Полный текст (896 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
لم يستعمل، استغناء بسلف عنه، وقد شرحناه هناك فتركناه هنا.
***
﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف ومجاهد وطلحة بن مصرّف وعيسى الهمدانى:
«وقودها الناس».
قال أبو الفتح: هذا عندنا على حذف المضاف أى: ذو وقودها، أو أصحاب وقودها الناس؛ وذلك أن الوقود بالضم هو المصدر، والمصدر ليس بالناس. لكن قد جاء عنهم الوقود بالفتح فى المصدر، لقولهم: وقدت النار وقودا، ومثله: أولعت به ولوعا، وهو حسن القبول منك، كله شاذ، والباب هو الضم.
وكان أبو بكر يقول فى قولهم: توضأت وضوءا: إن هذا المفتوح ليس مصدرا، وإنما هو صفة مصدر محذوف.
قال: وتقديره: توضأت وضوءا وضوءا؛ لقولك: توضأت وضوءا حسنا؛ لأن الوضوء عنده صفة من الوضاءة.
وقرأت على أبى علىّ فى نوادر أبى زيد: رجل ساكوت بيّن الساكوتة. فقال: قياس مذهب أبى بكر فى الوضوء أن يكون هذا على أنه أراد رجل ساكوت بين السكتة الساكوتة.
وعليه قولهم فيما حكاه الأصمعى: رجل بيّن الضارورة؛ أى بين الضّرة، أو المضرة الضارورة.
стр. 142
وأما قولهم: لص بين اللّصوصية، وحرّ بيّن الحرورية، وخصصته بالشئ خصوصيّة، فإن شئت قلت: هو على مذهب أبى بكر لص بيّن اللّصة اللّصوصية، والخصّة الخصوصية، والحرّية الحرورية.
وإن شئت قلت غير هذا، وذلك أن ما لا يجئ من الأمثلة بنفسه قد يجئ إذا اتصلت ياء الإضافة به، وذلك كقول الأعشى:
وما أيبلىّ … على هيكل
بناه وصلّب فيه وصارا
فأيبلى كما ترى فيعلىّ، ولولا ياء الإضافة لم يجز ذلك؛ ألا ترى أنه لم يأت عنهم فيعل؟ وكذلك قولهم فى الإضافة إلى تحية: تحوىّ، ومثاله: تفلىّ. وليس فى كلامهم اسم على تفل، فكذلك جاز خصوصية وأختاها، هذا مع ما حكى عنهم من القبول والوضوء والولوع والوقود، فإذا جاء هذا المثال فى المصدر من غير أن تصحبه ياء الإضافة فهو بأن يأتى معهما أجدر.
***
﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة رؤبة: «مثلا ما بعوضة»، بالرفع.
قال ابن مجاهد: حكاه أبو حاتم عن أبى عبيدة عن رؤبة.
وقال أبو الفتح: وجه ذلك: أن «ما» هاهنا اسم بمنزلة الذى؛ أى: لا يستحي أن يضرب الذى هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ.
ومثله قراءة بعضهم: «تماما على الذى أحسن»، أى: على الذى هو أحسن.
стр. 143
وحكى صاحب الكتاب عن الخليل: ما أنا بالذى قائل لك شيئا. أى الذى هو قائل لك شيئا. وعليه قوله:
لم أر مثل الفتيان فى غير ال … أيام ينسون ما عواقبها
أى ينسون الذى هو عواقبها، وحذف الضمير من هنا ضعيف؛ لأنه ليس فضلة كالهاء فى نحو قولك: ضربت الذى كلمت؛ أى: كلمته.
وإن شئت كان تقديره: ينسون أى شئ عواقبها، فتكون ما استفهاما، وعواقبها خبرا عنها، والجملة فى موضع نصب بينسون، وجاز فيها التعليق؛ لأنها ضد يذكرون ويعلمون، فيجرى مجرى قولك: لا تنس أيّنا أحق بكذا. وأتذكر أزيد أفضل أم عمرو.
***
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة يزيد البربرى: «وعلّم آدم الأسماء كلّها».
قال أبو الفتح: ينبغى أن يعلم ما أذكره هنا، وذلك أن أصل وضع المفعول أن يكون فضلة وبعد الفاعل، كضرب زيد عمرا، فإذا عناهم ذكر المفعول قدموه على الفاعل، فقالوا: ضرب عمرا زيد. فإن ازدادت عنايتهم به قدموه على الفعل الناصبه، فقالوا:
عمرا ضرب زيد. فإن تظاهرت العناية به عقدوه على أنه ربّ الجملة، وتجاوزوا به حد كونه فضلة، فقالوا: عمرو ضربه زيد، فجاءوا به مجيئا ينافى كونه فضلة، ثم زادوه على هذه الرتبة فقالوا: عمرو ضرب زيد فحذفوا ضميره ونووه ولم ينصبوه على ظاهر أمره؛ رغبة به عن صورة الفضلة وتحاميا لنصبه الدالّ على كون غيره صاحب الجملة، ثم إنهم
стр. 144
لم يرضوا له بهذه المنزلة حتى صاغوا الفعل له، وبنوه على أنه مخصوص به، وألغوا ذكر الفاعل مظهرا أو مضمرا فقالوا: ضرب عمرو فاطّرح ذكر الفاعل البتة. نعم، وأسندوا بعض الأفعال إلى المفعول دون الفاعل البتة، وهو قولهم: أولعت بالشئ، ولا يقولون:
أولعنى به كذا. وقالوا: ثلج فؤاد الرجل ولم يقولوا: ثلجه كذا، وامتقع لونه ولم يقولوا:
امتقعه كذا. ولهذا نظائر، فرفض الفاعل هنا البتة واعتماد المفعول به البتة دليل على ما قلناه فاعرفه.
وأظننى سمعت: أولعنى به كذا، فإن كان كذلك فما أقله أيضا!.
وهذا كله يدل على شدة عنايتهم بالفضلة. وإنما كانت كذلك لأنها تجلو الجملة، وتجعلها تابعة المعنى لها. ألا ترى أنك إذا قلت: رغبت فى زيد أفيد منه إيثارك له، وعنايتك به، وإذا قلت: رغبت عن زيد، أفيد منه إطراحك له وإعراضك عنه، ورغبت فى الموضعين بلفظ واحد، والمعنى ما تراه من استحالة معنى رغبت إلى معنى زهدت، وهذا الذى دعاهم إلى تقديم الفضلات فى نحو قول الله سبحانه: «ولم يكن له كفرا أحد». وإنما موضع اللام التأخير؛ ولذلك قال سيبويه: إن الجفاة ممن لا يعلم كيف هى فى المصحف يقرؤها: «ولم يكن كفوا له أحد».
فإن قلت: فقد قالوا: زيدا ضربته فنصبوه، وإن كانوا قد أعادوا عليه ضميرا يشغل الفعل بعده عنه حتى أضمروا له فعلا ينصبه، ومع هذا فالرفع فيه أقوى وأعرب، وهذا ضد ما ذكرته من جعلهم إياه ربّ الجملة ومبتدأها فى قولهم: زيد ضربته.
قيل: هذا وإن كان على ما ذكرته فإنه فيه غرضا من موضع آخر، وذلك أنه إذا نصب على ما ذكرت فإنه لا يعدم دليل العناية به، وهو تقديمه فى اللفظ منصوبا، وهذه صورة انتصاب الفضلة مقدّمة لتدل على قوة العناية به، لا سيما والفعل الناصب له لا يظهر أبدا مع تفسيره، فصار كأن هذا الفعل الظاهر هو الذى نصبه، وكذلك يقول الكوفيون أيضا.
فإذا ثبت بهذا كله قوة عنايتهم بالفضلة حتى ألغوا حديث الفاعل معها، وبنوا الفعل
стр. 145
لمفعوله فقالوا: ضرب زيد-حسن. قوله تعالى: «وعلّم آدم الأسماء كلّها»؛ ولما كان الغرض فيه أنه قد عرفها وعلمها، وآنس أيضا علم المخاطبين بأن الله سبحانه هو الذى علّمه إياها بقراءة من قرأ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾. ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾، هذا مع قوله:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾، وقال تبارك اسمه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾.
فقد علم أن الغرض بذلك فى جميعه أن الإنسان مخلوق ومضعوف، وكذلك قولهم:
ضرب زيد إنما الغرض منه أن يعلم أنه منضرب وليس الغرض أن يعلم من الذى ضربه.
فإن أريد ذلك ولم يدل دليل عليه فلا بد أن يذكر الفاعل فيقال: ضرب فلان زيدا، فإن لم يفعل ذلك كلّف علم الغيب.
***
﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾ (٣٣) ومن ذلك قراءة الحسن ﵀: «أنبهم» بوزن أعطهم، وروى عنه: «أنبيهم» بلا همز، وروى عن ابن عامر «أنبئهم» بهمز وكسر الهاء. قال ابن مجاهد: وهذا لا يجوز.
قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن: «أنبهم»، كأعطهم فعلى إبدال الهمزة ياء على أنه يقول: أنبيت كأعطيت، وهذا ضعيف فى اللغة؛ لأنه بدل لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا فى ضرورة الشعر.
стр. 146
وحدثنا أبو على: قال: لقى أبو زيد سيبويه فقال: سمعت العرب تقول: قريت وتوضيت فقال له سيبويه: فكيف تقول فى المضارع؟ قال: أقرأ. هذا آخر الحكاية عن أبى علىّ.
وزاد أبو العباس محمد بن يزيد فيها فقال له سيبويه: فقد تركت إذا مذهبك.
ونحوه قراءة: «أن تبوّيا».
