← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 704

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Полный текст (896 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قال أبو الفتح: أخبرنا بهذه الحكاية أبو بكر جعفر بن على بن الحجاج عن أبى خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام. فأما التنوين فإنه وإن كان غير مسموع إلا فى هذه القراءة فإن قياسه أن تكون ألفه للإلحاق لا للتأنيث، كتترى فيمن نون وجعلها ملحقة بجعفر. وكان الأشبه بقدر سيبويه ألا يقف فى قياس ذلك وألا يقول: لا أدرى. ولولا أن هذه الحكاية رواها ابن مجاهد ورويناها عن شيخنا أبى بكر لتوقفت فيها. فأما أن يقول سيبويه: لم يقرأ بها أحد فجائز. يعنى فيما سمعه، لكن لا عذر له فى أن يقول: لا أدرى لأن قياس ذلك أخف وأسهل على ما شرحنا من كون ألفه للإلحاق. *** ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ (١١٢) ومن ذلك قراءة الجماعة: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ وفى قراءة أبى وعبد الله بن مسعود، ويروى أيضا عن الأعمش: «التائبين العابدين». قال أبو الفتح: أما رفع ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ فعلى قطع واستئناف، أى هم التائبون العابدون. وأما «التائبين العابدين» فيحتمل أن يكون جرّا وأن يكون نصبا: أما الجر فعلى أن يكون وصفا للمؤمنين فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ «التائبين العابدين». وأما النصب فعلى إضمار فعل لمعنى المدح، كأنه قال: أعنى أو أمدح «التائبين العابدين»، كما أنك مع الرفع أضمرت الرافع لمعنى المدح. *** ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ (١١٤) ومن ذلك قراءة طلحة: «وما يستغفر إبراهيم لأبيه»»، ورويت عنه أيضا: «وما استغفر إبراهيم لأبيه».

стр. 422

قال أبو الفتح: أما «يستغفر» فعلى حكاية الحال، كقولك: كان زيد سيقوم، إن كان متوقعا منه القيام. وحكاية الحال فاشية فى اللغة، منها قول الله : ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ولم يقل: أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه. وذلك أنه تعالى لما حكى الحال الماضية صار النبى ﷺ ومن يسمع من بعد كالحاضرين للحال، فقال: هذا، وهذا. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾، وهذه اللام إنما تدخل على فعل الحال الحاضرة، فحكى الحال المستأنفة كما حكى السالفة. *** ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (١١٨) ومن ذلك قراءة الناس ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وقرأ: «خلفوا»، بفتح الخاء واللام خفيفة-عكرمة وزرّ بن حبيش وعمرو بن عبيد، ورويت عن أبى عمرو. وقرأ: «خالفوا» أبو جعفر محمد بن على وعلى بن الحسين وجعفر بن

стр. 423

محمد وأبو عبد الرحمن السلمى. قال أبو الفتح: من قرأ «خلفوا» فتأويله: أقاموا ولم يبرحوا، ومن قرأ «خالفوا» فمعناه عائد إلى ذلك؛ وذلك أنهم إذا خالفوهم فأقاموا فقد خلفوا هناك. *** ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١٢٨) ومن ذلك قراءه عبد الله بن قسيط المكى: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم». قال أبو الفتح: معناه من خياركم، ومنه قولهم: هذا أنفس المتاع، أى أجوده وخياره، واشتقه من النفس، وهى أشرف ما فى الإنسان. ***

стр. 424

سورة يونس ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (٤) من ذلك قراءة أبى جعفر والأعمش وسهل بن شعيب «وعد الله حقّ أنه يبدأ الخلق ثم يعيده». قال أبو الفتح: إن شئت كان تقديره: وعد الله حقا لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده، أى من قدر على هذا الأمر العظيم فإنه غنىّ عن إخلاف الوعد، وإن شئت كان تقديره: أى وعد الله وعدا حقا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، فتكون «أنه» منصوبة بالفعل الناصب لقوله: «وعدا». ولا يجوز أن يكون «أنه» منصوبة الموضع بنفس «وعد» لأنه قد وصف بقوله: «حقا»، والصفة إذا جرت على موصوفها أذنت بتمامه وانقضاء أجزائه، فهى من صلته، فكيف يوصف قبل تمامه؟ فأما قول الحطيئة: أزمعت يأسا مبينا من نوالكم … ولن ترى طاردا للحرّ كالياس فلا يكون قوله: من نوالكم من صلة يأس من حيث ذكرنا. ألا تراه قد وصفه بقوله: «مبينا»؟ وإذا كان المعنى لعمرى عليه ومنع الإعراب منه أضمر له ما يتناول حرف الجر، ويكون يأسا دليلا عليه، كأنه قال فيما بعد: يئست من نوالكم. ***

стр. 425

﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠) ومن ذلك قراءة ابن محيصن وبلال بن أبى بردة ويعقوب: «أنّ الحمد لله». قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن قراءة الجماعة ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على أنّ «أن» مخففة من «أنّ»، بمنزلة قول الأعشى: فى فتية كسيوف الهند قد علموا … أن هالك كلّ من يحفى وينتعل أى أنه هالك، فكأنه على هذا: وآخر دعواهم أنه الحمد لله، وعلى أنه لا يجوز أن يكون «أن» هنا زائدة كما زيدت فى قوله: ويوما توافينا بوجه مقسّم … كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم أى كظبية، وإذا لم يكن ذلك كذلك لم يكن تقديره: وآخر دعواهم الحمد لله. هو كقولك: أول ما أقوله: زيد منطلق. وعلى أن هذا مع ما ذكرناه جائز فى العربية لكن فيه خلافا لتقدير قراءة الجماعة، وفيه أيضا الحمل على زيادة «أن» وليس بالكثير. ولو قرأ قارئ: إنّ الحمد لله، بكسر الهمزة على الحكاية التى للفظ بعينه لكان جائزا، لكن لا يقدم على ذلك إلا أن يرد به أثر، وإن كان فى العربية سائغا. وإذا فتح فقال: أنّ الحمد لله، فلم يحك اللفظ بعينه وإنما جاء بمعنى الكلام كقولنا: بلغنى أن زيدا منطلق-

