Полный текст (896 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الصّحة فى الواو دليلا على أنه أراد العواوير، ولو لم يرد لذلك لوجب أن يهمز فيقول:
العوائر، كما همزوا فى أوائل وأصلها أواول، وكما جعلوا صحة العين فى حول وعور دليلا على كون المثال فى معنى ما لا بد من صحته، وهو احولّ واعورّ، وكما جعلوا ترك رد النون فى قوله:
ارهن بنيك عنهم أرهن بنى …
دليلا على أنه أراد بنىّ، فلما حذف الياء الثانية التى هى ضمير المتكلم لم يرجع النون من بنين؛ لأن جعله دليلا على إرادة الياء فى بنىّ، وأنه إنما حذفها للقافية، وهى فى نفسه مرادة. وكما قال:
مال إلى أرطاة حقف فاضطجع …
ثم أبدل الضاد لاما فقال: الطجع، وقد كان يجب إذا زالت الضاد أن ترجع تاء افتعل إلى اللفظ، وذلك أن أصله اضتجع افتعل من الضجعة، فيظهر التاء كما يقال:
التجأ إليه والتفت والتقم، لكنه ترك الطاء بحالها تنبيها على أنه يريد الضاد، وأنه لما أبدلها لا ما اعتدها مع ذلك اعتداد الثابت.
ولذلك نظائر كثيرة، فكذلك ترك الراء من «تضار» ساكنة كما كانت تكون ساكنة لو خرجت على الإدغام المراد فيها. نعم، وإذا كان نافع قد قرأ: «ومحياى ومماتى» ساكن الياء من «محياى»، ولا تقدير إدغام هناك كان سكون الراء من لا تضار-وهو يريد تضارّ-أجدر.
وبعد هذا كله ففيه ضعف، ألا ترى أنك لو رحمت قاصا-اسم رجل-على قولك: يا حار لقلت: يا قاص، فرددت عين الفعل إلى الكسر لأنه فاعل، وأصله قاصص، فمن هنا ضعفت هذه القراءة وإن كان فيها من الاعتذار والاعتلال ما قدمنا ذكره.
стр. 212
وقد روى فيها تشديد الراء مع السكون، ويجب أن يكون هذا على نية الوقف عليها، روى ذلك عن أبى جعفر يزيد بن القعقاع.
***
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ (٢٣٤) ومن ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن السّلمى عن على بن أبى طالب ﵇:
«والّذين يتوفّون منكم» بفتح الياء.
قال ابن مجاهد: ولا يقرأ بها.
قال أبو الفتح: هذا الذى أنكره ابن مجاهد عندى مستقيم جائز؛ وذلك أنه على حذف المفعول، أى: والذين يتوفون أيامهم أو أعمارهم أو آجالهم، كما قال سبحانه:
﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ﴾ و ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾.
وحذف المفعول كثير فى القرآن وفصيح الكلام، وذلك إذا كان هناك دليل عليه.
قال الله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أى: شيئا.
وأنشدنا أبو علىّ للحطيئة:
стр. 213
منعمّة تصون إليك منها … كصونك من رداء شرعبىّ
أى: تصون الكلام منها، وهو كثير جدا.
***
﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي﴾ (٢٣٧) ومن ذلك قراءة الحسن: «أو يعفو الّذى»، ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: سكون الواو من المضارع فى موضع النصب قليل، وسكون الياء فيه أكثر. وأصل السكون فى هذا إنما هو للألف؛ لأنها لا تحرّك أبدا، وذلك كقولك: أريد أن تحيا، وأحبّ أن تسعى، ثم شبهت الياء بالألف لقربها، فجاء عنهم مجيئا كالمنستمر، نحو قوله:
كأن أيديهن بالموماة … أيدى جوار بتن ناعمات
وقال الآخر:
كأن أيديهن بالقاع القرق … أيدى جوار يتعاطين الورق
стр. 214
وقال الأعشى:
إذا كان هادى الفتى فى البلا … د صدر القناة أطاع الأميرا
فيمن رواه برفع الصدر.
وقال الآخر:
حدبا حدابير من الوخشنّ … تركن راعيهن مثل الشّنّ
وقال الآخر:
يا دار هند عفت إلا أثافيها …
وقال رؤبة:
سوّى مساحيهنّ تقطيط الحقق … تفليل ما قارعن من سمر الطّرق
وكان أبو العباس يذهب إلى أن إسكان هذه الياء فى موضع النصب من أحسن الضرورات؛ وذلك لأن الألف ساكنة فى الأحوال كلها، فكذلك جعلت هذه، ثم شبّهت الواو فى ذلك بالياء، فقال الأخطل:
إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها … رفعن وأنزلن القطين المولّدا
стр. 215
وقال الآخر:
فما سوّدتنى عامر عن وراثة … أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
فعلى ذلك ينبغى أن تحمل قراءة الحسن: «أو يعفو الّذى»، فقال ابن مجاهد: وهذا إنما يكون فى الوقف، فأما فى الوصل فلا يكون، وقد ذكرنا ما فيه. وعلى كل حال فالفتح أعرب: «أو يعفو الذى».
***
﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢٣٧) ومن ذلك قراءة على ﵇ وأبى رجاء وجؤيّة بن عائذ: «ولا تناسوا الفضل بينكم».
قال أبو الفتح: الفرق بين تنسوا وتناسوا أن تنسوا نهى عن النسيان على الإطلاق:
أنسوه، أو تناسوه.
فأما تناسوا فإنه نهى عن فعلهم الذى اختاروه، كقولك: قد تغافل وتصامّ وتناسى:
إذا أظهره من فعله وتعاطاه وتظاهر به، وأما تفعّل فإنه تعمّل الأمر وتكلّفه، كقوله:
ولن تستطيع الحلم حتى تحلما …
أى: حتى تكلّفه.
стр. 216
ومثل الأول قوله:
إذا تخازرت وما بى من خزر
فإن قيل: ومن ذا الذى يتظاهر بنسيان الفضل؟.
قيل: معناه-والله أعلم-إنكم إذا استكثرتم من هجر الفضل وتثاقلتم عنه صرتم كأنكم متعاطون لتركه، متظاهرون بنسيانه. وهذا كقولك للرجل يكثر خطؤه: أنت تتحايد الصواب توقّى عارف به، وأنت معتمل لما لا يحسن، وإن لم يقصد هو لذلك.
ويحسّن هذه القراءة: أنك إنما تنهى الإنسان عن فعله هو، والتناسى من فعله، فأما النسيان فظاهره أنه من فعل غيره به، فكأنه أنسى فنسى. قال الله سبحانه: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ﴾.
وزاد فى حسنه شئ آخر، وهو أن المأمور هنا جماعة، وتفاعل لائق بالجماعة، كتقاطعوا وتواصلوا وتقاربوا وتباعدوا. فأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ فلاق به فعل «نسى»؛ لأن المأمور هنا واحد؛ ولأن العرف والعادة أن الإنسان لا يكاد يحضّ على ما هو حلال له، بل الغالب المعتاد أن يكفّ عما ليس له تناوله، وعليه وضع التكليف لما يستحق عن الطاعة فيه من الثواب. قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾، وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. والآى فى ذلك كثيرة. فقوله إذا: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ أى:
لك فيها حظ وحلال فتناوله، فلا بأس بتناول الحلال.
ولو قيل: ولا تناس نصيبك لكان فائدته: لا تظهر سهوك عنه، وتتظاهر بنسيانك إياه، وذلك إذا ترك الحلال وهو فى صورة الساهى عنه لم تكن له فى النفوس منزلة الذى يتركه وهو عالم بحلّه له، وإباحته إياه، هذا هو العادة والعرف فيما يتعاطاه أهل الدنيا بينهم.
***
стр. 217
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ﴾ (٢٤٦) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن السّلمى: «ألم تر إلى الملإ» ساكنة الراء.
قال أبو الفتح: هذا لعمرى هو أصل الحرف: رأى يرأى كرعى يرعى، إلا أن أكثر لغات العرب فيه تخفيف همزته: بحذفها وإلقاء حركتها على الراء قبلها على عبرة التخفيف فى نحو ذلك، وصار حرف المضارعة كأنه بدل من الهمزة، وهو قولهم: أنت ترى وهو يرى ونحن نرى، وكذلك أفعل منه، كقول الله سبحانه: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ وأصله أرآك الله. وحكاها صاحب الكتاب عن أبى الخطاب. ثم إنه قد جامع هذا تحقيق هذه الهمزة وإخراجها على أصلها، وذلك كقول سراقة البارقى:
أرى عينىّ ما لم ترأياه … كلانا عالم بالتّرّهات
فخفف أرى، وحقق ترأياه كقولك ترعياه، ورواه أبو الحسن ترياه على زحاف الوافر، وأصله «ترأياه» على أن مفاعلتن لحقها العصب بسكون لامها؛ فنقلت إلى مفاعى لن، ورواية أبى الحسن: «بما لم ت» مفاعيل، فصار الجزء بعد العصب إلى النقص.