ويجوز على هذه القراءة «أنبهم» على أصل حركة الهاء وهو الضم، كقراءة من قرأ:
«فخسفنا بهو وبدارهو الأرض».
وأما قراءته على الرواية الأخرى: «أنبيهم» فهو على قياس التخفيف الصريح، ولك فى هذه الهاء على هذه القراءة الضم والكسر.
أما الضم فمن وجهين:
أحدهما: وهو الأظهر إخراجها على الأصل فيه.
والآخر: وفيه الصنعة، وهو أن هذه الياء ليست بلازمة، وإنما اجتلبها تخفيف الهمزة، وذلك أن الهمزة إذا سكنت مكسورا ما قبلها فتخفيفها القياسى أن تخلصها فى اللفظ ياء، وذلك قولك فى ذئب: ذيب، وفى بئر: بير، فقوله: «أنبيهم» بياء ساكنة ينبغى أن يكون على التخفيف القياسى، لا على أنه أبدل الهمزة ياء إبدالا مستكرها على حد قولهم فى البدل: قريت كأعطيت، فإنما كان ذلك كذلك من قبل أنه لو أبدل لكان قد أخرج الهمزة على أصلها إلى ذوات الياء، ولو كان فعل ذلك لوجب حذفه كما تحذف لام أعطيت وأغزيت للوقف والجزم، كما حذفها فى القراءة الأخرى لما أبدل فقال:
«أنبهم»، ولو اعتقد أنه قد أبدل البتة لما جاز إثبات الياء فى موضع الوقف، كما لا يجوز أعطيهم ولا أغزيهم إلا أن يحمل ذلك على الضرورة، وإثبات الياء فى موضع الجزم والوقف، كقوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى … بما لاقت لبون بنى زياد
стр. 147
فإن فعل ذلك ففيه على هذا ضرورتان:
إحداهما: الإبدال، ولا ضرورة إليه.
والآخر: إثبات حرف العلة فى موضع الوقف، وذلك ضرورة أفحش من الأولى، لكثرة الإبدال على قبحه، وقلة إثبات حرف اللين فى موضع الوقف. لكن إذا اعتقد أنه خفف لم يكن فى هذه القراءة ضرورة البتة، وفى هذا كاف.
وإذا كان «أنبيهم» إنما هو على التخفيف القياسى، فكأن الهمزة حاضرة لأنها هى الأصل؛ إذ كان التخفيف له أحكام التحقيق. ألا ترى إلى صحة الواو والياء فى تخفيف ضوء وفئ، وذلك قولك: هذا ضو وفى ونو وشى، بضمة الواو والياء مع تحركهما وانفتاح ما قبلهما، وترك قبلهما ألفين لذلك يدل على أن الواو والياء لما تحركتا بحركة الهمزة المحذوفة للتخفيف كانتا لذلك فى حكم الساكنين، فكما تصحان هنا ساكنتين فى ضوء ونوء وفئ وشئ كذلك صحتا متحركتين فى ضو ونو وشى، وعلى ذلك صحت الواو والياء أيضا فى تخفيف نحو جيئل وحوءب إذا خفّفت فقلت: جيل وحوب، فكما تكون الياء مضمومة مع التحقيق فى قوله: «أنبئهم» فكذلك تكون مضمومة مع التخفيف فى قولك: «أنبيهم» لما بيناه من أن حكم الهمزة المخففة حكم المحققة.
وسألت أبا على ﵀ فقلت: من أجرى غير اللازم مجرى اللازم؟ فقال: فى تخفيف الأحمر: لحمر، أيجوز له على هذا أن يقلب الواو والياء فى حوب وجيل ألفا، فيقول: حاب وجال؟ فقال: لا، وأومأ إلى أن حكم القلب أقوى من حكم الاعتداد بالحركة فى لحمر؛ أى: فلا يبلغ فى الجواز ذلك لشناعته، وهو كما ذكر.
وقد يجوز عندى فى قراءة الحسن ﵀ هذه أن يكون أراد «أنبهم»، كقراءته فى الأخرى إلا أنه أشبع الكسرة فأنشأ عنها ياء، فقال: «أنبيهم»، كما قد يجوز ذلك فى قوله: «ألم يأتيك» فإنه أشبع الكسرة فمطها. فبلغت ياء، وعليه الرواية الأخرى التى ذكرها أبو الحسن وهى قوله: ألم يأتك، وعليه أيضا ما وجّه بعضهم قوله:
стр. 148
كأن لم ترا قبلى أسيرا يمانيا …
قال: أراد لم تر، ثم أشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفا.
فإذا جاز ذلك ساغ الضم فى الهاء أيضا على أصل ضمتها.
فإن قلت: فهل يجوز أن تقول: إنه لم يعتدد بالياء لما كانت زائدة مجتلبة للإشباع، فجرت لذلك مجرى ما ليس موجودا، كما أن من مد «أوائل» إتباعا كما ترى، على حد قوله:
نفى الدنانير تنقاد الصياريف …
قال على هذا: أوائيل، أقر الهمزة بحالها بدلا من واو أواول لبعدها من الطرف بالياء الحاجزة؛ لأن هذه الياء لحق ونيّف مجتلبة للإشباع، وليست لها عصمة ولا مسكة، فجرت مجرى المنفردة البتة. كما يهمز فيقول: أوائل فكذلك يهمز فيقول: أوائيل، ولا يحفل بالياء حاجزا لما ذكرنا، ولا يجرى عندى مجرى ياء طواويس ونواويس إذ كانت الياء هناك ثابتة القدم؛ لكونها بدلا من واو ناووس وطاووس الثانية؟.
стр. 149
فالجواب: أنه إن ذهب إلى هذا على ما رمته كسر الهاء أيضا؛ وذلك أن أقصى ما فى هذا: أن تكون الياء فى «أنبيهم» مدة إشباعا لا حكم لها فكأنها ليست هناك وإذا لم تكن هناك كسرة الياء-وهى تدعو إلى كسر الهاء-فعلى أى الوجهين حملته فكسر الهاء هو الكلام.
وأما حديث كسرها من القسمة الأولى-وأنت تنوى بأنبيهم التخفيف القياسى- فهو على معاملة اللفظ؛ وذلك أن الملفوظ به الآن وإن كان تخفيفا إنما هو الياء البتة فعومل لفظها معاملة نحوه ونظيره، فكسرت الهاء مع هذه الياء كما تكسر فى نحو عليهم وإليهم، كما أن قول الله : ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ﴾ أصله لكن أنا، فخففت الهمزة وألقيت حركتها على النون فانفتحت، فصارت فى التقدير: «لكننا»، فلما التقى الحرفان المثلان متحركين كره ذلك، وإن كانت حركة النون الأولى غير لازمة من حيث كانت من أعراض التخفيف، وأجريت مجرى اللازمة، فأسكنت الأولى وأدغمت فى الثانية، حملا على حاضر الحال وإجراء غير اللازم مجرى اللازم.
وقد كتبنا فى الخصائص بابا مفردا فى إجراء العرب غير اللازم مجرى اللازم، وإجراء اللازم مجرى غير اللازم، فاكتفينا به عن إعادته لئلا يطول هذا الكتاب.
نعم، وإذا كانت العرب قد أجرت الحرف الصحيح فى نحو هذا مجرى ما لا يعتد به حتى لم يحفلوا بلفظ نحو قولهم: منهم واضربهم فأن يجروا الياء الساكنة مجرى ذلك لخفائها؛ ولأن لفظها نفسها داع إلى الكسر-أجدر.
وأما الرواية عن ابن عامر: «أنبئهم»، بالهمز وكسر الهاء فطريقه أن هذه الهمزة ساكنة، والساكن ليس بحاجز حصين عندهم، فكأنه لا همزة هناك أصلا، وكأن كسرة الباء على هذا مجاورة للهاء؛ فلذلك كسرت، فكأنه على هذا قال: «أنبهم».
ويدل على ما ذكرناه من ضعف الساكن أن يكون حاجزا حصينا قولهم: قنية وهى وهى من قنوت، وصبية وهى من صبوت، وعلية وهى من علوت، وعذى وهو من قولهم: أرضون عذوات، وبلى سفر لقولهم فى معناه: بلو، وهو من بلوت. ومنه ناقة عليان وهى من علوت، ودبّة مهيار وهو من تهور، وفلان قدية فى هذا الأمر وهو من
стр. 150
القدوة. وأصله كله قنو، وصبوة، وعلوة، وعذو، وبلو سفر، وناقة علوان، ودبة مهوار؛ فقلبت الواو فى ذلك كله للكسرة قبلها، ولم يعتدد الساكن بينهما حاجزا لضعفه، فكأن الكسرة تباشر الواو فتقلبها لذلك ياء، كما تقلبها لو لم تجد بينهما حاجزا.
فكذلك الهمزة فى «أنبئهم» لا تحجز على هذا النحو الذى ذكرناه.
وروينا عن أبى زيد فيما أخذناه عن أبى علىّ، وعن غير أبى زيد: منهم ومنه ومنكم وبكم، أجرى كاف المضمر مجرى هائه، وسترى هذا فيما بعد إن شاء الله.
فقد علمت بذلك أن قول ابن مجاهد: هذا لا يجوز لا وجه له، لما شرحناه من حاله.
ورحم الله أبا بكر، فإنه لم يأل فيما علمه نصحا، ولا يلزمه أن يرى غيره ما لم يره الله تعالى إياه. وسبحان قاسم الأرزاق بين عباده، وإياه نسأل عصمة وتوفيقا وسدادا بفضله.
***
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد «للملائكة اسجدوا».
