Полный текст (896 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
منه الضمير فإنه قد خلفه وأعيض منه ما يقوم مقامه فى اللفظ؛ لأنه يعاقبه ولا يجتمع معه، وهو حرف الإطلاق، أعنى الياء فى «أصنعى»، فلما حضر ما يعاقب الهاء فلا يجتمع معها صارت لذلك كأنها حاضرة غير محذوفة، فهذا وجه.
والثانى: أن هناك همزة استفهام، فهو أشد لتسليط الفعل، ألا ترى أنك تقول: زيد ضربته فيختار الرفع، فإذا جاء همزة الاستفهام اخترت النصب البتة، فقلت: أزيدا ضربته، فنصبته بفعل مضمر يكون هذا الظاهر تفسيرا له.
فإذا قلت: أفحكم الجاهلية تبغون ولم تعد ضميرا ولا عوضت منه ما يعاقبه، وحرف الاستفهام الذى يختار معه النصب والضمير ملفوظ به موجود معك، فتكاد الحال تختلف على فساد الرفع، وبإزاء هذا أنه لو نصب فقال: كلّه لم أصنع لما كسر وزنا، فهذا يؤنسك بالرفع فى القراءة.
وإن شئت لم تجعل قوله: «يبغون» خبرا، بل تجعله صفة خبر موصوف محذوف، فكأنه قال: أفحكم الجاهلية حكم يبغونه، ثم حذف الموصوف الذى هو حكم وأقام الجملة التى هى صفته مقامه، أعنى يبغون، كما قال الله سبحانه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾، أى قوم يحرفون، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وعليه قوله:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما … أموت وأخرى أبتغى العيش أكدح
أى فمنهما تارة أموت فيها، فحذف تارة وأقام الجملة التى هى صفتها نائبة عنها فصار أموت فيها، ثم حذف حرف الجر فصار التقدير أموتها، ثم حذف الضمير فصارت أموت. ومثله فى الحذف من هذا الضرب بل هو أطول منه:
تروّحى يا خيرة الفسيل … تروحى أجدر أن تقيلى
أصله: ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، فحذف الفعل الذى هو «ائتى» لدلالة
стр. 317
تروحى عليه، فصار مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، ثم حذف الموصوف الذى هو مكانا فصار تقديره أجدر بأن تقيلى فيه، ثم حذف الباء أيضا تخفيفا فصار أجدر أن تقيلى فيه، ثم حذف حرف الجر فصار أجدر أن تقيليه، ثم حذف العائد المنصوب فصار أجدر أن تقيلى. ففيه إذا خمسة أعمال، وهى حذف الفعل الناصب، ثم حذف الموصوف، ثم حذف الباء، ثم حذف «فى»، ثم حذف الهاء، فتلك خمسة أعمال.
وهناك وجه سادس، وهو أن أصله ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه من غيره، كما تقول: مررت برجل أحسن من فلان، وأنت أكرم علىّ من غيرك. فإذا جاز فى الكلام توالى هذه الحذوف ولم يكن معيبا ولا مشينا ولا مستكرها كان حذف الهاء من قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ -والمراد به حكم يبغونه-ثم حذف الموصوف وعائده-أسوغ وأسهل وأسير. وأما قوله: «أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ» فيمن قرأه كذلك فأمره ظاهر فى إعرابه، غير أن «حكما» هنا ليس مقصودا به قصد حاكم بعينه، وإنما هو بمعنى الشّياع والجنس، أى أفحكام الجاهلية يبغون؟ وجاز للمضاف أن يقع جنسا كما جاء عنهم فى الحديث من قولهم: «منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبها، وله نظائر.
ثم يرجع المعنى من بعد إلى أن معناه معنى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾؛ لأنه ليس المراد والمبغىّ هنا نفس الحكام، فإنما المبغى نفس الحكم، فهو إذا على حذف المضاف أى أفحكم حكم الجاهلية يبغون؟ وهذا هو الأول فى المعنى، فاعرف ذلك.
***
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٥٢) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: «فيرى الذين فى قلوبهم مرض». بالياء.
قال أبو الفتح: فاعل يرى مضمر دلت عليه الحال، أى فيرى رائيهم ومتأمّلهم.
والذين فى موضع نصب كقراءة الجماعة، وقد كثر إضمار الفاعل لدلالة الكلام عليه، كقولهم: إذا كان غدا فأتنى، أى إذا كان ما نحن عليه من البلاء فى غد فأتنى، وهو كثير. ودل عليه أيضا القراءة العامة، أى: فترى أنت يا محمد أو يا حاضر الحال الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فى ولاء المشركين ونصرهم.
***
стр. 318
﴿مَثُوبَةً﴾ (٦٠) ومن ذلك قراءة الحسن وابن هرمز وابن عمران ونبيج وابن بريدة: «مثوبة»، ساكنة الثاء.
قال أبو الفتح: هذا مما خرج على أصله، شاذا عن بابه وحال نظائره، ومثله مما يحكى عنهم من قولهم: الفكاهة مقودة إلى الأذى. وقياسهما مثابة ومقادة، كما جاء عنهم من منامة وهى القطيفة، ومزادة، ومثله مزيد وقياسه مزاد، إلا أن مزيدا علم، والأعلام قد يحتمل فيها ما يكره فى الأجناس نحو محبب ومكوزة ومريم ومدين ومعد يكرب ورجاء بن حيوة ومنه موظب ومورق اسم رجلين، ومثوبة مفعلة ومثوبة مفعلة، ونظيرها المبطخة والمبطخة والمشرفة والمشرفة. وأصل مثوبة مثوبة، فنقلت الضمة من الواو إلى الثاء، ومثلها معونة. وأما مئونة فمختلف فيها، فمذهب سيبويه أنها فعولة من منت الرجل أمونه، وأصلها موونة بلا همز، كما تقول فى فعول من القيام: قووم، ومن النوم: نووم، ثم تهمز الواو استحسانا للزوم الضمة لها، فتصير مئونة. وقال غيره:
هى مفعلة من الأون، وهو الثّقل من قول رؤبة:
سرّا وقد أوّن تأوين العقق
أى ثقلت أجوافهن فصار كأن هناك أونين، أى عدلين، فمئونة على هذا كمعونة، هذا من الأون، وهذا من المون. وأجاز الفرّاء أن تكون من الأين، وهو التعب من حيث كانت المئونة ثقلا على ملتزمها، فسلك الفراء فى هذا مذهب أبى الحسن فى قوله فى مفعلة من البيع: مبوعة، وحجته فى هذا ما سمع منهم فى قول الشاعر:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة … أشمّر حتى ينصف الساق مئزرى
стр. 319
وهى من الضيف. والكلام هنا يطول، وقد أشبعناه فى كتابنا المنصف.
*** ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ (٦٠) ومن ذلك ما يروى فى قول الله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾، وهو عشر قراءات:
«وعبد الطاغوت» على فعل ونصب الطاغوت. «وعبد الطاغوت»، بفتح العين، وضم الباء، وفتح الدال، وخفض الطاغوت؛ وهما فى السبعة.
ابن عباس، وابن مسعود، وإبراهيم النخعى، والأعمش، وأبان بن تغلب، وعلى بن صالح، وشيبان: «وعبد الطاغوت»، بضم العين والباء وفتح الدال وخفض الطاغوت.
وروى عكرمة عن ابن عباس: «وعبّد الطاغوت»، بضم العين وفتح الباء وتشديدها وفتح الدال وخفض الطاغوت.
وأبو واقد: «وعبّاد الطاغوت»، «وعباد الطاغوت» قراءة البصريّين.
стр. 320
وقال معاذ: قرأ بعضهم: «وعبد الطاغوت»، كقولك: ضرب زيد لم يسم فاعله.
وقرأ عون العقيلى وابن بريدة: «وعابد الطاغوت».
وقرأ أبى بن كعب: «وعبدوا الطاغوت» بواو.
وقرأ ابن مسعود فيما رواه عبد الغفار عن علقمة، عنه: «وعبد الطاغوت»، كصرد.
قال أبو الفتح: أما قوله: «وعبد الطاغوت» فماض معطوف على قوله سبحانه:
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾.
وأما «وعبد الطاغوت» فاسم على فعل. قال أبو الحسن: جاء به نحو حذر وفطن.
قال: وأمّا «وعبد» فجمع عبيد، وأنشد:
انسب العبد إلى آبائه … أسود الجلد ومن قوم عبد
هكذا قال أبو الحسن، وقد يجوز أن يكون عبد جمع عبد، كرهن ورهن، وسقف وسقف.
ومن جهة أحمد بن يحيى عبد جمع عابد، وهذا صحيح، كبازل وبزل، وشارف وشرف.
قال أبو الحسن: والمعنى-فيما يقال-خدم الطاغوت.
وأما عبّد الطاغوت فجمع عابد، ومثله عبّاد، كضارب وضرّب وضرّاب، وعليه
стр. 321
القراءتان: «وعبّد الطاغوت» و «وعبّاد الطاغوت»، وعليه قراءة من قرأ: «وعباد الطاغوت»، عابد وعباد، كقائم وقيام، وصائم وصيام. وقد يجوز أن يكون عباد الطاغوت جمع عبد، وقلما يأتى عباد مضاف إلى غير الله. وقد أنشد سيبويه:
أتوعدنى بقومك يابن حجل … أشابات يخالون العبادا
يريد عبيدا لبنى آدم، ولا يجوز أن يكون فى المعنى عباد الله؛ لأن هذا ما لا يسب به أحد، والناس كلهم عباد الله تعالى. وأما قول الآخر:
لا والذى أنا عبد فى عبادته … لولا شماتة أعداء ذوى إحن
ما سرنى أنّ إبلى فى مباركها … وأن شيئا قضاه الله لم يكن
فيحتمل أن يكون جمع عبد، إلا أنه أنثه فصار كنكارة وحجارة وقصارة، جمع قصير.
