Полный текст (896 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «فاحشة مبينة»، مكسورة الباء ساكنة الياء، وقال:
بيّنة.
قال أبو الفتح: يقال بان الشئ وأبنته، وأبان وأبنته، واستبان واستبنته، وتبين وتبينته.
ومن أبيات الكتاب:
سلّ الهموم بكل معطى رأسه … ناج مخالط صهبة متعيّس
مغتال أحبله مبين عنقه … فى منكب زبن المطىّ عرندس
وقرأت على أبى على فى نوادر أبى زيد:
يبينهم ذو اللب حتى تراهم … بسيماهم بيضا لحاهم وأصلعا
ومن كلامهم: قد بيّن الصبح لذى عينين، وقال:
تبين لى أن القماءة ذلة … وأن أشدّاء الرجال طيالها
стр. 282
وأنشدنا أبو على:
فلما تبين غبّ أمرى وأمره … وولّت بأعجاز الأمور صدور
وهو كثير.
***
﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً﴾ (٢٠) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «وآتيتم احداهنّ قنطارا»، وصل ألف إحداهن.
قال أبو الفتح: قد تقدم نحو هذا فيمن قرأ: «فلا اثم عليه»، يريد: فلا إثم عليه بشواهده، وهذا حذف صريح، واعتباط مريح، نحو قوله:
وتسمع من تحت العجاج لها ازملا …
وقد مضى.
***
﴿اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٢٣) ومن ذلك قراءة ابن هرمز: «الّتى أرضعنكم»، بلفظ الواحد.
قال أبو الفتح: ينبغى أن تكون التى هنا جنسا فيعود الضمير عليه على معناه دون لفظه:
كما قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾، ثم قال: ﴿أُولئِكَ﴾
стр. 283
﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، فهذا على مذهب الجنسية، كقولك: الرجل أفضل من المرأة، وهو أمثل من أن يعتقد فيه حذف النون من «الذى» كما حذفت من «اللذا» فى قوله:
إنّ عمّىّ اللّذا …
ألا ترى أن قوله: «التى أرضعنكم» لا يجوز أن يعتقد فيه حذف النون؛ لأنه لا يقال:
اللّتين، والقول الآخر وجه، إلا أن هذا أقوى لهذه القراءة، وعليه قول الأشهب بن رميلة:
وإنّ الذى حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
يحتمل المذهبين حذف النون من الّذين، واعتقاد مذهب الجنسية على ما مضى.
***
﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة محمد بن السميفع: «كتب الله عليكم»، مفتوحة الكاف، وليس بعد التاء ألف، والباء نصب.
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة دليل على أن قوله: «عليكم» من قوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾، فى قراءة الجماعة معلّقة بنفس كتاب، كما تعلّقت فى «كتب الله عليكم» بنفس كتب، وأنه ليس «عليكم» «من كتاب الله عليكم» اسما سمى به الفعل،
стр. 284
كقولهم: عليك زيدا إذا أردت خذ زيدا؛ وذلك أن عليك ودونك وعندك إذا جعلن أسماء للفعل لسن منصوبات المواضع، ولا هن متعلقات بالفعل مظهرا ولا مضمرا، ولا الفتحة فى نحو دونك زيدا فتحة إعراب كفتحة الظرف فى نحو قولك: جلست دونك، بل هى فتحة بناء؛ لأن الاسم الذى هو عندك زيدا بمنزلة صه ومه لا إعراب فيه، كما لا إعراب فى صه ومه وحيهل، غير أنه بنى على الحركة التى كانت له فى حال الظرفية، كما أن فتحة لام رجل من قولك: لا رجل فى الدار، وهى الحركة التى تحدثها «لا» إعرابا فى المضاف والممطول، نحو لا غلام رجل عندك ولا خيرا منك فيها، وكذلك قول الله تعالى: ﴿مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾، الفتحة فى نون مكانكم فتحة بناء؛ لأنه اسم لقولك: اثبتوا، وليست كفتحة النون من قولك: الزموا مكانكم، هذه إعراب، وتلك فى الآية بناء. وهذا موضع فيه لطف فتفهمه.
ولما دخل شيخنا أبو على ﵀ الموصل سنة إحدى وأربعين-قال لنا: لو عرفت فى هذا البلد من يعرف الكلام على قولك: دونك زيدا-لغدوت إلى بابه ورحت.
وكذلك قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ﴾ عليكم و ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾، «عليكم» فى الموضعين جميعا منصوبة الموضع بنفس كتب وكتاب، ولو قلت: عليكم كتاب الله لما كان لقولك عليكم موضع من الإعراب أصلا، ولا كانت متعلقة بشئ ظاهر ولا محذوف ولا مضمر على ما تقدم، فاعرفه.
***
﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً﴾ (٣٠) ومن ذلك قراءة إبراهيم والأعمش وحميد: «فسوف نصليه نارا»، بفتح النون، وسكون الصاد.
قال أبو الفتح: يروى فى الحديث أنه أتى بشاة مصليّة، أى مشويّة. يقال: صلاه يصليه: إذا شواه، ويكون منقولا من صلى نارا وصليته نارا، كقولك: كسى ثوبا وكسوته ثوبا. ومثله-إلا أنه قبل النقل غير متعد-شتر وشترته، وغارت عينه وغرتها.
стр. 285
وعليه قوله:
وصاليات ككما يؤثفين …
فهذا من صلى.
فأما قراءة العامة: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً﴾، بضم النون فهو منقول من صلى أيضا، إلا أنه نقل بالهمزة لا بالمثال، كقولك: طعم خبزا وأطعمته خبزا، وعلم الخبر وأعلمته إياه، أى: عرف وعرّفته.
والصّلى: النار منه، وهو من الياء، لقولهم: صليته نارا.
وليست الصلاة من الياء لقولهم فى جمعها: صلوات. قال لنا أبو على سنة سبع وأربعين: الصلاة من الصّلوين، قال: وذلك لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصّلوين للركوع، فأما القيام فلا يخص الصلاة دون غيرها، وهو حسن.
***
﴿فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة طلحة: «فالصّوالح قوانت حوافظ للغيب».
قال أبو الفتح: التكسير هنا أشبه لفظا بالمعنى، وذلك أنه إنما يراد هنا معنى الكثرة، لا صالحات من الثلاث إلى العشر، ولفظ الكثرة أشبه بمعنى الكثرة من لفظ القلة بمعنى الكثرة والألف والتاء موضوعتان للقلة، فهما على حد التثنية بمنزلة الزيدون من الواحد إذا كان على حد الزيدان. هذا موجب اللغة على أوضاعها، غير أنه قد جاء لفظ الصحة والمعنى الكثرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ إلى قوله تعالى:
стр. 286
﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾، والغرض فى جميعه الكثرة، لا ما هو لما بين الثلاثة إلى العشرة.
وكان أبو على ينكر الحكاية المروية عن النابغة وقد عرض عليه حسان شعره، وأنه لما صار إلى قوله:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحا … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
قال له النابغة: لقد قللت جفانك وسيوفك.
قال أبو على: هذا خبر مجهول لا أصل له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾، ولا يجوز أن تكون الغرف كلها التى فى الجنة من الثلاث إلى العشر.
وعذر ذلك أنه قد كثر عنهم وقوع الواحد على معنى الجميع جنسا؛ كقولنا: أهلك الناس الدينار والدرهم، وذهب الناس بالشاة والبعير. فلما كثر ذلك جاءوا فى موضعه بلفظ الجمع الذى هو أدنى إلى الواحد أيضا، أعنى الجمع بالواو والنون والألف والتاء، نعم وعلم أيضا أنه إذا جئ فى هذا الموضع بلفظ جمع الكثرة-لا يتدارك معنى الجنسية، فلهوا عنه، وأقاموا على لفظ الواحد تارة ولفظ الجمع المقارب للواحد تارة أخرى؛ إراحة لأنفسهم من طلب ما لا يدرك، ويأسا منه، وتوقفا دونه. فيكون هذا كقوله:
رأى الأمر يفضى إلى آخر … فصيّر آخره أولا
ومثل الجمع بالواو والنون والألف والتاء مجيئهم فى هذا الموضع بتكسير القلة، كقوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾.