قال أبو الفتح: هذا ضعيف عندنا جدا؛ وذلك أن «الملائكة» فى موضع جر، فالتاء إذا مكسورة، ويجب أن تسقط ضمة الهمزة من «اسجدوا»، لسقوط الهمزة أصلا إذا كانت وصلا. وهذا إنما يجوز ونحوه إذا كان ما قبل الهمزة حرف ساكن صحيح، نحو قوله : ﴿وَقالَتِ اُخْرُجْ﴾، وادخل ادخل، فضم لالتقاء الساكنين لتخرج من ضمة إلى ضمة، كما كنت تخرج منها إليها فى قولك: اخرج. فأما ما قبل همزته هذه متحرك- ولا سيما حركة إعراب-فلا وجه لأن تحذف حركته ويحرك بالضم. ألا تراك لا تقول:
قل للرجل ادخل، ولا: قل للمرأة ادخلى؛ لأن حركة الإعراب لا تستهلك لحركة الإتباع إلا على لغية ضعيفة، وهى قراءة بعض البادية: «الحمد لله» بكسر الدال. ونحو منه ما حكاه لى أبو علىّ: أن أبا عبيدة حكاه من قول بعضهم: دعه فى حرمّه فحذف
стр. 151
كسرة راء «حر»، وألقى عليها ضمة همزة أمه، وهذا عندنا على شذوذه أعذر من قوله:
«للملائكة اسجدوا»، وذلك أنه خفف همزة تثبت فى الوصل وهو قولك: فى هن أمه، فإذا كانت تثبت فى الوصل جاز تخفيفها فيه، بل لا يكون التخفيف بإلقاء الهمزة ونقل الحركة إلا فى الوصل، وليس فيه إلا شئ واحد، وهو حذفه حركة الإعراب لحركة غير ملازمة، وإنما هى للهمزة.
وأما قوله: «للملائكة اسجدوا» فإن همزة اسجدوا يحذفها فى الوصل البتة، وإذا كانت محذوفة البتة لم يكن إلى تخفيفها سبيل؛ لأن الوصل يستهلكها أصلا. فحركة ماذا- يا ليت شعرى! -تنقل وقد حذف المتحرك بحركته أصلا فلم يبق إلا الإتباع، وحركة الإتباع لا تبلغ مبلغ حركة تخفيف الهمز، من حيث كانت حركة الهمزة موجودة فيها فى الابتداء والوصل جميعا، فعلمت بذلك قوتها، وحركة الإتباع تجرى مجرى الصدى الذى لا اعتداد به، ولا هو عندهم مما يعقد على مثله، فإذا ضعفت الحركة القوية فما ظنك بالحركة الضعيفة؟.
ونحو من هذه الحكاية عن أبى عبيدة: ما رواه أحمد بن يحيى: قال: كنا عند سعيد ابن سلم أنا وابن الأعرابى فخرجا لصلاة العصر، وتأخّرت لتجديد الطّهر بعدهما، فلما خرجت قال لى ابن الأعرابى: أين أنت؟ ألا تسمع لهذا؟ قلت: ما هو؟ وإذا أبو سرّار الغنو يتحدث، قال: كنت أحضر العراق فإذا أردت أهلى وقد اشتريت منها وتبتّتّ أجتاز بامرأة عجوز لها بنّيات، فإذا نزلت عليها بهشن إلى وأطفن بى، فأفرز لهن مما اشتريت شيئا أدفعه إليهن، فغبرت زمانا، ثم جئت العجوز فوجدتها غائبة عن بيتها، وإذا أولئك الجوارى قد صرن نساء، فبهشن إلى على عادتهن، وجاءت العجوز فوجدتنى خاليا معهن، فقالت: ما هذا؟ أفى السّوتنتنّه؟، أفى السّوتنتنّه؟، فقلت: وما فى هذا؟ أرادت: أفى السوءة أنتنه، فحذفت الهمزة من السوءة تخفيفا، وألقت حركتها على الواو فانفتحت الواو، وألقت حركة الهمزة فى أنتنه على كسرة التاء من السوءة فانفتحت، وحذفت همزة أنتنه فصارت: أفى السّوتنتنه.
هكذا قال أحمد بن يحيى على كسرة التاء، وله وجه إلا أنّه مع هذا ضعيف؛ وذلك أن هذه الهمزة إذا خففت فحذفت، وألقيت حركتها على ما قبلها-لم يكن ذلك الذى قبلها إلا ساكنا نحو قوله تعالى: فى قراءة ورش عن نافع- «قد افلح المؤمنون» «والأرض». وحكى أبو زيد فى خبأة: أنه سمع بعضهم يقرأ «ويمسك السّماء أن تقع»
стр. 152
علّرض» يريد على الأرض، فحذفت همزة أرض تخفيفا، وألقى حركتها على اللام وهى ساكنة كما ترى، فصارت عللرض، فكره اجتماع اللامين متحركتين، فأسكن اللام الأولى وأدغمها فى الثانية فصارت «علّرض»، كما أسكن أبو عمرو: «لكن نا» حتى صار لذلك «لكنّا». فهذا التخفيف مع النقل إنما يكون إذا كان الأول الملقى عليه ساكنا، فأما إذا كان متحركا فقد حمته حركته أن يقبل حركة أخرى غيرها.
والتّاء من السوءة محركة، فكيف يمكن إلقاء الحركة عليها مع وجود حركتها فيها؟ وعليه قراءة الكسائى فيما حدثنا به أبو على سنة إحدى وأربعين: «بما أنزلّيك» قياسا- فيما قال أبو علىّ-على لكنّا.
قال أبو على، ما نحن عليه ونعى هذه القراءة، وقال لحركة لام أنزل: فإذا قبح ذلك مع أن حركة اللام بناء فما الظن بما حركته إعراب، وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء، فالجناية إذا عليها فوقها عليها.
وقول أحمد بن يحيى إنه ألقى فتحة أنتنه على كسرة الهاء-طريقه: أنه لما نقل فتحة همزة أنتن إلى ما قبلها صادفت كسرة السوءة على شناعة النقل مع ذلك، فهجمت الفتحة على الكسرة فابتزّتها موضعها، وكلا القولين خبيث وضعيف. وعلى أننا قد أفردنا فى كتاب الخصائص بابا لهجوم الحركات على الحركات، مختلفات كن أو متفقات، لكنه ليس على هذا الذى كرهناه واستضعفناه.
فهذا كله يشهد بضعف قوله: «قلنا للملائكة اسجدوا». وفيه أكثر من هذا، ولولا تحامى الإملال لجئنا به، وفيما أوردناه كاف مما حذفناه.
***
﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣٥) ومن ذلك قال عباس: سألت أبا عمرو عن «الشّجرة» فكرهها، وقال: يقرأ بها برابر مكة وسودانها.
стр. 153
وقال هارون الأعور عن بعض العرب: تقول الشّجرة. وقال ابن أبى إسحاق: لغة بنى سليم الشّجرة.
قال أبو الفتح: حكى أبو الفضل الرياشى: قال: كنا عند أبى زيد وعندنا أعرابى فقلت له: إنه يقول الشّيرة، فسأله فقالها، فقلت له: سله عن تصغيرها فسأله فقال: شييرة.
وأنشد الأصمعى لبعض الرجاز فى أرجوزة طويلة:
تحسبه بين الإكام شيرة
وإذا كانت الياء فاشية فى هذا الحرف كما ترى فيجب أن تجعل أصلا يساوق الجيم، ولا تجعل بدلا من الجيم كما تجعل الجيم بدلا من الياء فى قولهم: رجل فقيمج أى فقيمى، وعربانج أى عربانى، وقوله:
حتى إذا ما أمسجت وأمسجا
يريد أمست وأمسى. قال أبو على: هذا يدلك على أن ما حذف لالتقاء الساكنين فى حكم الحاضر الملفوظ به. قال: ألا ترى أنه أبدل من لام أمسيت بعد أن قدرها ملفوظا بها، ولو كان الحذف ثابتا هنا لما جاز أن يبدل من اللام شئ؛ لأن البدل إنما هو من ملفوظ به كما أن البدل ملفوظ به.
قال: وليست كذلك لام عشيّة إذا حقرتها فقلت: عشيّة؛ لأن الياء الثانية من عشيية لم تحذف لالتقاء الساكنين لأنه لا ساكنين هناك، وإنما حذفت حذفا للتخفيف، فلذلك سقط قول أبى العباس فى تحقير العرب عشيّة على عشيشية؛ لأن الياء لم تثبت هنا فتبدل منها.
وقال أبو الحسن: إن قوما يقولون فى تحقير نحو فعيلة من الياء: إن المحذوف منها الياء الثانية، فعلى هذا قال أبو على ما قال.
стр. 154
ومما أبدلت فيه الجيم من الياء قوله، ورويناه من غير وجه:
خالى عويف وأبو علجّ … المطعمان اللحم بالعشجّ
وبالغداة فلق البرنجّ … يقلع بالودّ وبالصّيصجّ
وروينا أيضا قوله:
يا ربّ إن كنت قبلت حشجّتج … فلا يزال شاحج يأتيك بج
وقال أبو النجم:
كأن فى أذنابهن الشّوّل … من عبس الصيف قرون الإجّل
يريد: الإيّل.
فقد يجوز أن تكون الجيم فى شجرة بدلا من الياء فى شيرة لفشو شيرة، وقلة شجرة.
***
﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ (٣٨) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وأبى الطفيل، وعبد الله بن أبى إسحاق، وعاصم الجحدرى، وعيسى بن عمر الثقفى: «هدىّ».