ويجوز أن تكون العبادة هنا مصدرا، أى أنا عبد فى طاعته.
وأما «عبد الطاغوت» فظاهر، وعليه قراءة أبىّ: «وعبدوا الطاغوت»، بواو.
وأما «وعابد الطاغوت» فهو فى الإفراد كعبد الطاغوت، واحد فى معنى جماعة على ما مضى.
وعليه أيضا «وعبد الطاغوت» لأنه كحطم ولبد، كما أن عبدا كندس وحذر ووظيف عجر. ومن جهة أحمد بن يحيى «وعبد الطاغوت» أى: صار الطاغوت معبودا، كفقه الرجل، وظرف: صار فقيها وظريفا. ومن جهته أيضا: «وعبد الطاغوت»، وقال:
أراد عبدة فحذف الهاء، قال: ويقال: عبدة الطاغوت والأوثان، ويقال للمسلمين عبّاد.
***
﴿وَالصّابِئُونَ﴾ (٦٩) ومن ذلك قراءة الحسن والزهرى: «والصابيون»، يثبت الياء ولا يهمز.
стр. 322
وقرأ «الصابون»، بغير همز ولا ياء أبو جعفر وشيبة، و «الخاطون»، و «متّكون».
قال أبو الفتح: أما «الصابيون» بياء غير مهموزة فعلى قياس قول أبى الحسن فى «يستهزئون»: يستهزيون بياء غير مهموزة، ويحمل ذلك فيها لتقدير الهمزة فى أصلها، فيكون ذلك فرقا بينها وبين ياء يستقضون. ألا ترى أن أصله يستقضيون، كما فرق أبو الحسن بقوله فى مثل عنكبوت من قرأت: قرأ يوت بضمة الياء-بينه وبين مثال عنكبوت من رميت رميووت، وقد مضى هذا فى موضعه.
وأما «الصابون» و «متّكون» فعلى إبدال الهمزة البتة، فصارت كالصابون من صبوت، وكمتجنّون من تجنّيت، والوجه أن يكون الصابيون بلا همز تخفيفا لا بدلا، وإن جعلته بدلا مراعى به أولية حاله كقرأيوت جاز أيضا.
ومن ذلك قراءة عثمان وأبى بن كعب وعائشة وسعيد بن جبير والجحدرى رضى الله عنهم: «والصابيين»، بياء.
قال أبو الفتح: الخطب فى هذا أيسر من الصابيون بالرفع؛ لأن النصب على ظاهره، وإنما الرفع يحتاج أن يقال: إنه مقدم فى اللفظ مؤخر فى المعنى على ما يقال فى هذا، حتى كأنه قال: لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك.
***
﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ (٧١) ومن ذلك قراءة يحيى والنخعى: «ثم عموا وصمّوا»، بضم العين والصاد.
قال أبو الفتح: يجب أن يكون هذا على تقدير فعل، كقولهم: زكم وأزكمه الله، وحمّ وأحمّه الله، فكذلك هذا أيضا، جاء على عمى وصمّ، وأعماه الله وأصمه الله.
ولا يقال: عميته ولا صممته، كما لا يقال: زكمه الله ولا حمّه، فاعرف ذلك.
***
стр. 323
﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٨٩) ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد: «من أوسط ما تطعمون أهاليكم».
قال أبو الفتح: يقال أهل وأهلة، قال:
وأهلة ود قد تبريت ودهم … وأبليتهم فى الحمد جهدى ونائلى
فأما أهال فكقولهم: ليال، كأن واحدها أهلاة وليلاة، وقد مر بنا تصديقا لقول سيبويه: فإن واحده فى التقدير ليلاة-ما أنشده ابن الأعرابى من قوله:
فى كل يوم ما وكل ليلاه … حتى يقول من رآه إذ رآه
يا ويحه من جمل ما أشقاه
ومن ذهب إلى أن أهال جمع أهلون فقد أساء المذهب؛ لأن هذا الجمع لم يأت فيه تكسير قط. قال الشنفرى:
ولى دونكم أهلون: سيد عملّس … وأرقط زهلول وعرفاء جيئل
ونحو من ذلك أرض وأراض، القول فيهما واحد، ويقال: أرض وأرضون وأرضون، بفتح الراء وتسكينها أيضا. قال كعب بن معدان الأشقرى:
لقد ضجت الأرضون إذ قام من بنى … هداد خطيب فوق أعواد منبر
وحكى أبو زيد فيها: أرض، وقيل: آراض. وأسكن الياء من أهاليكم فى موضع النصب تشبيها لها بالألف، وقد سبق مثل ذلك.
*** ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٨٩) ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير ومحمد بن السميفع: «أو كإسوتهم»، من الإسوة.
قال أبو الفتح: كأنه-والله أعلم-قال: أو كما يكفى مثلهم، فهو على حذف المضاف، أو ككفاية إسوتهم، وإن شئت جعلت الإسوة هى الكفاية ولم تحتج إلى حذف المضاف.
***
стр. 324
﴿فَجَزاءٌ﴾ (٩٥) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن: «فجزاء»، رفع منون، «مثل»، بالنصب.
قال أبو الفتح: «مثل» منصوبة بنفس الجزاء، أى فعليه أن يجزى مثل ما قتل، «فمثل» إذا فى صلة الجزاء، والجزاء مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أى فعليه جزاء مثل ما قتل، أو فالواجب عليه جزاء مثل ما قتل، فلما نون المصدر أعمله كقوله:
بضرب بالسيوف رءوس قوم … أزلنا هامهن عن المقيل
*** ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٩٥) ومن ذلك قراءة محمد بن على وجعفر بن محمد: «يحكم به ذو عدل منكم».
قال أبو الفتح: لم يوحّد ذو لأن الواحد يكفى فى الحكم، لكنه أراد معنى من، أى يحكم به من يعدل، ومن تكون للاثنين كما تكون للواحد، نحو قوله:
نكن مثل من يا ذئب يصطحبان.
***
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (٩٦) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرما».
стр. 325
قال أبو الفتح: معنى «حرما» راجع إلى معنى قراءة الجماعة ﴿حُرُماً﴾، وذلك أن الحرم: جمع حرام، والحرم: المحرّم، فهو فى المعنى مفعول، فجعلهم حرما، أى هم فى امتناعهم مما يمتنع منه المحرم وامتناع ذلك أيضا منهم كالحرم، فالمعنيان إذا واحد من حيث أرينا.
***
﴿قَدْ سَأَلَها﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «قد سالها»، بكسر السين.
قال أبو الفتح: يعنى ويريد الإمالة؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها أبدا إلا مفتوحا، ووجه الإمالة أنه على لغة من قال: سلت تسال، فهى فى هذه اللغة كخفت تخاف، فالإمالة إذا إنما جاءت لانكسار ما قبل اللام سلت، كمجيئها فى خاف لمجئ الكسرة فى خاء خفت. ويدلّك على أن هذه اللغة من الواو لا من الهمزة ما حدثنا به أبو علي من قوله: هما يتساولان، وهذه دلالة على ما ذكرنا قاطعة.
***
﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ (١٠٥) ومن ذلك قراءة الحسن: «لا يضركم»، وقراءة إبراهيم: «لا يضركم».
قال أبو الفتح: فيها أربع لغات: ضاره يضيره، وضاره يضوره، وضرّه يضرّه، وضرّه يضرّه، بكسر الضاد وتشديد الراء، وهى غريبة أعنى يفعل فى المضاعف متعدية، وقد ذكرناها وقراءة من قرأ: «لن يضرّوا الله شيئا»، وجزم يضركم ويضركم لأنه جعل جواب الأمر أعنى قوله: «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ». ويجوز أن تكون لا هنا نهيا كقولك: لا تقم إذا قام غيرك، والأول أجود.
***
стр. 326
﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ (١٠٦) ومن ذلك قراءة الأعرج والشّعبى والحسن والأشهب: «شهادة بينكم»، رفع.
وعن الأعرج، بخلاف: «شهادة بينكم»، نصب.
قال أبو الفتح: أما الرفع بالتنوين فعلى سمت قراءة العامة «شهادة بينكم» بالإضافة، فحذف التنوين فانجرّ الاسم.
«وأما شهادة بينكم» بالنصب والتنوين فنصبها على فعل مضمر، أى ليقم شهادة بينكم اثنان ذوا عدل منكم، كما أن من رفع فنوّن أو لم ينوّن فهو على نحو من هذا، أى مقيم شهادة بينكم أو شهادة بينكم اثنان ذوا عدل منكم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وإن شئت كان المضاف محذوفا من آخر الكلام أى شهادة بينكم شهادة اثنين ذوى عدل منكم، أى ينبغى أن تكون الشهادة المعتمدة هكذا.
*** ﴿شَهادَةَ اللهِ﴾ (١٠٦) ومن ذلك قراءة على كرم الله وجهه والشّعبى بخلاف ونعيم بن ميسرة «شهادة آلله».
وروى عن الشعبى: «شهادة ألله»، مقصور وينوّن شهادة.