وقول حسان:
стр. 287
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما …
ولم يقل: عيونهم ولا سيوفنا. وقد ذكرنا هذا ونحوه فى كتابنا الخصائص.
***
﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة يزيد بن القعقاع: «بما حفظ الله»، بالنصب، فى اسم الله تعالى.
قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف، أى بما حفظ دين الله وشريعة الله، وعهود الله، ومثله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، أى دين الله وعهود الله وأولياء الله، وحذف المضاف فى القرآن والشعر وفصيح الكلام فى عدد الرمل سعة، وأستغفر الله.
وربما حذفت العرب المضاف بعد المضاف مكررا؛ أنسا بالحال ودلالة على موضوع الكلام، كقوله : ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾، أى: من أثر حافر فرس الرسول. وقد ذكرنا فى كتابنا ذلك هذا وغيره من كتبنا وكلامنا.
***
﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ (٤٣) ومن ذلك قراءة الأعمش: «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكرى»، مضمومة السين، ساكنة الكاف من غير ألف.
وقراءة إبراهيم: «وأنتم سكرى».
وفى قراءته أيضا: «ترى الناس سكرى وما هم بسكرى».
стр. 288
قال أبو الفتح: أخبرنا أبو الحسن على بن محمد بن وكيع، عن الدمشقى، عن ابن قطرب، عن قطرب، فى كتابه الكبير، أن قراءة أبى زرعة الشامى: «وترى الناس سكرى وما هم بسكرى».
وسألت أبا على عن «سكرى»، فردد القول فيها، ثم استقر الأمر فيها بيننا على أنها صفة من هذا اللفظ والمعنى، بمنزلة حبلى مفردة كما ترى.
فأما «سكرى»، بفتح السين فيمن قرأ كذلك فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون جمع سكران؛ إلا أنه كسّر على فعلى؛ إذ كان السكر علة تلحق العقل، فجرى ذلك مجرى قوله:
فأما تميم تميم بن مرّ … فألفاهم القوم روبى نياما
فهذا جمع رائب، أى نومى خثراء الأنفس؛ فيكون ذلك كقولهم: هالك وهلكى ومائد وميدى، فيجرى مجرى صريع وصرعى وجريح وجرحى؛ إذ كان ذلك علة بلوا بها، وإن كان هالك ومائد ورائب فعلا منسوبا إليهم، لا موقعا فى اللفظ بهم.
والآخر أن يكون «سكرى» هنا صفة مفردة، مذكرها سكران، كامرأة سكرى.
ويشهد لهذا الأمر قراءة من قرأ: «سكرى»، بالضم، وهذا لا يكون إلا واحدا. ويشهد للقول الأول قراءة العامة: ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى﴾. وجاز أن يوقع على الناس كلّهم صفة مفردة تصورا لمعنى الجملة والجماعة وهى بلفظ الواحد، كما جاز للبيد أن يشير أيضا إلى الناس بلفظ الواحد فى قوله:
ولقد سئمت من الحياة وطولها … وسؤال هذا الناس كيف لبيد
ومن معكوسه فى إيقاع لفظ الجماعة على معنى الواحد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، والمراد به الواحد، كلّ من كلام العرب.
стр. 289
وقراءته «وترى الناس سكرى»، بضم التاء يقوى ما قدمناه من أن أرى فى اليقين دون أرى؛ لقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ بِسُكارى﴾.
*** ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ (٤٣) ومن ذلك قراءة ابن مسعود والزّهرى أيضا: «أو جاء أحد منكم من غيط».
قال أبو الفتح: فيه صنعة، وذلك أن هذا الحرف مما عينه واو؛ لقولهم تغوّط الرجل:
إذا أتى الغائط، وهو مطمأنّ من الأرض كانوا يقضون فيه حوائجهم. وظاهر أمر غيط أنه فعل مما عينه ياء؛ بمنزلة شيخ وبيت. وأمثل ما ينبغى أن يقال فيه: أنه محذوف من فيعل، كأنه فى الأصل غيّط، كميّت وسيد، ثم حذفت عينه تخفيفا فبقى ميت وسيد، ومثاله قيل؛ لأن العين محذوفة. فإن قلت: فإنا لا نعرف فى الكلام غيّطا كما عرفنا سيّدا وميّتا؟.
قيل: قد يجوز أن يكون محذوفا من فيعل مقدرا غير مستعمل، كما أن قولهم: يذر ويدع استغنى عنهما بترك، كما استغنى أيضا بغائط عن غيّط، وكما استغنى أيضا بذكر ولمحة عن مذكار وملمحة اللتين عليهما كسّر ملامح ومذاكير.
ويؤكد هذا أن غائطا إلى غيّط أقرب من ذكر ولمحة إلى مذكار وملمحة؛ وذلك لأن ثانى فاعل ألف زائدة كما أن ثانى فيعل ياء زائدة، والعين فيهما كليهما مكسورة، واللام تلى العين فيهما جميعا، والياء أيضا أخت الألف، فكأنهما مثال واحد من حيث ذكرنا، فبقدر هذا القرب بينهما ما حسنت إنابة فاعل عن فيعل، لا سيما وكأن غيطا فى اللفظ غيّط لقربه منه وزنا.
وفيه قول ثان، وهو أن يكون غيط فعلا وأصله غوط، إلا أن الواو قلبت للتخفيف ياء، كما قلبوها إليها لذلك فى قولهم: لا حيل ولا قوة إلا بالله، أى: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقالوا: هو أليط بقلبى من كذا، وظاهر أمره أن يكون من لطت الحوض ألوطه، أى ألصقت بعضه ببعض، فكذلك هو أليط بقلبى: إذا لصق به، وأصله على هذا ألوط، وقلبت الواو ياء استحسانا كأشياء نحو ذلك، نحو العلياء وهى من علوت، والعيصاء بمعنى العوصاء فهذا الوجه أقرب، والأول أشدّ وأصنع.
***
стр. 290
﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً﴾ (٥٦) ومن ذلك قراءة حميد بن قيس «سوف نصليهم نارا».
قال أبو الفتح: قد أتينا على ما فى ذلك فيما مضى من هذا الكتاب آنفا.
***
﴿تَعالَوْا﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة الحسن فيما رواه عنه قتادة: «تعالوا»، بضم اللام.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه حذف اللام من تعاليت استحسانا وتخفيفا، فلما زالت اللام من تعالى ضمت لام تعال لوقوع واو الجمع بعدها كقولك: تقدموا وتأخروا.
ونظير ذلك فى حذف اللام استخفافا قولهم: ما باليت به بالة، وأصلها بالية، كالعافية والعاقبة، ثم حذفت اللام كما ترى.
وذهب الكسائى فى «آية» إلى أن أصلها: آيية فاعلة، فحذفت اللام كما ذكرنا، ولو كانت إنما حذفت لام «تعالوا» لالتقاء الساكنين كما حذفت لذلك فى قولك للجماعة آمرا: تراموا وتغازوا لبقيت العين مفتوحة دلالة على الألف المحذوفة، وكنحو قولك:
اخشوا واسعوا، إذا أمرت الجماعة.
ونظير حذف اللام استحسانا فى هذه القراءة قراءة الحسن أيضا فى قوله الله تعالى:
﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾.
حدثنا بذلك أبو على، وذهب إلى ما ذكرناه من حذف اللام استخفافا، وإلى أنه يجوز أن يكون أراد إلا من هو صالون الجحيم؛ فحذف النون للإضافة، وحذف الواو التى هى علم الجمع لفظا لالتقاء الساكنين، واستعمل لفظ الجمع حملا على المعنى دون
стр. 291
اللفظ، كقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، وله نظائر، إلا أن الظاهر ما ذهب إليه أبو على.