стр. 155
قال أبو الفتح: هذه لغة فاشية فى هذيل وغيرهم؛ أن يقلبوا الألف من آخر المقصور إذا أضيف إلى ياء المتكلم ياء. قال الهذلى:
سبقوا هوىّ وأعنقوا لهواهم … فتخرّموا ولكل جنب مصرع
وروينا عن قطرب قول الشاعر:
يطوف بى عكب فى معدّ … ويطعن بالصملّة فى قفيّا
فإن لم تثأرا لى من عكبّ … فلا أرويتما أبدا صديّا
قال لى أبو على: وجه قلب هذه الألف لوقوع ياء ضمير المتكلم بعدها-أنه موضع ينكسر فيه الصحيح، نحو: هذا غلامى، ورأيت صاحبى؛ فلما لم يتمكنوا من كسر الألف قلبوها ياء، فقالوا: هذه عصى، وهذا فتىّ، أى: عصاى وفتاى، وشبهوا ذلك بقولك: مررت بالزّيدين، لما لم يتمكنوا من كسر الألف للجر قلبوها ياء، ولا يجوز على هذا أن تقلب ألف التثنية لهذه الياء، فتقول هذان غلامىّ؛ لما فيه من زوال علم الرفع، ولو كانت ألف عصا ونحوها علما للرفع لم يجز فيها عصىّ.
ومنهم من يبدل هذه الألفات فى الوقف ياءات، فيقول: هذه عصى، ورأيت حبلى، وهذه رجى، أى الناحية؛ يريد رجا.
ومنهم من يبدلها فى الوقف أيضا واوا فيقول: هذه عصو وأفعو وحبلو. ومنهم من يبدلها فى الوصل واوا أيضا، فيقول: هذه حبلو يا فتى.
ومن البدل فى الوقف ياء ما أنشده بعض أصحابنا، وهو محمد بن حبيب:
стр. 156
إن لطىّ نسوة تحت الفضى … يمنعهن الله ممن قد طغى
بالمشرفيّات وطعن بالقنى … يا حبذا جفانك ابن قحطبى
وحبذا قدورك المنصّبى … كأن صوت غليها إذا غلى
صوت جمال هدرى فقبقبى …
أراد: ابن قحطبة، فإما أن يكون حذف الهاء للترخيم فى غير النداء فبقيت الباء مفتوحة فأشبع الفتحة للقافية فصارت قحطبا، ثم أبدل الألف ياء على ما مضى؛ وإما أن يكون أبدل الهاء ألفا، فصارت قحطبة إلى قحطبا ثم أبدل الألف ياء على ما مضى.
وعلى ذلك يجوز أيضا أن يكون قوله.
كفعل الهرّ يحترش العظايا …
أراد: العظاية، ثم أبدل الهاء ألفا، فصار العظايا.
وإن شئت قلت: شبه ألف النصب بهاء التأنيث فقال: العظايا، كما تقول العظاية، وهذا قول أبى عثمان.
وفيه قول لى ثالث، وهو أن يكون العظايا جمع عظاية على التكسير، كما تقول فى حمامة حمائم؛ فعظايا على هذا كمطايا وحوايا جمع حويّة.
وأما قوله: المنصّبى فأراد المنصبّة، فأبدل الهاء ألفا، ثم أبدل الألف ياء على ما مضى،
стр. 157
ولا يجوز أن يكون أراد هنا الترخيم؛ لأن فيه لام التعريف، وما فيه هذه اللام فلا يجوز نداؤه أصلا، فهو من الترخيم أبعد. وهذا يفسد قول من قال فى قول العجاج:
أوالفا مكة من ورق الحمى …
إنه أراد الحمام ثم رخم؛ لأن ما فيه لام التعريف لا ينادى أصلا فكيف يرخم؟ وأما قوله: هدرى فإنه أراد هدر ثم أشبع الفتحة على حد قوله:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة …
فصار هدرا ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فقال: هدرى.
стр. 158
وكذلك قوله: قبقبى أراد قبقب، ثم أشبع فصار قبقبا، وعلى هذا التخريج يسقط قول سيبويه عن يونس فى قوله محتجا عليه بقول الشاعر:
دعوت لما نابنى مسورا … فلبّى فلبّى يدى مسور
قال سيبويه: لو كان لبيك اسما واحدا كما يقول يونس، وإنما قلب فى لبيك لاتصاله بالمضمر كما يقلب فى إليك وعليك-لما قال فلبّى يدى مسور، ولقال فلبّى يدى مسور على حد قولك: على يدى فلان، وإلى يدى جعفر، فثبات الياء مع المظهر يدلك على أنه لم يقلب فى لبيك على حد ما قلب فى إليك وعليك، وفى ذلك رد لقول يونس: إن لبيك مفرد كإليك وعليك.
قال أبو علىّ: يمكن يونس أن يقول: إنه أجرى الوصل مجرى الوقف، فكما تقول فى الوقف: عصى وفتى كذلك قال: فلبّى، ثم وصل على ذلك، هذا ما قاله أبو على.
وعليه أن يقال: كيف يحسن تقدير الوقف على المضاف دون المضاف إليه؟.
وجوابه: أن ذلك قد جاء؛ ألا ترى إلى ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
ضخم نجارى طيّب عنصرّى …
أراد عنصرى فثقّل الراء لنية الوقف، ثم أطلق بالإضافة من بعد.
نعم، وإذا جاز هذا التوهم مع أن المضاف إليه مضمر، والمضمر المجرور لا يجوز تصور انفصاله فأن يجوز ذلك مع المظهر الذى هو «يدى» أولى وأجدر، من حيث كان المظهر أقوى من المضمر.
ومثله قوله:
يا ليتها قد خرجت من فمّه …
أراد من فمه، ثم نوى الوقف على الميم فثقلها على حد قوله فى الوقف: هذا خالدّ، وهو يجعلّ، ثم أضاف على ذلك فهذا كقولهم: عنصرى.
стр. 159
ويروى من فمّه: بضم الفاء أيضا، وفيه أكثر من هذا.
***
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (٤٠) ومن ذلك قراءة الحسن والزهرى وابن أبى إسحاق، وعيسى الثقفى والأعمش «إسراييل» بلا همز.
قال أبو الفتح: إن لم يكن ذلك همزا مخففا فخفى بتخفيفه فعبّر عنه بترك الهمز، فذلك من تخليط العرب فى الاسم الأعجمى.
قال أبو على: العرب إذا نطقت بالأعجمى خلّطت فيه، أنشدنا:
هل تعرف الدار لأم الخزرج … منها فظلت اليوم كالمزرّج
قال: وقياسه كالمزرجن؛ لأنه من الزّرجون وهو الخمر، والنون فى زرجون ينبغى أن يكون أصلا بمنزلة السين من قربوس.
وأنشدنا لرؤبة:
فى خدر ميّاس الدّمى المعرجن
فهذا من العرجون، وكذا كان قياسه أن يقول: المزرجن. وإذا جاز للعرب أن تخلّط فى العربى وهو من لغتها، فكيف يكون-ليت شعرى-فيما ليس من لغتها؟.
ومما خلطت فيه من لغتها قول لبيد
درس المنا بمتالع فأبان …
стр. 160
يريد المنازل. وقال علقمة:
مفدّم بسبا الكتّان ملثوم
أراد بسبائب. وهو كثير، ونكره الاستكثار من الشواهد والنظائر؛ تحاميا لطول الكتاب.
*** ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ (٤٠) ومن ذلك قراءة الزهرى: «وأوفوا بعهدى أوفّ بعهدكم» مشددة.
قال أبو الفتح: ينبغى-والله أعلم-أن يكون قرأ بذلك لأن فعّلت أبلغ من أفعلت؛ فيكون على أوفوا بعهدى أبالغ فى توفيتكم؛ كأنه ضمان منه سبحانه أن يعطى الكثير عن القليل، فيكون ذلك كقوله سبحانه: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾، وهو كثير.
***
﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ (٤٩) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «يذبحون أبناءكم».
قال أبو الفتح: وجه ذلك أن فعلت بالتخفيف قد يكون فيه معنى التكثير؛ وذلك لدلالة الفعل على مصدره، والمصدر اسم الجنس، وحسبك بالجنس سعة وعموما؛ ألا ترى إلى قول عبد الرحمن بن حسان:
стр. 161
وكنت أذلّ من وتد بقاع … يشجّج رأسه بالفهرواجى
ولم يقل موجّئ، فكأنه قال: يشجّج رأسه بالفهر شاج؛ لأن واجئ فاعل كشاج.
وأنشد أبو الحسن:
أنت الفداء لقبلة هدّمتها … ونقرتها بيديك كلّ منقّر
كأنه قال: ونقرتها: لأن قوله: كل منقّر عليه جاء. وبعده قوله:
فطار كلّ مطيّر
فهذا على أنه كأنه قال: فطيّر كلّ مطيّر، ولما فى الفعل من معنى المصدر الدال على الجنس ما لم يجز تثنيته ولا جمعه؛ لاستحالة كل واحد من التثنية والجمع فى الجنس.
فأما التثنية والجمع فى نحو قولك: قمت قيامين، وانطلقت انطلاقين، وعند القوم أفهام، وعليهم أشغال. فلم يثن شئ من ذلك، ولا يجمع ولم يرد وهو مراد به الجنس؛ لكن المراد به النوع. وقد شرحنا ذلك فى غير موضع من كتبنا، وما خرج من التعليق عنا.
***
﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ (٥٠) ومن ذلك قراءة الزهرى أيضا: «وإذ فرّقنا بكم البحر»، مشددة.