стр. 426

فليس هذا على حكاية ما سمع لفظا. ألا تراه إذا قيل له: قد انطلق زيد فقال: بلغنى أن زيدا منطلق، كان صادقا، وإن لم يؤدّ نفس اللفظ الذى سمعه، لكنه أدى معناه؟ وإن كسر فقال: إنّ الحمد لله، فهو مؤد لنفس اللفظ وحاك له البتة. *** ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٤) ومن ذلك قراءة ابن شعيب قال: سمعت يحيى بن الحارث يقرأ: «لنظّر كيف تعملون»، نون واحدة. قال: فقلت له: ما سمعت أحدا يقرؤها، قال: هكذا رأيتها فى الإمام: مصحف عثمان. أيوب، عن يحيى، عن ابن عامر: «لنظّر»، بنون واحدة مثله. قال أبو الفتح: ظاهر هذا أنه أدغم نون ننظر فى الظاء، وهذا لا يعرف فى اللغة، ويشبه أن تكون مخفاة فظنها القراء مدغمة على عادتهم فى تحصيل كثير من الإخفاء إلى أن يظنوه مدغما. وذلك أن النون لا تدغم إلا فى ستة أحرف ويجمعها قولك: يرملون. *** ﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ (١٦) ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن وابن سيرين: «ولا أدرأتكم به». قال أبو الفتح: هذه قراءة قديمة التناكر لها والتعجب منها. ولعمرى إنها فى بادئ أمرها على ذلك، غير أن لها وجها وإن كانت فيه صنعة وإطاعة. وطريقه أن يكون أراد «ولا أدريتكم به» ثم قلب الياء لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة-ألفا، كقولهم فى ييئس: ياءس، وفى ييبس يابس. وكقولهم: ضرب عليهم ساية، وإنما يريد سيّة، وهى فعلة من سوّيت، فقلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء فصار سيّه، ثم قلبت الياء الأولى لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة-ألفا، فصارت ساية. وقالوا فى الإضافة إلى الحيرة: حارىّ، وإلى طىّ طائىّ، وقالوا: حاحيت وعاييت وهاهيت. والأصل حيحيت وعيعيت وهيهيت، فقلبت الياءات السواكن فى هذه

стр. 427

الأماكن ألفات، فكذلك أيضا قلبت ياء «أدريتكم» ألفا فصارت «أدرأتكم» وعلى ذلك أيضا ما رويناه عن قطرب: أن لغة عقيل أن يقولوا فى أعطيتك: أعطاتك. فلما صارت أدريتكم إلى أدراتكم همز على لغة من قال فى الباز: البأز، وفى العالم: العالم، وفى الخاتم: الخأتم، وفى التابل وتابلت القدر: التأبل، وتأبلت القدر. وأنشد ابن الأعرابى: ولّى نعام بنى صفوان زوزأة … لّما رأى أسدا فى الغار قد وثبا يريد زوزاة. ولنحو هذا نظائر قد أوردناها فى كتابنا الموسوم بالخصائص فى باب ما همزته العرب ولا أصل له فى همز مثله، فهذا وإن طالت الصنعة فيه أمثل من أن تعطى اليد بفساده وترك النظر فى أمره. *** ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (٢٢) ومن ذلك قراءة أم الدرداء «حتى إذا كنتم فى الفلكىّ»، بكسر الكاف وتثبيت الياء. قال أبو الفتح: اعلم أن العرب زادت ياء الإضافة فيما لا يحتاج إليها، من ذلك قولهم: فى الأحمر أحمرىّ، وفى الأشهر أشهرىّ. قال العجاج: والدهر بالإنسان دوّارىّ أى دوّار. وقال فيها أيضا: غضف طواها الأمس كلاّبىّ أى: كلاّب. فإن قيل: فإن هذا أمر يختص بالصفات، وليس «الفلك» بصفة فتلحقه ياء النسب، قيل: قد جاء ذلك فى الاسم أيضا. ألا ترى إلى قول الصلتان:

стр. 428

أنا الصلتانىّ الذى وأيضا فقد شبه كل واحد من الاسم والصفة بصاحبه، فغير منكر أن يشبه الفلك بالحلو والمر. ويزيد فى شبهه به أن الفلك عندنا اسم مكسّر، وليس عندنا كما ذهب إليه الفراء فيه: من أنه اسم مفرد يقع على الواحد والجمع، كالطاغوت ونحوه. وإذا كان جمعا مكسرا أشبه الفعل من حيث كان التكسير ضربا من التصرف، وأصل التصرف للفعل، ألا ترى أن ضربا من الجمع أشبه الفعل فمنع من الصرف وهو باب مفاعل ومفاعيل؟ ولأن التكسير أيضا ثان كما أن الفعل ثان، وإذا أشبه التكسير الفعل من حيث وصفنا قارب الصفة لشدة ملابسة الصفة للفعل لفظا ومعنى وعملا، فهذا عندى هو العذر فى إلحاق «الفلك» ياءى الإضافة فى هذه القراءة. *** ﴿وَاِزَّيَّنَتْ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة الأعرج «وأزينت»، وهى أيضا قراءة نصر بن عاصم وأبى العالية والحسن بخلاف وقتادة وأبى رجاء بخلاف والشعبى وعيسى الثقفى. وقرأ: «وازيأنّت» أبو عثمان النّهدى. قال أبو الفتح: أما «أزينت» فمعناه صارت إلى الزينة بالنبت، ومثله من أفعل، أى: صار إلى كذا أجذع المهر صار إلى الإجذاع، وأحصد الزرع، وأجزّ النخل: أى صار إلى الحصاد والجزار، إلا أنه أخرج العين على الصحة وكان قياسه أزانت، مثل أشاع الحديث، وأباع الثوب: أى عرضه للبيع. وأما «ازيأنّت» فإنه أراد فعالّت، وأصله ازيانّت مثل ابياضّت واسوادت، إلا أنه كره التقاء الألف والنون الأولى ساكنتين، فحرك الألف فانقلبت همزة، كقول كثيّر:

