Полный текст (896 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الكتاب، وأنا حاضره، عن أبى على الحسن بن محمد بن عثمان الفارسى، عن الدمشقى أيضا. وأخبرنا أيضا بما فى كتاب المعانى عن أبى إسحاق إبراهيم بن السرى الزجاج بسماعه منه، وبمعانى الفراء عن ابن مجاهد عن الفراء. وروينا غير ذلك مما سنذكر سنده وقت إحضاره المقول على مشكله إن شاء الله.
اللهم أخلص أعمالنا لوجهك، وأوسعنا من عافيتك وعفوك، إنك سميع الدعاء فعّال لما تشاء.
***
стр. 107
سورة فاتحة الكتاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قراءة أهل البادية: «الحمد لله» مضمومة الدال واللام، ورواها لى بعض أصحابنا قراءة لإبراهيم بن أبى عبلة: «الحمد لله» مكسورتان، ورواها أيضا لى قراءة لزيد
стр. 108
ابن على رضى الله عنهما، والحسن البصرى ﵀.
وكلاهما شاذ فى القياس والاستعمال؛ إلا أن من وراء ذلك ما أذكره لك، وهو: أن هذا اللفظ كثر فى كلامهم، وشاع استعماله، وهم لما كثر فى استعمالهم أشدّ تغييرا، كما جاء عنهم لذلك: لم يك، ولا أدر، ولم أبل، وأيش تقول، وجا يجى، وسا يسو، بحذف همزتيهما.
فلما اطّرد هذا ونحوه لكثرة استعماله أتبعوا أحد الصوتين الآخر، وشبهوهما بالجزء الواحد وإن كانا جملة من مبتدأ وخبر، فصار «الحمد لله» كعنق وطنب، و «الحمد لله» كإبل وإطل. إلا أن «الحمد لله» بضم الحرفين أسهل من «الحمد لله» بكسرهما من موضعين:
стр. 109
أحدهما: أنه إذا كان إتباعا فإنّ أقيس الإتباع أن يكون الثانى تابعا للأول؛ وذلك أنه جار مجرى السبب والمسبب، وينبغى أن يكون السبب أسبق رتبة من المسبب، فتكون ضمة اللام تابعة لضمة الدال كما نقول مدّ وشدّ، وشمّ وفرّ فتتبع الثانى الأول، فهذا أقيس من إتباعك الأول للثانى فى اقتل، وادخل؛ ومع هذا فإن هذا الإتباع أعنى اقتل وبابه لا يكاد يعتد، وذلك أن الوصل هو الذى عليه عقد الكلام واستمراره، وفيه تصح وجوهه ومقاييسه، وأنت إذا وصلت سقطت الهمزة، فقلت: فاقتل زيدا، فادخل يا هذا. وليست كذلك ضمة الدّال فى مدّ، ولا فتحة الميم فى شمّ، ولا كسرة الراء فى فرّ لأنهنّ ثوابت فى الوصل الذى عليه معقد القول، وإليه مفزع القياس والصوب، فكان أن مدّ أقيس إتباعا من: اقتل، لما ذكرنا من الوصل المرجوع إليه المأخوذ بأحكامه؛ ولأن السبب أيضا أسبق رتبة من المسبب، فكذلك الحمد لله أسهل مأخذا من الحمد لله.
والآخر: أنّ ضمة الدال فى «الحمد» إعراب، وكسرة اللام فى «لله» بناء، وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء، فإذا قلت: الحمد لله فقريب أن يغلب الأقوى الأضعف، وإذا قلت الحمد لله جنى البناء الأضعف على الإعراب الأقوى، مضافا ذلك إلى حكم تغيير الآخر الأول، وإلى كثرة باب عنق وطنب فى قلة باب إبل إطل فاعرفه.
ومثل هذا فى إتباع الإعراب البناء ما حكاه صاحب الكتاب فى قول بعضهم:
وقال اضرب الساقين إمّك هابل …
كسر الميم لكسرة الهمزة، ثم من بعد ذلك أنك تفيد من هذا الموضع ما تنتفع به فى موضع آخر. وهو أن قولك: الحمد لله جملة، وقد شبه جزءاها معا بالجزء الواحد، وهو مدّ أو عنق فيمن أسكن ثم أتبع، أو السّلطان أو القرفصاء أو المنتن دلّ ذلك على
стр. 110
شدة اتصال المبتدأ بخبره؛ لأنه لو لم يكن الأمر عندهم كذلك لما أجروا هذين الجزأين مجرى الجزء الواحد، وقد نحوا هذا الموضع الذى ذكرته لك فى نحو قولهم فى تأبط شرّا: تأبطى، وقولهم فى رجل اسمه زيد أخوك: زيدى، فحذفوا الجزء الثانى، كما يحذفون الجزء الثانى من المركّب فى نحو قولهم فى حضرموت: حضرمىّ، وفى رام هرمز: رامىّ، وكما يقولون أيضا فى طلحة طلحىّ، فاعرف ذلك دليلا على شدة اتصال المبتدأ بخبره، وما علمت أحدا من أصحابنا نحا هذا الموضع على وضوحه لك، وقوة دلالته على ما أثبته فى نفسك.
ومثله أيضا فى الدلالة على هذا المعنى: قراءة ابن كثير: «فإذا هى تلقف» ألا ترى إلى تسكين حرف المضارعة من «تلقف»؟ فلولا شدة اتصاله بما قبله للزم منه تصور الابتداء بالساكن، لا بل صار فى اللفظ قولك: «هيت» كالجزء الواحد الذى هو خدبّ، وهجفّ، وهقبّ، وهذا أقوى دلالة على قوة اتصال المبتدأ بخبره من الذى أريناه من قبله لما فيه إن لم تنعم به من وجوب تصور الابتداء بالساكن. نعم ومن ورائه أيضا ما هو ألطف مأخذا، وهو أن قوله سبحانه: «تَلْقَفُ» جملة ومشفوعة أيضا بالمفعول الموصول الذى هو «ما يَأْفِكُونَ»، وأصل تصور الجمل فى هذا المعنى: أن تكون منفصلة قائمة برءوسها، وقد قرأها هاهنا كيف تصورت شديدة الحاجة إلى المبتدأ قبلها؟ فإذا جاز هذا الخلط له، ووكادة الصلة بينه وبين ما قبله فما ظنك بخبر المبتدأ إذا كان مفردا؟ ألا تعلم أنه به أشد اتصالا، وإليه أقوى تساندا وانحيازا، فاضمم ذلك إلى ما قبله.
ونحو مما نحن على سمته، وبسبيل الغرض فيه-حكاية الفرّاء عن بعضهم، وجرى
стр. 111
ذكر رجل فقيل: ها هو ذا. فقال مجيبا: نعم الها هو ذا هو، فإلحاقه لام المعرفة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر من أقوى دليل على تنزلها عندهم منزلة الجزء الواحد. نعم، وفى صدر هذه الجملة حرف التنبيه، وهو يكاد يفصلها عن لام التعريف بعض الانفصال، وهما مع ذلك كالمتلاقيتين المعتقبتين مع حجزه بينهما وإعراضه على كلّ واحد منهما.
***
﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ومن ذلك: ﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قرأها الفضل الرقاشى: «وأيّاك» بفتح الهمزة.
قال أبو الفتح: قد ذكرنا فى كتابنا الموسوم بسر صناعة الإعراب: ما تحتمله إيّا من المثل: هل هى فعّل، أو فعيل، أو فعول، أو إفعل، أو فعلل.
