← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 704

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Полный текст (896 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فإن قال قائل: هذا جائز فى الألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا، فهل يجوز أيضا إذا اختلفت المعانى؟. قيل له: الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضاد «فاختلاف التضاد» لا يجوز، ولست واجده بحمد الله فى شئ من القرآن إلا فى الأمر والنهى من الناسخ والمنسوخ. «واختلاف التغاير» جائز، وذلك مثل قوله: وادكر بعد أمة أى بعد نسيان له، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان؛ لأنه ذكر أمر «يوسف» بعد حين وبعد نسيان له، فأنزل الله على لسان نبيه، ﷺ بالمعنيين جميعا فى غرضين. وكقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أى تقبلونه وتقولونه، و «تلقونه» من الولق، وهو الكذب، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان؛ لأنهم قبلوه وقالوه، وهو كذب، فأنزل الله على نبيه بالمعنيين جميعا فى غرضين. وكقوله: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ على طريق الدعاء، و «ربّنا باعد بين أسفارنا» على جهة الخبر، والمعنيان وإن اختلفا صحيحان؛ لأن أهل سبأ سألوا الله أن يفرقهم فى البلاد فقالوا: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ فلما فرقهم الله فى البلاد، و «باعد بين أسفارهم»، قالوا: ربنا باعد بين أسفارنا، وأجابنا إلى ما سألنا، فحكى الله سبحانه عنهم بالمعنيين فى غرضين. وكذلك قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ و «لقد علمت ما أنزل هؤلاء» لأن فرعون قال لموسى: إن آياتك التى أتيت بها سحر. فقال موسى مرة: لقد علمت ما هى سحر، ولكنها بصائر. وقال مرة: لقد علمت أنت أيضا ما هى سحر، وما هى إلا بصائر. فأنزل الله المعنيين جميعا. وقوله: «وأعتدت لهن متكئا» وهو الطعام، و «أعتدت لهن متكا» وهو الأترجّ، ويقال: الزّماورد، فدلت هذه القراءة على معنى ذلك الطعام، وأنزل الله بالمعنيين جميعا. وكذلك «ننشرها» ﴿نُنْشِزُها﴾؛ لأن الإنشار: الإحياء، والإنشاز هو: التحريك للنقل، والحياة حركة، فلا فرق بينهما. وكذلك: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ و «فرغ»؛ لأن فزع: خفف عنها الفزع، وفرغ: فرغ عنها الفزع. وكل ما فى القرآن من تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصا، فعلى مثل هذه السبيل. *** فإن قال قائل: فهل يجوز لنا أن نقرأ بجميع هذه الوجوه ؟: قيل له: كل ما كان منها موافقا لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه-جاز لنا أن نقرأ به. وليس لنا ذلك فيما خالفه؛ لأن المتقدمين من الصحابة والتابعين، قرأوا بلغاتهم، وجروا

стр. 37

على عادتهم، فكان ذلك جائزا لهم، ولقوم من القراء بعدهم مأمونين على التنزيل، عارفين بالتأويل؛ فأما نحن معشر المتكلفين، فقد جمعنا الله بحسن اختيار السلف لنا على مصحف هو آخر العرض، وليس لنا أن نعدوه، كما كان لهم أن يفسروه، وليس لنا أن نفسره. ولو جاز لنا أن نقرأه بخلاف ما ثبت فى مصحفنا، لجاز أن نكتبه على الاختلاف والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، وهناك يقع ما كرهه لنا الأئمة الموفقون، رحمة الله عليهم. وأما نقصان «مصحف عبد الله» بحذفه «أم الكتاب» و «المعوذتين» وزيادة «أبى» سورتى القنوت-فإنا لا نقول: إن «عبد الله» و «أبيا» أصابا وأخطأ المهاجرون والأنصار، ولكن «عبد الله» ذهب فيما يرى أهل النظر إلى أن «المعوذتين» كانتا كالعوذة والرقية وغيرها، وكان يرى رسول الله ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين وغيرهما، كما كان يعوذ بأعوذ بكلمات الله التامة، وغير ذلك، فظن أنهما ليستا من القرآن، وأقام على ظنه ومخالفة الصحابة جميعا كما أقام على التطبيق. وأقام «غيره» على الفتيا بالمتعة، والصرف. ورأى «آخر» أكل البرد وهو صائم. ورآى «آخر» أكل السحور بعد طلوع الفجر الثانى. وأشباه هذا كثيرة. وإلى نحو هذا ذهب «أبى» فى «دعاء القنوت»؛ لأنه رأى رسول الله ﷺ يدعو به فى الصلاة دائما، فظن أنه من القرآن، وأقام على ظنه، ومخالفة الصحابة. *** وأما «فاتحة الكتاب» فإنى أشك فيما روى عن «عبد الله» من تركه إثباتها فى مصحفه، فإن كان هذا محفوظا، فليس يجوز لمسلم أن يظن به الجهل بأنها من القرآن، وكيف يظن به ذلك وهو من أشد الصحابة عناية بالقرآن وأحد الستة الذين انتهى إليهم العلم، والنبى ﷺ يقول: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه قراءة ابن أم عبد». وعمر يقول فيه: «كنيف ملئ علما» وهو مع هذا متقدم الإسلام بدرى لم يزل يسمع رسول الله ﷺ يؤم بها، وقال: «لا صلاة إلا بسورة الحمد» وهى السبع المثانى، وأم الكتاب، أى أعظمه وأقدم ما نزل منه، كما سميت مكة أم القرى؛ لأنها أقدمها قال الله : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾. ولكنه ذهب فيما يظن أهل النظر إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين؛ مخافة الشك والنسيان، والزيادة والنقصان، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد لقصرها ولأنها تثنى فى كل صلاة وكل ركعة، وأنه لا يجوز لأحد من المسلمين ترك تعلمها وحفظها كما يجوز ترك تعلم غيرها وحفظه.

стр. 38

فلما أمن عليها العلة التى من أجلها كتب المصحف ترك كتابتها وهو يعلم أنها من القرآن. ولو أن رجلا كتب فى المصحف سورا، وترك سورا لم يكتبها، لم نر عليه فى ذلك وكفا إن شاء الله تعالى. *** باب ما ادعى على القرآن من اللحن: وأما ما تعلقوا به من «حديث عائشة» رضى الله عنها فى غلط الكاتب، و «حديث عثمان» رضى الله عنه: أرى فيه لحنا-فقد تكلم النحويون فى هذه الحروف، واعتلوا لكل حرف منها، واستشهدوا الشعر: فقالوا: فى قوله سبحانه: ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ وهى لغة بلحرث بن كعب يقولون: مررت برجلان، وقبضت منه درهمان، وجلست بين يداه، وركبت علاه. وأنشدوا: أى قلوص راكب تراها … طاروا علاهن فطر علاها على أن القراء قد اختلفوا فى قراءة هذا الحرف: فقرأه «أبو عمرو بن العلاء»، و «عيسى بن عمر»: «إنّ هذين لساحران» وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب كما قالت «عائشة». وكان «عاصم الجحدرى» يكتب هذه الأحرف الثلاثة فى مصحفه على مثالها فى الإمام، فإذا قرأها، قرأ: «إنّ هذين لساحران»، وقرأ: «والمقيمون الصّلاة»، وقرأ: «إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والصّابئين». وكان يقرأ أيضا فى سورة البقرة: «والصابرون فى البأساء والضراء» ويكتبها: «الصّابرين». وإنما فرق بين القراءة والكتاب؛ لقول «عثمان» ﵀: «أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها» فأقامه بلسانه، وترك الرسم على حاله. وكان «الحجاج» وكل «عاصما» و «ناجية بن رمح» و «على بن أصمع» بتتبع المصاحف، وأمرهم أن يقطعوا كل مصحف وجدوه مخالفا لمصحف عثمان، ويعطوا صاحبه ستين درهما. خبرنى بذلك «أبو حاتم» عن «الأصمعى» قال: وفى ذلك يقول «الشاعر»: وإلا رسوم لدار قفر كأنها … كتاب محاه الباهلى بن أصمعا وقرأ بعضهم: «إن هذان لساحران» اعتبارا بقراءة «أبى» لأنها فى مصحفه: «إن ذان إلا ساحران» وفى مصحف «عبد الله»: «وأسرّوا النّجوى إن هذان ساحران» منصوبة الألف بجعل: «إن هذان» تبيينا للنجوى.

стр. 39

وقالوا فى نصب «المقيمين» بأقاويل: قال بعضهم: أراد بما أنزل إليك وإلى المقيمين. وقال بعضهم: وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين. وكان «الكسائى» يرده إلى قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أى: ويؤمنون بالمقيمين، واعتبره بقوله فى موضع آخر: ﴿يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أى بالمؤمنين. وقال بعضهم: هو نصب على المدح. قال «أبو عبيدة» هو نصب على تطاول الكلام بالنسق، وأنشد «للخرنق بنت هفان»: لا يبعدن قومى الذين هم … سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك … والطيبون معاقد الأزر ومما يشبه هذه الحروف-ولم يذكروه-قوله فى سورة البقرة: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾. و «القراء» جميعا على نصب «الصابرين» إلا «عاصما الجحدرى» فإنه كان يرفع الحرف إذا قرأه، وينصبه إذا كتبه؛ للعلة التى تقدم ذكرها. واعتل «أصحاب النحو» للحرف، فقال «بعضهم»: هو نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح والذم، كأنهم ينوون إفراد الممدوح بمدح مجدد غير متبع لأول الكلام، كذلك قال «الفراء». وقال «بعضهم»: أراد: «وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين والصابرين فى البأساء والضراء». وهذا وجه حسن؛ لأن البأساء: الفقر، ومنه قول الله : ﴿وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾. والضراء: البلاء فى البدن، من الزمانة والعلة. فكأنه قال: وآتى المال على حبه السائلين الطوافين، والصابرين على الفقر والضر الذين لا يسألون ولا يشكون، وجعل «الموفين» وسطا بين المعطين نسقا على «من آمن بالله». *** ومن ذلك قوله فى سورة الأنبياء: «كذلك نجى المؤمنين» كتبت فى المصاحف بنون واحدة، وقرأها «القراء» جميعا «ننجى» بنونين إلا «عاصم بن أبى النجود» فإنه كان يقرؤها بنون واحدة، ويخالف «القراء» جميعا، ويرسل الياء فيها على مثال «فعل». فأما من قرأها بنونين، وخالف الكتاب، فإنه اعتل بأن النون تخفى عند الجيم، فأسقطها كاتب المصحف لخفائها، ونيته إثباتها. واعتل بعض النحويين «لعاصم» فقالوا: أضمر المصدر، كأنه قال: نجى النجاء المؤمنين، كما تقول: ضرب الضرب زيدا، ثم تضمر الضرب، فتقول: ضرب زيدا.

стр. 40

وكان «أبو عبيد» يختار فى هذا الحرف مذهب «عاصم» كراهية أن يخالف الكتاب، ويستشهد عليه «حرفا» فى سورة الجاثية، كان يقرأ به «أبو جعفر المدنى»، وهو قوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أى ليجزى الجزاء قوما. وأنشدنى بعض النحويين: ولو ولدت فقيرة جرو كلب … لسب بذلك الجرو الكلابا *** ومن ذلك: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أكثر القراء يقرأون: «فأصّدّق أكن» بغير واو. واعتل «بعض النحويين» فى ذلك بأنها محمولة على «موضع» فأصدق، لو لم يكن فيه الفاء، وموضعه جزم، وأنشد: فأبلونى بليتكم لعلى … أصالحكم وأستدرج نويا فجزم «وأستدرج»، وحمله على موضع «أصالحكم» لو لم يكن قبلها: «لعلى» كأنه قال: فأبلونى بليتكم أصالحكم وأستدرج. وكان «أبو عمرو بن العلاء» يقرأ: «فأصّدّق وأكون» بالنصب، ويذهب إلى أن الكاتب أسقط الواو، كما تسقط حروف المد واللين فى «كلمون» وأشباه ذلك. *** وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو أن تكون غلطا من الكاتب، كما ذكرت «عائشة» رضى الله عنها. فإن كانت على مذاهب النحويين، فليس هاهنا لحن بحمد الله. وإن كانت خطأ فى الكتاب، فليس على رسوله ﷺ جناية الكاتب فى الخط. ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن، لرجع عليه كل خطأ وقع فى كتابة المصحف من طريق التهجى: فقد كتب فى الإمام: «إن هذن لساحران» بحذف ألف التثنية. وكذلك «ألف التثنية» تحذف فى هجاء هذا المصحف فى كل مكان، مثل: «قال رجلن» و «آخرن يقومان مقامهما» وكتب كتاب المصحف: الصلوة والزكوة والحيوة، بالواو، واتبعناهم فى هذه الحروف خاصة على التيمن بهم، ونحن لا نكتب: «القطاة والقناة والقلاة» إلا بالألف، ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه. وكتبوا «الربو» بالواو، وكتبوا: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فمال بلام منفردة. وكتبوا: «ولقد جاءك من نبأى المرسلين» بالياء «أو من ورائى حجاب» بالياء فى الحرفين جميعا، كأنهما مضافان، ولا ياء فيهما، إنما هى مكسورة.

стр. 41

وكتبوا: «أم لهم شركو» و «فقال الضعفو» بواو، ولا ألف قبلها. وكتبوا: «أو أن نفعل فى أموالنا ما نشاو» بواو بعد الألف، وفى موضع آخر ﴿ما نَشاءُ﴾ بغير واو، ولا فرق بينهما. وكتبوا: «أولا أذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين» بزيادة ألف. وكذلك «ولا أوضعوا خلالكم» بزيادة ألف بعد لام ألف. وهذا أكثر فى المصحف من أن نستقصيه. وكذلك لحن اللاحنين من القراء المتأخرين، لا يجعل حجة على الكتاب. وقد كان الناس قديما يقرأون بلغاتهم كما أعلمتك. ثم خلف قوم بعد قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة، ولا علم التكلف، فهفوا فى كثير من الحروف وزلوا وقرأوا بالشاذ وأخلوا. منهم «رجل» ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقربه من القلوب بالدين. لم أر فيمن تتبعت وجوه قراءته أكثر تخليطا، ولا أشد اضطرابا منه؛ لأنه يستعمل فى الحرف ما يدعه فى نظيره، ثم يؤصل أصلا ويخالف إلى غيره لغير ما علة. ويختار فى كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة. هذا إلى نبذه فى قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، بإفراطه فى المد والهمز والإشباع، وإفحاشه فى الإضجاع والإدغام، وحمله المتعلمين على المركب الصعب، وتعسيره على الأمة ما يسره الله، وتضيقه ما فسحه. ومن العجب أنه يقرئ الناس بهذه المذاهب، ويكره الصلاة بها!. ففى أى موضع تستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها؟!. وكان «ابن عيينة» يرى لمن قرأ فى صلاته بحرفه، أو ائتم بقراءته: أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين منهم «بشر بن الحارث» «وأحمد بن حنبل». وقد شغفت بقراءته عوام الناس وسوقتهم، وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها، فإذا رأوه قد اختلف فى أم الكتاب عشرا، وفى مائة آية شهرا، وفى السبع الطوال حولا، ورأوه عند قراءته مائل الشدقين، دار الوريدين، راشح الجبينين-توهموا أن ذلك لفضيلة فى القراءة وحذق بها. وليس هكذا كانت قراءة رسول الله ﷺ ولا خيار السلف ولا التابعين؛ ولا القراء العالمين؛ بل كانت قراءتهم سهلة رسلة. وهكذا نختار لقراء القرآن فى أورادهم ومحاريبهم. فأما الغلام الريض والمستأنف للتعلم، فنختار له أن يؤخذ بالتحقيق عليه، من غير إفحاش فى مد أو همز أو إدغام؛ لأن فى ذلك تذليلا للسان، وإطلاقا من الحبسة، وحلا للعقدة.