стр. 429

وللأرض أما سودها فتجللت … بياضا وأما بيضها فادهأمت وقد تقدم نظير ذلك فيه. *** ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة مروان على المنبر: «كأن لم تتغنّ بالأمس». قال أبو الفتح: جاء هذا مجئ نظائره، كقولهم: تمتعت بكذا، وتأنقت فيه، وتلبّست بالأمر، مما جاء تفعّلت على هذا الحد. *** ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٣٨) ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد: «بسورة مثله»، بالإضافة. قال أبو الفتح: هو عندى على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، أى بسورة كلام مثله، أو حديث مثله، أو ذكر مثله. وقد ذكرنا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه. *** ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ (٥٣) ومن ذلك قراءة الأعمش: «آلحقّ هو؟». قال أبو الفتح: اعلم أن الأجناس تتساوى فائدتا معرفتها ونكرتها فى نحو هذا، تقول: ثق بأمان من الله، وثق بالأمان من الله، وهذا حق، وهذا الحق، وهذا صدق، وهذا الصدق.

стр. 430

ومن قولهم: خرجت فإذا بالباب أسد، وإذا بالباب الأسد، المعنى واحد ووضع اللفظ مختلف، وسبب ذلك كون الموضع جنسا، وقد تقدم نحو هذا. *** ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (٥٨) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وعثمان بن عفان وأبىّ بن كعب والحسن وأبى رجاء ومحمد بن سيرين والأعرج وأبى جعفر بخلاف والسّلمى وقتادة والجحدرى وهلال بن يساف والأعمش بخلاف وعباس بن الفضل وعمرو بن فائد: «فبذلك فلتفرحوا»، بالتاء. وقرأ: «فبذلك فافرحوا» أبى بن كعب. قال أبو الفتح: أما قراءة أبى هذه «فافرحوا» فلا نظر فيها، لكن «فلتفرحوا» بالتاء خرجت على أصلها، وذلك أن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر وهو اللام، فأصل اضرب لتضرب، وأصل قم لتقم. كما تقول للغائب: ليقم زيد، ولتضرب هند، لكن لما كثر أمر الحاضر نحو قم، واقعد، وادخل، واخرج، وخذ، ودع، حذفوا حرف المضارعة تخفيفا-بقى ما بعده ودل حاضر الحال على أن المأمور هو الحاضر المخاطب، فلما حذف حرف المضارعة بقى ما بعده فى أكثر الأمر ساكنا فاحتيج إلى همزة الوصل ليقع الابتداء بها فقيل: اضرب، اذهب، ونحو ذلك. فإن قيل: ولم كان أمر الحاضر أكثر حتى دعت الحال إلى تخفيفه لكثرته؟ قيل: لأن الغائب بعيد عنك، فإذا أردت أن تأمره احتجت إلى أن تأمر الحاضر لتؤدى إليه أنك تأمره، فقلت: يا زيد، قل لعمرو: قم. ويا محمد، قل لجعفر: اذهب، فلا تصل إلى أمر الغائب إلا بعد أن تأمر الحاضر أن يؤدى إليه أمرك إياه، والحاضر لا يحتاج إلى ذلك لأن خطابك إياه قد أغنى عن تكليفك غيره أن يتحمل إليه أمرك له.

стр. 431

ويدلك على تمكن أمر الحاضر أنك لا تأمر الغائب بالأسماء المسمى بها الفعل فى الأمر نحو: صه، ومه، وإيه، وإيها، وحيّهل، ودونك، وعندك، ونحو ذلك. لا تقول: دونه زيدا، ولا عليه جعفرا كقولك: دونك زيدا، وعليك سعدا. وقد شذ حرف من ذلك فقالوا: عليه رجلا ليسنى. ولهذا المعنى قوى ضمير الحاضر على ضمير الغائب فقالوا: أنت وهو، فلما صاغوا لهما اسما واحدا صاغوه على لفظ الحضور لا لفظ الغيبة، فقالوا: أنتما، فضموا الغائب إلى الحاضر، ولم يقولوا: هما، فيضموا الحاضر إلى الغائب، فهذا كله يريك استغناءهم بقم عن لتقم ونحوه. وكأنّ الذى حسن التاء هنا أنه أمر لهم بالفرح، فخوطبوا بالتاء لأنها أذهب فى قوة الخطاب، فاعرفه، ولا تقل قياسا على ذلك: فبذلك فلتحزنوا؛ لأن الحزن لا تقبله النفس قبول الفرح، إلا أن تريد إصغارهم وإرغامهم، فتؤكد ذلك بالتاء على ما مضى. *** ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ (٧١) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن والحسن وابن أبى إسحاق وعيسى الثقفىّ وسلاّم ويعقوب، ورويت عن أبى عمرو: «فأجمعوا أمركم وشركاؤكم»، مكسورة الميم ورفع «شركاؤكم». وقرأ: «فاجمعوا أمركم»، غير مهموزة والميم مفتوحة و «شركاءكم» نصبا الأعرج وأبو رجاء وعاصم الجحدرى والزهرى، وروى عن الأعمش. وفى قراءة أبىّ: «وادعوا شركاءكم ثم اجمعوا أمركم».

