Полный текст (896 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ومنهم من يقول فى المنفصل من أو أنت: أوّنت، وفى أبو أيوب أبوّيّوب، وهو فى المنفصل أسهل منه فى المتصل، لما يوهم «سوّة» أنه من مضاعف الواو، نحو القوّة والحوّة.
وقرأ: «سوءتهما» واحدة مجاهد.
ووجه ذلك أن السوءة فى الأصل فعلة من ساء يسوء، كالضربة والقتلة، فأتاها التوحيد من قبل المصدرية التى فيها.
فإن قلت: إن الفعلة واحدة من جنسها والواحد معرّض للتثنية والجمع.
قيل: قد يوضع الواحد موضع الجماعة وقد مضى ذلك مشروحا.
***
﴿هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «من هذى الشّجرة».
قال أبو الفتح: هذا هو الأصل فى هذه الكلمة، وإنما الهاء فى «ذه» بدل من الياء فى ذى، يدل على الياء الأصل: قولهم فى المذكر: «ذا»، فالألف فى ذا بدل من الياء فى ذى وأصل ذا عندنا ذى، وهو من مضاعف الياء مثل حىّ، فحذفت الياء الثانية التى هى لام تخفيفا فبقى ذى قال لى أبو على: فكرهوا أن يشبه آخره آخر كى وأى، وأبدلوها ألفا كما أبدلت فى باءس ويايس.
ويدل على أن أصل ذا ذىّ وأنه ثلاثى جواز تحقيره فى قولك: ذيّا، ولو كان ثنائيا لما جاز تحقيره كما لا تحقر «ما»، «ومن» لذلك. وقد شرحت هذا الموضع فى كتابى الموسوم بالمنصف بما يمنع من الإطالة بذكره هنا.
فأما الياء اللاحقة بعد الهاء فى «هذهى سبيلى» ونحوه فزائدة، لحقت بعد الهاء تشبيها لها بهاء الإضمار فى نحو مررت بهى، ووجه الشبه بينهما أن كل واحد من الاسمين معرفة مبهمة لا يجوز تنكيره، وإذا وقفت قلت: هذه، فأسكنت الهاء. ومنهم
стр. 352
من يدعها على سكونها فى الوصل كما يسكنها عند الوقف عليها، كما أن منهم من يسكن الهاء المضمرة إذا وصلها فيقول: مررت به أمس، وذكر أبو الحسن أنها لغة لأزد السّراة، وأنشد هو وغيره:
فظلت لدى البيت العتيق أخيله … ومطواى مشتاقان له أرقان
وروينا عن قطرب قول الآخر:
وأشرب الماء ما بى نحوه عطش … إلا لأنّ عيونه سيل واديها
***
﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما﴾ (٢٢) ومن ذلك قراءة الزهرى: «يخصفان عليهما» من أخصفت، «ويخصفان» الحسن بخلاف، وقرأ «يخصّفان»، ابن بريدة والحسن والزّهرىّ والأعرج، واختلف عنهم كلهم.
قال أبو الفتح: مألوف اللغة ومستعملها خصفت الورق ونحوه، وأما أخصفت فكأنها منقولة من خصفت، كأنه-والله أعلم-: يخصفان أنفسهما أو أجسامهما من ورق الجنة، ثم حذف المفعول على عادة حذفه فى كثير من المواضع، أنشد أبو على للحطيئة:
منعّمة تصون إليك منها … كصونك من رداء شرعبىّ
أى تصون الحديث وتخزنه.
وأما قراءة الحسن: «يخصّفان» فإنه أراد بها يختصفان يفتعلان من خصفت،
стр. 353
كقولهم: قرأت الكتاب واقترأته، وسمعت الحديث واستمعته؛ فآثر إدغام التاء فى الصاد فأسكنها، والخاء قبلها ساكنة، فكسرها لالتقاء الساكنين، فصارت «يخصّفان».
وأما من قرأها «يخصّفان» فإنه أراد أيضا إدغام التاء فى الصاد فأسكنها على العبرة فى ذلك، ثم نقل الفتحة إلى الخاء فصار «يخصّفان».
ويجوز يخصّفان بكسر الياء فيمن كسر الخاء إتباعا، كما قال أبو النجم:
تدافع الشّيب ولم تقتّل …
أراد تقتتل على ما ذكرت لك. ونحو من ذلك القراءة: يهدّى ويهدّى ويهدّى، أصله كله يهتدى على ما مضى.
وأما من قرأ: «يخصّفان» وهو ابن بريدة والحسن أيضا والأعرج، واختلف عنهم كلهم فهو يفعّلان، كيقطّعان ويكسران، وهذا واضح.
***
﴿وَرِيشاً﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وجماعة عاصم بخلاف: «ورياشا» بالفتح.
قال أبو الفتح: يحتمل رياش شيئين:
أحدهما: أن يكون جمع ريش، فيكون كشعب وشعاب ولهب، ولهاب، ولصب ولصاب وشقب وشقاب.
стр. 354
والآخر: أن يكونا لغتين: فعل وفعال. هكذا قال أبو الحسن، قال: وقال الكلابيون:
الرياش: ما كان من لباس أو حشو من فراش أو دثار، والريش: المتاع والأموال. وقد يكون الريش فى الثياب دون المال. ويقال: هو حسن الريش، أى الثياب. والرياش:
القشر، وهما كما ترى متداخلان.
***
﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة ابن سيرين: «فإذا جاء آجالهم».
قال أبو الفتح: هذا هو الظاهر؛ لأن لكل إنسان أجلا. فأما إفراد الأجل فلأنه جعله جنسا، أو لأنه مصدر فأتته الجنسية من قبل المصدرية، وحسن الإفراد لإضافته أيضا إلى الجماعة، ومعلوم أن لكل إنسان أجلا، وعليه جاء قوله:
فى حلقكم عظم وقد شجينا
لأن لكل إنسان حلقا، وتقول على هذا: رأس القوم صلب، أى رءوسهم صلاب.
ويجوز أن تقول: رأس القوم صلاب حملا على المعنى.
وندع الإطالة بالشواهد إشفاقا من الإطالة التى سئلنا اجتنابها على ما بينا فى صدر الكتاب.
***
﴿إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٣٥) ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب والأعرج والحسن: «إمّا تأتينّكم رسل منكم» بالتاء.
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة بعض الصنعة، وذلك لقوله فيما يليه: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾. فالأشبه بتذكير يقصّون التذكير بالياء فى قراءة الجماعة:
﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾، فتقول على هذا: قامت الزّيود وقام الزيدون، وتذكّر لفظ قام لتذكير
стр. 355
الزيدون، وتؤنث لفظ قامت لأن الزيود مكسر ولا يختص بالتذكير، لقولك: الهنود.
وقد يجوز قامت الزيدون، إلا أن قام أحسن.
***
﴿حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها﴾ (٣٨) ومن ذلك ما روى عن أبى عمرو: «حتّى إذا إدّاركوا» وروى عنه أيضا: «حتى إذا» يقف ثم يقول: «تداركوا»، وظهور التاء فى تداركوا قراءة ابن مسعود والأعمش.
وقراءة أخرى: «إذآ ادّاركوا» قرأ بها مجاهد وحميد ويحيى وإبراهيم.
قال أبو الفتح: قطع أبى عمرو همزة «ادّاركوا» فى الوصل مشكل، وذلك أنه لا مانع من حذف الهمزة؛ إذ ليست مبتدأة كقراءته الأخرى مع الجماعة. وأمثل ما يصرف إليه هذا أن يكون وقف على ألف «إذا» مميّلا بين هذه القراءة وقراءته الأخرى التى هى تداركوا، فلما اطمأن على الألف لذلك القدر من التمييل بين القراءتين لزمه الابتداء بأول الحرف، فأثبت همزة الوصل مكسورة على ما يجب من ذلك فى ابتدائها، فجرى هذا التمييل فى التلوم عليه وتطاول الصوت به مجرى وقفة التذكر فى نحو قولك: قالوا-وأنت تتذكر-الآن من قول الله سبحانه: ﴿قالُوا الْآنَ﴾، فتثبت الواو من قالوا لتلوّمك عليها للاستذكار ثم تثبت همزة الآن، أعنى همزة لام التعريف.