стр. 42

وما أقل من سلم من هذه الطبقة فى حرفه من الغلط والوهم: فقد قرأ «بعض المتقدمين»: «ما تلوته عليكم ولا أدرأتكم به» فهمز، وإنما هو من دريت بكذا وكذا. وقرأ: «وما تنزّلت به الشّياطون» توهم أنه جمع بالواو والنون. وقرأ آخر: «فلا تشمت بى الأعداء» بفتح التاء، وكسر الميم، ونصب الأعداء. وإنما هو من: أشمت الله العدو فهو يشمته، ولا يقال: شمت الله العدو. وقال: «الأعمش» قرأت عند «إبراهيم» «وطلحة بن مصرف»: «قال لمن حوله ألا تستمعون»، فقال: «إبراهيم» ما تزال تأتينا بحرف أشنع! إنما هو: «لمن حوله» واستشهد «طلحة» فقال مثل قوله. قال «الأعمش»: فقلت لهما: لحنتما، لا أقاعد كما بعد اليوم. وقرأ «يحيى بن وثاب»: «وإن تلوا أو تعرضوا» من الولاية. ولا وجه للولاية هاهنا، إنما هى تلووا-بواوين-من ليك فى الشهادة وميلك إلى أحد الخصمين عن الآخر. قال الله : ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ﴾ واتبعه على هذه القراءة «الأعمش» و «حمزة». وقرأ «الأعمش»: «وما أنتم بمصرخىّ» بكسر الياء، كأنه ظن أن الباء تخفض الحرف كله، واتبعه على ذلك «حمزة». وقرأ «حمزة»: «ومكر السّئ ولا يحيق المكر السّيئ إلا بأهله» فجزم الحرف الأول، والجزم لا يدخل الأسماء، وأعرب الآخر وهو مثله. وقرأ «نافع»: «فبم تبشّرون» بكسر النون. ولو أريد بها الوجه الذى ذهب إليه، لكانت «فبم تبشّروننى» بنونين؛ لأنها فى موضع رفع. وقرأ «حمزة»: «ولا يحسبنّ الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون» بالياء. ولو أريد بها الوجه الذى ذهب إليه لكانت: «ولا يحسبنّ الذين كفروا أنهم سبقوا إنهم لا يعجزون». وهذا يكثر. *** ابن جنى ومؤلفاته نسبة ابن جنى: هو عثمان ابن جنى، كان أبوه روميّا يونانيّا، وكان مملوكا ل «سليمان بن فهد بن أحمد

стр. 43

الأزدى»؛ لذلك ينسب ابن جنى أزديّا بالولاء، قال فى آخر كتابه «المنصف»: «قال أبو الفتح عثمان بن جنى الأزدى». وجنّى، بكسر الجيم وكسر النون مشددة وسكون الياء، فلا تشدد الياء كياء النسب؛ إذ ليست بها. وفى «حاشية الشمنى على المغنى» بعد أن أورد ترجمة ابن جنّى: «وفى الشرح فى غير هذا الموضع: هو بإسكان الياء، وليس منسوبا، وإنما هو معرب. كذا فى شرح المفصل للاسفندارى». وإعراب جنى على الحكاية لحالها فى العجميّة، فلا تعامل فى الإعراب معاملة الكلمات العربية؛ وذلك أنها لو ذهب بها هذا المذهب فعوملت معاملة المنقوص لقيل: ابن جنّ فتضيع صورة العلم، ويلتبس الأمر بالجنّ، فمن ثم أبقيت كما هى حفاظا على صورتها. وقد جاء من الأعلام على نسق جنّى: حنّى. ويقول ابن ماكولا فى كتابه: «وأما حنّى-بكسر الحاء المهملة وتشديد النون الممالة- فهو أبو الحسن علىّ بن أبى بكر ابن أحمد بن علىّ بن يحيى البيع البغدادى، يعرف بابن حنى. حدث عن ابن رزقويه»، وذكر أن مولده فى سنة ست وثمانين وثلاثمائة. وقد ذكر صاحب القاموس فى «حنن» هذا الاسم، وذكر أيضا آخر يعرف بابن حنى. *** مولده: ولد ابن جنى فى الموصل، ويقول من ترجم له: إنه ولد قبل الثلاثين والثلاثمائة من الهجرة، ولا يعينون مولده بعد هذا، إلا أبا الفداء فى المختصر، يذكر أن وفاته سنة ٣٠٢ هـ. ويقول ابن قاضى شهبة فى طبقات النحاة: إنه توفى وهو فى سن السبعين. فإذا أخذ بهذا وروعى أن وفاته كانت فى سنة ٣٩٢ هـ، فإن ولادته تكون فى سنة ٣٢٢ هـ أو سنة ٣٢١ هـ. ويذكر الرواة أنه صحب أبا على الفارسى أستاذه أربعين سنة بعد اتصاله به على أثر حادثة مسجد الموصل-وستأتى قصتها-وكانت هذه الحادثة سنة ٣٣٧ هـ، فإذا وضع تاريخ ولادته فى سنة ٣٢٢ هـ، كانت سنه عندئذ خمس عشرة سنة. وقول ابن قاضى شهبة: إنه توفى فى سن السبعين، قد يكون «السبعون» فيه محرفة عن التسعين. ويرى بعض الكاتبين عنه من علماء المشرقيات أن ولادته كانت سنة ٣٢٠ هـ، وهذا قريب مما ذكرت. وبعض هؤلاء جعل مولده سنة ٣٠٠ هـ، وهذا قريب مما جاء فى رواية أبى الفداء. ***

стр. 44

نشأته: نشأ ابن جنى بالموصل، وتلقى مبادئ التعلم فيها. وقد أخذ النحو عن أحمد بن محمد الموصلى الشافعى المعروف بالأخفش. ويذكر ابن خلكان أنه قرأ الأدب فى صباه على أبى علىّ الفارسى. ويقول ابن ماكولا: سمع جماعة من المواصلة والبغداديين. ويذكر أنه فى بدء اتصاله بأستاذه: أن أبا الفتح كان يدرس العربية فى جامع الموصل وهو شاب، فمر به أبو على، فوجده يتكلم فى مسألة قلب الواو ألفا، فى نحو قال وقام، فاعترض عليه أبو على، فوجده مقصرا، ونبهه على الصواب، وقال له: تزّببت وأنت حصرم!. فتبع أبا علىّ، حتى نبغ بسبب صحبته إياه، وبلغ من أمره ما بلغ. وكأن خطأه أمام أستاذه فى مسألة قلب الواو ألفا كان سببا فى عنايته بها. وتراه فى الخصائص يعرض لها فى أكثر من موضع، ومن ذلك ما جاء فى ج ١٤٥/ ١، ١٥٣، وإن كان الكلام كان أيضا فى قلب الياء ألفا، وهما من واد واحد. وتكاد الروايات تتفق على أن ابن جنى لم يكن يعرف أبا علىّ قبل هذه الحادثة. وفى ياقوت بعد أن ذكر سؤال أبى علىّ له فى مسألة التصريف متحدثا عن ابن جنّى: «فسأل عنه، فقيل له: هذا أبو علىّ الفارسى». وفى هذا بيان أنه لم يلقه قبل هذا. ولم يشذ عن هذا-فيما علمت-إلا ابن خلكان، فهو يقول: «قرأ الأدب على الشيخ أبى علىّ الفارسىّ المقدّم ذكره فى حرف الحاء وفارقه. وقعد للإقراء بالموصل، فاجتاز به شيخه أبو علىّ، فجلس فى حلقته والناس حوله يشتغلون عليه، فقال له: «تزببت، وأنت حصرم!». فترك حلقته وتبعه حتى تمهر». ويذكرنا عجز ابن جنى عن الجواب على ما أورده عليه أبو على من الاعتراض فى مسألة التصريف التى كان يتكلم فيها بحادثة لأبى على مع نحوىّ موصلى. وكأنما ثأر أبو علىّ يوما مع محمد بن سعيد البصير الموصلى العروضى النحوى عند أبى بكر بن شقير. فقال محمد بن سعيد لأبى على: فى أى شئ تنظر يا فتى؟. فقال: فى التصريف. فجعل يلقى عليه من المسائل على مذهب البصريين والكوفيين حتى ضجر منه أبو علىّ، فهرب منه إلى النوم، فقال: هربت يا فتى! قال: نعم، هربت. ويؤرخ الرواة اجتياز أبى على بالموصل بسنة ٣٣٧ هـ. وقد كان أبو على جوالا بالبلاد. ولكن الباحث يسأل: فيم كان اجتيازه بالموصل؟ فهل كان ذلك لعلم يتلقاه، أو رواية يسمعها؟. وأغلب الظن عندى أنه كان مع معز الدولة البويهى، فقد أغار على الموصل فى هذا

стр. 45

التاريخ، وهاجم الحمدانيين. وكان أبو علىّ على اتصال وثيق بآل بويه. وكان أكثر اتصاله بعضد الدولة، حتى إن عضد الدولة كان يذكر عن نفسه أنه غلام أبى علىّ. وقد يكون من دواعى هذه الصلة الاشتراك فى الانتساب إلى الفرس، ومعرفة الفارسية، فقد كان أبو على يعرفها، كما يذكر تلميذه أبو الفتح. ويبدو أنه كان يصحب آل بويه فى حروبهم؛ ففى البغية فى ترجمة أبى علىّ: أن عضد الدولة لما تهيأ لقتال ابن عمه دخل عليه أبو علىّ، فقال له عضد الدولة: ما رأيك فى صحبتنا؟. فقال له أبو علىّ: أنا من رجال الدعاء، لا من رجال اللقاء. ولولا أن أبا علىّ من عادته أن يصحب عضد الدولة فى مثل هذا الوجه لما عرض عليه هذا العرض. ويبدو أن اعتذار أبى علىّ عن صحبة عضد الدولة؛ لأنه كان يقصد حرب رجل من أسرة آل بويه، وهو لا يبغى أن يحمل أحد منهم حقدا عليه وضغنا نحوه. وتجمع الروايات على أن أبا الفتح صحب أبا على بعد سنة ٣٣٧ هـ، ولازمه فى السفر والحضر، وأخذ عنه، وصنف كتبه فى حياة أستاذه، فاستجادها ووقعت عنده موقع القبول. وهو كثير الاعتزار بأبى علىّ، كثير الرواية عنه فى كتبه. وهو يثنى عليه الثناء الجيد. ويقول فى «الخصائص ٢٠٨/ ١»: وقلت مرة لأبى بكر أحمد بن علىّ الرازى-﵀ -وقد أفضنا فى ذكر أبى علىّ ونبل قدره، ونباوة محله: أحسب أن أبا على قد خطر له وانتزع من علل هذا العلم ثلث ما وقع لجميع أصحابنا. فأصغى أبو بكر إليه، ولم يتبشع هذا القول عليه؛ وهو يريد بالعلم علم العربية. ويقول أيضا فى «الخصائص ٢٧٦/ ١» فى أبى علىّ: «ولله هو، وعليه رحمته! فما كان أقوى قياسه، وأشد بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه! مع جلة أصحابها، وأعيان شيوخها سبعين سنة، زائحة علله، ساقطة عنه كلفه، وجعله همه وسدمه، لا يعتاقه عنه ولد، ولا يعارضه فيه متجر، ولا يسوم به مطلبا، وقد حط عنه أثقاله، وألقى عصا ترحاله». ويشبه ابن جنى فى نقله فى كتبه علم أبى علىّ، سيبويه فى نقله علم الخليل. على أن ابن جنى كثيرا ما يذكر أن أستاذه كان يسأله فى بعض المسائل، ويرجع إلى رأيه فيها، وأن أبا علىّ كان يقتنع بعلم ابن جنى فى بعض الأمور فيدون رأيه فى كتبه. فهو يقول فى الخصائص ٣٦٥/ ١: «وقلت مرة لأبى علىّ، ﵀: قد حضرنى شئ فى علة الإتباع فى نقيذ، وأن تكون عينه حلقية؛ وهو قرب القاف فى الخاء والغين. فكما جاء عنهم النخير والرغيف كذلك جاء عنهم النقيذ. فجاز أن تشبه القاف لقربها من حروف الحلق بها، كما شبه من أخفى النون عند الخاء والغين إياهما بحروف الفم. فالنقيذ فى الإتباع كالمنخل والمنغل فيمن أخفى النون. فرضيه وتقبله. ثم جاء فيما بعد بخطه فى تذكرته».