стр. 432

قال أبو الفتح: أما «فأجمعوا أمركم وشركاؤكم» بالرفع فرفعه على العطف على الضمير فى «أجمعوا»، وساغ عطفه عليه من غير توكيد للضمير فى «أجمعوا» من أجل طول الكلام بقوله: «أمركم». وعلى نحو من هذا يجوز أن تقول: قم إلى أخيك وأبو محمد، واذهب مع عبد الله وأبو بكر؛ فتعطف على الضمير من غير توكيد وإن كان مرفوعا ومتصلا لما ذكرنا من طول الكلام بالجار والمجرور. وإذا جاز قول الله تعالى: ﴿ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا﴾ وأن نكتفى بطول الكلام ب «لا» وإن كانت بعد حرف العطف كان الاكتفاء من التوكيد بما هو أطول من «لا»، وهو أيضا قبل الواو، كما أن التوكيد لو ظهر لكان قبلها-أحرى. وعلى ذلك فلو قال قائل: «قم وزيد» فعطف على الضمير المرفوع من غير توكيد كان أقبح من قولنا: «قمت وزيد»، وذلك أن المعطوف عليه فى «قم وزيد» ضمير لا لفظ له فهو أضعف من الضمير فى قمت؛ لأن له لفظا وهو التاء، و «قمت وزيد» أضعف من «قمنا وزيد» لأن «نا» من قمنا أتم لفظا من التاء فى قمت. وعليه أيضا تعلم أن قمتما وزيد أشبه شيئا من قمنا وزيد؛ لأن «تما» من «قمتما» أتم لفظا من «نا» من قمنا. وكذلك أيضا قولك للنساء: ادخلنانّ وزيد أمثل من قولك: دخلتنّ وزيد؛ لأن «نانّ» من ادخلنانّ أطول من «تنّ» من دخلتن. فهذه مصارفة وإن خفيت ولطفت تؤثّر فى أنفس العارفين بها ما لا تخطر على أوهام الساهين عنها. وكذلك لو قلت: اضربنا «نّه» وزيد لكان أمثل من ادخلنانّ وزيد، لأن «نانّه» ستة أحرف «ونانّ» أربعة أحرف، وكذلك اضربنانّهما وزيد، أمثل من اضربنانّه وزيد لأن «نانّهما» سبعة أحرف «ونانّه» ستة أحرف، وكذلك الزيدّين الثوبين اكسونانّهما هما- أمثل من قولك: الزيدين اكسونانّهما لأن «نانّهما هما» عشرة أحرف «ونانّهما» سبعة أحرف. فهذا مبنى يعاد عليه، ويثنى أشباهه إليه. وجميعه من بعد ليس فى قوة التوكيد نحو قم أنت وزيد، و ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾؛ وذلك أن التوكيد وإن لم يكن فى طول هذه الفروق والفصول فإن فيه معنى ليس فيها، وهو تثبيته معنى الاسمية للمضمر

стр. 433

المتصل الذى قد شعّث الفعل فمازجه وصار كجزء منه، فضعف عن العطف عليه، كما لا يجوز العطف على جزء من الفعل. فإذا وكّد صار فى حيز الأسماء ولحق بما يحسن العطف عليه بعد توكيده كما حسن عليها. *** ﴿ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ﴾ (٧١) ومن ذلك قراءة السرّى بن ينعم «ثم أفضوا إلىّ» من أفضيت. قال أبو الفتح: معناه أسرعوا إلىّ، وهو أفعلت من الفضاء؛ وذلك أنه إذا صار إلى الفضاء تمكن من الإسراع، ولو كان فى ضيق لم يقدر من الإسراع على ما يقدر عليه من السعة. ولام أفضيت والفضاء وما تصرف منهما واو لقولهم: فضا الشئ يفضو فضوا إذا اتسع. فقولهم: أفضيت: صرت إلى الفضاء، كقولهم: أعرق الرجل إذا صار إلى العراق، وأعمن الرجل إذا صار إلى عمان، وأنجد: أتى نجدا، ونحو ذلك. *** ﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧٦) ومن ذلك قراءة مجاهد وسعيد بن جبير: «إنّ هذا لساحر مبين».

стр. 434

قال أبو الفتح: هذا-على قول قراءة الجماعة: ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ -إشارة إلى الفعل الواقع هناك من قلب العصا حيّة ونحوه، وهذا-على من قرأ: «لساحر» -إشارة إلى موسى ﵇، كما أن هذا-من قول الله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ إشارة إلى اليوم، وهذا-على قراءة من قرأ: «هذا يوم لا ينطقون»، بالنصب-إشارة إلى الفعل الواقع فى هذا اليوم. *** ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ (٨٩) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن: «قد أجيبت دعواتكما». قال أبو الفتح: هذه جمع دعوة، وبهذه القراءة تعلم أن قراءة الجماعة: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ يراد فيها بالواحد معنى الكثرة. وساغ ذلك لأن المصدر جنس، وقد تقدم أن الأجناس يقع قليلها موقع كثيرها، وكثيرها موقع قليلها. *** ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ (٩٢) ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب ومحمد بن السّميفع ويزيد البربرى: «فاليوم ننحّيك»، بالحاء. قال أبو الفتح: هذه نفعّلك من الناحية، أى نجعلك فى ناحية من كذا. يقال: نحوت الشئ أنحوه: إذا قصدته، ونحّيت الشئ فتنحى: أى باعدته فتباعد فصار فى ناحية. قال رؤبة وهو فى جماعة من أصحابه ممن يأخذ عنه، وقد أقبلت عجوز منصرفة عن السوق، وقد ضاق الطريق بها عليهم:

стр. 435

تنحّ للعجوز عن طريقها … إذ أقبلت رائحة من سوقها دعها فما النحوىّ من صديقها … وقال الحطيئة لأمه: تنحّى فاقعدى منّى بعيدا … أراح الله منك العالمينا وقد استعملت العرب مصدر نحوت الشئ نحوا ظرفا، كقولك: زيد نحوك: أى فى شقّك وناحيتك وعليه ما أنشده أبو الحسن: ترمى الأماعيز بمجمرات … بأرجل روح محنّبات يحدو بها كلّ فتى هيّات … وهنّ نحو البيت عامدات فنصب عامدات على الحال لتمام الكلام من قبلها. وقد جمعوا نحوا على نحوّ، فأخرجوه على أصله.