ومثله «اشترووا» -إذا وقفت مستذكرا «للضلالة»، فتضم الواو من اشتروا على ما كانت عليه من الضم لالتقاء الساكنين، ثم تشبع الضمة لإطالة صوت وقفة الاستذكار، فتحدث هناك واوا تنشأ عن ضمة واو الضمير، ثم تبتدئ فتقول:
«ألضلالة»، فتقطع همزة الوصل لابتدائك بها، فهذا أمثل ما يقال فى هذا.
ولا يحسن أن تقول: إنه قطع همزة الوصل ارتجالا هكذا؛ لأن هذا إنما يسوغ
стр. 356
لضرورة الشعر. فأما فى القرآن فمعاذ الله وحاشا أبى عمرو، ولا سيما وهذه الهمزة هنا إنما هى فى فعل، وقلما جاء فى الشعر قطع همزة الوصل فى الفعل، وإنما يجئ الشئ النزر من ذلك فى الاسم، نحو قول جميل:
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة … على حدثان الدهر منى ومن جمل
وقول الآخر:
يا نفس صبرا كل حى لاق … وكل إثنين إلى افتراق
أى لاق منيته، فحذف المفعول. وإنما قل قطع همزة الوصل هذه فى الفعل وجاء ما جاء من ذلك فى الاسم حيث كان الفعل مظنة من همزة الوصل، وإنما تدخل من الأسماء ما ضارع الفعل.
وباب همزات الأسماء أن تكون قطعا، فلما غلب القطع عليها جرت الألسن على العادة فى ذلك واستجازوا قطع همزة الوصل لما ذكرنا.
وليست حال همزة الوصل فى الفعل كذلك؛ لأنها معتادة هناك فازداد قطعها من الفعل ضيق عذر لما ذكرنا.
فأما «حتى إذآ ادّاركوا» بإثبات ألف إذا مع سكون الدال من «ادّاركوا» فإنما ذلك لأنه أجرى المنفصل مجرى المتصل، فشبهه بشابّة ودابّة ونحو قولهم: لاها الله ذا بإثبات الألف فى «ها»، وترك حذفها لالتقاء الساكنين كما حذفت فى قول من قال: لاها الله ذا.
وقال لى أبو على: فيها أربع لغات: لا ها لله ذا بحذف الألف. ولاهآ الله ذا بمدها تشبيها بالمتصل على ما مضى فى دابة. ولاهآ ألله بإثبات ألف ها وهمزة الله بوزن لاها علاّه ذا.
والرابعة: لاهأ لله ذا فى وزن هعلّله ذا، تحرك ألف «ها» لا لالتقاء الساكنين وتقلبها
стр. 357
همزة كما قرأ أيوب السختيانى: «ولا الضّألّين» بوزن الضعلّين. وعليه ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأبّة ومأدّة.
ومثله أيضا قراءة أبى عمرو، ورويناها عن قطرب عنه: «قالوا اطّيرنا» وحكى عن بعضهم: هذان عبدا الله.
وحكى عنهم: له ثلثا المال وهو أشد لأنه غير مدّغم.
وقال بعضهم: يا الله، وبعضهم: يا الله، وبعضهم: يألله، وبعضهم: يا لله، فحذف ألف يا لالتقاء الساكنين.
***
﴿حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ (٤٠) ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبى وأبى العلاء بن الشّخّير، ورويت عن أبى رجاء: «حتى يلج الجمّل»، وقرأ «الجمل» بضم الجيم وفتحة الميم مخففة-ابن عباس وسعيد بن حبير بخلاف وعبد الكريم وحنظلة ومجاهد بخلاف.
وقرأ: «الجمل» بضم الجيم وسكون الميم-ابن عباس وسعيد بن جبير بخلاف عنهما.
وقرأ: «الجمل» بضمتين والميم خفيفة-ابن عباس.
وقرأ أبو السّمّال: «الجمل» مفتوحة الجيم ساكنة الميم.
стр. 358
قال أبو الفتح: أما «الجمّل» بالتثقيل «الجمل» بالتخفيف فكلاهما الحبل الغليظ من القنب، ويقال: حبل السفينة، ويقال: الحبال المجموعة، وكله قريب بعضه من بعض.
وأما «الجمل» فقد يجوز فى القياس أن يكون جمع جمل كأسد وأسد ووثن ووثن، وكذلك المضموم الميم أيضا كأسد.
وأما «الجمل» فبعيد أن يكون مخففا من المفتوح لخفة الفتحة وإن كان قد جاء عنهم قوله:
وما كل مبتاع ولو سلف صفقه … براجع ما قد فاته برداد
***
﴿لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (٤٩) من ذلك قراءة عكرمة: «لا ينالهم الله برحمة دخلوا الجنة».
وقرأ طلحة بن مصرّف: «برحمة أدخلوا الجنة»، أى فعل ذلك بهم.
قال أبو الفتح: الذى فى هاتين القراءتين خطابهم بقوله سبحانه: لا ﴿خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وطريق ذلك أن قوله: ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾ الوقف هنا، ثم يستأنف فيقال: دخلوا الجنّة، أو أدخلوا الجنة، أى قد دخلوا أو أدخلوا، وإضمار قد موجود فى الكلام نحو قوله: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ﴾
стр. 359
﴿صُدُورُهُمْ﴾ أى قد حصرت صدورهم، أى فقد دخلوا الجنة، فقال لهم: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وقد اتّسع عنهم حذف القول كقوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أى يقولون لهم: سلام عليكم، وقال الشاعر:
رجلان من ضبة أخبرانا … إنا رأينا رجلا عريانا
أى قالا: إنا رأينا، ولذلك كسر. هكذا مذهب أصحابنا فى نحو هذا من إضمار القول.
وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ قولا مرتجلا لا على تقدير إضمار القول، لكن استأنف الله خطابهم، فقال: «أدخلوا الجنة»، كما استأنفه تعالى على القراءة المشهورة وهى: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾.
ومثله من ترك كلام إلى كلام آخر بيت الكتاب، وهو قوله:
ألا يا بيت بالعلياء بيت
ألا تراه حمله على أنه نادى البيت، ثم ترك خطابه وأقبل على صاحبه، فقال: بالعلياء بيت، ثم رجع إلى خطاب البيت فقال له:
ولولا حب أهلك ما أتيت
وسألنى قديما بعض من كان يأخذ عنى، فقال: لم لا يكون «بيت» الثانى تكريرا على الأول كقولك: يا زيد زيد، ويكون بالعلياء فى موضع الحال من البيت الأول، كما كان قول النابغة:
يا دار مية بالعلياء …
стр. 360
قوله: «بالعلياء» فى موضع الحال، أى يا دار مية عالية مرتفعة، فيكون كقوله:
يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام …
هذا معنى ما أورده بعد أن سدّدت السؤال ومكنته، فقلت: لا يجوز ذلك هنا؛ وذلك أنه لو كان البيت الثانى تكريرا على الأول لقال: لولا حب أهلك ما أتيت، فيكون كقولك: يا زيد لولا مكانك ما فعلت كذا، وأنت لا تقول: يا زيد ولولا مكانك لم أفعل كذا، فإذا بطل هذا ثبت ما قاله صاحب الكتاب من كونه كلاما بعد كلام، وجملة تتلو جملة. وهذا واضح، فقوله على هذا: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ جملة لا موضع لها من الإعراب من حيث كانت مرتجلة، وهى فى القول الأوّل منصوبة الموضع على الحال، أى دخلوا الجنة أو أدخلوا الجنة مقولا لهم هذا الكلام الذى هو لا خوف عليكم، وحذف القول وهو منصوب على الحال، وأقيم مقامه قوله: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ فانتصب انتصابه، كما أن قولهم: كلّمته فاه إلى فى منصوب على الحال؛ لأنه ناب عن جاعلا فاه إلى فىّ، أو لأنه وقع موقع مشافهة التى هى نائبة عن مشافها له.
***
﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ (٥٣) ومن ذلك قراءة ابن أبى إسحاق: «أو نردّ»، بنصب الدال.
стр. 361
قال أبو الفتح: الذى قبله مما هو متعلق به قوله: ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾، ثم قال: «أو نردّ فنعمل غير الّذى كنّا نعمل»، فعطف «نرد» على «يشفعوا»، وهو منصوب لأنه جواب الاستفهام وفيه معنى التمنى، وذلك أنهم قد علموا أنه لا شفيع لهم، وإنما يتمنون أن يكون لهم هناك شفعاء، فيردوا بشفاعتهم، فيعلموا ما كانوا لا يعلمونه من الطاعة؛ فيصير به المعنى إلى أنه كأنهم قالوا: إن نرزق شفعاء يشفعوا لنا أو نردد. وتقديره مع رفع نرد على قراءة الجماعة: إن نرزق شفعاء يشفعوا لنا، وإن نردد نعمل غير الذى كنا نعمل. وذلك أنهم مع نصب «نُرَدُّ» تمنوا الشفعاء وقطعوا بالشفاعة، وتمنوا الردّ أيضا وضمنوا عمل ما لم يكونوا يعملونه، أى: إن نردد نعمل غير الذى كنا نعمل كأنه قال: أو هل نرد فنعمل.