وقرأت على أبى علىّ فى نوادر أبى زيد:
ألم ترء ما لاقيت والدهر أعصر … ومن يتملّ العيش يرء ويسمع
فأخرجه على أصله. وقرأت عليه عنه أيضا:
هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا … والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
إذ نحن فى غرّة الدنيا وبهجتها … والدار جامعة أزمان أزمانا
ثم استمرّ بها شيحان مبتجح … بالبين عنك بما يرآك شنآنا
وقال آخر، وقرأته على أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى فيما أظن:
ألا تلك جارتنا بالغضا … تقول أترأينه لن يضيعا
وله نظائر مما خرج من هذا الأصل على أولية حاله.
стр. 218
﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ (٢٤٨) ومن ذلك قال أبو بكر بن مجاهد: ﴿التّابُوتُ﴾ بالتاء قراءة الناس جميعا، ولغة للأنصار «التابوه» بالهاء.
قال أبو الفتح: أما ظاهر الأمر فأن يكون هذان الحرفان من أصلين: أحدهما «ت ب ت»، والآخر «ت ب هـ»، ثم من بعد هذا فالقول أن الهاء فى «التابوه» بدل من التاء فى «التابوت».
وجاز ذلك لما أذكره: وهو أن كلّ واحد من التاء والهاء حرف مهموس، ومن حروف الزيادة فى غير هذا الموضع. وأيضا فقد أبدلوا الهاء من التاء التى للتأنيث فى الوقف، فقالوا: حمزه، وطلحه، وقائمه، وجالسه. وذلك منقاد مطرد فى هذه التاء عند الوقف، ويؤكد هذا أن عامة عقيل فيما لا نزال نتلقاه من أفواهها تقول فى الفرات:
الفراه، بالهاء فى الوصل والوقف.
وزاد فى الأنس بذلك أنك ترى التاء فى الفرات تشبه فى اللفظ تاء فتاة وحصاة وقطاة، فلما وقف وقد أشبه الآخر الآخر أبدل التاء هاء، ثم جرى على ذلك فى الوصل، لأنه لم يكن البدل عن استحكام العلّة علّة فيراعى حال الوقف من حال الوصل ويفصل بينهما، فأشبه ذلك قولهم فى صبيان وصبية: صبيان وصبية؛ وذلك أن الأصل صبوان وصبوة، ثم قلب الواو ياء؛ استخفافا للكسرة قبلها، ولم يعتد بالساكن بينهما حاجزا لضعفه، ثم لما ضموا وزال الكسر أقروا الياء بحالها؛ جنوحا إليها لخفّتها، ولعلمهم أيضا أن البدل من الواو لم يكن عن استحكام علة فيعاودوا الأصل لزوالها، فلما تصوروا ضعف سبب القلب قنّعوا أنفسهم بالعدول إلى جهة الياء، فقالوا: صبيان وصبية، حتى كأن قائلا قال لهم: هلا لما زالت الكسرة راجعتم الواو فقالوا: أو كان القلب إنما كان عن وجوب أحدثته الكسرة حتى إذا فارقناها عاودنا الواو؟ إنما كان استحسانا، وكذلك فليكن مع الضمة أيضا استحسانا.
***
стр. 219
﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما﴾ (٢٥٥) ومن ذلك ما روى عن الزّهرى والأعرج وأبى جعفر بخلاف عنهم: «ولا يووده حفظهما» بلا همز، ولم يقل: كيف قالوا؟.
قال ابن مجاهد: من لم يهمز قال: «يووده» فخلف الهمزة بواو ساكنة، فجمع بينها وبين الواو، فيجتمع ساكنان، فإن شاء ضمها فقال: «يووده». ومن ترك الهمز أصلا قال: «يوده».
قال أبو الفتح: خلّط ابن مجاهد فى هذا التفسير تخليطا ظاهرا غير لائق بمن يعتد إماما فى روايته، وإن كان مضعوفا فى فقاهته؛ وذلك أن قوله تعالى: ﴿يَؤُدُهُ﴾، لك فيه التحقيق والتخفيف، فمن حقّق أخلصها همزة، قال: «يئوده» كيعوده، ومن خفّف جعل الهمزة بين بين؛ أى بين الهمزة والواو؛ لأنها مضمومة، فجرى مجرى قولك فى تخفيف لؤم: لوم، وفى مئونة: موونة، ولا يخلصها واوا لأنها مضمومة، فقوله: بلا همز، أى يخففها، كذا أحسن الظن بهؤلاء المشيخة.
فأما ترك الهمز أصلا فشاذ، وينبغى لمن هو دونهم أن يصان عن أن يظن ذلك به.
فقول ابن مجاهد: إنه يخلف من الهمزة واو ساكنة فيجتمع ساكنان شديد الاضطراب، وذلك أنه قد سبق أن سبيل هذا أن يخفّف ولا يبدل، وإذا كان مخفّفا، فالواو متحركة لا ساكنة؛ فلا ساكنين هناك أصلا. نعم، ثم لما قال: إنه يجتمع ساكنان لم يذكر ماذا يعمل فيهما؟ قال: وإن شاء ضمها فقال: «يووده». وهذا هو الذى ينبغى أن يعمل عليه، ولكن ينبغى أن يعلم أنه لا يضم الواو، بل الضمة على الهمزة، إلا أنها مخففة فقربت بذلك من الواو لضعفها مع ضمها.
وقوله فيما بعد: ومن ترك الهمز أصلا قال: «يوده» يؤكد ما كنا قدمناه من أن قوله:
لا يهمز إنما يريد به التخفيف لا البدل والحذف، ولولا ذلك لم يقل: ومن ترك الهمز أصلا، فقوله: «أصلا» يدل على أنه لا يريد التخفيف الذى كان قدّمه.
وبعد، فمن ترك الهمزة أصلا؛ أى: حذفها البتة كما يحذفها من قولهم: لاب لك، أى: لا أب لك، ومن قولهم: ويلمّه، وأصلها: ويل لأمه، ومن قولهم: ناس وأصلها أناس، والله فى أحد قولى سيبويه الذى أصله فيه إله، وغير ذلك، فإنه إذا هو حذفها بقيت بعدها الواو التى هى عين الفعل ساكنة فصارت: «يوده». ومثاله على هذا اللفظ
стр. 220
يعله، وأصل هذا كله يأوده كيعوده، يفعله كيقتله ونعبده، ثم نقلت الضمة من الواو التى هى عين الفعل إلى الهمزة التى هى فاء فعله، كما نقلت فى يعود من الواو إلى العين فصارت «يئوده» كيعوده، ووزنه الآن يفعله. هكذا محصول لفظه، فإذا هو حذف الهمزة البتة-وهى فاء الفعل-بقى يوده فى وزن يعله، والفاء على ما مضى محذوفة.
وعلى أن هذا الحذف لا يقدم أحد عليه قياسا لنكارته وضيق العذر فى اقتباسه، اللهم أن يسمع شئ منه فيودّى على ما فيه، ويشرح حديثه بواجب مثله، ولا يحمل سواه على مثل حاله.
***
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ (٢٥٧) ومن ذلك ما رواه جويرية بن بشير، قال: سمعت الحسن قرأها: «أولياؤهم الطّواغيت».
قال أبو الفتح: ينبغى أن يفهم هذا الموضع، فإن فيه صنعة، وذلك أن الطاغوت وزنها فى الأصل فعلوت. وهى مصدر بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت. وقد يقال فيها:
الرّغبوتى والرهبوتى والرحموتى. ويدل على أنها فى الأصل مصدر وقوع الطاغوت على الواحد والجماعة بلفظ واحد، فجرى لذلك مجرى قوم عدل ورضا، ورجل عدل ورضا، ورجلان عدل ورضا. فأما أصلها فهو طغيوت؛ لأنها من الياء، يدل على ذلك قوله : ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ هذا أقوى اللغة فيها؛ لأن التنزيل ورد به.
وروينا عن قطرب وغيره فيها الواو، طغا يطغو طغوّا. وقد يجوز على هذا أن يكون أصله: طغووت، كفعلوت من غزوت: غزووت. وأنا آنس بالواو فى هذه اللفظة لما أذكره لك بعد.