وأما حديث «تعال» والقول على ماضيه ومضارعه وتصرفه ومن أين جاز استعمال لفظ العلو فى التقدم فأمر يحتاج إلى فضل قول، وقد ذكرناه فى غير هذا الموضع، إلا أن من جملته أنهم استعملوا لفظ التقدم والارتفاع على طريق واحد، من ذلك قولهم:
قدّمته إلى الحاكم، فهذا كقولك: ترافعنا إلى الحاكم؛ كذلك قولك للرجل: تعال كقولك له: تقدم. وأصله أن التقدم تعال، والتأخر انخفاض وتراخ، فافهمه.
***
﴿لَيَقُولَنَّ﴾ (٧٣) ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: «ليقولن» بضم اللام على الجمع. قال عبد الوارث: سئل أبو عمرو عن قراءة الحسن: «ليقولن» برفع اللام، فسكت.
قال أبو الفتح: أعاد الضمير على معنى «من» لا على لفظها الذى هو قراءة الجماعة؛ وذلك أن قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لا يعنى به رجل واحد، لكن معناه أن هناك جماعة هذا وصف كل واحد منهم، فلما كان جمعا فى المعنى أعيد الضمير على معناه دون لفظه كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، الحال فيهما واحدة وكأن الموضع لحقه احتياط فى اللفظ خوفا من إشكال معناه، فضمّ اللام من ليقولن ليعلم أن هذا حكم سار فى جماعة، ولا يرى أنه واحد ولا أكثر منه، فاعرفه.
***
стр. 292
﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [النساء:٧٣] ومن ذلك قراءة الحسن ويزيد النحوى: «يا ليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما»، بالرفع. قال روح: لم يجعل لليت جوابا.
قال أبو الفتح: محصول ذلك أنه يتمنى الفوز، فكأنه قال: يا ليتنى أفوز فوزا عظيما، ولو جعله جوابا لنصبه، أى: إن أكن معهم أفز، هذا إذا أصبحت بالشرط، إلا أن الفاء إن دخلت جوابا للتمنى نصب الفعل بعدها بإضمار أن، وعطف أفوز على كنت معهم لأنهما جميعا متمنيان، إلا أنه عطف جملة على جملة لا الفعل على انفراده على الفعل؛ إذ كان الأول ماضيا والثانى مستقبلا.
وذهب أبو الحسن فى قوله : ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالرفع إلى أنه عطف على اللفظ، ومعناه معنى الجواب. قال: لأنهم لم يتمنّوا ألا يكذّبوا، وإنما تمنوا الرد، وضمنوا أنهم إن ردوا لم يكذّبوا، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وعليه قول الآخر:
فلقد تركت صبيّة مرحومة … لم تدر ما جزع عليك فتجزع
والقوافى مرفوعة، أى هى تجزع. ولو كان جوابا لقال فتجزعا، وقد ذكرنا هذا ونحوه فى كتابنا الموسوم بالتنبيه، وهو تفسير مشكل أبيات الحماسة.
***
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٧٨) ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: «أينما تكونوا يدرككم الموت»، برفع الكافين. قال ابن مجاهد: وهذا مردود فى العربية.
стр. 293
قال أبو الفتح: هو لعمرى ضعيف فى العربية، وبابه الشعر والضرورة، إلا أنه ليس بمردود؛ لأنه قد جاء عنهم. ولو قال: مردود فى القرآن لكان أصح معنى؛ وذلك أنه على حذف الفاء، كأنه قال: فيدرككم الموت. ومثله بيت الكتاب:
من يفعل الحسنات الله يشكرها … والشر بالشّر عند الله مثلان
أى فالله يشكرها، ومثله بيته أيضا:
بنو ثعل لا تنكعوا العنز شربها … بنى ثعل من ينكع العنز ظالم
فكأنه قال: فهو ظالم، فحذف الفاء والمبتدأ جميعا، إلا أنه لما ترك هناك اسم الفاعل فهو لشبهه بالفعل كأنه هو الفعل، فيصير إلى أنه كأنه قال: من ينكع العنز يظلم، وشبه الفعل فى هذه اللغة أفشى من الشمس، حتى إنهم استجازوا لذلك أن يولوه نون التوكيد المختصة بالفعل، فقالوا:
أريت إن جئت … به أملودا
مرجّلا ويلبس البرودا
أقائلنّ أحضرى الشهودا
فكأنه قال: أيقولن، والنظائر فيه كثيرة جدا.
***
стр. 294
﴿إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾ (٩١) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «إلى الفتنة ركّسوا فيها»، مثقل بغير ألف.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه شئ بعد شئ؛ وذلك لأنهم جماعة، فلما كانوا كذلك وقع شئ منه بعد شئ فطال، فلاق به لفظ التكثير والتكرير، كقولك: غلّقت الأبواب، وقطعت الحبال وقد يكون معنى التكرير مع لفظ التخفيف، أنشد أبو الحسن:
أنت الفداء لقبلة هدّمتها … ونقرتها بيديك كلّ منقّر
فصار و «نقرتها» كأنه قال: ونفّرتها، يدل عليه مصدره الذى هو «منقّر». وهذا ونحوه مما يدل على اشتمال لفظ الأفعال على معانى الأجناس، حتى إن اللفظة الواحدة تصلح لكثيره صلاحها لقليله.
***
﴿إِلاّ خَطَأً﴾ (٩٢) ومن ذلك قراءة الزهرى فيما رواه عنه الوقّاصى: «إلا خطّا»، مقصورا، خفيفا، بغير همز.
قال أبو الفتح: أصله خطأ، بوزن خطعا، كقراءة العامة، غير أنه حذف الهمزة حذفا على ما حكيناه عنهم من قولهم: جا يجى، وسايسو. وهذا ضعيف عند أصحابنا وإن كان قد جاء منه حروف صالحة، إلا أنه ليس تخفيفا قياسيا، وإنما هو حذف وخبط للهمزة البتة. وقد ذكرناه فيما قبل. ويجوز أن يكون أبدل الهمزة إبدالا على حد قربت، فجرى مجرى عصا ومطا.
***
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ (٩٧) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «إنّ الذين توفّاهم الملائكة».
قال أبو الفتح: معنى هذا كقولك: إن الذين يعدّون على الملائكة يردّون إليهم
стр. 295
يحتسبون عليهم، فهو نحو من قولك: إن المال الذى توفّاه أمة الله، أى يدفع إليها ويحتسب عليها. كأن كل ملك جعل إليه قبض نفس بعض الناس، ثم مكن من ذلك ووفّيه، أو كأن ذلك فى بعض الملائكة، فجرى اللفظ على الجميع، والمراد البعض على ما مضى فى هذا الكتاب.
***
﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ (١٠٠) ومن ذلك ما رواه الواقدى عن عباس، عن الضبى عن أصحابه: «مرغما»، وقراءة الجماعة: ﴿مُراغَماً﴾.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا إنما جاء على حذف الزيادة من راغم، فعليه جاء مرغم، كمضرب من ضرب، ومذهب من ذهب. وأصل هذه المادة ر غ م، فمنه الرّغام التراب وهو إلى الذل والشدة. والمراغم: المعارّ الذى يروم إذلال صاحبه، ومنه الحديث
стр. 296
المرفوع: «إذا صلى أحدكم فليلزم جبهته وأنفه الأرض حتى يخرج منه الرّغم»، أى حتى يذلّ ويخضع لله ، وعليه بقية الباب.
*** ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (١٠٠) ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: «ثمّ يدركه الموت برفع الكاف، وقراءة الحسن والجراح: «ثمّ يدركه الموت»، بنصب الكاف.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا الأمر أنّ «يدركه» رفع على أنه خبر ابتداء محذوف، أى ثم هو يدركه الموت، فعطف الجملة التى من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم بفاعله، فهما إذا جملة، فكأنه عطف جملة على جملة. وجاز العطف هاهنا أيضا لما بين الشرط والابتداء من المشابهات، فمنها أن حرف الشرط يجزم الفعل، ثم يعتور الفعل المجزوم مع الحرف الجازم على جزم الجواب، كما أن الابتداء يرفع الاسم المبتدأ، ثم يعتور الابتداء والمبتدأ جميعا على رفع الخبر، ولذلك قال يونس فى قول الأعشى:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا … أو تنزلون فإنا معشر نزل
إنما أراد أو أنتم تنزلون. أفلا تراه كيف عطف المبتدأ والخبر على فعل الشرط الذى هو تركبوا؟ وعليه قول الآخر:
стр. 297
إن تذنبوا ثم تأتينى بقيتكم … فما على بذنب منكم فوت
فكأنه قال: إن تذنبوا ثم أنتم تأتينى بقيتكم. هذا أوجه من أن يحمله على أنه جعل سكون الياء فى تأتينى علم الجزم، على إجراء المعتلّ مجرى الصحيح نحو قوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى …
فهذا جواب كما تراه.