فأما قوله سبحانه: ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ﴾ فقال فيه أبو الحسن: إنهم إنما تمنوا الرد، وضمنوا ألاّ يكذّبوا، وهذا يوجب النصب لأنه جواب للتمنى، قال: إلا أنه عطف فى اللفظ والمراد به الجواب، وشبّهه بقول الله سبحانه:
﴿وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالجر، قال: فهى فى اللفظ معطوفة على المسح، وفى المعنى معطوفة على الغسل، قال ونحو منه: هذا جحر ضبّ خرب. وقرأها الحسن: «أو تريد فنعمل»، فهو على هذه القراءة على أنهم تمنوا إرادته إيمانهم وعملهم.
فإن قيل: وكيف يصح تمنيهم إرادته منهم الإيمان، ومعلوم أنه هو المراد منهم لقوله سبحانه: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وغيره من الآى؟.
قيل: يكون معناه إرادة اقتسار لهم على الإيمان لا ردّ منه تعالى الأمر إليهم فيه، فيكون هذا كقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾، أى لو شاء مشيئة إلجاء أو إكراه لا عرض وترغيب.
وساغ فى هذه القراءة تمنيهم العمل، إذ كان بلطف الله لهم فيه وإعانته إياهم عليه.
стр. 362
وإن شئت قلت: عطف «نعمل» بالرفع لفظا وهو ينوى أنه جواب، أى إن شاء الله ذلك مشيئة إلجاء عملنا لا محالة، فيعطفه لفظا وهو يريد الجواب على ما مضى.
***
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ (٥٤) ومن ذلك قراءة حميد: «يغشى»، بفتح الياء والشين، ونصب «الليل»، ورفع «النهار».
قال أبو الفتح: اتصال قوله تعالى: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ» بقوله: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ اتصال الحال بما قبلها، ويكون هناك عائد منها إلى صاحبها وهو الله تعالى، أى يغشى الليل النهار بأمره أو بإذنه، وحذف العائد كما يحذف من خبر المبتدأ فى نحو قولهم: السّمن منوان بدرهم، أى منوان منه بدرهم.
ودعانا إلى إضمار هذا العائد أن تتفق القراءتان على معنى واحد، ألا ترى إلى قراءة الجماعة: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾، وأن هذه الجملة فى موضع الحال، أى استوى على العرش مغشيا الليل النهار، أى استوى عليه فى هذه الحال. فقوله إذا: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ بدل من قوله: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ» للتوكيد، وهو على قراءة الجماعة: «يغشى» أو «يغشّى» حال من الليل، أى يغشّى الليل النّهار طالبا له حثيثا، وحثيثا بدل من طالب أو صفة له؛ لأن طالبا لو كان منطوقا به حال هناك، والحال عندنا فوصف من حيث كانت فى المعنى خبرا، والأخبار توصف، لكن الصفات عندنا لا توصف.
وإن شئت يكون «حَثِيثاً» حالا من الضمير فى يطلبه، وفيه من بعد هذا ما أذكره.
وذلك أن الفاعل فى المعنى فى أحد المفعولين فى قراءة الجماعة هو الليل؛ لأنه المفعول الأول، كقولك: أعطيت زيدا عمرا، فزيد هو الآخذ وعمرو هو المأخوذ، وأغشيت جعفرا خالدا، فالغاشى جعفر والمغشىّ هو خالد، والفاعل فى قراءة حميد هو النهار؛ لأنه مرفوع: «يغشى الليل النهار» فالفاعلان والمفعولان جميعا مختلفان على ما ترى.
ووجه صحة القراءتين جميعا والتقاء معنييهما أن الليل والنهار يتعاقبان، وكل واحد
стр. 363
منهما وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضا مزيل له، فكل واحد منهما على هذا فاعل وإن كان مفعولا، ومفعول وإن كان فاعلا. وعلى أن الظاهر فى الاستحثاث هنا إنما هو النهار؛ لأنه بسفوره وشروقه قد أظهر أثرا فى الاستحثاث من الليل. وبعد، فليس النهار إلا ضوء الشمس، والشمس كائنة محدثة، ولا ضوء قبل أن يخلقها الله جل وعز، فالضوء إذا هو الهاجم على الظلمة، ويطلبه حثيثا على هذا حال من النهار؛ لأنه هو الأحث منهما.
ويجوز فى قراءة الجماعة أن يكون يطلبه حالا من النهار وإن كان مفعولا، كقولك:
ضربت هند زيدا مولمة له، فقد يكون مؤلمة حالا لزيد، كما قد يجوز أن يكون حالا من هند، وذلك أن لكل واحد منهما فى الحال ضميرا. ومثله قول الله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾، فقد يجوز أن يكون «تحمله» حالا منها، ويجوز أن يكون حالا منه، وقد يجوز أيضا أن يكون منهما جميعا على قوله:
فلئن لقيتك خاليين لتعلما … أيىّ وأيّك فارسا الأحزاب؟
ويجوز أيى وأيك فارس الأحزاب، أى أينا فارس الأحزاب، فكذلك يكون قوله:
يطلبه حثيثا حالا منهما جميعا على ما مضى؛ لأن لهما جميعا فيه ضميرا. ولو كانت الآية «فأتت به قومها تحمله إليه» لجاز أن يكون ذلك حالا منها، ومنه ومنهم جميعا؛ لحصول ضمير كل واحد منهم فى الجملة التى هى حال، فاعرف ذلك.
ولعمرى إنّك إذا قلت: أغشيت زيدا عمرا فإن العرف أن يكون زيد هو الغاشى وعمرو هو المغشىّ، إلا أنه قد يجوز فيه قلب ذلك، لكن مع قيام الدلالة عليه، ألا ترى إلى قوله:
فدع ذا ولكن من ينالك خيره … ومن كان يعطى حقّهن القصائدا
أراد يعطى القصائد حقهن، ثم قدم المفعول الثانى فجعله قبل الأول من حيث كانت القصائد هنا هى الآخذة فى المعنى، ونحوه: كسوت ثوبا زيدا، ساغ تقديمه لارتفاع الشك فيه، وليس كذلك «يغشى الليل النهار» من حيث كانا متساويى الحالين فى الغشيان، وعلى كل حال فكل واحد منهما غاش لصاحبه.
***
стр. 364
﴿بُشْراً﴾ (٥٧) ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف وقتادة وأبى رجاء والجحدرى وسهل بن شعيب.
«نشرا» بضم النون وجزم الشين.
وقرأ: «بشرا»، بفتح الباء ساكنة الشين، أبو عبد الرحمن بخلاف.
وقرأ: «بشرا»، بالياء مضمومة منونين، ابن عباس والسلمى بخلاف وعاصم بخلاف.
وقرأ: «بشرى»، غير منونة على فعلى، محمد بن السميفع وابن قطيب.
وقرأ: «نشرا»، بفتح النون والشين مسروق.
قال أبو الفتح: أما «نشرا» فتخفيف «نشرا» فى قراءة العامة، والنّشر جمع نشور؛ لأنها تنشر السحاب وتستدرّه، والتثقيل أفصح لأنه لغة الحجازيين، والتخفيف فى نحو ذلك لتميم.
وأما بشرا فجمع بشير، لأنّ الريح تبشّر بالسحاب.
وأما بشرا فمصدر فى موضع الحال، كقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ أى ساعيات، فكذلك «بشرا» أى باشرات فى معنى مبشّرات، يقال:
стр. 365
بشرت الرجل أبشره بشرا، فأنا باشر وهو مبشور، وأبشرته أبشره، فأنا مبشر وهو مبشر. وبشّرته تبشيرا، فأنا مبشّر وهو مبشّر. وبشر بالأمر يبشر به، فهو بشر، كفرح به يفرح فرحا، وهو فرح. وأبشر هو أيضا يبشر إبشارا، ومنه المثل السائر:
أبشر، بما سرّك عينى تختلج …
والبشارة: حسن البشرة. قال أبو إسحاق: قيل: لما يفرح به بشارة لأن الإنسان إذا فرح حسنت بشرته.