ثم إن اللام قدمت إلى موضع العين، فصارت بعد القلب طيغوت أو طوغوت، فلما تحركت الياء أو الواو وانفتح ما قبلها قلبت فى اللفظ ألفا؛ فصارت طاغوت كما ترى.
ووزنها الآن بعد القلب فلعوت. ومثالها من ضربت: ضربوت، ومن قتلت قتلوت. هذا إلى هنا بلا خلاف.
стр. 221
وإذا جمع فصار طواغيت احتاج إلى نظر. فأما على أن يكون من طغوت فلا سؤال فيه، وذلك أن الألف على هذا كانت بدلا من لام طغوت، فلما احتاج إلى تحريك الألف المنقلبة عنها ردها إلى أصلها وهو الواو، فقال: طواغيت، ووزنها الآن فلاعيت.
ولو جاءت على واجب أصلها لكان طغاويت أو طغاييت، كقولك فى ملكوت-لو كسّرتها-: ملاكيت، ولو قبلت الواحد على حد قلب الطاغوت لقلت: مكلوت، وإن جمعت على هذا أعنى مقلوبا قلت: مكاليت. هذا على أن لام طاغوت واو- ماض منقاد على ما تراه.
لكن من ذهب إلى أن لام طاغوت ياء وجب عليه أن يجيب عن قلب الألف من طاغوت واوا فى قولهم: طواغيت، وكان قياسه على الطغيان أن يكون طياغيت.
والجواب: أن طاغوتا وإن كان من «ط غ ى» فإنه بعد نقله وقلبه قد صار كأنه فاعول، فلما كسر قلبت ألفه واوا، كما تقلب فى نحو تكسير عاقول وعواقيل، وراقود وروافيد. وهذا الشبه اللفظى كثير عنهم فاش متعالم بينهم؛ ألا تراهم قالوا:
مررت بمالك فأمالوا لشبهها بألف مالك. وقالوا طلبتا وعتتا، فأمالوا لشبه آخره بألف سكرى وبشرى؟ فكذلك شبهوا ألف طاغوت بألف جاموس وعاقول.
وحكى يونس فى تحقير الناب نويب؛ وذلك أنه حمل الألف هنا إذا كانت عينا على أحكام ما يكثر؛ وهو قلب العين عن الواو فى غالب الأمر، وهو: باب ودار وساق ونار، فقال: نويب وإن كان من الياء حملا على الباب الأكثر، وهو قولك فى مال:
مويل، وفى ساق: سويقة، وفى دار: دويرة.
وروينا عن قطرب فى كتابه الكبير طغى يطغى ويطغو، وطغيت وطغيت وطغوت طغيانا وطغوانا وطغوا وطغوّا وطغوى، فاعلم.
وألقى علينا أبو علىّ بحلب سنة ست وأربعين الكلام فى طغيان، واعتزم فى اللام الياء، فقال له فتى كان هناك من أهل منبج: فقد قالوا الطّغوى. فقال أبو على: خذ الآن إليك، هذا تصريفى، ينكر عليه احتجاجه بذلك، أى: ألا تعلم أن طغوى اسم،
стр. 222
وأن فعلى إذا كانت اسما وكانت لامها ياء فإنها تقلب إلى الواو نحو: التّقوى والبقوى والفتوى والرّعوى والثّنوى والعوّى. وبعد؛ فإن كانت طغوى من طغوت فواوها أصلية كواو العدوى والدعوى، وإن كانت من طغيت فإنها بدل من الواو كالفتوى وبابها.
وأما الطواغى فجمع طاغية. قال الله سبحانه: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾، فهو يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون أهلكوا بطغيانهم، كقولك: أهلكوا بالبلية الطاغية؛ أى: التى لا قبل لهم بها.
والآخر أن يكون: أهلكوا بطغيانهم، أى بكفرهم.
ومثل الطاغية وكونها مصدرا على فاعلة قوله تعالى: «لا﴾ يسمع ﴿فِيها لاغِيَةً» أى:
لغو، وتكسير اللاغية لواغ، كعافية وعواف، وعاقبة وعواقب. ومثل الطاغوت الحانوت، وهى فعلوت من حنوت؛ وذلك أن الحانوت يشتمل على من فيه، فكأنه يحنو عليه، فهى من الواو، وقلبت لامها إلى موضع العين فصار حونوت، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت حانوت.
وقول علقمة:
حانيّة حوم
منسوب إلى حانية فاعلة من هذا اللفظ والمعنى، ألا ترى إلى قول عمارة:
وكيف لنا بالشّرب فيها وما لنا … دوانيق عند الحانوىّ ولا نقد
فأما الحانة فمحذوفة من الحانية، ومثالها فاعة، ومثلها البالة من قولهم ما باليت بهم بالة، أصلها بالية فاعلة من هذا الموضع، ثم حذفت اللام تخفيفا. وإلى مثل ذلك ذهب الكسائى فى «آية» أنها محذوفة من فاعلة: آيية.
***
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (٢٥٨) ومن ذلك قراءة ابن السّميفع: «فبهت الذى كفر»، بفتح الباء والهاء والتاء،
стр. 223
وكذلك قرأ أيضا نعيم بن ميسرة، وقرأ أبو حيوة شريح بن يزيد: «فبهت»»، بفتح الباء وضم الهاء. والقراءة العامة: ﴿فَبُهِتَ﴾.
قال أبو الفتح: زاد أبو الحسن الأخفش قراءة أخرى لا يحضرنى الآن ذكر قارئها، لم يسندها أبو الحسن: «فبهت»، بوزن علم. فتلك أربع قراءات.
فأما «بهت» قراءة الجماعة فلا نظر فيها.
وأما «بهت» فبمنزلة خرق وفرق وبرق، وأما «بهت» فأقوى معنى من بهت؛ وذلك أن فعل تأتى للمبالغة كقولهم: قضو الرجل إذا جاد قضاؤه، وفقه إذا قوى فى فقهه، وشعر إذا جاد شعره. وروينا عن أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: أن العرب تقول: ضربت اليد: إذا جاد ضربها. وكذلك بهت: إذا تناهى فى الخرق والبرق والحيرة والدّهشن.
وأما «بهت» فقد يمكن أن يكون من معنى ما قبله، إلا أنه جاء على فعل كذهل ونكل وعجز وكلّ ولغب، فيكون على هذا غير متعد كهذه الأفعال.
وقد يمكن أن يكون متعديا ويكون مفعوله محذوفا، أى: فبهت الذى كفر إبراهيم ﵇.
فإن قيل: فكيف يجوز على هذا أن يجتمع معنى القراءتين؟ ألا ترى أن بهت قد عرف منه أنه كان مبهوتا لا باهتا، وأنت على هذا القول تجعله الباهت لا المبهوت.
قيل: قد يمكن أن يكون معنى قوله: بهت أى رام أن يبهت إبراهيم ﵇ إلا أنه لم يستو له ذلك، وكانت الغلبة فيه لإبراهيم ﵇.
وجاز أن يقول: بهت، وإنما كانت منه الإرادة، كما قال جلّ وعزّ: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، أى: إذا أردتم القيام إليها. كقوله: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ﴾
стр. 224
﴿الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾، أى: إذا أردت قراءته، فاكتفى بالمسبب الذى هو القيام والقراءة من السبب الذى هو الإرادة.
وقد أفردنا لهذا الموضع بابا فى كتابنا الخصائص.
ويجوز جوازا حسنا أن يكون فاعل «بهت» إبراهيم، أى: فبهت إبراهيم الكافر؛ ليلتقى معنى هذه القراءة مع معنى الأخرى التى هى: «فبهت الذى كفر». وعليه قطع أبو الحسن.
فإن قيل: فما معنى هذا التطاول والإبعاد فى اللفظ ولم يقل: «بهت» وإبراهيم ﵇ هو الباهت.
قيل: إن الفعل إذا بنى للمفعول لم يلزم أن يكون ذلك للجهل بالفاعل، بل ليعلم أن الفعل قد وقع به، فيكون المعنى هذا لا ذكر الفاعل. ألا ترى إلى قول الله تعالى:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾، وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، وهذا مع قوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، وقال سبحانه:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. فالغرض فى نحو هذا المعروف الفاعل إذا بنى للمفعول إنما هو الإخبار عن وقوع الفعل به حسب، وليس الغرض فيه ذكر من أوقعه به، فاعرف ذلك.
