← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 704

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Полный текст (896 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرّحمن الرّحيم مقدمة التحقيق الحمد لله حمدا طيبا مباركا، متصلا ما دامت الأرض والسماء. الحمد لله الذى أمد لعباده فى عفوه ولم يأخذهم بما اقترفته أيديهم، إنه-سبحانه-الغفور الرحيم، تعالى عما يصفون. . وسلام على المرسلين. . وبعد: لقد فتح الله لأمة نبيه الخاتم ﷺ من أبواب رحمته ما لم يفتح قبله مثله، منذ أن اصطفاهم بخيرة الأنبياء والمرسلين، النبى الأمى محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وحتى أدخلهم الجنان بمنّه وفضله، وأنعم عليهم النعمة كلها وفضلهم على كثيرا ممن خلق تفضيلا، فالحمد له-تعالى-كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه. ومن أبواب الرحمة التى فتحها الله على الأمة الإسلامية-وهى أكثر من أن تحصى أو تعد -أن جعل فيهم القرآن هاديا مرشدا، فيه خبر الأولين ونبأ الآخرين، وحفظه من كل سوء وعبث: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ وتلك مزية لم تكن لغيره من الكتب قبله. وزاد الله فى فضله-وهو سبحانه أهل الفضل-فيسر عليهم فيه، التيسير كله، فأباح لهم قراءته، كل على قدر طاقته تخفيفا عليهم، ورحمة منه، فقرأه الناس على حروفهم ولم يلتزموا حرفا واحدا، وإن التزموا فى العمل وامتثلوا هدى نبيهم ﷺ ، فجاءت أفعالهم واحدة، وإن شاب قراءتهم بعض الاختلاف. فالحمد لله لا نحصى ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه. وقد اهتم المسلمون بذلك الباب من أبواب رحمة ربهم-نعنى علم القراءات-أيّما اهتمام، وأفردوا له من المجلدات والأسفار الكثير؛ دلالة منهم على شكر النعمة التى أنعم عليهم ربهم .

стр. 2

فقد صنف فى علوم القرآن وفنونه جماعة من العلماء، منهم قاضى القضاة جلال الدين، أخو شيخ مشايخ الإسلام علم الدين البلقينى سماه «مواقع العلوم من مواقع النجوم» قال فى خطبته: «وأنواع القرآن شاملة وعلومه كاملة فأردت أن أذكر فى هذا التصنيف ما وصل إلى علمى مما حواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف، وينحصر فى أمور: الأمر الأول: مواطن النزول وأوقاته ووقائعه وفى ذلك اثنا عشر نوعا: المكى والمدنى، السفرى والحضرى، الليلى والنهارى، الصيفى والشتائى، القراشى، أسباب النزول، أول ما نزل، آخر ما نزل. الأمر الثانى: السند، وهو ستة أنواع: المتواتر، الآحاد، الشاذ، قراءات النبى ﷺ ، الرواة، الحفاظ. الأمر الثالث: الأداء، وهو ستة أنواع: الوقف، الابتداء، الإمالة، المد، تخفيف الهمزة، الإدغام. الأمر الرابع: الألفاظ، وهو سبعة أنواع: الغريب، المعرب، المجاز، المشترك، المترادف، الاستعارة، التشبيه. الأمر الخامس: المعانى المتعلقة بالأحكام، وهو أربعة عشر نوعا: العام الباقى على عمومه، العام المخصوص، العام الذى أريد به الخصوص، ما خص فيه الكتاب السنة، ما خصت فيه السنة الكتاب، المجمل المبين، المؤول، المفهوم، المطلق، المقيد، الناسخ، المنسوخ، نوع من الناسخ والمنسوخ، وهو ما عمل به من الأحكام مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين. الأمر السادس: المعانى المتعلقة بالألفاظ، وهو خمسة أنواع: الفصل، الوصل، الإيجاز، الإطناب، القصر. قال: ومن الأنواع ما لا يدخل تحت الحصر: الأسماء، الكنى، الألقاب، المبهمات. وتعقبه السيوطى فقال: تكلم فى كل نوع بكلام مختصر يحتاج إلى تحرير وتتمات وزوائد مهمات فصنفت فى ذلك كتابا سميته «التحبير فى علوم التفسير» ضمنته ما ذكره البلقينى من الأنواع مع زيادة مثلها وأضفت إليه فوائد سمحت القريحة بنقلها. ومنهم الشيخ الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى الذى ألف كتابا فى ذلك حافلا يسمى «البرهان فى علوم القرآن» قال فى خطبته: «لما كانت علوم القرآن لا تحصى، ومعانيه لا تستقصى، وجبت العناية بالقدر الممكن، ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشمل على أنواع علومه كما وضع الناس ذلك بالنسبة إلى علم الحديث، فاستخرت الله تعالى، وله الحمد فى وضع كتاب فى ذلك جامع لما تكلم الناس فى فنونه، وخاضوا فى نكته وعيوبه،

стр. 3

وضمنته من المعانى الأنيقة، والحكم الرشيقة، ما بهر القلوب عجبا ليكون مفتاحا لأبوابه، عنوانا على كتابه، معينا للمفسر على حقائقه، مطلعا على بعض أسراره ودقائقه، وسميته «البرهان فى علوم القرآن». ومنهم الحافظ السيوطى صاحب كتاب الإتقان فى علوم القرآن، الذى قال فى خطبته: «لما وقفت على هذا الكتاب-أى كتاب البرهان-ازدت به سرورا، وحمدت الله كثيرا وقوى العزم على إبراز ما أضمرته وشددت الحزم فى إنشاء التصنيف الذى قصدته فوضعت هذا الكتاب العلى الشأن، الجلى البرهان، الكثير الفوائد والإتقان، ورتبت أنواعه ترتيبا أنسب من ترتيب البرهان، وأدمجت بعض الأنواع فى بعض وفصلت ما حقه أن يبان، وزدته على ما فيه من الفوائد والقواعد والشوارد ما يشنف الآذان، وسميته ب «الإتقان فى علوم القرآن». الإتقان ٥/ ١،٧. واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره ثم لم يحكم أمره. وفى هذا الكتاب الذى نقدمه اليوم للقارئ المسلم سنقف عند أحد فروع علوم القرآن، ألا وهو علم القراءات القرآنية وعلى وجه الخصوص توجيه القراءات الشاذة، هذا العلم العظيم الشأن الذى أفردت له المؤلفات العظام منذ بدلاية زمن التأليف حتى زمننا هذا، ولأهمية هذا الكتاب أردنا إلا يخلو من تقديمه بمقدمة تليق بهذا الكتاب الذى قام بتأليفه ابن جنى جامعا مادته من عدة مؤلفات سابقة لإئمة هذا الشأن، وستدور المقدمة حول عدة محاور: أولها: يدور حول القرآن وقراءاته. وثانيهما: حول ابن جنى ومؤلفاته. وآخرها: حول كتاب المحتسب. *** القرآن وقراءاته القرآن فى جمعه وترتيبه: قال الدير عاقولى فى فوائده: حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهرى عن عبيد، عن زيد بن ثابت، قال: قبض النبى ﷺ ولم يكن القرآن جمع فى شئ. قال الخطابى: إنما لم يجمع ﷺ القرآن فى المصحف، لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر.

стр. 4

وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبى سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن. . .» الحديث، فلا ينافى ذلك لأن الكلام فى كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة وقد كان القرآن كتب كله فى عهد رسول الله ﷺ لكن غير مجموع فى موضع واحد ولا مرتب السور. قال الحاكم فى المستدرك: جمع القرآن ثلاث مرات: إحداها: بحضرة النبى ﷺ ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: «كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع» الحديث. وقال البيهقى: أشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة فى سورها وجمعها فيها بإشارة النبى ﷺ . الثانية: بحضرة أبى بكر. روى البخارى فى صحيحه عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلىّ أبو بكر، مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتانى، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإنى أخشى أن يستحر القتل بالقراء فى المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟. قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك، ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فأجمعه. فو الله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىّ مما أمرنى به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟. قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح الله له صدر أبى بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع غيره: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. وأخرج ابن أبى داود فى المصاحف بسند حسن عن عبد خير قال: سمعت عليّا يقول: «أعظم الناس فى المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبى بكر، هو أول من جمع كتاب الله». لكن أخرج أيضا من طريق ابن سيرين، قال: «قال على: لما مات رسول الله ﷺ آليت أن لا آخذ علىّ ردائى إلا لصلاة جامعة حتى أجمع القرآن فجمعته». قال ابن حجر: هذا الأثر ضعيف لانقطاعه، وبتقدير صحته، فمراده بجمعه حفظه فى

стр. 5

صدره، وما تقدم من رواية عبد خير، إن صح عنه، فهو المعتمد. قال السيوطى: قد ورد من طريق أخرى، أخرجه ابن الضريس فى فضائله. حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هودة بن خليفة، حدثنا عون، عن محمد بن سيرين، عن عكرمة، قال: لما كان بعد بيعة أبى بكر قعد على بن أبى طالب فى بيته، فقيل لأبى بكر: قد كره بيعتك: فأرسل إليه، فقال: أكرهت بيعتى؟ قال: لا والله، قال: ما أقعدك عنى، قال: رأيت كتاب الله يزاد فيه، فحدثت نفسى أن لا ألبس ردائى إلا لصلاة حتى أجمعه. قال أبو بكر: فإنك نعم ما رأيت. قال محمد: فقلت لعكرمة: ألفوه كما أنزل الأول فالأول، قال: لو اجتمعت الأنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا. وأخرجه ابن أشتة فى المصاحف من وجه آخر عن ابن سيرين، وفيه: أنه كتب فى مصحفه الناسخ والمنسوخ، وأن ابن سيرين، قال: تطلبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه. وأخرج ابن أبى داود من طريق الحسن: «أن عمر سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان يوم اليمامة، فقال: إنا لله، وأمر بجمع القرآن، فكان أول من جمع القرآن فى المصحف. . .» إسناده منقطع، والمراد بقوله: فكان أول من جمع، أى أشار بجمعه. قال السيوطى: ومن غريب ما ورد فى أول من جمعه ما أخرجه ابن أشتة فى كتاب المصاحف من طرق كهمس، عن ابن بريدة، قال: أول من جمع القرآن فى مصحف سالم مولى أبى حذيفة أقسم لا يرتدى برداء حتى يجمعه، فجمعه ثم ائتمروا ما يسمونه، فقال بعضهم: سموه السفر، قال: ذلك تسمية اليهود، فكرهوه، فقال: رأيت بالحبشة يسمى المصحف، فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف، إسناده منقطع أيضا، وهو محمول على أنه كان أحد الجامعين بأمر أبى بكر. وأخرج ابن أبى داود من طريق يحيى عبد الرحمن بن حاطب، قال: قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن، فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك فى الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان. وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفى بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا مع كون زيد كان يحفظ، فكان يفعل ذلك مبالغة فى الاحتياط. وأخرج ابن أبى داود أيضا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه أن أبا بكر، قال: لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه. قال ابن حجر: وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة. وقال السحاوى فى جمال القراء: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين

стр. 6

يدى رسول الله ﷺ أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التى نزل بها القرآن. قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين النبى ﷺ لا من مجرد الحفظ، قال: ولذلك قال: فى آخر سورة التوبة لم أجدها مع أحد غيره، أى لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة. قال السيوطى: أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبى ﷺ عام وفاته كما يؤخذ مما تقدم آخر النوع السادس عشر. وقد أخرج ابن أشتة فى المصاحف عن الليث بن سعد، قال: أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدى عدل، وأن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع خزيمة بن ثابت، فقال: اكتبوها، فإن رسول الله ﷺ جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتبت، وأن عمر أتى بآية الرجم، فلم يكتبها؛ لأنه كان وحده. وقال الحارث المحاسبى فى كتاب فهم السنن: كتابة القرآن ليست بمحدثة؛ فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا فى الرقاع والأكتاف والعسب؛ وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان، وكان مجتمعا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت فى بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشرا، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شئ. قال: فإن قيل: كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال؟. قيل: لإنهم قد شاهدوا تلاوته من النبى ﷺ عشرين سنة، فكان تزوير ما ليس منه مأمونا، وإنما كان الخوف من ذهاب شئ من صحفه، وقد تقدم فى حديث زيد أنه جمع القرآن من العسب واللخاف. وفى رواية: والرقاع، وفى أخرى: وقطع الأديم، وفى أخرى والأكتاف، وفى أخرى: والأضلاع، وفى أخرى: والأقتاب والعسب جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص، ويكتبون فى الطرف العريض، واللخاف بكسر اللام وبخاء معجمة خفيفة آخره فاء، جمع لخفة، بفتح اللام وسكون الخاء، وهى الحجارة الدقاق. وقال الخطابى: صفائح الحجارة والرقاع، جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد، والأكتاف جمع كتف، وهو العظم الذى للبعير أو الشاة كانوا إذا جف كتبوا عليه، والأقتاب جمع قتب، وهو الخشب الذى يوضع على ظهر البعير ليركب عليه. وفى موطأ ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: جمع أبو بكر القرآن فى قراطيس، وكان يسأل زيد بن ثابت فى ذلك، فأبى حتى استعان عليه بعمر، ففعل. وفى مغازى موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: لما أصيب المسلمون باليمامة، فزع أبو بكر، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم، حتى جمع على عهد أبى بكر فى الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن فى المصحف.