стр. 46

ويقول فى الخصائص فى «باب فيما يرد عن العربىّ مخالفا لما عليه الجمهور»: «ودخلت يوما على أبى علىّ-﵀-خاليا فى آخر النهار، فحين رآنى قال لى: أين كنت؟ أنا أطلبك. قلت: وما ذلك؟ قال: ما تقول فيما جاء عنهم من حوريت؟ فخضنا معا فيه، فلم نحل بطائل منه. فقال: هو من لغة اليمن، ومخالف للغة ابنى نزار، فلا ينكر أن يجئ مخالفا لأمثلتهم». وقد ينهج فى تأليفه منهجا غير منهج شيخه أحرى عنده بالاتباع. وقد ألف أبو علىّ «الحجة» فى توجيه القراءات السبعة، وألف ابن جنى «المحتسب» فى توجيه الشواذ من القراءات، ويقول فى خطبة هذا الكتاب: «إلا أننا-مع ذلك-لا ننسى تقريبه على أهل القرآن ليحيطوا به. فإن أبا علىّ-﵀-عمل كتاب الحجة فى القراءات، فتجاوز فيه قدر حاجة القراء، إلى ما يجفو عنه كثير من العلماء». وقد يذكر موضع اجتماعه بأبى علىّ. فهو فى الخصائص ١٢١/ ١ يقول: «فقال لى أبو علىّ بالشام» وفى «باب فى الاستخلاض من الأعلام معانى الأفعال» يذكر أن أبا علىّ أنشده بيتا وهما فى دار الملك. والأقرب أنها دار الملك لآل بويه فى بغداد، وكان لهم دار ملك أيضا فى شيراز. وفى «باب التفسير على المعنى دون اللفظ» أنه كان معه بحلب سنة ٣٤٦ هـ، وظاهر أن ذلك كان عند سيف الدولة ابن حمدان. وقد يكتب إليه فى غيبته عنه فى مسائل علمية. وفى سرّ الصناعة «حرف الياء»: «وكتب إلىّ أبو علىّ من حلب فى جواب شئ سألته عنه». *** صحبته للمتنبى: وقد صحب المتنبى واجتمع به بحلب عند سيف الدولة ابن حمدان، وفى شيراز عند عضد الدولة. وكان المتنبى يجله، ويقول فيه: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس. وكان المتنبى إذا سئل عن شئ من دقائق النحو والتصريف فى شعره، يقول: سلوا صاحبنا أبا الفتح. ويقول فى مسالك الأبصار: «وكان أبو الطيب المتنبى إذا سئل عن معنى قاله، أو توجيه إعراب، حصل فيه إغراب، دل عليه، وقال: عليكم بالشيخ الأعور ابن جنى فسلوه، فإنه يقول ما أردت وما لم أرد». وترجع مقالة المتنبى الأخيرة، إذا صح نسبتها إليه، إلى سعة علم ابن جنى وتشعب

стр. 47

مذاهبه، فقد يقع له فى الكلام من المعانى ما لم يقع لقائله. وابن جنى أول من شرح ديوان المتنبى، وقد شرحه شرحين، الشرح الكبير والشرح الصغير، والأخير هو الباقى لنا. وقد تعقب معاصروه ومن بعدهم شرحه، ومن هؤلاء الربعى على بن عيسى المتوفى سنة ٤٢٠، له كتاب «التنبيه على خطا ابن جنى فى تفسير شعر المتنبى»، وهو ممن شارك ابن جنى فى الأخذ عن أبى علىّ وملازمته. ومنهم محمد بن أحمد، المعروف بابن فورجه، له «كتابا» الفتح على أبى الفتح، والتجنى على ابن جنى، يرد فيهما على ابن جنى فى شعر المتنبى، وللشريف المرتضى على بن الحسين كتاب فى تتبع أبيات المعانى للمتنبى التى تكلم عليها ابن جنى. وللشيخ العميد أبى سهل محمد بن الحسن الزوزنى استدراك على ابن جنى باسم «قشر الفسر» منه نسخة بمكتبة طلعت بدار الكتب مخطوطة سنة ٤٧٥ هـ. وكان ابن جنى يحسن الثناء على المتنبى فى كتبه، ويستشهد بشعره فى المعانى والأغراض، ويعبر عنه بشاعرنا. ويقول فى الخصائص ٢٣٩/ ١: «وحدثنى المتنبى شاعرنا، وما عرفته إلا صادقا»، وفى ص ٢٤: «وأمتثله شاعرنا آخرا فقال: فلو قدر السنان على لسان … لقال لك السنان كما أقول ويسوق البديعى فى «الصبح المنبى» قصة تنبئ عن إعجاب ابن جنى بالمتنبى، وعن وجوده بشيراز، حين كان المتنبى هناك، وذلك فى آخر حياة الشاعر؛ فقد قتل بدير العاقول عند منصرفه عن شيراز. ذاك أن أبا على كان إذ ذاك بشيراز «وكان إذ مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء. وكان لابن جنى هوى فى أبى الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالى بأحد يذمه أو يحط منه. وكان يسوءه إطناب أبى على فى ذمه. واتفق أن قال أبو على يوما: اذكروا لنا بيتا من الشعر نبحث فيه. فبدأ ابن جنى وأنشد: حلت دون المزار فاليوم لوزر … ت لحال النحول دون العناق فاستحسنه أبو على واستعاده. وقال: لمن هذا البيت فإنه غريب المعنى؟ فقال ابن جنى للذى يقول: أزورهم وسواد الليل يشفع لى … وانثنى وبياض الصبح يغرى بى فقال: والله هذا أحسن! بديع جدا! فلمن هما؟ قال: للذى يقول: أمضى إرادته فسوف له قد … واستقرب الأقصى فثم له هنا فكثر إعجاب أبى علىّ، واستغرب معناه، وقال: لمن هذا؟ فقال ابن جنى: للذى يقول:

стр. 48

ووضع الندى فى موضع السيف بالمعلا … مضر كوضع السيف فى موضع الندى فقال: وهذا أحسن! والله لقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ فقال: هو الذى لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله. وما علينا من القشور إذا استقام اللب!. قال أبو علىّ: أظنك تعنى المتنبى. قال: نعم». ومن دلائل عناية ابن جنى بالمتنبى أنه أخذ شيئا من أخباره عن على بن حمزة البصرى، لأن المتنبى لما ورد بغداد نزل عليه وكان ضيفه إلى أن رحل عنها. كما ذكره ياقوت فى ترجمة على بن حمزة. *** جلالته والثناء عليه: بلغ أبو الفتح فى علوم العربية من الجلالة والخطر ما لم يبلغه إلا القليل. وقد سلف لك قول المتنبى فيه، وقد كان المتنبى ذا قدم مكينة وبصر نافذ وإحاطة تامة بالعربية. وقد أصبح ابن جنى فى مجرى القرون بعده مضرب المثل فى معرفة النحو والتبريز فيه. يقول العماد فى حديثه عن الحسن بن صافى المعروف بملك النحاة: «وكان يقول: هل سيبويه إلا من رعيتى، ولو عاش ابن جنى لم يسعه إلا حمل غاشيتى». ويقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فى الشيخ عبد الكريم سلمان: «وجعلته منى مكان النحو من ابن جنى». ويقول ابن فضل الله العمرى فى مسالك الأبصار: «لم ير مثله فى توجيه المعانى، وشد بيوت القصائد الوثيقة المبانى». ويقول ابن ماكولا: «وكان نحويا حاذقا مجودا». ويقول الثعالبى فى اليتيمة: «هو القطب فى لسان العرب، وإليه انتهت الرياسة فى الأدب». وقد يبدو للباحث أن ابن جنى لم يبلغ فى حياته من المكانة العلمية ما يستحقه، ولم يدرك ما أدركه بعد النبالة ونباهة الذكر. وقد يطل له هذا المعنى من قول المتنبى فيه: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس. وقد يطيب له أن يحتج لهذا الرأى بأنه لا يرجع إلى عراقة أصل، ولا يئول إلى شرف محتد، وبأن العصر كان مشحونا بأفاضل العلماء، وجلة الفهماء، فكان يجرى فى مضمارهم بمقدار. ولكن التوسع فى دراسة ابن جنى قد يصرف عن هذا الرأى، وقد يئول بصاحبه إلى أن الرجل أوتى حظا من الشهرة العلمية فى حياته، ورزق من القبول ما هو أهله. ألسنا نراه يخلف أستاذه أبا على فى التدريس فى بغداد بعد وفاته، ويدين له بالتتلمذ. ومنهم أئمة عظام كعبد السلام البصرى، والسمسمى.

стр. 49

وأبو على لا ينكر أمره وأستاذيته. فهذا شرف استأثر به أبو الفتح واستبد به على أصحاب أبى على، وهم كثر. ويقول القفطى فى «إنباه الرواة» فى الحديث عن زميل لابن جنى وهو العبدى: «وكان العبدى قد أدركه خمول الأدب، ولم يحصل له من السمعة ما حصل لابن جنى والربعى، وكان كثير الشكوى لكساد سوق الأدب فى زمانه». ولابن جنى قصيدة بائية سلف منها أبيات فى الكلام على نسبه، أوردها ياقوت فى ترجمته، وفيها ما ينبئ عن أنه نال ما يبغى من الكمال والمنزلة. ومن ذلك قوله: شكرت الله نعمته … وما أولاه من أرب زكت عندى صنائعه … فوفقنى وأحسن بى تخولنى وخولنى … ونولنى ونوه بى وأخر من … وأعلانى وأرغم يقادمنى … بى ويقول فى الحديث عن كتبه: تناقلها الرواة لها … على الأجفان من حدب فيرتع فى أزاهرها … ملوك العجم والعرب ويبدو فضله وعلمه فى كتبه ومباحثه التى توفر عليها، وأحسن عرضها. وهو يعد بحق فيلسوف العربية وباقرها. وعلى مباحث ابن جنى طابع الاستقصاء والغوص فى التفاصيل، والتعمق فى التحليل، واستنباط المبادئ والأصول من الجزئيات. وهو فى هذا يشبه ابن الرومى فى الشعر. وكأنما للجنس الرومى الذى ينتميان إليه أثر فى هذا. ومن مباحثه التى اهتدى لها، وسبق بها الاشتقاق الأكبر، وإن كان استمد فكرته من أستاذه أبى علىّ. وهو يقول فى الخصائص، فى الباب الذى قصره على هذا المبحث: «هذا موضع لم يسمه أحد من أصحابنا؛ غير أن أبا علىّ كان يستعين به، ويخلد إليه، مع إعواز الاشتقاق الأصغر؛ لكنه-مع هذا-لم يسمه، وإنما كان يعتاده عند الضرورة، ويستروح إليه، ويتعلل به. وإنما هذا التلقيب لنا نحن». وابن جنى-مع حرصه على اتباع من سبقه وتبجيله لهم-لا يبالى أن يخالفهم إذا تهدى لرأى لم يقولوا به، واستوى له دليله، واستقرت عنده حجته. ومن ذلك ما رآه فى مسألة: «هذا حجر ضب خرب» وهو رأى خالف به السلف. وقد سن للباحث أن يذهب إلى ما يهتدى إليه بعد أن رأيناه وسوغنا مرتكبه-لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التى قد طال بحثها، وتقدم نظرها، وتتالت أواخر على أوائل،

стр. 50

وأعجازا على كلاكل، والقوم الذين لا نشك فى أن الله-سبحانه تقدمت أسماؤه-قد هداهم لهذا العلم الكريم، وأراهم وجه الحكمة فى الترحيب له والتعظيم، وجعله ببركاتهم، وعلى أيدى طاعاتهم، خادما للكتاب المنزل، وكلام نبيه المرسل، وعونا على فهمهما، ومعرفة ما أمر به أو نهى عنه الثقلان منهما، إلا بعد أن يناهضه إتقانا، ويثابته عرفانا؛ ولا يخلد إلى سانح خاطره، ولا إلى نزوة من نزوات تفكره». *** عبارته: اشتهر ابن جنى ببلاغة العبارة وحسن تصريف الكلام، والإبانة عن المعانى بأحسن وجوه الأداء، وهو يسمو فى عبارته، ويبلغ بها الفصاحة، فى المسائل العلمية الجافة البعيدة عن الخيال ووجوه التطرية. وقد عرفت عنه هذا. يقول الأيبوردى، فى أبى على أحمد بن محمد المرزوقى: «وهو يتفاصح فى تصانيفه كابن جنى». والمرزوقى أيضا ممن أخذ عن أبى على. ولابن جنى فى عباراته وجوه فى استعمال بعض المفردات يدونها اللغويون، وينوهون بها كما يدونون ما صدر عن العرب؛ ثقة بطبيعته العربية، وسجيته اللغوية. فهو يستعمل الأصلية فى معنى التأصل، ويقول فى ذلك صاحب اللسان «أصل»: «واستعمل ابن جنى الأصلية موضع التأصل، فقال: الألف وإن كانت فى أكثر أحوالها بدلا أو زائدا، فإنها إذا كانت بدلا من أصل جرت فى الأصلية مجراه. وهذا لم تنطق به العرب، وإنما هو شئ استعملته الأوائل فى بعض كلامها». وظاهر أنه يريد بالأوائل قدامى المؤلفين بعد عهد العرب، وأن أول هؤلاء فى الاستعمال ابن جنى، كما يبدو من صدر هذا الكلام. ويقول فى الخصائص فى «باب فى امتناع العرب من الكلام بما يجوز فى القياس»: «فالعين فى الصحيح اللام إنما غاية أصليتها أن تقع متحركة». على أن ابن جنى إذ يستعمل الأصلية فى معنى التأصل لم يرتكب بدعا، وإنما جرى فى هذا على انتهاج المصدر الصناعى، فالأصلية للشئ كونه أصلا، وهذا معنى التأصل. ويقول المجد صاحب القاموس فى «بغية الرشاف من خطبة الكشاف» عند قول الزمخشرى: أنشأ كتابا ساطعا بيانه، قاطعا برهانه: «أنشأ لا يستعمل إلا فى الجواهر، وقد تقدم معناه يقال: أنشأ دارا: أى بناها، وأنشأ الله السحاب: رفعه. وقال ابن جنى فى تأدية الأمثال على ما وضعت عليه: يؤدى ذلك فى كل موضع على صورته التى أنشئ فى مبدئه عليها. فاستعمل الإنشاء فى العرض الذى هو الكلام».