***
﴿فَصُرْهُنَّ﴾ (٢٦٠) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «فصرّهنّ»، مكسورة الصاد مشددة الراء وهى
стр. 225
مفتوحة، وقراءة عكرمة: «فصرّهنّ إليك»»، بفتح الصاد، وقال: قطّعهن. وعن عكرمة أيضا: «فصرّهنّ»، ضم الصاد وشدد الراء، ولم يقل مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة.
قال: وهو يحتمل الثلاثة، كمدّ ومدّ ومدّ.
قال أبو الفتح: أما «فصرّهنّ»، بكسر الصاد وتشديد الراء فغريب؛ وذلك أنّ يفعل فى المضاعف المتعدى شاذ قليل، وإنما بابه فيه يفعل، كصبّ الماء يصبّه، وشد الحبل يشده وفرّ الدابّة يفرّها، ثم إنه قد مرّ بى مع هذا من يفعل فى المتعدى حروف صالحة، وهى: نم الحديث ينمه وينمه، وعلّه بالماء يعلّه ويعلّه، وهرّ الحرب يهرّها ويهرّها، وغذّ العرق الدم يغذّه ويغذّه. وقالوا: حبّه ويحبّه بالكسر لا غير. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن أن بعضهم قرأ: «لن يضرّوا الله شيئا» بكسر الضاد فى أحرف سوى هذه، ولمجئ المتعدى من هذا مضموما-وبابه وقياسه الكسر-نظر ليس هذا موضعه.
فيكون صرّهن من هذا الباب على صرّه يصرّه.
وأما «صرّهن» بضم الصاد فعلى الباب؛ أعنى: ضم عين يفعل فى مضاعف المتعدى.
والوجه ضم الراء لضمه الهاء من بعدها، والفتح والكسر من بعد.
وأما «فصرّهنّ» فهذا فعّلهنّ من صرّى يصرّى: إذا حبس وقطع. قال:
ربّ غلام قد صرى فى فقرته … ماء الشباب عنفوان سنبته
стр. 226
أى حبسه وقطعه. ومنه الشاة المصرّاة أى المحبوسة اللبن المقطوعته فى ضرعها عن الخروج وماء صرى وصرى: إذا طال حبسه فى موضعه، ومنه الصّرّاء للملاح، وذلك أنه يمسك السفينة ويحفظها ويصريها عما يدعو إلى هلاكها.
***
﴿جُزْءاً﴾ (٢٦٠) ومن ذلك قراءة أبى جعفر والزهرى: «جزّا».
قال أبو الفتح: أصله الهمز جزءا، ثم خففت همزته على قولك فى تخفيف الخبء:
الخب، ثم إنك إذا خففت نحو ذلك ووقفت عليه كان لك فيه السكون على العبرة، وإن شئت الإشمام الجز، وإن شئت روم الحركة الجز، وإن شئت التشديد على خالدّ وهو يجعلّ، فيقول على هذا: الجزّ، ثم إنه وصل على وقفه، فقال: جزّا.
ومثله مما أجرى فى الوصل مجراه فى الوقف من التشديد، ما أنشدناه أبو على وقرأته على أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى:
ببازل وجناء أو عيهلّ … كأن مهواها على الكلكلّ
يريد العيهل والكلكل.
وفيها ما قرأته على أبى بكر دون أبى على:
تعرضت لى بمجاز حل … تعرض المهرة فى الطول
وفيها:
ومقلتان جونتا المكحلّ
وقد كان ينبغى إذا كان إنما شدد عوضا من الإطلاق أن إذا أطلق عاد إلى التخفيف، إلا أن العرب قد تجرى الوصل مجرى الوقف تارة، وتارة الوقف مجرى الوصل، فعلى هذا وجه القراءة المذكورة «جزّا» فاعرفه.
***
стр. 227
﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ (٢٦٤) ومن ذلك قراءة سعيد بن المسيب والزهرى: «كمثل صفوان عليه تراب»»، بفتح الفاء.
قال أبو الفتح: أكثر ما جاء فعلان فى الأوصاف والمصادر. فالأوصاف كقولهم:
رجل شقذان للخفيف، وقالوا: أكذب من الأخيذ الصّبحان بفتح الباء كما ترى، وقد روى الصبحان بتسكينها. ويوم صخدان ولهبان لشدة الحر، وعير فلتان ورجل صميان: ماض منجرد.
وأما المصادر فنحو الوهجان والنّزوان والغليان والغثيان والقفزان والنّقران. والمعنى- فى الوصف والمصدر جميعا من هذا المثال-الحركة والخفّة والإسراع، وهو فى الأسماء غير الصفات والمصادر قليل، غير أنهم قد قالوا: الورشان والكروان والشّبهان لضرب من النبت وقيل: الشّبهان، بضم الباء وقالوا: العنبان للتيس من الظباء النشيط، فإذا كان كذلك كان الصفوان أيضا مما جاء من غير الأوصاف والمصادر على فعلان.
***
﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ (٢٦٧) ومن ذلك قراءة الزهرى ومسلم بن جندب «ولا تيمّموا الخبيث» بضم التاء وكسر الميم.
قال أبو الفتح: فيها لغات: أممت الشى ويممته وأمّمته ويمّمته وتيمّمته، وكلّه قصدته.
قال الأعشى:
تؤم سنانا وكم دونه … من الأرض محدودبا غارها
وقال الآخر:
стр. 228
يممت بها أبا صخر بن عمرو
وقال:
تيممت العين التى عند ضارج … يفئ عليها الظل عرمضها طام
والأمّ: القصد، ومثله الأمت. ومنه الإمام لأنه المقصود المعتمد، والإمام أيضا: خيط البنّاء؛ لأنه يمده ويعتمد بالبناء عليه، والأمّة: الطريقة لأنها معتمدة. قال الله سبحانه:
﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾، أى على طريقة مقصودة.
*** ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (٢٦٧) ومن ذلك قراءة الزهرى: «إلاّ أن تغمضوا فيه»» بفتح التاء، من غمض. وروى أيضا: «تغمّضوا فيه»»، مشددة الميم. وقرأ قتادة: «إلا أن تغمضوا فيه»»، بضم التاء وفتح الميم.
قال أبو الفتح أما قراءة العامة، وهى: ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فوجهها أن تأتوا غامضا من الأمر لتطلبوا بذلك التأوّل على أخذه، فأغمض على هذا: أتى غامضا من الأمر، كقولهم: أعمن الرجل: أتى عمّان، وأعرق: أتى العراق، وأنجد: أتى نجدا، وأغار:
أتى الغور. واختيار الأصمعى هنا غار، وليس هذا على قول الأصمعى أتى الغور، وإنما
стр. 229
هو غار، أى: غمض وانشام هناك، كقولك: ساخ وسرب. ولو أراد معنى صار إلى هناك لكان أغار، كما قال:
نبى يرى ما لا ترون وذكره … أغار لعمرى فى البلاد وأنجدا
ورواية الأصمعى: غار، على ما مضى، وليس المعنى ما قدمنا واحدا.
وأما «تغمضوا فيه» فيكون منقولا من غمض هو وأغمضه غيره، كقولك: خفى وأخفاه غيره، فهو كقراءة من قرأ «أن تغمضوا فيه». ولم يذكر ابن مجاهد هل الميم مع فتح التاء مكسورة أو مضمومة، والمحفوظ فى هذا غمض الشئ يغمض، كغار يغور، ودخل يدخل، وكمن يكمن، وغرب يغرب.
والمعنى: أن غيرهم يغمضهم فيه من موضعين:
أحدهما: أن الناس يجدونهم قد غمضوا فيه، فيكون من أفعلت الشئ وجدته كذلك، كأحمدت الرجل وجدته محمودا، وأذممته: وجدته مذموما. ومنه قوله:
وقوم كرام قد نقلنا قراهم … إليهم فأتلفنا المنايا وأتلفوا
أى وجدناها متلفة.
وقوله:
فمضى وأخلف من قتيلة موعدا …
стр. 230
أى: صادفه مخلفا.
وقول رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق …
أى صادفها مهتاجة النبت.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾، أى صادفناه غافلا. ولو كان أغفلنا هنا منقولا من غفل، أى منعناه وصددناه، لكان معطوفا عليه بالفاء «فاتّبع هواه». وذلك أنه كان يكون مطاوعا، وفعل المطاوعة إنما يكون معطوفا بالفاء دون الواو، وذلك كقوله: أعطيته فأخذ، ودعوته فأجاب. ولا تقول هنا: أعطيته وأخذ، ولا دعوته وأجاب، كما لا تقول: كسرته وانكسر، ولا جذبته وانجذب. إنما تقول: كسرته فانكسر، وجذبته فانجذب وهذا شديد الوضوح والإنارة على ما تراه.