стр. 436

ومنه حكاية الكتاب: إنكم لتنظرون فى نحوّ كثيرة، ومثله من الشاذ بهو وبهوّ للصّدر، وأب وأبوّ، وابن وبنوّ. قال القنانى يمدح الكسائى: أبى الذمّ أخلاق الكسائى وانتمى … به المجد أخلاق الأبوّ السوابق ***

стр. 437

سورة هود ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (١) من ذلك قراءة الناس: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، وقرأ: «فصلت»، بفتح الفاء والصاد خفيفة عكرمة والضحاك والجحدرى، ورويت عن ابن كثير. قال أبو الفتح: معنى «فصلت»: أى صدرت وانفصلت عنه ومنه، وهو كقولك: قد فصل الأمير عن البلد: أى سار عنه. *** ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ (٥) ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف ومجاهد ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن أفزى والجحدرى وابن أبى إسحاق وأبى رزين وأبى جعفر محمد بن على وعلى بن حسين وزيد بن على وجعفر بن محمد والضحاك وأبى الأسود: «تثنونى صدورهم» على تفعوعل، وقرأ: «تثنونّ صدورهم» ابن عباس بخلاف، وقرأ: «تثنئنّ صدورهم» عروة الأعشى، ورويت عن عروة الأعشى أيضا: «يثنؤنّ»

стр. 438

«صدورهم» وروى ذلك عن مجاهد أيضا، وروى عن ابن عباس: «تثنون صدورهم» وروى عن سعيد بن جبير وأحسبها وهما: «يثنون صدورهم»، بضم الياء والنون. قال أبو الفتح: أما «تثنونى» فتفعوعل، كما قال: وهذا من أبنية المبالغة لتكرير العين، كقولك: أعشب البلد، فإذا كثر فيه ذلك قيل: اعشوشب، واخلولقت السماء للمطر: إذا قويت أمارة ذلك، واغدودن الشعر: إذا طال واسترخى. أنشدنا أبو على: وقامت ترائيك مغدودنا … إذا ما تنوء به آدها وقرأت على أبى بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى قول الشاعر: لو كنت تعطى حين تسأل سامحت … لك النفس واحلولاك كل خليل وقال حميد بن ثور: فلما مضى عامين بعد انفصاله … عن الضرع واحلولى دماثا يرودها فهذا أقوى معنى من استحلى. وأما «تثنئنّ» و «تثنونّ» ففيهما النظر فتثنئنّ تفعللّ من لفظ الثّنّ ومعناه، وهو ما هشّ وضعف من الكلأ. وأنشد أبو زيد ورويناه عنه: يأيها الفصيّل المعنّى … إنك ريّان فصمت عنىّ يكفى اللقوح أكلة من ثنّ وأصله تثنانّ فحركت الألف لسكونها وسكون النون الأولى، فانقلبت همزة على ما مضى قبل، وعليه قول دكين:

стр. 439

راكدة مخلاته ومحلبه … وجلّه حتى ابيأضّ ملببه يريد ابياض، فحرك الألف فهمزها على ما مضى. والتقاء المعنيين أن «الثّنّ»: ما ضعف ولان من الكلأ، فهو سريع إلى طالبه خفيف، وغير معتاص على آكله، وكذلك «صدورهم» مجيبة لهم إلى أن يثنوها ليستخفوا من الله سبحانه. وأما «تثنونّ» فإنها تفعوعل من لفظ الثّنّ ومعناه أيضا، وأصلها تثنونن، فلزم الإدّغام لتكرير العين إذ كان غير ملحق، وكذلك قالوا: فى مفعوعل من رددت مردودّ، وأصلها مردودد. فلمّا لم يكن ملحقا وجب إدغامه، فنقلت الكسرة من الدال الأولى فألقيت على الواو، وأدغمت الدال فى الدال فصار مردودّ. وكذلك أصل هذه تثنونن، فأسكنت النون الأولى، ونقلت كسرتها على الواو، فأدغمت النون فى النون فصار «تثنونّ». وذهب أبو إسحاق فى قولهم: مصائب، بالهمز إلى أن أصلها مصاوب، فهمزت الواو لانكسارها، كما همزت فى إسادة وإعاء، فقياسه على هذا أن تكون «تثنئنّ» أصلها تثنونّ، فهمزت الواو لانكسارها، وعلىّ أن مذهب أبى إسحاق هذا مردود عندنا غير أن قياسه أن يقول ما ذكرنا. وأما «تثنون صدورهم»، بنون مكسورة من غير ياء، ورفع «صدورهم» فإنه أراد الياء، فحذفها تخفيفا كالعادة فى ذلك، ولا سيما والكلمة طويلة بكونها على تفعوعل. وأما «يثنؤنّ صدورهم»، بالنصب، وبالهمزة المضمومة فوهم من حاكيه أو قارئه؛ لأنه لا يقال: ثنأت كذا بمعنى تثنيته، وكذلك «يثنون صدورهم»؛ لأنه لا يعرف فى اللغة أثنيت كذا بمعنى ثنيته، إلا أن يكون معناه يجدونها منثنية، كقولهم: أحمدته: وجدته محمودا، وأذممته: وجدته مذموما. *** ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٦) ومن ذلك قراءة أبىّ وابن مسعود: «وباطلا ما كانوا يعملون». قال أبو الفتح: «باطلا» منصوب ب «يعملون»، و «ما» زائدة للتوكيد، فكأنه قال:

стр. 440

وباطلا كانوا يعملون. ومن بعد ففى هذه القراءة دلالة على جواز تقديم خبر كان عليها، كقولك: قائما كان زيد، وواقفا كان جعفر. ووجه الدلالة من ذلك أنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، و «باطلا» منصوب ب «يعملون»، والموضع إذا ل «يعملون»؛ لوقوع معموله متقدما عليه، فكأنه قال: ويعملون باطلا كانوا. ومثله قول الله تعالى: ﴿أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾؟ استدل أبو علىّ بذلك على جواز تقديم خبر كان عليها؛ لأنّ «إياكم» معمول «يعبدون»، وهو خبر كان. وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل على ما قدمناه. وعلى نحو من ذلك ما استدل أبو على على جواز تقديم خبر المبتدأ عليه بقول الشماخ: كلا يومى طوالة وصل أروى … ظنون آن مطّرح الظّنون فقال: «كلا» ظرف لقوله: «ظنون»، و «ظنون» خبر المبتدأ الذى هو «وصل أروى»، فدل هذا على جواز تقديم «ظنون» على «وصل أروى» كأنه قال: ظنون فى كلا هذين اليومين وصل أروى، أى: هو متّهم فيهما كليهما. وقد مضى نحو هذا. *** ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ (٣٢) ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وأيوب السختيانى: «فأكثرت جدلنا». قال أبو الفتح: الجدل اسم بمعنى الجدال والمجادلة، وأصل «ج د ل» فى الكلام: القوة، منه قولهم: غلام جادل: إذا ترعرع وقوى، وركب فلان جديلة رأيه: أى صمم عليه ولم يلن فيه. ومنه الأجدل للصقر، وذلك لشدة خلقه، وعليه بقية الباب. وكذلك

стр. 441

الجدال إنما هو الاقتواء على خصمك بالحجة. قال الله : ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾، أى: مغالبة بالقول، وتقويا. ونحو منه لفظا قولهم: ظبى شادن: أى قد قوى واشتد، والشين أخت الجيم، والنون أخت اللام. ونحو منه قولهم: عطوت الشئ: إذا تناولته، وقالوا: أتيت عليه: إذا ملكته واشتملت عليه. والعين أخت الهمزة، والطاء أخت التاء، والواو أخت الياء. وهذا باب من اللغة لعله لو تقرّيت لأتى على أكثرها، وقد أتيت على كثير منه فى كتاب الخصائص. ولولا أن القراء لا ينبسطون فى هذه الطريق لنبهت على كثير منه. لا، بل إذا كان منتحلو هذا العلم والمترسمون به قلّما تطوع طباعهم لهذا الضرب منه، وإن اضطروا إلى فهم شئ من جملته أظهروا التجاهل به، ولم يشكروا الله على ما لاح لهم وأعرض من طريقه؛ جريا على عادة مستوخمة، وإخلادا إلى خليقة كرهة مستوبلة حسدا يريهم ونغلا يجويهم. وما أقلهم مع ذلك عددا! وكذلك هم بحمد الله ولو ضوعفوا مددا، فما ظنك بالقرّاء لو جشموا النظر فيه والتقرّى لغروره ومطاويه؟ جعلنا الله ممن يأوى إلى طاعته وأودعنا أبدا شكر نعمته. *** ﴿وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ﴾ (٤٢) ومن ذلك قراءة على بن أبى طالب ﵇ وعروة بن الزبير وأبى جعفر محمد بن على وأبى عبد الله جعفر بن محمد: «ونادى نوح ابنه»، وروى عن عروة:

стр. 442

«ابنها». وقرأ: «ابناه»، ممدودة الألف السّدّى على النداء. وبلغنى أنه على التّرثى، وروى عن ابن عباس: «نوح ابنه»، جزم. قال أبو الفتح: أما «ابنه» فإنه أراد ابنها كما يروى عن عروة فيما قرأ: «ابنها»، يعنى ابن امرأته؛ لأنه قد جرى ذكرها فى قوله سبحانه: «وَأَهْلَكَ»، فحذف الألف تخفيفا، كقراءة من قرأ: «يا أبت». قال أبو عثمان يريد: يا أبتاه، وقد ذكرنا حذف الألف فيما مضى، وأنشدنا البيت الذى أنشده أبو الحسن وابن الأعرابى جميعا: فلست بمدرك ما فات منّى … بلهف ولا بليت ولا لو انىّ أراد بلهفا، وغيّره. وقراءة السّدى: «ابناه» يريد بها النّدبة، وهو معنى قولهم: الترثّى. وهو على الحكاية: أى قال له: يا ابناه، على النداء. ولو أراد حقيقة الندبة لم يكن بد من أحد الحرفين: يا ابناه، أو وا ابناه، كقولك فيها: وازيداه، ويا زيداه. وأما «ابنه»، بجزم الهاء فعلى اللغة التى ذكرناها لأزد السرّاة فى نحو قوله: ومطواى مشتاقان له أرقان *** ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٤٤) ومن ذلك قراءة الأعمش بخلاف: «على الجودى»، خفيف.