وروى عنه أيضا: «شهاده آلله»، مجزومة الهاء ممدودة الألف.
وروى عنه «شهاده ألله»، بجزم شهادة وقصر الله، فهذه أربعة أوجه رويت عن
стр. 327
الشّعبى، وتابعه على «شهادة ألله» السّلمى ويحيى وإبراهيم وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر والحسن والكلبى.
قال أبو الفتح: أما «شهادة» فهى أعم من قراءة الجماعة: «شهادة الله» بالإضافة، غير أنها بالإضافة أفخم وأشرف وأحرى بترك كتمانها لإضافتها إلى الله سبحانه، وأما ألله مقصورة بالجر فحكاها سيبويه: أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول: ألله لقد كان كذا، قال: وذلك لكثرة الاستعمال.
وأما «آلله» بالمد فعلى أن همزة الاستفهام صارت عوضا من حرف القسم، ألا تراك لا تجمع بينهما فتقول: أو الله لأفعلن؟.
وأما سكون هاء «شهادة»، فللوقف عليها ثم استؤنف القسم، وهو وجه حسن؛ وذلك ليستأنف القسم فى أول الكلام فيكون أوقر له وأشدّ هيبة من أن يدرج فى عرض القول؛ وذلك أن القسم ضرب من الخبر يذكر ليؤكّد به خبر آخر فلما كان موضع توكيد مكّن من صدر الكلام، وأعطى صورة الإعلاء والإعظام.
ويزيد فى وضوح هذا المعنى وبيانه أنه لما نون شهادة فأدرج وقّر الهمزة عن حذفها كما يجب فيها من حيث كانت همزة وصل، فأقرها مقطوعة كما تقطع مبتدأة، فقد جمع فى هذه القراءة بين حالى الوصل والوقف.
أما الوصل فلتنوين شهادة، وأما الوقف فلإثباته همزة الوصل التى إنما تقطع إذا وقف على ما قبلها ثم استؤنفت، والعناية بقطعها واستئنافها ما قدمت ذكره لك من تمكن حال القسم بتوفية اللفظ جميع وجوهها، وقطع ليكون فى حال إدراجها فى لفظ المبدوء بها لا الآتية مأتى النّيّف الذى لم يوفّ من صدر الكلام ما يجب لها، فافهمه.
ويؤكد عندك شدة الاهتمام بهذا القسم لما فيه-مجيئه وحرف الاستفهام قبله، فكأنه-والله أعلم-قال: أنقسم بالله إنّا إذا لمن الظالمين، ففى هذا تهيب منهم للموضع، وتكعكع عن القسم عليه باستحقاق الظلم عنه، كأنه يريد القسم بالله عليه كما أقسم فى الأخرى بلا استفهام، ثم إنه هاب ذلك فأخذ يشاور فى ذلك كالقائل:
أؤقدم على هذه اليمين يا فلان أم أتوقف عنها إعظاما لها ولارتكاب ما أقسم عليه بها؟.
***
стр. 328
سورة الأنعام
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦١) من ذلك قراءة الأعرج: «وهم لا يفرطون».
قال أبو الفتح: يقال: أفرط فى الأمر إذا زاد فيه، وفرّط فيه: إذا قصّر، فكما أن قراءة العامة: ﴿لا يُفَرِّطُونَ﴾: لا يقصرون فيما يؤمرون به من توفىّ من تحضر منيته- فكذلك أيضا لا يزيدون، ولا يتوفّون إلا من أمروا بتوفّيه. ونظيره قوله جل وعز:
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾.
***
﴿لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ (٧٤) ومن ذلك قراءة أبىّ وابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن يزيد المدنى ويعقوب، ورويت عن سليمان التيمى: «لأبيه آزر».
وقرأ ابن عباس بخلاف: «أأزرا نتخذ» بهمزتين، استفهام، وينصبهما، وينوّن.
وقرأ أبو إسماعيل رجل من أهل الشام: «أئزرا» -مكسورة الألف منونة- «تتّخذ».
стр. 329
قال أبو الفتح: أما «آزر» فنداء، وأما «أئزرا» فقيل: «إزرا» هو الصنم، وأزرا بالفتح أيضا.
***
﴿قِنْوانٌ﴾ (٩٩) ومن ذلك قراءة الأعرج: «قنوان»، بالفتح.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون قنوان هذا اسما للجمع غير مكسر، بمنزلة ركب عند سيبويه والجامل والباقر؛ وذلك أن فعلان ليس من أمثلة الجمع.
وقرأت على أبى علىّ فى بعض كتب أبى زيد قوله:
خلع الملوك وسار تحت لوائه … شجر العرا وعراعر الأقوام
وقال أبو زيد: عراعر جمع عرعرة، فقلت لأبى على: كيف يكون هذا وأوله مضموم؟.
فقال: يعنى أبو زيد إنه اسم للجمع يفيد مفاد التكسير.
***
﴿وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ﴾ (١٠٠) ومن ذلك قراءة ابن يعمر: «وخلقهم» بجزم اللام.
قال أبو الفتح: أى وخلق الجن، يعنى ما يخلقونه: ما يأفكون فيه ويتكذّبونه. يقول:
جعلوا له الجنّ شركاء، وأفعالهم شركاء أفعاله أو شركاء له إذا عنى بذلك الأصنام ونحوها.
стр. 330
ومن ذلك قراءة عمر وابن عباس «رضى الله عنهما»: «وحرّفوا له»، بالحاء والفاء.
وقال أبو الفتح: هذا شاهد بكذبهم، ومثله ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾، وأصله من الانحراف، أى الانعدال عن القصد، وكلاهما من حرف الشئ؛ لأنه زائل عن المقابلة والمعادلة، وهو أيضا معنى قراءة الجماعة: «وَخَرَقُوا» بالخاء والقاف، ومعنى الجميع كذبوا.
***
﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ (١٠١) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «ولم يكن له صاحبة»، بالياء.
قال أبو الفتح: يحتمل التذكير هنا ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون فى «يكن» ضمير اسم الله، أى لم يكن الله له صاحبة، وتكون الجملة التى هى «له صاحبة» خبر كان.
والثانى: أن يكون فى «يكن» ضمير الشأن والحديث على شريطة التفسير، وتكون الجملة بعده تفسيرا له وخبرا، كقولك: كان زيد قائم، أى كان الحديث والشأن زيد قائم.
والثالث: أن تكون «صاحبة» اسم كان، وجاز التذكير هنا للفصل بين الفاعل والفعل بالظرف الذى هو الخبر، كقولنا: كان فى الدار هند.
ومثله ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: حضر القاضى اليوم امرأة.
وأنا أرى أن تذكير «كان» مع تأنيث اسمها أسهل من تذكير الأفعال سواها وسوى أخواتها مع فاعليها.
وكان فى الدار هند أسوغ من قام فى الدار هند، وذلك أنه إنما احتيج إلى تأنيث الفعل عند تأنيث فاعله لأن الفعل انطبع بالفاعل حتى اكتسى لفظه من تأنيثه، فقيل:
قامت هند وانطلقت جمل، من حيث كان الفعل والفاعل يجريان مجرى الجزء الواحد،
стр. 331
وإنما كان ذلك كذلك لأن كل واحد منهما لا يستغنى عن صاحبه، فأنث الفعل إيذانا بأن الفاعل الموقع بعده مؤنث، وليس كذلك حديث كان وأخواتها؛ لأنه ليست «كان» مع اسمها كالجزء الواحد، من قبل أنك لو حذفت «كان» لاستقل ما بعدها برأسه، فقلت فى قولك: كان أخوك جالسا: أخوك جالس، فلما أن قام ما بعدها برأسه، ولم يحتج إليها لم يتصل به اتصال الفاعل بفعله، نحو قام جعفر وجلس بشر.
ألا تراك لو حذفت الفعل هنا لانفرد الفاعل جزءا برأسه، فلم يستقل بنفسه استقلال الجملة بعد «كان» بنفسها؟ فلما لم تقو حاجته إلى «كان» قوة حاجة الفاعل إلى الفعل انحطت رتبته فى حاجته إلى «كان»، فامتاز منها امتيازا قد أحطنا به، فساغ لذلك ألا يلزم تأنيث «كان» لاسمها إذا كان مونثا-تأنيث الفعل لفاعله إذا كان مؤنثا، ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا فافهمه؛ فإن هذه حاله.
***
﴿دَرَسْتَ﴾ (١٠٥) ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وقتادة، ورويت عن الحسن: «درست». ابن مسعود وأبى: «درس». ابن مسعود أيضا: «درسن».
قال أبو الفتح: أما «درست» ففيه ضمير الآيات، معناه وليقولوا درستها أنت يا محمد، كالقراءة العامة «دارست».
ويجوز أن يكون «درست» أى عفت وتنوسيت؛ لقراءة ابن مسعود: «درسن»، أى:
عفون، فيكون كقوله: ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ونحو ذلك.
стр. 332
وأما «درس» ففيه ضمير النبى ﷺ ، وشاهد هذا دارست، أى فإذا جئتهم بهذه القصص والأنباء قالوا: شئ قرأه أو قارأه فأتى به، وليس من عند الله، أى يفعل هذا بهم لتقوى أثرة التكليف عليهم زيادة فى الابتلاء لهم كالحج والغزو وتكليف المشاق المستحقّ عليها الثواب. وإن شئت كان معناه فإذا هم يقولون كذا، كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾، أى: فإذا هو عدو لهم.