فإن قيل: فإن البشرة قد يبين عليها الحسن تارة والقبح أخرى فكيف خص به هاهنا حسنها دون قبحها؟.
قيل: من عادتهم أن يوقعوا على الشئ الذى يختصونه بالمدح اسم الجنس المطلق على جميع أجزائه المختلفة. ألا تراهم قالوا: لفلان خلق فخصوه بالمدح، وإن كان الخلق يكون قبيحا كما يكون حسنا.
وقالوا للكعبة: بيت الله، والبيوت كلها لله، فخصوا باسم الجنس أشرف أنواعه.
وقالوا: فلان متكلم، يعنون به صاحب النظر، والناس كلّهم متكلمون.
وأما «بشرى» على فعلى فمنصوبة على الحال أيضا، أى مبشّرات على ما مضى.
وفى «نشرا» فعلى حذف المضاف، أى ذوات نشر، والنّشر أن تنشر الغنم بالليل فترعى، فهذا على تشبيه السحاب فى انتشاره وعمومه من هاهنا ومن هاهنا بالغنم إذا انتشرت للرّعى.
***
﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (١٢٧) ومن ذلك قراءة على ﵇ وابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك وعلقمة والجحدرى والتيمى وأبى طالوت وأبى رجاء: «ويذرك وإلاهتك».
стр. 366
وقرأ: «ويذرك» بإسكان الراء الأشهب.
وقرأ «ويذرك» نعيم بن ميسرة والحسن بخلاف.
قال أبو الفتح: أما «إلاهتك» فإنه عبادتك، ومنه الإله، أى مستحق العبادة، وقد سميت الشمس إلاهة وألاهة؛ لأنهم كانوا يعبدونها، ويقال: تألّه تألّها. قال رؤبة:
سبّحن واسترجعن من تألهى …
أى عبادتى، ويقال: لاه أبوك، وله أبوك، ولهى أبوك وله أبوك، وفى تصريفها بعض الطول فندعه تخفيفا.
وأما «ويذرك» بالرفع فعلى الاستئناف، أى فهو يذرك.
وأما «يذرك» بالإسكان فمن «يذرك»، كقراءة أبى عمرو: «إن الله يأمركم» وحكى أبو زيد: «رسلنا» بإسكان اللام استثقالا للضمة مع توالى الحركات، ولم يسكن أبو عمرو «يأمرهم» كما أسكن «يأمركم» وذلك لخفاء الهاء وخفتها فجاء الرفع على واجبه.
وليست الكاف فى «يأمركم» بخفية ولا خفيفة خفة الهاء ولا خفاءها، فثقل النطق بها فحذف ضمّتها.
***
﴿إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ (١٣١) ومن ذلك قراءة الحسن: «إنّما طيركم عند الله».
قال أبو الفتح: الطير: جمع طائر فى قول أبى الحسن، وفى قول صاحب الكتاب:
اسم للجمع، بمنزلة الجامل والباقر غير مكسّر.
وروينا عن قطرب فى كتابه الكبير أن الطير قد تكون واحدا، كما أن الطائر الذى
стр. 367
يقرأ به الجماعة واحد، وعلى أنه قد يكون الطائر جماعا بمنزلة الجامل والباقر. أنشد ابن الأعرابي:
وبالعثانين وبالحناجر … كأنه تهتان يوم ماطر
على رءوس كرءوس الطائر …
***
﴿الْقُمَّلَ﴾ (١٣٣) ومن ذلك قراءة الحسن: «عليهم القمل»، بفتح القاف، وسكون الميم.
قال أبو الفتح: «القمل» هنا: هو هذا المعروف، ولا يجوز أن يكون تحريف القمّل ولا لغة فيه، كالجمل والجمّل فى قراءة من قرأ «حتى يلج الجمل فى سمّ الخياط»؛ لأن لهذا وجها قائما معروفا، وهو هذا القمل المعروف.
***
﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ (١٤٥) ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: «سأوريكم دار الفاسقين».
قال أبو الفتح: ظاهر هذه القراءة مردود، لأنه سأفعلكم من رأيت، وأصله سأرئيكم، ثم خففت الهمزة بحذفها وإلقاء حركتها على الراء، فصارت سأريكم. قالوا: وإذا لا وجه لها، ونحو من هذا قراءته أيضا: «ولا أدرأتكم به»، إلا أن له وجها مّا، وهو أن يكون أراد: «سأريكم»، ثم أشبع ضمة الهمزة فأنشأ عنها واوا، فصارت «سأوريكم» وقد جاء من هذا الإشباع الذى تنشأ عنه الحروف شئ صالح نثرا ونظما، فمن المنثور قولهم: بينا زيد قائم جاء عمرو، إنما يراد بين أوقات زيد قائم جاء فلان، فأشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفا. ومثله قول عنترة.
ينباع من ذفرى غضوب جسرة …
أراد ينبع، فأشبع فتحة الباء فنشأت عنها ألف كما ترى، على هذا حمله لنا أبو علىّ
стр. 368
سنة إحدى وأربعين. وقد قال الأصمعى مع ذلك يقال: انباع الشجاع ينباع انبياعا إذا انخرط ماضيا من الصّف.
وأخبرنا أبو على عن أحمد بن يحيى أنه قال: يقال: جئ به من حيث وليسا.
وروى الفراء عن بعضهم أنه سمعه يقول: أكلت لحما شاة، وهو يريد لحم شاة، فأشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفا، وهو اعتراض بين المضاف والمضاف إليه على ضيق الوقت وقصره بينهما. ومنه المسموع عنهم فى الصياريف والدراهيم. وأنشدنا أبو على:
وأننى حيثما يسرى الهوى بصرى … من حوثما سلكوا أثنى فأنظور
يريد فأنظره، فأشبع الضمة فأنشأ عنها واوا، هكذا رواه أبو على يسرى من سريت، ورواه ابن الأعرابى: يشرى، بالشين معجمة، أى يقلق ويحرك الهوى بصرى، وما أحسن هذه الرواية وأطرفها! وأنشد غيرهما:
عيطاء جمّاء العظام عطبول … كأن فى أنيابها القرنفول
يريد القرنفل، فإذا جاز هذا ونحوه نظما ونثرا ساغ أيضا أن يتأول لقراءة الحسن:
«سأوريكم»، أراد سأريكم وأشبع ضمة الهمزة فأنشأ عنها واوا، وهو أبو سعيد، والمأثور من فصاحته ومتعالم قوة إعرابه وعربيته! فهذا مع ما فيه من نظائره أمثل من أن يتلقى بالردّ صرفا غير منظور له ولا مسعىّ فى إقامته. وزاد فى احتمال الواو فى هذا الموضع أنه موضع وعيد وإغلاظ فمكن الصوت فيه وزاد إشباعه واعتماده، فألحقت الواو فيه لما ذكرنا.
***
﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾ (١٥٠) ومن ذلك قراءة مجاهد: «فلا تشمت بى الأعداء»، وقرأ أيضا: «فلا يشمت بى الأعداء».
стр. 369
قال أبو الفتح: الذى رويناه عن قطرب فى هذا أن قراءة مجاهد «فلا تشمت بى الأعداء» رفع-كما ترى-بفعلهم، فالظاهر أن انصرافه إلى الأعداء، ومحصوله: يا ربّ لا تشمت أنت بى الأعداء، كقراءة الجماعة.
فأما مع النصب فإنه كأنه قال: لا تشمت بى أنت يا رب، وجاز هذا كما قال الله سبحانه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ونحوه مما يجرى هذا المجرى، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلا نصب به الأعداء، فكأنه قال: لا تشمت بى الأعداء كقراءة الجماعة.
***
﴿هُدْنا إِلَيْكَ﴾ (١٥٦) ومن ذلك قراءة أبى وجزة السعدى: «هدنا إليك».
قال أبو الفتح: أما «هدنا» بضم الهاء مع الجماعة فتبنا، والهود: جمع هائد، أى تائب.
وأما «هدنا» بكسر الهاء فى هذه القراءة فمعناه انجذبنا وتحركنا، يقال: هادنى يهيدنى هيدا، أى جذبنى وحركنى، فكأنه قال: إنا هدنا أنفسنا إليك، وحركناها نحو طاعتك.
