Полный текст (896 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وغير سفع مثّل يحامم …
يريد: يحاميم وعطاميس.
وروينا لعبيد الله بن الحرّ قوله:
وبدّلت بعد الزّعفران وطيبه … صدا الدّرع من مستحكمات المسامر
وعلى أن حذف الياء مع الإدغام أسهل شيئا من حذفه ولا إدغام معه، وذلك أن هذه الياء لما أدغمت خفيت وكادت تستهلك، فإذا أنت حذفتها فكأنك إنما حذفت شيئا هو فى حال وجوده فى حكم المحذوف. نعم، وقد يحذف هذا الحرف ويؤتى بالعوض منه حرفا فى حال وجوده فى حكم ما ليس موجودا، وهو تاء التأنيث فى نحو قولهم: فرازنة وزنادقة وجحاجحة. فالتاء عوض من ياء فرازين وجحاجيح وزناديق، وكذلك قالوا مع الإدغام. وذلك قولهم فى أثانى وأناسى: أثانية، وأناسية. رواها أبو زيد. وإذا كانوا قد رضوا بالكسرة قبلها دليلا عليها، وعوضا منها فهم بأن يقنعوا بالتاء عوضا منها أجدر.
***
﴿وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٨٧) ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن أبى عمرو «وآيدناه». قال ابن مجاهد-على ما علمناه-ممدودة الألف خفيفة الياء. وقد روى عن مجاهد فى قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ آيدتك. قال ابن مجاهد: على فاعلتك.
قال أبو الفتح: هذا الذى توهمه ابن مجاهد، أن آيدتك فاعلتك-لا وجه له، وإنما آيدتك أفعلتك، من الأيد، وهو القوة.
стр. 177
وقال أبو على: إنما كثر فيه أيّديك فعّلتك، لما يعرض فى آيدتك من تصحيح العين مخافة توالى إعلالين فى آيدتك. وأنشدنا قوله:
ينبى تجاليدى وأقتادها … ناو كرأس الفدن المويد
فهذا من آيدته، أى: قويته؛ لأنه مفعل كمكرم ومقتل ومؤدم-ولو كان آيدتك- كما ظن ابن مجاهد فاعلتك-لكان اسم المفعول منه مؤايد كمقاتل ومضارب، ولكن قراءة من قرأ: «آتينا بها» فاعلنا، ولو كان أفعلنا لما احتاج إلى حرف الجر؛ لأنه إنما يقال: أتيت زيدا بكذا وآتيته، كقولك: أعطيته كذا، فكذاك لو كان آتينا أفعلنا لكان آتيناها كقولك: أعطيناها، وأنت لا تقول: آتيته بكذا، كما لا تقول أعطيته بكذا.
فقوله فى تلك القراءة «آتيناها» كقولك حاضرنا بها، وشاهدنا بها، وهذا واضح.
ومعنى قول أبى على: لو جاء آيدتك على ما يجب فى مثله من إعلال عين أفعلت إذا كانت حرف علة كأقمت زيدا وأشرته وأبعته أى: عرضته للبيع-لتتابع فيه إعلالان؛ لأن أصل آيدت: أأيدت، كما أن أصل آمن: أأمن، فانقلبت الهمزة الثانية ألفا لاجتماع الهمزتين فى كلمة واحدة، والأولى منهما مفتوحة والثانية ساكنة، فهى كآمن وآلف، وفى الأسماء نحو آدم وآدر. فكان يجب أيضا أن تلقى حركة العين على الفاء وتحذف العين، فكان يجب على هذا أن تقلب الفاء هنا واو؛ لأنها قد تحركت وانفتح ما قبلها ولا بد من بدلها لوقوع الهمزة الأولى قبلها، كما قلبت فى تكسير آدم أو ادم، فكان يلزم على هذا أن تقول: أودته كأقمته وأدرته، فتحذف العين كما ترى، وتقلب الفاء التى هى فى الأصل همزة واوا فتعتل الفاء والعين جميعا، وإذا أدى القياس إلى هذا رفض. وكثر فيه فعّلت أيّدت ليؤمن ذانك الاعتلالان، فلما استعمل شئ منه جاء قليلا شاذا، أعنى: آيدت. وإذا كانوا قد أخرجوا عين أفعلت وهى حرف علة على الصحة نحو قوله:
صددت فأطولت الصدود …
وقولهم: أغليت المرأة، وأغيمت السماء، وأخوص الرّمث وأعوز القوم، وأليث الشجر، وأسوأ الرجل. ولو خرج على منهج إعلال مثله لم يخف فيه توالى إعلالين كان خروج آيدت على الصحة لما كان يعقب إعلال عينه من اجتماع إعلالها مع إعلال الفاء
стр. 178
قبلها-أولى وأجدر. فقد ثبت أن قراءة مجاهد «إذ آيدتك» إنما هو أفعلتك لا فاعلتك، كما ظن ابن مجاهد.
***
﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (٩٧)
﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ (٩٨) ومن ذلك قراءة يحيى بن يعمر: «جبرئلّ»، مشددة اللام، بوزن جبرعل. وعنه أيضا، وعن فياض بن غزوان: «جبرائيل» بوزن جبراعيل، بهمزة بعد الألف، وبهذا الوزن من غير همز بياءين عن الأعمش، «وميكاييل» من غير همز أيضا ممدود، وقرأ: «ميكئل» بوزن ميكعل، ابن هرمز الأعرج وابن محيصن.
قال أبو الفتح: أما على الجملة فقد ذكرنا فى كتابنا هذا، وفى غيره من كتبنا: أن العرب إذا نطقت بالأعجمى خلّطت فيه، وأنشدنا فى ذلك ما أنشدناه أبو على من قول الراجز:
هل تعرف الدار لأم الخزرج … منها فظلت اليوم كالمزرّج
يريد الذى شرب الزّرجون وهى الخمر، وأنه كان قياسه المزرجن؛ من حيث كانت النون فى الزّرجون أصلية. نعم، وذكرنا أنهم قد يحرّفون ما هو من كلامهم، فكيف ما هو من كلام غيرهم؟ إلا أن جبرئل قد قيل فيه: إن معناه عبد الله، وذلك أن الجبر بمنزلة الرجل، والرجل عبد الله، ولم يسمع الجبر بمعنى الرجل إلا فى شعر ابن أحمر، وهو قوله:
اشرب براووق حبيت به … وانعم صباحا أيها الجبر
стр. 179
قالوا: وإلّ بالنبطية: اسم الله تعالى: ومن ألفاظهم فى ذلك أن يقولوا: كوريال، الكاف بين القاف والكاف. فغالب هذا أن تكون هذه اللغات كلها فى هذا الاسم إنما يراد بها جبريال الذى هو كوريال، ثم لحقها من التحريف على طول الاستعمال ما أصارها إلى هذا التفاوت، وإن كانت على كل أحوالها متجاذبة يتشبث بعضها ببعض.
واستدل أبو الحسن على زيادة الهمزة فى «جبرئيل» بقراءة من قرأ «جبريل» ونحوه.
وهذا كالتعسف من أبى الحسن لما قدمناه من التخليط فى الأعجمى. ويلزم فيه زيادة النون فى زرجون؛ لقوله: كالمزرج. والقول ما قدمناه.
وأما «جبراييل وميكاييل»، بياءين بعد الألف والمد فيقوى فى نفسى أنها همزة مخففة وهى مكسورة، فخفيت وقربت من الياء فعبر القراء عنها بالياء، كما ترى فى قوله : ﴿آلاءِ﴾ عند تخفيف الهمز «آلاى» بالياء، وسبب ذلك ما ذكرناه من خفاء الهمزة المكسورة وقربها بذلك من لفظ الياء، كما قالوا فى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ فى إدغام أبى عمرو: إن الراء من شهر مدغمة فى راء رمضان. وهيهات ذلك مذهبا، وعزّ مطلبا، حتى كأنا لم نعلم أن الهاء فى شهر ساكنة، وإذا أدغمت الراء فى راء رمضان التقى ساكنان ليس الأول منهما حرف مد كشابّة ودابّة، ولا يكون ذلك إلا أن تنقل حركة الراء الأولى إلى الهاء قبلها، ولو فعل ذلك لوجب أن يقال: شهرّ رمضان، بضم الهاء، وليس أحد من القراء يدّعى هذا فيه: من أدغم ومن لم يدغم.