أمن: آءة، أم من أية، أم من أويت، أم من وأيت، أم من قوله:
فأوّ لذكراها إذا ما ذكرتها …
فأما فتح الهمزة فلغة فيها: إياك وأياك وهيّاك وهياك، والهاء بدل من الهمزة، كقولهم: فى أرقت: هرقت، وأردت هردت، وأرحت الدابة: هرحت، وأنرت الثوب:
هنرت. قال:
فهياك والأمر الذى إن توسّعت … موارده ضاقت عليك مصادره
стр. 112
وقرأ عمرو بن فايد: «إياك نعبد وإياك نستعين»، بتخفيف الياء فيهما جميعا، فوزن إيا على هذا فعل كرضا، وحجا وحمى، ونظيره: إيا الشمس، قال طرفة:
سقته إياة الشمس إلاّ لثاته … أسفّ ولم تكدم عليه بإثمد
ويقال فيه: أياء الشمس بالفتح والمد. قال ذو الرّمة:
تنازعها لونان ورد وحوّة … ترى لأياء الشمس فيه تحدّرا
وإيا فعل، وأياء فعال، وكلاهما من لفظ الآية ومعناها، وهى: العلامة، وذلك أن ضوء الشمس إذا ظهر علم أن جرمها على وجه الأرض.
وحدثنا أبو بكر محمد بن على قال: كان أبو إسحاق يقول فى قول الله سبحانه:
﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ أى حقيقتك نعبد، وكان يشتقه من الآية، وهى العلامة، وهذا يجئ ويسوغ على رأى أبى إسحاق؛ لأنه كان يعتقد فى إيّاك أنه اسم مظهر خص به المضمر، فأما على قول الكافة فاشتقاقه فاسد؛ لأن إيّاك اسم مضمر، والأسماء المضمرة لا اشتقاق فى شئ منها، وينبغى أن يكون عمرو بن فايد إنما قرأ «إياك» بالتخفيف؛ لأنه كره اجتماع التضعيف مع ثقل الياءين والهمزة والكسرة، ولا ينبغى أن يحمل إياك بالتخفيف على أنها لغة؛ وذلك أنا لم نر لذلك أثرا فى اللغة ولا رسما ولا مرّ بنا فى نثر
стр. 113
ولا نظم. نعم ومن لم يخلد مع ثقته إلى نظر يعصم به ويتساند إليه بأمانته أتى من قبل نفسه من حيث يظن أنه ينظر لها، وكان ما دهاه فى ذلك من أجل فقاهته لا أمانته.
وإذا جاز أن تخفف الحروف الثقال مع كونها صحاحا وخفافا، فتخفيف الضعيف الثقيل أحرى وأولى. فمن ذلك قولهم فى ربّ رجل: رب رجل، وفى أرّ: أر، وفى أىّ:
أى، أنشدنا أبو على للفرزدق:
تنظرت نصرا والسماكين أيهما … علىّ من الغيث استهلّت مواطره
ويبدلون أيضا ليختلف الحرفان فيخفا، وذلك قوله:
يا ليتما أمّنا شالت نعامتها … أيما إلى جنّة أيما إلى نار
وقالوا فى اجلوّاذ: اجليواذ، وفى دوّان ديوان؛ والشئ من هذا ونحوه، أوسع لكن كل واحد من هذه الحروف وغيرها قد سمع وشاع، فأما إياك بالتخفيف فلم يسمع إلا من هذه الجهة، وينبغى للقرآن أن يختار له، ولا يختار عليه.
***
﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ومن ذلك قراءة الحسن رضى الله عنه: «اهدنا صراطا مستقيما».
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون أراد-والله أعلم-التذلل لله سبحانه، وإظهار الطاعة له، أى قد رضينا منك يا ربنا بما يقال له: صراط مستقيم، ولسنا نريد المبالغة فى قول من قرأ: «الصراط المستقيم»، أى: الصراط الذى قد شاعت استقامته وتعولمت فى ذلك حاله وطريقته، فإنّ قليل هذا منك لنا زاك عندنا وكثير من نعمتك علينا، ونحن له مطيعون، وإلى ما تأمر به وتنهى فيه صائرون. وزاد فى حسن التنكير هنا ما دخله من المعنى؛ وذلك أن تقديره: أدم هدايتك لنا؛ فإنك إذا فعلت ذلك بنا فقد هديتنا إلى صراط مستقيم؛ فجرى حينئذ مجرى قولك: لئن لقيت رسول الله ﷺ لتلقينّ منه رجلا
стр. 114
متناهيا فى الخير، ورسولا جامعا لسبل الفضل. فقد آلت به حال إلى معنى التجريد كقول الأخطل:
بنزوة لص بعد ما مر مصعب … بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل
ومصعب نفسه هو الأشعث، وعليه قول طرفة:
جازت القوم إلى أرحلنا … آخر الليل بيعفور خدر
وهى نفسها عنده اليعفور. أنشدنا أبو على:
أفاءت بنو مروان أمس دماءنا … وفى الله إن لم يحكموا حكم عدل
وهو سبحانه أعرف المعارف، وقد سماه الشاعر حكما عدلا، فأخرج اللفظ مخرج
стр. 115
التنكير. فقد ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف، وفيه مع ذلك لفظ الرضا باليسير، فإذا جاز أن يرضى الإنسان من مخلوق مثله بما رضى به الشاعر من محبوبه بما دل عليه قوله، أنشده ابن الأعرابى:
وإنى لأرضى منك … يا ليل بالذى
لو أبصره الواشى لقرّت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى … وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضى … أواخره لا نلتقى وأوائله
وأنشدنى بعض أصحابنا لبعض المولدين:
عدينا واكذبينا وامطلينا … فقد أومنت من سوء العقاب
فلسنا من وعيدك فى ارتياب … ولا من صدق وعدك فى اقتراب
ولكنا لشؤم الجدّ منا … نفرّ من العذاب إلى العذاب
وعليه قول الآخر:
علّلينى بموعد … وامطلى ما حييت به
ودعينى أعيش من … ك بنجوى تطلّبه
فعسى يعثر الزما … ن بجنبى فينتبه
ونظائره كثيرة، قديمة ومولّدة-كان العبد البرّ والزاهد المجتهد أحرى أن يسأل خالقه جل وعز، مقتصدا فى سؤاله، وضامنا من نفسه السمع والطاعة على ذلك ممن يأمره.
ويؤكد عندك مذهب ما أنشدته آنفا ما حدثنا به أبو على قال: لما قال كثير:
ولست براض من خليلى بنائل … قليل ولا أرضى له بقليل
قال له ابن أبى عتيق: هذا كلام مكافئ، هلا قلت كما قال ابن الرقيات:
стр. 116
رقىّ بعمركم … لا تهجرينا
ومنّينا المنى ثم امطلينا
وأنشدنى بعض أصحابنا:
وعللينى بوعد منك آمله … إنى أسرّ وإن أخلفت أن تعدى
وعليه قول الله عز اسمه: ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾؛ أى: هديناهم من نعمتنا عليهم، ونظرنا لهم صراطا مستقيما. وقال كثير:
أمير المؤمنين على صراط … إذا اعوج الموارد مستقيم
وهذا كقولك: أمير المؤمنين على الصراط المستقيم لا فرق بينهما، وذلك أن مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته من حيث كان فى كل جزء منه معنى ما فى جملته؛ ألا ترى إلى قوله:
وأعلم إنّ تسليما وتركا … للا متشابهان ولا سواء
فهذا فى المعنى كقوله: إن التسليم والترك لا متشابهان ولا سواء.