قال:
ألمّا عليها فانعيانى وانظرا … أينصتها أم لا يهيّدها ذكرى
أى: أم لا يهيجها ويهزها ذكرى، ومنه قولهم فى زجر الإبل: هيد، أى أسرعى.
قال ذو الرمة:
إذا حداهن بهيد هيد … صفحن للأزرار بالخدود
***
﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (١٥٧) ومن ذلك قال ابن رومى: حدثنى أحمد بن موسى، وحدثنى الثقة عنه أنه قرأ: «النبىّ الأمّىّ» بفتح الهمزة، يقول: يأتم به من قبله.
стр. 370
قال أبو الفتح: هذا منسوب إلى مصدر أممت الشئ أمّا، كقولك: قصدته قصدا، ثم أضيف إليه ﵇. هذا على هذا التفسير الذى سبق ذكره.
وقد يجوز مع هذا أن يكون أراد الأمّى بضم الهمزة كقراءه الجماعة، ثم لحقه تغيير النسب، كقولهم فى الإضافة إلى أميّة: أموى، بفتح الهمزة، وكقولهم فى الدّهر: دهرى، وفى الأمس إمسى، وفى الأفق أفقىّ بفتح الهمزة، وهو باب كبير واسع عنهم.
***
﴿أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾ (١٥٦) ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو الأسوارى: «أصيب به من أساء».
قال أبو الفتح: هذه القراءة أشد إفصاحا بالعدل من القراءة الفاشية التى هى: «من أشاء»؛ لأن العذاب فى القراءة الشاذة مذكور علة الاستحقاق له، وهو الإساءة، والقراءة الفاشية لا يتناول من ظاهرها علة إصابة العذاب له، وأن ذلك لشئ يرجع إلى الإنسان، وإن كنا قد أحطنا علما بأن الله تعالى لا يظلم عباده وأنه لا يعذب أحدا منهم إلا بما جناه واجترمه على نفسه، إلا أنا لم نعلم ذلك من هذه الآية، بل من أماكن غيرها. وظاهر قوله تعالى: ﴿مَنْ أَشاءُ﴾ بالشين معجمة ربما أوهم من يضعف نظره من المخالفين أنه يعذب من يشاء من عباده، أساء أو لم يسئ. نعوذ بالله من اعتقاد ما هذه سبيله، وهو حسبنا وولينا.
***
﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ (١٥٧) ومن ذلك قراءة الجحدرى وسليمان التيمى وقتادة: «وعزروه»، خفيفة الزاى.
стр. 371
قال أبو الفتح: مشهور اللغة فى ذلك: عزّرت الرجل: أى عظمته، وهو مشدد، وقد قالوا: عزرت الرجل عن الشئ بتخفيف الزاى إذا منعته عن الشئ، ومنه سمى الرجل: عزرة، فقد يجوز أن يكون «وعزروه» على هذه القراءة، أى منعوه وحجزوا ذكره عن السوء، كقوله: سبحان الله. ألا ترى أن أبا الخطاب فسره فقال: براءة الله من السوء، فبرأته من الشئ وحجزته عنه بمعنى واحد.
***
﴿عَشْرَةَ﴾ (١٦٠) ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بن سليمان: «عشرة»، وقرأ «عشرة» بفتح الشين بخلاف.
قال أبو الفتح: أما «عشرة» بكسر الشين فتميمية، وأما إسكانها فحجازية.
واعلم أن هذا موضع طريف؛ وذلك أن المشهور عن الحجازيين تحريك الثانى من الثلاثى إذا كان مضموما أو مكسورا، نحو الرسل والطنب والكبد والفخذ، ونحو ظرف وشرف وعلم وقدم. وأما بنو تميم فيسكنون الثانى من هذا ونحوه، فيقولون: رسل وكتب وكبد وفخذ، وقد طرف وقد علم، لكن القبيلتين جميعا فارقتا فى هذا الموضع من العدد معتاد لغتهما، وأخذت كل واحدة منهما لغة صاحبتها وتركت مألوف اللغة السائرة عنها، فقال أهل الحجاز: اثنتا عشرة بالإسكان، والتميميون عشرة بالكسر.
وسبب ذلك ما أذكره؛ وذلك أن العدد موضع يحدث معه ترك الأصول وتضم فيه الكلم بعضه إلى بعض، وذلك من أحد عشر إلى تسعة عشر. فلما فارقوا أصول الكلام من الإفراد وصاروا إلى الضم فارقوا أيضا أصول أوضاعهم ومألوف لغاتهم، فأسكن من كان يحرك، وحرّك من كان يسكن، كما أنهم لما حذفوا هاء حنيفة للإضافة حذفوا معها الياء، فقالوا: حنفىّ، ولما لم يكن فى حنيف هاء تحذف فتحذف لها الياء قالوا فيه: حنيفى. وكقولهم: الجاه، وأصله عندنا الوجه، فقلبوه فقدموا العين على الفاء، وكان قياسه أن يقولوا: جوه، إلا أنهم لما قلبوا شجعوا عليه فغيروا بناءه، فأصاروه من جوه إلى وجوه، فانقلبت الواو التى هى فاء فى موضع العين ألفا لانفتاح
стр. 372
ما قبلها وحركتها، فصارت جاه كما ترى. وحسّن ذلك لهم أيضا ما أذكره، وهو أنهم قد علموا أنهم إذا حركوا الواو وقبلها فتحة انقلبت ألفا وهى ساكنة كما تعلم أبدا، فصار عودهم إلى سكون الحرف مسوغا لهم تحريكه المؤدى إلى سكونه، حتى كأنهم لم يحدثوا فى الحرف حدثا.
فإن قيل: فهلا أقروا الواو على سكونها، واستغنوا بذلك عن تحريكها المؤدى إلى سكون الحرف المنقلب عنها وهو الألف.
قيل: الذى فعلوه أصنع، وذلك أنهم إذا قلبوه ألفا صار بمنزلة وجود الحركة فيه؛ لأن الألف فى نحو هذا لا تنقلب إلا عن حركة وهى مع هذا ساكنة، فاجتمع لهم فى الألف أمران:
أحدهما: تحريك الساكن لما عرض لهم هناك فى القلب على عادتهم فى إلحاق التحريف بعضه ببعض.
والآخر: سكون الألف لفظا مع ما قدمناه من اعتقاد تحريكها معنى.
وإذا أدى الحرف الساكن على خفته تأدية المحرّك على ثقله فتلك صنعة مأنوس بها معتمد مثلها، وما لحقه تغيير ما فدعا ذاك إلى إلحاقه تغييرا ثانيا كثير فى اللغة جدا، ألا ترى إلى أحد قولى سيبويه فى أينق: إن الياء فيها بدل من الواو التى هى عين فى أصل الكلمة، وذلك أن أصلها أنوق، وقد حكاها الفراء فيما رويناه عنه، فقدمت العين على الفاء فصار تقديرها أونق، فلما قدمت العين على الفاء فتوهّنت بذلك-قلبوها ياء، فقالها: أينق، وكذلك لما أعلّوا فاء الفعل من اتقى بأن أبدلوها تاء وأدغموها فى تاء افتعل أعلّوها أيضا بالحذف، فقالوا: تقى يتقى. ومثله ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
قصرت له القبيلة إذ تجهنا … وما ضاقت بشدته ذراعى
فيمن رواه بفتح الجيم، ألا ترى أن وزنه افتعلنا من الوجه اوتجهنا، فلما أبدلت الواو تاء وأدغمت فى تاء افتعل فصارت اتجه-شجعوا على أن حذفوها أيضا فقالوا:
تجه؟ فوزن تجه الآن على لفظه تعل، ومضارعه يتجه. ومثاله يتعل، وكذلك تقى فعل.
والجاه وزنه على اللفظ بسكون الألف عفل، وهو قبل القلب عفل، لأنه صار من جوه إلى جوه، وأصله الأول فعل لأنه وجه، ولولا إشفاقى من الإطالة لبسطت هذا ونحوه بسطا يونق عارفيه وأهله، وفيما ذكرنا دليل على ما أغفل.
стр. 373
وأما «اثنتا عشرة»، بفتح الشين فعلى وجه طريف، وذلك أن قوله: «اثنتى» يختص بالتأنيث، وعشرة، بفتح الشين تختص بالتذكير، وكل واحد من هذين يدفع صاحبه.