стр. 51

على أنه قد تند منه بعض الهنات الكلامية التى لا تثلم البلاغة، ولا تغض من شأوه، وفراهة أسلوبه. فهو يدخل «قد» على الفعل المنفى. ففى «الخصائص ٢٠/ ١»: «كما أن القول قد لا يتم معناه إلا بغيره». وهذا لا يجيزه النحويون. وهو يدخل «ال» على بعض، والنحويون لا يجيزون هذا، وإن جاء ذلك فى عبارة سيبويه والأخفش. ومن أمثلة هذا ما جاء فى «الخصائص ٦٤/ ١»: «فلما كان الأمر كذلك واقتضت الصورة رفض البعض واستعمال البعض». ويقول فى «الخصائص ٣٦/ ١»: «وبذلك تعرف حاله: أصلب هو أم رخو؟ وأصحيح هو أم سقيم؟» وتراه قدم حرف العطف على أداة الاستفهام، وهذا لا يجيزه النحو، والواجب أن يقال: أو صحيح هو أم سقيم؟ وكذلك يقول فى ص ١٥٩: «ثم ألا ترى». ويقول فى «الخصائص ٣٤٨/ ١»: «وإنما جاز ذلك فى هذا الموضع لا لشئ يرجع إلى نفس أو، بل لقرينة انضمت من جهة المعنى: أى أو» وهذا أسلوب غير قاصد. فإن «لا» فى قوله: لا لشئ، عاطفة، ولم يتقدم معطوف عليه. ويقول فى «الخصائص ٣٦١/ ١»: «لا سيما والأصمعى ليس ممن ينشط للمقاييس» ودخول الواو بعد لا سيما لا يجيزه بعض النحويين، وهو المرادى، وإن أجازه غيره. *** علمه باللغة: كان ابن جنى واسع الرواية والدراية فى اللغة، ونرى قدرا صالحا من اللغة مرجعه إلى هذا الإمام. ومن أمثلة هذا ما جاء فى الخصائص فى باب «فى الشئ يسمع من الفصيح لا يسمع من غيره»، فقد أورد البيت: مارية لؤلؤان اللون أودها … طل وبنس عنها فرقد خضر ثم قال: «وقوله: بنس عنها، هو من النوم». وفى اللسان بنس: «قال ابن سيده: قال ابن جنى: قوله: بنس عنها، إنما هو من النوم، غير أنه إنما يقال للبقرة. ولا أعلم هذا القول من غير ابن جنى». وفى اللسان فرح: «ورجل فرح، ومفروح، عن ابن جنى». وقوله: «عن ابن جنى» راجع إلى الصيغتين الأخيرتين كما ذكره فى التاج. وفى اللسان أيضا خرفع: «الخرفع، والخرفع، والخرفع-بكسر الخاء وضم الفاء-الأخيرة

стр. 52

عن ابن جنى». وهذا فى الخصائص ٦٨/ ١. وكذلك قال فى الضئبل؛ فقد حكى صاحب اللسان عن ابن جنى: الضئبل، بكسر الضاد وضم الباء، وهو ما فى الخصائص فى الموطن السابق. وفى اللسان: «واستكبر الشئ: رآه كبيرا وعظم عنده، عن ابن جنى». وهو فى علل العربية وتخريجها وبيان الحكمة فى تصاريفها واستخراج مناسبات الاشتقاق لا يشق له غبار. على أنه قد يركب متن الشطط والإسراف فى الاشتقاق. فهو فى باب «فى تلاقى المعانى على اختلاف الأصول والمبانى» من الخصائص يذكر أن المسك فعل من أمسكت الشئ، كأنه لطيب رائحته يمسك الحاسة عليه، ولا يعدل صاحبها عنه. والمسك فارسى معرب، ذكره الجواليقى فى كتابه «المعرب» وعربيته المشموم كما فى المزهر ١٦٦/ ١. ويقول الأستاذ الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على معرب الجواليقى: «لم أجد من ادعى أن المسك معرب غير الجواليقى»، وقد علمت أن المزهر قد عرض لعدة من المعربات، وقد نقله عن الثعالبى. وفى اللسان مسك: «وقال الجواهرى: المسك من الطيب فارسى معرب. قال: وكانت العرب تسميه المشموم». وذكر فى الباب السابق للقطعة من المسك، ثم قال: «فقيل له صوار؛ لأنه فعال من صاره يصوره إذا عطفه وثناه. وإنما قيل له ذلك لأنه يجذب حاسة من يسمه إليه، وليس من خبائث الأرض فيعرض عنه، وينحرف إلى شق غيره» والصوار أيضا فارسى كما فى اللسان، وإن أهمله الجواليقى. وفى الباب نفسه يذكر الرطل الذى يوزن به، ويشتقه من ترطل الشعر، وهو فارسى معرب. وقد ذكر فى كتاب الألفاظ الفارسية المعربة. وفى هذا الباب يقول: «فلان طفيلى. وذلك أنه يميل إلى الطعام». وهذا-وإن قال بعض اللغويين-غير المشهور المتعارف؛ فإنما الطفيلى منسوب إلى طفيل بن زلال: وهو رجل من أهل الكوفة كان يأتى الولائم دون أن يدعى إليها، فنسب إليه من يأتى هذا العمل. *** مذهبه الفقهى: يبدو أن ابن جنى كان حنفى المذهب، فإن لم يكنه، فقد كان له هوى فى هذا المذهب

стр. 53

وانعطاف نحوه. ولا غرو، فهو عراقى يصبو إلى مذهب أهل العراق. وهو فى ذلك كأغلب نحويى العراق، كالسيرافى الذى كان يقضى على مذهب العراقيين. وليس لدينا من المصادر ما يقفنا على من أخذ عنه الفقه فى شبيبته. وأحمد بن محمد الموصلى الذى أخذ عنه النحو كان شافعيا، كما يذكر السيوطى فى البغية، وإن لم أقف على ترجمته فى طبقات الشافعية، ولم أقف على تاريخ وفاته. وانتسابه للحنفية فى الفقه يبدو من قوله فى الخصائص ١٦٣/ ١: «وكذلك كتب محمد بن الحسن-﵀-إنما ينتزع أصحابنا منها العلل؛ لأنهم يجدونها منثورة فى أثناء كلامه، فيجمع بعضها إلى بعض بالملاطفة والرفق، ولا تجد له علة فى شئ من كلامه مستوفاة محررة. وهذا معروف من هذا الحديث عند الجماعة غير منكور». وظاهر أنه يريد محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة، وأنه يتحدث عن استخراج العلل الفقهية من كتبه. فقوله: «أصحابنا» يعنى به أتباع أبى حنيفة. ويبدو أن ابن جنى كان ينظر فى كتب الفقه وأصوله كثيرا، وقد احتذى فى مباحث النحو كثيرا من منهج الفقه وأصول الفقه. وكان لهذا معنيا بكتب محمد بن الحسن. وكذلك كان شيخه أبو على معنيا بآثار محمد هذا. ويقول ابن جنى فى الحديث عن شيخه: «وحدثنى أنه وقع حريق بمدينة السلام، فذهب به جميع علم البصريين. قال: وكنت قد كتبت ذلك كله بخطى، وقرأته على أصحابنا، فلم أجد من الصندوق الذى احترق شيئا البتة، إلا نصف كتاب الطلاق عن محمد بن الحسن». وفى ثبت كتب ابن جنى عند بروكلمان: «مسألتان من كتاب الإيمان لمحمد بن الحسن الشيبانى»، ويذكر بروكلمان أنه فى الفاتيكان. فهذا لا يدع مجالا للشك فى صلته بمذهب العراقيين فى الفقه. وتراه ينصر الحنفية على الشافعية. ومن أمثلة هذا ما أورده فى «سر الصناعة» فى حرف الباء: «وأما ما يحكيه أصحاب الشافعى عنه من أن الباء للتبعيض، فشئ لا يعرفه أصحابنا، ولا ورد به ثبت». وتراه فى «سر الصناعة» فى حرف الواو، ينكر على الشافعية ما يرونه من الترتيب فى غسل أعضاء الوضوء، ويعتمد فى هذا على أن الواو لا تفيد الترتيب. وقد عطف غسل هذه الأعضاء بالواو فى الكتاب. وتراه يحتفل للرد ويفيض فيه أيما إفاضة. وجاء ذكر الإمام أبى حنيفة فى مبحث الدور من الخصائص ٢٠٨/ ١؛ وفى هذا الموطن يذكر الجصاص أبا بكر الرازى شيخ الحنفية فى بغداد. وفى ص ٢٠٦ يذكر أبا يوسف صاحب أبى حنيفة. ***

стр. 54

مذهبه النحوى: كانت المذاهب النحوية فى عهد ابن جنى ثلاثة: مذهبان قديمان، وهما البصرى والكوفى. ومذهب حدث من خلط المذهبين والتخير منها. وهو مذهب للبغداديين. وكان ابن جنى-كشيخه أبى علىّ-بصريا. فهو يجرى فى كتبه ومباحثه على أصول هذا المذهب، وهو ينافح عنه ويذب، ولا يألو فى ذلك جهدا. وتراه فى «سر الصناعة» فى حرف النون، يقول: كما قال الآخر: أن تهبطين بلاد قو … م يرتعون من الطلاح فهذا على تشبيه «أن» ب «ما» التى فى معنى المصدر، فى قول الكوفيين. فأما على قولنا نحن فإنه أراد أن الثقيلة، وخففها ضرورة. وتقديره: أنك تهبطين. وفى «سر الصناعة» أيضا فى حرف الكاف: «فإذا قلت: أنت كزيد، وجعلت الكاف اسما فلا ضمير فيها؛ كما أنك إذا قلت: أنت مثل زيد، فلا ضمير فى مثل؛ كما لا ضمير فى الأخ ولا الابن، إذا قلت: أنت أخو زيد، وأنت ابن زيد. هذا قول أصحابنا. وإن كان قد أجاز بعض البغداديين أن يكون فى هذا النحو الذى هو غير مشتق من الفعل ضمير؛ كما يكون فى المشتق». ومن الجلى أنه يريد بقوله: «أصحابنا» البصريين. ولم يدر بخلد ناظر، إن كان ابن جنى كوفيا؛ فهذا ما لم يجر فى الوهم والخيال. ولكن بعض الباحثين طاب له أن يسلك ابن جنى فى عداد البغداديين. وشبهته فى هذا أن سكن بغداد واستوطنها، حتى لقى ربه فيها. وإنما كان مقامه ببغداد بآخرة بعد أن نضج واستقرت إمامته وتأصل عده فى البصريين. والناظر فى كلام ابن جنى من الدلائل ما لا يحصى على هدم هذه الدعوى، ونقضها. ومن هذا ما سقته عن سرّ الصناعة. وفى هذا الكتاب أيضا فى حرف الفاء: «وقوى البغداديين: أنا ننصب الجواب على الصرف، كلام فيه إجمال، بعضه صحيح، وبعضه فاسد. . .». وفيه أيضا فى حرف الواو: «واعلم أن البغداديين قد أجازوا فى الواو أن تكون زائدة فى مواضع. فأما أصحابنا فيدفعون هذا التأول البتة، ويجيزون زيادة هذه الواو». على أن الرجل كان منهوما بالعلم يأخذه عن أهله، بصريا كان أو غيره. فهو كثير النقل عن ثعلب والكسائى وأضرابهما، حسن الذكر لهذين الرجلين والثناء عليهما. فهو يقول فى الكسائى-فى الخصائص: «باب فى قلب لفظ إلى لفظ بالصنعة والتلطف لا بالإقدام والتعجرف»: «وكان هذا الرجل كبيرا فى السداد والثقة عند أصحابنا». وهو برئ من العصبية التى تعمى عن الحق، وينحى باللائمة على من ينساق معها، ويمضى فى سبيلها. فتراه يقول فى سرّ الصناعة، فى حرف الهاء: «ورأيت أبا محمد بن درستويه قد أنحى على أحمد بن يحيى فى هذا الموضع من كتابه الموسوم بشرح الفصيح،

стр. 55

وظلمه وعصبه حقه. والأمر عندى بخلاف ما ذهب إليه ابن درستويه فى كثير مما ألزمه إياه. وما كنت أراه بهذه المنزلة، ولقد كنت أعتقد فيه الترفع عنها. فإن كان من أصحابى، وقائلا بقول مشيخة البصريين فى غالب أمره، وكان أحمد بن يحيى كوفيا قلبا، فالحق أحق أن يتبع، أين حل وصقع». وقد يرى فى النحو ما هو بغدادى. فتراه يثبت فى ألفاظ التوكيد التابعة لأجمع وأبتع وما تصرف منه، فيقول فى الخصائص ٨٣/ ١: «ووجه ما ذكرناه من ملالتها الإطالة-مع مجبئها بها للضرورة الداعية إليها-أنهم لما أكدوا فقالوا: أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون. . .». ويقول الرضى فى شرح الكافية ٣٣٦/ ١: «وأما أكتع وأخواته، فالبصريون-على ما حكى الأندلسى عنهم-جعلوا النهاية أبصع ومتصرفاته، ولم يذكروا أبتع ومتصرفاته. . . والبغدادية جعلوا النهاية أبتع وأخواته، فقالوا: أجمع أكتع أبصع أبتع». ولا يقضى هذا الوفاق للبغداديين أن يكون ابن جنى بغداديا؛ فإن هذه مسألة ترجع إلى السماع، وقد صح عنده هذا، ولكنه باق على أصول البصريين، ولا يرضى لنفسه أن يكون بغداديا، فهو كثير النيل منهم والتصريح بخلافهم. *** ابن جنى بين النحو والصرف: كان ابن جنى إماما فى النحو والصرف، وهو على إمامته فيهما فى النحو أمثل منه فى الصرف، كما يذكره الكاتبون لترجمته، وإن كان لا يعرف إلا بالنحوى، فالنحو-بالمعنى العام-ينتظم الصرف. ومرد نبوغه فى الصرف وتفوقه فيه أن عجزه أمام أبى علىّ كان فى مسألة صرفية؛ كما سبق إيراده، فكان جدّه فى الصرف أكثر وأبلغ من جده فى النحو. وقد يونس بتخلفه فى النحو، القصة التى يرويها صاحب نزهة الألباء فى ترجمة على ابن عيسى الربعى. وها هى ذى: «اجتمع الربعى وابن جنى يمشيان فى موضع، فاجتاز على باب خربة فرأى فيها كلبا-أى الربعىّ وكان مغرى بقتل الكلاب-فقال لابن جنى: قف على الباب، ودخل. فلما رآه الكلب يريد أن يقتله هرب وخرج، ولم يقدر ابن جنى على منعه. فقال له الربعى: ويلك يا ابن جنى! مدبر فى النحو، ومدبر فى قتل الكلاب!». ويذكر ابن عقيل فى شرحه للألفية فى مبحث الابتداء أن أبا الفتح سأله ولده عن إعراب بيت أبى نواس: غير مأسوف على زمن … ينقضى بالهم والحزن

стр. 56

فارتبك فى إعرابه. ومن آرائه النحوية التى لم يتابع فيها تجويزه إظهار متعلق الظرف الواقع خبرا فى الكون العام، نحو زيد عندك زيد عندك. قال ابن يعيش فى شرح المفصل ٩٠/ ١: «وقد صرح ابن جنى بجواز إظهاره». ومن هذا أنه فى الخصائص ١٠٦/ ١،٣٤٢ يجيز أن يقال: مررت بزيد وعمرا، بعطف عمرا على محل زيد المجرور بالحرف، وهذا لا يجيزه النحويون؛ لأن شرط العطف على المحل عندهم ظهور الإعراب المحلى فى فصيح الكلام. وانظر المغنى فى مبحث العطف من الكتاب الرابع. ومن آرائه التى خالف فيها اصطلاح النحويين ما يراه فى علل منع الصرف. فهو فى الخصائص ١٠٩/ ١ يقول: «ألا ترى أن الأسباب المانعة من الصرف تسعة: واحد منها لفظى، وهو شبه الفعل لفظا؛ نحو أحمد ويرمع وتنضب وإثمد وأبلم وبقم وإستبرق. والثمانية الباقية كلها معنوية؛ كالتعريف والوصف والعدل والتأنيث وغير ذلك» واصطلاح النحاة المتأخرين أن المعنوى منها التعريف والوصف، وما عدا هذين لفظى. ومن آرائه أنه يرى فى بغىّ فى معنى الفاجرة أن زنتها فعيل لا فعول. ويقول الزمخشرى فى الكشاف فى تفسير سورة مريم عند قوله تعالى: ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾: «والبغى: الفاجرة التى تبغى الرجال. وهى فعول عند المبرد: بغوى، فادغمت الواو فى الياء. وقال ابن جنى فى كتاب التمام: هى فعيل. ولو كانت فعولا لقيل: بغو؛ كما قيل: فلان نهو عن المنكر». *** شعره: كان لابن جنى شعر. ويقول ابن الأثير وابن ماكولا: «وله شعر بارد». وكأن أساس هذا الحكم منهما أن ابن جنى كان يتعاطى فى شعره الغريب والمعقد من الأساليب، وأنه لم يكن يعنى بالشعر، فقد كان همه العلم، وكان غناه به، وكانت به حظوته عند الملوك وذوى السلطان، فلم يكن يحتاج إلى الشعر يسمتيح به. ويقول الثعالبى: «وكان الشعر أقل خلاله، لعظم قدره وارتفاع حاله». وابن الجوزى أحسن رأيا فيه، فهو يقول: «وكان يقول الشعر ويجيد نظمه»، وكذلك من قبله الخطيب فى تاريخ بغداد يقول المقالة السالفة. وقد كان ابن جنى-لما أسلفت-مقلا من الشعر، غير مشهور به. ويقول الباخرزى فى