стр. 443

قال أبو الفتح: تخفيف ياءى الإضافة قليل إلا فى الشعر. أنشدنا أبو على: بكّى بعينك واكف القطر … إبن الحوارى العالى الذّكر يريد «الحوارىّ». وروى عنهم: لا أكلمك حيرى دهر بتخفيف الياء يريد حيرىّ دهر، وهذا فى النثر، فعليه قراءة الأعمش: «الجودى»، خفيفا. *** ﴿فَضَحِكَتْ﴾ (٧١) ومن ذلك قراءة محمد بن زياد الأعرابى: «فضحكت»، فتحا. قال أبو الفتح: روى ابن مجاهد قال: قال أبو عبد الله بن الأعرابى: الضّحك: هو الحيض، وأنشد: ضحك الأرانب فوق الصفا … مثل دم الجوف يوم اللّقا قال: وأنشد: فجاءت بمزج لم ير الناس مثله … هو الضّحك إلا أنه عمل النحل وبعد، فليس فى اللغة ضحكت، وإنما هو ضحكت، أى: حاضت. قال أحمد بن يحيى: ضحكت وطمثت لوقتها، والضّحك: والشهد، وهو الثلج. وقال أحمد بن يحيى:

стр. 444

وهو الطلع. قال محمد بن الحسن: قلت لأبى حاتم فى قوله: تضحك الضبع لقتلى هذيل … قال: ومن أين لهم أن الضبع تحيض؟ وقال: يا بنى، إنما تكشر للقتلى إذا رأتهم، كما قالوا: يضحك العير إذا انتزع الصلّيانة. ويقال فى: تضحك الضبع لقتلى هذيل أى: تستبشر لقتلاهم لتأكلهم، فيهرّ بعضها على بعض، فجعله ضحكا. وترى الذئب لها يستهلّ أى: يعوى، فيستدعى الذئاب فرحا بذلك. *** ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ (٧٢) ومن ذلك قراءة الأعمش: «وهذا بعلى شيخ». وقال أبو الفتح: الرفع فى «شيخ» من أربعة أوجه: أحدها: أن يكون «شيخ» خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هذا شيخ، والوقف إذا على قوله: «هذا بعلى»؛ لأن الجملة هناك قد تمت، ثم استأنف جملة ثانية فقال: «هذا شيخ». والثانى: أن يكون «بعلى» بدلا من «هذا»، و «شيخ» هو الخبر. والثالث: أن يكون «شيخ» بدلا من «بعلى»، وكأنه قال: هذا شيخ، كما كان التقدير فيما قبله: بعلى شيخ. والرابع: أن يكون «بعلى» و «شيخ» جميعا خبرا عن هذا، كقولك: هذا حلو حامض،

стр. 445

أى: قد جمع الحلاوة والحموضة، وكذلك هذا: أى قد جمع البعولة والشيخوخة. فإن قلت: فهل تجيز أن يكون «بعلى» وصفا ل «هذا»؟ قيل: لا؛ وذلك أن هذا ونحو من أسماء الإشارة لا يوصف بالمضاف. ألا تراهم لم يجيزوا مررت بهذا ذى المال، كما أجازوا مررت بهذا الغلام؟ وإذا لم يجز أن يكون «بعلى» وصفا ل «هذا» من حيث ذكرنا لم يجز أيضا أن يكون عطف بيان له؛ لأن صورة عطف البيان صورة الصفة، فافهم ذلك. وهنا وجه خامس، لكنه على قياس مذهب الكسائى، وذلك أنه يعتقد فى خبر المبتدأ أبدا أن فيه ضميرا وإن لم يكن مشتقا من الفعل، نحو زيد أخوك، وهو يريد النسب. فإذا كان كذلك فقياس مذهبه أن يكون «شيخ» بدلا من الضمير فى «بعلى»؛ لأنه خبر عن «هذا». فإن قلت: فإن الكوفيين لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا إذا كان من لفظها، نحو قول الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾، وليس قبل «شيخ» معرفة من لفظه-قيل: أجل، إلا أن هذا اعتبار فى الاسمين الملفوظ بكل واحد منهما، فأما الضمير فيه فعلى قياس قول من استودعه إياه فلا لفظ له أيضا فيعتبر خلافه أو وفاقه، وإذا سقط ذلك ساغ، وجاز إبدال النكرة منه لما ذكرنا من تقديم لفظه المخالف للفظها. *** ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (٧٨) ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير والحسن بخلاف ومحمد بن مروان وعيسى الثقفى وابن أبى إسحاق: «هن أطهر لكم»، بالنصب. قال أبو الفتح: ذكر سيبويه هذه القراءة وضعفها، وقال فيها: احتبى ابن مروان فى لحنه، وإنما قبح ذلك عنده لأنه ذهب إلى أنه جعل «هنّ» فصلا، وليست بين أحد الجزئين

стр. 446

اللذين هما مبتدأ وخبر ونحو ذلك، كقولك: ظننت زيدا هو خيرا منك، وكان زيد هو القائم. وأنا من بعد أرى أن لهذه القراءة وجها صحيحا، وهو أن تجعل «هنّ» أحد جزئى الجملة، وتجعلها خبرا ل «بناتى»، كقولك: زيد أخوك، وتجعل «أطهر» حالا من «هنّ» أو من «بناتى»، والعامل فيه معنى الإشارة، كقولك: هذا زيد قائما أو جالسا، أو نحو ذلك. فعلى هذا مجازه، فأما على ما ذهب إليه سيبويه ففاسد كما قال. *** ﴿أَوْ آوِي﴾ (٨٠) ومن ذلك ما رواه الحلوانىّ عن قالون عن شيبة: «أو آوى»، بفتح الياء. وروى أيضا عن أبى جعفر مثله. قال ابن مجاهد: ولا يجوز تحريك الياء هاهنا. قال أبو الفتح: هذا الذى أنكره ابن مجاهد عندى سائغ جائز، وهو أن تعطف «آوِي» على «قُوَّةً»، فكأنه قال: لو أنّ لى بكم قوة أو أويّا إلى ركن شديد. فإذا صرت إلى اعتقاد المصدر فقد وجب إضمار أن ونصب الفعل بها، ومثله قول ميسون بنت بحدل الكليبيّة: للبس عباءة وتقرّ عينى … أحب إلىّ من لبس الشّفوف فكأنها قالت: للبس عباءة وأن تقرّ عينى، أى: لأن ألبس عباءة وتقرّ عينى أحب إلىّ من كذا، وعليه بيت الكتاب أيضا: فلولا رجال من رزام أعزّة … وآل سبيع أو أسوءك علقما