وإن شئت ذهبت فيه مذهبا آخر غيره، إلا أن فيه غموضا وصنعة، وهو أن يكون أراد ثم يدركه الموت جزما، غير أنه نوى الوقف على الكلمة فنقل الحركة من الهاء إلى الكاف، فصار يدركه، على قوله:
من عنزىّ سبّنى لم أضربه
أراد لم أضربه، ثم نقل الضمة إلى الباء لما ذكرناه، كقوله:
ألهى خليلى عن فراشى مسجده … يأيها القاضى الرشيد أرشده
أى أرشده، ثم نقل الضمة، فلما صار يدركه إلى يدركه حرك الهاء بالضم على أول
стр. 298
حالها، ثم لم يعد إليها الضمة التى كان نقلها إلى الكاف عنها، بل أقر الكاف على ضمها، فقال: «ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ»، وقد جاء ذلك عنهم. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بقول الشاعر:
إن ابن أحوص معروفا فبلّغه … فى ساعديه إذا رام العلا قصر
أراد: فبلّغه، ثم نقل الضمة من الهاء إلى الغين فصار فبلّغه، ثم حرك الهاء بالضم وأقر ضمة الغين عليها بحالها، فقال: فبلغه؛ وذلك أنه قد كثر النقل عنهم لهذه الضمة عن هذه الهاء، فإذا نقلت إلى موضع قرّت عليه وثبتت ثبات الواجب فيه.
وفى إقرار الحركة بحالها مع تحريك ما بعدها دلالة على صحة قول سيبويه بإقرار الحركة التى يحرك بها الساكن عند الحذف إذا رد إلى الكلمة ما كان حذف منها فى نحو قوله فى النسب إلى شيه: وشوىّ، وهذا مشروح هنا فى موضعه، فهذا وجه ثان كما تراه فى قوله: «ثم يدركه الموت» بضم الكاف؛ فاعرفه.
وأما قراءة الحسن: «ثم يدركه الموت» بالنصب فعلى إضمار «أن»، كقول الأعشى:
لنا هضبة لا ينزل الذلّ وسطها … ويأوى إليها المستجير فيعصما
أراد فأن يعصما، وهذا ليس بالسهل، وإنما بابه الشعر لا القرآن. ومن أبيات الكتاب:
سأترك منزلى لبنى تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا
والآية على كل حال أقوى من ذلك؛ لتقدم الشرط قبل المعطوف، وليس بواجب، وهذا واضح.
وفيه أكثر من هذا إلا أنا نكره ونتحامى الإطالة لا سيما فى الدقيق؛ لأنه مما يجفو على أهل القرآن.
стр. 299
وقد كان شيخنا أبو علىّ عمل كتابه الحجة، وظاهر أمره أنه لأصحاب القراءة، وفيه أشياء كثيرة قلما ينتصف فيها كثير ممن يدعى هذا العلم، حتى إنه مجفوّ عند القراء لما ذكرناه.
***
﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ (١٠٤) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن الأعرج: «أن تكونوا تألمون»، بفتح الألف.
قال أبو الفتح: «أن» محمولة على قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾، أى لا تهنوا لأنكم تألمون، كقولك: لا تجبن عن قرنك لخوفك منه، فمن اعتقد نصب «أن» بعد حذف الجر عنها فأن هنا منصوبة الموضع، وهى على مذهب الخليل مجرورة الموضع باللام المرادة، وصارت «أن» لكونها حرفا كالعوض فى اللفظ من اللام.
*** ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ (١٠٤) ومن ذلك قراءة يحيى: «فإنهم ييلمون كما تيلمون».
قال أبو الفتح: العرف فى نحو هذا أن من قال: أنت تئمن وتئلف وإيلف، فكسر حرف المضارعة فى نحو هذا-إذا صار إلى الياء فتحها البتة، فقال: هو يألف، ولا يقول: هو ييلف، استثقالا للكسرة فى الياء.
فأما قولهم فى يوجل ويوحل ونحوهما: ييجل وييحل، بكسر الياء فإنما احتمل ذلك هناك من قبل أنهم أرادوا قلب الواو ياء هربا من ثقل الواو؛ لأن الياء على كل حال أخف من الواو، وعلموا أنهم إذا قالوا: ييجل ويوحل، فقلبوا الواو ياء والياء قبلها مفتوحة-كان ذلك قلبا من غير قوة علة القلب، فكأنهم حملوا أنفسهم بما تجشموه من كسر الياء توصلا إلى قوة علة قلب الواو ياء، كما أبدلوا من ضمة لام أدلو جمع
стр. 300
دلو كسرة فصار أدلو لتنقلب الواو ياء بعذر قاطع، وهو انكسار ما قبلها وهو لام، وليس كذلك الهمزة؛ لأنها إذا كسر ما قبلها لم يجب انقلابها ياء، وذلك نحو بئر وذئب، ألا تراك إذا قلت: هو يئلف لم يجب قلب الهمزة ياء؟ فلهذا قلنا إن كسر ياء ييجل لما يعقب من قلب الأثقل إلى الأخف مقبول، وليس فى كسر ياء يئلف ما يدعو إلى ما تحتمل له الكسرة، وليس فيه أكثر من أنه إذا كسر الياء ثم خفف الهمزة صار ييلمون فأشبه فى اللفظ ييجل، وهذا له قدر لا يحتمل له كسر الياء، فاعرفه.
***
﴿إِلاّ إِناثاً﴾ (١١٧) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ فيما روته عائشة رضى الله عنها: «أثنا»، بثاء قبل النون.
وروى أيضا عنها عنه ﵇: «أنثا»، النون قبل الثاء. وقراءة ابن عباس: «إلا وثنا»، وروى عنه أيضا: «إلا أنثا»؛ بضمتين والثاء بعد النون. وقراءة عطاء بن أبى رباح: «إلا أثنا»، الثاء قبل، وهى ساكنة.
قال أبو الفتح: أما «أثن» فجمع وثن، وأصله وثن، فلما انضمت الواو ضما لازما قلبت همزة، كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾، وكقولهم فى وجوه: أجوه:
وفى وعد أعد، وهذا باب واسع، ونظير وثن وأثن أسد وأسد. ومن قال: أثنا بسكون الثاء فهو كأسد، بسكون السين.
حكى سيبويه هذه القراءة: «أثنا»، بسكون الثاء.
وذهب أبو بكر محمد بن السرى فى قولهم: أسد وأسد إلى أنها محذوفة من أسود، ويقوى قوله هذا بيت الأخطل:
стр. 301
كلمع أيدى مثاكيل مسلّبة … يندبن ضرس بنات الدهر والخطب
يريد الخطوب، فقصر الكلمة بحذف واوها، ومثله قول الآخر:
إن الفقير بيننا قاض حكم … أن ترد الماء إذا غاب النّجم
يريد النجوم.
وأما «أنثا» بتقديم النون على الثاء فينبغى أن يكون جمع أنيث، كقولهم: سيف أنيث الحديد، وذلك كقراءة العامة: ﴿إِلاّ إِناثاً﴾، يعنى به الأصنام. قال الحسن: الإناث كل شئ ليس فيه روح: خشبة يابسة وحجر يابس، قال: وهو اسم صنم لحى من العرب، كانوا يعبدونها ويسمونها أنثى بنى فلان، وعليه القراءة: «إلا أوثانا».