***
﴿فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً﴾ (١٠٨) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى رجاء وقتادة وسلاّم ويعقوب وعبد الله بن يزيد:
«فيسبّوا الله عدوّا».
وروى عنهم أيضا: «بَغْياً وَعَدْواً».
قال أبو الفتح: العدو والعدوّ جميعا: الظلم والتعدى للحق، ومثلهما العدوان والعداء، قال الراعى:
كتبوا الدّهيم على العداء لمسرف … عاد يريد خيانة وغلولا
ومثله الاعتداء قال أبو نخيلة:
ويعتدى ويعتدى ويعتدى … وهو بعين الأسد المسوّد
ومثل العدوّ والعدو من التعدى الرّكوب والرّكب. قال:
أو ركب البراذين
يريد ركوب.
***
стр. 333
﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ (١١٠) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى رجاء وقتادة وسلام ويعقوب وعبد الله بن يزيد والأعمش والهمدانى: «ويذرهم»، بالياء وجزم الراء.
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر إسكان المرفوع تخفيفا، وعليه قراءة من قرأ أيضا: «وما يشعركم» بإسكان الراء، وكأنّ «يشعركم» أعذر من «يذرهم»؛ لأن فيه خروجا من كسر إلى ضم، وهو فى «يذرهم» خروج من فتح إلى ضم.
***
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ (١١٩) ومن ذلك قراءة عطية العوفى: «وقد فصل لكم»، خفيفة.
قال أبو الفتح: هو من قولك: قد فصل إليكم وخرج نحوكم.
***
﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ (١١٣) ومن ذلك قراءة الحسن وابن شرف: «ولتصغى» -وليرضوه-وليقترفوا» بجزم اللام فى جميع ذلك.
قال أبو الفتح: هذه اللام هى الجارة، أعنى لام كى، وهى معطوفة على الغرور من قول الله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾، أى للغرور، «ولأن تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليرضوه، وليقترفوا ما هم مقترفون»، إلا أن إسكان هذه اللام شاذ فى الاستعمال على قوته فى القياس، وذلك لأن هذا الإسكان إنما كثر عنهم فى لام الأمر نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا﴾
стр. 334
﴿نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾، وإنما أسكنت تخفيفا لثقل الكسرة فيها، وفرقوا بينها وبين لام كى بأن لم يسكنوها، فكأنهم إنما اختاروا السكون للام الأمر، والتحريك للام كى من حيث كانت لام كى نائبة فى أكثر الأمر عن أن، وهى أيضا فى جواب كان سيفعل إذا قلت: ما كان ليفعل-محذوفة مع اللام البتة، فلمّا نابت عنها قووها بإقرار حركتها فيها؛ لأن الحرف المتحرك أقوى من الساكن، والأقوى أشبه بأن ينوب عن غيره من الأضعف.
نعم، وقد رأيناهم إذا أسكنوا بعض الحروف أنابوه عن حركته وعاقبوا بينه وبينها، وذلك نحو الجوارى، والغواشى: صارت الياء فى موضع الرفع والجر معاقبة لضمتها وكسرتها فى قولك: هؤلاء الجوارى ومررت بالجوارى، فكأن لام كى على هذا إذا أسكنت معاقبة لأن، وكالمعاقبة أيضا لكسرتها؛ فلذلك أقروها على كسرتها، ولم يجمعوا عليها منابها فى أكثر الأمر عن أن، وقد ابتزّت حركة نفسها أيضا.
وأيضا فإن الأمر موضع إيجاز واستغناء، ألا تراهم قالوا: صه ومه، فأنابوهما عن الفعل المتصرف، وكذلك حاء وعاء وهاء.
***
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١١٧) ومن ذلك قراءة الحسن: «إنّ ربّك هو أعلم من يضلّ عن سبيله»، بضم الياء.
قال أبو الفتح: لا يجوز أن تكون من فى موضع جر بإضافة «أعلم» إليها، لا فيمن ضم ياء يضل، ولا فيمن فتحها؛ من حيث كانت «أعلم» أفعل، وأفعل هذه متى أضيفت إلى شئ فهو بعضه، كقولنا: زيد أفضل عشيرته؛ لأنه واحد منهم، ولا نقول: زيد أفضل إخوته؛ لأنه ليس منهم، ولا نقول أيضا: النبى ﷺ أفضل بنى تميم على هذا؛ لأنه ليس منهم، لكن تقول: محمد ﷺ أفضل بنى هاشم، لأنه منهم، والله يتعالى علوا عظيما أن يكون بعض المضلين أو بعض الضالين.
فأما قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾ فليس من هذا، إنما تأويل ذلك-والله
стр. 335
أعلم-وجده ضالا، كقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾، وذلك مشروح فى موضعه، فقوله أيضا: «أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ»، أى يجيره عن الحق ويصدّ عنه.
كما أن قراءة من قرأ «أعلم من يضلّ عن سبيله»: من يجور عنه، ألا ترى إلى قوله قبل ذلك: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ فلا محالة أنه سبحانه أراد بمن يضل عن سبيله، فحذف الباء وأوصل «أعلم» هذه بنفسها، أو أضمر فعلا واصلا تدل هذه الظاهرة عليه، حتى كأنه قال: يعلم، أو علم من يضلّ عن سبيله.
يؤكد ذلك ظهور الباء بعده معه فى قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وقوله بعده: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾.
وقد يجوز أن تكون «من» هذه مرفوعة بالابتداء ويضل بعدها خبر عنها، و «أعلم» هذه معلقة عن الجملة، حتى كأنه قال: إن ربك هو أعلم أيّهم يضلّ عن سبيله، كقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً﴾.
فأما الجر فمدفوع من حيث ذكرنا، وإذا كان ذلك كذلك علمت أن «من» فى قول الطائى:
غدوت بهم أمدّ ذوىّ ظلاّ … وأكثر من ورائى ماء وادى
لا يجوز أن تكون «من» فى موضع جر بإضافة أكثر إليه؛ إذ ليس واحدا ممن وراءه، فهو إذا منصوب الموضع لا محالة بأكثر أو بما دل عليه أكثر، أى كثرتهم: كنت أكثرهم ماء واد.
ولا يجوز فيه الرفع الذى جاز مع العلم، لأن كثرت ليس من الأفعال التى يجوز تعليقها، إنما تلك ما كان من الأفعال داخلا على المبتدأ وخبره، وأظننى قد ذكرت نحو هذا فى صدر هذا الكتاب.
***
﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ﴾ (١٣٧) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن السّلمى: «وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم».
стр. 336
قال أبو الفتح: يحتمل رفع شركاء تأويلين:
أحدهما: وهو الوجه، أن يكون مرفوعا بفعل مضمر دل عليه قوله: «زَيَّنَ»، كأنه لما قال: زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم: قيل: من زينه لهم؟ فقيل: زينه لهم شركاؤهم فارتفع الشركاء بفعل مضمر دل عليه «زَيَّنَ» فهو إذا كقولك: أكل اللحم زيد، وركب الفرس جعفر، وترفع زيدا وجعفرا بفعل مضمر دل عليه هذا الظاهر.
وإياك وأن تقول: إنه ارتفع بهذا الظاهر لأنه هو الفاعل فى المعنى؛ لأمرين:
أحدهما: أن الفعل لا يرفع إلا الواحد فاعلا أو مفعولا أقيم مقام الفاعل، وقد رفع هذا الفعل ما أقيم مقام فاعله وهو «قَتْلَ أَوْلادِهِمْ»، فلا سبيل له إلى رفع آخر على أنه هو الفاعل فى المعنى؛ لأنّك إذ انصرفت بالفعل نحو إسنادك إياه إلى المفعول لم يجز أن تتراجع عنه فتسنده إلى الفاعل، إذ كان لكل واحد منهما فعل يخصه دون صاحبه، كقولك: ضرب وضرب، وقتل وقتل. وهذا واضح.
والآخر: أن الفاعل عندنا ليس المراد به أن يكون فاعلا فى المعنى دون ترتيب اللفظ، وأن يكون اسما ذكرته بعد فعل وأسندته ونسبته إلى الفاعل، كقام زيد وقعد عمرو.
ولو كان الفاعل الصناعى هو الفاعل المعنوى للزمك عليه أن تقول: مررت برجل يقرأ، فترفعه لأنه قد كان يفعل شيئا وهو القراءة، وأن تقول: رأيت رجل يحدّث، فترفعه بحديثه، وأن تقول فى رفع زيد من قولك. زيد قام: إنه مرفوع بفعله لأنه الفاعل فى المعنى، لكن طريق الرفع فى «شركاؤهم» هو ما أريتك من إضمار الفعل له لترفعه به.
ونحوه ما أنشده صاحب الكتاب من قول الشاعر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة … ومختبط مما تطيح الطوائح
كأنه لما قال: ليبك يزيد قيل: من يبكيه؟ فقال: ليبكه ضارع لخصومة. والحمل على المعنى كثير جدا، وقد أفردنا له فصلا فى جملة شجاعة العربية من كتابنا الموسوم بالخصائص.
стр. 337
فهذا هو الوجه المختار فى رفع الشركاء، وشاهده فى المعنى قراءة الكافة:
﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾. ألا ترى أن الشركاء هم المزيّنون لا محالة؟.