***
стр. 117
﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] ومن ذلك قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
ذكر أبو بكر أحمد بن موسى: أن فيها سبع قراءات: «عليهمو»، «وعليهم» بضم الميم من غير إشباع إلى الواو، و «عليهم» بسكون الميم مع ضمة الهاء، و «عليهمى» و «عليهم» بكسر الهاء وسكون الميم، و «عليهمو» بكسر الهاء وواو بعد الميم، و «عليهم» مكسورة الهاء مضمومة الميم من غير واو.
وزاد أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش على ما قال أبو بكر ثلاثة أوجه،
стр. 118
فصار الجميع عشرة أوجه. والثلاثة: «عليهمى» بضم الهاء، وميم مكسورة بعدها ياء.
و «عليهم» بضمة الهاء وكسرة الميم من غير إشباع إلى الياء، و «عليهم» بكسر الهاء وكسرة الميم أيضا من غير بلوغ ياء. فتلك عشرة أوجه: خمسة مع ضم الهاء، وخمسة مع كسرها.
قرأ: «عليهمو» ابن أبى إسحاق ومسلم بن جندب والأعرج وعيسى الثقفى وعبد الله بن يزيد. وقرأ: «عليهمى» الحسن، وعمرو بن فايد، وروى عن الأعرج:
«عليهم»، مكسورة الهاء، مضمومة الميم من غير بلوغ واو.
وقرأ: «عليهم»، مضمومة الهاء والميم من غير بلوغ واو. رويت عن الأعرج أيضا.
قال أبو الفتح: أما «عليهمو» فهى الأصل؛ لأنها رسيلة عليهما فى التثنية: أعنى:
ثبات الواو كثبات الألف، وينبغى أن تعلم: أن أصل هذا الاسم المضمر الهاء، ثم زيدت عليها الميم، علامة لتجاوز الواحد من غير اختصاص بالجمع، ألا ترى الميم موجودة فى التثنية: «عليهما»؟، وأما الواو فلإخلاص الجمعية.
وأما «عليهمى» فطريقه: أنه كسرت الهاء لوقوع الياء قبلها ساكنة، وضعف الهاء، فأشبهت لذلك الألف، لا سيما وهى تجاورها فى المخرج. لا بل أبو الحسن يدعى أن مخرج الألف هو مخرج الهاء البتة. فكما أن الياء الساكنة إذا وقعت قبل الألف قلبتها ياء؛ نحو قولك فى تحقير كتاب: كتيّب. كذلك كسرت الهاء، فكان انكسار الهاء للياء قبلها تغييرا لحقها لهما، كما أن انقلاب الألف ياء لمكانها تغيير لحقها من أجلها، فصار
стр. 119
اللفظ بها من بعد عليهمو، فكرهوا الخروج من كسر الهاء إلى ضم الميم ثم الواو من بعدها، فكسروا الميم لذلك فصارت عليهمو، فانقلبت الواو ياءا لسكونها وانكسار ما قبلها فصارت عليهمى.
ومن كسر الهاء وضم الميم وحذف الواو فقال: «عليهم» فإنه لما انتهت به الصنعة إلى كسر الهاء احتمل الضمة بعد الكسرة؛ لأنها ليست بلازمة؛ إذ كانت ألف التثنية تفتحها، لكنه حذف الواو تفاديا من ثقلها مع ثقل الضمة التى تجشّمها.
ومن قرأ: «عليهم» بضم الهاء والميم، فإنه حذف الواو استخفافا، واحتمل الضمة قبلها دليلا عليها.
لكن من قال: «عليهمى» بهاء مضمومة، وياء بعد الميم ففيه نظر، وذلك أنه كره ضمة الهاء وضمة الميم ووقوع الواو من ذلك كما كره فى الاسم المظهر وقوع الواو طرفا بعد ضمة، وذلك نحو قولهم فى دلو وحقو: أدل وأحق، وأصلها أفعل أدلو وأحقو، ككلب وأكلب؛ فأبدلوا من الضمة كسرة تطرقا إلى قلب الواو، فصارت فى التقدير: أدلو وأحقو، فقلبت الواو ياء بعذر قاطع وهو: وقوع الكسرة قبلها، فصارت أدلى، وأحقى، وكذلك أبدلت ضمة الميم من «عليهمو» كسرة فصارت عليهمو، فأبدلت الواو ياء للكسرة قبلها فصارت عليهمى.
وأما «عليهم»، بكسرة الميم من غير ياء فإنه لما كانت الصنعة فيه إنما طريقها الاستخفاف-اكتفى بالكسرة من الياء.
وكذلك من قال: «عليهم»، بكسر الهاء مع ضم الميم اكتفى بالضمة من الواو، وقد ذكرناه، ومن قال: «عليهم»، بكسر الهاء والميم من غير ياء فإنه اكتفى بالكسرة أيضا من الياء استخفافا فأما قول الشاعر-ورويناه عن قطرب-:
فهمو بطانتهم وهم وزراؤهم … وهم القضاة، ومنهم الحكام
стр. 120
وروينا عنه أيضا:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم … هم الناس لما أخصبوا وتموّلوا
فقوله: وهم القضاة، ومنهم الحكام فيحتمل كسر الميم وجهين:
أحدهما: أن يكون حركه لالتقاء الساكنين.
والآخر: أن يكون على لغة من قال عليهمى، فحذف الياء لالتقاء الساكنين من اللفظ، وهو ينويها فى الوقف.
ووجه ثالث: أن يكون على لغة من قال عليهم بكسر الميم من غير ياء.
وقوله: «هم الناس». يحتمل أيضا هذه الأوجه الثلاثة.
وروينا عن قطرب أيضا: عافاكم الله، ففيه أيضا ما فيما قبله، واللغات فى هذا ونحوه كثير.
***
стр. 121
﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ومن ذلك: قراءة أيوب السختيانى: «ولا الضّألّين» بالهمز.
قال أبو الفتح: ذكر بعض أصحابنا: أن أيوب سئل عن هذه الهمزة، فقال: هى بدل من المدة لالتقاء الساكنين. واعلم أن أصل هذه ونحوه: الضاللين، وهو «الفاعلون» من ضلّ يضل، فكره اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد على غير الصور المحتملة فى ذلك، فأسكنت اللام الأولى وأدغمت فى الآخرة، فالتقى ساكنان: الألف واللام الأولى المدغمة فزيد فى مدة الألف، واعتمدت وطأة المد، فكان ذلك نحوا من تحريك الألف؛ وذلك أن الحرف يزيد صوتا بحركاته كما يزيد صوت الألف بإشباع مدته.
وحكى أبو العباس محمد بن يزيد عن أبى عثمان عن أبى زيد قال: سمعت
стр. 122
عمرو بن عبيد يقرأ: «فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأنّ». قال أبو زيد:
فظننته قد لحن إلى أن سمعت العرب تقول: شأبّة ومأدّة ودأبّة، وعليه قول كثير.
إذا ما العوالى بالعبيط احمأرّت
وقال:
وللأرض أما سودها فتجلّلت … بياضا وأما بيضها فادهأمّت
وقد ذكرنا من هذا الضرب فى كتابنا الموسوم بالخصائص ما فيه كفاية عن غيره.
ومن طريف حديث إبدال الألف همزة ما حكاه اللّحيانى من قول بعضهم فى الباز:
البأز بالهمز. ووجه ذلك: أن الألف ساكنة وهى مجاورة لفتحة الباء قبلها وقد أرينا فى كتاب الخصائص وغيره من كتبنا: أن الحرف الساكن إذا جاور الحركة فقد تنزله
стр. 123
العرب منزلة المتحرك بها؛ من ذلك قولهم فى الوقف على بكر: هذا بكر ومررت ببكر ألا ترى حركتى الإعراب لما جاورتا الراء صارتا كأنهما فيها. ومنه قول جرير:
لحبّ المؤقدان إلىّ موسى …
فهمز الواو فى الموضعين جميعا، لأنهما جاورتا ضمة الميم قبلهما، فصارت الضمة كأنها فيهما؛ والواو إذا انضمت ضمّا لازما فهمزها جائز، نحو: «أقّتت» فى «وقّتت»، وأجوه فى «وجوه»، ونظائر ذلك كثيرة.