وكذلك لو كان معنى أغفلنا فى الآية منعنا وصددنا لكان معطوفا عليه بالفاء، وأن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه. وإذ لم يكن هكذا، وكان إنما هو «واتبع» فطريقه أنه لما قال أغفلنا قلبه عن ذكرنا فكأنه قال: وجدناه غافلا، وإذا وجد غافلا فقد غفل لا محالة، فكأنه قال إذا: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا، أى لا تطع من فعل كذا، يعدد أفعاله التى توجب ترك طاعة الله سبحانه. ونسأل الله توفيقا من عنده ودنوّا من مرضاته بمنّه ومشيئته. فهذا أحد وجهى «تغمضوا فيه»، أى: إلا أن توجدوا مغمضين متغاضين عنه.
والآخر: أن يكون «تغمضوا فيه»، أى: إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه، وذلك
стр. 231
الشئ الذى يدعوهم إليه، ويحملهم عليه هو: رغبتهم فى أخذه ومحبتهم لتناوله. فكأنه- والله أعلم-إلا أن تسوّل لكم أنفسكم أخذه فتحسّن ذلك لكم، وتعترض بشكه على يقينكم حتى تكاد الرغبة فيه تكرهكم عليه.
ويزيد فى وضوح هذا المعنى لك ما روى عن الزهرى أيضا من قراءته: «إلاّ أن تغمّضوا فيه»، أى: إلا أن تغمّضوا بصائركم وأعين علمكم عنه؛ فيكون نحوا من قوله:
إذا تخازرت وما بى من خزر …
وهو معنى مطروق، منه قول الله تعالى: «فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ». وجاء به بعض المولدين فقال:
خالد اللّؤم أمغض … أنت؟ لا بل متغاضى
وآخر ذلك قول شاعرنا:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل … عما مضى منها وما يتوقّع
ولمن يغالط فى الحقائق نفسه … ويسومها طلب المحال فتتبع
وما أظرف الأول وأدمثه فى قوله:
стр. 232
أبكى إلى الشرق ما كانت منازلها … مما يلى الغرب خوف القيل والقال
وأذكر الخال فى الخد اليمين لها … خوف الوشاة وما بالخد من خال
***
﴿اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ (٢٧٨) ومن ذلك قراءة الحسن: «اتّقوا الله وذروا ما بقى من الرّبا»، بكسر القاف وسكون الياء.
قال أبو الفتح: قد سبق ما فى سكون هذه الياء المكسور ما قبلها فى موضع النصب والفتح بشواهده. ومنه قول جرير:
هو الخليفة فارضوا ما رضى لكم … ماضى العزيمة ما فى حكمه جنف
стр. 233
ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن أبى زيد عن أبى السّمّال: أنه كان يقرأ: «ما بقى من الرّبو»، مضمومة الباء ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: فى هذا الحرف ضربان من الشذوذ.
أحدهما: الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازما.
والآخر: وقوع الواو بعد الضمة فى آخر الاسم، وهذا شئ لم يأت إلا فى الفعل نحو يغزو ويدعو ويخلو، فأما «ذو» الطائية التى بمعنى الذى نحو قوله:
لأنتحيا للعظم ذو أنا عارقه …
فشاذ، وعلى أن منهم من يغير هذه الواو إذا فارق الرفع. فيقول: رأيت ذا قام أخوه، ومررت بذى قام أخوه.
وسألت أبا على عن حكاية أبى زيد «فعلته من ذى إلينا». فقال: أراد من الذى إلينا.
فقلت: فهذا يوجب عليه أن يقول من ذو إلينا.
فقال-وهو كما قال-: قد تغير هذه الواو فى النصب والجر، وعلى أن ذو هذه لما كانت موصولة وقعت واوها حشوا فأشبهت واو طومار، كما أشبهت عند صاحب الكتاب ياء معد يكرب ياء دردبيس.
والذى ينبغى أن يتعلّل به فى الرّبو بالواو هو أنه فخّم الألف انتحاء بها إلى الواو التى الألف بدل منها على حد قولهم: الصلاة والزكاة، وكمشكاة، وكقولهم: عالم وسالم وسالف وآنف. وكأنه بيّن التفخيم فقوى الصوت فكان الواو أو كاد، إلا أن الراوى أبو زيد، وما أبعده مع علمه وفقهه باللغة من أن تتطرق ظنّة عليه فى تحصيل ما يسمعه.
فإن قلت فلعله شبه ذوات العلة بذوات الهمز فوقف على الواو، كما قالوا: هو الرّدو والبطو. قيل: هذه الواو إنما تكون مع الهمزة فى هذا الكلو ومررت بالكلى فى موضع
стр. 234
الرفع، وموضع الرّبو جر بمن فى قوله: «من الرّبو». وعلى أن الكلو مفتوح ما قبل الواو، والباء من الرّبو مضمومة: وعلى أى الأمر حملته فهو شاذ.
***
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ﴾ (٢٦٩) ومن ذلك قراءة الزهرى ويعقوب: «ومن يوت الحكمة»»، بكسر التاء.
قال أبو الفتح: وجهه على أن الفاعل فيه اسم الله تعالى، أى: ومن يوت الله الحكمة، من منصوبة على أنها المفعول الأول والحكمة المفعول الثانى، كقولك: أيّهم تعط درهما يشكرك.
***
﴿فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢٨٠) ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف، وأبى رجاء ومجاهد فيما روى عنه: «فنظرة إلى ميسرة»، وقراءة عطاء بن أبى رباح: «فناظره» بالألف، والهاء كناية. وروى أيضا عن عطاء: «فناظره إلى ميسره»، أمر.
قال أبو الفتح: أما «فنظرة» بسكون الظاء فمسكّنة للتخفيف من «نظرة»، كقولهم فى كلمة: كلمة، وفى كبد كبد، لغة تميمية. وهم الذين يقولون فى كرم: كرم، وفى كتب: كتب.
стр. 235
وأما فناظره فكقولك: فياسره فسامحه وليس أمرا من المناظرة؛ أى المحاجة والمجادلة، لكنها من المساناة والمسامحة، فيقول على هذا: قد تناظر القوم بينهم الحقوق، كقولك:
قد تسامحوا فيها ولم يضايق بعضهم بعضا.
ويقول عليه: لله متبايعان رأيتهما، فقد تناظرا، أى: تسامحا ولم يتحاجا.
وأما «إلى ميسره». فغريب؛ وذلك أنه ليس فى الأسماء شئ على مفعل بغير تاء، لكنه بالهاء، نحو المقدرة والمقبرة والمشرقة والمقنوة. وأما قوله:
أبلغ النعمان عنى مألكا … أنه قد طال حبسى وانتظار
فطريقه عندنا أنه أراد مألكة، وهى الرسالة، غير أنه حذف الهاء وهو يريدها، كما قال كثير:
خليلى إن أمّ الحكيم تحملت … وأخلت لخيمات العذيب ظلالها
يريد العذيبة. وكما قال ملك بن جبّار الطائى:
إنا بنو عمكم لا أن نباعلكم … ولا نصالحكم إلا على ناح
يريد ناحية. وكذلك قول الآخر:
بثين الزمى لا إنّ لا إن لزمته … على كثرة الواشين أىّ معون
يريد معونة فحذف. وقيل: أراد جمع معونة. وكذلك قول الآخر:
стр. 236
ليوم روع أو فعال مكرم …
يريد مكرمة ثم حذف. وقيل: أراد جمع مكرمة، وكذلك أراد هنا إلى ميسرته، فحذف الهاء. وحسن ذلك شيئا أن ضمير المضاف إليه كاد يكون عوضا من علم التأنيث. وإليه ذهب الكوفيون فى قوله تعالى: ﴿وَإِقامَ الصَّلاةِ﴾ أنه أراد إقامة، وصار المضاف إليه كأنه عوض من التاء.
ويشهد لهذا قراءة من قرأ «فنظرة إلى ميسرة»». قرأ بها نافع فى جماعة من الصحابة، فاعرف.
***
﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى﴾ (٢٨١) ومن ذلك قراءة الحسن: «واتقوا يوما يرجعون فيه» بياء مضمومة.
قال أبو الفتح: فيه أنه ترك الخطاب إلى لفظ الغيبة كقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، غير أنه تصور فيه معنى مطروقا هنا فحمل الكلام عليه، وذلك أنه كأنه قال: واتقوا يوما يرجع فيه البشر إلى الله فأضمر على ذلك، فقال: يرجعون فيه إلى الله.