стр. 57

الدمية: «وما كنت أعلم أن له القريض، حتى قرأت له مرثية فى المتنبى. . .». على أنه يقع له من الشعر ما يأخذ بالقلوب، ويأسر الألباب. وشعره فيما يمسه، من فقد حبيب أو غزل فيه، أو فخر بعلمه ومآثره. ولا نرى له شعرا فى مدح ملك إلا لماما. ومن شعره مرثيته فى المتنبى التى بها الباخرزى. وفيها يقول: غاض القريض وأودت نضرة الأدب … وصؤحت بعد رى دوحة الكتب سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه … كما تخطف بالخطية السلب ما زلت تصحب فى الجلى إذا انشعبت … فلبا جميعا وعزما غير منشعب وقد حلبت لعمرى الدهر أشطره … تمطو بهمة لا وان ولا وصب من للهواجل يحيى ميت أرسمها … بكل جائلة التصدير والحقب قباء خوصاء محمود علالتها … تنبو عريكتها بالحلس والقتب وترى من هذا ميله للغريب. وله فى الغزل: غزال غير وحشى … حكى الوحشى مقلته رآه الورد يجنى الور … د داود فاستكساه حلته وشم بأنفه الريحا … ن فاستهداه زهرته وذاقت ريحه الصهبا … ء فاختلسته نكهته وهو شعر يسيل من الرقة، كما ترى. وله فى الغزل أيضا: تجبب أو تدع أو تقبا … فلا والله لا أزداد حبا أخذت ببعض حبك كل قلبى … فإن رمت المزيد فهات قلبا تجبب، أى البس الجبة، وتدرع: البس المدرعة-وهى ثوب من صوف-وتقبا، أى البس القباء. ويقع هذان البيتان فى كثير من الكتب محرفين. وله فى الحنين إلى الشباب وبكاء عهده الناضر: رأيت محاسن ضحك الربي … ع طال عليها بكاء السحاب وقد ضحك الشيب فى لمتى … فلم لا أبكى ربيع الشباب أأشرب فى الكأس كلا وحاشا … لأبصره فى صفاء الشراب ترى فى هذا معنى بديعا، فهو يتجنب الشرب فى الكأس خشية أن يرى فى صفائها شيبه، فتناله الحسرة ويأخذ الجزع. وله قصيدة طويلة يفخر فيها، مطلعها: وحلو شمائل الأدب … منيف مراتب الحسب

стр. 58

أخى فخر مفاخرة … عقائل عقلة الأدب له كلف بما كلفت … به العلماء ملعرب وقد أورد له الثعالبى فى اليتيمة: أيا دارهم ما أنت أنت مذ انتووا … ولا أنا مذ سار الركاب أنا أنا وجنود المنى ألا يكاثر بالمنى … ونيل الغنى ألا يكاثر بالغنى ومن كان فى الدنيا أشد تضورا … يجده عن الدنيا أشد تصونا ومما أذكره فى هذا الموطن أن صاحب تاريخ الموصل أورد من شعره: شواهد عيناى أنى بها … بكيت حتى ذهبت واحدة وأعجب الأشياء أن التى … قد بقيت فى صحبتى زاهدة وهذا شعر لأبى الحسن على بن منصور أورده له ابن خلكان فى ترجمة ابن جنى فى صدد الكلام على شعره الذى يذكر فيه عوره، على ما سلف. *** وفاته: بلغ ابن جنى المنهل الذى يرده كل من على ظهرها، ورحل عن هذه الحياة فى يوم الخميس السابع والعشرين من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. ويكاد الرواة يجمعون على سنة وفاته، إلا ما كان من ابن الأثير فى تاريخه، فهو يضع وفاته سنة ٣٩٣، وتبعه على هذا أبو الفداء فى المختصر. ويبدو أن وفاته كانت ليلا، أى ليلة الجمعة. ففى فهرست ابن النديم: «توفى ليلة الجمعة». وفى «ديوان الشريف الرضى» عند إيراد مرثيته فى ابن جنى: «وتوفى ببغداد ليلة الجمعة». وفى «الديوان» أيضا فى الموطن السابق: «وتولى الصلاة عليه الشريف الرضى؛ وكان بينهما صداقة وكيدة». وقد كانت وفاته ببغداد، حيث استقر فى آخر أيامه. ودفن فى مقابرها، ولا أدرى فى أيها دفن، ودفن أبو علىّ أستاذه فى الشونيزية، فهل دفن فيها بجوار شيخه. وقد رثاه الشريف الرضى بقصيدة عامرة عدتها تسعة وخمسون بيتا، مثبتة فى ديوانه، يقول فى أولها: ألا يا لقوم للخطوب الطوارق … وللعظم يرمى كل يوم بعارق وللدهر يعرى جانبى من أقاربى … ويقطع ما بينى وبين الأصادق وللنفس قد طارت شعاعا من الجوى … لفقد الصفايا وانقطاع العلائق لها كل يوم موقف من مودع … وملتف فى عقب ماض مفارق نجوم من الإخوان يرمى بها الردى … مغاربها فوت العيون الروامق

стр. 59

ويقول بعد توجع كثير: لتبك أبا الفتح العيون بدمعها … والسنا من بعدها بالمناطق إذا هب من تلك الغليل بدامع … تسرع من هذى الغرام بناطق شقيقى إذا التاث الشقيق وأعرضت … خلائق قومى جانبا عن خلائقى *** كتبه: لقد خلف ابن جنى كتبا حسانا تدل على فضله الجم الغزير. وقد تخير لها أسماء حسانا كذلك، حتى ليقال إن الشيخ أبا إسحاق الشيرازى المتوفى سنة ٤٧٦ هـ وأستاذ المدرسة النظامية قد سمى بعض كتبه بأسماء كتب لابن جنى؛ وذلك أن لأبى إسحاق المهذب والتنبيه فى الفقه، فقه الشافعية، واللمع والتبصرة فى أصول الفقه. وهذه أسماء كتب لابن جنى، كما سيأتى إيراده. ولقد كتب ابن جنى إجازة بكتبه لبعض الآخذين عنه فى سنة ٣٨٤ هـ، أى قبل موته بنحو ثمانى سنوات. وذكر فيها ما يأتى: ١ - «الخصائص». وهو مطبوع. ٢ - «التمام». وهو تفسير ما أغفله السكرى من أشعار الهذليين. ويبلغ-على حسب ما يذكر المؤلف أن حجمه خمسمائة ورقة-نحو نصف الخصائص. وشرح السكرى المتوفى سنة ٢٧٥ هـ. وجاء ذكر هذا الكتاب بعنوان «كتابنا فى شعر هذيل» فيها ١٥١/ ١. وجاء ذكره بعنوان «التمام» فى الخزانة ١٥٣/ ٣. ولم أقف عليه فى كشف الظنون. ولا يعلم له وجود فى مكتبات العالم. ٣ - «سر الصناعة». وهذا الكتاب نسخه الخطية كثيرة. ويقوم بعض الأساتذة بتحقيقه وتهيئته للطبع. وقد أورده صاحب كشف الظنون، وذكر أن عليه حاشية لأبى العباس أحمد بن محمد الإشبيلى المعروف بابن الحاج المتوفى سنة ٦٤٧ هـ. ٤ - «تفسير تصريف المازنى». ويسمى «المنصف». وفى الخزانة ٥٠٥/ ١ «قال ابن جنى فى المنصف، وهو شرح تصريف المازنى» وقد عرض لهذا الكتاب صاحب كشف الظنون تحت اسم «تصريف المازنى»، فقد قال: «وشرحه أبو الفتح عثمان بن جنى». وقد يحرف «المصنف» إلى المنصف. وقد يظن أنه كتاب آخر غير شرح تصريف المازنى. والمنصف ك «سر الصناعة» كثير النسخ المخطوطة. ٥ - «شرح مستغلق أبيات الحماسة، واشتقاق أسماء شعرائها». ويبدو أن هذا كان كتابا واحدا، ثم جعله بعد كتابين: الأول «التنبيه على مشكل أبيات الحماسة». والآخر «المبهج فى أسماء شعراء الحماسة». والأول يوجد منه نسخ خطية. وجاء ذكره فى الخزانة ٢٩/ ١،٩٧ باسم «إعراب الحماسة». وقد طبع المبهج. ونقل عنه فى الخزانة ٢٦٤/ ٢. ٦ - «شرح المقصور والممدود لابن السكيت». ولم أقف على شئ يتعلق به.

стр. 60

٧ - «تعاقب العربية». يقول السيوطى فى الأشباه والنظائر النحوية ١٣٢/ ١: «وقد ألف ابن جنى كتاب التعاقب فى أقسام البدل والمبدل منه، والعوض والمعوض منه. وقال فى أوله: اعلم أن كل واحد من ضربى التعاقب-وهما البدل والعوض-قد يقع فى الاستعمال موقع صاحبه. وربما امتاز أحدهما بالموضع دون رسيله، إلا أن البدل أعم استعمالا من العوض». وجاء ذكره فى الخصائص ٢٦٤/ ١،٢٦٦ وفى الخزانة ٢٠١/ ٧ وأورده فى كشف الظنون. ٨ - «تفسير ديوان المتنبى الكبير». ويسمى الفسر. ويذكر المؤلف أنه ألف ورقة ونيف، فهو أكبر من الخصائص. ويذكر صاحب كشف الظنون أنه فى ثلاث مجلدات. ويذكر بروكلمان أن الثانى منه يوجد فى الأسكوريال، وأنه يوجد منه نسخة فى المتحف الأسيوى فى بطرسبرج. ولأبى سهل محمد بن الحسن الزوزنى استدراك على هذا الكتاب باسم: «قشر الفسر» السابق ذكره. ٩ - «تفسير معانى ديوان المتنبى». وهو شرح ديوان المتنبى الصغير. ويوجد منه نسخة مخطوطة فى دار الكتب. ١٠ - «اللمع فى العربية». يقول عنه فى كشف الظنون: «جمعه من كلام شيخه أبى على الفارسى» منه نسخ خطية بدار الكتب، وهذا الكتاب عليه شروح كثيرة. يوجد معظمها فى المكتبات مخطوطا. ١١ - «كتاب مختصر التصريف». ويبدو أنه هو المعروف بالتصريف الملوكى، وقد طبع، وعليه شرح لابن يعيش. ويوجد منه نسخة مخطوطة فى دار الكتب. ١٢ - «كتاب مختصر العروض والقوافى». ذكر بروكلمان كتابين: الأول مختصر العروض، ويقول: إنه يوجد فى مكتبة برلين وفى المتحف البريطانى، وفى ليدن. والثانى مختصر القوافى، وقال: إنه فى الأسكوريال. وكأنهما الكتاب السابق جعلا كتابين فيما بعد. ١٣ - «كتاب الألفاظ المهموزة». ذكر بروكلمان من كتبه «ما يحتاج إليه الكاتب من مهموز ومقصور وممدود، وعقود الهمز وخواص أمثلة الفعل، وقال: إن هذين الكتابين طبعا مع المقتضب. ١٤ - «كتاب المقتضب». وهو فى اسم المفعول المعتل العين من الثلاثى. وقد طبع هذا الكتاب فى القاهرة مع الكتابين السابقين. ١٥ - «تفسير المذكر والمؤنث ليعقوب». ويذكر ابن جنى فى إجازته أنه لم يكن أتمه. ١٦ - «المحاسن فى العربية» يذكر المؤلف حين كتب الإجازة أنه فقد منه، وأن الحوادث أزالت يده عنه. وقد أورده فى كشف الظنون. ١٧ - «النوادر الممتعة» ويذكر المؤلف فى إجازته أنه فقد منه أيضا. وقد جاء ذكره فى الخصائص ٣٨٢/ ١.

стр. 61

١٨ - «الخاطريات». ويذكره المؤلف هكذا: «ما أحضرنيه الخاطر من المسائل المنثورة، مما أمللته أو حصل فى آخر تعاليقى عن نفسى، وغير ذلك مما هذه حاله وصورته» وقد نقل عنه فى الخزانة ٤٧٠/ ٢،١٠/ ٤. وورد فى كشف الظنون تحت اسم «الخاطرات». وهذه هى الكتب التى وردت فى الإجازة. وأورد ياقوت كتبا أخرى ويبدو أنه ألفها بعد الإجازة. وهى. ١٩ - «كتاب المحتسب فى شرح شواذ القراءات». ومنه مخطوطات كثيرة فى مكتبات العالم. ٢٠ - «تفسير أرجوزة أبى نواس». ويبدو أنها أرجوزته فى الطرد. ٢١ - «تفسير العلويات». ويقول ياقوت: «وهى أربع قصائد للشريف الرضى، كل واحدة فى مجلد. وهى قصيدة رثى بها أبا طاهر إبراهيم بن ناصر الدولة أولها: ألقى الرماح ربيعة بن نزار … أودى الردى بقريعك المغوار ومنها قصيدته التى رثى بها الصاحب بن عباد وأولها: أكذا المنون تقطر الأبطالا … أكذا الزمان يضعضع الأجبالا وقصيدته التى رثى بها الصابى أولها: أعلمت من حملوا على الأعواد … أرأيت كيف خبا زناد الوادى ولا يذكر ياقوت القصيدة الرابعة. وفى فهرست ابن النديم ١٢٨: «كتاب تفسير المراثى الثلاث، والقصيدة الرائية للشريف الرضى» ويبدو أن المراثى الثلاث هن ما ذكر ياقوت فيما سلف، فأما الرائية فيبقى البحث عنها. ٢٢ - «كتاب البشرى والظفر». يقول ياقوت: «صنعه لعضد الدولة-ومقداره خمسون ورقة-فى تفسير بيت من شعر عضد الدولة: أهلا وسهلا بذى البشرى ونوبتها … وباشتمال سرايانا على الظفر ٢٣ - «رسالة فى مد الأصوات ومقادير المدات». يقول ياقوت: «كتبها إلى أبى إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبرى، مقدارها ست عشرة ورقة، بخط ولده». ٢٤ - «كتاب المذكر والمؤنث». يذكر بروكلمان أنه نشر فى مجلة الشرق الأوسط ج ٨ ص ١٩٣ - ٢٠٢. وهذا غير الكتاب السالف الذكر: «تفسير المذكر والمؤنث ليعقوب». ٢٥ - «كتاب المنتصف». ويبدو أن هذا تحريف عن «المنصف» وهو شرح تصريف المازنى كما سبق الكلام عليه: وقد وقع فى هذا الخطأ-فيما أحسب-صاحب كشف الظنون، وهو عند ابن خلكان: «المنصف». ٢٦ - «كتاب مقدمات أبواب التصريف». والراجح أن هذا هو مختصر التصريف الذى سبق الكلام عليه واستظهار أنه التصريف الملوكى. ٢٧ - «كتاب النقض على ابن وكيع فى شعر المتنبى وتخطئته». وابن وكيع هو أبو محمد

