الْجِدَار انْشَقَّ وَظهر مِنْهُ كف مَكْتُوب فِيهِ بِالدَّمِ هَذَا السطر هَكَذَا فِي حَيَاة الْحَيَوَان للفاضل الْكَامِل كَمَال الدّين الدَّمِيرِيّ ﵀. وَأَنا لَا أَزِيد على هَذَا فِي ذكر يزِيد بن مُعَاوِيَة كلما أَزِيد فِي مقاله يزِيد لَك سوء أَحْوَاله وشناعة
стр. 1034
أَفعاله اعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار أَن سوء نَفسه الخبيثة الملعونة كَيفَ سَار سرَايَة تَامَّة إِلَى اسْمه حَيْثُ لَا يُسمى أحد أحدا باسمه قَالَ الله ﵎: ﴿وَبئسَ مثوى الظَّالِمين﴾ أَيهَا المحبون الْمُؤْمِنُونَ الصادقون الخارجون عَن طرق الْخَوَارِج الرافضون سنَن الروافض السالكون مَسْلَك أهل السّنة السّنيَّة وَالْجَمَاعَة الهنية أَن الْعين تَدْمَع وَالْقلب يَحْتَرِق بِقصَّة شَهَادَة سيد الشُّهَدَاء حُسَيْن بن عَليّ المرتضى قُرَّة عين فَاطِمَة الزهراء وَأَتْبَاعه الطيبين الطاهرين رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ _ اللَّهُمَّ هون عَليّ شَدَائِد الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ببركة حبهم واحشرني يَوْم الْقِيَامَة مَعَهم تَحت لوائهم هَذَا مَا حررنا بِحَسب الِاتِّفَاق فِي اللَّيْلَة الْعَاشِرَة من الْمحرم الْحَرَام سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة وَألف من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة ﷺ َ - الْكِرَام وَأَصْحَابه الْعِظَام .
(بَاب الْيَاء مَعَ الْوَاو)
الْيَوْم: إِن أردْت أَن تعلم الْمُسَاوَاة والتفاوت بَين الْأَيَّام والليالي بسهولة فَانْظُر إِلَى الجداول الثَّلَاثَة الْآتِيَة فَإِنَّهَا لم تتْرك شَيْئا.
وختمت بِحسن توفيقه هَذَا الْكتاب يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر من الْمحرم الْحَرَام المنتظم فِي سلك شهور ألف وَمِائَة وَثَلَاث وَسبعين من الْهِجْرَة المقدسة فِي الْبَلدة الطّيبَة أَحْمد نكر من مضافات اورنك آباد العامرة عمرهما الله تَعَالَى إِلَى يَوْم التناد.
وَهَذِه عدَّة أَبْيَات تناسب الْحَال وَالَّتِي تشْتَمل على الشُّكْر والامتنان لخالق الْمِثَال وَالسَّلَام اللامحدود على سيد الْمُرْسلين عَلَيْهِ وعَلى آله أفضل الصَّلَوَات وأكمل التَّحِيَّات وَكَذَلِكَ وصف هَذِه الباقة من الصدْق والصفا وَالرَّوْضَة الْغناء والحديقة الْعليا. وَهِي قصيدة طَوِيلَة من ثَلَاثَة وَأَرْبَعين بَيْتا. وبفضل الله تَعَالَى تمّ التصنيف فِي خمس سنوات.
تمّ الْقسم الأول من المجلد الرَّابِع، وَهُوَ النَّص الْعَرَبِيّ من ((ضميمة دستور الْعلمَاء)) ويليه الْقسم الثَّانِي وَهُوَ النَّص الْفَارِسِي