وأيضا فإنه إذا كان هذا النقل فإنما يكون فى المتصل، نحو يستعدّ ويردّ ويفرّ، فأما فى المنفصل فإن ذلك لن يجئ فى شئ منه إلا فى حرف واحد شاذ اجتمع فيه شيئان، كل واحد منهما يحتمل التغيير له:
أحدهما: كونه علما، والأعلام فيما يكثر فيه ما لا يكون فى غيره، نحو معد يكرب وموهب وتهلل وحيوة.
والآخر: كثرة استعماله، وهم لما كثر استعماله أشد تغييرا. وذلك الحرف قولهم فى عبد شمس: هذه عبشمس بفتح السين، وأنت لا تقول فى نحو: هذا قوم موسى: هذا قو مّوسى؛ لما ذكرناه من أن المنفصل فى هذا النحو لم تنقله العرب كما نقلت المتصل.
فعلى هذا ينبغى أن نوجه قولهم فى «جبراييل وميكاييل» بياءين والمد؛ وذلك لأن المد إنما
стр. 180
كان فيه لبقاء نية الهمزة المخففة ولفظه فيه. هذا هو القول، كقولهم بالمد وإن كانت الألف والياء بعدها أتمّ صوتا وأبعد ندى منها وبعدها غيرها من الحروف الصحاح، نحو غرابيل وسرابيل وسراحين وميادين. وقد يجوز من بعد هذا أن تكون ياء صريحة من حيث كان الأعجمى يتلعّب فيه بالحروف تلعّبا، فاعرف ذلك.
***
﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ (١٠٠) ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن روح عن أبى السّمّال: أنه قرأ «أو كلّما عهدوا» ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون سكون الواو فى «أو» هذه على أنّها فى الأصل حرف عطف كقراءة الكافة: ﴿أَوَكُلَّما﴾؛ من قبل أن واو العطف لم تسكن فى موضع علمناه، وإنما يسكن بعدها مما يخلط معها فيكونان كالحرف الواحد، نحو قول الله:
تعالى ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ بسكون الهاء، فأما واو العطف فلا تسكن من موضعين:
أحدهما: أنها فى أول الكلمة والساكن لا يبتدأ به.
والآخر: أنها هنا وإن اعتمدت على همزة الاستفهام قبلها فإنها مفتوحة، والمفتوح لا يسكن استخفافا، وإنما ذلك فى المضموم والمكسور نحو: كرم زيد وعلم الله وقد مضى ذكر ذلك. فإذا كان كذلك كانت «أو» هذه حرفا واحدا، إلا أن معناها معنى بل للترك والتحول، بمنزلة أم المنقطعة، نحو قول العرب: إنها لأبل أم شاء؛ فكأنه قال:
بل أهى شاء؟ فكذلك معنى «أو» هاهنا، حتى كأنّه قال: «وما يكفر بها إلا الفاسقون بل كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم».
يؤكد ذلك قوله تعالى من بعده: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾، فكأنه قال: بل كلما عاهدوا عهدا، بل أكثرهم لا يؤمنون.
стр. 181
و «أو» هذه التى بمعنى أم المنقطعة-وكلتاهما بمعنى بل-موجودة فى الكلام كثيرا، يقول الرجل لمن يتهدده: والله لأفعلن بك كذا، فيقول له صاحبه: أو يحسن الله رأيك، أو يغير الله ما فى نفسك. معناه: بل يحسن الله رأيك، بل يغير الله ما فى نفسك. وإلى نحو هذا ذهب الفراء فى قول ذى الرمة.
بدت مثل فرن الشمس فى رونق الضّحى … وصورتها أو أنت فى العين أملح
قال: معناه بل أنت فى العين أملح، وكذلك قال فى قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال: معناه بل يزيدون. وإن كان مذهبنا نحن فى هذا غير هذا، فإن هذا طريق مذهوب فيه على هذا الوجه.
وقراءته هنا: «عهدوا عهدا كأنه أشبه بجريان المصدر على فعله؛ لأن عهدت عهدا أشبه فى العادة من عاهدت عهدا». ومن ذلك الحديث المأثور: «من وعد وعدا فكأنما عهد عهدا». وقراءة الكافة: «عاهدوا عهدا» على معنى أعطوا عهدا، فعهدا على مذهب الجماعة كأنه مفعول به. وعلى قراءة أبى السّمال هو منصوب نصب المصدر.
وقد يجوز أن ينتصب على قراءة الكافة على المصدر، إلا أنه مصدر محذوف الزيادة؛ أى عاهدوا معاهدة أو عهادا، كقاتلت مقاتلة وقتالا، إلا أنه جاء على حذف الزيادة كقوله:
عمرك الله ساعة حدّثينا … ودعينا من قول من يؤذينا
إنما هو: عمّرتك الله تعميرا-دعاء لها-فحذفت زيادة التاء والياء. وعليه: جاء زيد وحده؛ أى: أوحد بهذه الحال إيحادا. ومررت به وحده، أى: أوحدته بمرورى إيحادا. وقد يمكن أن يكون وحده مصدر هو يحد وحدا فهو واحد، والمصدر على حذف زيادته كثير جدا، إلا أنه ليس منه قولهم: سلّمت عليه سلاما وإن كان فى معنى تسليما؛ من قبل أنه لو أريد مجيئه على حذف الزيادة لما أقرّ عليه شئ من الزيادة، وفيه ألف سلام زائدة. ومثله: كلمته كلاما والسلام والكلام ليسا على حذف الزيادة، لكنهما اسمان على فعال بمعنى المصدر، فاعرف ذلك.
***
стр. 182
﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة الحسن وابن عباس، والضحاك بن مزاحم، وعبد الرحمن بن أبزى:
«وما أنزل على الملكين»، بكسر اللام. قيل: أراد «بالملكين» داود وسليمان ﵉.
قال أبو الفتح: إن قيل: كيف أطلق الله سبحانه على داود وسليمان اسم الملك، وإنما هما عبدان له تعالى كسائر عبيده من الأنبياء وغيرهم؟.
قيل: جاز ذلك؛ لأنه أطلق عليهما اللفظ الذى يعتاد حينئذ فيهما، ويطلقه الناس عليهما، فخوطب الإنسان على ذلك باللفظ الذى يعتاده أهل الوقت إذ ذاك، ونظيره قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وإنما هو فى النار الذليل المهان، لكنه خوطب بما كان يخاطب به فى الدنيا، وفيه مع هذا ضرب من التبكيت له، والإذكار بسوء أفعاله، وقد مضى نحو هذا.
*** ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة: «بين المر وزوجه»، بفتح الميم وكسر الراء خفيفة من غير همز.
وقراءة الزهرى «المرّ» بفتح الميم وتشديد الراء.
وقراءة ابن أبى إسحاق: «المرء» بضم الميم وسكون الراء والهمز.
وقراءة الأشهب: «المرء» بكسر الميم والهمز.
стр. 183
قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن وقتادة: «بين المر»، بفتح الميم وخفة الراء من غير همز فواضح الطريق؛ وذلك أنه على التخفيف القياسى، كقولك فى الخبء: هذا الخب، ورأيت الخب ومررت بالخب، تحذف الهمزة وتلقى حركتها على الباء قبلها.
وتقول فى الجزء: هذا الجز، ورأيت الجز، ومررت بالجز. وعليه القراءة: «الّذى يخرج الخب فى السموات والأرض».
وأما قراءة الزهرى «المرّ» بتشديد الراء فقياسه: أن يكون أراد تخفيف المرء على قراءة الحسن وقتادة، إلا أنه نوى الوقف بعد التخفيف، فصار «المر» ثم ثقّل للوقف على قول من قال: هذا خالدّ، وهو يجعلّ، ومررت بفرجّ، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فأقر التثقيل بحاله كما جاء عنهم قوله:
ببازل وجناء أو عيهلّ … كأن مهواها على الكلكلّ
يريد: العيهلّ، والكلكل، وكبيت الكتاب:
ضخما يحبّ الخلق الأضخمّا …
فيمن فتح الهمزة، يريد الأضخم فثقل ثم أطلق.