стр. 62

الحسن بن على التنيسى الشاعر المشهور. ذكره ابن خلكان، وذكر أن له كتابا بين فيه سرقات المتنبى، سماه المنصف. ويبدو أن كتاب النقض لابن جنى فى نقد كتاب السرقات هذا. ٢٨ - «المعرب فى شرح القوافى». وقد يصحف فى بعض المواطن بالمغرب. وهو تفسير قوافى أبى الحسن الأخفش. وجاء ذكره فى الخصائص ٨٤/ ١، وكذا فى «باب فى اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين فى الحروف والحركات والسكون»، وفى الخزانة ٣٣١/ ٢، وفى المخصص ١٣/ ١. ٢٩ - «كتاب الفصل بين الكلام الخاص والكلام العام». ٣٠ - «كتاب الوقف والابتداء». ويبدو أنه فى أحكام الوقف والابتداء النحوية، وليس فى أحوال الوقف والابتداء القرآنية. كما يشتهر فيه هذان الاسمان، كالوقف والابتداء لابن الأنبارى وغيره. ٣١ - «كتاب المعانى المحررة». ٣٢ - «كتاب الفرق». ٣٣ - «كتاب الفائق». ٣٤ - «كتاب الخطيب». ويبدو أنه جعله للخطب المنبرية وغيرها. وقد أورد ياقوت فى ترجمته خطبة نكاح. ٣٥ - «كتاب الأراجيز». ٣٦ - «كتاب ذى القد». ورد ذكره فى الخزانة ١٢٩/ ٢، وفى هامشها: «جمعه من كلام شيخه أبى على الفارسى. من هامش الأصل». ويبدو أن «ذا» فى «ذى القد» بمعنى صاحب، فمن ثم جاءت الياء فى عنوان الكتاب لوقوعها مجرورة. «وقال السيوطى فى شرح أبيات المغنى: ونقل ابن جنى فى ذى القد عن أبى على. . .» ويعارض هذا ما جاء فى مقدمة الإتقان فى عد الكتب التى اعتمد عليها: «وذا القد» وهو مرفوع فى كلامه. وكذلك فى الخزانة فى المواطن السابق: «وهذا البيت نسبه ابن جنى فى كتاب ذا القد لبعض العرب» ومقتضى هذا أن «ذا» اسم إشارة. وفى «التصريح شرح التوضيح» فى مبحث ألف التأنيث: «وحلكى-بالحاء المهملة-لدويبة. قال أبو على الفارسى: هى مقصورة. حكاه عنه ابن جنى فى». ٣٧ - «شرح الفصيح». والفصيح لثعلب. وذكر فى كشف الظنون تحت اسم: «الفصيح» من شروحه، شرح ابن جنى. ٣٨ - «كتاب شرح الكافى فى القوافى». فى كشف الظنون: «كافى فى شرح القوافى للأخفش لابن جنى» ويبدو أنه شرح آخر غير المعرب الذى سبق الكلام عليه.

стр. 63

ومما لم يذكره ياقوت ما يلى: ٣٩ - «التلقين فى النحو». ذكره الخطيب البغدادى فى تاريخ بغداد ٣١١/ ١١، وابن خلكان. ٤٠ - «التذكرة الأصبهانية» ذكره ابن خلكان. ٤١ - «التهذيب». وهو تهذيب أبى على، عن ابن خلكان. ٤٢ - «المهذب». ذكره ابن خلكان. ٤٣ - «التبصرة». ذكره ابن خلكان. ٤٤ - «كتاب الزجر». يقول فى الخصائص فى آخر «باب فى هذه اللغة أفى وقت واحد وضعت أن تلاحق تابع منها بفارط»: «وقد كنت حضرتنى وقتا فيه نشطة، فكتبت تفسير كثير من هذه الحروف فى كتاب ثابت فى الزجر». ٤٥ - «مسألتان من كتاب الأيمان لمحمد بن الحسن الشيبانى». ذكره بروكلمان، وقال: إنه يوجد فى الفاتيكان. ٤٦ - «علل التثنية». ذكره بروكلمان، وقال: إنه يوجد فى ليدن. ٤٧ - «المسائل الواسطية». فى ياقوت فى ترجمة على بن عيسى الربعى: «حكى أبو غالب بن بشران النحوى الواسطى، قال: ورد أبو الفتح بن جنى عثمان إلى واسط. ونزل فى دار الشريف أبى على الجوانى نقيب العلويين، وكنا نتردد إليه ونسأله، ويملى علينا مسائل سماها الواسطية». ٤٨ - «كتاب شرح الإبدال ليعقوب». يقول فى الخصائص فى «باب فى الحرفين المتقاربين يستعمل أحدهما مكان صاحبه»: «ونحن نعتقد إن أصبنا فسحة أن نشرح كتاب يعقوب بن السكيت فى القلب والإبدال». وفى ختام سرد كتب ابن جنى أذكر أن بعض الكاتبين لحياته ذكر له كتاب «مفردات القراء السبعة». وهذا الكتاب ليس لابن جنى، وإنما هو لأبى عمرو عثمان بن سعيد الدانى. وقد جاء الاشتباه من توافقهما فى الاسم «عثمان». *** أما المحتسب الذى هو موضوع عملنا هذا فقد قام ابن مجاهد على رأس المائة من الهجرة بتأليف كتابه: «القراءات السبعة»، وفيه قسّم القراءات إلى شاذة وغير شاذة، وغلب وصف الشاذ على ما عدا القراءات السبع. ثم بدا لأبى على الفارسى أن يحتج مدافعا عن «القراءات السبع» فألف كتابه «الحجة». ثم كان منه أن فكر بعض الوقت فى تأليف كتاب مثله يحتج فيه للقراءات الشاذة، بل إنه فيما يقول ابن جنى فى «مقدمة المحتسب» عراضا لجهد شيخه أبى علىّ فى هذا المضمار: «قد

стр. 64

همّ أن يضع يده فيه ويبدأ به، فاعترضت خوالج هذا الدهر دونه، وحالت كبواته بينه وبينه». ولأجل هذا تجرد ابن جنى للقراءات الشاذة علّه يمكنه النيابة عن شيخه فى الاحتجاج لها، وتأدية حقها عليه، كما أدى شيخه حق القراءات غير الشاذة عليه؛ إذ كانت دواعى الاحتجاج للنوعين ثابتة، والاستجابة لها لازمة، بل لعل دواعى الاحتجاج للشاذ أثبت، والاستجابة لها ألزم. يقول فى «مقدمة المحتسب» شارحا غرضه المرجو فى الاحتجاج للشاذ: «. . . غرضنا منه أن نرى وجه قوة ما يسمى الآن شاذا، وأنه ضارب فى صحة الرواية بجرانه، آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه، لئلا يرى مرى أن العدول عنه إنما هو غض منه أو تهمة له». وقال فى موضع آخر منها، يبين رأيه فى الشاذ ومكانه عند الله: «. . . إلا أننا وإن لم نقرأ فى التلاوة به؛ مخافة الانتشار فيه، ونتابع من يتبع فى القراءة كل جائز رواية ودارية، فإنّا نعتقد قوة هذا المسمى شاذا، وأنه مما أمر الله تعالى بتقبّله، وأراد منا العمل بموجبه، وأنه حبيب إليه، ومرضى من القول لديه». وزاد من رغبته فى الإقبال على الشاذ والاحتجاج له أن أحدا من أصحابه لم يتقدم للاحتجاج له على النحو الذى يريد. قال: «فإذا كانت هذه حاله عند الله. . . وكان من مضى من أصحابنا لم يضعوا للحجاج كتابا فيه، ولا أولوه طرفا من القول عليه، وإنما ذكروه مرويّا مسلما، مجموعا أو متفرقا، وربما اعتزموا الحرف منه فقالوا القول المقنع فيه. . . حسن بل وجب التوجه إليه، والتشاغل بعمله، وبسط القول على غامضه ومشكله». وهكذا أصبح كتاب «المحتسب فى الاحتجاج لشواذ القراءات»، الذى ألفه أبو الفتح عثمان بن جنى، ضرورة ملحة على كاتبه إمام العربية، رغم علو سنه آنذاك. قال الشريف الرضى: كان شيخنا أبو الفتح النحوى عمل فى آخر عمره، كنايا يشتمل على الاحتجاج بقراءة الشواذ. وقال أبو الفتح فى مقدمة المحتسب: «وإن قصرت أفعالنا عن مفروضاتك وصلتها برأفتك بنا، وتلافيتنا من سيئات أنفسنا ما امتدت أسباب الحياة لنا، فإذا انقضت علائق مددنا، واستوفى ما فى الصحف المحفوظة لديك من عدد أنفاسنا، واستؤنفت أحوال الدار الاخرة بنا، فاقلبنا إلى كنز جنتك التى لم تخلف إلا لمن وسع ظلّ رحمتك». وهذا كلام قلما يقوله إلا امرؤ غلب عليه التفكر فى الآخرة، واستبد به حبّ التزود لها؛ لأنه يشعر أن منيته قد دنت، وأن حياته قد آذنت بزوال، فهو يتخضع لله، ويبتغى إليه الوسيلة؛ عسى أن يثيبه الله مغفرة منه ورضوانا. وربما كانت تسمية الكتاب «المحتسب» مرجعها أنه يحتسب أجره على هذا الكتاب عند

стр. 65

الله ، وهو نعم المثيب على الأعمال، وهو أعظم من يؤجر على فضائل الأفعال، ولهذا اختار أن يدل باسمه على الغرض الذى يريده به، لا على الموضع الذى يريده عليه. ومنهج المحتسب كمنهج الحجة، لا يكاد يخالفه إلا بمقدار ما تقتضيه طبيعة الاحتجاج لقراءة الجماعة والقراءة الشاذة، فأبو الفتح يعرض القراءة، ويذكر من قرأ بها، ثم يرجع فى أمرها إلى اللغة، يلتمس لها شاهدا فيرويه، أو نظيرا فيقيسها عليه، أو لهجة فيردها إليها ويؤنسها بها، أو تأويلا أو توجيها فيعرضه فى قصد وإجمال، أو تفصيل وافتنان على حسب ما يقتضيه المقام، ويتطلبه الكشف عن وجه الرأى فى القراءة. وهو فى الجملة آخذ بها، مطمئن إليها، وربما وقع فى نفسك من كثرة ما عدد من خصائصها واستخرج من لطائفها، أنه يؤثرها ويحكم لها على قراءة الجماعة، كما فى الاحتجاج لقراءة الحسن: «اهدنا صراطا مستقيما» وإن هو لم يجد للقراءة وجها يسكن إليه، إما لشذوذه فى اللغة، وإما لحاجته فى الاحتجاج إلى ضرب من التكلف والاعتساف، لم يتخرج أن يردها أو يضعف القراءة بها، لا يكاد يأخذها هى نفسها بهذا أو ذاك، ولكن يأخذ به الوجه الذى يتجه بها إليه، فهو أخذ غير مباشر ولا صريح. فقال مثلا فى الاحتجاج لقراءة ابن محيصن: «ثم أطّرّه إلى عذاب النار» بإدغام الضاد فى الطاء: هذه لغة مرذولة. وقال فى الاحتجاج لقراءة أبى جعفر يزيد: «للملائكة اسجدوا» بضم التاء: «هذا ضعيف عندنا جدّا». وليس عجيبا ولا منكورا أن يتشابه الكتابان فى المنهج على هذا النحو؛ فموضوعهما واحد، وصاحب الحجة أستاذ لصاحب المحتسب، ووحدة الموضوع تستدعى تشابها فى علاج مسائله، وللأستاذ فى تلميذه تأثير، وللتلميذ فى أستاذه قدوة. ولهذا كان «المحتسب» كما كان «الحجة» معرضا حافلا، يزخر بكثير من الشواهد والتوجيهات، وألوان من الآراء والبحوث اللغوية والصوتية التى تدل على الغزارة والتمكن، وعلى شمول الإحاطة، ودقة الملاحظة، وبراعة القياس، وصحة الاستنباط. وليس هذا بكثير على أبى الفتح، ولا هو مما يتعاظمه، فذلك دأبه فى كل ما عرفنا له من كتب، ثم هو بعد هذا قد ألف المحتسب فى آخر حياته كما سبق، أى حين استفاضت تجاريه، واستحصدت ملكاته، وبلغت معارفه غاية ما قدر لها من نضج واكتمال. على أن ابن جنى كان يأخذ على الحجة أن الشيخ أبا على قد أغمضه وأطال الاحتجاج فيه حتى عىّ به القراء، وجفا عنه كثير من العلماء. قال فى مقدمة المحتسب: «فتجاوز فيه قدر حاجة القراء إلى ما يجفو عنه كثير من العلماء».