وأقرب ما تصرف هذه القراءة إليه أن يكون شبّه اثنتى عشرة بالعقود ما بين العشرة إلى المائة. ألا تراك تقول: عشرون وثلاثون، فتجد فيه لفظ التذكير ولفظ التأنيث؟ أما التذكير فالواو والنون، وأما التأنيث فقولك: ثلاث من ثلاثون، ولذلك صلحت ثلاثون إلى التسعين للمذكر والمؤنث فقلت: ثلاثون رجلا وثلاثون امرأة، وتسعون غلاما وتسعون جارية؛ فكذلك أيضا هذا الموضع.
ألا تراه قال تعالى: ﴿اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً﴾ ف «أَسْباطاً» يؤذن بالتذكير، و «أمم» يؤذن بالتأنيث. وهذا واضح.
وحسن تشبيه اثنتى عشرة برءوس العقود دون المائة من حيث كان إعراب كل واحد منهما بالحرف لا بالحركة، وذلك اثنتا عشرة واثنتى عشرة، فهذا نحو من قولهم:
عشرون وعشرين، وخمسون وخمسين، وتسعون وتسعين، فافهمه.
ومما يدلك على أن ضم أسماء العدد بعضها إلى بعض يدعو إلى تحريفها عن عادة استعمالها قولهم: أحد عشر رجلا وإحدى عشرة امرأة، وكان قياس أربع وأربعة وخمس وخمسة أن يكون هذا أحد وأحدة، أفلا ترى إلى إحدى-وهى فعلى وأصلها وحدى-كيف عاقبت فى المذكر فعلا، وهو أحد وأصله وحد؟.
فأما إحدى وعشرون إلى التسعين فإنه لّما سبق التحريف إليها فى إحدى عشرة ثبت فيها فيما بعد.
***
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (١٦١) ومن ذلك ما رواه قتادة عن الحسن: «وقولوا حطّة»، بالنصب.
قال أبو الفتح: هذا منصوب عندنا على المصدر بفعل مقدر، أى احطط عنا ذنوبنا حطّة.
قال:
واحطط إلهى بفضل منك أوزارى
стр. 374
ولا يكون «حطة» منصوبا بنفس قولوا؛ لأن قلت وبابها لا ينصب المفرد إلا أن يكون ترجمة الجملة، وذلك كأن يقول إنسان: لا إله إلا الله، فتقول أنت قلت: حقا؛ لأن قوله: لا إله إلا الله حق، ولا تقول: قلت زيدا ولا عمرا، ولا قلت قياما ولا قعودا، على أن تنصب هذين المصدرين بنفس قلت لما ذكرته.
***
﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ (١٦٣) ومن ذلك قراءة شهر بن حوشب وأبى نهيك: «يعدّون فى السّبت».
قال أبو الفتح: أراد يعتدون، فأسكن التاء ليدغمها فى الدال، ونقل فتحتها إلى العين، فصار يعدّون، وقد مضى مثله فى يخصّف.
***
﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ (١٦٥) ومن ذلك قراءة أبى جعفر وشيبة وأبى عبد الرحمن والحسن واختلف عن نافع:
«بعذاب بيس»، فعل بلا همز «وبئس»، وهى قراءة السّلمى بخلاف، ويحيى وعاصم بخلاف، والأعمش بخلاف، وعيسى الهمدانى. «بيئس» مثال فيعل ابن عباس وعاصم بخلاف. «بيئس» طلحة بن مصرّف.
стр. 375
وقرأ أبو رجاء. «بائس»، و «بيسّ» وزن فعلّ.
وقراءة نصر بن عاصم وجؤيّة بن عائذ: و «بأس»، وروى عن مالك بن دينار أيضا.
و «بيّس» وزن فعّل يروى عن نصر بن عاصم أيضا.
و «بئس» وزن فعل قراءة زيد بن ثابت و «بئس».
ومما رويت عن الحسن و «بيس»، ورويت عن نافع أيضا.
قال أبو الفتح: أما «بيس» بغير همز على وزن فعل فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون أراد مثال فعل، فيكون كما جاء من الأوصاف على فعل نحو نضو ونقض وحلف، وأصله الهمز كقراءة من قرأ «بئس» بالهمز، إلا أنه خفف فأبدل ياء فصارت «بيس» كبير وذيب، فيمن خفف.
стр. 376
والآخر: أن يكون أراد فعلا، فأصله بئس كمطر وحذر، ثم أسكن ونقل الحركة من العين إلى الفاء كالعبرة فيما كان على فعل وثانيه حرف الحلق كفخذ ونغر وجئز، فصار إلى بئس، ثم خفف فقال: بيس على ما مضى.
وأما «بئس» على فعل فجاء على قولهم: قد بئس الرجل بآسة: إذا شجع، فكأنه عذاب مقدم عليهم وغير متأخر عنهم.
وقد يجوز أيضا أن يكون «بئس» مقصورا من بئيس كالقراءة الفاشية، كما قالوا فى لبيق: لبق، وفى سميج سمج.
وأما «بيئس» على فيعل ففيه النظر، وذلك أن هذا البناء مما يختص به ما كان معتل العين كسيّد وهيّن وديّن وليّن، ولم يجئ فى الصحيح، وكأنه إنما جاء فى الهمزة لمشابهتها حرفى العلة، والشبة بينها وبينهما من وجوه كثيرة.
وأما «بيس» فى وزن جيش فطريق صنعته أنه أراد بئس، فخفف الهمزة فصارت بين بين، أى بين الهمزة والياء، فلما قاربت الياء ثقلت فيها الكسرة فأسكنها طلبا للاستخفاف. فصارت فى اللفظ ياء، كما خففوا نحو صيد البعير فقالوا: صيد وإن كانت العين فى صيد ياء محضة وكانت فى بئس همزة مخففة، إلا أنه شبهها بياء صيد لما ذكرنا من مقاربتها فى اللفظ الياء، ونحو من ذلك قول ابن ميادة:
فكان يوميذ لها حكمها
أراد يومئذ، فخفف فصارت الهمزة بين بين بهت الياء فأسكنها، فقال: يوميذ، فهذا كبيس على ما ترى.
وقد يجوز أن يكون أراد تخفيف بيئس، فصارت بيس ثم أسكن تخفيفا، كقولهم فى علم: علم، وفى كلمة كلمة، وفى فخذ فخذ، ومثال بيس على هذا فيل.
فأما بائس فاسم الفاعل من بئس على ما قدمنا ذكره.
وأما «بيس» فطريف، وظاهر أمره أن يكون جاء على ماض مثاله فيعل كهينم، ثم
стр. 377
خففت الهمزة فيه وألقيت حركتها على الياء فصار بيس، وجاز اعتقاد هذا الفعل وإن لم يظهر كأشياء تثبت تقديرا ولا تبرز استعمالا.
وأما «بيّس» بتشديد الياء وكسرها. فليس على فعّل كما ظن ابن مجاهد، بل هو على فيعل تخفيف بيئس على قول من قال فى تخفيف سوءة: سوّة، وفى تخفيف شئ:
شىّ، فأبدل الهمزة على لفظ ما قبلها، وعليه قول الشاعر:
يعجل ذا القباضة الوحيّا … أن يرفع المئزر عنه شيّا
فصار بيّس كما ترى.
وأما «بأس» فتخفيف بئس، كقولك فى سئم: سأم، وفى علم علم.
وأما «بيس» فالعمل فيه من تخفيف الهمزة ثم إسكانها فيما بعد كالعمل فى «بيس» وهو يريد الاسم وقد مضى ذلك.
وأما «بئس» فعلى الإتباع مثل فخذ وشهد. قال أبو حاتم فى قراءة بعضهم:
«بئيس» فهذا فى الصفة بمنزلة حذيم فعيل، وكذا مثّله أبو حاتم أيضا.
وحكى أبو حاتم أيضا «بئيس» كشعير وبعير، فكسر أوله لكسر الهمزة بعده.
وحكى أيضا فيها «بئّس» فعّل، وأنكرها فردها البتة، أنكر قراءة الحسن: «بئس».
وقال: لو كان كذا لما كان بدّ معها من «ما» بئسما كنعم ما.
***
стр. 378
﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (١٧٢) ومن ذلك قراءة زهير عن خصيف: «من ظهورهم ذرّيئتهم». واحدة مهموزة.
قال أبو الفتح: هذا يمنع من تأوّل الذرية فيمن لم يهمز أنها من الذّر أو من ذروت أو من ذريت، ويقطع بأنها من ذرأت، أى خلقت.
فإن قلت: فهلا أجزت أن تكون من الذّر وجعلتها فعليّة غير أنها همزت كما وجد بخط الأصمعى: قطا جؤنى.