قال أبو الفتح: معنى فرّقنا أى جعلناه فرقا، ومعنى فرقنا: شققنا بكم البحر، وفرّقنا أشد تبعيضا من فرقنا، وقوله تعالى: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. يحتمل أن يكون فرقين، ويحتمل أن يكون أفراقا؛ ألا ترى أنك تقول: قسمت الثوب قسمين، فكان كل قسم واحد منهما عشرين ذراعا، كما تقول ذلك وهو جماعة أقسام.
ومن ذلك فرقت شعره أى: جعلته فرقين، وفرّقت شعره أى: جعلته فرقا. وجاز هنا لفظ الجمع؛ لأن كل رجل منهم قد خرق من البحر وفرق خرقا وفرقا.
стр. 162
وقد يكون أيضا فى فرقنا مخففة معنى فرّقنا مشددة على ما مضى آنفا فى: «يذبحون أبناءكم».
***
﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥٤) ومن ذلك قال ابن مجاهد: حدثنى عبد الله بن محمد قال: حدثنا خالد بن مرداس قال: حدثنا الحكم بن عمر الرعينى قال: أرسلنى خالد بن عبد الله القسرى إلى قتادة أسأله عن حروف من القرآن، منها قوله: «فاقتلوا أنفسكم»، فقال قتادة: «فاقتالوا أنفسكم» من الاستقالة.
قال أبو الفتح: اقتال هذه افتعل، ويصلح أن يكون عينها واوا كاقتاد، وأن يكون ياء كاقتاس. وقول قتادة: إنها من الاستقالة-يقتضى أن يكون عينها ياء؛ لما حكاه أصحابنا عموما: من قلت الرجل فى البيع بمعنى أقلته، وليس فى قلت دليل على أنه من الياء، لقولهم: خفت ونمت وهما من الخوف والنوم، لكنه فى قولهم فى مضارعه: أقيله.
وليس يحسن أن يحمله على مذهب الخليل فى طحت أطيح وتهت أتيه: أنهما فعلت أفعل من الواو؛ لقلة ذلك. وعلى أن أبا زيد قد حكى: ماهت الركيّة تميه، ودامت السماء تديم؛ لقلة ماهت تميه؛ ولأن أبا زيد قد حكى فى دامت تديم المصدر وهو ديما- فقد يكون هذا على أن أصل عينه ياء.
وحدثنى أبو علىّ بحلب سنة ست وأربعين قال: قال بعضهم: إنّ قلت الرجل فى البيع ونحوه إنما هو من: قلت له افسخ هذا العقد، وقال لى: قد فعلت، فهى عند من ذهب إلى ذلك من الواو.
قال أبو على: ويفسد هذا ما حكوه فى مضارعه من قولهم: أقيله؛ فهذا دليل الياء.
قال: ولا ينبغى أن يحمل على أنه فعل يفعل من الواو-يريد مذهب الخليل-لقلة ذلك.
قال: لكنه من قولهم: تقيّل فلان أباه: إذا رجعت إليه أشباه منه. فمعنى أقلته على هذا: أنى رجعت له عما كنت عقدته معه، ورجع هو أيضا؛ فقد ثبت بذلك أن عين
стр. 163
استقال من الياء. ولا يعرف فى اللغة افتعلت من هذا اللفظ فى هذا المعنى ولا غيره، وإنما هو استفعلت استقلت.
وقد يجوز أن يكون: قتادة عرف هذا الحرف على هذا المثال، وعلى أنه لو كان بمعنى استقلت لوجب أن يستعمل باللام، فيقال: استقلت لنفسى أو على نفسى، كما يقال:
استعطفت فلانا لنفسى وعلى نفسى، وليس معناه أن يسأل نفسه أن تقيله. وإنما يريد:
أنه يسأل ربه أن يعفو عن نفسه. وكان له حرّى-لو كان على ذاك-أن يقال: فاقتالوا لأنفسكم؛ أى: استقيلوا لها، واستصفحوا عنها.
فأما اقتال متعديا فإنما هو فى معنى ما يجتره الإنسان لنفسه من خير أو شر ويقترحه، وهو من القول. قال:
بما اقتال من حكم علىّ طبيب …
أى: بما أراده واقترحه واستامه، وليس معنى هذا معنى الآية، بل هو بضده؛ لأنه بمعنى استلينوا واستعطفوا. هذا ما يحضره طريق اللغة، ومذهب التصريف والصنعة. إلا أن قتادة ينبغى أن يحسن الظنّ به؛ فيقال: إنه لم يورد ذلك إلا بحجة عنده فيه من رواية أو دراية.
***
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ (٥٥) ومن ذلك قراءة سهل بن شعيب النّهمى: «جهرة» «وزهرة»، كل شئ فى القرآن محرّكا.
قال أبو الفتح: مذهب أصحابنا فى كل شئ من هذا النحو مما فيه حرف حلقى ساكن بعد حرف مفتوح: أنه لا يحرك إلا على أنه لغة فيه، كالزّهرة والزهرة، والنّهر والنهر، والشّعر والشعر، فهذه لغات عندهم كالنشز والنشز، والحلب والحلب، والطّرد والطرد.
стр. 164
ومذهب الكوفيين فيه أنه يحرك الثانى لكونه حرفا حلقيا، فيجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه؛ كالبحر والبحر والصّخر والصخر.
وما أرى القول من بعد إلا معهم، والحقّ فيه إلا فى أيديهم. وذلك أننى سمعت عامة عقيل تقول ذاك ولا تقف فيه سائغا غير مستكره، حتى لسمعت الشجرى يقول: أنا محموم بفتح الحاء، وليس أحد يدعى أن فى الكلام مفعول بفتح الفاء.
وسمعته مرة أخرى يقول: وقد قال له الطبيب: مصّ التفاح وارم بثفله-والله لقد كنت أبغى مصه وعليته تغذو بفتح الغين، ولا أحد يدعى أن فى الكلام يفعل، بفتح الفاء.
وسمعت جماعة منهم-وقد قيل لهم: قد أقيمت لكم أنزالكم من الخبز-قالوا:
فاللحم، يريدون اللحم، بفتح الحاء.
وسمعت بعضهم وهو يقول فى كلامه: ساروا نحوه بفتح الحاء، ولو كانت الحاء مبنية على الفتح أصلا لما صحت اللام لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ ألا تراك لا تقول:
هذه عصو ولا فتو؟ ولعمرى إنه هو الأصل لكن أصل مرفوض؛ للعلة التى ذكرنا، فعلى هذا يكون جهرة وزهرة-إن شئت-مبنيا فى الأصل على فعلة، وإن شئت كان إتباعا على ما شرحنا الآن.
***
﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ (٦٠) ومن ذلك قراءة الأعمش: «اثنتا عشرة»، بفتح الشين.
قال أبو الفتح: القراءة فى ذلك «عشرة» و «عشرة»، فأما «عشرة» فشاذ، وهى قراءة الأعمش. وعلى الجملة فينبغى أن يعلم أن ألفاظ العدد قد كثر فيها الانحرافات والتخليطات، ونقضت فى كثير منها العادات، وذلك أن لغة أهل الحجاز فى غير العدد نظير عشرة: عشرة، وأهل الحجاز يكسرون الثانى، وبنو تميم يسكنونه. فيقول الحجازيون: نبقة وفخذ، وبنو تميم تقول: نبقه وفخذ، فلما ركب الاسمان استحال
стр. 165
الوضع فقال بنو تميم: إحدى عشرة وثنتا عشرة إلى تسع عشرة، بكسر الشين وقال أهل الحجاز: عشرة بسكونها. ومنه قولهم فى الواحد: واحد وأحد، فلما صاروا إلى العدد قالوا: إحدى عشرة، فبنوه على فعلى، ومنه قولهم: عشر وعشرة، فلما صاغوا منه اسما للعدد بمنزلة ثلاثون وأربعون قالوا: عشرون، فكسروا أوله. ومنه قولهم: ثلاثون وأربعون إلى التسعون، فجمعوا فيه بين لفظين ضدين، أحدهما يختص بالتذكير والآخر بالتأنيث، أما المختص بالتذكير فهو الواو والنون، وأما المختص بالتأنيث فهو قولهم:
ثلاث وأربع وتسع فى صدر ثلاثون وأربعون وتسعون. وكل واحد من ثلاث وأربع وخمس وست إلى تسع هكذا بغير هاء مختص بالتأنيث. ولما جمعوا فى هذه الأعداد- من عشرين إلى تسعين-بين لفظى التذكير والتأنيث صلحت لهما جميعا، فقيل: ثلاثون رجلا، وثلاثون امرأة، وخمسون جارية وخمسون غلاما، وكذلك إلى التسعين.
ومنه: أيضا اختصارهم من ثلاثمائة إلى تسعمائة على أن أضافوه إلى الواحد، ولم يقولوا: ثلاث مئين، ولا أربع مئات إلا مستكرها وشاذا. فكما ساغ هذا وغيره فى أسماء العدد قالوا أيضا: «اثنتا عشرة» فى قراءة الأعمش هذه، وينبغى أن يكون قد روى ذلك رواية، ولم يره رأيا لنفسه.