وفى هذا شذوذان: أحدهما التثقيل فى الوقت، والآخر إجراء الوصل مجرى الوقف؛ لأنه من باب ضرورة الشعر.
وأما قراءة ابن أبى إسحاق: المرء بضم الميم والهمز فلغة فيه، وكذلك من قرأ: المرء، بكسر الميم. ومنهم من يضم الميم فى الرفع ويفتحها فى النصب، ويكسرها فى الجر فيقول: هذا المرء، ورأيت المرء، ومررت بالمرء. وسبب صنعة هذه اللغة: أنه قد ألف الإتباع فى هذا الاسم فى نحو قولك: هذا امرؤ، ورأيت امرأ ومررت بامرئ، فيتبع
стр. 184
حركة الراء حركة الهمزة، فلما أن تحركت الميم وسكنت الراء لم يمكن الإتباع فى الساكن فنقل الإتباع من الراء إلى الميم؛ لأنها متحركة، فجرى على الميم لمجاورتها الراء ما كان يجرى على الراء، كما يقول ناس فى الوقف: هذا بكر، ومررت ببكر؛ لمّا جفا عليهم اجتماع الساكنين فى الوقف وشحّوا على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقوف عليها نقلوها إلى الكاف. وكما قال من قال فى صوّم: صيّم، وفى قوّم: قيّم، لما جاورت العين اللام أجراها فى الاعتلال مجرى عات وعتى، وجاث وجثى، وقد ذكرنا فى تفسير ديوان المتنبى ما فى هذا الحرف أعنى: المرء والمرأة من اللغات.
*** ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة الأعمش: «وما هم بضارّى به من أحد».
قال أبو الفتح: هذا من أبعد الشاذ، أعنى حذف النون هاهنا. وأمثل ما يقال فيه: أن يكون أراد: وما هم بضارّى أحد، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر.
وفيه شئ آخر وهو أن هناك أيضا «من» فى من أحد، غير أنه أجرى الجارّ مجرى جزء من المجرور، فكأنه قال: وما هم بضارى به أحد. وفيه ما ذكرنا.
*** ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ (١٠٣) ومن ذلك قراءة قتادة وابن بريدة وأبى السّمّال: «لمثوبة».
قال أبو الفتح: قد ذكرنا شذوذ صحتها عن القياس فيما مضى.
***
стр. 185
﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها﴾ (١٠٦) ومن ذلك قراءة أبى رجاء: «ما ننسخ من آية أو ننسّها» مشددة السين. وقرأ سعد بن أبى وقاص والحسن ويحيى بن يعمر: «أو تنسها» بتاء مفتوحة.
وقراءة سعيد بن المسيب والضحاك «تنسها» مضمومة التاء مفتوحة السين.
وفى حرف ابن مسعود: «ما ننسك» من آية أو ننسخها».
قال أبو الفتح: أما «ننسّها» فنفعّلها من النسيان، فيكون فعّلت فى هذا كأفعلت فى قراءة أكثر القراء: «ننسها». وهو فى الموضعين على حذف المفعول الأول؛ أى: أو ننس أحدا إياها، كقولك: ما نهب من قرية أو نقطعها أى: أو نقطع أحدا إياها.
ومن قرأ «تنسها» أراد أو تنسها أنت يا محمد.
ومن قرأ تنسها مرّ أيضا على تنسها أنت، إلا أن الفاعل فى المعنى هنا يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون المنسى لها هو الله تعالى.
والآخر أن يكون المنسى لها ما يعتاد بنى آدم من أعراض الدنيا غمّا أو همّا، أو عداوة من إنسان، أو وسوسة من شيطان.
فأما قوله عز اسمه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾: فقد يمكن أن يكون ما يحدثه من النسيان أعراض الدنيا مما شاء الله زيادة فى التكليف، وتعريضا بمقاساته ومقاومته للثواب.
ويدل على جواز كون المنسى هو الله تعالى-وإن كانت التلاوة أو تنسها-قوله
стр. 186
تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾، وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ مع قوله:
﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾، وقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾. ويؤكد هذا قراءة ابن مسعود: «ما ننسك من آية». وفيه بيان، وقد يقول الإنسان: ضرب زيد وإن كان القائل لذلك هو الضارب، وهذا يدل على أن الغرض هنا: أن يعلم أنه مضروب، وليس: الغرض أن يعلم من ضربه؛ ولذلك بنى هذا الفعل للمفعول، وألغى معه حديث الفاعل، فقام فى ذلك مقامه ورفع رفعه، فهذه طريق ما لم يسم فاعله.
***
﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ (١٢٦) ومن ذلك قراءة ابن عباس فيما رواه سليمان بن أرقم عن أبى يزيد المدنى عن ابن عباس «فأمتعه قليلا ثم اضطّرّه»، على الدعاء من إبراهيم ﷺ .
قال أبو الفتح: أما على قراءة الجماعة «فأمتعه ثم أضطره» فإن الفاعل فى «قال» هو اسم الله تعالى أى: لمّا قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اِجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَاُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ﴾.
وأما على قراءة ابن عباس: «فأمتعه قليلا ثم اضطرّه إلى عذاب النار».
فيحتمل أمرين:
أحدهما-وهو الظاهر-أن يكون الفاعل فى «قال» ضمير إبراهيم ﵇ أى: قال إبراهيم أيضا: ومن كفر فأمتعه ثم اضطرّه يا رب.
стр. 187
وحسن على هذا إعادة «قال» لأمرين:
أحدهما طول الكلام، فلما تباعد آخره من أوله أعيدت «قال» لبعدها كما قد يجوز مع طول الكلام ما لا يجوز مع قصره.
والآخر: أنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين، فكأن ذلك أخذ فى كلام آخر، فاستؤنف معه لفظ القول، فجرى ذلك مجرى استئناف التصريع فى القصيدة إذا خرج من معنى إلى معنى. ولهذا ما يقول الشاعر فى نحو ذلك:
فدع ذا ولكن هل ترى ضوء بارق …
ويقول:
دع ذا وبهج حسبا مبهّجا
فإذا جاز أن يصرّع وهو فى أثناء المعنى الواحد نحو قوله:
ألا ناد فى آثارهن الغوانيا … سقين سماما ما لهن وماليا؟!
كان التصريع مع الانتقال من حال إلى حال أحرى بالجواز. فهذا أحد الوجهين.
وأما الآخر فهو أن يكون الفاعل فى «قال» ضمير اسم الله تعالى؛ أى: فأمتعه يا خالق، أو فأمتعه يا قادر أو يا مالك أو يا إله، يخاطب بذلك نفسه ، فجرى هذا على ما تعتاده العرب من أمر الإنسان لنفسه، كقراءة من قرأ: قال أعلم أنّ الله على كلّ شئ قدير أى: أعلم يا إنسان وكقول الأعشى:
стр. 188
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وهذا يتصل بباب من العربية غريب لطيف وهو باب التجريد، كأنه يجرّد نفسه منه ثم يخاطبها، وقد ذكرنا هذا الباب فى كتابنا الخصائص.
وهذا وإن كان مما لا ينبغى أن يجرى فى الحقيقة مثله على الله سبحانه؛ لأنه لا تجزؤ هناك فإنه يجرى على عادة القوم ومذهب خطابهم، وقد نطقوا بهذا نفسه معه «تقدست أسماؤه» أنشدنا أبو علىّ:
أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا … وفى الله إن لم يعدلوا حكم عدل
فجرى اللفظ على أنه جرد منه شئ يسمى حكما عدلا، وهو مع التحصيل على حذف المضاف، أى: وفى عدل الله حكم عدل. فتفهّم هذه المواضع، فإنّ قدر الإعراب يضيع إلى معناها، وإن كان هو أول الطريق ونهجه إليها.
ويجوز فى العربية «ثمّ اضطرّ هى»، بكسر الراء لالتقاء الساكنين ثم تبيّن الهاء بياء بعدها.