стр. 66

وقال فى الاحتجاج لقراءة: «تماما على الذى أحسن»: وقد كان شيخنا أبو على عمل كتاب الحجة فى قراءة السبعة، فأغمضه وأطاله حتى منع كثيرا ممن يدعى العربية فضلا عن القرأة وأجفاهم عنه. فلم يشأ أن يكون فى المحتسب كما كان شيخه من قبله فى الحجة، لهذا لا تراه يكثر مثله من الشواهد، ولا يمعن إمعانه فى الاستطراد، ولا يغمض إغماضه فى الاحتجاج. وهو يذكر هذا وينبه عليه فى مواطن شتى من الكتاب. فيقول فى الاحتجاج لقراءة: «لا تنفع نفسا إيمانها»: «والشواهد على ذلك كثيرة، لكن الطريق التى نحن عليها مختصرة قليلة قصيرة». ويقول فى الاحتجاج لقراءة: «فأكثرت جدلنا»: «ولولا أن القراء لا ينبسطون فى هذه الطريق لنبهت على كثير منه، بل إذا كان منتحلو هذا العلم والمترسمون به قلما تطوع طباعهم لهذا الضرب منه. . . فما ظنك بالقراء لو جشموا النظر فيه والتقرى لعزوره ومطاويه؟». ولعزوف ابن جنى عن الإسهاب والإمعان فى الاستطراد فى مقدمة المحتسب يفضل كتاب أبى حاتم السجستانى فى الشواذ على كتاب قطرب «من حيث كان كتاب أبى حاتم مقصورا على ذكر القراءات، عاريا من الإسهاب فى التعليل والاستشهادات التى انحط قطرب فيها وتناهى إلى متباعد غاياتها». على أن أبا الفتح عثمان بن جنى لم يلتزم الاقتصاد فى الاستشهاد فى كل مقام، ولا سيما حين تكون القراءة غريبة، يدعو ظاهرها إلى التنكر لها والتعجب منها. فقد استشهد فى قراءة: «اهدنا صراطا مستقيما» بعشرة شواهد، بعضها من شعر المولدين. واحتج لقراءة: «ولا أدرأتكم به» فأطال الاحتجاج ما شاء الله أن يطيل، ثم ختمه بقوله: وهذا وإن طالت الصنعة فيه أمثل من أن تعطى اليد بفساده. وعبارة المحتسب مرسلة متدفقة، فيها طلاوة بادية، وعليها مسحة ملازمة من عذوبة الفن وأناقته، مبسوطة فى غير حشو ولا فضول، يشيع فيها الازدواج، ويطول الفصل، جزلة الألفاظ، لا تخلو أحيانا من بعض الغريب الذى يحتاج فى الكشف عن معناه الذى يقتضيه المقام إلى فضل تأول وإمعان. أما شواهد المحتسب فكثيرة، لكن يشيع فيها التكرار، لتكرر مقتضيات الاستشهاد بها، وجملتها من الشعر، وفيها قليل من حديث الرسول وكلام البلغاء والأمثال السائرة. وطريقته فى إيراداها لا تخالف طريقة العلماء الآخرين، فهو ينسب بعضها ولا ينسب بعضها الآخر، ويرويها فى أكثر الأمر أبياتا كاملة، وفى أقله أجزاء الأبيات يبلغ أحدها شطر البيت وقد يقل عنه أو يزيد عليه. وربما روى الشاهد مع بعض صلته، فإذا هو معها بضعة أبيات. وأكثر شواهده مما يتردد فى كتب اللغة وعلومها، وبينها طائفة من أشعار المولدين، يأتى

стр. 67

بها للاستئناس والتمثيل، أو لإيضاح المعنى وتأييده. قال: وقد روى بيتا للمتنبى فى أقناء الاحتجاج لقراءة: «وليلبسوا عليهم دينهم»، بفتح الباء: «ولا تقل ما يقوله من ضعفت نجيزته وركت طريقته: هذا شاعر محدث، وبالأمس كان معنا، فكيف يجوز أن يحتج به فى كتاب الله-جل وعز-فإن المعانى لا يرفعها تقدم، ولا يزرى بها تأخر. أما الألفاظ فلعمرى إن الموضع معتبر فيها». *** مصادر المحتسب: يوضح ابن جنى فى مقدمة «المحتسب» أنه استند فى كتابه الذى بين أيدينا إلى ضربين من المصادر التى اعتبرها جديرة بالركون إليها والثقة فيها: الأول: كتب يأخذ منها ويستند إلى بعض ما ورد فيها من علم أصحابها. والآخر: روايات صح لديه الأخذ بها. فأما الكتب فهى: ١ - كتاب أبى بكر أحمد بن موسى بن مجاهد الذى وضعه لذكر الشواذ من القراءة. ٢ - كتاب أبى حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستانى. ٣ - كتاب أبى على محمد بن المستنير قطرب. ٤ - كتاب المعانى للزجاج. ٥ - كتاب المعانى للفراء. وأما ما صح عنده الأخذ به مما يرويه عن غير فيقول عنه: «لا نألو فيه ما تقتضيه حال مثله من تأدية أمانته، وتحرى الصحة فى روايته». وقد نقل عن طائفة من رواة اللغة وعلمائها، وسنقصر الكلام على نقله عمن يبدو أثرهم فى الكتاب ويكثر ذكرهم فيه. ولم يكن ابن جنى يتقبل كل ما ينقله أو يأخذه على ما خيلت، ولكنه كان ينظر فيه وينقده، فى تطلف ورفق حينا، وفى قوة وعنف حينا آخر، صريحا واضحا وحرّا مستقلا، وعادلا منصفا فى كل حين، ينشد الحقيقة وينزل على حكمها أنّى تكون. لقد نقل عن سيبويه واستشهد بكثير من شواهده، فوافقه وخالفه، وربما جاوز الوفاق إلى الدفاع، وجاوز الخلاف إلى الإنكار والملام. ويظهر ذلك واضحا حليّا فى الاحتجاج لقراءة: «ويعلّمهم الكتاب» بسكون الميم، فقد أورد قول امرئ القيس: فاليوم أشرب غير مستحقب … إثما من الله ولا واغل ثم قال: «وأما اعتراض أبى العباس هنا على الكتاب، فإنما هو على العرب لا على صاحب الكتاب؛ لأنه حكاه كما سمعه، ولا يمكن فى الوزن أيضا غيره. وقول أبى العباس: إنما الرواية

стр. 68

فاليوم فاشرب، فكأنه قال لسيبويه: كذبت على العرب، ولم تسمع ما حكيت عنهم! وإذا بلغ الأمر هذا الحد من السرف فقد سقطت كلفة القول معه». وكما فى الاحتجاج لقراءة عيسى بن عمر: «على تقوى من الله» بالتنوين، فقد روى أن سيبويه سئل عن وجه التنوين هنا، فقال: لا أدرى، ولا أعرفه. وقال ابن جنى يبين الوجه: «وأما التنوين فإنه وإن كان غير مسموع إلا فى هذه القراءة، فإن قياسه أن تكون ألفه للإلحاق لا للتأنيث. . . وكان الأشبه بقدر سيبويه ألا يقف فى قياس ذلك، وألا يقول: لا أدرى. . . فأما أن يقول سيبويه: لم يقرأ بها أحد فجائز، يعنى فيما سمعه. لكن لا عذر له فى أن يقول: لا أدرى». ونقل عن شيخه أبى على الفارسى، فروى مما أنشده إياه من شواهد، وما أخذه عنه من أصول، وما انتهيا إليه من رأى فى المسائل التى دار بينهما فيها حوار ومساءلة، يعرض كل أولئك فى صراحة وأمانة، ثم يختم النقل ويعقب عليه بما قد يكون عنده من مزيد، فتراه مثلا يقول: أنشدنا أبو على. . .، أو: حدثنى أبو على، أو: وهذا أخذناه عن أبى على. ثم يقول: هذا آخر الحكاية عن أبى على، وينتقل إلى إضافة ما يريد أن يضيف، مما يستقل به من رأى. فتراه مثلا يقول: «ينبغى أن يعلم ما أذكر»، أو: «وفيه عندى شئ لم يذكره أبو على ولا غيره من أصحابنا»، أو: «ووجه ذلك عندى ما أذكره». أو نحو ذلك مما يتردد كثيرا فى مواضع مختلفات من المحتسب. ونقل عن الكسائى فأعجب به وأنكر عليه، ففى الاحتجاج لقراءة: «وما يخدعون إلا أنفسهم» بضم الياء وفتح الدال يقرر أنها جاءت «على خدعته نفسه؛ لما كان معناه معنى انتقصته نفسه أو تخونته نفسه. ورأيت أبا على يذهب إلى استحسان مذهب الكسائى فى قوله: إذا رضيت علىّ بنو قشير … لعمر الله أعجبنى رضاها لأنه قال: عدى رضيت ب «على» كما يعدى نقيضها وهى سخطت به، وكان قياسه رضيت عنى، وإذا جاز أن يجرى الشئ مجرى نقيضه، فإجراؤه مجرى نظيره أسوغ، فهذا مذهب الكسائى وما أحسنه!. وفى الحديث عن قراءة يعقوب: «ويك أنه لا يفلح الكافرون» بالوقف على «ويك» والابتداء ب «أنه» يقول بعد أن أورد بيت عنترة: ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها … قيل الفوارس ويك عنتر أقدم وقال الكسائى فيما أظن: أراد ويلك، ثم حذف اللام. وهذا يحتاج إلى خبر نبىّ لقبل». ونقل عن ابن مجاهد فوثق به فى النقل والرواية، وتعقبه فى اللغة بالإنكار والمخالفة، فيقول فى المقدمة عن كتابه فى الشواذ: «أثبت فى النفس من كثير من الشواذ المحكية عمن ليست له روايته ولا توفيقه ولا هدايته».

стр. 69

وينقل تفسيره لقراءة: «ولا يووده حفظهما» بلا همز، ثم يقول: «خلط ابن مجاهد فى هذا التفسير تخليطا ظاهرا غير لائق بمن يعتد إماما فى روايته، وإن كان مضعوفا فى فقاهته». وينقل قراءة يحيى وإبراهيم السلمى: «أفحكم الجاهلية يبغون» بالياء ورفع الميم، وينقل معها قول ابن مجاهد فيها: وهو خطأ. ويقول: قول ابن مجاهد: إنه خطأ فيه سرف، لكنه وجه غيره أقوى منه. وينقل قراءة: «أنبهم» بوزن أعطهم، وقراءة: «أنبيهم» بلا همز، وقراءة: «أنبئهم» وينقل معها أيضا قول ابن مجاهد فيها: وهذا لا يجوز، ثم يمضى فى الاحتجاج لهذه القراءات والتماس الوجه لكل منها، حتى إذا بلغ من ذلك غايته، قال: فقد علمت بذلك أن قول ابن مجاهد: هذا لا يجوز-لا وجه له لما شرحناه من حاله. ورحم الله أبا بكر فإنه لم يأل فيما علمه نصحا، ولا يلزمه أن يرى غيره ما لم يره الله تعالى إياه. وسبحانه قاسم الأرزاق بين عباده، وإياه نسأل عصمة وتوفيقا وسدادا بفضله. ورأينا ابن جنى فى المحتسب يأخذ ببعض ما لم ير الأخذ به فى الخصائص، فإذا هو بذلك لا يخالف رأيا له وحسب، ولكنه يخالف مذهبه النحوى أيضا. قال فى الخصائص: وسمعت الشجرى أبا عبد الله غير دفعة يفتح الحرف الحلقى فى نحو: يعدو وهو محموم، ولم أسمعها من غيره من عقيل. فقد كان يرد علينا منهم من يؤنس به ولا يبعد عن الأخذ بلغته. وما أظن الشجرى إلا استهواه كثرة ما جاء عنهم من تحريك حرف الحلق بالفتح إذا انفتح ما قبله فى الاسم على مذهب البغداديين. وهذا قاسه الكوفيون، وإن كنا نحن لا نراه قياسا، لكن مثل: يعدو وهو محموم، لم يرو عنهم فيما علمت. وقال فى المحتسب فى الاحتجاج لقراءة: «إن يمسسكم قرح» بفتح القاف والراء: قرح وقرح كالحلب والحلب. وفيه أيضا قرح على فعل، بقرأ بهما جميعا، ثم لا أبعد من بعد أن تكون الحاء لكونها حرفا حلقيا يفتح ما قبلها كما تفتح نفسها فيما كان ساكنا من حروف الحلق، نحو قولهم فى الصخر: الصخر. ولعمرى إن هذا عند أصحابنا ليس أمرا راجعا إلى حرف الحلق لكنها لغات. وأنا أرى فى هذا رأى البغداديين فى أن حرف الحلق يؤثر هنا من الفتح أثرا معتدا معتمدا، فلقد رأيت كثيرا من عقيل لا أحصيهم تحرك من ذلك ما لا يتحرك أبدا، لولا حرف الحلق، وهو قول بعضهم: نحوه، يريد نحوه. وهذا ما لا توقف فى أنه أمر راجع إلى حرف الحلق؛ لأنه الكلمة بنيت عليه. وبعد أن دلل على ذلك وذكر ما سمعه من الشجرى، قال: ولا قرابة بينى وبين البصريين،

стр. 70

لكنها بينى وبين الحق والحمد لله. وقد سمع ابن جنى من عرب عقيل، ونقل عمن يثق بعربيته منهم إلى المحتسب وغيره، كما فعل سيبويه من قبل. فتراه يقول فى المحتسب مثلا: حضرنى قديما بالموصل أعرابى عقيلى، أو رأيت كثيرا من عقيل لا أحصيهم، أو سمعت غلاما حدثا من عقيل. . . وهكذا. ويبدو أن سبب اختصاصه بنى عقيل بالأخذ والرواية أنهم كانوا بالكوفة والبلاد الفراتية والجزيرة والموصل، هاجروا إليها بعد ما غلبوا على مساكنهم فى البحرين. وأفاد ابن جنى فى الاحتجاج للشواذ من لهجات القبائل، يرجع إليها ويخرّج على مقتضاها، ولهذا ورد فى المحتسب كثير منها. ويذكر ابن جنى فى المحتسب طائفة من أصول العربية وقواعدها العامة من لغوية ونحوية وعروضية، دعته دواعى الاحتجاج وتأييد الرأى إلى إيرادها فى مواطن شتى من الكتاب من مثل: العرب إذا نطقت بالأعجمى خلطت فيه. ويجوز مع طول الكلام ما لا يجوز مع قصره ووقوع الواحد موقع الجماعة فاش فى اللغة، والخطاب بالتاء أذهب فى قوة الخطاب، والقوافى حوافر الشعر، وتشبع العرب مدات التأسيس والردف والوصل والخروج عناية بالقافية، إذا كانت للشعر نظاما، وللبيت اختتاما والأمثال تجرى مجرى المنظوم فى تحمل الضرورة. وفى الكتاب كذلك عرض لبعض مسائل البلاغة، ففى الاحتجاج لقراءة ابن عباس: «إنى أرانى أعصر عنبا» كلام عن بعض صور المجاز المرسل. وفى الاحتجاج لقراءة: «وعلم آدم الأسماء كلها»، كلام عن نظم الأسلوب وعلاقته بإرادة ناظمه. *** منهج التحقيق وقد اعتمدنا فى تحقيقنا لهذا الكتاب الجليل فى فرعه على نسختين: الأولى: نسخة دار الكتب المصرية المحفوظة برقم ٧٨/قراءات، والتى يرجع تاريخها إلى سنة ٥٢٨ هـ، وتقع فى ١٦٩ ورقة، وهى ممهورة بتوقيع غير مكتمل: «عبد. . . أحمد بن محمد» والذى يرجح أن يكون اسم الناسخ، وتفتتح النسخة بالآتى: «قرأ علىّ هذا الكتاب الفقيه الأجل العالم البرّ عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن سعيد الدانى المقرئ حرسه الله من هذا الفرع وأنا أنظر فى أصل كتاب أبى الحسن نصر بن عبد العزيز بن نوح الشيرازى الذى عليه خط على بن زيد القاسانى بسماعه، وكان يرويه عن مؤلفه أبى الفتح. . .». وأما نسختنا الأخرى التى اعتمدناها فى التحقيق، فهى محفوظة-أيضا-بدار الكتب المصرية تحت رقم ٢٥٢/قراءات، ويرجع تاريخها إلى سنة ١٣٣٥ هـ، ومنسوخة بمعرفة