وكذلك الفتحة قبل الألف فى باز لما جاورتها صارت على ما ذكرنا كأنها فيها، والألف إذا حركت همزت على ما ذكرنا فى «الضألّين» و «جأنّ» فهذا وجهه.
فإن قلت: فقد حكى أيضا جمعه بئزان بالهمز، فصارت لذلك كرأل ورئلان، فما أنكرت أن يكون ذلك لغة فى الباز لا على البدل الذى رمته؟.
قيل هذا وجه يذهب إلى مثله، لكنا لم نسمع الهمز فى هذا الحرف أصلا إلا فى هذه الحكاية، والواو فيه هى الشائعة المستفيضة.
حدثنا أبو على قال: قال أبو سعيد الحسن بن الحسين يقال: بأز، وثلاثة أبواز
стр. 124
فإذا كثرت فهى البيزان.
وقالوا: باز وبواز وبزاة؛ فباز وبزاة كغاز وغزاة، وهو مقلوب الأصل الأول، وأنشدنا لذى الرمة:
كأن على أنيابه كل سدقة … صياح البوازى من صريف اللوائك
وقالوا فى تصريفه: بزا فلان يبزو إذا غلب، فكأن البازى اسم الفاعل فى الأصل، ثم خص به هذا الجارح على وجه التسمية به له، كما أن الصاحب فى أصله اسم الفاعل من صحب، ثم خص بالتسمية به، ونسى أصل وصفيته.
وكما أن الوالد كذلك، فقد ترى إلى سعة تصرف هذا الأصل على الواو. ولم نسمع فى تصرفه شيئا من الهمز غير هذه الحكاية من هذه الجهة، على ما يقال فى صاحبها.
وحدثنى أبو على قال: قال أبو بكر فى نوادر الّلحيانى: إنه لا يترقّى بهما السماع إليه. وعلى أنه قد يمكن فى الباز ما ذكرناه فلما سمع فيه بأز بالهمز أشبه فى اللفظ رألا، فقيل فى تكسيره: بئزان، كما قيل رئلان. وإذا جاز استمرار البدل فى نحو عيد وأعياد، وإجراؤه مجرى قيل وأقيال مع أن البدل فى حرف المد الذى لا يكاد يعتدّ
стр. 125
البدل فيه للضعف-فأن يجوز استمرار هذا فى الهمزة لأنها أقوى، فالأمر لذلك فيها أثبت وأحرى وأجدر؛ ألا ترى أنهم قالوا فى تحقير قائم: قويئم، فأثبتوا همزه كما أثبتوا همزة سائل من سأل؟ وقالوا فى تحقير أدؤر: أديئر، فأجروها مجرى همزة أرؤس. ولو كان مكان هذه الهمزة واو مبدلة من ياء لما ثبتت، وذلك قولك فى تحقير عوطط:
عييطط، ولا تقرّ الواو وإن كانت عينا.
وكذلك لو كسّرت الطوبى والكوسى على فعل، لقلت: الطّيب والكيس.
ولو كسّرتهما على مثيل حبلى وحبالى لقلت: طيابى وكياسى.
وعلى هذا قالوا فى تكسير ريح: أرواح، فلم يحفلوا بانقلاب العين من ريح؛ لأن العمل إنما هو فى الواو ليست لها عصمة الهمزة.
فأمّا ما حكى عن عمارة من قوله فى تكسير ريح أرياح، وعلى أن اللحيانى أيضا قد حكى هذا-فمردود عندنا، ومنعى عليه فى آرائنا.
قال أبو حاتم -وقد أغلظ فى ذلك-أنكرتها على عمارة، قال: فقال لى: قد قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قال: ولم يعلم عمارة أن الياء فى الرياح بعد كسرة فهذا أمر قاد إليه همز أيوب «الضالين».
وفيه أكثر من هذا، ولولا تنكّب الإطالة كراهية الإملال والسآمة لأتينا به، وعلى أنه مثبت فى أماكن من تأليفنا وإملائنا.
***
стр. 126
سورة البقرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦) ومن ذلك قراءة «أنذرتهم»، بهمزة واحدة من غير مدّ.
قال أبو الفتح: هذا مما لا بد فيه أن يكون تقديره: «أأنذرتهم»، ثم حذف همزة الاستفهام تخفيفا لكراهة الهمزتين؛ ولأن قوله: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ» لا بد أن يكون التسوية فيه بين شيئين أو أكثر من ذلك، ولمجئ أم من بعد ذلك أيضا، وقد حذفت هذه الهمزة فى غير موضع من هذا الضرب. قال:
فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر … أتونى فقالوا: من ربيعة أم مضر؟
فيمن قال: أم؛ أى: أمن ربيعة أم مضر؟.
ومن أبيات الكتاب:
لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا … شيعث بن سهم أم شعيث بن منقر
وقال الكميت:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب … ولا لعبا منى وذو الشيب يلعب
стр. 127
قيل: أراد: أو ذو الشيب يلعب؟.
وقالوا فى قول الله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾؛ أراد: أو تلك نعمة؟. وقال:
لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا … بسبع رمين الجمر أم بثمان؟
يريد: أبسبع؟.
وعلى كل حال فأخبرنا أبو علىّ. قال: قال أبو بكر: حذف الحرف ليس بقياس؛ وذلك أن الحرف نائب عن الفعل وفاعله. ألا ترى أنك إذا قلت: ما قام زيد، فقد نابت «ما» عن «أنفى»، كما نابت «إلا» عن «أستثنى»، وكما نابت الهمزة وهل عن أستفهم، وكما نابت حروف العطف عن أعطف، ونحو ذلك. فلو ذهبت تحذف الحرف لكان ذلك اختصارا، واختصار المختصر إجحاف به، إلا أنه إذا صح التوجه إليه جاز فى بعض الأحوال حذفه لقوة الدلالة عليه.
فإن قيل: فلعله حذف همزة «أنذرتهم» لمجئ همزة الاستفهام، فكان الحكم الطارئ على ما يشبه هذا من تعاقب ما لا يجمع بينه.
قيل: قد ثبت جواز حذف همزة الاستفهام على ما أرينا فى غير هذا، فيجب أن يحمل هذا عليه أيضا.
وأما همزة أفعل فى الماضى فما أبعد حذفها!، فليكن العمل على ما تقدم بإذن الله.
***
﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٩) ومن ذلك قراءة: أبى طالوت عبد السلام بن شدّاد، والجارود بن أبى سبرة «وما»
стр. 128
يخدعون إلا أنفسهم»، بضم الياء وفتح الدال.