وأما الوجه الآخر: فأجازه قطرب، وهو أن يكون الشركاء ارتفعوا فى صلة المصدر الذى هو القتل بفعلهم، وكأنه «وكذلك زيّن لكثير من المشركين أن قتل شركاؤهم أولادهم» وشبّهه بقوله: حبب إلى ركوب الفرس زيد، أى أن ركب الفرس زيد. هذا- لعمرى-ونحوه صحيح المعنى، فأما الآية فليست منه، بدلالة القراءة المجتمع عليها، وأن المعنى أن المزيّن هم الشركاء، وأن القاتل هم المشركون، وهذا واضح.
*** ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ (١٣٧) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «وليلبسوا عليهم دينهم»، بفتح الباء.
قال أبو الفتح: المشهور فى هذا لبست الثوب ألبسه، ولبست عليهم الأمر ألبسه.
فإما أن تكون هذه لغة لم تتأدّ إلينا: لبست عليهم الأمر ألبسه، فى معنى لبسته ألبسه.
وإما أن تكون غير هذا، وهو أن يراد به شدة المخالطة لهم فى دينهم، فالاعتراض فيه بينه وبينهم ليشكّوا فيه ولا يتمكنوا من التفرد به، كما أن لابس الثوب شديد المماسة له والالتباس به، فيقول على هذا: لبست إليك طاعتك، واشتملت الثقة بك، أى خالطت هذه الأشياء وماسستها؛ تحققا بها وملابسة لها، وعليه قول القلاخ السعدى:
نكسوهم مخشونة لباسا
يعنى السيوف. وقد مر به لفظا البتة شاعرنا فقال:
стр. 338
وإنا إذا ما الموت صرّح فى الوغى … لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا
فإما أن يكون هذا الشاعر نظر إلى هذه القراءة، وإما أن يكون أراد المراد بها فسلك سنة قارئها، فاعرف ذلك ولا تقل ما يقوله من ضعفت نجيزته، وركت طريقته: هذا شاعر محدث، وبالأمس كان معنا، فكيف يجوز أن يحتج به فى كتاب الله جل وعز؟ فإن المعانى لا يرفعها تقدّم، ولا يزرى بها تأخّر. فأما الألفاظ فلعمرى إن هذا الوضع معتبر فيها، وأما المعانى ففائتة بأنفسها إلى مغرسها، وإذا جاز لأبى العباس أن يحتج بأبى تمام فى اللغة كان الاحتجاج فى المعانى بالمولّد الآخر أشبه.
***
﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ (١٣٨) ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير والأعمش وعكرمة وعمرو بن دينار: «حرث حرج»، وقراءة الناس: ﴿حِجْرٌ﴾.
قال أبو الفتح: قد قدمنا فى كتابنا الخصائص صدرا صالحا من تقلب الأصل الواحد والمادة الواحدة إلى صور مختلفة يخطمها كلها معنى واحد، ووسمناه بباب الاشتقاق الأكبر، نحو: «ك ل م»، «ك م ل»، «م ل ك»، «م ك ل»، «ل ك م»، «ل م ك».
وإنها مع التأمل لها ولين معطف الفكر إليها آئلة إلى موضع واحد ومترامية نحو غرض غير مختلف، كذلك أيضا يقال: «ح ج ر»، «ج ر ح»، «ح ر ج»، «ر ج ح»، «ج ح ر».
وأما «ر ح ج» فمهمل فيما علمنا، فالتقاء معانيها كلّها إلى الشدة والضيق والاجتماع.
من ذلك الحجر وما تصرف منه، نحو: انحجر، واستحجر الطين، والحجرة وبقيته، وكله إلى التماسك فى الضيق. ومنه الحرج: الضيق والجرح مثله، والحرجة: ما التفّ من الشجر فلم يمكن دخوله، ومنه الجحر وبابه لضيقه، ومنه الجرح لمخالطة الحديد للّحم وتلاحمه عليه، ومنه رجح الميزان، لأنه مال أحد شقيه نحو الأرض؛ فقرب منها، وضاق ما كان واسعا بينه وبينها.
стр. 339
فإن قلت: فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد الآخر منها، قيل: كلامنا على الراجح، والراجح هو الدانى إلى الأرض. فأما الآخر فلا يقال له: راجح فيلزم ما ألزمته، وإذا ثبت ذلك-وقد ثبت-فكذلك قوله تعالى: «حرث حرج» فى معنى حجر، معناه عندهم أنها ممنوعة محجورة أن يطعمها إلا من يشاءون أن يطعموه إيّاها بزعمهم.
***
﴿خالِصَةٌ﴾ (١٣٩) ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف والأعرج وقتادة وسفيان بن حسين: خالصة وقرأ «خالصا» سعيد بن جبير.
وقرأ «خالصه» ابن عباس بخلاف والزهرى والأعمش وأبو طالوت.
وقرأ «خالص» ابن عباس وابن مسعود والأعمش بخلاف.
قال أبو الفتح: أما قراءة العامة: «خالِصَةٌ» فتقديره: ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لنا، أى خالص لنا، فأنث للمبالغة فى الخلوص، كقولك: زيد خالصتى، كقولك صفيّى وثقتى، أى المبالغ فى الصفاء والثقة عندى. ومنه قولهم: فلان خاصّتى من بين الجماعة، أى خاصّى الذى يخصنى، والتاء فيه للمبالغة وليكون أيضا بلفظ المصدر، نحو العاقبة والعافية، والمصدر إلى الجنسية، فهى أعم وأوكد.
ويدلك على إرادة اسم الفاعل هنا، أى خالص-قراءة سعيد بن جبير «خالصا»، وعليه القراءة الأخرى: «خالص لذكورنا»، والقراءة الأخرى «خالصه لذكورنا». ألا تراه اسم فاعل وإن كان مضافا؟ لكن الكلام فى نصب خالصا وخالصة، وفيه جوابان:
стр. 340
أحدهما: أن يكون حالا من الضمير فى الظرف الجارى صلة على «ما» كقولنا:
الذى فى الدار قائما زيد.
والآخر: أن يكون حالا من «ما» على مذهب أبى الحسن فى إجازته تقديم الحال على العامل فيها إذا كان معنى بعد أن يتقدم صاحب الحال عليها كقولنا: زيد قائما فى الدار.
واحتج فى ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾، فيجوز على هذا فى العربية لا فى القراءة؛ لأنها سنة لا تخالف ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون «خالصا» و «خالصة» حالا من الضمير فى لنا؟ قيل:
هذا غير جائز؛ وذلك أنه تقدّم على العامل فيه وهو معنى وعلى صاحب الحال، وهذا ليس على ما بيّنا.
ولا يجوز أن يكون «خالصة» حالا من الأنعام؛ لأن المعنى ليس عليه، ولعزّة الحال من المضاف إليه.
***
﴿خُطُواتِ﴾ (١٤٢) ومن ذلك قراءة علىّ ﵇ والأعرج وعمرو بن عبيد «خطؤات» بالهمز مثقلا، وقرأ «خطوات» أبو السّمال.
قال أبو الفتح: أما «خطؤات» بالهمز فواحدها خطأة، بمعنى الخطأ. أثبت ذلك أحمد ابن يحيى.
وأما «خطوات» فجمع خطوة، وهى الفعلة الواحدة من خطوت، كغزوت غزوة، ودعوت دعوة. والمعنى لا تتبعوا خطوات الشيطان، أى آثاره، لا تقتدوا به. وتقديره على هذا حذف المضاف، أى لا تتبعوا مواضع خطوات الشيطان.
стр. 341
وإن شئت أجريته على ظاهره من غير تقدير حذف كقولك: لا تتبع أفعال المشركين، ولا تأتم بأديان الكافرين. ومن قرأ «خطوات» بلا همز فأمره واضح، وهو جمع خطوة، وهى ذرع ما بين القدمين. وهذا واضح.
***
﴿الضَّأْنِ﴾ (١٤٣) ومن ذلك قراءة طلحة: «الضّأن»، بفتح الهمزة.
قال أبو الفتح: الضّأن جمع، واحدته ضائن وضائنة، وصرّفوا فعله فقالوا: ضئنت العنز ضأنا، إذا أشبهت الضأن. وأما الضّأن بفتح الهمزة فى هذه القراءة فمذهب أصحابنا فيه وفى مثله مما جاء على فعل وفعل وثانيه حرف حلق، كالنّهر والنّهر، والصّخر والصّخر، والنّعل والنّعل، وجميع الباب-أنها لغات كغيرها مما ليس الثانى فيه حرفا حلقيا، كالنّشز والنشز، والقصّ والقصص.
ومذهب البغداديين أن التحريك فى الثانى من هذا النحو إنما هو لأجل حرف الحلق، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب وغيره، ويؤنسنى بصحة ما قالوه أنى أسمع ذلك فاشيا فى لغة عقيل، حتى لسمعت بعضهم يوما قال: نحوه، يريد نحوه.
فلو كانت الفتحة فى الحاء هنا أصلا معتزمة غير إتباع لكونها حرفا حلقيا لوجب إعلال اللام التى هى واو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، كغضاة وشجاة، فكان يقال:
نحاة، وهذا واضح، غير أن لأصحابنا ألا يقبلوا من اللغة إلا ما روى عن فصيح موثوق بعربيته، ولست أثبت هذه الفصاحة المشروطة لمن سمعت منه هذه اللفظة، أعنى نحوه.
***
﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (١٥٤) ومن ذلك قراءة ابن يعمر: «تماما على الّذى أحسن».