стр. 7

قال ابن حجر: ووقع فى رواية عمارة بن غزية: أن زيد بن ثابت قال: فأمرنى أبو بكر، فكتبته فى قطع الأديم والعسب، فلما توفى أبو بكر، وكان عمر كتب ذلك فى صحيفة واحد، فكانت عنده، قال: والأول أصح، إنما كان فى الأديم والعسب أولا قبل أن يجمع فى عهد أبى بكر، ثم جمع فى الصحف فى عهد أبى بكر كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة. قال الحاكم: والجمع الثالث: هو ترتيب السور فى زمن عثمان. روى البخارى عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلى إلينا الصحف ننسخها فى المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها فى المصاحف. وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال زيد: ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصارى، فألحقناها فى سورتها فى المصحف. قال ابن حجر: وكان ذلك فى سنة خمس وعشرين، قال: وغفل بعض من أدركناه، فزعم أنه كان فى حدود سنة ثلاثين، ولم يذكر له مستندا، انتهى. وأخرج ابن اشتة من طريق أيوب، عن أبى قلابة، قال: حدثنى رجل من بنى عامر يقال له أنس بن مالك، قال: اختلفوا فى القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فقال: عندى تكذبون به، وتلحنون فيه، فمن نأى عنى كان أشد تكذيبا وأكثر لحنا يا أصحاب محمد، اجتمعوا، فاكتبوا للناس إماما فاجتمعوا، فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا فى أى آية، قالوا: هذه أقرأها رسول الله ﷺ فلانا، فيرسل إليه، وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله ﷺ آية كذا وكذا؟ فيقول كذا وكذا، فيكتبونها، وقد تركوا لذلك مكانا. وأخرج ابن أبى داود من طريق محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح، قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اننى عشر رجلا من قريش والأنصار، فبعثوا إلى الرابعة التى فى

стр. 8

بيت عمر فجئ بها، وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا اختلفوا فى شئ أخروه. قال محمد: فظننت إنما كانوا يؤخرونه؛ لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة، فيكتبونه على قوله. وأخرج ابن أبى داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة، قال: قال على: لا تقولوا فى عثمان إلا خيرا، فو الله ما فعل الذى فعل فى المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: ما تقولون فى هذه القراءة، فقد بلغنى أن بعضهم، يقول: إن قراءتى خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت. والفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان، أن جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شئ بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعا فى موضع واحد فجمعه فى صحائف، مرتبا لآيات كل سورة على ما وقفهم عليه النبى ﷺ ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف فى وجوه القراءة حتى قرؤه بلغاتهم على اتساع اللغات؛ فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض، فخشى من تفاقم الأمر فى ذلك، فنسخ تلك الصحف فى مصحف واحد مرتبا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع فى قراءته بلغة غيرهم، رفعا للحرج والمشقة فى ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على لغة واحدة. وقال القاضى أبو بكر فى الانتصار: لم يقصد عثمان قصد أبى بكر فى جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبى ﷺ وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل، ولا منسوخ تلاوته، كتب مع مثبت رسمه، ومفروض قراءته، وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتى بعد. وقال الحارث المحاسبى: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشى الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام فى حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التى أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة، فهو الصديق. وقد قال على: لو وليت لعملت بالمصاحف التى عمل بها عثمان، انتهى. فائدة: اختلف فى عدة المصاحف التى أرسل بها عثمان إلى الآفاق المشهورة أنها خمسة. وأخرج ابن أبى داود من طريق حمزة الزيات، قال: أرسل عثمان أربعة مصاحف، قال ابن أبى داود: وسمعت أبا حاتم السجستانى، يقول: كتبت سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى البحرين وإلى البصرة وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحد.

стр. 9

ترتيب الآيات: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفى لا شبهة فى ذلك، أما الإجماع، فنقله غير واحد منهم الزركشى فى البرهان وأبو جعفر بن الزبير فى مناسباته وعبارته: ترتيب الآيات فى سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره، من غير خلاف فى هذا بين المسلمين، انتهى. وسنذكر من نصوص العلماء ما يدل عليه، وأما النصوص فمنها حديث زيد السابق: «كنا عند النبى ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع». ومنها ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن حبان والحاكم عن ابن عباس، قال: «قلت: لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال، وهى من المثانى، وإلى براءة، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما فى السبع الطوال؟. فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب، فيقول: هؤلاء الآيات فى السورة التى يذكر قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتهما فى السبع الطوال. ومنها ما أخرجه أحمد، بإسناد حسن، عن عثمان بن أبى العاص، قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره، ثم صوبه، ثم قال: أتانى جبريل، فأمرنى أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ إلى آخرها. ومنها ما أخرجه البخارى عن ابن الزبير، قال: قلت لعثمان: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخى، لا أغير شيئا منه من مكانه. ومنها ما رواه مسلم عن عمر قال: ما سألت النبى ﷺ عن شئ أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه فى صدرى، وقال: تكفيك آية الصيف التى فى آخر سورة النساء. ومنها الأحاديث فى خواتيم سورة البقرة. ومنها ما رواه مسلم عن أبى الدرداء مرفوعا: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من الدجال. وفى لفظ: من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف. ومن النصوص الدالة على ذلك إجمالا ما ثبت من قراءته ﷺ لسور عديدة كسورة «البقرة» و «آل عمران» و «النساء» فى حديث حذيفة.

стр. 10

و «الأعراف» فى صحيح البخارى أنه قرأها فى المغرب. و «قد أفلح»، روى النسائى أنه قرأها فى الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أخذته سعلة فركع. و «الروم»، روى الطبرانى أنه قرأها فى الصبح. و «الم تنزيل» و «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ»، روى الشيخان أنه كان يقرأهما فى صبح الجمعة. و «ق» فى صحيح مسلم أنه كان يقرؤها فى الخطبة. و «الرحمن» فى المستدرك، وغيره أنه قرأها على الجن و «النجم» فى الصحيح أنه قرأها بمكة على الكفار، وسجد فى آخرها. و «اقتربت» عند مسلم أنه كان يقرؤها مع «ق» فى العيد والجمعة. و «المنافقون» فى مسلم أنه كان يقرأ بها فى صلاة الجمعة. و «الصف» فى المستدرك عن عبد الله بن سلام أنه ﷺ قرأها عليهم حين أنزلت حتى ختمها. تدل قراءته ﷺ لها بمشهد من الصحابة أن ترتيب آياتها توفيقى، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبى ﷺ يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك مبلغ التواتر. نعم يشكل على ذلك ما أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف من طريق محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة، فقال: أشهد إنى سمعتها من رسول الله ﷺ ووعيتهما. فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما، ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن، فألحقوها فى آخرها. قال ابن حجر: ظاهر هذا أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم، وسائر الأخبار تدل على أنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك إلا بتوقيف. قال السيوطى: يعارضه ما أخرجه ابن أبى داود أيضا من طريق أبى العالية، عن أبى ابن كعب أنهم جمعوا القرآن، فلما انتهوا إلى الآية التى فى سورة براءة: ﴿ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ظنوا أنها آخر ما أنزل، فقال أبى: إن رسول الله ﷺ أقرأنى بعد هذا آيتين: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾. . . إلى آخر السورة. وقال مكى وغيره: ترتيب السور بأمر من النبى ﷺ ولم يأمر بذلك فى أول براءة؛ فتركت بلا بسملة. وقال القاضى أبو بكر فى الانتصار: ترتيب الآيات أمر واجب، وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا فى موضع كذا. وقال أيضا: الذى نذهب إليه أن جميع القرآن الذى أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم

стр. 11

ينسخه، ولا رفع تلاوته، بعد نزوله هو هذا الذى بين الدفتين الذى حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شئ، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه عليه رسوله من آى السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولا أخر منه مقدم، وأن الأمة ضبطت عن النبى ﷺ ترتيب آى كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسول ﷺ قد رتب سوره، وأن يكون قد وكل ذلك إلى الأمة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه. قال: وهذا الثانى أقرب. وأخرج عن ابن وهب، قال: سمعت مالكا، يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبى ﷺ . وقال البغوى فى شرح السنة: الصحابة رضى الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذى أنزله الله على رسوله من غير أن يزيدوا أو ينقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله ﷺ من غير أن يقدموا شيئا أو يؤخروا أو يضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله ﷺ . وكان رسول الله ﷺ يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذى هو الآن فى مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا، فى سورة كذا فثبت أن سعى الصحابة كان فى جمعه فى موضع واحد لا ترتيبه فإن القرآن مكتوب فى اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، أنزله الله جملة إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة، وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة. وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحى كان رسول الله ﷺ يقول: ضعوا آية كذا فى موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله ﷺ ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا فى المصحف. *** ترتيب السور: وأما ترتيب السور فهل هو توقيفى أيضا أو هو باجتهاد من الصحابة، ففيه: خلاف فجمهور العلماء على الثانى، منهم مالك والقاضى أبو بكر فى أحد قوليه. قال ابن فارس: جمع القرآن على ضربين، أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال، وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذى تولته الصحابة، وأما الجمع الآخر، وهو جمع الآيات فى السور، فهو توقيفى تولاه النبى ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه مما استدل به، ولذلك اختلفت مصاحف السلف فى ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علىّ، كان أوله: اقرأ، ثم المدثر، ثم نون، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر

стр. 12

المكى والمدنى، وكان أول مصحف ابن مسعود: البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبى وغيره. وأخرج ابن أشتة فى المصاحف من طريق إسماعيل بن عباس، عن حبان بن يحيى، عن أبى محمد القرشى، قال: أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال، فجعلت سورتا الأنفال التوبة فى السبع، ولم يفصل بينهما ب «بسم الله الرحمن الرحيم». وذهب إلى الأول جماعة منهم القاضى فى أحد قوليه. قال أبو بكر بن الأنبارى: أنزل الله القرآن كله إلى السماء الدنيا، ثم فرقه فى بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر، ويوقف جبريل النبى ﷺ على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبى ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن. وقال الكرمانى فى البرهان: ترتيب السور هكذا هو عند الله فى اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه فى السنة التى توفى فيها مرتين، وكان آخر الآيات نزولا: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ فأمره جبريل أن يضعها بين آيتى الربا والدين. وقال الطيبى: أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل مفرقا على حسب المصالح، ثم أثبت فى المصاحف على التأليف والنظم المثبت فى اللوح المحفوظ. قال الزركشى: والخلاف بين الفريقين لفظى؛ لأن القائل بالثانى يقول: إنه رمز إليهم ذلك لعلهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبى ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه: هل هو بتوقيف قولى أو بمجرد إسناد فعلى بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر، وسبقه إلى ذلك أبو جعفر بن الزبير. وقال البيهقى: فى المدخل كان القرآن على عهد النبى ﷺ مرتبا سوره وآياته على الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان السابق، ومال ابن عطية إلى أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها فى حياته ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وأن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده. وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منها قليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف كقوله اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران. رواه مسلم. وكحديث سعيد بن خالد: قرأ ﷺ بالسبع الطوال فى ركعة. رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه، وفيه أنه ﵊ كان يجمع المفصل فى ركعة.