стр. 71

الأستاذ محمود بن عبيد. أما ما كان له عظيم الأثر فى إتمام عملنا الذى نأمل أن يحوز رضاء كل المهتمين باللغة العربية والبحوث المتخصصة فى علوم القرآن؛ فكان النسخة المنقحة الدقيقة التى أصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بتحقيق الفضلاء السادة: د. على النجدى ناصف، ود. عبد الحليم النجار، ود. عبد الفتاح إسماعيل شلبى. وقد قمنا فى التحقيق بعمل، يتضاءل إذا ما نظرنا إليه بجوار قيمة هذا المتن الجامع لمؤلفه أبى الفتح عثمان بن جنى، نلخصه فى الآتى: ١ - قمنا بتخريج الآيات القرآنية. ٢ - قمنا بتخريج القراءات القرآنية منسوبة لأصحابها، لتتحقق الإفادة بذكر من أغفلهم ابن جنى من القراء حين عرضه للقراءة. ٣ - قمنا بالترجمة للأعلام الذين تحقق الترجمة زيادة فى الفائدة عند التعرض للقراء. *** أما ما لا يمكن أن ننساه، فهو الدور الرائد الذى تلعبه دار الكتب العلمية، وعلى رأسها صاحبها ومديرها السيد الأستاذ: محمد على عبد الحفيظ بيضون، الذى آل على نفسه ألا يغفل أثرا من أهم ما خلفه العرب فى علوم القرآن، وتلك مهمته التى تصدى لها منذ سنوات طوال، فى نشر كل ما يخص التراث العربى الممتلئ ثراء، لا يدخر فى ذلك جهدا أو وقتا. والله نسأل أن يوفيه خير الجزاء. والله نسأل الأجر والإثابة، وأن هذا العمل محتسبا لنا عنده، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والله من وراء القصد وهو سبحانه يهدى سواء السبيل. ***

стр. 72

مراجع التحقيق ١ - آداب الشافعى ومناقبه، لابن أبى حاتم أبى محمد عبد الرحمن المتوفى (٣٢٧ هـ). تحقيق عبد الغنى عبد الخالق. نشر مكتبة التراث بحلب. ٢ - آداب العصر فى شعراء الشام والعراق ومصر: لسعد ميخائيل. ٣ - الآداب، للإمام البيهقى، المتوفى (٤٥٨ هـ) تحقيق محمد عبد القادر عطا، طبع دار الكتب العلمية، بيروت. ٤ - أبجد العلوم: لصديق حسن خان القنوجى. طبع فى بهوبال ١٢٩٥ هـ. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٥ - أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم: للبشارى. طبع فى ليدن ١٩٠٩. ٦ - أحكام القرآن لابن العربى، تحقيق محمد عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية. بيروت. ٧ - أحوال الرجال، لأبى إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى المتوفى سنة ٢٥٩ هـ، تحقيق صبحى السامرائى مؤسسة الرسالة ١٤٠٥ هـ/١٩٨٥ م. ٨ - أخبار أبى تمام: لأبى بكر الصولى. طبع فى مصر ١٩٣٧/ ١٣٥٦. ٩ - الأخبار الطوال: للدينورى. طبعة مصر ١٣٣٠ هـ. ١٠ - أخبار القضاة: لوكيع. طبع فى القاهرة سنة ١٣٦٦ - ١٣٦٩ هـ. ١١ - أخبار النحويين البصريين: لأبى سعيد السيرافى. من مطبوعات معهد المباحث الشرقية بالجزائر ١٩٣٦. ١٢ - أدب الإملاء والاستملاء: لعبد الكريم بن محمد السمعانى. طبع فى لندن ١٩٥٢. ودار الكتب العلمية بيروت. ١٣ - أسد الغابة فى معرفة الصحابة: لابن الأثير. خمسة مجلدات. طبع بمصر ١٢٨٠ هـ. ودار الكتب العلمية. بيروت. ١٤ - أسماء الصحابة الرواية: لابن جزم. طبع مع «جوامع السيرة». ودار الكتب العلمية. بيروت. ١٥ - أسماء المغتالين من الأشراف: لمحمد بن حبيب. طبع فى نوادر المخطوطات ٢: ١٠٥ - ١٦ - أسماء خيل العرب وفرسانها: للجواليقى. طبع مع نسب الخيل للكلبى، بليدن ١٩٢٨. ١٧ - الأسماء والكنى: للحافظ الحاكم محمد بن محمد النيسابورى. ١٨ - الأصمعيات: اختيار الأصمعى. طبع فى مصر ١٩٥٥/ ١٣٧٥. ١٩ - الأعلاق النفيسة: لابن رسته. طبع فى ليدن ١٨٩١.

стр. 73

٢٠ - أعلام الأدب والفن: لأدهم الجندى. طبع بدمشق ١٩٥٤. ٢١ - الأعلام الخطيرة فى ذكر أمراء الشام والجزيرة: لمحمد بن على بن شداد. والجزء الثانى منه فى «تاريخ مدينة دمشق». طبع بها ١٩٥٦/ ١٣٧٥). ٢٢ - أعلام النساء: لعمر رضا كحالة. ثلاثة مجلدات. طبع فى دمشق ١٣٥٩ هـ. ٢٣ - الأغانى: لأبى الفرج الأصفهانى. طبعة الساسى بمصر ٢١ جزءا، عدا الفهارس وهى ٤ أجزاء. سنة ١٣٢٣. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٢٤ - ألقاب الشعراء ومن يعرف منهم بأمه: لمحمد بن حبيب. طبع بمصر ١٩٥٤/ ١٣٧٤ (فى نوادر المخطوطات ٢:٢٧٩). ٢٥ - الأمالى الشجرية لابن الشجرى دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت. ٢٦ - أمالى المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط. الاولى ١٣٧٣ هـ/١٩٥٤ م البابى الحلبي. ٢٧ - الأمالى: لإسماعيل بن القاسم القالى. جزآن. طبع فى مصر ١٩٢٦/ ١٣٤٤. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٢٨ - أمثال العرب: للمفضل الضبى. طبع بالآستانة ١٣٠٠ هـ. ٢٩ - أنساب الخيل: لابن الكلبى. طبع فى مصر ١٩٤٦. ٣٠ - الأنساب المتفقة فى الخط، المتماثلة فى النقط والضبط: لابن القيسرانى. طبع فى ليدن ١٨٦٥. ٣١ - الأنساب: للسمعانى. طبع بالزنكوغراف، بليدن ١٩١٢. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٣٢ - الأنيس المطرب القرطاس فى أخبار ملوك المغرب وتاج مدينة فاس: لأبى عبد الله محمد بن عبد الحليم المعروف بابن أبى زرع. مطبوع على الحجر بفاس ١٣٠٥ هـ. ٣٣ - أيام العرب فى الجاهلية: لمحمد أحمد جاد المولى، وعلى البجاوى، ومحمد أبى الفضل إبراهيم. طبع فى مصر ١٩٤٢/ ١٣٦١. ٣٤ - إنباه الرواة على انباه النحاة للقفطى تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ط. دار الكتب المصرية ١٣٧١ هـ/١٩٥٢ م. ٣٥ - إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، للزبيدى. ٣٦ - إتحاف فضلاء البشر فى القراءات الأربع عشرة، لأحمد الدمياطى البنا، ط. عبد الحميد حنفى بالقاهرة. ٣٧ - إتحاف فضلاء الزمن بتاريخ ولاية بنى الحسن: لمحمد بن على، ابن المحب الطبرى. مخطوط فى مكتبة محمد ماجد الكردى، بمكة. ٣٨ - الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ط. الثالثة ١٣١٧ هـ/١٩٥١ م. ٣٩ - إتمام الوفاء فى سيرة الخلفاء: للسيوطى. بدار الكتب العلمية. بيروت. ٤٠ - الإحسان فى ترتيب صحيح ابن حبان، لأبى الحسن على بن بلبان الفارسى المتوفى

стр. 74

(٧٣٩ هـ)، طبع دار الكتب العلمية. بيروت. ٤١ - الإدغام الكبير للدانى مخطوطة معهد جامعة الدول العربية رقم ٣ قراءات. ٤٢ - إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، المعروف بمعجم الأدباء: لياقوت الحموى. سبعة أجزاء، طبعة مرجليوث، بمصر ١٩٠٧ - ١٩٢٥. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٤٣ - إسعاف المبطأ برجال الموطأ: لجلال الدين السيوطى. طبعة الهند ١٣٢٠ هـ. بآخر تنوير الحوالك شرح موطأ مالك للسيوطى أيضا. طبعة مصر ١٣٤٤. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٤٤ - الإشارة بلطيف العبارة فى القراءات المأثورات بالرويات المشهورات مخطوطة معهد جامعة الدول العربية رقم ٦ قراءات. ٤٥ - الإشراف فى منازل الأشراف: لابن أبى الدنيا. دار الكتب العلمية. بيروت. تحقيق مصطفى عبد القادر عطا. ٤٦ - الإصابة فى تمييز الصحابة: لابن حجر العسقلانى. أربعة مجلدات. طبع بمصر ١٩٣٩/ ١٣٥٨. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٤٧ - إعجام الأعلام: لمحمود مصطفى. طبع فى مصر ١٩٣٥/ ١٣٥٤. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٤٨ - إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين: لمحمد بن على بن طولون. رسالة طبعت فى دمشق ١٣٤٨ هـ. ٤٩ - إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء: لمحمد راغب الطباخ الحلبى. سبعة مجلدات. طبع فى حلب ١٣٤٢ هـ. ٥٠ - الإعلام بتاريخ الإسلام: لأبى بكر بن أحمد، ابن قاضى شهبة الأسدى، المتوفى سنة ٨٥١ هـ. ٥١ - الإعلام بفضائل الشام: لأحمد بن على المنينى. طبع فى القدس. ٥٢ - الإعلام بما وقع فى مشتبه الذهبى من الأوهام: جردها من توضيح المشتبه مؤلفهما محمد بن أبى بكر عبد الله بن محمد، المعروف بابن ناصر الدين. مخطوط كتب سنة ٨٢٩. فى المكتبة العربية بدمشق. ٥٣ - الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام: لعباس (بن محمد بن محمد) بن إبراهيم المراكشى. خمسة مجلدات منه، طبعت بفاس ابتداء من سنة ١٩٣٦. ٥٤ - الإعلان بالتواريخ لمن ذم التاريخ: للسخاوى. طبع بدمشق ١٣٤٩ هـ. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٥٥ - الإكليل: للهمدانى. الجزء الثامن. طبع فى بغداد ١٩٣١ وفى برنستن ١٩٤٠. ٥٦ - الإكمال فى رفع الارتياب عن المختلف والمؤتلف من الأسماء والكنى والأنساب: للأمير على بن هبة الله بن ماكولا. مخطوط فى مجلدين ضخمين. كتب سنة ٥٩١ هـ. وطبع بدار الكتب العلمية. بيروت.

стр. 75

٥٧ - إمتاع الأسماع: للمقريزى. المجلد الأول منه. طبع فى القاهرة ١٩٤١. ٥٨ - الإمتاع والمؤانسة: لأبى حيان التوحيدى. ثلاثة أجزاء. طبع بمصر ١٩٣٩. ٥٩ - إنسان العيون فى سيرة الأمين المأمون: لعلى بن برهان الدين الحلبى. يعرف بالسيرة الحلبية. ثلاث مجلدات. طبع بمصر ١٢٩٢ هـ. ٦٠ - الإنصاف فى مسائل الخلاف للانبارى تحقيق محيى الدين عبد الحميد ط. الثانية بمصر ١٩٥٣ م. ٦١ - الإهتداء فى الوقف والأبتداء للشيخ على السخاوى مخطوطة دار الكتب رقم ٢٢٥ تفسير تيمور. ٦٢ - إيضاح المكنون فى الذيل على كشف الظنون: لإسماعيل باشا بن محمد أمين البابانى البغدادى. مجلدان. طبع فى استانبول، الأول ١٩٤٥/ ١٣٦٤ والثانى ١٩٤٧/ ١٣٦٦. ٦٣ - إيضاح الوقف والأبتداء فى كتاب الله ، لأبى بكر محمد ابن القاسم بن بشار الأنبارى تحقيق محيى الدين عبد الرحمن رمضان. ط. مجمع اللغة العربية بدمشق ١٣٩١ هـ/١٩٧١ م. ٦٤ - الاستدراك، لأبى بكر محمد بن عبد الغنى بن نقطة، المتوفى ٦٢٩ هـ. نسخة الظاهرية (٤٢٩) ونسخة دار الكتب المصرية (١٠). ٦٥ - الاستيعاب فى أسماء الأصحاب: ليوسف بن عبد الله بن عبد البر، أربعة أجزاء طبعت على هامش «الإصابة» بمصر ١٩٣٩/ ١٣٥٨. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٦٦ - الاشتقاق: لابن دريد الأزدى. طبع فى جوتنجن ١٨٥٤. ٦٧ - الاغتباط بتراجم أعلام الرباط: لأبى عبد الله محمد بوجندار الرباطى. مخطوط، جزآن فى مجلد واحد. نسخة عبد الله بن العباس الجرارى، فى الرباط. ٦٨ - بحر الأنساب، المسمى بالمشجر الكشاف لأصول السادة الأشراف: لمحمد بن أحمد بن عميد الدين الحسينى النجفى. طبع بمصر، على الحجر ١٣٥٦ هـ. ٦٩ - البحر الزاخر فى تاريخ العالم وأخبار الأوائل والأواخر: لمحمود فهمى المهندس. أربعة أجزاء. طبع فى بولاق ١٣١٢ - ١٣١٣ هـ. ٧٠ - البحر المحيط لأبى حيان، مكتبة النصر الحديثة/الرياض. ٧١ - البخلاء: للجاحظ. طبع بمصر ١٩٤٨. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٧٢ - البدء والتاريخ: المنسوب لأحمد بن سهل البلخى، وهو لمطهر بن طاهر المقدسى. ستة أجزاء. طبع فى شالون ١٩١٦. ٧٣ - بدائع الزهور فى وقائع الدهور: لابن إياس. ثلاثة أجزاء. طبع بمصر ١٣١١ هـ. والرابع والخامس منه: طبعا فى استامبول ١٩٣١ و ١٩٣٢. ٧٤ - البداية والنهاية فى التاريخ: لابن كثير. أربعة عشر جزءا. طبع فى مصر ١٣٥١ - ١٣٥٨ هـ. ودار الكتب العلمية. بيروت. ٧٥ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: للشوكانى مجلدان. طبع بمصر
следующие страницы →