قال أبو الفتح: هذا مستضعف الإعراب عندنا؛ لحذفك المبتدأ العائد على الذى؛ لأنّ
стр. 342
تقديره: تماما على الذى هو أحسن، وحذف «هو» من هنا ضعيف؛ وذلك أنه إنما يحذف من صلة الذى-الهاء المنصوبة بالفعل الذى هو صلتها، نحو مررت بالذى ضربت أى ضربته، وأكرمت الذى أهنت أى أهنته، فالهاء ضمير المفعول، ومن المفعول بدّ، وطال الاسم بصلته، فحذفت الهاء لذلك. وليس المبتدأ بنيف ولا فضلة فيحذف تخفيفا، لا سيما وهو عائد الموصول، وأن هذا قد جاء نحوه عنهم. حكى سيبويه عن الخليل: «ما أنا بالذى قائل لك شيئا وسواءا»، أى بالذى هو قائل، قال:
لم أر مثل الفتيان فى غبن ال … أيام ينسون ما عواقبها
أى ينسون الذى هو عواقبها.
ويجوز أن يكون «ينسون» معلّقة كما علقوا نقيضتها التى هى يعلمون، وتكون «ما» استفهاما وعواقبها خبر «ما»، كقولك: قد علمت من أبوك وعرفت أيّهم أخوك؟، وعلى الوجه الأول حمله أصحابنا.
***
﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ﴾ (١٥٧) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: «ممّن كذب بآيات الله»، خفيفة الذال.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون دخول الباء هنا حملا على المعنى، وذلك لأنه فى معنى مكر بها، وكفر بها. وما أكثر هذا النحو فى هذه اللغة، وقد ذكرناه فيما مضى. ومنه قوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى … بما لاقت لبون بنى زياد
زاد الباء فى بما لاقت لما كان معناه ألم تسمع بما لاقت لبونهم، وفيه ما أنشدناه أبو على:
стр. 343
أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به … رئمان أنف إذا ما ضمنّ باللبن
ألحق الباء فى به لّما كان تعطى فى معنى تسمح به، ألا تراه قال فى آخر البيت: إذا ما ضنّ باللبن؟ فالضن نقيض السماحة والبذل.
***
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ (١٥٨) ومن ذلك قراءة زهير الفرقبى: «يوم يأتى بعض آيات ربّك»، بالرفع.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون ارتفاع اليوم بالابتداء، والجملة التى هى قوله تعالى:
﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ خبر عنه، والعائد من الجملة محذوف لطول الكلام والعلم به، وإذا كانوا قد قالوا: السمن منوان بدرهم، فحذفوا وهم يريدون «منه» مع قصر الكلام كان حذف العائد هنا لطول الكلام أسوغ، وتقديره لا ينفع فيه نفسا إيمانها. ومثله قولهم: البرّ الكرّ بستين، أى الكرّ منه.
وفى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يكون على حذف العائد، أى إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، وله نظائر كثيرة، لكنا نحذف الإطالة إذ كان هذا كتابا مختصرا ليقرب على القراء ولا يلطف عنهم، وقد كان شيخنا أبو على عمل كتاب الحجة فى قراءة السبعة، فأغمضه وأطاله حتى منع كثيرا ممن يدعى العربية فضلا على القرأة-منه، وأجفاهم عنه.
***
﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها﴾ (١٥٨) ومن ذلك قراءة أبى العالية: «لا تنفع نفسا إيمانها»، بالتاء فيما يروى عنه. قال ابن مجاهد: وهذا غلط.
стр. 344
قال أبو الفتح: ليس ينبغى أن يطلق على شئ له وجه من العربية قائم وإن كان غيره أقوى منه-أنه غلط. وعلى الجملة فقد كثر عنهم تأنيث فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو منه أو به. وأنشدنا أبو على لابن مقبل:
قد صرّح السير عن كتمان وابتذلت … وقع المحاجن بالمهرية الذّقن
فأنث «الوقع» وإن كان مذكرا لّما كان مضافا إلى «المحاجن»، وهى مؤنثة، إذ كان الوقع منها. وكذلك قول ذى الرمة:
مشين كما اهتزّت رماح تسفهت … أعاليها مرّ الرياح النواسم
فأنث «المر» لإضافته إلى الرياح وهى مؤنثة، إذ كان المر من الرياح، ونظائر ذلك كثيرة جدا ولا وجه للإطالة بذكرها. فهذا وجه يشهد لتأنيث الإيمان إذ كان من النفس وبها.
وإن شئت حملته على تأنيث المذكر لّما كان يعبّر عنه بالمؤنث، ألا ترى إلى قول الله سبحانه: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ فتأنيث المثل لأنه فى المعنى حسنة.
فإن قلت: فهلا حملته على حذف الموصوف، فكأنه قال: فله عشر حسنات أمثالها.
قيل: حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قبل ليس بمستحسن فى القياس، وأكثر مأتاه إنما هو فى الشعر، ولذلك ضعف حمل «دانية» من قوله تعالى: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ على أنه وصف جنة، أى وجنة دانية عليهم ظلالها عطفا على جنة من قوله: ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ وجنّة دانية عليهم ظلالها: لما فيه من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه حتى عطفوها على قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ﴾ ودانية عليهم ظلالها، فكانت حالا معطوفة على حال قبلها، فلهذا يضعف أن يكون تقدير الآية على: فله عشر حسنات أمثالها، بل تكون أمثالها غير صفة: لكنه محمول على المعنى؛ إذ كن حسنات كما ترى.
стр. 345
وعليه أيضا قوله تعالى: تلتقطه ﴿بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾، لّما كان ذلك البعض سيارة فى المعنى.
وحكى الأصمعى عن أبى عمرو قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب، جاءته كتابى فاحتقرها، قال: فقلت له: أتقول جاءته كتابى؟ فقال: نعم، أليس بصحيفة؟ فلا تعجب إلا من هذا الأعرابى الجافى وهو يعلل هذا التعليل فى تأنيث المذكر، وليس فى شعر منظوم فيحتمل ذلك له، إنما هو فى كلام منثور، فكذلك يكون تأنيث الإيمان. ألا تراه طاعة فى المعنى؟ فكأنه قال: لا تنفع نفسا طاعتها. والشواهد كثيرة، لكن الطريق التى نحن عليها مختصرة قليلة قصيرة.
***
﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (١٥٩) ومن ذلك قراءة النخعى وأبى صالح مولى ابن هانئ، ويروى أيضا عن الأعمش ويحيى: «الّذين فرقوا دينهم»، بالتخفيف.
قال أبو الفتح: أما «فرقوا» بالتخفيف فتأويله أنهم مازوه عن غيره من سائر الأديان، هذا ظاهر «فرقوا» بالتخفيف. وقد يحتمل أن يكون معناه معنى القراءة بالتثقيل، أى فرّقوه وعضّوه أعضاء، فخالفوا بين بعضه وبعض، وذلك أن فعل بالتخفيف يكون فيها معنى التثقيل.
ووجه هذا أن الفعل عندنا موضوع على اغتراق جنسه، ألا ترى أنّ معنى «قام زيد»:
كان منه القيام، و «قعد»: كان منه القعود؟ والقيام-كما نعلم-والقعود جنسان، فالفعل إذا على اغتراق جنسه، يدل على ذلك عمله فى جميع أجزاء ذلك الجنس من مفرده ومثناه ومجموعه، ونكرته ومعرفته، وما كان فى معناه. وذلك قوله: قمت قومة وقومتين وألف قومة، وقمت قياما وقياما طويلا، وجلست جلوسا وجلوسا قصيرا، وقمت القيام الذى تعلم. وقال:
لعمرى لقد أحببتك الحبّ كلّه …
стр. 346
وقالوا: قعد القرفصاء، وعدا البشكى، ووثب الحجزى. فعمل الفعل فى جميع أجزاء المصادر من لفظه ومن غير لفظه كما كان معناه-يدل على أن وضعه لاغتراق جنسه؛ إذ الفعل لا يعمل من المصادر إلا فيما كان عليه دليل. ألا تراك لا تقول: قمت قعودا، ولا خرجت دخولا؛ لأنه لا دليل فى الفعل على ذلك؟ وهذا واضح متناه فى البيان.
وإذا كان كذلك علم منه وبه أن جميع الأفعال ماضيها وحاضرها ومتلقاها مجاز لا حقيقة. ألا تراك تقول: قمت قومة؟ وقمت على ما مضى دال على الجنس، فوضعك القومة الواحدة موضع جنس القيام، وهو فيما مضى وما هو حاضر وفيما هو متلقى مستقبل-من أذهب شئ فى كونه مجازا. ولذلك ما كان شيخنا أبو على يقول: إن قولنا قام زيد فى كونه مجازا بمنزلة قول القائل: خرجت فإذا الأسد، يريد بذلك أن الأسد هنا لاغتراق الجنس، وإنما وجد ببابه أسدا واحدا، فأطلقه على جميع جنسه الذى لا يحيط به إلا خالقه، جل وعز.
فهذا كقولك: قام زيد فى وضعه إياه على البعض وإن كان مفاد «قام» الاغتراق للكل، إذ كان قيام زيد جزءا مما لا يحاط به، ولا يحاط الوهم إلا على كلا ولا على قصوره.
وهذا موضع يسمعه الناس منى ويتناقلونه دائما عنى، فيكبرونه ويكثرون العجب به، فإذا أوضحته لم يسأل عنه استحياء، وكان يستغفر الله لاستيحاشة كان منه.