وعلى ذلك ما يروى: من أن أبا عمرو حضر عند الأعمش فروى الأعمش: أن النبى ﷺ كان يتخولنا بالموعظة. فقال أبو عمرو: إنما هو يتخوننا بالنون، فأقام الأعمش على اللام، فقال له أبو عمرو: إن شئت أعلمتك أن الله لم يعلمك من هذا الشأن حرفا فعلت، فسأل عنه الأعمش، فلما عرف أبا عمرو كبر عنده وأصغى إليه، وعلى أن هذا الذى أنكره أبو عمرو صحيح عندنا؛ وذلك أن معنى يتخولنا: يتعهدنا، فهو من قوله:
يساقط عنه روقه ضارياتها … سقاط حديد القين أخول أخولا
أى شيئا بعد شئ، ومنه قولهم: فلان يخول على أهله: أى يتفقّدهم، ويتعهّد أحوالهم. ومنه قولهم: خال مال، وخائل مال: إذا كان حسن الرّعية والتفقد للمال.
والتركيب مما تغير فيه أوضاع الكلم عن حالها فى موضع الإفراد، من ذلك حكاية أبى عمرو الشيبانى من قول بعضهم فى حضرموت: حضرموت بضم الميم، ليصير على وزن المفردات نحو عضر فوط ويستعور.
стр. 166
ومن تحريف ألفاظ العدد ما أنشده أبو زيد فى نوادره:
علام قتل مسلم تعمّدا … مذ سنة وخمسون عددا
بكسر الميم من خمسون، وعذره وعلته عندى أنه احتاج إلى حركة الميم لإقامة الوزن، فلم ير أن يفتحها فيقول: خمسون؛ لأنه كان يكون بين أمرين: إما أن يظنّ أنه كان الأصل فتحها ثم أسكنت، وهذا غير مألوف؛ لأن المفتوح لا يسكن لخفة الفتحة.
وإما أن يقال: إن الأصل السكون فاضطر ففتحها، وهذا ضرورة إنما جاء فى الشعر، نحو قوله:
مشتبه الأعلام لمّاع الخفق …
أى الخفق. ومنه قول زهير:
ثم استمروا وقالوا إن مشربكم … ماء بشرقىّ سلمى فيد أو ركك
قال أبو عثمان: قال الأصمعى: سألت أعرابيا-ونحن فى الموضع الذى ذكره زهير- يعنى هذا البيت؛ فقلت له: هل تعرف رككا؟ فقال: قد كان هاهنا ماء يسمى ركّا.
стр. 167
قال الأصمعى: فعلمت أن زهيرا احتاج إليه فحركه، فعدل عن الفتح؛ لئلا يعرف بأثر الضرورة فعدله إلى موضع آخر فكسر الميم، فكأنه راجع بذلك أصلا حتى كأنه كان خمسون ثم أسكن تخفيفا، فلما اضطر إلى الحركة كسر، فكان بذلك كمراجع أصلا لا مستكرها على أن يرى مضطرا.
وأنّسه أيضا بذلك: ما جاء عنهم من قولهم: إحدى عشرة وعشرة، فصار خمس من خمسون بمنزلة عشرة، وصار خمسون بمنزلة عشر.
***
﴿مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة يحيى بن وثاب والأشهب: «وقثّائها».
قال أبو الفتح: الضم فى القثّاء حسن الطريقة، وذلك أنه من النوابت، وقد كثر عنهم فى هذه النوابت الفعّال كالزّبّاد والقلاّم والعلاّم والثّفاء. ومن هاهنا كان أبو الحسن يقول فى رمان: إنه فعّال؛ لأنه من النبات وقد كثر فيه الفعال على ما مضى.
وأما قياس مذهب سيبويه: فأن يكون فعلان، بزيادة النون؛ لغلبة زيادة النون فى هذه المواضع بعد الألف.
وله أيضا وجه من القياس: أنه من معنى رممت الشئ: إذا جمعت أجزاءه، وهذه حال الرمان، وقد جاء بهذا الموضع نفسه بعض المولدين فقال:
ما يحسن الرّمان يجمع نفسه … فى قشره إلاّ كما نحن
ويدل على أنه من معنى الاجتماع والتضام: تسميتهم لرمّان البرّ: المظّ، وذلك لقوة اجتماعه، واتصال أجزائه، فهو من معنى المماظّة المعازّة، وهو إلى الشدة. ويدل على صحة مذهب سيبويه فى أن الألف والنون إذا جاءتا بعد المضاعف كانتا بحالهما وهما بعد غير المضاعف-ما ورد فى الخبر عن النبى ﷺ : أن قوما وردوا عليه فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: بنو غيّان، فقال ﵇: «بل أنتم بنو رشدان». أفلا تراه كيف اشتق الاسم من الغىّ والغواية حتى حكم بزيادة النون؛ لأنه قابله بضده وهو قوله: «رشدان»،
стр. 168
وترك أن يشتقه من الغين، وهو إلباس الغيم؟ ألا ترى إلى قوله:
كأنى بين خافيتى عقاب … أصاب حمامة فى يوم غين
فصار «غيّان» عنده مع التضعيف الذى فيه بمنزلة ما لا تضعيف فيه من نحو مرجان وسعدان، فكما يحكم بزيادة النون فى مثل هذا من غير التضعيف، كذلك حكم بزيادتها مع التضعيف.
*** ﴿وَفُومِها وَعَدَسِها﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عباس: «وثومها»، بالثاء.
قال أبو الفتح: يقال: الثّوم والفوم بمعنى واحد؛ كقولهم: جدث وجدف، وقام زيد ثم عمرو، ويقال أيضا فمّ عمرو. فالفاء بدل فيهما جميعا، ألا ترى إلى سعة تصرف الثاء فى جدث؛ لقولهم أجداث ولم يقولوا أجداف، وإلى كثرة ثمّ وقلة فمّ؟ ويقال: الفوم:
الحنطة قال:
قد كنت أحسبنى كأغنى واجد … ورد المدينة عن زراعة فوم
أى حنطة.
***
стр. 169
﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة زهير الفرقبى: «الذى هو أدنأ»، بالهمز.
قال أبو الفتح: أخبرنا أبو على عن أبى الحسن علىّ بن سليمان عن أبى العباس محمد ابن يزيد عن الرياشى عن أبى زيد قال: تقول: دنؤ الرجل يدنؤ دناءة، وقد دنأ يدنأ إذا:
كان دنيئا لا خير فيه، غير أن القراءة بترك الهمز: «أدنى». وينبغى أن يكون من دنا يدنو، أى: قريب.
ومنه قولهم فى المعنى: هذا شئ مقارب، للشئ ليس بفاخر ولا موصوف فى معناه. ومن هذه المادة قولهم: هذا شئ دون؛ أى: ليس بذاك، وقولهم: هذا دونك، فينتصب هذا على الظرف، أى هو فى المحل الأقرب. وينبغى أن يكون «دون» من قولك: هذا رجل دون-وصفا على فعل كحلو ومر، ورجل جدّ، أى: ذى جدّ.
وقد يجوز أن يكون فى الأصل ظرفا ثم وصف به، ويؤنّس هذا المذهب الثانى أنّا لا نعرف فعلا تصرف من هذا اللفظ كدان يدون ولا نحوه، ولو كان فى الأصل وصفا لكان حرى أن يستعملوا منه فعلا، كقولهم: قد حلا يحلو، ومر يمرّ وأمرّ يمرّ، وقد جددت يا رجل. قال الكميت:
وجدت الناس غير ابنى نزار … ولم أذممهم شرطا ودونا
*** ﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: «ما سألتم»، بكسر السين.
قال أبو الفتح: فيه نظر، وذلك أن هذه الكسرة إنما تكون فى أول ما عينه معتلة كبعت وخفت، أو فى أول فعل إذا كانت عينه معتلة أيضا كقيل وبيع وحلّ وبلّ؛ أى:
حلّ وبلّ، وصعق الرجل نحوه. إلا أنه لا تكسر الفاء فى هذا الباب إلا والعين ساكنة أو مكسورة كنعم وبئس وصعق، فأما أن تكسر الفاء والعين مفتوحة فى الفعل فلا.
стр. 170
فإذا كان كذلك فقراءتهما «سألتم» مكسورة السين مهموزة غريب. والصنعة فى ذلك: أن فى سأل لغتين: سلت تسال كخفت تخاف، وسألت تسأل كسبحت تسبح.
فإذا أسندت الفعل إلى نفسك قلت على لغة الواو: سلت كخفت، وهى من الواو؛ لما حكاه أصحابنا من قولهم: هما يتساولان.
ومن همز قال: سألت. فأما قراءته: «سألتم» فعلى أنه كسر الفاء على قول من قال:
«سلتم» كخفتم، ثم تنبه بعد ذلك للهمزة، فهمز العين بعدما سبق الكسر فى الفاء فقال «سألتم»، فصار ذلك من تركيب اللغة.
ومثله ما رويناه عن أبى بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى من قول بلال بن جرير:
إذا جئتم أو سآيلتهم … وجدت بهم علّة حاضره
وذلك أنه أراد فاعلتهم ساءلتهم.
ومن العادة أيضا أن تقلب الهمزة فى هذا الثانى، فيقال: سايلت زيدا، ثم إنه أراد الجمع بين العوض والمعوض منه فلم يمكنه أن يجمع بينهما فى موضع واحد كالعرف فى ذلك؛ لأنه لا يكون حرفان واقعين فى موضع واحد عينين كانا أو غيرهما، فأجاءه الوزن إلى تقديم الهمزة التى هى العين قبل ألف فاعلت، ثم جاء بالياء التى هى بدل منها بعدها فصار: سآيلتهم.
فإن قيل فما مثال: سآيلتهم؟.
قلت: هو فعاعلتهم؛ وذلك لأن الياء بدل من الهمزة التى هى عين والبدل من الشئ يوزن بميزانه، ألا ترى أن من اعتقد فى ياء أينق أنها عين أبدلت قال هى أعفل؛ لأن الياء بدل من الواو التى هى عين نوق، فالياء إذا عين فى موضع العين، كما كانت الواو لو ظهرت فى موضع العين. كما أن ياء ريح وعيد فى المثال عين فعل، كما كانت الواو التى الياء بدل منها عين فعل فى روح وعود، وهذا واضح.