قال أبو الفتح: هذا على قولك: خدعت زيدا نفسه؛ ومعناه عن نفسه، فإن شئت قلت على هذا: حذف حرف الجر، فوصل الفعل. كقوله عز اسمه: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ أى: من قومه، وقوله:
أمرتك الخير …
أى: بالخير. وإن شئت قلت: حمله على المعنى؛ فأضمر له ما ينصبه، وذلك أن قولك: خدعت زيدا عن نفسه يدخله معنى: انتقصته نفسه، وملكت عليه نفسه، وهذا من أسدّ وأدمث مذاهب العربية، وذلك أنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام فيأخذه إليه، ويصرّفه بحسب ما يؤثره عليه. وجملته: أنه متى كان فعل من الأفعال فى معنى فعل آخر فكثيرا ما يجرى أحدهما مجرى صاحبه، فيعدل فى الاستعمال به إليه، ويحتذى فى تصرفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه. ألا ترى إلى قول الله جل اسمه: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾؟ وأنت إنما تقول: هل لك فى كذا؟ لكنه لما دخله معنى: أجذبك إلى كذا وأدعوك إليه. قال: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾؟ وعليه قول الفرزدق:
كيف ترانى قاليا مجنّى … قد قتل الله زيادا عنّى
стр. 129
فاستعمل «عن» هاهنا لما دخله من معنى قد صرفه الله عنى؛ لأنه إذا قتله فقد صرف عنه.
وعليه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ وأنت لا تقول:
رفثت إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها ومعها. لّما كان الرفث بمعنى الإفضاء عدى بإلى كما يعدّى أفضيت بإلى، نحو قولك: أفضيت إلى المرأة. وهو باب واسع ومنقاد، وقد تقصيناه فى كتابنا «الخصائص». فكذلك قوله : «وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ»، جاء على خدعته نفسه لما كان معناه معنى انتقصته نفسه، أو تخوّنته نفسه.
ورأيت أبا على ﵀ يذهب إلى استحسان مذهب الكسائى فى قوله:
إذا رضيت علىّ بنو قشير … لعمر الله أعجبنى رضاها
لأنه قال: عدى رضيت بعلى، كما يعدّى نقيضها وهى سخطت به، وكان قياسه:
رضيت عنى، وإذا جاز أن يجرى الشئ مجرى نقيضه فإجراؤه مجرى نظيره أسوغ. فهذا مذهب الكسائى وما أحسنه! وفيه غيره على سمت ما كنا بصدده، وذلك أنه إذا رضى عنه فقد أقبل عليه؛ فكأنه قال: إذا أقبلت على بنو قشير. وهو غور من أنحاء العربية طريف ولطيف ومصون وبطين.
***
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ (١٠) ومن ذلك قال ابن دريد عن أبى حاتم، عن الأصمعى، عن أبى عمرو: «فى قلوبهم مرض» ساكنة.
стр. 130
قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون «مرض» مخففا من مرض؛ لأن المفتوح لا يخفف، وإنما ذلك فى المكسور والمضموم كإبل وفخد، وطنب وعضد، وما جاء عنهم من ذلك فى المفتوح فشاذ لا يقاس عليه، نحو قوله:
وما كل مبتاع ولو سلف صفقه … يراجع ما قد فاته برداد
يريد: سلف، فأسكن مضطرا. وعلى أننا قد ذكرنا هذا فى كتابنا الموسوم «بالمنصف»، وهو شرح تصريف أبى عثمان، وهذا ونحوه قد جاء فى الضرورة، والقرآن يتخير له ولا يتخير عليه.
وينبغى أن يكون «مرض» هذا الساكن لغة فى مرض المتحرك، كالحلب والحلب، والطرد والطرد، والشل والشلل، والعيب والعاب، والذّيم والذّام. وقد دللنا فى كتابنا الخصائص على تقاود الفتح والسكون، ولأنهما يكادان يجريان مجرى واحدا فى عدة أماكن.
منها أن كل واحد منهما قد يفزع ويستروح إليه من الضمة والكسرة؛ ألا تراهم قالوا فى غرفات ونحوها: تارة غرفات بالفتح وأخرى غرفات بالسكون، كما قالوا فى
стр. 131
سدرات تارة: سدرات بالفتح، وأخرى: سدرات بالسكون.
وأجروا أيضا الياء المفتوحة فى اقتضائها الإمالة مجرى الياء الساكنة، فأمالوا نحو:
السّيال والصّياح، كما أمالوا نحو: شيبان وقيس عيلان، وقالوا: ضرب يدها، فأمالوا فتحة الدال للياء المفتوحة، وقالوا أيضا فى تكسير جواد: جياد، فأعلّوا العين كما أعلوها فى ثوب وثياب، فأجروا «واو» جواد مجرى «واو» ثوب. وقالوا: مرض مرضا فهو مارض، كما قالوا: حرد حردا فهو حارد، والفعل كالأصل فى مصادر الثلاثية لا سيما فى المتعدى منها، والمتعدى أكثر من غير المتعدى؛ فلذلك ساغ فيها فعل.
وإنما كان المتعدى أكثر من غيره من قبل أن الفعل قد يكون حديثا عن المفعول به نحو ضرب زيد، كما يكون حديثا عن الفاعل نحو قام زيد، فكما لا بد للفعل من الفاعل فكذلك كثر المتعدى؛ لأن فى ذلك تسبّبا إلى أن يكون الفعل حديثا عن المفعول.
***
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ (١٦) ومن ذلك قراءة يحيى بن يعمر وابن أبى إسحاق، وأبى السّمال: «اشتروا الضّلالة».
стр. 132
قال أبو الفتح، فى هذه الواو ثلاث لغات: الضم، والكسر، وحكى أبو الحسن فيها الفتح: «اشتروا الضلالة»، ورويناه أيضا عن قطرب، والحركة فى جميعها لسكون الواو وما بعدها، والضم أفشى، ثم الكسر، ثم الفتح.
وإنما كان الضم أقوى لأنها واو جمع، فأرادوا الفرق بينها وبين واو «أو»، و «لو»؛ لأن تلك مكسورة، نحو قول الله سبحانه: ﴿لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ومنهم من يضمها، فيقول: «لو اطلعت» كما كسر أبو السّمّال وغيره من العرب واو الجمع تشبيها لها بواو «لو».
وأما الفتح فأقلها، والعذر فيه خفة الفتحة مع ثقل الواو، وأيضا فإن الغرض فى ذلك إنما هو التبلغ بالحركة لاضطرار الساكنين إليها، فإذا وقعت من أى أجناسها كانت-أقنعت فى ذلك كما روينا عن قطرب من قراءة بعضهم: «قم اللّيل» بالفتح، و «قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ» وبع الثوب.
قال: وقيس تقول: «اشترءوا الضلالة». قال: وقال بعض العرب: عصئوا الله مهموزة.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون ذلك على إجراء غير اللازم مجرى اللازم، وقد كتبنا فى هذا بابا كاملا فى الخصائص، وذلك أنه شبّه حركة التقاء الساكنين-وليست بلازمة-بالضمة اللازمة فى «أقتت» وأدؤر وأجوه، إلا أن همز نحو «اشتروا الضلالة» من ضعيف ذلك.
стр. 133
ولو وقفت مستذكرا وقد ضممت الواو-لقلت: اشترووا، ففصلت ضمة الواو فأنشأت بعدها واوا؛ كأنك تستذكر «الضلالة» أو نحوها فتمدّ الصوت إلى أن تذكر الحرف. ولو استذكرت وقد كسرت لقلت: اشتروى، فأنشأت بعد الكسرة ياء. ولو استذكرت وقد فتحت الواو لقلت: اشتروا، كما أنك لو استذكرت بعد من، وأنت تريد الرجل ونحوه لقلت: منا؛ لأنك أشبعت فتحة من الغلام، وفى منذ: منذو، وفى هؤلاء، هؤلائى.
وحكى صاحب الكتاب: أن بعضهم قال فى الوقف: قالا، وهو يريد قال.
وحكى أيضا: هذا سيفنى كأنه استذكر بعد التنوين، فاضطر إلى حركته فكسره، فأحدث بعده ياء. ولو استذكرت مع الهمز لقلت: اشترءوا، فالواو بعد الهمزة واو مطل الضمة، وليست كواو قولك: اجترءوا، وأنت تريد افتعلوا من الجرأة.