وكشفت هذا الموضع يوما لبعض من كان له مذهب فى المشاغبة عفا الله عنا وعنه، فتوقف فيه، ثم قال: أو كذلك أفعال القديم عندك؟ فقلت: هذا موضع لا تعلّق له بذكر القدم والحدوث، وإنما هو طريق مسلوكة يتعاقبها القديم والمحدث تعاقبا واحدا. ألا تراك تقول: خلق الله كذا؟ أفتظن أن هذا ينتظم كل خلق فى الوهم؟ فإن قلت: نعم، لزمك أن يكون هو الخالق لأفعال العباد، ومذهبك ناف لهذا عندك، فلما بلغ الموضع بنا إلى هذا أمسك، ثم مضى فقرأ شيئا من كلام شيخنا فعاد معترفا بما قلت له منه، غير أننا أعلمنا بذلك أن العلل عنده مروية غير مدرية، وليست بحقائق ولا عقلية.
***
стр. 347
سورة الأعراف
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (١١) من ذلك قراءة أبى جعفر: «ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم»، بضم الهاء.
قال أبو الفتح: هذا مذهب ضعيف جدا، وذلك أن الملائكة مجرورة، ولا يجوز أن يكون حذف همزة اسجدوا وألقى حركتها على الهاء، من موضعين:
أحدهما: أن هذا التخفيف إنما هو فى الوصل، والوصل يحذف هذه الهمزة أصلا إذ كانت همزة وصل، فياليت شعرى من أين له همزة أصلا فى الوصل حتى يلقى حركتها للتخفيف-على ما قبلها، وليست كذلك الهمزات التى تلقى للتخفيف حركاتهن على ما قبلهن؛ لأنّ لك أن تثبت هذه الهمزة قبل حذفها للتخفيف؟ ألا تراك أنك إذا خفّفت همزة أنت من قولك: من أنت جاز من انت؛ لأن لك أن تحققها قبل التخفيف فتقول:
من أنت؟ وليس لك أن تثبت همزة «اسجدوا» فى الوصل فتقول: للملائكة أسجدوا فيجوز تخفيفها فيما بعد. وهذا واضح، وهو أذهب فى الفحش من قول الفراء: من فتح ميم من قوله تعالى: «ألف لام ميم الله» إنه حذف همزة «الله» وألقى حركتها على ميم «ميم»؛ لأن له أن يقول: إن الهجاء عندنا على الوقف، فإذا وصل فإنه مع ذلك ينوى الوقف، والوقف يجوز معه قطع همزة الله، وليس كذلك «ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا»، لأنه ليس من حروف الهجاء فينوى فيه الوقف عليه ثم تخفف همزته، وعلى أن مذهب الفراء هناك أيضا مدفوع عندنا لا يخفّف إلا فى الوصل، والوصل يسقط همزة اسم الله تعالى، فالطريق فى الفساد واحدة، وإن كان فيه فى قول الفراء ذلك القدر من تلك الشبهة الضعيفة.
فإن قال الفراء: قولهم: «نون والقلم» بترك إدغام النون فى الواو يدل أن نية الوقف
стр. 348
فى هذه الحروف مع الوصل موجودة، إذ لو كانت موصولة البتة لوجب الإدغام، وأن يقال: «نووّ القلم»، كما تدغم النون فى الواو من قوله : ﴿ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾.
قيل له: ولو كانت فى وصلها على حكم الوقف البتة عليها لوجب إظهار النون فقيل: «نون والقلم» بإظهار النون؛ لقولك فى الوقف: نون بإظهار النون، فترك إظهار النون من قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ يدل على نيّة الوصل، وإنما لم يكن هناك إدغام لعمرى تعقّبا لما كان عليه من الوقف، وإلا فهو موصول لا محالة، وإذا كان موصولا وجب حذف الهمزة أصلا، وإذا حذفت أصلا لم تجد هناك لفظا تحقّقه أو تخففه.
ويؤكد ذلك عندك قراءتهم «كاف هايا عين صاد»، بإخفاء النون من عين عند الصاد، كما تخفى فى الوصل إذا قلت: عجبت من صالح، ونحو ذلك.
فقد ترى إلى جريان هذا مع أنه حرف هجاء كجريانه فى حال وصله نون عين وسين قاف من قوله: عين سين قاف، فأخفيت النون من عين عند السين، والنون من سين عند القاف، كما تخفيفان فى: عن سالم، ومن قاسم.
ويؤكد أضا عندك إدغام الدال من صاد فى الذال من ذكر فى قوله: «عين صاد ذكر رحمة ربّك» كإدغامها فيها فى غير الهجاء، كقولك: تعهد ذلك الباب.
وهذا ينبهك على أن ترك إدغام النون من قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ إنما هو لئلا يجتمع هناك ثلاث واوات، فثقل عليهم أن يقولوا: «نووّ القلم»، ولو كان لنية الوقف البتة لظهرت الدال من «ص﴾ ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ». هذا أعلى القراءة وإن كان بعضهم قد أظهرها، إلاّ أن الإدغام أقوى رواية وقياسا. فهذا أحد وجهى قبح قراءة أبى جعفر: «ثمّ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم».
والآخر أن التخفيف فى نحو هذا إنما يكون إذا كان الحرف الأول قبل الهمزة ساكنا صحيحا نحو ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، فإذا خففت الهمزة ألقيت حركتها على الساكن قبلها
стр. 349
فقبلها لسكونه، ثم حذفت الهمزة تخفيفا، فقلت: «قد فلح»، وكذلك من أبوك إذا خففته قلت: من بوك؟.
فأما إذا كان قبل الهمزة حرف متحرك وأردت تخفيفها فإنك لا تلقى حركة الهمزة عليه، ألا تراك لا تقول: فلان يضرب خاه، تريد: يضرب أخاه؟ لأن باء يضرب متحركة، فما فيها من حركتها لا يسوّغ نقل حركة أخرى إليها عوضا من حركتها، ولذلك ضعفت عندنا قراءة الكسائى: «بما أنزلّيك» لأن اللام من أنزل مفتوحة، فلا ينقل عليها كسرة همزة إليك ثم يلتقى المثلان متحركين، فيسكن الأول منهما، ويدغم فى الثانى كما جعل فى قوله: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾، إذ كانت النون من لكن ساكنة فساغت حذف همزة أنا وإلقاء حركتها على النون قبلها، فصارت لكننا، فكره التقاء المثلين متحركين، فأسكن الأول منهما وأدغم فى الثانى، فصار لكنّا كما ترى.
وقد ذكرنا هذا فى غير هذا الموضع من كلامنا مصنفا وغير مصنّف.
فإن قلت: فما تصنع بما أخبركم به أبو على عن أبى عبيدة من قول بعضهم: دعه فى حرمّه، بضم الراء، وهو يريد فى حر أمه؟ ألا ترى كيف ألقى حركة همزة «أم» على الراء، وقد كانت مكسورة ثم حذف الهمزة، وإلى ما حكاه أحمد بن يحيى من قول أبى السّرّار فى خبر ذكره عند سعيد بن سليم وابن الأعرابى حاضر من قول امرأة رأت أبا السّرّار عند بناتها، فأنكرته: أفى السّوتنتّنه، وهى تريد أفى السّوءة «أنتنّه»، فحذفت همزة أنتنه وألقت حركتها على تاء السوءة وهى مكسورة؟.
قيل: هذا من الشذوذ بحيث لا يقاس على ضعفه، فضلا عنه على قلته.
وأيضا فإنه حذف همزة ثابتة موجودة فى الوصل، وليست كذلك همزة «اسجدوا» لأنها بلا خلاف معدومة فى الوصل أصلا، وما هو معدوم فى اللفظ لا يعرض فيه تخفيف ولا تحقيق.
فإن توهّم متوهم أنه يرى قطع همزة «اسجدوا» على ضعف ذلك، ثم فعل من بعد نحوا من حكاية أبى عبيدة: دعه فى حرمّه-فإن هذا أفحش، من حيث كانت همزة «اسجدوا» مما لا يجوز فى القرآن قطعه أصلا، لخبث ذلك فى الشعر فضلا عن التنزيل وما يجب فيه من تخير أفصح اللغات له.
стр. 350
ويزيد فى قبح ذلك أنه إن نوى قطع همزة اسجدوا فإنما ذلك للوقف قبلها، والوقف هنا قبلها لا يجوز من حيث كان قوله: «اُسْجُدُوا لِآدَمَ» معمول قوله: «قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ»، ولا يحسن الوقف على الناصب دون منصوبه، بل لا يجوز الوقف على العامل دون معموله؛ لاتصاله به وكونه فى بعض الأماكن كالجزء من العامل فيه، نحو لا رجل فى الدار، ومررت بى، والمال لى، فيمن أسكن الياء، فهذا كله وما تركناه من نحوه يشهد بفساد قراءة أبى جعفر: «للملائكة اسجدوا».
***
﴿مَذْؤُماً مَدْحُوراً﴾ (١٨) ومن ذلك قراءة الزهرى: «مذوما مدحورا».
قال أبو الفتح: هذا على تخفيف الهمزة من «مذءوما»، كقولك فى مسئول: مسول.
فإن قلت: أفيكون من ذمته أذيمة؟ قيل: لو كان منه لكان مذيما كمبيع ومكيل.
فإن قيل: فقد حكى الفراء: هذا برّ مكول، ورجل مسور به، وقد قالوا فى مهيب:
مهوب.
قيل: هذا من الشذوذ فى منزلة القصيا، فلا يحسن الحمل عليه، وإنما ذكرناه لئلا يورده من يضعف نظره وهو يظنه طائلا، فلا تحفل به.