ويجوز أيضا: «ثمّ اضطرّه»، تكسر الهاء ولا تتمّ الياء.
ويجوز «اضطرّه»، بكسر الراء وفتحها والهاء الساكنة.
ويجوز «ثمّ اضطرّهو»، بضم الراء كما روينا عن قطرب أن بعضهم يقول: شمّ يا رجل. ويجوز الضم بلا واو.
ويجوز مع ضم الراء وفتحها تسكين الهاء. وقد ذكرت ذلك كله فى أماكنه.
*** ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ (١٢٦) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: ثم «أطّرّه» يدغم الضاد فى الطاء.
قال أبو الفتح: هذه لغة مرذولة، أعنى: إدغام الضاد فى الطاء؛ وذلك لما فيها من
стр. 189
الامتداد والفشوّ، فإنها من الحروف الخمسة التى يدغم فيها ما يجاورها، ولا تدغم هى فيما يجاورها.
وهى الشين والضاد والراء والفاء والميم، ويجمعها فى اللفظ قولهم: ضمّ شفر، وقد أخرج بعضهم الضاد من ذلك وجمعها فى قولهم: مشفر.
قال: لأنه قد حكى إدغام الضاد فى الطاء فى قولهم فى «اضطجع»: اطّجع. وأنشدوا قوله:
يا ربّ أبّاز من العفر صدع … تقبّض الظلّ إليه واجتمع
لما رأى أن لا دعه ولا شبع … مال إلى أرطاة حقف فاطجع
ويروى: «فاضطجع» وهو الأكثر والأقيس.
ويروى أيضا: «فالطجع» يبدل أيضا اللام من الضاد.
فإن قيل: فقد أحطنا علما بأن أصل هذا الحرف اضتجع افتعل من الضجعة، فلما جاءت الضاد قبل تاء افتعل أبدلت لها التاء طاء. فهلا لما زالت الضاد فصارت بإبدالها إلى اللام ردت التاء فقيل: التجع، كما تقول: التجم والتجأ؟.
قيل هذا إبدال عرض للضاد فى بعض اللغات. فلما كان أمرا عارضا، وظلاّ فى أكثر اللغات خالصا-أقرّوا الطاء بحالها إيذانا بقلة الحفل بما عرض من البدل، ودلالة على الأصل المنحو المعتمد، وله غير نظير.
ألا ترى إلى قوله:
стр. 190
وكحل العينين بالعواور …
وكيف صحح الواو الثانية وإن كان قبلها الواو الأولى بينهما ألف وقد جاوزت الثانية الطرف، ولم يقلبها كما قلبها فى أوائل، وأصلها أواول لما ذكرنا، إذ كان الأصل هاهنا العواوير وإنما حذفت الياء تخفيفا وهى مرادة، فجعل تصحيح الواو فى العواور دليلا على إرادة الياء فى عواوير، وكما جعل حذف النون من قوله:
ارهن بنيك عنهم أرهن بنى …
أراد بنى، فحذف الياء الثانية لتخفيف القافية، وترك أن يرد النون من «بنين» لأنه لم بين الأمر على حذف الياء الثانية البتّة، وإنما حذفها للوقف على الحرف المشدد فى الروى المقيد. وكما أنشدنا أبو علىّ للفرزدق من قوله:
تنظرت نصرا والسّماكين أيهما … على من الغيث استهلّت مواطره
стр. 191
أراد: أيّهما، فاضطر إلى تخفيف الحروف فحذف الياء الثانية، وكان ينبغى أن يرد الياء الأولى إلى الواو، لأن أصلها الواو، وأن يكون قياسا واشتقاقا جميعا أولى. ولم يقل:
أو هما فيرد الواو الأصلية؛ لأنه لم يبن الكلمة على حذف الياء البتة، فيرد الواو، فيقول:
أو هما؛ لأنه إنما اضطر إلى التخفيف هناك وهو ينوى الحرف المحذوف كما ينوى الملفوظ به، ويأتى نظيره فى سورة القصص. وقد ذكرنا أخوات لهذا أكثر من عشر فى كتاب الخصائص فلذلك قال: فالطحجع، فترك الطاء بحالها كما قدمنا ذكره.
***
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا﴾ (١٢٧) ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن ابن عباس فى مصحف ابن مسعود: «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربّنا»، وفيه: «والّذين اتّخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم»، وفيه: «والملائكة باسطو أيديهم يقولون أخرجوا».
قال أبو الفتح: فى هذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول مراد مقدر فى نحو هذه الأشياء، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام محمول على معناه، دون أن يكون القول مقدرا معه. وذلك كقول الشاعر:
رجلان من ضبة أخبرانا … إنّا رأينا رجلا عريانا
فهو عندنا نحن-على قالا: إنا رأينا، وعلى قولهم لا إضمار قول هناك، لكنه لما كان أخبرانا فى معنى قالا لنا، صار كأنه: قالا لنا، فأما على إضمار قالا فى الحقيقة فلا. وقد رأيت إلى قراءة ابن مسعود كيف ظهر فيها ما نقدره من القول، فصار قاطعا على أنه مراد فيما يجرى مجراه.
стр. 192
وكذلك قوله:
يدعون عنتر والرماح كأنها …
فيمن ضم الراء من عنتر؛ أى: يقولون: يا عنتر. وكذلك من فتح الراء، وهو يريد يا عنترة.
وكذلك ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أى يقولون.
وقد كثر حذف القول من الكلام جدا.
ومن ذلك قال ابن مجاهد: قال عباس: سألت أبا عمرو عن ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ فقال: أهل الحجاز يقولون: «يعلّمهم ويلعنهم» مثقلة، ولغة تميم يعلمهم ويلعنهم.
قال أبو الفتح: أما التثقيل فلا سؤال عنه ولا فيه؛ لأنه استيفاء واجب الإعراب، لكن من حذف فعنه السؤال، وعلته توالى الحركات مع الضمات، فيثقل ذلك عليهم فيخففون بإسكان حركة الإعراب. وعليه قراءة أبى عمرو. «فتوبوا إلى بارئكم»، فيمن رواه بسكون الهمزة. وحكى أبو زيد «بلى ورسلنا لديهم يكتبون»، بسكون
стр. 193
اللام. وأنشدنا أبو على لجرير:
سيروا بنى العمّ فالأهواز منزلكم … ونهر تيرى فلا تعرفكم العرب
يريد تعرفكم. ومن أبيات الكتاب:
فاليوم أشرب غير مستحقب … إثما من الله ولا واغل
أى: أشرب.
وأما اعتراض أبى العباس هنا على الكتاب فإنما هو على العرب لا على صاحب الكتاب؛ لأنه حكاه كما سمعه، ولا يمكن فى الوزن أيضا غيره.
وقول أبى العباس: إنما الرواية فاليوم فاشرب فكأنه قال لسيبويه: كذبت على العرب، ولم تسمع ما حكيته عنهم. وإذا بلغ الأمر هذا الحدّ من السرف فقد سقطت كلفة القول معه.
وكذلك إنكاره عليه أيضا قول الشاعر:
стр. 194
وقد بدا هنك من المئزر …
فقال: إنما الرواية:
وقد بدا ذاك من المئزر
وما أطيب العرس لولا النفقة!.
وكذلك الاعتراض عليه فى إنشاده قوله:
لا بارك الله فى الغوانى هل … يصبحن إلاّ لهن مطّلب
وقول الأصمعى: «فى الغوانى ما» يريد: فى الغوانى أما، ويخفف الهمزة. وقول غيره:
«فى الغوان أما». ولو كان إلى الناس تخير ما يحتمله الموضع والتسبب إليه لكان الرجل أقوم من الجماعة به وأوصل إلى المراد منه، وأنفى لشغب الزيغ والاضطراب عنه.
فأما قول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها … أو يرتبط بعض النفوس حمامها
стр. 195
فحملوه على هذا، أى: أو يرتبط بعض النفوس حمامها، معناه: إلا أن يرتبط، فأسكن المفتوح لإقامة الوزن واتصال الحركات.