***
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ﴾ (١٢٠) ومن ذلك قال حماد بن شعيب: قلت للأعمش: «يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم» فقال: أيعدهم؟ إنما هو: «يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم»، ساكنة.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على نحو هذا مما أسكن فى موضع الرفع تخفيفا لثقل الضمة.
قال أبو زيد فيما حكاه عنهم: ﴿بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، بسكون اللام تخفيفا على هذا.
***
стр. 302
﴿يَتامَى النِّساءِ﴾ (١٢٧) ومن ذلك ما رواه الضبى عن أبى عبد الله المدنى: «فى ييامى النّساء»، بياءين.
قال أبو الفتح: القراءة المجمع عليها: ﴿فِي يَتامَى النِّساءِ﴾ بياء وتاء بعدها. ولا يجوز قلب التاء هنا ياء. والقول عليه-والله أعلم-أنه أراد أيامى، فأبدل الهمزة ياء، فصارت «ييامى»، وقلبت الهمزة ياء كما قلبت الهمزة ياء فى قولهم: قطع الله «أديه»، يريدون يده، فرد لام الفعل، وأعاد العين إلى سكونها، فصارت يديه، ثم أبدل الياء همزة فصارت أديه، ولم أسمع هذا إلا من جهته، وأيا ما كان فقد قلب الياء همزة.
ونظير قلب الهمزة فى «أيامى» إلى الياء حتى صارت «ييامى» قولهم: باهلة بن يعصر، فالياء فيه بدل من همزة أعصر وذلك لأنه يقال: باهلة بن أعصر ويعصر، وإنما سمى أعصر ببيت قاله:
أبنى إن أباك غير لونه … كرّ الليالى واختلاف الأعصر
فهذا دليل فى كون الهمزة أصلا والياء بدل منها.
وأما «أيامى» فقالوا: إنها جمع أيّم، وأصلها عندهم أيائم كسيد وسيائد، كذا رواها ابن الأعرابى، سيد وسيائد بالهمز كما ترى، وفى هذا شاهد لقول سيبويه: إنه متى اكتنف ألف التكسير حرفا علة أيّين كانا وجاور الآخر منهما الطرف فإنه يهمز.
وشاهد ذاك أيضا ما رواه أبو عثمان عن الأصمعى: أنهم قالوا: عيّل وعيائل بالهمز.
وحكى أبو زيد: سيّقة وسيائق بالهمز.
وكان أبو على يسر بما حكاه أبو زيد من همز سيائق، ولم يقع له إذ ذاك ما حكيناه عن ابن الأعرابى من همز سيائد، ولا كان إذ ذاك وقع هذا الحرف إلىّ فأذكره له، كأشياء كانت تخطر لى أو تنتهى إلىّ فأحكيها له، فتقع مواقعها المرضية عنده.
ومذهب أبى الحسن بخلاف ذلك، فلما صارت إلى أيائم قدمت اللام وأخرت العين، فصارت «أيامى» ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف فصارت «أيامى»، ووزنها الآن فيالع، وأصلها أيائم فياعل، لأن أيما فيعل، هذا مذهب الجماعة فى أيمّ وأيامى.
стр. 303
ولو ذهب به ذاهب إلى ما أذكره لم أر به بأسا، وذلك أنه كأنه كسر آيم فاعل على فعلى، وهو أيمى، من حيث كانت الأيمة بلية ندفع إليها، فجرى مجرى هالك وهلكى، ومائد وميدى وجريح وجرحى، وزمن وزمنى، وسكران وسكرى. ثم كسّرت أيمى على أيامى، فوزن أيامى الآن على هذا فعالى، ولا قلب فيها.
وأنت إذا سلكت هذه الطريق أحرزت غنمين، وكفيت مئونتين:
إحداهما أن تكون الكلمة على أصلها لم تقلب ولم يغير شئ من حروفها، والآخر:
أنه لو كان الأصيل «أيائم» لجاز، بل كان الوجه أن يسمع، وإنما المسموع أيامى كما ترى، فاعرف ذلك، «فالييامى» على هذا القول فعالى، تكسير أيمى على فعلى، كهلكى.
وعلى القول الآخر فيالع.
ومما كسّر على فعلى ثم كسّرت على فعالى ما رويناه عن أبى بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى فى أماليه من قول بعضهم:
مثل القتالى فى الهشيم البالى
فهذا تكسير قتيل على قتلى، ثم قتلى على قتالى.
***
﴿أَنْ يُصْلِحا﴾ (١٢٨) ومن ذلك قراءة عاصم الجحدرى، «أن يصّلحا».
قال أبو الفتح: أراد يصطلحا أى يفتعلا، فآثر الإدغام فأبدل الطاء صادا، ثم أدغم فيها الصاد التى هى فاء، فصارت يصّلحا. ولم يجز أن تبدل الصاد طاء لما فيها من امتداد الصفير، ألا ترى أن كل واحد من الطاء وأختيها والظاء وأختيها يدغمن فى الصاد وأختيها، ولا يدغم واحدة منهن فى واحدة منهن؟ فلذلك لم يجز «إلا أن يطّلحا»، وجاز يصلحا.
***
стр. 304
﴿وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ (١٣٦) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن فى رواية عطاء عنه وقراءة عاصم الجحدرى أيضا:
«وملائكته وكتابه»، على التوحيد.
قال أبو الفتح: اللفظ لفظ الواحد والمعنى معنى الجنس، أى وكتبه. ومثله قوله سبحانه: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، أى كتبنا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ فلكل إنسان كتاب، فهى جماعة كما ترى. وقد قال: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. ووقوع الواحد موقع الجماعة فاش فى اللغة. قال الله تعالى:
﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾، أى أطفالا، وحسن لفظ الواحد هنا شئ آخر أيضا، وذلك أنه موضع إضعاف للعباد وإقلال لهم، فكان لفظ الواحد لقلته أشبه بالموضع من لفظ الجماعة؛ لأن الجماعة على كل حال أقوى من الواحد، فاعرف ذلك.
***
﴿يُراؤُنَ النّاسَ﴾ (١٤٢) ومن ذلك قراءة عبد الله بن أبى إسحاق، والأشهب العقيلى: «يرءّون الناس»، مثل يرعّون، والهمزة بين الراء والواو من غير ألف.
قال أبو الفتح: معناه يبصّرون الناس، ويحملونهم على أن يروهم يفعلون ما يتعاطونه، وهى أقوى معنى من «يراءون» بالمد على يفاعلون، لأن معنى يراءونهم يتعرضون لأن يروهم، و «يرءّونهم» يحملونهم على أن يروهم.
قال أبو زيد: رأت المرأة الرجل المرآة إذا أمسكتها له ليرى وجهه، ويدلك على أن يرائى أضعف معنى من يرئّى قوله:
стр. 305
ترى أو تراءى عند معقد غرزها … تهاويل من أجلاد هرّ مووّم
***
﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ (١٤٣) ومن ذلك قراءة ابن عباس وعمرو بن فايد: «مذبذبين»، بكسر الذال الثانية.
قال أبو الفتح: هو من قوله:
خيال لأمّ السلسبيل ودونه … مسيرة شهر للبريد المذبذب
أى المهتز القلق الذى لا يثبت فى مكان، فكذلك هؤلاء: يخفون تارة إلى هؤلاء وتارة إلى هؤلاء، فهو مثل قوله: ﴿لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾، وهو من ذبّبت عن الشئ: أى صرفت عنه شيئا يريده إلى غير جهته، وقريب من لفظه، إلا أنه ليس من لفظه كما يقول البغداديون وأبو بكر معهم؛ وذلك أن ذبّبت من ذوات الثلاثة، وذبذب من مكرر الأربعة، فهو كقولهم: عين ثرّة وثرثارة، وهو كثير فى معناه. وقد ذكرنا ذلك فى كتابنا المنصف.
***
﴿إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ (١٤٨) ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وزيد بن أسلم، وعبد الأعلى بن عبد الله بن مسلم بن يسار وعطاء بن السائب وابن يسار: «إلاّ من ظلم» بفتح الظاء واللام.