قيل هذا من الشذوذ بحيث لا يسمع أصلا فضلا عن أن يتخذ قياسا.
***
﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ (١٦٩) ومن ذلك قراءة السّلمى: «وادّارسوا ما فيه» وعباس عن الضبى عن الأعمش:
«وادّكروا ما فيه».
قال أبو الفتح: «ادّارسوا»: تدارسوا، كقوله: ﴿اِدّارَكُوا﴾ والعمل فيهما واحد وقد تقدم.
وأما «وادّكروا» فأراد تذكروا، وهذا كقوله تعالى: ﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا﴾.
***
﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ (١٨٧) ومن ذلك قراءة السّلمى: «إيّان مرساها» بكسر الهمزة.
قال أبو الفتح: أما أيّان بفتح الهمزة ففعلان، وبكسرها فعلان والنون فيهما زائدة حملا على الأكثر فى زيادة النون فى نحو ذلك.
فإن قيل: فهلا جعلتها فعّالا من لفظ أين، قيل: يمنع من ذلك أن أيّان ظرف زمان
стр. 379
وأين ظرف مكان، لكنها ينبغى أن تكون من لفظ «أى» لما ذكرناه من اعتبار زيادة النون فى نحو هذا.
ولأن «أيا» استفهام كما أن «أيان» استفهام، وأن «أىّ» أين كانت فهى بعض من كل، والبعض لا يخص زمانا من مكان ولا جوهرا من حدث، فحملها على «أى» أولى من حملها على أين.
وقد كنا قلنا فى أى هذه: إنها من لفظ أويت ومعناه.
أما اللفظ فلأن باب طويت وشويت أضعاف باب حييت وعييت.
وأما المعنى فلأن البعض آو إلى الكل ومتساند إليه، فهى إذا من قوله:
يأوى إلى ملط له وكلكل
يصف البعير يقول: إنه يتساند بعضه إلى بعض، فهو أقوى له، فأصلها على هذا أوى، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء فصارت أىّ، كقولك: طويت الكتاب طيا وشويت اللحم شيّا.
ولو سميت رجلا بأيّان، فتحت الهمزة أو كسرتها، لم تصرفه معرفة لأنها كحمدان وعمران، وإن كسّرت ذلك الاسم على سرحان وسراحين وحومانة وحوامين قلت:
أوايين، فظهرت الواو التى هى عين أويت، كقولك فى تكسير ريّان أو جمعه على مثال مفاعيل: روايين، تظهر الواو التى هى عينه لزوال علة القلب عنها.
***
﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ (١٨٧) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «كأنّك حفىّ بها».
قال أبو الفتح: ذهب أبو الحسن فى قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ إلى أن تقديره يسألونك عنها كأنك حفى بها، فأخر «عن» وحذف الجار والمجرور للدلالة عليها، فهذا الذى قدره أبو الحسن قد أظهره ابن عباس، وحذف «عنها» لدلالة الحال عليها. ألا ترى أنه إذا كان حفيا بها فمن العرف وجارى عادة الاستعمال أن يسأل عنها، كما أنه إذا سئل عنها فليس ذلك إلا لحفاوته بها؟ وإذا لم يكن بها حفيا لم يكن عنها مسئولا، وكل واحد من حرفى الجر دلّ عليه ما صحبه فساغ حذفه، وهذا واضح.
***
стр. 380
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ (١٨٩) ومن ذلك قراءة ابن يعمر: «فمرت به»، خفيفة.
قال أبو الفتح: أصله «فمرت به» مثقلة، كقراءة الجماعة، غير أنهم حذفوا نحو هذا تخفيفا لثقل التضعيف. وحكى ابن الأعرابى فيما رويناه عنه فيما أحسب: ظنت زيدا يفعل كذا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فيمن أخذه من القرار لا من الوقار، وهذا الحذف فى المكسور أسوغ؛ لأنه اجتمع فيه مع التضعيف الكسرة وكلاهما مكروه، وهو قوله تعالى: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً﴾ أى ظللت، وقالوا مست يده أى مسستها. وقال أبو زبيد:
خلا أن العتاق من المطايا … أحسن به فهنّ إليه شوس
أراد أحسسن، وهذا وإن كان مفتوحا فإنه قد حمّل الهمزة الزائدة، فازداد ثقلا.
وقرأ: «فمارت به» بألف عبد الله بن عمرو، وهذا من مار يمور: إذا ذهب وجاء، والمعنى واحد، ومنه سمى الطريق مورا للذهاب والمجئ عليه، ومنه المور:
التراب لذلك.
وقرأ ابن عباس: «فاستمرّت به» ومعناه مرّت مكلّفة نفسها ذلك؛ لأن استفعل إنما يأتى فى أكثر الأمر لمعنى الطلب، كقولك: استطعم أى طلب الطّعم، واستوهب:
طلب الهبة، والباب على ذلك.
***
стр. 381
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (١٩٤) ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: «إن الذين تدعون من دون الله عبادا»، نصب.
«أمثالكم»، نصب.
قال أبو الفتح: ينبغى-والله أعلم-أن تكون «إن» هذه بمنزلة «ما»، فكأنه قال: ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم. فأعمل «إن»» إعمال «ما»، وفيه ضعف: لأن إن هذه لم تختص بنفى الحاضر اختصاص «ما» به، فتجرى مجرى «ليس» فى العمل، ويكون المعنى: إن هؤلاء الذين تدعون من دون الله إنما هى حجارة أو خشب، فهم أقل منكم لأنكم أنتم عقلاء، ومخاطبون، فكيف تعبدون ما هو دونكم؟.
فإن قلت: ما تصنع بقراءة الجماعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾؟ فكيف يثبت فى هذه ما نفاه فى هذه؟.
قيل: يكون تقديره أنهم مخلوقون كما أنتم أيها العباد مخلوقون، فسماهم عبادا على تشبيههم فى خلقهم بالناس كما قال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾. وكما قال:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أى: تقوم الصنعة فيه مقام تسبيحه.
***
﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ (٢٠٢) ومن ذلك قراءة الجحدرى: «يمادّونهم».
قال أبو الفتح: هو يفاعلونهم من أمددته بكذا، فكأنه قال: يعاونونهم.
***
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (٢٠٥) ومن ذلك قراءة أبى مجلز: «بالغدوّ والإيصال» بكسر الألف.
стр. 382
قال أبو الفتح: هو مصدر آصلنا فنحن مؤصلون، أى دخلنا فى وقت الأصيل. قال أبو النجم:
«فصدرت بعد أصيل المؤصل»
.
***
стр. 383
سورة الأنفال
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ (١) من ذلك قرأ ابن مسعود وسعد بن أبى وقاص وعلىّ بن الحسين وأبو جعفر محمد ابن على وزيد بن على وجعفر بن محمد وطلحة بن مصرف: «يسألونك الأنفال».
قال أبو الفتح: هذه القراءة بالنصب مؤدية عن السبب للقراءة الأخرى التى هى: «عن الأنفال»، وذلك أنهم إنما سألوه عنها تعرضا لطلبها، واستعلاما لحالها: هل يسوغ طلبها؟.
وهذه القراءة بالنصب إصراح بالتماس الأنفال وبيان عن الغرض فى السؤال عنها.
فإن قلت: فهل يحسن أن تحملها على حذف حرف الجر حتى كأنه قال: يسألونك عن الأنفال، فلما حذف عن نصب المفعول، كقوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
قيل: هذا شاذ، إنما يحمله الشعر، فأما القرآن فيختار له أفصح اللغات وإن كان قد جاء: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ ﴿وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ فإن الأظهر ما قدمناه.
***
стр. 384
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾ (٧) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين» يصل ضمة الهاء بالحاء ويسقط الهمزة.
قال أبو الفتح: هذا حذف على غير قياس، ومثله قراءة ابن كثير: «إنما لحدى الكبر»، وقد ذكرنا نحوه، وهو ضعيف القياس، والشعر أولى به من القرآن.
***
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ﴾ (٧) ومن ذلك قراءة مسلمة بن محارب: «وإذ يعدكم الله»، بإسكان الدال. قال أبو الفتح: أسكن ذلك لتوالى الحركات وثقل الضمة، وقد ذكرنا قبله مثله.
***
﴿مُرْدِفِينَ﴾ (٩) ومن ذلك قراءة رجل من أهل مكة، زعم الخليل أنه سمعه يقرأ: «مردّفين».