стр. 13

وروى البخارى عن ابن مسعود أنه قال: فى بنى إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأول، وهن تلادى، فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها. وفى البخارى أنه ﷺ كان إذا أوى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ و «المعوذتين». وقال أبو جعفر النحاس: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ لحديث واثلة: أعطيت مكان التوراة السبع الطوال. قال: فهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبى ﷺ وأنه من ذلك الوقت، وإنما جمع المصحف على شئ واحد؛ لأنه جاء فى هذا الحديث بلفظ يدل على تأليف القرآن بتوقيفه ﷺ . وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحى. وقال ابن حجر: ترتيب بعض السور على بعضها أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيا، قال: ومما يدل على أن ترتيبها توقيفى، ما أخرجه أحمد وأبو داود، عن أوس ابن أبى أوس، عن حذيفة الثقفى، قال: كنت فى الوفد الذين أسلموا من ثقيف، الحديث، وفيه: فقال لنا رسول الله ﷺ : طرأ علىّ حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشر، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من «ق» حتى نختم، قال: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو فى المصحف الآن كان على عهد رسول الله ﷺ . قال: ويحتمل أن الذى كان مرتبا حينئذ حزب المفصل خاصة بخلاف ما عداه. قال السيوطى: وما يدل على أنه توقيفى كون الحواميم رتبت ولاء، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء، بل فصل بين سورها، وفصل بين «طسم» الشعراء و «طسم» القصص ب «طس» مع أنها أقصر منهما ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء، وأخرت «طس» عن القصص. والذى ينشرح له الصدر، ما ذهب إليه البيهقى، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفى إلا «براءة» و «الأنفال» ولا ينبغى أن يستدل قبل «آل عمران» لأن ترتيب السور فى القراءة ليس بواجب، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز. وأخرج ابن اشتة فى كتاب المصاحف من طريق ابن وهب سليمان بن بلال، قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت «البقرة» و «آل عمران» وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما أنزلتا بالمدينة، فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه.

стр. 14

والثابت أن: السبع الطوال أولها «البقرة» وآخرها «براءة» كذا قال جماعة. لكن أخرج الحاكم والنسائى وغيرهما عن ابن عباس، قال: السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف. قال الراوى: وذكر السابعة فنسيتها، وفى رواية صحيحة عن ابن أبى حاتم وغيره عن مجاهد وسعيد بن جبير أنها: يونس، وتقدم عن ابن عباس مثله فى النوع الأول. وفى رواية عند الحاكم أنها الكهف، والمئون ما وليها سميت بذلك؛ لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها، والمثانى ما ولى المئين؛ لأنها ثنتها، أى كانت بعدها فهى لها ثوان، والمئون لها أوائل. وقال الفراء: هى السورة التى آيها أقل من مائة آية؛ لأنها تثنى أكثر مما يثنى الطوال والمئون، وقيل لثنية الأمثال فيها بالعبر والخبر حكاه النكزاوى. وقال فى جمال القراء: هى السور التى تثنت فيها القصص، وقد تطلق على القرآن كله وعلى الفاتحة كما تقدم، والمفصل ما ولى المثانى من قصار السور، سمى بذلك لكثرة الفصول التى بين السور بالبسملة وقيل لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى بالمحكم أيضا كما روى البخارى عن سعيد بن جبير، قال: إن الذى تدعونه المفصل هو المحكم وآخره سورة الناس بلا نزاع. واختلف فى أوله على اثنى عشر قولا: أحدها: «ق» لحديث أوس السابق قريبا. الثانى: «الحجرات» وصححه النووى. الثالث: «القتال» عزاه الماوردى للأكثرين. الرابع: «الجاثية» حكاه القاضى عياض. الخامس: «الصافات». السادس: «الصف». السابع: «تبارك» حكى الثلاثة ابن أبى الصيف اليمنى فى نكته على التنبيه. الثامن: «الفتح» حكاه الكمال الذمارى فى شرح التنبيه. التاسع: «الرحمن» حكاه ابن السيد فى أماليه على الموطأ. العاشر: «الإنسان». الحادى عشر: «سبح» حكاه ابن الفركاح فى تعليقه عن المرزوقى. الثانى عشر: «الضحى» حكاه الخطابى، ووجهه بأن القارئ يفصل بين هذه السور بالتكبير وعبارة الراغب فى مفرداته المفصل من القرآن السبع الأخير. فائدة: للمفصل طوال وأوساط وقصار، قال ابن معن: فطواله إلى «عم» وأوساطه منها إلى «الضحى»، ومنها إلى آخر القرآن قصاره هذا أقرب ما قيل فيه. تنبيه: أخرج ابن أبى داود فى كتاب المصاحف، عن نافع، عن ابن عمر أنه ذكر عنده المفصل، فقال: وآى القرآن ليس بمفصل، ولكن قولوا قصار السور، وصغار السور. وقد استدل بهذا على جواز أن يقال سورة قصيرة وصغيرة، وقد كره ذلك جماعة منهم أبو العالية، وأخرج عن ابن سيرين وأبى العالية، قالا: لا تقل سورة خفيفة، فإنه تعالى يقول: ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ ولكن سورة يسيرة.

стр. 15

فائدة: قال ابن أشتة: فى كتاب المصاحف أنبأنا محمد بن يعقوب، حدثنا أبو داود حدثنا أبو جعفر الكوفى، قال: هذا تأليف مصحف أبى: الحمد ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة ثم يونس ثم الأنفال ثم براءة ثم هود ثم مريم ثم الشعراء ثم الحج ثم يوسف ثم الكهف ثم النحل ثم الأحزاب ثم بنى إسرائيل ثم الزمر. . . أولها، أخرجه أحمد فى المسند، ثم طه ثم الأنبياء ثم النور ثم المؤمنون ثم سبأ ثم العنكبوت ثم المؤمن ثم الرعد ثم القصص ثم النمل ثم الصافات ثم صدوق ثم يس ثم الحجر ثم حمعسق ثم الروم ثم الحديد ثم الفتح ثم القتال ثم الظهار ثم تبارك الملك ثم السجدة ثم إنا أرسلنا نوحا ثم الأحقاف ثم ق ثم الرحمن ثم الواقعة ثم الجن ثم النجم ثم سأل سائل ثم المزمل ثم المدثر ثم اقتربت ثم حم الدخان ثم لقمان ثم حم الجاثية ثم الطور ثم الذاريات ثم الحاقة ثم الحشر ثم المرسلات ثم عم يتساءلون ثم لا أقسم بيوم القيامة ثم إذا الشمس كورت ثم يا أيها النبى إذا طلقتم النساء ثم النازعات ثم التغابن ثم عبس ثم المطففين ثم إذا السماء انشقت ثم والتين والزيتون ثم اقرأ باسم ربك ثم الحجرات ثم المنافقون ثم الجمعة ثم لم تحرم ثم الفجر ثم لا أقسم بهذا البلد ثم إذا السماء انفطرت ثم والشمس وضحاها ثم والسماء والطارق ثم سبح اسم ربك ثم الغاشية ثم الصف ثم التغابن ثم سورة أهل الكتاب، وهى لم يكن، ثم الضحى ثم ألم نشرح ثم القارعة ثم التكاثر ثم العصر ثم سورة الخلع ثم ويل لكل همزة ثم إذا زلزلت ثم العاديات ثم الفيل ثم لإيلاف قريش ثم أرأيت ثم إنا أعطيناك ثم القدر ثم الكافرون ثم إذا جاء نصر الله ثم تبت ثم الصمد ثم الفلق ثم الناس. قال ابن أشتة أيضا: وأخبرنا أبو الحسن بن نافع أن أبا جعفر محمد بن عمرو بن موسى حدثهم، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم، حدثنا على بن مهران الطائى، حدثنا جرير بن عبد الحميد، قال: تأليف مصحف عبد الله بن مسعود، الطوال: البقرة والنساء وآل عمران والأعراف والأنعام والمائدة ويونس. والمئين: براءة والنحل وهود ويوسف والكهف وبنى إسرائيل والأنبياء وطه والمؤمنون والشعراء والصافات. والمثانى: الأحزاب والحج والقصص وطس النمل والنور والأنفال ومريم والعنكبوت والروم ويس والفرقان والحجر والرعد وسبأ والملائكة وإبراهيم وص والذين كفروا ولقمان والزمر. والحواميم: حم المؤمن والزخرف والسجدة وحمعسق والأحقاف والجاثية والدخان. والممتحنات: إنا فتحنا لك والحشر وتنزيل السجدة والطلاق ون والقلم والحجرات وتبارك والتغابن وإذا جاءك المنافقون والجمعة والصف وقل أوحى وإنا أرسلنا والمجادلة والممتحنة ويا أيها النبى لم تحرم. والمفصل: الرحمن والنجم والطور والذاريات واقتربت الساعة والواقعة والنازعات وسأل سائل والمدثر والمزمل والمطففين وعبس وهل أتى والمرسلات والقيامة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت والغاشية وسبح والليل والفجر والبروج وإذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك والبلد والضحى والطارق والعاديات وأرأيت والقارعة ولم يكن والشمس وضحاها

стр. 16

والتين وويل لكل همزة وألم تر كيف ولإيلاف قريش وألهاكم وإنا أنزلناه وإذا زلزلت والعصر وإذا جاء نصر الله والكوثر وقل يا أيها الكافرون وتبت وقل هو الله أحد وألم نشرح وليس فيه الحمد ولا المعوذتان. *** عدد سوره وآياته وكلماته وحروفه: أما سوره فمائة وأربع عشرة سورة بإجماع من يعتد به، وقيل: وثلاث عشرة: بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة، أخرج أبو الشيخ عن أبى، قال: الأنفال وبراءة سورة واحدة. وأخرج عن أبى رجاء، قال: سألت الحسن عن الأنفال وبراءة سورتان أم سورة؟ قال: سورتان، ونقل مثل قول أبى عن مجاهد. وأخرجه ابن أبى حاتم عن سفيان. وأخرج ابن أشتة عن ابن لهيعة، قال: يقولون: إن براءة من يسألونك، وإنما لم تكتب فى براءة بسم الله الرحمن الرحيم، لأنها من يسألونك وشبهتهم اشتباه الطرفين وعدم البسملة ويرده تسمية النبى ﷺ كلا منهما، ونقل صاحب الإقناع أن البسملة ثابتة لبراءة فى مصحف ابن مسعود، قال: ولا يؤخذ بهذا وأخرج القشيرى فى الصحيح أن التسمية لم تكن فيها لأن جبريل ﵇ لم ينزل بها فيها. وفى المستدرك: عن ابن عباس، قال: سألت على بن أبى طالب: لم تكتب فى براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأنها أمان وبراءة، نزلت بالسيف. وعن مالك أن أولها لما سقط سقطت معه البسملة، فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها. وفى مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة سورة؛ لأنه لم يكتب المعوذتين. وفى مصحف أبى ست عشرة، لأنه كتب فى آخره سورتى القدر والخلع. وأخرج أبو عبيد عن ابن سيرين، قال: كتب أبى بن كعب فى مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين واللهم إنا نستعينك واللهم إياك نعبد، وتركهن ابن مسعود، وكتب عثمان منهن فاتحة الكتاب والمعوذتين. وأخرج الطبرانى فى الدعاء من طريق عباد بن يعقوب الأسدى، عن يحيى بن يعلى الأسلمى، عن ابن أبى هبيرة، عن عبد الله بن زرير الغافقى، قال: قال لى عبد الملك بن مروان: لقد علمت ما حملك على حب أبى تراب إلا إنك أعرابى جاف، فقلت: والله لقد جمعت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك، ولقد علمنى منه على بن أبى طالب سورتين علمهما إياه