стр. 237
وقد شاع واتسع عنهم حمل ظاهر اللفظ على معقود المعنى، وترك الظاهر إليه، وذلك كتذكير المؤنث وتأنيث المذكر وإفراد الجماعة وجمع المفرد. وهذا فاش عنهم، وقد أفردنا له بابا فى كتابنا فى الخصائص ووسمناه هناك بشجاعة العربية. وكأنه-والله أعلم-إنما عدل فيه عن الخطاب إلى الغيبة فقال: يرجعون بالياء رفقا من الله سبحانه بصالحى عباده المطيعين لأمره.
وذلك أن العود إلى الله للحساب أعظم ما يخوّفه ويتوعّد به العباد. فإذا قرئ ترجعون فيه إلى الله فقد خوطبوا بأمر عظيم يكاد يستهلك ذكره المطيعين العابدين، فكأنه تعالى انحرف عنهم بذكر الرجعة فقال: يرجعون فيه إلى الله. ومعلوم أن كل وارد هناك على أهول أمر وأشنع خطر، فقال: يرجعون فيه، فصار كأنه قال: يجازون أو يعاقبون أو يطالبون بجرائرهم فيه، فيصير محصوله من بعد، أى: فاتقوا أنتم يا مطيعون يوما يعذّب فيه العاصون.
ومن قرأ بالتاء «ترجعون» فإنه فضل تحذير للمؤمنين نظرا لهم واهتماما بما يعقب السلامة بحذرهم، وليس ينبغى أن يقتصر فى ذكر علة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب بما عادة توسط أهل النظر أن يفعلوه، وهو قولهم: إن فيه ضربا من الاتساع فى اللغة لانتقاله من لفظ إلى لفظ. هذا ينبغى أن يقال: إذا عرى الموضع من غرض معتمد، وسر على مثله تنعقد اليد.
فمنه قوله تعالى: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، هذا بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. فليس ترك الغيبة إلى الخطاب هنا اتساعا وتصرفا، بل هو لأمر أعلى ومهم من الغرض أعنى. وذلك أن الحمد معنى دون العبادة، ألا تراك قد تحمد نظيرك ولا تعبده؛ لأن العبادة غاية الطاعة والتقرب بها هو النهاية والغاية؟ فلما كان كذاك استعمل لفظ «الحمد» لتوسطه مع الغيبة، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾، ولم يقل لك، ولما صار إلى العبادة التى هى أقصى أمد الطاعة قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾، فخاطب بالعبادة إصراحا بها، وتقربا منه عز اسمه بالانتهاء إلى محدوده منها.
وعلى نحو منه جاء آخر السورة، فقال: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأصرح بالخطاب لمّا ذكر النعمة، ثم قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل غير الذين غضبت عليهم، وذلك أنه موضع تقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار الكلام إلى ذكر
стр. 238
الغضب قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، حتى كأنه قال: غير الذين غضب عليهم، فجاء اللفظ منحرفا به عن ذكر الغاضب، ولم يقل غير الذين غضبت عليهم كما قال:
﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأسند النعمة إليه لفظا، وزوى عنه لفظ الغضب تحسنا ولطفا.
فانظر إلى هذه اللغة الكريمة وشرفها، وتلاقى هذه الأغراض اللطيفة وتعطفها، الأقدام تكاد تطؤها، والأفهام مع ثقوبها صافحة عنها، ويا ليت شعرى هل تكون سورة أكثر استعمالا من سورة الحمد، وهذا جزء من أجزاء ما فيها ولم توضع عليه يد؟ شرح الله لإعظام أوامره صدورنا، وأحسن الأخذ إلى طاعته بأيدينا بقدرته وماضى مشيئته.
ومما يتلقّاه عامة من يسأل عنه بأنه أخذ باللغتين، وسعة باختلاف اللفظين-قراءة أبى عمرو: «وتفقّد الطير فقال ما لى لا أرى الهدهد»، بسكون الياء من «لى»، وقراءته أيضا: «وما لى لا أعبد الذى فطرنى»، بتحريك الياء.
وعلة ذلك ليس الجمع بين اللغتين كما يفتى به جميع من تسأله عنه، لكنه لما جاز الوقف على قوله تعالى: «وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ»، وأن يستأنف فيقول: «لا أَرَى الْهُدْهُدَ» -سكن الياء من «لى»؛ أمارة لجواز الوقوف عليها. ولما لم يحسن الابتداء بقوله: «لا أعبد الذى فطرنى» -حرك الياء من «لى» قبلها؛ أمارة لإدراج الكلام ووصله، وذاك أن الحركة من أعراض الوصل، والسكون من أعراض الوقف. فهل يحسن مع وجود هذا الفرق الواضح الكريم أن يخلد دونه إلى التّعذّر بما يخلد إليه الموهون المضيم؟ اللهم انفعنا بما استودعتناه، واجعل بك اعتصامنا، وإلى طاعتك توجّهنا، إنك لطيف بنا وأنت حسبنا.
***
стр. 239
﴿وَاِمْرَأَتانِ﴾ (٢٨٢) ومن ذلك ما رواه متّ بن عبد الرحمن قال: كان أهل مكة يقرءون: «وامرأتان»، بسكون الهمزة.
قال أبو الفتح: وجه ذلك-والله أعلم-أنهم كانوا يخففون الهمزة هنا فيضعفون حركتها على المعتاد من أمرها، فتقرب من الساكن.
ويدلّ على أن الهمزة المحركة إذا خففت فى نحو هذا قريبة من الساكن-امتناع العرب من أن تبتدئ بها مخففة كما تمتنع من الابتداء بالساكن، فلما صارت إلى قولك:
«وامرأتان» بالغوا فى ذلك فأبدلوها ألفا، فصارت: «وامراتان» بألف ساكنة، كما قال:
يقولون جهلا ليس للشيخ عيّل … لعمرى لقد أعيلت وان رقوب
يريد وأنا، فخفف الهمزة فصار «وان»، ثم تجاوز ذلك إلى البدل فأخلصها فى اللفظ ألفا فقال: وان. فكذلك لما أبدل من همزة «وامرأتان» ألفا فصار تقديره: «وامراتان»، ثم أبدل الهمزة من الألف وإن كانت ساكنة على ما قدمنا ذكره فيما قبل. وعليه قراءة ابن كثير: «وكشفت عن سأقيها». ومنه البأز، والخأتم، والعألم، وتأبلت القدر، ونحو ذلك مما قدمنا ذكره. هذا طريق الصنعة فيه والتأتى له.
فأما أن يقدّر به مقدّر على أنه أسكن الهمزة المتحركة اعتباطا البتة هكذا فلا؛ لأنه لا نظير له. ألا ترى أن ما قبل تاء التأنيث لا يكون أبدا إلا مفتوحا، نحو جوزة ورطبة، إلا أن تكون الألف المدة نحو فتاة وقطاة؟ فأما الهمزة فحرف صحيح حامل للحركة فتجب فتحته البتة. فإن قلت: أسكن الهمزة تشبيها لها بالألف من حيث تساوتا فى
стр. 240
الجهر، وفى الزيادة، وفى البدل، وفى الحرف، وفى قرب المخرج، وفى الخفاء-فقول ما، غير أنه مخشوب لا صنعة فيه ولا يكاد يقنع بمثله.
***
﴿وَلا يُضَارَّ﴾ (٢٨٢) ومن ذلك قراءة عمرو بن عبيد وأبى جعفر يزيد بن القعقاع: «ولا يضارّ»، بتشديد الراء وتسكينها.
قال أبو الفتح: أما تشديد الراء فلا سوال فيه؛ لأنه يريد يضارر، بفتح الراء الأولى أو بكسرها. وكلاهما قد قرئ به؛ أعنى: الفتح فى الراء الأولى والكسر. والإدغام لغة تميم، والإظهار لغة الحجازيين على ما مضى، لكن تسكين الراء مع التشديد فيه نظر.
وطريقه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف كقوله: سبسبّا، وكلكلا. وقد ذكرنا هذا الوصل على نية الوقف فيما مضى. وقد كنا ذكرنا فيما قبل ما يروى عن الأعرج عن أبى جعفر من تسكين الراء على أنها مخففة، وأيّا كان ففيه ما مضى.
وقراءة ابن محيصن: «ولا يضارّ»، رفع. قال ابن مجاهد: لا أدرى ما هى؟. وهذا الذى أنكره ابن مجاهد معروف، وذلك على أن تجغل «لا» نفيا؛ أى: وليس ينبغى أن يضار، كقوله:
على الحكم المأتى يوما إذا قضى … قضيّته ألا يجور ويقصد
стр. 241
فرفع «ويقصد» على أنه أراد: وينبغى له أن يقصد فرفع يقصد كما يرتفع ينبغى.