وقد يمكن عندى أن يكون يرتبط عطفا على أرضها، أى: أنا تراك أمكنة إذا لم أرضها ولم يرتبط نفسى حمامها، أى: ما دمت حيا فأنا متقلقل فى الأرض من هذه إلى هذه، ألا ترى إلى قوله:
قوّال محكمة جوّاب آفاق …
وهو كثير فى الشعر، فكذلك قول بنى تميم: يعلمهم ويلعنهم على ما ذكرنا.
***
﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ (١٤٣) ومن ذلك قراءة الزهرى: «إلا ليعلم من يتّبع الرسول» بياء مضمومة وفتح اللام.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون يعلم هنا بمعنى يعرف، كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أى: عرفتم، وتكون «من» بمعنى الذى، أى: ليعرف الذى يتبع الرسول. ولا تكون «من» هاهنا استفهاما، لئلا يكون الكلام جملة، والجمل لا تقوم مقام الفاعل؛ ولذلك لم يجيزوا أن يكون قوله: «هذا باب علم ما الكلم» أى:
стр. 196
أى شئ الكلم، وعلم فى معنى: أن يعلم. وقد ذكرنا ذاك هناك.
***
﴿وَإِلهَ آبائِكَ﴾ (١٣٣) ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن ويحيى بن يعمر وعاصم الجحدرى وأبى رجاء بخلاف: «وإله أبيك» بالتوحيد.
قال أبو الفتح: قول ابن مجاهد بالتوحيد لا وجه له، وذلك أن أكثر القراءة «وإله آبائك» جمعا كما ترى، فإذا كان أبيك واحدا كان مخالفا لقراءة الجماعة؛ فتحتاج حينئذ إلى أن يكون أبيك هنا واحدا فى معنى الجماعة، فإذا أمكن أن يكون جمعا كان كقراءة الجماعة ولم يحتج فيه إلى التأول لوقوع الواحد موقع الجماعة. وطريق ذلك أن يكون «أبيك» جمع أب على الصحة، على قولك للجماعة: هؤلاء أبون أحرار، أى: آباء أحرار، وقد اتسع ذلك عنهم. ومن أبيات الكتاب:
فلما تبينّ أصواتنا … بكين وفدّيننا بالأبينا
وقال أبو طالب:
ألم تر أنى بعد همّ هممته … لفرقة حرّ من أبين كرام
وقال الآخر:
فهو يفدى بالأبين والخال
وقد أشبعنا هذا الموضع فى شرح ديوان المتنبى.
стр. 197
ويؤكد أن المراد به الجماعة ما جاء بعده من قوله: ﴿إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾، فأبدل الجماعة من أبيك، فهو جماعة لا محالة؛ لاستحالة إبدال الأكثر من الأقل. فيصير قوله تعالى: «وإله أبيك» كقوله: وإله ذويك. هذا هو الوجه، وعليه فليكن العمل.
ومن ذلك ما حكاه ابن مجاهد عن ابن عباس: أنه قال: لا تقرأ «فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به» فإن الله ليس له مثل، ولكن اقرأ: «بما آمنتم به».
قال: وروى عنه أيضا أنه كان يقرأ: «بالّذى آمنتم به».
قال: وقال عباس فى مصحف أنس وأبى صالح وابن مسعود: «فإن آمنوا بما آمنتم به».
قال أبو الفتح: هذا الذى ذهب إليه ابن عباس حسن؛ لكن ليس لأن القراءة المشهورة مردودة. وصحة ذلك أنه إنما يراد فإن آمنوا بما آمنتم به كما أراده ابن عباس وغيره. غير أن العرب قد تأتى بمثل فى نحو هذا توكيدا وتسديدا. يقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح: مثلى لا يفعل هذا، أى: أنا لا أفعله، ومثلك إذا سئل أعطى، أى:
أنت كذاك. قال:
مثلى لا يحسن قولا فع فع …
أى أنا لا أحسنه. وفى حديث سيف بن ذى يزن «أيها الملك مثلك من سرّ وبر» أى: أنت كذاك. وهو كثير فى الشعر القديم والمولد جميعا.
стр. 198
وسبب توكيد هذه المواضع «بمثل»، أنه يراد أن يجعل من جماعة هذه أوصافهم تثبيتا للأمر وتمكينا له. ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم ترس فيه قدمه، ولم يؤمن عليه انتقاله إلى ضده.
ومثل ذلك أيضا قولهم فى مدح الإنسان: أنت من القوم الكرام، ومنزعك إلى السادة، أى لك فى هذا الفعل سابقة وأول، فأنت مقيم عليه ومحقوق به، ولست دخيلا فيه عن غير أول ولا أصل، فيخشى عليك نبوك عنه.
ولمّا أريد مثل هذا فى الثناء على الله تعالى، ولم يجز أن يكون تابعا لسلف، ولا موجودا له فيه نظير-عدلوا به إلى وجه ثالث غير الاثنين المذكورين، وهو أن جعل قديما فيه، راسخا عليه، فكان أثبت له من أن يكون عز وجهه مبتدئه أو مرتجله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾، و ﴿كانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ونحو ذلك من الآى، فاعرف ذلك أولا ومبتكرا. فكذلك قوله : ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ﴾، أى: كانوا ممن يؤمن بالحق هذا الجنس على سعته وانتشار جهاته فقد اهتدوا.
ورحم الله ابن عباس! فإن هذا القول وإن كان اعتراضا عليه فعنه أيضا أخذ وإليه ردّ. وغير ملوم من نصر الجماعة، وبالله الحول والاستطاعة.
***
﴿لَرَؤُفٌ﴾ (١٤٣) ومن ذلك قراءة الزهرى: «لرووف»، بلا همز، ويثقّل.
قال أبو الفتح: ينبغى أن تكون الهمزة فيه مخففة، فلما أخفاها التخفيف ظنت واوا للطف هذا الموضع أن تضبطه القراء؛ وذلك أنّا لا نعرف فى غير هذه اللفظة إلا الهمز.
يقال: رؤف به، ورأف به، ورئف، ولم نسمع فيه راف ولا رفت. والهمزة إذا خففت فى نحو هذا لم تبدل، وإنما تخفى، كقولك فى سئول، فعول من سألت: سوول، فاعرف ذلك.
***
стр. 199
﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١٥٠) ومن ذلك قراءة زيد بن على-رضى الله عنه- «ألا الّذين ظلموا»، بفتح الهمزة خفيفة اللام، تنبيه.
قال أبو الفتح: وجهه أن الوقوف فى هذه القراءة على قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ ثم استأنف منبّها فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي﴾، كقولك مبتدئا: إلا زيد فأعرض عنه وأقبل علىّ، وكأنه ﵇ إنما رأى لقول الله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ فلو قال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لم يقو معناه عنده؛ لأنه لا حجة للظالمين على المطيعين، والذى يقوّى قراءة الجماعة قوله تعالى: ﴿لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فهو معطوف على قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾. وإذا كان عطفا عليه فأن يكون فى عقد واحد معه أولى من أن يتراخى عنه، ويكون قوله على هذا: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ استثناء منقطعا أى: لكن الذين ظلموا منهم يعتقدون أن لهم حجة عليكم، فأما فى الحقيقة وعند الله تعالى فلا.
فإن قلت: فقد فصل بقوله: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي﴾، ثم عطف بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وقد كرهت الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه.
قيل: لما كان الأمر للمسلمين بترك خشية الظالمين إنما هو مسبّب عن ظلمهم اتصل به اتصال المسبّب بسببه، فجرى مجرى الجزء من جملته، وليس كذلك استئناف التنبيه بألا ألا تراها إنما تقع أبدا فى أول الكلام ومرتجلة؟ فاعرف ذلك فرقا.
***
﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ (١٥٨) ومن ذلك قراءة علىّ وابن عباس كرم الله وجوههما بخلاف وسعيد بن جبير، وأنس ابن مالك ومحمد بن سيرين وأبىّ بن كعب وابن مسعود وميمون بن مهران: «ألاّ يطّوف بهما».