***
﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٧) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى السّمّال: «وتركهم فى ظلمات»، ساكنة اللام.
قال أبو الفتح: لك فى ظلمات وكسرات: ثلاث لغات: إتباع الضم الضم، والكسر الكسر، ومن استثقل اجتماع الثقيلين فتارة يعدل إلى الفتح فى الثانى يقول: ظلمات وكسرات، وأخرى يسكن فيقول: ظلمات وكسرات، وكل ذلك جائز حسن.
فأما فعلة بالفتح فلا بد فيه من التثقيل إتباعا، فتقول: ثمرة وثمرات، قال:
ولما رأونا باديا ركباتنا … على موطن لا نخلط الجدّ بالهزل
وقال النابغة:
стр. 134
ومقعد أيسار على ركباتهم … ومربط أفراس وناد وملعب
وعليه قراءة أبى جعفر: «من وراء الحجرات».
وقال بشر:
حتى سقيناهم بكأس مرة … مكروهة حسواتها كالعلقم
وقد أسكنوا المفتوح، وهو ضرورة، قال لبيد:
رحلن لشقة ونصبن نصبا … لوغرات الهواجر والسّموم
وقال ذو الرمة:
أبت ذكر عوّدن أحشاء قلبه … خفوفا ورفضات الهوى فى المفاصل
روينا ذلك كله، وروينا أيضا أن بعض قيس قال: ثلاث ظبيات، فأسكن موضع العين. وروينا عن أبى زيد أيضا عنهم: شرية وشريات وهو الحنظل، والتسكين عندى فى هذا أسوغ منه فى نحو رفضات ووغرات، من قبل أن قبل الألف ياء محركة مفتوحا ما قبلها، وهذا شرط اعتلالها بانقلابها ألفا، وتحتاج أن تعتذر من ذلك بأن تقول: لو قلبت ألفا لوجب حذفها لسكونها وسكون الألف بعدها، وليس فى نحو رفضات ما يوجب الاعتذار من الحركة، وكان رفضات أقرب مأخذا من ثمرات من قبل أن رفضة حدث ومصدر، والمصدر قوى الشبه باسم الفاعل الذى هو صفة، والصفة لا تحرّك فى نحو هذا، نحو: صعبة وصعبات، وخدلة وخدلات.
ويدلك على قوة شبه المصدر بالصفة وقوع كل واحد منهما موقع صاحبه، وذلك نحو قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ أى: غائرا، وقولهم: قم قائما؛ أى قياما، وعليه قول الفرزدق:
стр. 135
ألم ترنى عاهدت ربى وإننى … لبين رتاج قائما ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلما … ولا خارجا من فىّ زور كلام
أى ولا يخرج خروجا. وعليه أيضا كسّروا المصدر، وهو فعل على ما يكسر عليه فاعل فى الوصف وهو فواعل. أنشدنا أبو علىّ:
وإنك يا عام بن فارس قرزل … معيد على قيل الخنا والهواجر
يريد جمع هجر، فكأنّه كسّر هاجرا على هواجر.
وأنشدنا أيضا:
فليتك حال البحر دونك كلّه … وكنت لقى تجرى عليه السوائل
يريد السيول جمع سيل، وهو كثير جدا، فكذلك سهل شيئا إسكان نحو رفضة ووغرة، لكونهما حدثين ومصدرين لشبههما بالصفة.
ويزيد فى أنسك تسكين عين ما لامه حرف علة لما تعقب من الاعتذار من تحريك عينه-امتناعهم من تحريك العين فى فعلة إذا كانت حرف علة، وذلك نحو جوزات ولوزات وبيضات.
ألا ترى أنه لو حرّك فقال: جوزات وبيضات لوجب أن يعتذر من صحة العين مع حركتها وانفتاح ما قبلها بأن يقول: لو أعللت لوجب القلب، فأقول: جازات وباضات؛ فيلتبس ذلك بما عينه فى الواحد ألف منقلبة نحو قارة وقارات، وجارة وجارات.
وإذا جاز إسكان العين الصحيحة، نحو: تمرات وشعرات صار المعتل أحرى بالضمّة.
نعم، وربما جاء الفتح فى العين إذا كانت واوا أو ياء كما قال الهذلى:
стр. 136
أبو بيضات رائح متأوّب … رفيق بمسع المنكبين سبوح
وعذره فى ذلك: أن هذه الحركة إنما وجبت فى الجمع، وقد سبق العلم بكونها فى الواحد ساكنة، فصارت الحركة فى الجمع عارضة فلم تحفل. وفى هذا بعد هذا ضعف؛ ألا ترى أن هذه الألف والتاء تبنى الكلمة عليهما، وليستا فى حكم المنفصل؟ يدلك على ذلك صحة الواو فى خطوات وكسوات، ولو كانت الألف والتاء فى ذلك فى حكم المنفصل لوجب إعلال الواو؛ لأنها لام وقبلها ضمة، كما أنك لو بنيت فعلة على التذكير من غزوت لأعللت اللام فقلت: غزية، حتى كأنك نطقت بفعل منه فقلت: غز.
ولو بنيتها على التأنيث لصحت اللام فقلت: غزوة. فعليه قلت: خطوات لأنه مبنىّ على التأنيث، ولو كان على التذكير قلت: خطيات كما قلت: غز فى فعل من الغزو.
قال أبو على: يدلك على أن الكلمة مبنية على الألف والتاء اطراد إتباع الكسر للكسر فى سدرات وكسرات مع عزة فعل فى الواحد، وإنما حكى سيبويه منه: إبل لا غير، وهم كما ذكر، إلا أن مما يؤنس بكون حركة العين غير ملازمة ما رويناه عن قطرب فيما حكاه عن يونس: من قوله فى جروة: إذا قلت جروات فصحة الواو وهى لام بعد الكسرة تدلك على قلة الاعتداد بها، وعلى ذلك أن يقال: إن هذا شاذ، يدل على شذوذه امتناعهم أن يحركوا عين كلية ومدية، وأن يقولوا: كليات ومديات؛ لما كان يعقب ذلك من وجوب قلب الياء إلى الواو، فدلنا ذلك على أن نحو جروات شاذّ.
وبإزاء هذا أن يقال: هلا قلبوا، فقالوا: كلوات ومدوات، كما أنهم لو بنوا مثل فعلة من قضيت ورميت على التأنيث قلبوا فقالوا: رموة وقضوة، فهذه أشياء تراها متكافئة أو كذلك، وعلى كل حال فالاختيار خطوات بالإسكان؛ ألا ترى أن الألف والتاء وإن بنى الاسم عليهما فإن الجمع على كل حال خارج من الواحد الذى هو الأصل، فمعنى الفرعية موجود فى الجمع بتلفته إلى الواحد، وليست فعلة إذا بنيت على التأنيث مما خرج عن تذكيره فيراعى فيه حكمه، كما روعى فى الألف والتاء حكم الواحد، فاعرفه فصلا.
***
стр. 137
﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ (٢٠) ومن ذلك ما حكاه الفراء عن بعض القراء فيما ذكر ابن مجاهد «يخطّف» بنصب الياء والخاء والتشديد.
قال ابن مجاهد: ولم يرو لنا عن أحد.
قال أبو الفتح: أصله يختطف، فآثر إدغام التاء فى الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد؛ ولأن التاء مهموسة والطاء مجهورة، والمجهور أقوى صوتا من المهموس، ومتى كان الإدغام يقوّى الحرف المدغم حسن ذلك. وعلته أن الحرف إذا أدغم خفى فضعف، فإذا أدغم فى حرف أقوى منه استحال لفظ المدغم إلى لفظ المدغم فيه فقوى لقوته، فكان فى ذلك تدارك وتلاف لما جنى على الحرف المدغم فأسكن التاء لإدغامها والخاء قبلها ساكنة، فنقلت الحركة إليها، وقلبت التاء طاء وأدغمت فى الطاء، فصارت «يخطّف».