стр. 306
قال أبو الفتح: ظلم وظلم جميعا على الاستثناء المنقطع، أى لكن من ظلم فإن الله لا يخفى عليه أمره، ودل على ذلك قوله: ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾.
***
﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ (١٦٢) ومن ذلك قراءة مالك بن دينار وعيسى الثقفى وعاصم الجحدرى: «والمقيمون»، بواو.
قال أبو الفتح: ارتفاع هذا على الظاهر الذى لا نظر فيه، وإنما الكلام فى «المقيمين» بالياء، واختلاف الناس فيه معروف، فلا وجه للتشاغل بإعادته، لكن رفعه فى هذه القراءة يمنع من توهمه مع الياء مجرورا أى يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة، وهذا واضح.
***
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى﴾ (١٦٤) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «وكلّم الله موسى»، اسم الله نصب.
قال أبو الفتح: يشهد لهذه القراءة قوله جل وعز حكاية عن موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وغيره من الآى التى فيها كلامه لله تعالى.
***
﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (١٧١) ومن ذلك قراءة العامة: ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ بالفتح، وقراءة الحسن: «إن يكون»، بكسر الألف.
стр. 307
قال أبو الفتح: هذه القراءة توجب رفع يكون، ولم يذكر ابن مجاهد إعراب يكون، وإنما يجب رفعه لأن «إن» هنا نفى كقولك: ما يكون له ولد، وهذا قاطع.
***
﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ (١٧٢) ومن ذلك قراءة مسلمة: «فسيحشرهم» «فيعذبهم»، ساكنة الراء والباء.
قال أبو الفتح: قد سبق نحو هذا وأنه إنما يسكن استثقالا للضمة، نعم وربما كان العمل خلسا فظن سكونا، وقد سبقت شواهد السكون بما فيه.
***
стр. 308
سورة المائدة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) من ذلك قراءة الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثّاب: «وأنتم حرم» بإسكان الراء.
قال أبو الفتح: هذه اللغة تميمية، يقولون فى رسل: رسل، وفى كتب: كتب، وفى دجاج بيض دجاج بيض، وذلك أنه صار إلى فعل، فجرى مجرى جمع أبيض إذا قلت:
بيض.
واعلم من بعد هذا أن إسكان «حرم» كأنّ له مزية على إسكان كتب، وذلك أن فى الراء تكريرا، فكادت تكون الراء الساكنة لما فيها من التكرير فى حكم المتحركة لزيادة الصوت بالتكرير نحوا من زيادته بالحركة، وكذلك الكلام فى جراب وجرب وسراج وسرج، وكذلك القول فيما جاء عنهم من تكسير فرد على أفراد، فيه هذا المعنى الذى ذكرناه؛ وذلك أن التكرير فى راء فرد كاد يكون كالحركة فيها فصار «فرد» وإن كان فعلا ساكن العين-كأنه فعل محركها، وقد تقصيت هذا فى كتاب المحاسن وبسطته هناك ونظائره.
***
﴿فَاصْطادُوا﴾ (٢) ومن ذلك قراءة أبى واقد والجراح ونبيج والحسن بن عمران: «فاصطادوا» بكسر الفاء.
قال أبو الفتح: هذه القراءة ظاهرة الإشكال، وذلك أنه لا داعى إلى إمالة فتحة هذه الفاء كما أميلت فتحة الراء الأولى من الضرر لكسرة الثانية، وكما أميلت فتحة النون من قولهم: وإنا إليه راجعون؛ لكسر الهمزة، ونحو ذلك فمن هنا أشكل أمر هذه الإمالة،
стр. 309
إلا أن هنا ضربا من التعلل صالحا، وهو أنه لك أن تقول: فاصطادوا، فتميل الألف بعد الطاء إذ كانت منقلبة عن ياء الصيد. فإن قلت: فهناك الطاء، فهلا منعت الإمالة، وكذلك الصاد.
قيل: إن حروف الاستعلاء لا تمنع الإمالة فى الفعل، إنما تمنع منها فى الاسم، نحو طالب وظالم، فأما فى الفعل فلا، ألا تراهم كيف أمالوا طغى وقضى وهناك حرفان مستعليان مفتوحان؟ وسبب ذلك إيغال الأفعال فى الاعتلال، وأنها أقعد فيه من الأسماء.
فإن قلت: فإنه لم يحك فى الطاء إمالة.
قيل: هى وإن لم تسمع معرضة، والكلمة لها معرضة فكأنها لذلك ملفوظ، كما أن من قال فى الوقف هذا ماش، فأمال مع سكون الشين نظرا إلى الكسرة إذا وصل فقال:
هذا ماش، وكما أن من قال: أغزيت نظر إلى وجوب الياء فى المضارع لانكسار ما قبل الواو فى يغزى، وكما أن من أعلّ يخاف وأصلها يخوف نظر إلى اعتلالها فى الماضى وأصلها خوف. ولولا ذلك لوجب أغزوت ويخوف لأنه لا علة فيهما فى مكانهما، وكما أن من قال فى الإضافة إلى الصّعق صعقى أقر كسرة الصاد مع فتحة العين نظرا إلى أصل ما كان عليه من كسرة العين، ولذلك نظائر.
وإن شئت قلت: لّما كان يقول فى الابتداء: اصطادوا، فيكسر همزة الوصل-نظر إليها بعد حذف الهمزة فقال: «فاصطادوا» تصورا لكسرة الهمزة إذا ابتدأت فقلت:
اصطادوا. فهذا وجه ثان لما مضى.
*** ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ (٢) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «ولا يجرمنّكم» -بضم الياء- «شنآن قوم إن يصدوكم» -بكسر الألف.
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة ضعف، وذلك لأنه جزم بإن ولم يأت لها بجواب مجزوم أو بالفاء، كقولك: إن تزرنى أعطك درهما أو فلك درهم، ولو قلت: إن تزرنى أعطيتك درهما قبح لما ذكرنا، وإنما بابه الشعر:
стр. 310
إن يسمعوا ريبة طاروا لها فرحا … يوما وما سمعوا من صالح دفنوا
***
﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ (٣) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «وأكيل السّبع».
قال أبو الفتح: ذهب بالتذكير إلى الجنس والعموم، حتى كأنه قال: وما أكل السبع، ولو قال ذلك ما كان لفظ «ما» إلا إلى التذكير، والأكيل هنا إذا يصلح للمذكر والمؤنّث، وأما الأكيلة فكالنطيحة والذبيحة، اسم للمأكول والمنطوح، كالضحية والبليّة فى قوله:
مثل البليّة قالصا أهدامها …
فتقول على هذا: مررت بشاة أكيل، أى قد أكلها السبع ونحوه، وتقول: ما لنا طعام إلا الأكيلة، أى الشاة أو الجزور المعدة لأن تؤكل، فإن كانت قد أكلت فهى أكيل بلا هاء، وكذلك أكيل السبع هنا ما قد أكل السبع بعضه.
*** ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ (٣) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: «غير متجنّف لإثم»، بغير ألف.
قال أبو الفتح: كأن متجنفا أبلغ وأقوى معنى من متجانف، وذلك لتشديد العين، وموضوعها لقوة المعنى بها نحو تصوّن وهو أبلغ من تصاون؛ لأن تصون أوغل فى ذلك، فصح له وعرف به، وأما تصاون فكأنه أظهر من ذلك وقد يكون عليه، وكثيرا
стр. 311
ما لا يكون عليه، ألا ترى إلى قوله:
إذا تخازرت وما بى من خزر …
فصار متجنّف بمعنى متميّل متثنّ، ومتجانف كمتمايل، ومتأوّد أبلغ من متاود، وعليه قراءة عبد الله بن أبى إسحاق والأشهب العقيلى: «يرءّون الناس». أى يكرهونهم على أن يروهم على ما يتجمّلون به، ويراءون يتصنعون لذلك فربما تم لهم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا.