стр. 200
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ تقرّبا بذاك، أى فلا جناح عليه أن يطوف بهما تقربا بذاك إلى الله تعالى؛ لأنهما من شعائر الحج والعمرة، ولو لم يكونا من شعائرهما لكان التطوف بهما بدعة؛ لأنه إيجاب أمر لم يتقدم إيجابه، وهذا بدعة، كما لو تطوف بالبصرة أو بالكوفة أو بغيرهما من الأماكن على وجه القربة والطاعة كما تطوّف بالحرم، لكان بذلك مبتدعا.
وأما قراءة من قرأ: «فلا جناح عليه ألاّ يطّوّف بهما» فظاهره أنه مفسوح له فى ترك ذلك، كما قد يفسح للإنسان فى بعض المنصوص عليه المأمور به؛ تخفيفا، كالقصر بالسفر، وترك الصوم، ونحو ذلك من الرّخص المسموح فيها.
وقد يمكن أيضا أن تكون «لا» على هذه القراءة زائدة. فيصير تأويله وتأويل قراءة الكافّة واحدا. حتى كأنه قال: فلا جناح عليه أن يطّوف بهما، وزاد «لا»، كما زيدت فى قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ أن لا ﴿يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ أى: ليعلم.
وكقوله:
من غير لا عصف ولا اصطراف
أى: من غير عصف، وهو كثير.
***
﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٦١) ومن ذلك قراءة الحسن: «أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون».
стр. 201
قال أبو الفتح: هذا عندنا مرفوع بفعل مضمر يدل عليه قوله سبحانه: ﴿لَعْنَةُ اللهِ﴾ أى: وتلعنهم الملائكة والناس أجمعون؛ لأنه إذا قال: عليهم لعنة الله، فكأنه قال: يلعنهم الله، كما أنه لما قال:
تذكّرت أرضا بها أهلها … أخوالها فيها وأعمامها
فقد علم أنها إذا تذكرت الأرض التى فيها أخوالها وأعمامها فقد دخلوا فى جميع ما وقع الذكر عليه، فقال بعد: تذكّرت أخوالها وأعمامها.
وكأنه لما قال:
أسقى الإله عدوات الوادى … وجوفه كلّ ملثّ غادى
كلّ أجشّ حالك السواد …
فقد سقى الأجش فرفعه بفعل مضمر، أى: سقاها كل أجش. وهو كثير جدا.
***
﴿خُطُواتِ﴾ (١٦٨) ومن ذلك قراءة على ﵇ والأعرج ورويت عن عمرو بن عبيد: «خطؤات» بضمتين وهمزة، وهى مرفوضة، وغلط.
стр. 202
وقرأ أبو السّمّال «خطوات» بفتح الخاء والطاء.
قال أبو الفتح: أما الهمز فى هذا الموضع فمردود؛ لأنه من خطوات لا من أخطأت.
والذى يصرف هذا إليه أن يكون كما تهمزه العرب ولا حظّ له فى الهمز، نحو حلأت السويق، ورثأت روحى بأبيات، والذئب يستنشئ ريح الغنم. والحمل على هذا فيه ضعيف، إلا أن الذى فيه من طريق العذر أنه لما كان من فعل الشيطان غلب عليه معنى الخطأ، فلما تصوّر ذلك المعنى أطلعت الهمزة رأسها، وقيل: «خطؤات».
وأما خطوات فجمع خطوة، وهى الفعلة، والخطوة ما بين القدمين. والخطوات كقولك: طرائق الشيطان، والخطوات كقولك: أفعال الشيطان.
***
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١٧٧) ومن ذلك قراءة أبى وابن مسعود: «ليس البرّ بأن تولّوا وجوهكم». قال ابن مجاهد فإذا كان هكذا لم يجز أن ينصب البر.
قال أبو الفتح: الذى قاله ابن مجاهد هو الظاهر فى هذا، لكن قد يجوز أن ينصب مع الباء، وهو أن تجعل الباء زائدة، كقولهم: كفى بالله، أى كفى الله، وكقوله تعالى:
﴿كَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أى كفينا، فكذلك ليس البر بأن تولوا بنصب البر كما فى قراءة السبعة.
فإن قلت: فإن «كفى» بالله شاذ قليل، فكيف قست عليه «ليس»، ولم نعلم الباء زيدت فى اسم ليس، إنما زيدت فى خبرها، نحو قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ﴾؟ قيل: لو
стр. 203
لم يكن شاذا لما جوزنا قياسا عليه ما جوزناه، ولكنا نوجب فيه البتة واجبا، فاعرفه.
***
﴿يُطِيقُونَهُ﴾ (١٨٤) ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف، وعائشة رحمهما الله، وسعيد بن المسيّب، وطاوس بخلاف، وسعيد بن جبير، ومجاهد بخلاف، وعكرمة، وأيوب السختيانى، وعطاء: «يطوّقونه».
وقرأ «يطّوّقونه» على معنى: يتطوقونه مجاهد.
ورويت عن ابن عباس، وعن عكرمة.
وقرأ «يطّيقونه» ابن عباس بخلاف، وكذلك مجاهد وعكرمة.
وقرأ «يطيّقونه» ابن عباس بخلاف.
قال أبو الفتح: أما عين الطاقة فواو؛ لقولهم: لا طاقة لى به ولا طوق لى به. وعليه من قرأ يطوّقونه، فهو يفعّلونه منه. فهو كقوله: يجشّمونه ويكلفونه، ويجعل لهم كالطوق فى أعناقهم.
وأما يطّوّقونه فيتفعّلونه منه، كقولك: يتكلفونه ويتجشمونه، وأصله: يتطوقونه فأبدلت، التاء طاء، وأدغمت فى الطاء بعدها كقولهم: اطّير يطّير؛ أى: يتطير.
وتجيز الصنعة أن يكون يتفوعلونه ويتفعولونه جميعا، إلا أن يتفعّلونه الوجه؛ لأنه الأكثر والأظهر.
стр. 204
وأما يتطيّقونه فظاهره لفظا أن يكون يتفيعلونه كتحيّز أى تفيعل.
أنشدنا أبو على للهذلى:
فلما جلاها بالإيام تحيزت … ثبات عليها ذلّها واكتئابها
فهذا تفيعلت من حاز يحوز، ومثله تفيهق.
وقد يمكن أن يكون أيضا يتطيّقونه يتفعّلون، إلا أن العينين أبدلتا ياءين، كما قالوا فى تهوّر الجرف: تهيّر، وعلى أن أبا الحسن قد حكى هار يهير.
وقد يمكن أيضا أن يكون هار يهير من الواو، فعل يفعل، كرأى الخليل فى طاح يطيح، وتاه يتيه.
وليس يقوى أن يكون يتطوّقونه يتفوعلونه ولا يتفعولونه، وإن كان اللفظ هنا كاللفظ بيتفعّل، لقلتهما وكثرته.
ويؤنّس بكون يتطيقونه يتفعلونه قراءة من قرأ: «يتطوّقونه»، وكذلك يؤنّس بكون يطيّقونه يفعّلونه قراءة من قرأ «يطوّقونه»، والظاهر من بعد هذا أن يكون يفيعلونه.
***
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ (١٩٩) ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: «ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسى»، يعنى آدم ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾.
стр. 205
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة دلالة على فساد قول من قال: إن لام التعريف إنما تدخل الأعلام للمدح والتعظيم، وذلك نحو: العباس، والمظفّر، وما جرى مجراهما.
ووجه الدلالة من ذلك: أن قوله «الناسى» إنما يعنى به آدم ﵇، فصارت صفة غالبة كالنابغة والصّعق، وكذلك الحارث والعباس والحسن والحسين، وهى وإن كانت أعلاما فإنها تجرى مجرى الصفات، ولذلك قال الخليل: إنهم جعلوه الشئ بعينه، أى الذى حرث وعبس، فمحمول هذا أنّ فى هذه الأسماء الأعلام التى أصلها الصفات معانى الأفعال، ولذلك لحقتها لام المعرفة كما تعرف الصفات، وإذا كان فيها معانى الأفعال، وكانت الأفعال كما تكون مدحا فكذلك ما تكون ذما، فهى تحقّق فى العلم معنى الصفة، مدحا كانت الصفة أو ذما.