стр. 17

رسول الله ﷺ ما علمتهما أنت ولا أبوك: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق. وأخرج البيهقى من طريق سفيان الثورى، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثنى عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى نقمك، إن عذابك بالكافرين ملحق. قال ابن جريج: حكمة البسملة إنهما سورتان فى مصحف بعض الصحابة. وأخرج محمد بن نصر المروزى فى كتاب الصلاة عن أبى بن كعب أنه كان يقنت بالسورتين، فذكرهما، وأنه كان يكتبها فى مصحفه. وقال ابن الضريس: أنبأنا أحمد بن جميل المروزى، عن عبد الله بن المبارك، أنبأنا الأجلح، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: فى مصحف ابن عباس قراءة أبى وأبى موسى: بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثنى عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، وفيه: اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق. وأخرج الطبرانى بسند صحيح عن أبى إسحاق قال: أمنا أمية بن عبد الله بن خالد ابن أسيد بخراسان، فقرأ بهاتين السورتين: إنا نستعينك ونستغفرك. وأخرج البيهقى وأبو داود فى المراسيل، عن خالد بن أبى عمران: أنه نزل بذلك على النبى ﷺ وهو فى الصلاة مع قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية، لما قنت يدعو على مضر. تنبيه: كذا نقل جماعة عن مصحف أبى أنه ست عشرة سورة، والصواب أنه خمس عشرة فإن سورة الفيل وسورة لإيلاف قريش فيه سورة واحدة، ونقل ذلك السخاوى فى جمال القراء عن جعفر الصادق وأبى نهيك أيضا. قال السيوطى: ويرده ما أخرجه الحاكم والطبرانى من حديث أم هانئ أن رسول الله ﷺ قال: فضل الله قريشا بسبع. . . الحديث، وفيه: وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها معهم غيرهم لإيلاف قريش، وفى كامل الهذلى عن بعضهم أنه قال: الضحى وألم نشرح سورة واحدة، نقله الإمام الرازى فى تفسيره عن طاوس وغيره من المفسرين. فائدة: قيل الحكمة فى تسوير القرآن سورا تحقيق كون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله والإشارة إلى أن كل سورة نمط مستقل، فسورة يوسف تترجم عن قصته وسورة إبراهيم وبراءة تترجم عن أحوال المنافقين وأسرارهم إلى غير ذلك، والسور سورا طوالا

стр. 18

وأوساطا وقصارا تنبيها على أن الطول ليس من شرط الإعجاز، فهذه سورة الكوثر آيات، وهى معجزة إعجاز سورة البقرة، ثم ظهرت لذلك حكمة فى التعليم وتدريج الأطفال من السور القصار إلى ما فوقها تيسيرا من الله على عباده لحفظ كتابه، قال الزركشى فى البرهان: فإن قلت: فهلا كانت الكتب السالفة كذلك؟ قلت: لوجهين، أحدهما أنها لم تكن معجزات من جهة النظم والترتيب، والآخر: أنها لم تيسر للحفظ. لكن ذكر الزمخشرى ما يخالفه، فقال فى الكشاف: الفائدة فى تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة، وكذلك أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور، وما أوحاه إلى أنبيائه مسورة وبوّب المصنفون فى كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم منها الجنس إذا انطوت تحته أنواع، وأصناف كان أحسن وأفخم من أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب، ثم أخذ فى آخر كان أنشط له، وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا قطع ميلا أو فرسخا نفس ذلك منه، ونشط للسير ومن ثم جزئ القرآن أجزاء وأخماسا، ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، فيعظم عنده ما حفظه. ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ «البقرة» و «آل عمران» جد فينا. ومن ثم كانت القراء فى الصلاة بسورة أفضل ومنها أن التفصيل بسبب تلاحق الأشكال والنظائر وملائمة بعضها لبعض وبذلك تتلاحظ المعانى والنظم إلى غير ذلك من الفوائد، انتهى. وما ذكره الزمخشرى من تسوير سائر الكتب هو الصحيح أو الصواب، فقد أخرج ابن أبى حاتم عن قتادة، قال: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وذكروا أن فى الأنجيل سورة تسمى سورة الأمثال. *** فى عدد الآى: أفرده جماعة من القراء بالتصنيف، قال الجعبرى: حد الآية قرآن مركب من جمل، ولو تقديرا له مبدأ ومقطع مندرج فى سورة، وأصلها العلامة، ومنه أن آية ملكة لأنها علامة للفضل والصدق والجماعة؛ لأنها جماعة كلمة. وقال غيره: الآية طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها. وقيل هى الواحدة من المعدودات فى السور سميت به لأنها علامة على صدق من أتى بها، وعلى عجز المتحدى بها، وقيل: لأنها علامة على انقطاع ما قبلها من الكلام وانقطاعه مما بعدها. قال الواحدى: وبعض أصحابنا، قال: يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية، لولا أن التوقيف ورد بما هى عليه الآن.

стр. 19

وقال أبو عمرو الدانى: اعلم كلمة هى وحدها آية إلا قوله: مدهامتان. وقال غيره: بل فيه غيرها مثل والنجم والضحى والعصر وكذا فواتح السور عند من عدها، قال بعضهم: الصحيح أن الآية إنما تعلم بتوقيف من الشارع كمعرفة السورة، قال: فالآية طائفة من حروف القرآن علم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذى بعدها فى أول القرآن، وعن الكلام الذى قبلها فى آخر القرآن وعما قبلها وما بعدها فى غيرهما، غير مشتمل على مثل ذلك، قال: وبهذا القيد خرجت السورة. وقال الزمخشرى: الآيات علم توقيفى لا مجال للقياس فيه؛ ولذلك عدوا «الم» آية حيث وقعت و «المص» ولم يعدوا «المر» و «الر» وعدوا «حم» آية فى سورها و «طه» و «يس» ولم يعدوا «طس». قلت: ومما يدل على أنه توقيفى، ما أخرجه أحمد فى مسنده من طريق عاصم بن أبى النجود، عن زر، عن ابن مسعود، قال: أقرأنى رسول الله ﷺ سورة من الثلاثين من «حم» قال: يعنى الأحقاف. وقال: كانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين، الحديث. وقال ابن العربى: ذكر النبى ﷺ أن الفاتحة سبع آيات وسورة الملك ثلاثون آية وصح أنه قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، قال: وتعديد الآى من معضلات القرآن، وفى آياته طويل وقصير، ومنه ما ينقطع، ومنه ما ينتهى إلى تمام الكلام، ومنه ما يكون فى أثنائه. وقال غيره: سبب اختلاف السلف فى عدد الآى أن النبى ﷺ كان يقف على رءوس الآى للتوقيف، فإذا علم محلها وصل للتمام، فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة. وقد أخرج ابن الضريس من طريق عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: جميع آى القرآن ستة آلاف آية وستمائة آية وست عشرة آية وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرين ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفا. قال الدانى: اجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال: ومائتا آية وأربع آيات، وقيل وأربع عشرة، وقيل وتسع عشرة، وقيل وخمس وعشرون، وقيل وست وثلاثون. قال السيوطى: أخرج الديلمى فى مسند الفردوس من طريق الفيض بن وثيق، عن فرات بن سلمان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس مرفوعا: درج الجنة على قدر آى القرآن بكل آية درجة، فتلك ستة آلاف آية ومائتا آية وست عشرة آية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض. قال فيه ابن معين: كذاب خبيث. وفى الشعب للبيهقى من حديث عائشة مرفوعا: عدد درج الجنة عدد آى القرآن، فمن

стр. 20

دخل الجنة من أهل القرآن، فليس فوقه درجة. قال الحاكم: إسناده صحيح، لكنه شاذ. وأخرجه الأجرى فى حملة القرآن من وجه آخر عنها موقوفا. قال أبو عبد الله الموصلى فى شرح قصيدته «ذات الرشد فى العدد»: اختلف فى الآى أهل المدينة ومكة والشام والبصرة والكوفة، ولأهل المدينة عددان، عدد أول وهو عدد أبى جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن نصاح، وعدد آخر وهو عدد إسماعيل بن جعفر بن أبى كثير الأنصارى. وأما عدد أهل مكة، فهو مروى، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبى بن كعب، وأما عدد أهل الشام، فرواه هارون بن موسى الأخفش وغيره، عن عبد الله بن ذكوان وأحمد. *** القراءات القرآنية تعريف القراءة: فى اللغة: قال أبو الحسن اللحيانى يقال: قرأت القرآن، وأنا أقرؤه قرءا وقراءة وقرآنا، وهو الاسم، وأنا قارئ من قوم قراء وقرأة وقارئين، وأقرأت غيرى، أقراته إقراء، ومنه قيل: فلان المقرئ. ويقال: اقرأت من سفرى، أى: انصرفت، واقرأت من أهلى، أى: دنوت، وأقرأت حاجتك وأقرأ بأمرك. ويقال أعتم فلان قراه وأقرأه، أى حبسه. ويقال قرأت: إذا صرت قارئا ناسكا، وتقرأت بهذا المعنى، وقال بعضهم: تقرأت: تفقهت. ويقال: أقرأت فى الشعر. وهذا الشعر على قرء هذا الشعر، أى على طريقته ومثاله. وقال ابن بزرج: هذا الشعر على قرى هذا الشعر وغراره. وقال اللحيانى: يقال: قارأت فلانا مقارأة، أى دراسته، واستقرأت فلانا. (انظر تهذيب اللغة «قرأ» ٢٧٥/ ٩). فى الاصطلاح: هى اختلاف ألفاظ الوحى فى الحروف، وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما. (انظر الإتقان ٨٠/ ١). *** أنواع القراءات وشروطها: اعلم أن القاضى جلال الدين البلقينى، قال: القراءة تنقسم إلى متواتر وآحاد وشاذ، فالمتواتر القراءات السبعة المشهورة، والآحاد قراءات الثلاثة التى هى تمام العشر وتلحق بها

стр. 21

الصحابة، والشاذ قراءة التابعين كالأعمش ويحيى بن وثاب وابن جبير ونحوهم وهذا الكلام فيه نظر يعرف مما سنذكره. وأحسن من تكلم فى هذا النوع إمام القراء فى زمانه شيخ شيوخنا أبو الخير بن الجزرى، قال فى أول كتابه «النشر»: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا، وصح سندها، فهى القراءة الصحيحة التى لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هى من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم. هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الدانى ومكى والمهدوى وأبو شامة، وهو مذهب السلف الذى لا يعرف عن أحد منهم خلافه. قال أبو شامة فى «المرشد الوجيز»: لا ينبغى أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى أحد السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة، وأنها أنزلت هكذا إلا دخلت فى الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء، فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه، فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه فى قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم. قال ابن الجزرى: فقولنا فى الضابط: «ولو بوجه» تريد به وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح؛ إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم وكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم كإسكان «بارئكم» و «يأمركم» وخفض و «الأرحام» ونصب «ليجزى قوما» والفصل بين المضافين فى «قتل أولادهم شركاؤهم» وغير ذلك. قال الدانى وأئمة القراء: لا تعمل فى شئ من حروف القرآن على الإفشاء فى اللغة والأقيس فى العربية بل على الأثبت فى الأثر والأصح فى النقل، وإذا ثبتت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. قال السيوطى: أخرج سعيد بن منصور فى سننه عن زيد بن ثابت، قال: القراءة سنة متبعة. قال البيهقى: أراد أن اتباع من قبلنا فى الحروف سنة متبعة لا يجوز مخالفة المصحف الذى هو إمام ولا مخالفة القراءات التى هى مشهورة، وإن كان غير ذلك سائغا فى اللغة أو أظهر منها. قال ابن الجزرى: ونعنى بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتا فى بعضها دون بعض كقراءة