وكذلك قوله أيضا: «سألتم» بكسر الفاء على حد كسرها فى سلتم، ثم استذكر الهمزة فى اللغة الأخرى فقال: سألتم. ويجوز أيضا أن يكون أراد سألتم فأبدل العين ياء كما أبدلها الآخر فى قوله:
стр. 171
سالت هذيل رسول الله فاحشة … ضلّت هذيل بما قالت ولم تصب
فصار تقديره على هذا إلى سلتم من هذا الوجه، أى من طريق البدل، لا على لغة من قال: هما يتساولان، فلما كسر السين استذكر الهمزة فراجعه هنا، كما راجعه فى القول الأول.
وقد أفردنا فى كتاب الخصائص بابا فى أن صاحب اللغة قد يعتبر لغة غيره ويراعيها فأغنى عن إعادته هنا.
***
﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ (٦٢) ومن ذلك قراءة أبى السّمّال، رواها أبو زيد فيما رواه ابن مجاهد: «والذين هادوا» بفتح الدال.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون فاعلوا من الهداية؛ أى راموا أن يكونوا أهدى من غيرهم، كقولك راموا من رميت، وقاضوا من قضيت وساعوا من سعيت. فيقول فى مصدر هادوا: مهاداة، كقاضوا مقاضاة، وساعوا مساعاة. وقد هودى الرجل يهادى مهاداة، إذا كان حوله من يمسكه ويهديه الطريق. ومنه قولهم فى الحديث: مر بنا يهادى بين اثنين، ومنه قوله:
من أن يرى تهديه فت … يان المقامة بالعشيه
***
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ﴾ [البقرة:٧٤] ومن ذلك قراءة قتادة: «وإن من الحجارة»، وكذلك قراءته: «وإن منها»، مخففة.
стр. 172
قال ابن مجاهد: أحسبه أراد بقوله مخففة-الميم؛ لأنى لا أعرف لتخفيف النون معنى.
قال أبو الفتح: هذا الذى أنكره ابن مجاهد صحيح؛ وذلك أن التخفيف فى إن المكسورة شائع عنهم؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾، ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ﴾، أى: إنهم على هذه الحال. وهذه اللام لازمة مع تخفيف النون فرقا بين إن مخففة من الثقيلة، وبين إن التى للنفى بمنزله «ما» فى قوله سبحانه: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ وقوله:
فما إن طبّنا جبن ولكن … منايانا ودولة آخرينا
وهذا واضح.
*** ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (٧٤) ومن ذلك قراءة الأعمش: «لما يهبط»، بضم الباء.
قال أبو الفتح: قد بينا فى كتابنا «المنصف» وهو تفسير تصريف أبى عثمان أن باب فعل المتعدى أن يجئ على يفعل مكسور العين، كضرب يضرب وحبس يحبس.
وباب فعل غير المتعدى: أن يكون على يفعل مضموم العين، كقعد يقعد وخرج يخرج، وأنهما قد يتداخلان فيجئ هذا فى هذا، وهذا فى هذا، كقتل يقتل، وجلس يجلس، إلا أن الباب ومجرى القياس على ما قدمناه، هبط يهبط على هذا بضم العين أقوى قياسا من يهبط، فهو كسقط يسقط؛ لأن هبط غير متعد فى غالب الأمر كسقط.
وقد ذهب فى هذا الموضع إلى أن هبط هنا متعد؛ قالوا ومعناه: لما يهبط غيره من طاعة الله ، أى إذا رآه الإنسان خشع لطاعة خالقه، إلا أنه حذف هنا المفعول تخفيفا، ولدلالة المكان عليه، ونسب الفعل إلى الحجر؛ لأن طاعة رائيه لخالقه إنما كانت مسببة عن النظر إليه، أى منها ما يهبط الناظر إليه؛ أى يخضعه ويخشعه،
стр. 173
وقد جاء هبطته متعديا كما ترى، قال:
ما راعنى إلا جناح هابطا … على البيوت قوطه العلابطا
وأعمله فى القوط، فعلى هذا تقول: هبط الشئ وهبطته، وهلك الشئ وهلكته.
قالوا فى قول العجاج:
ومهمه هالك من تعرّجا
قولين: أحدهما أنه كأنه قال: هالك المتعرجين، والآخر هالك من تعرجا، أى مهلك من تعرّج فتقول على هذا: أصبحت ذا مال مهلوك، وهلكه الله يهلكه هلكا.
وإذا كانت كذلك، وكانت هبط هنا قد تكون متعدية، فقراءة الجماعة: ﴿لَما يَهْبِطُ﴾ بكسر الباء أقوى قياسا من يهبط؛ لأن معناه لما يهبط مبصره ويحطّه من خشية الله.
ومن ذهب فيه إلى أن يهبط هنا غير متعد فكأنه قال: وإن منها لما لو هبط شئ غير ناطق من خشية الله لهبط هو، لا أنّ غير الناطق تصح منه الخشية، ألا ترى أن قوله:
لها حافر مثل قعب الولي … د تتخذ الفار فيه مغارا
أى: لو اتخذت فيه مغارا لغوره وتقعبه لوسعها وصلح لها، لا أنها هى تتخذ البتة.
ومثله مسألة الكتاب: أخذتنا بالجود وفوقه، أى: لو كان فوق الجود شئ من المطر لكانت قد أخذتنا به.
وكلام العرب لمن عرفه، ومن الذى يعرفه؟ ألطف من السحر، وأنقى ساحة من مشوف الفكر، وأشدّ تساقطا بعضا على بعض، وأمسّ تساندا نفلا إلى فرض.
***
﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ (٧٥) ومن ذلك قراءة الأعمش: «يسمعون كلم الله».
стр. 174
الكلام كل ما استقل برأسه؛ أعنى: الجمل المركبة، نحو قام محمد، وأبوك منطلق.
وقد فصلنا فى أول باب من الخصائص بين الكلام والقول، وأن كل كلام قول، وليس كل قول كلاما.
فأما الكلم فلا يكون أقل من ثلاث، وذلك أنه جمع كلمة، كثفنة وثفن، ونبقة ونبق، وسلمة وسلم، ولذلك ما اختاره صاحب الكتاب على الكلام، فقال: هذا باب علم ما الكلم من العربية، ولم يقل: ما الكلام؛ وذلك لأن الكلام كما قد يكون فوق الاثنين فكذلك أيضا قد يكون اثنين. وسيبويه إنما أراد هنا ثلاثة أشياء:
الاسم والفعل والحرف، فترك اللفظ الذى قد يكون أقل من الجماعة إلى اللفظ الذى لا يكون إلا جماعة.
***
﴿إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ﴾ (٧٨) ومن ذلك قراءة أبى جعفر وشيبة والحسن بخلاف، والحكم بن الأعرج: «إلاّ أمانى وإن هم»، و «ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب»، الياء فيه كله خفيفة ساكنة.
قال أبو الفتح: أصل هذا كله التثقيل-أمانىّ جمع أمنيّة-والتخفيف فى هذا النحو كثير وفاش عندهم. قال أبو الحسن فى قولهم أثاف: لم يسمع من العرب بالتثقيل البتة.
стр. 175
وقال الكسائى: قد سمع فيها التثقيل، وأنشد:
أثافىّ سفعا فى معرّس مرجل …
والمحذوف من نحو هذا هو الياء الأولى التى هى نظيرة ياء المد مع غير الإدغام، نحو ياء قراطيس، وجراميق وأراجيح، وأعاجيب، جمع أرجوحة وأعجوبة، ألا تراها قد حذفت فى قوله:
والبكرات الفسّج العطامسا …
وقوله:
стр. 176
وغير سفع مثّل يحامم …
يريد: يحاميم وعطاميس.
وروينا لعبيد الله بن الحرّ قوله:
وبدّلت بعد الزّعفران وطيبه … صدا الدّرع من مستحكمات المسامر
وعلى أن حذف الياء مع الإدغام أسهل شيئا من حذفه ولا إدغام معه، وذلك أن هذه الياء لما أدغمت خفيت وكادت تستهلك، فإذا أنت حذفتها فكأنك إنما حذفت شيئا هو فى حال وجوده فى حكم المحذوف. نعم، وقد يحذف هذا الحرف ويؤتى بالعوض منه حرفا فى حال وجوده فى حكم ما ليس موجودا، وهو تاء التأنيث فى نحو قولهم: فرازنة وزنادقة وجحاجحة. فالتاء عوض من ياء فرازين وجحاجيح وزناديق، وكذلك قالوا مع الإدغام. وذلك قولهم فى أثانى وأناسى: أثانية، وأناسية. رواها أبو زيد. وإذا كانوا قد رضوا بالكسرة قبلها دليلا عليها، وعوضا منها فهم بأن يقنعوا بالتاء عوضا منها أجدر.
***
﴿وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٨٧) ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن أبى عمرو «وآيدناه». قال ابن مجاهد-على ما علمناه-ممدودة الألف خفيفة الياء. وقد روى عن مجاهد فى قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ آيدتك. قال ابن مجاهد: على فاعلتك.
قال أبو الفتح: هذا الذى توهمه ابن مجاهد، أن آيدتك فاعلتك-لا وجه له، وإنما آيدتك أفعلتك، من الأيد، وهو القوة.