واختلفت الرواية عن الخليل فى هذا الحرف، فقال بعضهم: «مردّفين»، وقال آخر:
«مردّفين».
قال أبو الفتح: أصله «مرتدفين» مفتعلين من الرّدف، فآثر إدغام التاء فى الدال، فأسكنها وأدغمها فى الدال، فلما التقى ساكنان وهما الراء والدال حرك الراء لالتقاء الساكنين: فتارة ضمها إتباعا لضمة الميم، وأخرى كسرها إتباعا لكسرة الدال.
стр. 385
ومثله: ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾. ومن كسر الراء فلالتقاء الساكنين، وعليه جاء:
﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾. ويجوز فيهما أن تنقل حركة الحرف الساكن على الساكن قبله فيقول: «مردّفين»، «وجاء المعذّرون» مفعلين من الاعتذار، على قولهم: عذّر فى الحاجة:
أى قصر، وأعذر: تقدم.
***
﴿أَمَنَةً نُعاساً﴾ [آل عمران:] (١٥٤)، وأما آية الأنفال: ﴿النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال] (١١) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «أمنة نعاسا» بسكون الميم.
قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون «أمنة» مخففا من «أمنة» كقراءة الجماعة، من قبل أن المفتوح فى نحو هذا لا يسكن كما يسكن المضموم فى المكسور لخفة الفتحة. وأما قوله:
وما كل مبتاع ولو سلف صفقه … براجع ما قد فاته برداد
قال أبو الفتح: فشاذ. على أننا قد ذكرنا وجه الصنعة فى كتابنا الموسوم بالمنصف.
***
﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١١) ومن ذلك قراءة الناس: ﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ وقرأ الشعبى: «ما ليطهركم به» على معنى الذى به.
قال أبو الفتح: ما هاهنا موصولة، وصلها حرف الجر بما جره، وكأنه قال: ما
стр. 386
للطّهور، كقولك: كسوته الثوب الذى لدفع البرد، ودفعت إليه المال الذى للجهاد، واشتريت الغلام الذى للقتال.
ألا ترى أن تقديره وينزّل عليكم من السماء الماء الذى لأن يطهّركم به، أى الماء الذى لطهارتكم أو لتطهيركم به. وهذه اللام فى قراءة الجماعة: ﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ هى لام المفعول له، كقوله: زرتك لتكرمنى، وهى متعلقة بزرتك، ولا ضمير فيها لتعلقها بالظاهر.
فهى كقوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾، فهى كما ترى متعلقة بنفس «فَتَحْنا» تعلق حرف الجر بالفعل قبله.
وأما اللام فى قراءة من قرأ: «ما ليطهّركم به»، أى الذى للطهارة به، فمتعلقة بمحذوف، كقولك: دفعت إليه المال الذى له، أى استقر أو ثبت له، وفيها ضمير لتعلقها بالمحذوف.
وأما لام المفعول له فلا تكون إلا متعلقة بالظاهر نحو زرته ليكرمنى وأعطيته ليشكرنى، أو بظاهر يقوم مقام الفعل كقولك: المال لزيد لينتفع به، فاللام فى «لزيد» متعلقة بمحذوف على ما مضى، والتى فى قولك: لينتفع به هى لام المفعول له، وهى متعلقة بنفس قولك: لزيد تعلقها بالظرف النائب عن المحذوف فى نحو قولك: أزيد عندك لتنتفع بحضوره؟ وزيد بين يديك ليؤنسك.
فاللام هنا متعلقة بنفس الظرفين اللذين هما عندك وبين يديك.
وعلى كل حال فمعنى القراءة: ﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، والقراءة بقوله: «ما ليطهّركم به»، يرجعان إلى شئ واحد، إلا أن أشدّهما إفصاحا بأن الماء أنزل للتطهر به هى قراءة من قرأ: ﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾؛ لأن فيه تصريحا بأن الماء أنزل للطهارة، وتلك القراءة الشاذة إنما يعلم أنه أنزل للطهارة به، فالقراءة الأخرى وبغيرها-مما فيه إصراح بذلك.
وعلى كل حال فلام المفعول له لا تتعلق بمحذوف أبدا، إنما تعلّقها بالظاهر، فعلا كان أو غيره مما يقام مقامه.
***
стр. 387
﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ (١١) ومن ذلك قراءة أبى العالية: «رجس الشيطان»، بالسين.
قال أبو الفتح: كل شئ يستقذر عندهم فهو رجس، كالخنزير ونحوه.
وفيما قرئ على أبى العباس أحمد بن يحيى قال: الرجس فى القرآن: العذاب، كالرجز. ورجس الشيطان: وسوسته وهمزه ونحو ذلك من أمره. والرجز: عبادة الأوثان، ويقال: هو إثم الشرك كله.
وقرئ: «والرّجز والرّجز»، جميعا «فاهجر». قال: وقال بعضهم: أراد به الصنم.
قال: وكل عذاب أنزل على قوم فهو رجز، ووسواس الشيطان رجز. وقد ترى إلى تزاحم السين والزاى فى هذا الموضع، فقراءة الجماعة: ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ معناه كمعنى رجس الشيطان. وقد نبهنا فى كتابنا المعروف بالخصائص من هذه الطريق فى تزاحم الحروف المتقاربة ما فى بعضه كل مقنع بمشيئة الله.
***
стр. 388
﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة الحسن والزهرى «بين المرّ وقلبه».
قال أبو الفتح: وجه الصنعة فى هذا أنه خفف الهمزة فى «المرء» وألقى حركتها على الراء قبلها، فصارت بين المر وقلبه، ثم نوى الوقف فأسكن وثقل الراء على لغة من قال فى الوقف: هذا خالدّ وهو يجعلّ، ثم أطلق ووصل على نية الوقف، فأقر التثقيل بحاله على إرادة الوقف.
وعليه قوله، أنشدناه أبو على:
ببازل وجناء أو عيهلّ …
стр. 389
يريد العيهل فنوى الوقف فثقّل، ثم أطلق وهو يريد الوقف. ومثله ما قرأناه على أبى بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى:
ومقلتان جونتا المكحلّ
يريد المكحل. وأول هذه القصيدة:
ليت شبابى عاد للأوّلّ … وغضّ عيش قد خلا أرغلّ
وفيها أشياء من هذا الطراز كثيرة، فكذلك «المرّ» على هذا.
وقراءة الجماعة من بعد أقوى وأحسن، لأنّ هذا من أغراض الشعر لا القرآن.
***
﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٢٥) ومن ذلك قراءة العامة: «لا تصيبن الذّين ظلموا»، وقراءة على وزيد بن ثابت وأبى جعفر محمد بن على والربيع بن أنس وأبى العالية وابن جمّاز: «لتصيبنّ».
قال أبو الفتح: معنيا هاتين القراءتين ضدان كما ترى؛ لأن إحداهما ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، والأخرى: «لتصيبنّ» هؤلاء بأعيانهم خاصة. وإذا تباعد معنيا قراءتين هذا التباعد وأمكن أن يجمع بينهما كان ذلك جميلا وحسنا، ولا يجوز أن
стр. 390
يراد زيادة «لا» من قبل أنه كان ويصير معناه: واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، فليس هذا عندنا من مواضع دخول النون، ألا تراك لا تقول: ضربت رجلا يدخلنّ المسجد؟ هذا خطأ لا يقال، ولكن أقرب ما يصرف إليه الأمر فى تلافى معنيى القراءتين أن يكون يراد لا تصيبنّ، ثم يحذف الألف من «لا» تخفيفا واكتفاء بالفتحة منها، فقد فعلت العرب هذا فى أخت «لا» وهى «أما».
من ذلك ما حكاه محمد بن الحسن من قول بعضهم: أم والله ليكوننّ كذا، فحذف ألف أما تخفيفا، وأنشد أبو الحسن وابن الأعرابى وغيرهما:
فلست بمدرك ما فات منى … بلهف ولا بليت ولا لو انى
يريد بلهفا، فحذف الألف.
وذهب أبو عثمان فى قول الله سبحانه: «يا أَبَتِ»، فيمن فتح التاء أنه أراد يا أبتا، فحذف الألف تخفيفا. وأنشدوا:
قد وردت من أمكنه … من هاهنا ومن هنه
إن لم أروّها فمه …
يريد: إن لم أروها فما أصنع؟ أو فما مغناى؟ أو فما مقدارى؟ فحذف الألف. وألحق الهاء لبيان الحركة، وروينا عن قطرب.
следующие страницы →