стр. 22

ابن عامر: «قالوا اتخذ الله ولدا» فى البقرة بغير واو و «بالزبر» و «بالكتاب» بإثبات الباء فيهما، فإن ذلك ثابت فى المصحف الشامى، وكقراءة ابن كثير: «تجرى من تحتها الأنهار» فى آخر براءة بزيادة «من» فإنه ثابت فى المصحف المكى ونحو ذلك، فإن لم يكن فى شئ من المصاحف العثمانية، فشاذ لمخالفتها الرسم المجمع عليه وقولنا: «ولو احتمالا» نعنى به ما وافقه ولو تقديرا ك «ملك يوم الدين» فإنه كتب فى الجميع بلا ألف، فقراءة الحذف توافقه تحقيقا وقراءة الألف توافقه تقديرا لحذفها فى الخط اختصارا كما كتب «ملك الملك». وقد يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا نحو «تعلمون» بالتاء والياء و «يغفر لكم» بالياء والنون، ونحو ذلك، مما يدل تجرده عن النقط والشكل فى حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة رضى الله عنهم فى علم الهجاء وفهم ثاقب فى تحقيق كل علم، وانظر كيف كتبوا «الصراط» بالصاد المبدلة من السين وعدلوا عن السين التى هى الأصل؛ لتكون قراءة السين، وإن خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة، ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك، وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل؛ ولذلك اختلف فى «بسطة» الأعراف دون بسطة البقرة لكون حرف البقرة كتب بالسين والأعراف بالصاد، على أن مخالف صريح الرسم فى حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به، ووردت مشهورة مستفاضة، ولذا لم يعدوا إثبات ياء الزوائد وحذف ياء «تسئلنى» فى الكهف وواو «وأكون من الصالحين» والطاء من «بطنين» ونحوه من مخالفة الرسم المردودة، فإن الخلاف فى ذلك مغتفر؛ إذ هو قريب إلى معنى واحد، وتمشية صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول، بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولو كانت حرفا واحدا من حروف المعانى، فإن حكمه فى حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم ومخالفته. قال: وقولنا: «وصح إسنادها» نعنى به أن يروى تلك القراءة العدل الضابط عن مثله، وهكذا حتى ينتهى، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ بها بعضهم. قال: وقد شرط بعض المتأخرين التواتر فى هذا الركن ولم يكتف بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأن ما جاء مجئ الآحاد لا يثبت به قرآن. قال: وهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره؛ إذ أن ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبى ﷺ وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا، سواء وافق الرسم أم لا، وإذا شرطنا التواتر فى كل حرف من حروف الخلاف، انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن السبعة. وقد قال أبو شامة: شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن السبع كلها متواترة، أى كل فرد فرد فيما روى عنهم، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله

стр. 23

واجب، ونحن بهذا نقول: ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق، من غير نكير له، فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر فى بعضها. وقال الجعبرى: الشرط واحد، وهو صحة النقل، ويلزم الآخران، فمن أحكم معرفة حال النقلة وأمعن فى العربية وأتقن الرسم، وانجلت له هذه الشبهة. وقال مكى: ما روى فى القرآن على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به ويكفر جاحده وهو ما نقله الثقات ووافق العربية وخط المصحف، وقسم صح نقله عن الآحاد وصح فى العربية وخالف لفظه الخط، فيقبل ولا يقرأ به لأمرين: مخالفته لما أجمع عليه وأنه لم يؤخذ بإجماع، بل بخبر الآحاد ولا يثبت به قرآن ولا يكفر جاحده، وقسم نقله ثقة ولا حجه له فى العربية أو نقله غير ثقة فلا يقبل وإن وافق الخط. وقال ابن الجزرى: مثال الأول كثير ك «مالك» و «يخدعون» و «يخادعون»، ومثال الثانى قراءة ابن مسعود وغيره: و «الذكر والأنثى» وقراءة ابن عباس: «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة» ونحو ذلك. قال: واختلف العلماء فى القراءة بذلك والأكثر على المنع لأنها لم تتواتر وإن ثبتت بالنقل، فهى منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثمانى. ومثال ما نقله غير ثقة كثير مما كتب الشواذ مما غالب إسناده ضعيف وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبى حنيفة التى جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعى ونقلها عنه أبو القاسم الهذلى ومنها: «إنما يخشى الله من عبادة العلماء» برفع الله ونصب العلماء. وقد كتب الدار قطنى وجماعة: بأن هذا الكتاب موضوع لا أصل له. ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له فى العربية قليل لا يكاد يوجد وجعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع «معائش» بالهمز. قال: وبقى قسم رابع مردود أيضا، وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة، فهذا رده أحق ومنعه أشد ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر. وقد ذكر جواز ذلك عن أبى بكر بن مقسم وعقد له بسبب ذلك مجلس وأجمعوا على منعه، ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق الذى لا أصل له يرجع إليه، ولا ركن يعتمد فى الأداء عليه. قال: أما أصل ذلك، فإنه مما يصار إلى قبول القياس عليه كقياس إدغام «قال رجلان» على «قال رب» ونحوه مما لا يخالف نصا ولا يرد إجماعا مع إنه قليل جدا. قال السيوطى: أتقن الإمام ابن الجزرى هذا الفصل جدا، وقد تحرر لى منه أن القراءات، أنواع:

стр. 24

الأول: المتواتر، وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه وغالب القراءات كذلك. الثانى: المشهور، وهو ما صح سنده ولم يبلغ المتواتر ووافق العربية والرسم واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ، يقرأ به على ما ذكره ابن الجزرى ويفهمه كلام أبى شامة السابق، ومثاله ما اختلفت الطرق فى نقله عن السبعة فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض، ومن أشهر ما صنف فى ذلك «التسير» للدانى و «قصيدة الشاطبى» و «أعية النشر فى القراءات العشر» و «تقريب النشر» كلاهما لابن الجزرى. الثالث: الآحاد، وهو ما صح سنده وخالف الرسم أو العربية أو لم يشتهر الاشتهار المذكور ولا يقرأ به، وقد عقد الترمذى فى جامعه والحاكم فى مستدركه لذلك بابا أخرج فيه شيئا كثيرا صحيح الإسناد. ومن ذلك ما أخرجه الحاكم من طريق عاصم الجحدى، عن أبى بكرة أن النبى ﷺ قرأ: «متكئين على رفارف خضر وعباقرى حسان». وأخرج من حديث أبى هريرة أنه ﷺ قرأ: «فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرات أعين». وأخرج عن ابن عباس أنه ﷺ قرأ: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم» بفتح الفاء. وأخرج عن عائشة أنه ﷺ قرأ: «فروح وريحان» يعنى بضم الراء. الرابع: الشاذ وهو ما لم يصح سنده وفيه كتب مؤلفة من ذلك قراءة: «ملك يوم الدين» بصيغة الماضى ونصب «يوم» و «إياك نعبد» ببنائه للمفعول. الخامس: الموضوع كقراءات الخزاعى. وظهر لى سادس يشبه: من أنواع الحديث المدرج، وهو ما زيد فى القراءات على وجه التفسير كقراءة سعيد بن أبى وقاص: «وله أخ أو أخت من أم». أخرجها سعيد بن منصور. وقراءة ابن عباس: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم» فى مواسم الحج أخرجها البخارى. وقراءة ابن الزبير: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم». قال عمرو: فما أدرى أكانت قراءته أم تفسير؟ أخرجه سعيد بن منصور. وأخرجه الأنبارى وجزم بأنه تفسير. وأخرج عن الحسن أنه كان يقرأ: «وإن منكم إلا واردها» الورود الدخول. قال الأنبارى: قوله: الورود الدخول، تفسير من الحسن لمعنى الورود، وغلط فيه بعض الرواة فأدخله فى القرآن.

стр. 25

قال ابن الجزرى، فى آخر كلامه: وربما كانوا يدخلون التفسير فى القراءات إيضاحا وبيانا؛ لأنهم محققون لما تلقوه عن النبى ﷺ قرآنا، فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه، وأما من يقول: إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى، فقد كذب. تنبيهات: الأول: لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا فى أصله وأجزائه وأما فى محله ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققى أهل السنة للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله؛ لأن هذا القرآن العظيم الذى هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم مما تتوافر الدواعى على نقل جمله وتفاصيله، فما نقل آحادا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن قطعا. وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط فى ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله وليس بشرط فى محله ووضعه وترتيبه بل يكثر فيها نقل الآحاد، وهو الذى يقتضيه صنع الشافعى فى إثبات البسملة من كل سورة، ورد هذا المذهب بأن الدليل السابق يقتضى التواتر فى الجميع، ولأنه لو لم يشترط التواتر لجاز سقوط كثير من القرآن المكرر، وثبوت كثير مما ليس بقرآن. أما الأول، فلأنا لو لم نشترط التواتر فى المحل جاز أن لا يتواتر كثير مما ليس بقرآن. وأما الثانى، فلأنه إذا تواتر بعض القرآن بحسب المحل، جاز إثبات ذلك البعض فى الموضع بنقل الآحاد. وقال القاضى أبو بكر فى الانتصار: ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن، حكما لا علما، بخبر الواحد، وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه. وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأى والاجتهاد فى إثبات قراءة وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا العربية، وإن لم يثبت أن النبى ﷺ قرأ بها، وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطؤؤا من قال به، انتهى. وقد بنى المالكية وغيرهم ممن قال بإنكار البسملة قولهم على الأصل وقرروه بأنها لم تتواتر فى أوائل السور، وما لم يتواتر فليس بقرآن، وأجيب من قبلنا بمنع كونها لم تتواتر فرب متواتر عند قوم دون آخرين، وفى وقت دون آخر، ويكفى فى تواترها إثباتها فى مصاحف الصحابة فمن بعدهم بخط المصحف مع منعهم أن يكتب فى المصحف ما ليس منه كأسماء السور، وآمين، والأعشار، فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها، لأن ذلك يحمل على اعتقادها قرآنا، فيكونوا مغررين بالمسلمين، حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا، وهذا مما لا يجوز اعتقاده فى الصحابة. فإن قيل لعلها أثبتت للفصل بين السور أجيب بأن هذا فيه تغرير ولا يجوز ارتكابه لمجرد

стр. 26

الفصل، ولو كانت له لكتبت بين براءة والأنفال. ويدل لكونها قرآنا منزلا ما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم عن أم سلمة أن النبى ﷺ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الحديث، وفيه: وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية، ولم يعد عليهم. وأخرج ابن خزيمة والبيهقى فى «المعرفة» بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج البيهقى فى «الشعب» وابن مردويه بسند حسن من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: أغفل الناس آية من كتاب الله لم تنزل على أحد سوى النبى ﷺ إلا أن يكون سليمان ابن داود: بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج الدار قطنى والطبرانى فى «الأوسط» بسند ضعيف عن بريدة، قال: قال النبى ﷺ : «لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية لم تنزل على نبى بعد سليمان غيرى ثم قال: بأى شئ تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: هى هى». وأخرج أبو داود والحاكم والبيهقى والبزار من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «كان النبى ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم. . .». زاد البزار: فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت واستقبلت أو ابتدئت سورة أخرى. وأخرج الحاكم من وجه آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت. . .». إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرج الحاكم أيضا من وجه آخر عن سعيد، عن ابن عباس «أن النبى ﷺ كان إذا جاءه جبريل، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة». إسناده صحيح. وأخرج البيهقى فى «الشعب» وغيره عن ابن مسعود، قال: كنا لا نعلم فصلا بين السورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو شامة: يحتمل أن يكون ذلك وقت عرضه ﷺ على جبريل كان لا يزال يقرأ فى السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية، فيعلم أن السورة قد انقضت، وعبر ﷺ بلفظ النزول إشعارا بأنها قرآن فى جميع أوائل السور، ويحتمل أن يكون المراد أن جميع آيات كل سورة كانت تنزل قبل نزول البسملة، فإذا كملت آياتها نزل جبريل بالبسملة واستعرض السورة فيعلم النبى ﷺ أنها قد ختمت ولا يلحق بها شيئا. وأخرج ابن خزيمة والبيهقى بسند صحيح عن ابن عباس قال: السبع المثانى فاتحة الكتاب، قيل فأين السابعة؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