فكذا هذا؛ أى وينبغى ألا يضار. وإن شئت كان لفظ الخبر على معنى النهى حتى كأنه قال: ولا يضارر، كقولهم فى الدعاء: يرحمه الله، أى ليرحمه الله، ويغفر الله لك، أى ليغفر الله لك، ولا يرحم الله قاتلك، فرفع على لفظ الخبر وأنت تريد: لا يرحمه الله جزما فتأتى بلفظ الخبر وأنت تريد معنى الأمر والنهى على ما ذكرنا.
***
﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ (٢٨٤) ومن ذلك ما رواه الأعمش قال: فى قراءة ابن مسعود: «يحاسبكم به الله يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء»، جزم بغير فاء.
قال أبو الفتح: جزم هذا على البدل من «يحاسبكم» على وجه التفصيل لجملة الحساب، ولا محالة أن التفصيل أوضح من المفصّل، فجرى مجرى بدل البعض أو الاشتمال. والبعض: كضربت زيدا رأسه، والاشتمال كأحبّ زيدا عقله. وهذا البدل ونحوه واقع فى الأفعال وقوعه فى الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان. فمن ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾. لأن مضاعفة العذاب هو لقىّ الأثام.
وعليه قوله:
رويدا بنى شيبان بعض وعيدكم … تلاقوا غدا خيلى على سفوان
تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى … إذا ما غدت فى المأزق المتدانى
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم … على ما جنت فيهم يدا الحدثان
стр. 242
فأبدل تلاقوا جيادا من قوله: تلاقوا غدا خيلى، وجاز إبداله منه للبيان وإن كان من لفظه وعلى مثاله؛ لما اتصل بالثانى من قوله: جيادا لا تحيد عن الوغى، وأبدل تلاقوهم من تلاقوا جيادا لما اتصل به من المعطوف عليه وهو قوله: «فتعلموا كيف صبرهم».
وإذا حصلت فائدة البيان لم تبل أمن نفس المبدل كانت، أم ممّا اتصل به فضلة عليه، أم من معطوف مضموم إليه؛ فإن أكثر الفوائد إنما تجتنى من الألحاق والفضلات. نعم وما أكثر ما تصلح الجمل وتتمّمها، ولولا مكانها لوهت فلم تستمسك.
ألا تراك لو قلت: زيد قامت هند لم تتم الجملة؟ فلو وصلت بها فضلة ما لتمت، وذلك كأن تقول: زيد قامت هند فى داره، أو معه، أو بسببه، أو لتكرمه، أو فأكرمته، أو نحو ذلك-فصحت المسألة؛ لعود الضمير على المبتدأ من الجملة. وعليه قول كثير فيما أظن:
وإنسان عينى يحسر الماء تارة … فيبدو وتارت يجم فيغرق
فبالمعطوف على يحسر الماء ما تمت الجملة. وفى هذا بيان.
***
стр. 243
سورة آل عمران
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢) من ذلك قراءة عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان رضى الله عنهما، وابن مسعود وإبراهيم النخعى، والأعمش، وأصحاب عبد الله وزيد بن على، وجعفر بن محمد وأبى رجاء بخلاف، ورويت عن النبى ﷺ : «الحىّ القيّام»، وقرأ علقمة: «الحىّ القيّم».
قال أبو الفتح: أما «القيّام» ففيعال من قام يقوم؛ لأن الله تعالى هو القيم على كل نفس، ومثله من الصفة على فيعال الغيداق والبيطار. وأصله القيوام فلما التقت الواو والياء وسبقت الأولى بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فصارت القيام، ومثله قولهم: «ما بالدار ديّار»، وهو فيعال من دار وأصلها ديوار، وأهل الحجاز يقولون، للصّوّاغ: الصّيّاغ. فعلى هذا ينبغى أن يحمل لا على فعّال؛ لأنه كان يجب أن يكون صوّاغا. هذا هو الباب.
وأما الفيّاد لذكر البوم فحمله أبو علىّ على أنه فعّال من الأسماء، وذلك أنه من فاد يفيد إذا تبختر. وأما الجيّار للسّعال فكذا يجب أن يكون أيضا، وهو فعّال من لفظ «جير» بمعنى نعم ومعناها؛ وذلك أن السّعلة تجيب أختها كما أن جير جواب.
قال العجّاج:
تجاوب الرّعد إذا تبوّجا
وأنشدنا أبو على:
стр. 244
إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
والحديث طويل لكن هذا طريقه.
وأما القيّم ففيعل من قام يقوم بأمره، وهو من لفظ قيّام ومعناه قال:
الله بينى وبين قيّمها … يفر منى بها وأتّبع
لما قال الشاعر هذا قيل له: لا، بل الله بين قيمها وبينك.
والقيوم قراءة الجماعة، فيعول هذا أيضا، ومثله الدّيّور فى معنى الدّيّار.
***
﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٣) ومن ذلك قراءة الحسن: «الأنجيل»، بفتح الهمزة.
قال أبو الفتح: هذا مثال غير معروف النظير فى كلامهم؛ لأنه ليس فيه أفعيل بفتح الهمزة. ولو كان أعجميا لكان فيه ضرب من الحجاج، لكنه عندهم عربى، وهو أفعيل من نجل ينجل: إذا أثار واستخرج، ومنه نجل الرجل لولده؛ لأنه كأنه استخرجهم من صلبه وبطن امرأته، قال الأعشى:
أنجب أزمان والده به … إذ نجلاه فنعم ما نجلا
أى أنجب والده به أزمان إذ نجلاه، ففصل بالفاعل بين المضاف الذى هو أزمان وبين المضاف إليه الذى هو إذ، كقولهم: حينئذ، ويومئذ، وساعتئذ، وليلتئذ.
وقال أبو النجم:
تنجل أيديهن كل منجل
стр. 245
يريد أيدى الإبل، أى تثير بأيديها فى سيرها ما تمر به من نبت وحجر وغيرهما.
وقيل له: إنجيل لأنّ به ما استخرج علم الحلال والحرام ونحوهما، كما قيل: توراة، وهو فوعلة من ورى الزند إذا قدح وأصله وورية، فأبدلت الواو التى هى الفاء تاء كما قالوا: التّجاه والتّخمة والتّكلان والتّيقور، وهى من الوجه الوخامة والوكيل والوقار.
وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت توراة. فهذه من ورى الزّند: إذا ظهرت ناره، وهذا من نجل ينجل: إذا استخرج، لما فى هذين الكتابين من معرفة الحلّ والحرم كما قيل لكتاب نبينا ﷺ : الفرقان؛ لأنه فرّق بين الحق والباطل. وهذا الحديث الذى نحن عليه من باب ضمنه كتابنا الخصائص وسمته: باب فى تلاقى المعانى على اختلاف الأصول والمبانى، وذلك أن التوراة من لفظ ورى، والإنجيل من لفظ «ن ج ل»، والفرقان من «ف ر ق». والتوراة فوعلة، والإنجيل إفعيل، والفرقان فعلان.
فالأصول مختلفة والمبانى كذلك، والمعانى واحدة ومعتنقة، وكلها للإظهار والإبراز والفرق بين الأشياء، أفلا ترى إلى هذه الحكمة الممرور بها، الواطئة الأقدام عليها، المسهوّ لعادة الدعة وقلة المراعاة والمراجعة عنها؟.
وفى كل شئ له شاهد … يدل على أنه واحد
ونظائره تكاد تكون أكثر من الرمل، منه قولهم للمسك: صوار، فأصلاهما مختلفان:
هذا من «م س ك»، وهذا من «ص ور». ومثالاهما كذلك؛ لأن مسكا فعل، وصوار فعال، ومعنياهما واحد. وذلك لأنه سمى مسكا لأنه بطيب رائحته يمسك الحس عليه استلذاذا له، وصوار من صار يصور إذا عطف وجمع فأمسكت الشئ وعطفته وجمعته شئ واحد. ومنه قولهم: سحاب، قيل له ذلك، كما قيل له حبىّ: فهذا من «ح ب و»، وهذا من «س ح ب». وسحاب فعال، وحبى فعيل، فالأصلان مختلفان، والمثالان اثنان
стр. 246
والمعنيان واحد، وذلك أنه لثقله ما ينسحب على وجه الأرض، وكذلك ما يحبو عليها.