ومنهم من إذا أسكن التاء ليدغمها كسر الخاء لالتقاء الساكنين، فاستغنى بحركتها عن نقل الحركة إليها، فيقول: يخطّف.
ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعا لكسرة فاء الفعل ما بعده فيقول: يخطّف، وأنا إخطّف، وأنشدوا لأبى النجم:
تدافع الشّيب ولم تقتّل …
أراد تقتتل فأسكن التاء الأولى للإدغام، وحرك القاف لالتقاء الساكنين بالكسر، فصار تقتّل، ثم أتبع أول الحرف ثانيه فصار تقتّل.
وعلى هذا قالوا فى ماضيه: خطّف، وأصلها اختطف، فأسكن التاء للإدغام فانكسرت الخاء لسكونها وسكون التاء فحذف همزة الوصل لتحرك الخاء بعدها، وأدغمت التاء فى الطاء فصار «خطّف».
стр. 138
ومنهم من يتبع الطاء كسرة الخاء فيقول: خطّف. وأنشدونا.
لا حطّب القوم ولا القوم سقى …
أراد: احتطب على ما مضى.
وحكى أبو الحسن عنهم: فتّحوا الأبواب؛ أى: افتتحوا، على ما تقدم.
وكذلك الكلام فى قوله: يهدّى ويهدّى ويهدّى، وجاء المعذّرون والمعذّرون والمعذّرون ومردّفين ومردّفين ومردّفين، تتبع الضم الضم، كما أتبعت الكسر الكسر.
وأصله كله: المعتذرون ومرتدفون، وهو باب منقاد، وهذه طريقه. ومن بعد فيسأل فيقال: ما مثال «يخطّف»؟.
قيل: إن أردت الأصل فيفتعل أى: يختطف، وإن أردت اللفظ ففيه الصنعة وعليه المسألة، فوزنه: يفطعل، وذلك أن التاء فى يفتعل زائدة، فكما أنها لو ظهرت لكانت زائدة، فكذلك إذا أبدلت فالبدل منها زائد؛ لأن البدل من الزائد زائد، ألا ترى أن الطاء من اصطبر بدل من التاء فى اصتبر الذى هو افتعل؟ فكما أن التاء زائدة فكذلك ما هو بدل منها-وهو الطاء-زائد. فوزن اصطبر على أصله افتعل، وعلى لفظه افطعل، فكذلك وزن يخطّف من الفعل على لفظه يفطعل. فإذا ثبت ذلك-وقد ثبت بحمد الله-فوزن خطّف: فطعل، ووزن خطّف: فطعل، ووزن تقتّل تفعتل، ووزن مردّفين مفدعلين؛ لأن الدال فيه بدل من التاء الزائدة، فهى زائدة من هذا الوجه، كما كانت الطاء فى خطّف زائدة من هذا الوجه.
وكذلك لو قال قائل: ما مثال «اِزَّيَّنَتْ» على أصله؟.
قلت: تفعلت، أى تزينت، وعلى لفظه ازفعّلت.
وكذلك قالوا: «اِطَّيَّرْنا» ووزنه اطفعّلنا، وكذلك قول العجلى:
стр. 139
من عبس الصيف قرون الإجّل …
يريد الإيّل فإن اعتقدت أنه فعول أو فعيل فى الأصل فوزنه بعد البدل: فعجل؛ لأن الجيم على هذا بدل من واو فعول أو ياء فعيل، وهما زائدتان فهى زائدة فاعرف ذلك وقسه.
قال ابن مجاهد: وحكى الفراء أن بعض أهل المدينة يسكن الخاء والطاء ويشدد فيجمع بين ساكنين.
قال ابن مجاهد: ولا نعلم أن هذه القراءة رويت عن أهل المدينة.
قال أبو الفتح هذا: الذى يجيزه الفراء من اجتماع ساكنين فى نحو هذا لا يثبته أصحابنا، وإنما هو اختلاس وإخفاء فيلطف عليهم فيرون أنه إدغام، وإنما هو إخفاء للحركة وإضعاف للصوت، وهذا كما يروى فى قوله:
ومسحه مرّ عقاب كاسر …
أن الحاء مدغمة فى الهاء، ويا ليت شعرى كيف يجوز لذى نظر أو من يخلد إلى أدنى تفكير أن يدّعى أن هنا إدغاما، أو أن تجمع بين ساكنين وقد قابل به جزء التفعيل، وإذا وقع التحاكم إلى بديهة الحس فقد سقطت كلفة إتعاب النفس؛ ألا ترى أن وزن
стр. 140
قوله: «ومسحهى» مفاعلن، فالحاء مقابل بها عين «علن»، والعين، أول الوتد، وهى كما ترى وتعلم محركة. أفيقابل فى الوزن الساكن بالمتحرك؟ وإذا أفضى الأمر فى السفور إلى هاهنا حسر شبهة اللبس والعناء، وقد قلنا فى كتابنا الموسوم «بسر الصناعة» فى هذا ما فيه كفاية وغناء.
قال ابن مجاهد: وقد روى عن مجاهد والحسن: «يخطف» ولم يبلغنا أن أحدا قرأ خطف بفتح الطاء فيقرأ هذا الحرف يخطف، وأحسب أن هذا غلط ممن رواه.
قال أبو الفتح: قد قلنا فى كتابنا الموسوم «بالمنصف» وهو شرح تصريف عثمان فى نحو هذا من قوله:
وما كل مبتاع ولو سلف صفقه … يراجع ما قد فاته برداد
فإذا تأملته أغنى عن إعادته إن شاء الله، وجملته أن يكون استغنى بخطف عن خطف فى الماضى، وجاء المضارع عليه كما أن قوله: «سلف» يكون مسكّنا من «سلف» وإن
стр. 141
لم يستعمل، استغناء بسلف عنه، وقد شرحناه هناك فتركناه هنا.
***
﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف ومجاهد وطلحة بن مصرّف وعيسى الهمدانى:
«وقودها الناس».
قال أبو الفتح: هذا عندنا على حذف المضاف أى: ذو وقودها، أو أصحاب وقودها الناس؛ وذلك أن الوقود بالضم هو المصدر، والمصدر ليس بالناس. لكن قد جاء عنهم الوقود بالفتح فى المصدر، لقولهم: وقدت النار وقودا، ومثله: أولعت به ولوعا، وهو حسن القبول منك، كله شاذ، والباب هو الضم.
وكان أبو بكر يقول فى قولهم: توضأت وضوءا: إن هذا المفتوح ليس مصدرا، وإنما هو صفة مصدر محذوف.
قال: وتقديره: توضأت وضوءا وضوءا؛ لقولك: توضأت وضوءا حسنا؛ لأن الوضوء عنده صفة من الوضاءة.
وقرأت على أبى علىّ فى نوادر أبى زيد: رجل ساكوت بيّن الساكوتة. فقال: قياس مذهب أبى بكر فى الوضوء أن يكون هذا على أنه أراد رجل ساكوت بين السكتة الساكوتة.
وعليه قولهم فيما حكاه الأصمعى: رجل بيّن الضارورة؛ أى بين الضّرة، أو المضرة الضارورة.