стр. 27

وأخرج الدار قطنى بسند صحيح عن على أنه سئل عن السبع المثانى، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقيل له: إنما هى ست آيات، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية. وأخرج الدار قطنى وأبو نعيم والحاكم فى تاريخه بسند ضعيف عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: كان جبريل إذا جاءنى بالوحى أول ما يلقى علىّ: بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج الواحدى من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر قال: نزلت بسم الله الرحمن الرحيم فى كل سورة. وأخرج البيهقى من وجه ثابت عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقرأ فى الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا ختم السورة قرأها، ويقول: ما كتبت فى المصحف إلا لتقرا. وأخرج الدار قطنى بسند صحيح عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأتم الحمد، فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم الكتاب والسبع المثانى وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها». وأخرج مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقال: «أنزلت علىّ آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر. . .» الحديث. فهذه الأحاديث تعطى التواتر المعنوى بكونها قرآنا منزلا فى أوائل السور. ومن المشكل على الأصل ما ذكره الإمام فخر الدين الرازى، قال: نقل فى بعض الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وهو فى غاية الصعوبة؛ لأنا إن قلنا: إن النقل المتواتر كان حاصلا فى عصر الصحابة، يكون ذلك من القرآن فإنكاره يوجب الكفر، وإن قلنا: لم يكن حاصلا فى ذلك الزمان، فيلزم أن القرآن ليس بمتواتر فى الأصل، قال: والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل باطل، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة. وكذا قال القاضى أبو بكر: لم يصح عنه أنها ليست من القرآن ولا حفظ عنه إنما حكها وأسقطها من مصحفه إنكارا لكتابتها لا جحدا لكونها قرآنا؛ لأن السنة كانت عنده أن لا يكتب فى المصحف إلا ما أمر النبى ﷺ بإثباته فيه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمعه أمر به. وقال النووى فى شرح المهذب: أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منها شيئا كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح. وقال ابن حزم فى كتاب القدح المعلى تتميم المجلى: هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وإنما صح عنه قراءة عاصم، عن زر، عنه وفيها المعوذتان والفاتحة. وقال ابن حجر فى شرح البخارى: قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك فأخرج أحمد

стр. 28

وابن حبان عنه أنه كان لا يكتب المعوذتين فى مصحفه. وأخرج عبد الله بن أحمد فى زيادات المسند والطبرانى وابن مردويه من طريق الأعمش، عن أبى إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعى، قال: كان عبد الله بن مسعود يحك المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله. وأخرج البزار والطبرانى من وجه آخر عنه أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول: إنما أمر النبى ﷺ أن يتعوذ بهما، وكان عبد الله لا يقرأ بهما أسانيدها صحيحة. قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة، وقد صح أنه ﷺ قرأهما فى الصلاة. قال ابن حجر: فقول من قال: إنه كذب عليه مردود والطعن فى الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل بل الروايات صحيحة والتأويل محتمل. قال: وقد أوله القاضى وغيره على إنكار الكتابة كما سبق، قال: وهو تأويل حسن إلا أن الرواية الصريحة التى ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله. قال: ويمكن حمل لفظ كتاب الله على المصحف، فيتم التأويل المذكور، لكن قال: من تأمل سياق الطرق المذكورة استبعد هذا الجمع. قال: وقد أجاب ابن الصباغ بأنه لم يستقر عنده القطع بذلك ثم حصل الاتفاق بعد ذلك وحاصله أنهما كانتا متواترتين فى عصره لكنهما لم يتواترا عنده، انتهى. وقال ابن قتيبة فى مشكل القرآن: ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن؛ لأنه رأى النبى ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين، فأقام على ظنه، ولا نقول إنه أصاب فى ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار. قال: وأما أسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن معاذ الله، ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى أن ذلك مأمون فى سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلمها على كل أحد. قال السيوطى: وإسقاطه الفاتحة من مصحفه، أخرجه أبو عبيد بسند صحيح كما تقدم فى أوائل النوع التاسع عشر. التنبيه الثانى: قال الزركشى فى البرهان: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحى المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحى المذكور فى الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما والقراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل: بل هى مشهورة. قال الزركشى: والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة أما تواترها عن النبى ﷺ ، ففيه

стр. 29

نظر، فإن اسنادهم بهذه القراءات السبعة موجود فى كتب القراءات وهى نقل الواحد عن الواحد. قال السيوطى: فى ذلك نظر لما سيأتى، واستثنى أبو شامة كما تقدم الألفاظ المختلف فيها عن القراء واستثنى ابن الحاجب ما كان من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتحقيق الهمزة. وقال غيره: الحق أن الأصل المد والإمالة، ولكن التقدير غير متواتر للاختلاف فى كيفيته كذا قال الزركشى قال: وأما أنواع تحقيق الهمزة فكلها متواترة. وقال ابن الجزرى: لا نعلم أحدا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك. وقد نص على تواتر ذلك كله أئمة الأصول كالقاضى أبى بكر وغيره، وهو الصواب؛ لأنه إذا ثبت تواتر اللفظ ثبت تواتر هيئة أدائه لأن اللفظ لا يقوم إلا به ولا يصح إلا بوجوده. التنبيه الثالث: قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هى التى أريدت فى الحديث وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. وقال أبو العباس بن عمار: لقد نقل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغى له وأشكل الأمر على العامة بإبهامه كل من قل نظره إن هذه القراءات هى المذكورة فى الخبر، وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة، ووقع له أيضا فى اقتصار على كل إمام على روايين أنه صار من سمع قراءة راو ثالث غيرهما أبطلها وقد تكون هى أشهر وأصح وأظهر وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أو كفر. وقال أبو بكر بن العربى: ليست السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبى جعفر وشيبة والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم. وكذا قال غير واحد منهم مكى وأبو العلاء الهمدانى وآخرون من أئمة القراء. وقال أبو حيان: ليس فى كتاب ابن مجاهد ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويا ثم ساق أسماءهم واقتصر فى كتاب ابن مجاهد على اليزيدى، واشتهر عن اليزيدى عشرة أنفس، فكيف يقتصر على السوسى والدورى وليس لهما مزية على غيرهما؛ لأن الجميع مشتركون فى الضبط والإتقان والاشتراك فى الأخذ. قال: ولا أعرف لهذا سببا إلا ما قضى من نقص العلم. وقال المكى: من ظن أن قراءة هؤلاء كنافع وعاصم هى الأحرف السبعة التى فى الحديث فقد غلط غلطا عظيما، قال: ويلزم من هذا أيضا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنا وهذا غلط عظيم فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبى عبيد القاسم بن سلام وأبى حاتم السجستانى وأبى جعفر الطبرى وإسماعيل القاضى قد ذكروا أضعاف هؤلاء، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبى عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن

стр. 30

عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائى وحذف يعقوب، قال: السبب فى الاقتصار على السبعة مع أن فى أئمة القراء من هو أجل منهم قدرا أو مثلهم أكثر من عددهم أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر فى ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه، فافردوا من كل مصر واحدا ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به كقراءة يعقوب وأبى جعفر وشيبة وغيرهم. قال: وقد صنف ابن جبر المكى مثل ابن مجاهد كتابا فى القراءات، فاقتصر على خمسة، اختار من كل مصر إماما، وإنما اقتصر على ذلك؛ لأن المصاحف التى أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال أنه وجه بسبعة، هذه الخمسة ومصحفا إلى اليمن والبحرين، لكن لم يسمع لهذين المصحفين خبرا. وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذى ورد الخبر به، فوقع ذلك بمن لم يعرف أصل المسألة ولم تكن له فطنة، فظن أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع والأصل المعتمد عليه صحة السند فى السماع واستقامة الوجه فى العربية وموافقة الرسم وأصح القراءات سندا نافع وعاصم وأفصحها أبو عمرو والكسائى، انتهى. وقال القراب فى الشافى: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر، وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك وذلك لم يقل به أحد. وقال الكواشى: كل ما صح سنده واستقام وجهه فى العربية ووافق خط المصحف الإمام، فهو من السبعة المنصوصة، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو من الشاذ. وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة فى مثل ما فى التيسير والشاطبية وآخر من صرح بذلك الشيخ تقى الدين السبكى، فقال فى شرح المنهاج قال الأصحاب: تجوز القراءة فى الصلاة وغيرها بالقراءات السبع ولا تجوز بالشاذ، وظاهر هذا يوهم أن غير السبع المشهورة من الشواذ. وقد نقل البغوى الاتفاق على القراءة بقراءة يعقوب وأبى جعفر مع السبع المشهورة، وهذا القول هو الصواب، قال: واعلم أن الخارج عن السبع المشهورة على، قسمين: منه ما يخالف رسم المصحف، فهذا لا شك فى أنه لا تجوز قراءته لا فى الصلاة ولا فى غيرها، ومنه ما لا يخالف رسم المصحف ولم تشتهر القراءة به، وإنما ورد من طريق غريب لا يعول عليها، وهذا يظهر المنع من القراءة به أيضا، ومنه ما اشتهر عن أئمة هذا الشأن القراءة به قديما وحديثا

стр. 31

فهذا لا وجه للمنع منه، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره. قال: والبغوى أولى من يعتمد عليه فى ذلك فإنه مقرئ فقيه جامع للعلوم، قال: وهكذا التفصيل فى شواذ السبعة، فإن عنهم شيئا كثيرا شاذا، انتهى. وقال ولده فى منع الموانع: إنما قلنا فى الجوامع والسبع متواترة، ثم قلنا فى الشاذ والصحيح إنه ما وراء العشرة ولم نقل: والعشر متواترة؛ لأن السبع لم يختلف فى تواترها فذكرنا أولا موضع الإجماع ثم عطفنا عليه موضع الخلاف، قال: على أن القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة فى غاية السقوط ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله فى الدين، وهى لا تخالف رسم المصحف، قال: وقد سمعت أبى يشدد النكير على بعض القضاة وقد بلغه أنه منع من القراءة بها واستأذنه بعض أصحابنا مرة فى إقراء السبع، فقال: أذنت لك أن تقرأ العشر، انتهى. وقال: فى جواب سؤال سأله ابن الجزرى عن القراءات السبع التى اقتصر عليها الشاطبى والثلاث التى هى قراءة أبى جعفر ويعقوب وخلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله ﷺ لا يكابر فى شئ من ذلك إلا جاهل. التنبيه الرابع: باختلاف القراءات يظهر الاختلاف فى الأحكام، ولهذا بنى الفقهاء وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءة فى «لمستم» و «لامستم»، وجواز وطء الحائض عند الانقطاع قبل الغسل وعدمه على الاختلاف فى «يطهرن» وقد حكوا خلافا غريبا فى الآية إذا قرئت بقراءتين، فحكى أبو الليث السمرقندى فى كتاب البستان قولين أحدهما: أن الله قال بهما جميعا. والثانى: أن الله قال بقراءة واحدة إلا أنه أذن أن تقرأ بقراءتين، ثم اختار توسطا، وهو أنه إن كان لكل قراءة تفسير يغاير الآخر، فقد قال بهما جميعا وتصير القراءتان بمنزله آيتين مثل «حتى يطهرن»، وإن كان تفسيرهما واحدا، فإن قيل إذا قلتم أنه قال بإحداهما، فأى القراءتين هى؟ قلنا: التى بلغة قريش انتهى. وقال بعض المتأخرين: لاختلاف القراءات وتنوعها فوائد منها التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمة، ومنها إظهار فضلها وشرفها على سائر الأمم، إذ لم ينزل كتاب غيرهم إلا على وجه واحد، ومنها إعظام أجرها من حيث إنهم يفرغون جهدهم فى تحقيق ذلك وضبطه حتى مقادير المدات وتفاوت الإمالات ثم فى تتبع معانى ذلك واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ وإمعانهم الكشف عن التوجيه والتعليل والترجيح، ومنها إظهار سر الله فى كتابه وصيانته عن التبديل والاختلاف مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة، ومنها المبالغة فى إعجازه بإيجازه، إذ تنوع القراءات بمنزلة الآيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدة لم يخف ما كان فيه من التطويل ولهذا كان قوله: «وأرجلكم» منزلا لغسل الرجل والمسح على الخف واللفظ واحد لكن باختلاف إعرابه، ومنها أن بعض القراءات يبين ما