***
﴿مُكَلِّبِينَ﴾ (٤) ومن ذلك قراءة أبى رزين: «مكلبين»، ساكنة الكاف.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون «مكلبين» من قولهم: آسدت الكلب، أى: أغريته، وكذلك إكلاب الجوارح هو إغراؤها بالصيد وإسآدها عليه ليكون كالكلب الكلب، كلب وأكلبته كضرى وأضريته، وغرى وأغريته، وأسد وآسدته، وعرص وأعرصته، وهبص وأهبصته.
***
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٦) ومن ذلك ما رواه عمرو عن الحسن: «وأرجلكم»، بالرفع.
стр. 312
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون رفعه بالابتداء والخبر محذوف، دل عليه ما تقدمه من قوله سبحانه: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، أى وأرجلكم واجب غسلها، أو مفروض غسلها، أو مغسولة كغيرها، ونحو ذلك. وفد تقدم نحو هذا مما حذف خبره لدلالة ما هناك عليه، وكأنه بالرفع أقوى معنى؛ وذلك لأنه يستأنف فيرفعه على الابتداء، فيصير صاحب الجملة. وإذا نصب أو جرّ عطفه على ما قبله، فصار لحقا وتبعا، فاعرفه.
***
﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ (١٢) ومن ذلك قراءة عاصم الجحدرى: «وعزرتموهم»، خفيفة.
قال أبو الفتح: عزرت الرجل أعزره عزرا: إذا حطته وكنفته، وعزّرته: فخّمت أمره وعظمته، وكأنه لقربه من الأزر وهو التقوية معناه أو قريبا منه، ونحوه عزر اللبن وحزر: إذا حمض فاشتد، فانظر إلى تلامح كلام العرب واعجب.
***
﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ (٢٣) ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير ومجاهد: «قال رجلان من الّذين يخافون»، بضم الياء.
قال أبو الفتح: يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون من المؤمنين الذين يرهبون ويتّقون لما لهم فى نفوس الناس من العفة والورع والستر، وذلك أنه من كان فى النفوس كذلك رهب واحتشم وأطيع وأعظم؛ لأن من أطاع الله سبحانه أكرم وأطيع، ومن عصاه امتهن وأضيع.
والآخر: أن يكون معناه من الذين إذا وعظوا: رهبوا وخافوا، فإذا أتاهم الرسول بالحق أطاعوا وخضعوا، أى ليس ممن يركب جهله ولا يصغى إلى ما يحد له، فيكون
стр. 313
كقوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾، ونحو ذلك من الآى الدالة على رهبة المؤمنين وطاعتهم، فهذا إذا من أخيف والأول من خيف.
***
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ (٣٠) ومن ذلك قراءة الحسن بن عمران وأبى واقد والجراح، ورويت عن الحسن:
«فطاوعت له نفسه».
قال أبو الفتح: ينبغى-والله أعلم-أن يكون هذا على أن قتل أخيه جذبه إلى نفسه ودعاه إلى ذلك، فأجابته نفسه وطاوعته.
وقراءة العامة: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾، أى حسّنته له وسهّلته عليه.
***
﴿فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: «فأوارى سوءة أخى» بسكون الياء فى «أوارى».
قال أبو الفتح: قد سبق القول على سكون هذه الياء فى موضع النصب فى نحو قوله:
كأن أيديهن بالموماة … أيدى جوار بتن ناعمات
وقول أبى العباس: إنها من أحسن الضرورات.
***
стр. 314
﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ﴾ (٣٢) ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «من أجل ذلك»، غير مهموز والنون مكسورة.
قال أبو الفتح: يقال: فعلت ذلك من أجلك ومن إجلك بالفتح والكسر، ومن إجلاك ومن جللك ومن جلالك ومن جرّاك، فيجب على هذا أن تكون قراءة أبى جعفر: «من اجل ذلك» على تخفيف همزة «إجل» بحذفها وإلقاء حركتها على نون من، كقولك فى تخفيف كم إبلك: كم بلك، وفى من إبراهيم من براهيم، وهو واضح.
*** ﴿نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣٢) ومن ذلك قراءة الحسن: «من قتل نفسا بغير نفس أو فسادا فى الأرض»، بنصب الفساد.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون ذلك على فعل محذوف يدل عليه أوّل الكلام، وذلك أن قتل النفس بغير النفس من أعظم الفساد، فكأنه قال: أو أتى فسادا، أو ركب فسادا، أو أحدث فسادا، وحذف الفعل الناصب لدلالة الكلام عليه وإبقاء عمله ناطقا به ودليلا عليه مع ما يدل من غيره عليه-أكثر من أن يؤتى بشئ منه مع وضوح الحال به، إلا أن منه قول القطامى:
فكرّت تبتغيه فوافقته … على دمه ومصرعه السباعا
فنصب السباع لأنها داخلة فى الموافقة. ألا تراها إذا وافقت السباع على دمه فقد دخلت السباع فى الموافقة، فيصير كأنه قال: وافقت السباع؟ وهو عندنا بعد على حذف المضاف، أى آثار السباع؛ لأنها لو صادفت السباع هناك لأكلتها أيضا. وهناك مضاف آخر محذوف، أى صادفت السباع على أشلائه وبقاياه؛ لأنها إذا وافقت آثار السباع على دمه ومصرعه فإنما وافقت بقاياه لا جميعه.
وسمعت سنة خمس وخمسين غلاما حدثا من عقيل ومعه سيف فى يده، فقال له بعض الحاضرين-وكنا مصحرين-: يا أعرابى، سيفك هذا يقطع البطيخ؟ فقال: إى
стр. 315
والله وغوارب الرجال، فنصب الغوارب على ذلك، أى ويقطع غوراب الرجال.
***
﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٥٠) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم السلمى: «أفحكم الجاهلية يبغون»، بالياء ورفع الميم.
قال ابن مجاهد: وهو خطأ.
قال: وقال الأعرج: لا أعرف فى العربية أفحكم، وقرأ: «أفحكم»، نصبا.
وقرأ الأعمش: «أفحكم الجاهلية»، بفتح الحاء والكاف والميم.
قال أبو الفتح: قول ابن مجاهد إنه خطأ فيه سرف، لكنه وجه غيره أقوى منه، وهو جائز فى الشعر. قال أبو النجم:
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى … علىّ ذنبا كلّه لم أصنع
أى لم أصنعه، فحذف الهاء. نعم، ولو نصب فقال: «كلّه» لم ينكسر الوزن، فهذا يؤنسك بأنه ليس للضرورة مطلقة، بل لأن له وجها من القياس، وهو تشبيه عائد الخبر بعائد الحال أو الصفة، وهو إلى الحال أقرب؛ لأنها ضرب من الخبر. فالصفة كقولهم:
الناس رجلان: رجل أكرمت ورجل أهنت، أى أكرمته وأهنته؛ والحال كقولهم: مررت بهند يضرب زيد، أى يضربها زيد، فحذف عائد الحال وهو فى الصفة أمثل؛ لشبه الصفة بالصلة فى نحو قولهم: أكرمت الذى أهنت، أى أهنته، ومررت بالتى لقيت، أى لقيتها، فغير بعيد أن يكون قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، يراد به يبغونه، ثم يحذف الضمير، وهذا وإن كانت فيه صنعة فإنه ليس بخطأ.
وفيه من بعد هذا شيئان نذكرهما، وهو أن قوله: «كلّه لم أصنع» وإن كان قد حذف
стр. 316
منه الضمير فإنه قد خلفه وأعيض منه ما يقوم مقامه فى اللفظ؛ لأنه يعاقبه ولا يجتمع معه، وهو حرف الإطلاق، أعنى الياء فى «أصنعى»، فلما حضر ما يعاقب الهاء فلا يجتمع معها صارت لذلك كأنها حاضرة غير محذوفة، فهذا وجه.
والثانى: أن هناك همزة استفهام، فهو أشد لتسليط الفعل، ألا ترى أنك تقول: زيد ضربته فيختار الرفع، فإذا جاء همزة الاستفهام اخترت النصب البتة، فقلت: أزيدا ضربته، فنصبته بفعل مضمر يكون هذا الظاهر تفسيرا له.