***
﴿سَوْآتِهِما﴾ (٢٠) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى جعفر وشيبة والزهرى: «سوّاتهما» بتشديد الواو.
قال أبو الفتح: حكى سيبويه ذلك لغة قليلة، والوجه فى تخفيف نحو ذلك أن تحذف الهمزة وتلقى حركتها على الواو قبلها فتقول فى تخفيف نحو السوءة: السّوة، وفى تخفيف الجيئة: الجية. ومنهم من يقول: السّوّة والجيّة، وهو أدون اللغتين وأضعفهما،
стр. 351
ومنهم من يقول فى المنفصل من أو أنت: أوّنت، وفى أبو أيوب أبوّيّوب، وهو فى المنفصل أسهل منه فى المتصل، لما يوهم «سوّة» أنه من مضاعف الواو، نحو القوّة والحوّة.
وقرأ: «سوءتهما» واحدة مجاهد.
ووجه ذلك أن السوءة فى الأصل فعلة من ساء يسوء، كالضربة والقتلة، فأتاها التوحيد من قبل المصدرية التى فيها.
فإن قلت: إن الفعلة واحدة من جنسها والواحد معرّض للتثنية والجمع.
قيل: قد يوضع الواحد موضع الجماعة وقد مضى ذلك مشروحا.
***
﴿هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «من هذى الشّجرة».
قال أبو الفتح: هذا هو الأصل فى هذه الكلمة، وإنما الهاء فى «ذه» بدل من الياء فى ذى، يدل على الياء الأصل: قولهم فى المذكر: «ذا»، فالألف فى ذا بدل من الياء فى ذى وأصل ذا عندنا ذى، وهو من مضاعف الياء مثل حىّ، فحذفت الياء الثانية التى هى لام تخفيفا فبقى ذى قال لى أبو على: فكرهوا أن يشبه آخره آخر كى وأى، وأبدلوها ألفا كما أبدلت فى باءس ويايس.
ويدل على أن أصل ذا ذىّ وأنه ثلاثى جواز تحقيره فى قولك: ذيّا، ولو كان ثنائيا لما جاز تحقيره كما لا تحقر «ما»، «ومن» لذلك. وقد شرحت هذا الموضع فى كتابى الموسوم بالمنصف بما يمنع من الإطالة بذكره هنا.
فأما الياء اللاحقة بعد الهاء فى «هذهى سبيلى» ونحوه فزائدة، لحقت بعد الهاء تشبيها لها بهاء الإضمار فى نحو مررت بهى، ووجه الشبه بينهما أن كل واحد من الاسمين معرفة مبهمة لا يجوز تنكيره، وإذا وقفت قلت: هذه، فأسكنت الهاء. ومنهم
стр. 352
من يدعها على سكونها فى الوصل كما يسكنها عند الوقف عليها، كما أن منهم من يسكن الهاء المضمرة إذا وصلها فيقول: مررت به أمس، وذكر أبو الحسن أنها لغة لأزد السّراة، وأنشد هو وغيره:
فظلت لدى البيت العتيق أخيله … ومطواى مشتاقان له أرقان
وروينا عن قطرب قول الآخر:
وأشرب الماء ما بى نحوه عطش … إلا لأنّ عيونه سيل واديها
***
﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما﴾ (٢٢) ومن ذلك قراءة الزهرى: «يخصفان عليهما» من أخصفت، «ويخصفان» الحسن بخلاف، وقرأ «يخصّفان»، ابن بريدة والحسن والزّهرىّ والأعرج، واختلف عنهم كلهم.
قال أبو الفتح: مألوف اللغة ومستعملها خصفت الورق ونحوه، وأما أخصفت فكأنها منقولة من خصفت، كأنه-والله أعلم-: يخصفان أنفسهما أو أجسامهما من ورق الجنة، ثم حذف المفعول على عادة حذفه فى كثير من المواضع، أنشد أبو على للحطيئة:
منعّمة تصون إليك منها … كصونك من رداء شرعبىّ
أى تصون الحديث وتخزنه.
وأما قراءة الحسن: «يخصّفان» فإنه أراد بها يختصفان يفتعلان من خصفت،
стр. 353
كقولهم: قرأت الكتاب واقترأته، وسمعت الحديث واستمعته؛ فآثر إدغام التاء فى الصاد فأسكنها، والخاء قبلها ساكنة، فكسرها لالتقاء الساكنين، فصارت «يخصّفان».
وأما من قرأها «يخصّفان» فإنه أراد أيضا إدغام التاء فى الصاد فأسكنها على العبرة فى ذلك، ثم نقل الفتحة إلى الخاء فصار «يخصّفان».
ويجوز يخصّفان بكسر الياء فيمن كسر الخاء إتباعا، كما قال أبو النجم:
تدافع الشّيب ولم تقتّل …
أراد تقتتل على ما ذكرت لك. ونحو من ذلك القراءة: يهدّى ويهدّى ويهدّى، أصله كله يهتدى على ما مضى.
وأما من قرأ: «يخصّفان» وهو ابن بريدة والحسن أيضا والأعرج، واختلف عنهم كلهم فهو يفعّلان، كيقطّعان ويكسران، وهذا واضح.
***
﴿وَرِيشاً﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وجماعة عاصم بخلاف: «ورياشا» بالفتح.
قال أبو الفتح: يحتمل رياش شيئين:
أحدهما: أن يكون جمع ريش، فيكون كشعب وشعاب ولهب، ولهاب، ولصب ولصاب وشقب وشقاب.
стр. 354
والآخر: أن يكونا لغتين: فعل وفعال. هكذا قال أبو الحسن، قال: وقال الكلابيون:
الرياش: ما كان من لباس أو حشو من فراش أو دثار، والريش: المتاع والأموال. وقد يكون الريش فى الثياب دون المال. ويقال: هو حسن الريش، أى الثياب. والرياش:
القشر، وهما كما ترى متداخلان.
***
﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة ابن سيرين: «فإذا جاء آجالهم».
قال أبو الفتح: هذا هو الظاهر؛ لأن لكل إنسان أجلا. فأما إفراد الأجل فلأنه جعله جنسا، أو لأنه مصدر فأتته الجنسية من قبل المصدرية، وحسن الإفراد لإضافته أيضا إلى الجماعة، ومعلوم أن لكل إنسان أجلا، وعليه جاء قوله:
فى حلقكم عظم وقد شجينا
لأن لكل إنسان حلقا، وتقول على هذا: رأس القوم صلب، أى رءوسهم صلاب.
ويجوز أن تقول: رأس القوم صلاب حملا على المعنى.
وندع الإطالة بالشواهد إشفاقا من الإطالة التى سئلنا اجتنابها على ما بينا فى صدر الكتاب.
***
﴿إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٣٥) ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب والأعرج والحسن: «إمّا تأتينّكم رسل منكم» بالتاء.
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة بعض الصنعة، وذلك لقوله فيما يليه: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾. فالأشبه بتذكير يقصّون التذكير بالياء فى قراءة الجماعة:
﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾، فتقول على هذا: قامت الزّيود وقام الزيدون، وتذكّر لفظ قام لتذكير
стр. 355
الزيدون، وتؤنث لفظ قامت لأن الزيود مكسر ولا يختص بالتذكير، لقولك: الهنود.
وقد يجوز قامت الزيدون، إلا أن قام أحسن.
***
﴿حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها﴾ (٣٨) ومن ذلك ما روى عن أبى عمرو: «حتّى إذا إدّاركوا» وروى عنه أيضا: «حتى إذا» يقف ثم يقول: «تداركوا»، وظهور التاء فى تداركوا قراءة ابن مسعود والأعمش.
وقراءة أخرى: «إذآ ادّاركوا» قرأ بها مجاهد وحميد ويحيى وإبراهيم.
قال أبو الفتح: قطع أبى عمرو همزة «ادّاركوا» فى الوصل مشكل، وذلك أنه لا مانع من حذف الهمزة؛ إذ ليست مبتدأة كقراءته الأخرى مع الجماعة. وأمثل ما يصرف إليه هذا أن يكون وقف على ألف «إذا» مميّلا بين هذه القراءة وقراءته الأخرى التى هى تداركوا، فلما اطمأن على الألف لذلك القدر من التمييل بين القراءتين لزمه الابتداء بأول الحرف، فأثبت همزة الوصل مكسورة على ما يجب من ذلك فى ابتدائها، فجرى هذا التمييل فى التلوم عليه وتطاول الصوت به مجرى وقفة التذكر فى نحو قولك: قالوا-وأنت تتذكر-الآن من قول الله سبحانه: ﴿قالُوا الْآنَ﴾، فتثبت الواو من قالوا لتلوّمك عليها للاستذكار ثم تثبت همزة الآن، أعنى همزة لام التعريف.
ومثله «اشترووا» -إذا وقفت مستذكرا «للضلالة»، فتضم الواو من اشتروا على ما كانت عليه من الضم لالتقاء الساكنين، ثم تشبع الضمة لإطالة صوت وقفة الاستذكار، فتحدث هناك واوا تنشأ عن ضمة واو الضمير، ثم تبتدئ فتقول:
«ألضلالة»، فتقطع همزة الوصل لابتدائك بها، فهذا أمثل ما يقال فى هذا.
ولا يحسن أن تقول: إنه قطع همزة الوصل ارتجالا هكذا؛ لأن هذا إنما يسوغ
следующие страницы →