قالت امرأة تصف غيثا:
وأقبل يزحف زحف الكسير … كأن على عضديه رفاقا
وقال أوس أو عبيد:
دان مسف فويق الأرض هيدبه … يكاد يدفعه من قام بالرّاح
واللطيف الحسن الجميل كثير، لكن أين لك بالمحسن المستثير؟ فهذا حديث هذا المثال الذى هو الإنجيل، وأما فتحه فغريب، ولكنه الشيخ أبو سعيد نضر الله وجهه ونور ضريحه. ونحن نعلم أنه لو مر بنا حرف لم نسمعه إلا من رجل من العرب لوجب علينا تسليمه له إذا أونست فصاحته، وأن نبهأ به، ونتحلى بالمذاكرة بإعرابه. فكيف الظن بالإمام فى فصاحته وتحريه وثقته؟ ومعاذ الله أن يكون ذلك شيئا جنح فيه إلى رأيه دون أن يكون أخذه عمن قبله. وبعد فقد حكى أبو زيد فى السّكّينة: السّكّينة، بفتح السين وتشديد الكاف. فهذا فعّيلة وإن لم يكن لها نظير، وإفعيل أخو فعّيل.
стр. 247
وأحسبنى سمعت فى برطيل برطيل.
فهذا فعليل بفتح الفاء، وأفعيل وفعليل وفعّيل يكاد يكون مثالا واحدا.
***
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ (٨) ومن ذلك قراءة أبى واقد الجرّاح: «ربّنا لا تزغ قلوبنا»».
قال أبو الفتح: هذا فى المعنى عائد إلى قراءة الجماعة: ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾، وذلك أنه فى الظاهر طلب من القلوب ورغبة إليها، فهو كقول الراجز فيما أنشده ابن الأعرابى.
يا رب لا يرجع إلينا طفيلا
وفسره طفلا فظاهر الطلب والرغبة إلى ذلك الإنسان المدعو إليه.
وإنما المسئول الله سبحانه، حتى كأنه قال: اللهم لا ترجعه إلينا، ويؤكّد فى ذلك النداء فى قوله تعالى: «رَبَّنا».
ويزيد فى شرحه لك أنك تقول للأمير: لا ترهقنى؛ لأنه يملك التنفيس عنك، ولا تقول له: أيها الأمير أدخلنى الجنة؛ لأن ذلك ليس له ولا إليه.
فقد علمت إذا أن معنى «لا تُزِغْ قُلُوبَنا» هو معنى ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾؛ ألا ترى أن القلوب لا تملك شيئا فيطلب منها؟ فالمسئول إذا واحد وهو الله سبحانه.
***
﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (١٣) ومن ذلك قراءة ابن عباس وطلحة: «يرونهم مثليهم»، بياء مضمومة.
стр. 248
قال أبو الفتح: هذه قراءة حسنة المعنى، وذلك أن رأيت وأرى أقوى فى اليقين من أريت وأرى. تقول: أرى أن سيكون كذا، أى: هذا غالب ظنى، وأرى أن سيكون كذا، أى: أعلمه وأتحققه، وسبب ذلك أن الإنسان قد يريه غيره الشئ فلا يصح له، فمعناه إذا أن غيره يشرع فى أن يراه ولا أنه هو لا يراه. وأما أرى فإخبار بيقين منه، فكذلك هذه الآية «يرونهم مثليهم»، أى: يصوّر لهم ذلك وإن لم يكن حقا؛ لأن الشئ الواحد لا يكون اثنين فى حال واحد قد يظن ويتوهم شيئين بل أشياء كثيرة. ومثله قول الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً﴾، فهذا يحسّن هذه القراءة.
وأما قراءة الجماعة: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ فلأنها أقوى معنى، وذلك أنه أوكد لفظا، أى حتى لا يقع شك فيهم ولا ارتياب بهم أنهم مثلاهم. فهذا أبلغ فى معناه من أن يكون مر يريهم ذلك، فقد يجوز أن يتم له ذلك وقد لا، هذا فى ظاهر الأمر؛ فأما على اليقين ومع الحقيقة فلا يجوز أن يكون الشئ الواحد شيئين اثنين فيما له كان واحدا. ومما جاء مفصولا فيه بين أرى وأرى قوله:
ترى أو تراءى عند معقد غرزها … تهاويل من أجلاد هرّ مؤوّم
فلما قال: «ترى» استكثر ذلك لأنه مع التحصيل لا حقيقة له، فأتبعه بما لان له القول الأول، فقال: أو تراءى فاعرف ذلك.
***
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ (١٤) ومن ذلك قراءة مجاهد: «زيّن للناس حبّ الشهوات»، بفتح الزاى والياء.
قال أبو الفتح: فاعل هذا الفعل إبليس، ودل عليه ما يتردد فى القرآن من ذكره.
فهذا نحو قول الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾، وما جرى هذا المجرى.
***
стр. 249
﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ (١٨) ومن ذلك قراءة الناس: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ وقرأ أبو المهلّب محارب بن دثار:
«شهداء لله». مضمومة الشين، مفتوحة الهاء، ممدودة على فعلاء.
قال أبو الفتح: هو منصوب على الحال من الضمير فى المستغفرين، أى يستغفرونه شهداء لله أنه لا إله إلا هو، وهو جمع شهيد. ويجوز أن يكون جمع شاهد، كعالم وعلماء، والأول أجود.
***
﴿ذُرِّيَّةً﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة الناس: ﴿ذُرِّيَّةً﴾، وقرأ زيد بن ثابت: «ذرّيّة» بكسر الذال، «وذرّيّة» بفتح الذال.
قال أبو الفتح: يحتمل أصل هذا الحرف أربعة ألفاظ:
أحدها: ذرأ، والثانى ذرر، والثالث ذرو، والرابع ذرى.
فأما الهمز فمن ذرأ الله الخلق. وأما ذرر فمن لفظ الذر ومعناه، وذلك لما ورد فى الخبر أن الخلق كان فى القديم كالذّر، وأما الواو والياء فمن ذروت الحب وذريته، يقالان جميعا؛ وذلك لقوله سبحانه: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾، وهذا للطفه
стр. 250
وخفته، وتلك حال الذر أيضا. فهذه الأصول المنزوع إليها، المقود تصريف هذا الموضع عليها. فأما ذرّية المضمومة فإن أخذتها من ذرأ فإنها فى الأصل فعّيلة كمريّق، وأصلها ذرّيئة، فألزمت التخفيف أو البدل كنبىّ فى أكثر اللغة، وكالخابية، وكالبريّة فيمن أخذها من برأ الله الخلق، وغير ذلك مما ألزم التخفيف. ومثلها: ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ فيمن جعله فعّيلا من درأت؛ وذلك لأنه يدرأ الظلمة عن نفسه بضوئه، وأصله على هذا درّئ فخفف، وقد قرئ به مهموزا.
وإن أخذت الذّرّية من الذّرّ احتمل خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون فعليّة كبختيّة وقمريّة.
والآخر: أن تكون منسوبة إلى الذّرّ، إلا أنه غير أولها؛ لما قد يعرض من التغيير لياءى الإضافة، كقولهم فى الإضافة إلى أمس: إمسى، وإلى الأفق أفقى، وإلى الحرم حرمى، وإلى جذيمة جذمىّ، وإلى عبيدة عبدى، وإلى الدّهر دهرى، وإلى السّهل سهلى.
والثالث: أن تكون ذرّية فعّيلة كمرّيقة؛ إلا أن أصلها ذرّيرة على هذا، فلما كثرت الراءات أبدلوا الآخرة ياء وأدغموا فيها ياء فعّيلة التى قبلها. ونحو منه مما أبدل فيه أحد الأمثال ياء هربا من تكريرها قولهم: تظّنّيت، وتسرّيت، وتلعّيت من اللّعاعة وهى بقلة، وقصّيت أظافرى، وتفضّيت من الفضة، وكقوله:
تقضّى البازى إذا البازى كسر
هو تفعّل من الانقضاض، وأصله تقضّض، كما أن أصل تظنيت تظننت، وتسرّيت تسررت، لأنه تفعّلت من السّرّية فيمن أخذها من السّر وهو النكاح، أو من السّر لأنه فى غالب الأمر مكتومة الأمر من صاحبة المنزل. وهذا قول أبى الحسن الكرخى.
وأصل تلعيت تلععت، وأصل قصّيت أظفارى قصصت. ويمكن أن يكون أخذت من أقاصيها فلا يكون مبدلا. وأصل تفضيت تفضّضت، وقالوا: فأبدلوا مع الاثنين فى أمللت الكتاب: أمليت، وقال الأسود بن يعفر:
وأقسمت لا أملاه حتى يفارقا …
следующие страницы →