فإذا قلت: أفحكم الجاهلية تبغون ولم تعد ضميرا ولا عوضت منه ما يعاقبه، وحرف الاستفهام الذى يختار معه النصب والضمير ملفوظ به موجود معك، فتكاد الحال تختلف على فساد الرفع، وبإزاء هذا أنه لو نصب فقال: كلّه لم أصنع لما كسر وزنا، فهذا يؤنسك بالرفع فى القراءة.
وإن شئت لم تجعل قوله: «يبغون» خبرا، بل تجعله صفة خبر موصوف محذوف، فكأنه قال: أفحكم الجاهلية حكم يبغونه، ثم حذف الموصوف الذى هو حكم وأقام الجملة التى هى صفته مقامه، أعنى يبغون، كما قال الله سبحانه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾، أى قوم يحرفون، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وعليه قوله:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما … أموت وأخرى أبتغى العيش أكدح
أى فمنهما تارة أموت فيها، فحذف تارة وأقام الجملة التى هى صفتها نائبة عنها فصار أموت فيها، ثم حذف حرف الجر فصار التقدير أموتها، ثم حذف الضمير فصارت أموت. ومثله فى الحذف من هذا الضرب بل هو أطول منه:
تروّحى يا خيرة الفسيل … تروحى أجدر أن تقيلى
أصله: ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، فحذف الفعل الذى هو «ائتى» لدلالة
стр. 317
تروحى عليه، فصار مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، ثم حذف الموصوف الذى هو مكانا فصار تقديره أجدر بأن تقيلى فيه، ثم حذف الباء أيضا تخفيفا فصار أجدر أن تقيلى فيه، ثم حذف حرف الجر فصار أجدر أن تقيليه، ثم حذف العائد المنصوب فصار أجدر أن تقيلى. ففيه إذا خمسة أعمال، وهى حذف الفعل الناصب، ثم حذف الموصوف، ثم حذف الباء، ثم حذف «فى»، ثم حذف الهاء، فتلك خمسة أعمال.
وهناك وجه سادس، وهو أن أصله ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه من غيره، كما تقول: مررت برجل أحسن من فلان، وأنت أكرم علىّ من غيرك. فإذا جاز فى الكلام توالى هذه الحذوف ولم يكن معيبا ولا مشينا ولا مستكرها كان حذف الهاء من قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ -والمراد به حكم يبغونه-ثم حذف الموصوف وعائده-أسوغ وأسهل وأسير. وأما قوله: «أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ» فيمن قرأه كذلك فأمره ظاهر فى إعرابه، غير أن «حكما» هنا ليس مقصودا به قصد حاكم بعينه، وإنما هو بمعنى الشّياع والجنس، أى أفحكام الجاهلية يبغون؟ وجاز للمضاف أن يقع جنسا كما جاء عنهم فى الحديث من قولهم: «منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبها، وله نظائر.
ثم يرجع المعنى من بعد إلى أن معناه معنى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾؛ لأنه ليس المراد والمبغىّ هنا نفس الحكام، فإنما المبغى نفس الحكم، فهو إذا على حذف المضاف أى أفحكم حكم الجاهلية يبغون؟ وهذا هو الأول فى المعنى، فاعرف ذلك.
***
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٥٢) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: «فيرى الذين فى قلوبهم مرض». بالياء.
قال أبو الفتح: فاعل يرى مضمر دلت عليه الحال، أى فيرى رائيهم ومتأمّلهم.
والذين فى موضع نصب كقراءة الجماعة، وقد كثر إضمار الفاعل لدلالة الكلام عليه، كقولهم: إذا كان غدا فأتنى، أى إذا كان ما نحن عليه من البلاء فى غد فأتنى، وهو كثير. ودل عليه أيضا القراءة العامة، أى: فترى أنت يا محمد أو يا حاضر الحال الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فى ولاء المشركين ونصرهم.
***
стр. 318
﴿مَثُوبَةً﴾ (٦٠) ومن ذلك قراءة الحسن وابن هرمز وابن عمران ونبيج وابن بريدة: «مثوبة»، ساكنة الثاء.
قال أبو الفتح: هذا مما خرج على أصله، شاذا عن بابه وحال نظائره، ومثله مما يحكى عنهم من قولهم: الفكاهة مقودة إلى الأذى. وقياسهما مثابة ومقادة، كما جاء عنهم من منامة وهى القطيفة، ومزادة، ومثله مزيد وقياسه مزاد، إلا أن مزيدا علم، والأعلام قد يحتمل فيها ما يكره فى الأجناس نحو محبب ومكوزة ومريم ومدين ومعد يكرب ورجاء بن حيوة ومنه موظب ومورق اسم رجلين، ومثوبة مفعلة ومثوبة مفعلة، ونظيرها المبطخة والمبطخة والمشرفة والمشرفة. وأصل مثوبة مثوبة، فنقلت الضمة من الواو إلى الثاء، ومثلها معونة. وأما مئونة فمختلف فيها، فمذهب سيبويه أنها فعولة من منت الرجل أمونه، وأصلها موونة بلا همز، كما تقول فى فعول من القيام: قووم، ومن النوم: نووم، ثم تهمز الواو استحسانا للزوم الضمة لها، فتصير مئونة. وقال غيره:
هى مفعلة من الأون، وهو الثّقل من قول رؤبة:
سرّا وقد أوّن تأوين العقق
أى ثقلت أجوافهن فصار كأن هناك أونين، أى عدلين، فمئونة على هذا كمعونة، هذا من الأون، وهذا من المون. وأجاز الفرّاء أن تكون من الأين، وهو التعب من حيث كانت المئونة ثقلا على ملتزمها، فسلك الفراء فى هذا مذهب أبى الحسن فى قوله فى مفعلة من البيع: مبوعة، وحجته فى هذا ما سمع منهم فى قول الشاعر:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة … أشمّر حتى ينصف الساق مئزرى
стр. 319
وهى من الضيف. والكلام هنا يطول، وقد أشبعناه فى كتابنا المنصف.
*** ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ (٦٠) ومن ذلك ما يروى فى قول الله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾، وهو عشر قراءات:
«وعبد الطاغوت» على فعل ونصب الطاغوت. «وعبد الطاغوت»، بفتح العين، وضم الباء، وفتح الدال، وخفض الطاغوت؛ وهما فى السبعة.
ابن عباس، وابن مسعود، وإبراهيم النخعى، والأعمش، وأبان بن تغلب، وعلى بن صالح، وشيبان: «وعبد الطاغوت»، بضم العين والباء وفتح الدال وخفض الطاغوت.
وروى عكرمة عن ابن عباس: «وعبّد الطاغوت»، بضم العين وفتح الباء وتشديدها وفتح الدال وخفض الطاغوت.
وأبو واقد: «وعبّاد الطاغوت»، «وعباد الطاغوت» قراءة البصريّين.
стр. 320
وقال معاذ: قرأ بعضهم: «وعبد الطاغوت»، كقولك: ضرب زيد لم يسم فاعله.
وقرأ عون العقيلى وابن بريدة: «وعابد الطاغوت».
وقرأ أبى بن كعب: «وعبدوا الطاغوت» بواو.
وقرأ ابن مسعود فيما رواه عبد الغفار عن علقمة، عنه: «وعبد الطاغوت»، كصرد.
قال أبو الفتح: أما قوله: «وعبد الطاغوت» فماض معطوف على قوله سبحانه:
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾.
وأما «وعبد الطاغوت» فاسم على فعل. قال أبو الحسن: جاء به نحو حذر وفطن.
قال: وأمّا «وعبد» فجمع عبيد، وأنشد:
انسب العبد إلى آبائه … أسود الجلد ومن قوم عبد
هكذا قال أبو الحسن، وقد يجوز أن يكون عبد جمع عبد، كرهن ورهن، وسقف وسقف.
ومن جهة أحمد بن يحيى عبد جمع عابد، وهذا صحيح، كبازل وبزل، وشارف وشرف.
قال أبو الحسن: والمعنى-فيما يقال-خدم الطاغوت.
وأما عبّد الطاغوت فجمع عابد، ومثله عبّاد، كضارب وضرّب وضرّاب، وعليه
следующие страницы →