стр. 177
وقال أبو على: إنما كثر فيه أيّديك فعّلتك، لما يعرض فى آيدتك من تصحيح العين مخافة توالى إعلالين فى آيدتك. وأنشدنا قوله:
ينبى تجاليدى وأقتادها … ناو كرأس الفدن المويد
فهذا من آيدته، أى: قويته؛ لأنه مفعل كمكرم ومقتل ومؤدم-ولو كان آيدتك- كما ظن ابن مجاهد فاعلتك-لكان اسم المفعول منه مؤايد كمقاتل ومضارب، ولكن قراءة من قرأ: «آتينا بها» فاعلنا، ولو كان أفعلنا لما احتاج إلى حرف الجر؛ لأنه إنما يقال: أتيت زيدا بكذا وآتيته، كقولك: أعطيته كذا، فكذاك لو كان آتينا أفعلنا لكان آتيناها كقولك: أعطيناها، وأنت لا تقول: آتيته بكذا، كما لا تقول أعطيته بكذا.
فقوله فى تلك القراءة «آتيناها» كقولك حاضرنا بها، وشاهدنا بها، وهذا واضح.
ومعنى قول أبى على: لو جاء آيدتك على ما يجب فى مثله من إعلال عين أفعلت إذا كانت حرف علة كأقمت زيدا وأشرته وأبعته أى: عرضته للبيع-لتتابع فيه إعلالان؛ لأن أصل آيدت: أأيدت، كما أن أصل آمن: أأمن، فانقلبت الهمزة الثانية ألفا لاجتماع الهمزتين فى كلمة واحدة، والأولى منهما مفتوحة والثانية ساكنة، فهى كآمن وآلف، وفى الأسماء نحو آدم وآدر. فكان يجب أيضا أن تلقى حركة العين على الفاء وتحذف العين، فكان يجب على هذا أن تقلب الفاء هنا واو؛ لأنها قد تحركت وانفتح ما قبلها ولا بد من بدلها لوقوع الهمزة الأولى قبلها، كما قلبت فى تكسير آدم أو ادم، فكان يلزم على هذا أن تقول: أودته كأقمته وأدرته، فتحذف العين كما ترى، وتقلب الفاء التى هى فى الأصل همزة واوا فتعتل الفاء والعين جميعا، وإذا أدى القياس إلى هذا رفض. وكثر فيه فعّلت أيّدت ليؤمن ذانك الاعتلالان، فلما استعمل شئ منه جاء قليلا شاذا، أعنى: آيدت. وإذا كانوا قد أخرجوا عين أفعلت وهى حرف علة على الصحة نحو قوله:
صددت فأطولت الصدود …
وقولهم: أغليت المرأة، وأغيمت السماء، وأخوص الرّمث وأعوز القوم، وأليث الشجر، وأسوأ الرجل. ولو خرج على منهج إعلال مثله لم يخف فيه توالى إعلالين كان خروج آيدت على الصحة لما كان يعقب إعلال عينه من اجتماع إعلالها مع إعلال الفاء
стр. 178
قبلها-أولى وأجدر. فقد ثبت أن قراءة مجاهد «إذ آيدتك» إنما هو أفعلتك لا فاعلتك، كما ظن ابن مجاهد.
***
﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (٩٧)
﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ (٩٨) ومن ذلك قراءة يحيى بن يعمر: «جبرئلّ»، مشددة اللام، بوزن جبرعل. وعنه أيضا، وعن فياض بن غزوان: «جبرائيل» بوزن جبراعيل، بهمزة بعد الألف، وبهذا الوزن من غير همز بياءين عن الأعمش، «وميكاييل» من غير همز أيضا ممدود، وقرأ: «ميكئل» بوزن ميكعل، ابن هرمز الأعرج وابن محيصن.
قال أبو الفتح: أما على الجملة فقد ذكرنا فى كتابنا هذا، وفى غيره من كتبنا: أن العرب إذا نطقت بالأعجمى خلّطت فيه، وأنشدنا فى ذلك ما أنشدناه أبو على من قول الراجز:
هل تعرف الدار لأم الخزرج … منها فظلت اليوم كالمزرّج
يريد الذى شرب الزّرجون وهى الخمر، وأنه كان قياسه المزرجن؛ من حيث كانت النون فى الزّرجون أصلية. نعم، وذكرنا أنهم قد يحرّفون ما هو من كلامهم، فكيف ما هو من كلام غيرهم؟ إلا أن جبرئل قد قيل فيه: إن معناه عبد الله، وذلك أن الجبر بمنزلة الرجل، والرجل عبد الله، ولم يسمع الجبر بمعنى الرجل إلا فى شعر ابن أحمر، وهو قوله:
اشرب براووق حبيت به … وانعم صباحا أيها الجبر
стр. 179
قالوا: وإلّ بالنبطية: اسم الله تعالى: ومن ألفاظهم فى ذلك أن يقولوا: كوريال، الكاف بين القاف والكاف. فغالب هذا أن تكون هذه اللغات كلها فى هذا الاسم إنما يراد بها جبريال الذى هو كوريال، ثم لحقها من التحريف على طول الاستعمال ما أصارها إلى هذا التفاوت، وإن كانت على كل أحوالها متجاذبة يتشبث بعضها ببعض.
واستدل أبو الحسن على زيادة الهمزة فى «جبرئيل» بقراءة من قرأ «جبريل» ونحوه.
وهذا كالتعسف من أبى الحسن لما قدمناه من التخليط فى الأعجمى. ويلزم فيه زيادة النون فى زرجون؛ لقوله: كالمزرج. والقول ما قدمناه.
وأما «جبراييل وميكاييل»، بياءين بعد الألف والمد فيقوى فى نفسى أنها همزة مخففة وهى مكسورة، فخفيت وقربت من الياء فعبر القراء عنها بالياء، كما ترى فى قوله : ﴿آلاءِ﴾ عند تخفيف الهمز «آلاى» بالياء، وسبب ذلك ما ذكرناه من خفاء الهمزة المكسورة وقربها بذلك من لفظ الياء، كما قالوا فى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ فى إدغام أبى عمرو: إن الراء من شهر مدغمة فى راء رمضان. وهيهات ذلك مذهبا، وعزّ مطلبا، حتى كأنا لم نعلم أن الهاء فى شهر ساكنة، وإذا أدغمت الراء فى راء رمضان التقى ساكنان ليس الأول منهما حرف مد كشابّة ودابّة، ولا يكون ذلك إلا أن تنقل حركة الراء الأولى إلى الهاء قبلها، ولو فعل ذلك لوجب أن يقال: شهرّ رمضان، بضم الهاء، وليس أحد من القراء يدّعى هذا فيه: من أدغم ومن لم يدغم.
وأيضا فإنه إذا كان هذا النقل فإنما يكون فى المتصل، نحو يستعدّ ويردّ ويفرّ، فأما فى المنفصل فإن ذلك لن يجئ فى شئ منه إلا فى حرف واحد شاذ اجتمع فيه شيئان، كل واحد منهما يحتمل التغيير له:
أحدهما: كونه علما، والأعلام فيما يكثر فيه ما لا يكون فى غيره، نحو معد يكرب وموهب وتهلل وحيوة.
والآخر: كثرة استعماله، وهم لما كثر استعماله أشد تغييرا. وذلك الحرف قولهم فى عبد شمس: هذه عبشمس بفتح السين، وأنت لا تقول فى نحو: هذا قوم موسى: هذا قو مّوسى؛ لما ذكرناه من أن المنفصل فى هذا النحو لم تنقله العرب كما نقلت المتصل.
فعلى هذا ينبغى أن نوجه قولهم فى «جبراييل وميكاييل» بياءين والمد؛ وذلك لأن المد إنما
стр. 180
كان فيه لبقاء نية الهمزة المخففة ولفظه فيه. هذا هو القول، كقولهم بالمد وإن كانت الألف والياء بعدها أتمّ صوتا وأبعد ندى منها وبعدها غيرها من الحروف الصحاح، نحو غرابيل وسرابيل وسراحين وميادين. وقد يجوز من بعد هذا أن تكون ياء صريحة من حيث كان الأعجمى يتلعّب فيه بالحروف تلعّبا، فاعرف ذلك.
***
﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ (١٠٠) ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن روح عن أبى السّمّال: أنه قرأ «أو كلّما عهدوا» ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون سكون الواو فى «أو» هذه على أنّها فى الأصل حرف عطف كقراءة الكافة: ﴿أَوَكُلَّما﴾؛ من قبل أن واو العطف لم تسكن فى موضع علمناه، وإنما يسكن بعدها مما يخلط معها فيكونان كالحرف الواحد، نحو قول الله:
تعالى ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ بسكون الهاء، فأما واو العطف فلا تسكن من موضعين:
أحدهما: أنها فى أول الكلمة والساكن لا يبتدأ به.
والآخر: أنها هنا وإن اعتمدت على همزة الاستفهام قبلها فإنها مفتوحة، والمفتوح لا يسكن استخفافا، وإنما ذلك فى المضموم والمكسور نحو: كرم زيد وعلم الله وقد مضى ذكر ذلك. فإذا كان كذلك كانت «أو» هذه حرفا واحدا، إلا أن معناها معنى بل للترك والتحول، بمنزلة أم المنقطعة، نحو قول العرب: إنها لأبل أم شاء؛ فكأنه قال:
بل أهى شاء؟ فكذلك معنى «أو» هاهنا، حتى كأنّه قال: «وما يكفر بها إلا الفاسقون بل كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم».
يؤكد ذلك قوله تعالى من بعده: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾، فكأنه قال: بل كلما عاهدوا عهدا، بل أكثرهم لا يؤمنون.
следующие страницы →