стр. 32

لعله مجمل فى القراءة الأخرى، فقراءة «يطهرن» بالتشديد مبنية لمعنى قراءة التخفيف، وقراءة: «فامضوا إلى ذكر الله» تبين أن المراد بقراءة «اسعوا» الذهاب لا المشى السريع. وقال أبو عبيد فى فضائل القرآن: المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها كقراءة عائشة وحفصة «والصلاة الوسطى صلاة العصر» وقراءة ابن مسعود: «فاقطعوا أيمانهما». قال: فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن التابعين فى التفسير فيحسن، فكيف إذا روى عن كبار الصحابة ثم صار فى نفس القراءة فهو أكثر من التفسير وأقوى، فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل، انتهى. التنبيه الخامس: اختلف فى العمل بالقراءة الشاذة فنقل إمام الحرمين فى البرهان عن ظاهر مذهب الشافعى أنه لا يجوز وتبعه أبو نصر القشيرى، وجزم به ابن الحاجب لأنه نقله على أنه قرآن ولم يثبت، وذكر القاضيان أبو الطيب والحسين والرويانى والرافعى العمل بها تنزيلا لها منزلة خبر الآحاد، وصححه ابن السبكى فى الجوامع وشرح المختصر، وقد احتج الأصحاب على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود وعليه أبو حنيفة أيضا، واحتج على وجوب التتابع فى صوم كفارة اليمين بقراءته «متتابعات» ولم يحتج بها أصحابنا لثبوت نسخها. التنبيه السادس: من المهم معرفة توجيه القراءات وقد اعتنى به الأئمة وأفردوا فيه كتبا منها «الحجة» لأبى على الفارسى و «الكشف» لمكى و «الهداية» للمهدوى و «المحتسب» فى توجيه الشواذ لابن جنى، الذى نقدمه للقارئ اليوم. قال الكواشى: وفائدته أن يكون دليلا على حسب المدلول عليه أو مرجحا إلا أنه ينبغى التنبيه على شئ وهو أنه ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقطها وهذا غير مرضى؛ لأن كلا منهما متواتر. وقد حكى أبو عمر الزاهد فى كتاب «اليواقيت» عن ثعلب أنه قال: إذا اختلف الإعرابان فى القراءات لم أفضل إعرابا على إعراب، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضلت الأقوى. وقال أبو جعفر النحاس: السلامة عند أهل الدين إذا صحت القراءتان أن لا يقال إحداهما أجود؛ لأنهما جميعا عن النبى ﷺ فيأثم من قال ذلك، وكان رؤساء الصحابة ينكرون مثل هذا. وقال أبو شامة: أكثر المصنفون من الترجيح بين قراءة «مالك» و «ملك» حتى أن بعضهم بالغ إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين، انتهى. وقال بعضهم: توجيه القراءات الشاذة أقوى فى الصناعة من توجيه المشهورة. ***

стр. 33

الصراع حول قضية القراءات قديما وحديثا: وقد تكلم ابن قتيبة فى كتابه «تأويل مشكل القرآن» عن قضية القراءات والصراع الذى يدور حولها تحت باب «الحكاية عن الطاعنين»، فقال: وكان مما بلغنا عنهم: أنهم يحتجون بقوله : ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ وبقوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾. وقالوا: وجدنا الصحابة، رضى الله عنهم، ومن بعدهم، يختلفون فى الحرف: فابن عباس يقرأ: «وادّكر بعد أمه» وغيره يقرأ: «بعد أمّة». و «عائشة» تقرأ: «إذ تلقونه». و «أبو بكر الصديق» يقرأ: «وجاءت سكرة الحقّ بالموت» والناس يقرأون: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾. وقرأ بعض القراء: «وأعتدت لهنّ متكا» وقرأ الناس: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. وكان «ابن مسعود» يقرأ: «إن كانت إلاّ زقية واحدة» ويقرأ: «كالصوف المنفوش». مع أشباه لهذا كثيرة، يخالف فيها مصحفه المصاحف القديمة والحديثة. وكان يحذف من مصحفه «أم الكتاب» ويمحو «المعوذتين». و «أبى» يقرأ: «إنّ السّاعة آتية أكاد أخفيها من نفسى فكيف أظهركم عليها». ويزيد فى مصحفه افتتاح «دعاء القنوت» إلى قول الداعى: «إن عذابك بالكافرين ملحق» ويعده سورتين من القرآن. و «القراء» يختلفون: فهذا يرفع ما ينصبه ذاك، وذاك يخفض ما يرفعه هذا. *** باب الرد عليهم فى وجوه القراءات: أما ما اعتلوا به فى وجوه القراءات من الاختلاف، فإنا نحتج عليهم فيه بقول النبى ﷺ : «نزل القرآن على سبعة أحرف، شاف كاف، فاقرءوا كيف شئتم». وقد غلط فى تأويل هذا الحديث قوم فقالوا: السبعة الأحرف: وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، وأمر، ونهى، وخبر ما كان قبل، وخبر ما هو كائن بعد، وأمثال. وليس شئ من هذه المذاهب لهذا الحديث بتأويل. ومن قال: فلان يقرأ بحرف «أبى عمرو» أو بحرف «عاصم»، فإنه لا يريد شيئا مما ذكروا. وليس يوجد فى كتاب الله حرف قرئ على سبعة أوجه-يصح، فيما أعلم. وإنما تأويل قوله ﷺ : «نزل القرآن على سبعة أحرف»: على سبعة أوجه من اللغات متفرقة فى القرآن يدلك على ذلك قول رسول الله ﷺ : «فاقرأوا كيف شئتم». وقال عمر: سمعت «هشام بن حكيم بن حزام» يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها،

стр. 34

وقد كان النبى ﷺ أقرأنيها، فأتيت به النبى ﷺ ، فأخبرته، فقال له: اقرأ، فقرأ تلك القراءة، فقال: هكذا أنزلت. ثم قال لى: أقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت. ثم قال: «إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرأوا منه ما تيسر». فمن قرأه قراءة «عبد الله» فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة «أبىّ» فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة «زيد» فقد قرأ بحرفه. و «الحرف» يقع على المثال المقطوع من حروف المعجم، وعلى الكلمة الواحدة، ويقع الحرف على الكلمة بأسرها، والخطبة كلها، والقصيدة بكمالها. ألا ترى أنهم يقولون: قال الشاعر كذا فى كلمته، يعنون فى قصيدته. والله جل وعز يقول: ﴿وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾، وقال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾. وقال: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾، أراد : من الناس من يعبد الله على الخير يصيبه من تثمير المال، وعافية البدن، وإعطاء السؤل، فهو مطمئن ما دام ذلك له. وإن امتحنه الله تعالى باللأواء فى عيشه، والضراء فى بدنه وماله، كفر به. فهذا عبد الله على وجه واحد، ومعنى متحد، ومذهب واحد، وهو معنى الحرف. ولو عبد الله على الشكر للنعمة، والصبر للمصيبة، والرضا بالقضاء-لم يكن عبده على حرف. وقد تدبرت وجوه الخلاف فى القراءات فوجدتها سبعة أوجه: أولها: الاختلاف فى إعراب الكلمة، أو فى حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها فى الكتاب ولا يغير معناها نحو قوله تعالى: ﴿هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ وأطهر لكم. ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ وهل يجازى إلاّ الكفور. ﴿وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ وبالبخل. ﴿فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ وميسرة. والوجه الثانى: أن يكون الاختلاف فى إعراب الكلمة، وحركات بنائها بما يغير معناها، ولا يزيلها عن صورتها فى الكتاب، نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ و «ربّنا باعد بين أسفارنا»، و ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ و «تلقونه»، ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ وبعد أمه. الوجه الثالث: أن يكون الاختلاف فى حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغير معناها ولا يزيل صورتها، نحو قوله: ﴿وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ و «ننشرها»، ونحو قوله: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ وفرّغ. الوجه الرابع: أن يكون الاختلاف فى الكلمة بما يغير صورتها فى الكتاب، ولا يغير معناها، نحو قوله: «إن كانت إلا زقية» و «صيحة» و «كالصّوف المنفوش» و ﴿كَالْعِهْنِ﴾.

стр. 35

والوجه الخامس: أن يكون الاختلاف فى الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها نحو قوله: «وطلع منضود» فى موضع: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. والوجه السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير. نحو قوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾، وفى موضع آخر: «وجاءت سكرة الحقّ بالموت». والوجه السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: «وما عملت أيديهم»، ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾، ونحو قوله: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ و «انّ الغنىّ الحميد». وقرأ بعض السلف: «إنّ هذا أخى له تسع وتسعون نعجة أنثى»، و «إنّ السّاعة آتية أكاد أخفيها من نفسى فكيف أظهركم عليها». *** فأما زيادة «دعاء القنوت» فى «مصحف أبى»، ونقصان أم الكتاب والمعوذتين من «مصحف عبد الله»، فليس من هذه الوجوه، وسنخبر بالسبب فيه، إن شاء الله. وكل هذه «الحروف» كلام الله تعالى، نزل به الروح الأمين على رسوله ﵇ وذلك أنه كان يعارضه فى كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسر على ما يشاء. فكان من تيسيره: أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم: فالهذلى يقرأ: «عتّى حين» يريد: ﴿حَتّى حِينٍ﴾؛ لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها. والأسدى يقرأ: «تعلمون» و «تعلم» و «تسودّ وجوه» و «ألم إعهد إليكم». والتميمى يهمز. والقرشى لا يهمز. والآخر يقرأ: «وإذا قيل لهم» و «غيض الماء» بإشمام الضم مع الكسر، و «هذه بضاعتنا ردّت إلينا» بإشمام الكسر مع الضم و «ما لك لا تأمنّا» بإشمام الضم مع الإدغام، وهذا ما لا يطوع به كل لسان. ولو أن كل فريق من هؤلاء، أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا؛ لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للّسان، وقطع للعادة. فأراد الله، برحمته ولطفه أن يحمل لهم متسعا فى اللغات، ومتصرفا فى الحركات، كتيسيره عليهم فى الدين حين أجاز لهم على لسان رسوله، ﷺ ، أن يأخذوا باختلاف العلماء من صحابته فى فرائضهم وأحكامهم، وصلاتهم وصيامهم، وزكاتهم وحجهم، وطلاقهم وعتقهم، وسائر أمور دينهم.