стр. 142
وأما قولهم: لص بين اللّصوصية، وحرّ بيّن الحرورية، وخصصته بالشئ خصوصيّة، فإن شئت قلت: هو على مذهب أبى بكر لص بيّن اللّصة اللّصوصية، والخصّة الخصوصية، والحرّية الحرورية.
وإن شئت قلت غير هذا، وذلك أن ما لا يجئ من الأمثلة بنفسه قد يجئ إذا اتصلت ياء الإضافة به، وذلك كقول الأعشى:
وما أيبلىّ … على هيكل
بناه وصلّب فيه وصارا
فأيبلى كما ترى فيعلىّ، ولولا ياء الإضافة لم يجز ذلك؛ ألا ترى أنه لم يأت عنهم فيعل؟ وكذلك قولهم فى الإضافة إلى تحية: تحوىّ، ومثاله: تفلىّ. وليس فى كلامهم اسم على تفل، فكذلك جاز خصوصية وأختاها، هذا مع ما حكى عنهم من القبول والوضوء والولوع والوقود، فإذا جاء هذا المثال فى المصدر من غير أن تصحبه ياء الإضافة فهو بأن يأتى معهما أجدر.
***
﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة رؤبة: «مثلا ما بعوضة»، بالرفع.
قال ابن مجاهد: حكاه أبو حاتم عن أبى عبيدة عن رؤبة.
وقال أبو الفتح: وجه ذلك: أن «ما» هاهنا اسم بمنزلة الذى؛ أى: لا يستحي أن يضرب الذى هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ.
ومثله قراءة بعضهم: «تماما على الذى أحسن»، أى: على الذى هو أحسن.
стр. 143
وحكى صاحب الكتاب عن الخليل: ما أنا بالذى قائل لك شيئا. أى الذى هو قائل لك شيئا. وعليه قوله:
لم أر مثل الفتيان فى غير ال … أيام ينسون ما عواقبها
أى ينسون الذى هو عواقبها، وحذف الضمير من هنا ضعيف؛ لأنه ليس فضلة كالهاء فى نحو قولك: ضربت الذى كلمت؛ أى: كلمته.
وإن شئت كان تقديره: ينسون أى شئ عواقبها، فتكون ما استفهاما، وعواقبها خبرا عنها، والجملة فى موضع نصب بينسون، وجاز فيها التعليق؛ لأنها ضد يذكرون ويعلمون، فيجرى مجرى قولك: لا تنس أيّنا أحق بكذا. وأتذكر أزيد أفضل أم عمرو.
***
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة يزيد البربرى: «وعلّم آدم الأسماء كلّها».
قال أبو الفتح: ينبغى أن يعلم ما أذكره هنا، وذلك أن أصل وضع المفعول أن يكون فضلة وبعد الفاعل، كضرب زيد عمرا، فإذا عناهم ذكر المفعول قدموه على الفاعل، فقالوا: ضرب عمرا زيد. فإن ازدادت عنايتهم به قدموه على الفعل الناصبه، فقالوا:
عمرا ضرب زيد. فإن تظاهرت العناية به عقدوه على أنه ربّ الجملة، وتجاوزوا به حد كونه فضلة، فقالوا: عمرو ضربه زيد، فجاءوا به مجيئا ينافى كونه فضلة، ثم زادوه على هذه الرتبة فقالوا: عمرو ضرب زيد فحذفوا ضميره ونووه ولم ينصبوه على ظاهر أمره؛ رغبة به عن صورة الفضلة وتحاميا لنصبه الدالّ على كون غيره صاحب الجملة، ثم إنهم
стр. 144
لم يرضوا له بهذه المنزلة حتى صاغوا الفعل له، وبنوه على أنه مخصوص به، وألغوا ذكر الفاعل مظهرا أو مضمرا فقالوا: ضرب عمرو فاطّرح ذكر الفاعل البتة. نعم، وأسندوا بعض الأفعال إلى المفعول دون الفاعل البتة، وهو قولهم: أولعت بالشئ، ولا يقولون:
أولعنى به كذا. وقالوا: ثلج فؤاد الرجل ولم يقولوا: ثلجه كذا، وامتقع لونه ولم يقولوا:
امتقعه كذا. ولهذا نظائر، فرفض الفاعل هنا البتة واعتماد المفعول به البتة دليل على ما قلناه فاعرفه.
وأظننى سمعت: أولعنى به كذا، فإن كان كذلك فما أقله أيضا!.
وهذا كله يدل على شدة عنايتهم بالفضلة. وإنما كانت كذلك لأنها تجلو الجملة، وتجعلها تابعة المعنى لها. ألا ترى أنك إذا قلت: رغبت فى زيد أفيد منه إيثارك له، وعنايتك به، وإذا قلت: رغبت عن زيد، أفيد منه إطراحك له وإعراضك عنه، ورغبت فى الموضعين بلفظ واحد، والمعنى ما تراه من استحالة معنى رغبت إلى معنى زهدت، وهذا الذى دعاهم إلى تقديم الفضلات فى نحو قول الله سبحانه: «ولم يكن له كفرا أحد». وإنما موضع اللام التأخير؛ ولذلك قال سيبويه: إن الجفاة ممن لا يعلم كيف هى فى المصحف يقرؤها: «ولم يكن كفوا له أحد».
فإن قلت: فقد قالوا: زيدا ضربته فنصبوه، وإن كانوا قد أعادوا عليه ضميرا يشغل الفعل بعده عنه حتى أضمروا له فعلا ينصبه، ومع هذا فالرفع فيه أقوى وأعرب، وهذا ضد ما ذكرته من جعلهم إياه ربّ الجملة ومبتدأها فى قولهم: زيد ضربته.
قيل: هذا وإن كان على ما ذكرته فإنه فيه غرضا من موضع آخر، وذلك أنه إذا نصب على ما ذكرت فإنه لا يعدم دليل العناية به، وهو تقديمه فى اللفظ منصوبا، وهذه صورة انتصاب الفضلة مقدّمة لتدل على قوة العناية به، لا سيما والفعل الناصب له لا يظهر أبدا مع تفسيره، فصار كأن هذا الفعل الظاهر هو الذى نصبه، وكذلك يقول الكوفيون أيضا.
فإذا ثبت بهذا كله قوة عنايتهم بالفضلة حتى ألغوا حديث الفاعل معها، وبنوا الفعل
стр. 145
لمفعوله فقالوا: ضرب زيد-حسن. قوله تعالى: «وعلّم آدم الأسماء كلّها»؛ ولما كان الغرض فيه أنه قد عرفها وعلمها، وآنس أيضا علم المخاطبين بأن الله سبحانه هو الذى علّمه إياها بقراءة من قرأ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾. ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾، هذا مع قوله:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾، وقال تبارك اسمه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾.
فقد علم أن الغرض بذلك فى جميعه أن الإنسان مخلوق ومضعوف، وكذلك قولهم:
ضرب زيد إنما الغرض منه أن يعلم أنه منضرب وليس الغرض أن يعلم من الذى ضربه.
فإن أريد ذلك ولم يدل دليل عليه فلا بد أن يذكر الفاعل فيقال: ضرب فلان زيدا، فإن لم يفعل ذلك كلّف علم الغيب.
***
﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾ (٣٣) ومن ذلك قراءة الحسن ﵀: «أنبهم» بوزن أعطهم، وروى عنه: «أنبيهم» بلا همز، وروى عن ابن عامر «أنبئهم» بهمز وكسر الهاء. قال ابن مجاهد: وهذا لا يجوز.
قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن: «أنبهم»، كأعطهم فعلى إبدال الهمزة ياء على أنه يقول: أنبيت كأعطيت، وهذا ضعيف فى اللغة؛ لأنه بدل لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا فى ضرورة الشعر.
следующие страницы →