فالمدح ما ذكرناه من نحو الحارث والمظفّر والحسين والحسن، والذم ما جاء من نحو قولهم: فلان بن الصّعق؛ لأن ذلك داء ناله، فهى بلوى، وأن يكون ذما أولى من أن يكون مدحا، ألا ترى أن المدح ليس من مقاوم ذكر الأمراض والبلاوى، وإنما يقال فيه:
إنه كالأسد، وإنه كالسيف؟ ومنه عمرو بن الحمق فهذا ذم له لا مدح، وعلى أنهم قد قالوا فى الحمق: إنه الصغير اللحية. والمعنى الآخر أشبع فيه. ألا ترى إلى قوله:
فأمّا كيّس فنجا ولكن … عسى يغتر بى حمق لئيم
ومنه قولهم: فلان بن الثعلب فدخلته اللام، وهو علم لما فيه من معنى الخبّ والخبث، وذلك عيب فيه لا ثناء عليه. والباب فيه فاش واسع. فقد صح إذا أن ما جاء من الأعلام وفيه لام التعريف فإنما ذلك لما فيه من معنى الفعل والوصفية، ثناء عليه كان ذلك أو ذمّا له. وإنما دعا الكتّاب ونحوهم إلى أن قالوا: إن دخول اللام هنا إنما هو لمعنى المدح أن كان أكثره كذلك؛ لأنه إنما العرف فيه أن يسمى من الأسماء الحاملة لمعانى الأفعال ممّا كان فيه معنى المدح، لا أن هذا مقصور على المدح دون الذمّ عندنا لما ذكرنا.
***
﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢٠٣) ومن ذلك ما روى ابن مجاهد عن الزّمل بن جرول قال: سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن النّفر فقرأ: «فمن تعجّل فى يومين فلثم عليه ومن تأخّر فلثم عليه».
стр. 206
قال أبو الفتح: أصله قراءة الجماعة ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، إلا أنه حذف الهمزة البتة، فالتقت ألف «لا» وثاء «الاثم» ساكنين، فحذف الألف من اللفظ لالتقاء الساكنين؛ فصارت: «فلثم عليه».
وقد مرّ بنا من حذف الهمزة اعتباطا وتعجرفا من نحو هذا أشياء كثيرة، من ذلك قراءة ابن كثير: «إنّها لحدى الكبر».
فهذا فى الحذف كقوله: «فلثم عليه» إلا أن بينهما من حيث أذكر فرقا، وذلك أن قوله: «لحدى الكبر» إنما فيه حذف الهمزة لا غير. وقوله: «فلثم عليه» أصله فلا إثم، فلما حذف الهمزة تخفيفا-وإن لم يكن قياسا-التقت الألف مع ثاء إثم وهى ساكنة، فحذفت الألف من «لا» لالتقاء الساكنين، فصار «فلثم عليه». ومثل ذلك سواء مذهب الخليل فى «لن». ألا ترى أن أصلها عنده لا أن، فلما حذفت الهمزة التقت ألف «لا» مع نون «أن» فحذفت الألف من «لا»؛ لالتقاء الساكنين. وقد جاء نظيرا لهذا من حذف الهمزة شئ صالح الكيرة، منه قوله:
إن لم أقاتل فالبسونى برقعا
أراد فألبسونى، ثم حذف الهمزة.
وأنشد أبو الحسن:
تضبّ لثات الخيل فى حجراتها … وتسمع من تحت العجاج لهزملا
أراد: لها أزملا فحذف الهمزة. نعم، ثم حذف ألف «ها» لفظا لسكونها وسكون الزاى من بعدها، وعليه القراءة: «أريتك هذا الّذى كرّمت علىّ». يريد: أرأيتك.
وأنشد أحمد بن يحيى:
أريتك إن شطّت بك العام نيّة … وغالك مصطاف الحمى ومرابعه
стр. 207
وجاء عنهم: سايسو، وجا يجى، بحذف الهمزة فيهما. وقد أثبتنا من هذا حروفا جماعة فى كتابنا الخصائص. وعلى كل حال فحذف الهمزة هكذا اعتباطا ساذجا ضعيف فى القياس، وإن فشا فى بعضه الاستعمال.
***
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ (٢٠٥) ومن ذلك ما رواه هارون عن الحسن وابن أبى إسحاق وابن محيصن «ويهلك» بفتح الياء واللام ورفع الكاف- «الحرث والنّسل» رفع فيهما.
قال ابن مجاهد: وهو غلط.
قال أبو الفتح: لعمرى إن ذلك ترك لما عليه اللغة، ولكن قد جاء له نظير، أعنى قولنا: هلك يهلك، فعل يفعل، وهو ما حكاه صاحب الكتاب من قولنا: أبى يأبى.
وحكى غيره قنط يقنط، وسلا يسلى، وجبا الماء يجباه، وركن يركن، وقلا يقلى، وغسا الليل يغسى. وكان أبو بكر يذهب فى هذا إلى أنها لغات تداخلت؛ وذلك أنه قد يقال: قنط وقنط، وركن وركن، وسلا وسلى، فتداخلت مضارعاتها. وأيضا فإن فى آخرها ألفا، وهى ألف سلا وقلا وغسا وأبى؛ فضارعت الهمزة نحو قرأ وهدأ.
وبعد، فإذا كان الحسن وابن أبى إسحاق إمامين فى الثقة وفى اللغة فلا وجه لدفع ما قرأ به، لا سيما وله نظير فى السماع.
وقد يجوز أن يكون يهلك جاء على هلك بمنزلة عطب، غير أنه استغنى عن ماضيه بهلك، وقد ذكرنا نحو هذا فى كتابنا المنصف.
стр. 208
ومن ذلك قراءة أبى السّمّال: «فإن زللتم»، بكسر اللام.
قال أبو الفتح: هما لغتان: زللت وزللت، بمنزلة ضللت وضللت، إلا أن الفتح فيهما أعلى اللغتين، واسم الفاعل منهما ضالّ، ولو جاء ضليل لكان قياسا على ما جاء عنهم من فعيل فى فعل من المضاعف، نحو خفّ فهو خفيف، وعزّ فهو عزيز، وقلّ فهو قليل، وجدّ فهو جديد. وذلك أنه قد جاء فعيل فى فعل من غير المضاعف، وذلك كسد البيع فهو كسيد، وفسد فهو فسيد. فلما جاء ذلك فى غير المضاعف كان المضاعف أولى به؛ لثقل الإدغام فى ضالّ وفارّ. وقد ذكرنا ذلك مشروحا فى غير هذا الموضع من كلامنا.
***
﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ﴾ (٢١٠) ومن ذلك ما روى عن قتادة فى قول الله سبحانه: «فى ظلال من الغمام».
قال ابن مجاهد: هو جمع ظل.
قال أبو الفتح: الوجه أن يكون جمع ظلة، كجلّة وجلال، وقلّة وقلال؛ وذلك أن الظل ليس بالغيم، وإنما الظّلة الغيم، فأما الظّل فهو عدم الشمس فى أول النهار، وهو عرض والغيم جسم.
***
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٢٢٠) ومن ذلك ما رواه ابن طاوس عن أبيه أنه قرأ: «ويسألونك عن اليتامى قل أصلح إليهم خير».
قال أبو الفتح: خير مرفوع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف؛ أى أصلح إليهم فذلك خير.
стр. 209
وإذا جاز حذف هذه الفاء مع مبتدئها فى الشرط الصحيح نحو قوله:
بنى ثعل لا تنكعوا العنز شربها … بنى ثعل من ينكع العنز ظالم
أى: فهو ظالم-كان حذف الفاء هنا، وإنما الكلام بمعنى الشرط لا بصريح لفظه، أجدر وأحرى بالجواز.
وقال «إليهم» لمّا دخله معنى الإحسان إليهم. وقد ذكرنا نحو ذلك كثيرا مما هو محمول على المعنى.
***
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٢٢٨) ومن ذلك قراءة مسلمة بن محارب: «وبعولتهن أحقّ»، ساكنة التاء.