стр. 36

فإن قال قائل: هذا جائز فى الألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا، فهل يجوز أيضا إذا اختلفت المعانى؟. قيل له: الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضاد «فاختلاف التضاد» لا يجوز، ولست واجده بحمد الله فى شئ من القرآن إلا فى الأمر والنهى من الناسخ والمنسوخ. «واختلاف التغاير» جائز، وذلك مثل قوله: وادكر بعد أمة أى بعد نسيان له، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان؛ لأنه ذكر أمر «يوسف» بعد حين وبعد نسيان له، فأنزل الله على لسان نبيه، ﷺ بالمعنيين جميعا فى غرضين. وكقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أى تقبلونه وتقولونه، و «تلقونه» من الولق، وهو الكذب، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان؛ لأنهم قبلوه وقالوه، وهو كذب، فأنزل الله على نبيه بالمعنيين جميعا فى غرضين. وكقوله: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ على طريق الدعاء، و «ربّنا باعد بين أسفارنا» على جهة الخبر، والمعنيان وإن اختلفا صحيحان؛ لأن أهل سبأ سألوا الله أن يفرقهم فى البلاد فقالوا: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ فلما فرقهم الله فى البلاد، و «باعد بين أسفارهم»، قالوا: ربنا باعد بين أسفارنا، وأجابنا إلى ما سألنا، فحكى الله سبحانه عنهم بالمعنيين فى غرضين. وكذلك قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ و «لقد علمت ما أنزل هؤلاء» لأن فرعون قال لموسى: إن آياتك التى أتيت بها سحر. فقال موسى مرة: لقد علمت ما هى سحر، ولكنها بصائر. وقال مرة: لقد علمت أنت أيضا ما هى سحر، وما هى إلا بصائر. فأنزل الله المعنيين جميعا. وقوله: «وأعتدت لهن متكئا» وهو الطعام، و «أعتدت لهن متكا» وهو الأترجّ، ويقال: الزّماورد، فدلت هذه القراءة على معنى ذلك الطعام، وأنزل الله بالمعنيين جميعا. وكذلك «ننشرها» ﴿نُنْشِزُها﴾؛ لأن الإنشار: الإحياء، والإنشاز هو: التحريك للنقل، والحياة حركة، فلا فرق بينهما. وكذلك: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ و «فرغ»؛ لأن فزع: خفف عنها الفزع، وفرغ: فرغ عنها الفزع. وكل ما فى القرآن من تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصا، فعلى مثل هذه السبيل. *** فإن قال قائل: فهل يجوز لنا أن نقرأ بجميع هذه الوجوه ؟: قيل له: كل ما كان منها موافقا لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه-جاز لنا أن نقرأ به. وليس لنا ذلك فيما خالفه؛ لأن المتقدمين من الصحابة والتابعين، قرأوا بلغاتهم، وجروا

стр. 37

على عادتهم، فكان ذلك جائزا لهم، ولقوم من القراء بعدهم مأمونين على التنزيل، عارفين بالتأويل؛ فأما نحن معشر المتكلفين، فقد جمعنا الله بحسن اختيار السلف لنا على مصحف هو آخر العرض، وليس لنا أن نعدوه، كما كان لهم أن يفسروه، وليس لنا أن نفسره. ولو جاز لنا أن نقرأه بخلاف ما ثبت فى مصحفنا، لجاز أن نكتبه على الاختلاف والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، وهناك يقع ما كرهه لنا الأئمة الموفقون، رحمة الله عليهم. وأما نقصان «مصحف عبد الله» بحذفه «أم الكتاب» و «المعوذتين» وزيادة «أبى» سورتى القنوت-فإنا لا نقول: إن «عبد الله» و «أبيا» أصابا وأخطأ المهاجرون والأنصار، ولكن «عبد الله» ذهب فيما يرى أهل النظر إلى أن «المعوذتين» كانتا كالعوذة والرقية وغيرها، وكان يرى رسول الله ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين وغيرهما، كما كان يعوذ بأعوذ بكلمات الله التامة، وغير ذلك، فظن أنهما ليستا من القرآن، وأقام على ظنه ومخالفة الصحابة جميعا كما أقام على التطبيق. وأقام «غيره» على الفتيا بالمتعة، والصرف. ورأى «آخر» أكل البرد وهو صائم. ورآى «آخر» أكل السحور بعد طلوع الفجر الثانى. وأشباه هذا كثيرة. وإلى نحو هذا ذهب «أبى» فى «دعاء القنوت»؛ لأنه رأى رسول الله ﷺ يدعو به فى الصلاة دائما، فظن أنه من القرآن، وأقام على ظنه، ومخالفة الصحابة. *** وأما «فاتحة الكتاب» فإنى أشك فيما روى عن «عبد الله» من تركه إثباتها فى مصحفه، فإن كان هذا محفوظا، فليس يجوز لمسلم أن يظن به الجهل بأنها من القرآن، وكيف يظن به ذلك وهو من أشد الصحابة عناية بالقرآن وأحد الستة الذين انتهى إليهم العلم، والنبى ﷺ يقول: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه قراءة ابن أم عبد». وعمر يقول فيه: «كنيف ملئ علما» وهو مع هذا متقدم الإسلام بدرى لم يزل يسمع رسول الله ﷺ يؤم بها، وقال: «لا صلاة إلا بسورة الحمد» وهى السبع المثانى، وأم الكتاب، أى أعظمه وأقدم ما نزل منه، كما سميت مكة أم القرى؛ لأنها أقدمها قال الله : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾. ولكنه ذهب فيما يظن أهل النظر إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين؛ مخافة الشك والنسيان، والزيادة والنقصان، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد لقصرها ولأنها تثنى فى كل صلاة وكل ركعة، وأنه لا يجوز لأحد من المسلمين ترك تعلمها وحفظها كما يجوز ترك تعلم غيرها وحفظه.

стр. 38

فلما أمن عليها العلة التى من أجلها كتب المصحف ترك كتابتها وهو يعلم أنها من القرآن. ولو أن رجلا كتب فى المصحف سورا، وترك سورا لم يكتبها، لم نر عليه فى ذلك وكفا إن شاء الله تعالى. *** باب ما ادعى على القرآن من اللحن: وأما ما تعلقوا به من «حديث عائشة» رضى الله عنها فى غلط الكاتب، و «حديث عثمان» رضى الله عنه: أرى فيه لحنا-فقد تكلم النحويون فى هذه الحروف، واعتلوا لكل حرف منها، واستشهدوا الشعر: فقالوا: فى قوله سبحانه: ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ وهى لغة بلحرث بن كعب يقولون: مررت برجلان، وقبضت منه درهمان، وجلست بين يداه، وركبت علاه. وأنشدوا: أى قلوص راكب تراها … طاروا علاهن فطر علاها على أن القراء قد اختلفوا فى قراءة هذا الحرف: فقرأه «أبو عمرو بن العلاء»، و «عيسى بن عمر»: «إنّ هذين لساحران» وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب كما قالت «عائشة». وكان «عاصم الجحدرى» يكتب هذه الأحرف الثلاثة فى مصحفه على مثالها فى الإمام، فإذا قرأها، قرأ: «إنّ هذين لساحران»، وقرأ: «والمقيمون الصّلاة»، وقرأ: «إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والصّابئين». وكان يقرأ أيضا فى سورة البقرة: «والصابرون فى البأساء والضراء» ويكتبها: «الصّابرين». وإنما فرق بين القراءة والكتاب؛ لقول «عثمان» ﵀: «أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها» فأقامه بلسانه، وترك الرسم على حاله. وكان «الحجاج» وكل «عاصما» و «ناجية بن رمح» و «على بن أصمع» بتتبع المصاحف، وأمرهم أن يقطعوا كل مصحف وجدوه مخالفا لمصحف عثمان، ويعطوا صاحبه ستين درهما. خبرنى بذلك «أبو حاتم» عن «الأصمعى» قال: وفى ذلك يقول «الشاعر»: وإلا رسوم لدار قفر كأنها … كتاب محاه الباهلى بن أصمعا وقرأ بعضهم: «إن هذان لساحران» اعتبارا بقراءة «أبى» لأنها فى مصحفه: «إن ذان إلا ساحران» وفى مصحف «عبد الله»: «وأسرّوا النّجوى إن هذان ساحران» منصوبة الألف بجعل: «إن هذان» تبيينا للنجوى.

стр. 39

وقالوا فى نصب «المقيمين» بأقاويل: قال بعضهم: أراد بما أنزل إليك وإلى المقيمين. وقال بعضهم: وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين. وكان «الكسائى» يرده إلى قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أى: ويؤمنون بالمقيمين، واعتبره بقوله فى موضع آخر: ﴿يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أى بالمؤمنين. وقال بعضهم: هو نصب على المدح. قال «أبو عبيدة» هو نصب على تطاول الكلام بالنسق، وأنشد «للخرنق بنت هفان»: لا يبعدن قومى الذين هم … سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك … والطيبون معاقد الأزر ومما يشبه هذه الحروف-ولم يذكروه-قوله فى سورة البقرة: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾. و «القراء» جميعا على نصب «الصابرين» إلا «عاصما الجحدرى» فإنه كان يرفع الحرف إذا قرأه، وينصبه إذا كتبه؛ للعلة التى تقدم ذكرها. واعتل «أصحاب النحو» للحرف، فقال «بعضهم»: هو نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح والذم، كأنهم ينوون إفراد الممدوح بمدح مجدد غير متبع لأول الكلام، كذلك قال «الفراء». وقال «بعضهم»: أراد: «وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين والصابرين فى البأساء والضراء». وهذا وجه حسن؛ لأن البأساء: الفقر، ومنه قول الله : ﴿وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾. والضراء: البلاء فى البدن، من الزمانة والعلة. فكأنه قال: وآتى المال على حبه السائلين الطوافين، والصابرين على الفقر والضر الذين لا يسألون ولا يشكون، وجعل «الموفين» وسطا بين المعطين نسقا على «من آمن بالله». *** ومن ذلك قوله فى سورة الأنبياء: «كذلك نجى المؤمنين» كتبت فى المصاحف بنون واحدة، وقرأها «القراء» جميعا «ننجى» بنونين إلا «عاصم بن أبى النجود» فإنه كان يقرؤها بنون واحدة، ويخالف «القراء» جميعا، ويرسل الياء فيها على مثال «فعل». فأما من قرأها بنونين، وخالف الكتاب، فإنه اعتل بأن النون تخفى عند الجيم، فأسقطها كاتب المصحف لخفائها، ونيته إثباتها. واعتل بعض النحويين «لعاصم» فقالوا: أضمر المصدر، كأنه قال: نجى النجاء المؤمنين، كما تقول: ضرب الضرب زيدا، ثم تضمر الضرب، فتقول: ضرب زيدا.

стр. 40

وكان «أبو عبيد» يختار فى هذا الحرف مذهب «عاصم» كراهية أن يخالف الكتاب، ويستشهد عليه «حرفا» فى سورة الجاثية، كان يقرأ به «أبو جعفر المدنى»، وهو قوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أى ليجزى الجزاء قوما. وأنشدنى بعض النحويين: ولو ولدت فقيرة جرو كلب … لسب بذلك الجرو الكلابا *** ومن ذلك: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أكثر القراء يقرأون: «فأصّدّق أكن» بغير واو. واعتل «بعض النحويين» فى ذلك بأنها محمولة على «موضع» فأصدق، لو لم يكن فيه الفاء، وموضعه جزم، وأنشد: فأبلونى بليتكم لعلى … أصالحكم وأستدرج نويا فجزم «وأستدرج»، وحمله على موضع «أصالحكم» لو لم يكن قبلها: «لعلى» كأنه قال: فأبلونى بليتكم أصالحكم وأستدرج. وكان «أبو عمرو بن العلاء» يقرأ: «فأصّدّق وأكون» بالنصب، ويذهب إلى أن الكاتب أسقط الواو، كما تسقط حروف المد واللين فى «كلمون» وأشباه ذلك. *** وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو أن تكون غلطا من الكاتب، كما ذكرت «عائشة» رضى الله عنها. فإن كانت على مذاهب النحويين، فليس هاهنا لحن بحمد الله. وإن كانت خطأ فى الكتاب، فليس على رسوله ﷺ جناية الكاتب فى الخط. ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن، لرجع عليه كل خطأ وقع فى كتابة المصحف من طريق التهجى: فقد كتب فى الإمام: «إن هذن لساحران» بحذف ألف التثنية. وكذلك «ألف التثنية» تحذف فى هجاء هذا المصحف فى كل مكان، مثل: «قال رجلن» و «آخرن يقومان مقامهما» وكتب كتاب المصحف: الصلوة والزكوة والحيوة، بالواو، واتبعناهم فى هذه الحروف خاصة على التيمن بهم، ونحن لا نكتب: «القطاة والقناة والقلاة» إلا بالألف، ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه. وكتبوا «الربو» بالواو، وكتبوا: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فمال بلام منفردة. وكتبوا: «ولقد جاءك من نبأى المرسلين» بالياء «أو من ورائى حجاب» بالياء فى الحرفين جميعا، كأنهما مضافان، ولا ياء فيهما، إنما هى مكسورة.
следующие страницы →