قال أبو الفتح: قد سبق نحو هذا فى قراءة أبى عمرو: «يأمركم»، وأنشدنا فيه الأبيات التى أحدها قول جرير:
سيروا بنى العم فالأهواز منزلكم … ونهر تيرى ولا تعرفكم العرب
أراد: لا تعرفكم، فأسكن الفاء استخفافا لثقل الضمة مع كثرة الحركات.
***
﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ﴾ (٢٣٣) ومن ذلك ما رواه هارون عن أسيد عن الأعرج: أنه قرأ: «لا تضار والدة» جزم، كذا قال، جزم.
стр. 210
قال أبو الفتح: إذا صح سكون الراء فى «تضار» فينبغى أن يكون أراد: لا تضارر، كقراءة أبى عمرو، إلا أنه حذف إحدى الراءين تخفيفا. وينبغى أن تكون المحذوفة الثانية؛ لأنها أضعف، وبتكريرها وقع الاستثقال. فأما قول الله تعالى: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً﴾ فإن المحذوف هى الأولى، وذلك أنهم شبهوا المضعف بالمعتل العين، فكما قالوا: لست، قالوا: ظلت. ومثله مست فى مسست، وأحست فى أحسست. قال أبو زبيد:
خلا أن العتاق من المطايا … أحسن به فهنّ إليه شوس
فإن قلت: فهلا كانت الأولى هى المحذوفة من تضارر كما حذفت الأولى من ظللت ومسست وأحسست؟.
قيل: هذه الأحرف إنما حذفن لأنهن شبهن بحروف اللين، وحروف اللين تصح بعد هذه الألف نحو عاود وطاول وبايع وساير، والثانية فى موضع اللام المحذوفة، نحو لا ترام.
فإن قيل: فكان يجب على هذا «لا تضار» لأن الأولى مكسورة فى الأصل فيجب أن تقر على كسرها.
قيل: لا، بل لما حذفت الثانية وقد كانت الأولى ساكنة؛ لأنها كانت مدغمة فى الثانية أقرّت على سكونها ليكون ذلك دليلا على أنها قد كانت مدغمة قبل الحذف، ولذلك نظائر منها قوله:
وكحل العينين بالعواور …
صحح الواو الثانية وإن كانت تلى الطرف، وقبل الألف التى قبلها واو؛ لأنه جعل
стр. 211
الصّحة فى الواو دليلا على أنه أراد العواوير، ولو لم يرد لذلك لوجب أن يهمز فيقول:
العوائر، كما همزوا فى أوائل وأصلها أواول، وكما جعلوا صحة العين فى حول وعور دليلا على كون المثال فى معنى ما لا بد من صحته، وهو احولّ واعورّ، وكما جعلوا ترك رد النون فى قوله:
ارهن بنيك عنهم أرهن بنى …
دليلا على أنه أراد بنىّ، فلما حذف الياء الثانية التى هى ضمير المتكلم لم يرجع النون من بنين؛ لأن جعله دليلا على إرادة الياء فى بنىّ، وأنه إنما حذفها للقافية، وهى فى نفسه مرادة. وكما قال:
مال إلى أرطاة حقف فاضطجع …
ثم أبدل الضاد لاما فقال: الطجع، وقد كان يجب إذا زالت الضاد أن ترجع تاء افتعل إلى اللفظ، وذلك أن أصله اضتجع افتعل من الضجعة، فيظهر التاء كما يقال:
التجأ إليه والتفت والتقم، لكنه ترك الطاء بحالها تنبيها على أنه يريد الضاد، وأنه لما أبدلها لا ما اعتدها مع ذلك اعتداد الثابت.
ولذلك نظائر كثيرة، فكذلك ترك الراء من «تضار» ساكنة كما كانت تكون ساكنة لو خرجت على الإدغام المراد فيها. نعم، وإذا كان نافع قد قرأ: «ومحياى ومماتى» ساكن الياء من «محياى»، ولا تقدير إدغام هناك كان سكون الراء من لا تضار-وهو يريد تضارّ-أجدر.
وبعد هذا كله ففيه ضعف، ألا ترى أنك لو رحمت قاصا-اسم رجل-على قولك: يا حار لقلت: يا قاص، فرددت عين الفعل إلى الكسر لأنه فاعل، وأصله قاصص، فمن هنا ضعفت هذه القراءة وإن كان فيها من الاعتذار والاعتلال ما قدمنا ذكره.
стр. 212
وقد روى فيها تشديد الراء مع السكون، ويجب أن يكون هذا على نية الوقف عليها، روى ذلك عن أبى جعفر يزيد بن القعقاع.
***
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ (٢٣٤) ومن ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن السّلمى عن على بن أبى طالب ﵇:
«والّذين يتوفّون منكم» بفتح الياء.
قال ابن مجاهد: ولا يقرأ بها.
قال أبو الفتح: هذا الذى أنكره ابن مجاهد عندى مستقيم جائز؛ وذلك أنه على حذف المفعول، أى: والذين يتوفون أيامهم أو أعمارهم أو آجالهم، كما قال سبحانه:
﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ﴾ و ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾.
وحذف المفعول كثير فى القرآن وفصيح الكلام، وذلك إذا كان هناك دليل عليه.
قال الله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أى: شيئا.
وأنشدنا أبو علىّ للحطيئة:
стр. 213
منعمّة تصون إليك منها … كصونك من رداء شرعبىّ
أى: تصون الكلام منها، وهو كثير جدا.
***
﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي﴾ (٢٣٧) ومن ذلك قراءة الحسن: «أو يعفو الّذى»، ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: سكون الواو من المضارع فى موضع النصب قليل، وسكون الياء فيه أكثر. وأصل السكون فى هذا إنما هو للألف؛ لأنها لا تحرّك أبدا، وذلك كقولك: أريد أن تحيا، وأحبّ أن تسعى، ثم شبهت الياء بالألف لقربها، فجاء عنهم مجيئا كالمنستمر، نحو قوله:
كأن أيديهن بالموماة … أيدى جوار بتن ناعمات
وقال الآخر:
كأن أيديهن بالقاع القرق … أيدى جوار يتعاطين الورق
стр. 214
وقال الأعشى:
إذا كان هادى الفتى فى البلا … د صدر القناة أطاع الأميرا
فيمن رواه برفع الصدر.
وقال الآخر:
حدبا حدابير من الوخشنّ … تركن راعيهن مثل الشّنّ
وقال الآخر:
يا دار هند عفت إلا أثافيها …
وقال رؤبة:
سوّى مساحيهنّ تقطيط الحقق … تفليل ما قارعن من سمر الطّرق
وكان أبو العباس يذهب إلى أن إسكان هذه الياء فى موضع النصب من أحسن الضرورات؛ وذلك لأن الألف ساكنة فى الأحوال كلها، فكذلك جعلت هذه، ثم شبّهت الواو فى ذلك بالياء، فقال الأخطل:
إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها … رفعن وأنزلن القطين المولّدا
стр. 215
وقال الآخر:
فما سوّدتنى عامر عن وراثة … أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
فعلى ذلك ينبغى أن تحمل قراءة الحسن: «أو يعفو الّذى»، فقال ابن مجاهد: وهذا إنما يكون فى الوقف، فأما فى الوصل فلا يكون، وقد ذكرنا ما فيه. وعلى كل حال فالفتح أعرب: «أو يعفو الذى».
***
﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢٣٧) ومن ذلك قراءة على ﵇ وأبى رجاء وجؤيّة بن عائذ: «ولا تناسوا الفضل بينكم».
قال أبو الفتح: الفرق بين تنسوا وتناسوا أن تنسوا نهى عن النسيان على الإطلاق:
أنسوه، أو تناسوه.
فأما تناسوا فإنه نهى عن فعلهم الذى اختاروه، كقولك: قد تغافل وتصامّ وتناسى:
إذا أظهره من فعله وتعاطاه وتظاهر به، وأما تفعّل فإنه تعمّل الأمر وتكلّفه، كقوله:
ولن تستطيع الحلم حتى تحلما …
أى: حتى تكلّفه.
следующие страницы →