стр. 447

أى: أو أن أسوءك، فكأنه قال: أو مساءتى إياك، فكذلك هذه القراءة: لو أنّ لى بكم قوّة أو أويّا، أى: أو أن آوى إلى ركن شديد، وهذا واضح. *** ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ (٨٩) ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: «يجرمنّكم». قال أبو الفتح: جرم الرجل ذنبا إذا كسب الجرم، ثم ينقل فيقال: أجرمته ذنبا إذا كسبته إياه، فعليه جاء: «لا يجرمنّكم» أى: لا يكسبنّكم بغض القوم ترك العدل، كما يدعو الإنسان الحفظة والغضب إلى ما يحوب فيه وينال من دينه. *** ﴿بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (٩٥) ومن ذلك قراءة السّلمىّ: «بعدت ثمود»، بضم العين. قال أبو الفتح: أما بعد فيكون مع الخير والشر، تقول: بعد عن الشر، وبعد عن الخير، ومصدرها البعد. وأما بعد ففى الشر خاصة، يقال: بعد يبعد بعدا. ومنه قولهم: أبعده الله، فهو منقول من بعد؛ لأنه دعاء عليه، فهو من بعد الموضوعة للشر. فقراءة السّلمى هذه: «ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود» متفقة الفعل مع مصدره، وإنما السؤال عن قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. وطريق ذلك أن يكون البعد بمعنى اللعنة، فيكون أبعده الله فى معنى لعنه الله، ومنه قوله: ذعرت به القطا ونفيت عنه … مقام الذئب كالرجل اللّعين أى: مقام اللعين، أى: المبعد. وعلى كل حال فالإبعاد للشئ نقص له وابتذال منه، فقد يلتقى معنى بعد مع معنى بعد من هذا الموضع. ألا ترى أنهم إذا أدنوا شيئا من

стр. 448

نفوسهم قالوا: هو الحبيب القريب، فالقرب على كل حال من صفات المدح، فنقيضه إذا من صفات الذم، ولهذا قالوا: حبذا زيد، ولم يقولوا: حبذاك؛ لأنه موضع بشارة وتحفّ به. فالقرب أولى به من البعد، ولهذا قالوا فيمن يصطفى: قد أدناه منه، وقد قرب من قلبه، وعليه قال: ودار أنت ساكنها حبيب … توددها إلى قلبى قريب فهذا طريق قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، وإن شئت كان من هذا الطّرز، وإن شئت كان من معنى اللعنة. *** ﴿لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ (١١١) ومن ذلك قراءة الزّهرى وسليمان بن أرقم: «لمّا ليوفّينّهم» بالتنوين. . ابن مسعود والأعمش: «إن كلّ إلا ليوفّينّهم ربّك». قال أبو الفتح: أما «لمّا ليوفّينّهم»، بالتنوين فإنه مصدر كالذى فى قوله سبحانه: ويأكلون ﴿التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا﴾ أى أكلا جامعا لأجزاء المأكول، فكذلك تقدير هذا: وإنّ كلا ليوفّينهم ربّك أعمالهم لمّا، أى: توفية جامعة لأعمالهم جميعا، ومحصّلة لأعماهم تحصيلا، فهو كقولك: قياما لأقومنّ، وقعودا لأقعدنّ. وأما «إن كلّ إلا ليوفّينّهم» فمعناه: ما كلّ إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنّه، أى: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا، ويجوز فيه وجه ثان، وهو أن تكون «إن» مخففة من الثقيلة، وتجعل «إلا» زائدة، وقد جاء عنهم ذلك. قال: أرى الدهر إلا منجنونا بأهله … وما طالب الحاجات إلا معلّلا أى: أرى الدهر منجنونا بأهله يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم. وعلى ذلك أيضا تأولوا قول ذى الرمة:

стр. 449

حراجيج ما تنفك إلا مناخة … على الخسف أو ترمى بها بلدا قفرا أى: ما تنفك مناخة، وإلا زائدة. *** ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ (١١٣) ومن ذلك قراءة طلحة وقتادة والأشهب، ورويت عن أبى عمرو: «ولا تركنوا»، بضم الكاف. قال أبو الفتح: فيها لغتان: ركن يركن كعلم يعلم، وركن يركن كقتل يقتل. وحكى عنهم ركن يركن فعل يفعل. وهذا عند أبى بكر من اللغات المتداخلة، كأن الذى يقول: ركن بفتح الكاف سمع مضارع الذى يقول: ركن، وهو يركن، فتركبت له لغة بين اللغتين، وهى ركن يركن. وقد ذكرنا فى كتابنا الخصائص بابا فى تركيب اللغات. وعليه كان أبو بكر يقول أيضا فى قولهم ضفن الرجل يضفن: إن قائل ذلك سمع قولهم: ضيفن، وظاهر لفظ ذلك أن يكون فيعلا لأنه أكثر فى الكلام من فعلن، فصارت نون ضيفن وإن كانت زائدة كأنها أصل لما ذكرناه. فلما استعمل الفعل منه جاء به على ذلك، فقال: ضفن يضفن. فضفن يضفن على حقيقة الأمر إنما هو فلن يفلن؛ لأن الضاد فاء والفاء لام، وعين ضيف التى هى ياء محذوفة للشبهة الداخلة هناك من حيث ذكرنا، وله نظائر. *** ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ (١١٣) ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بخلاف ورواه إسحاق الأزرق عن حمزة: «فتمسّكم النار». قال أبو الفتح: هذه لغة تميم، أن تكسر أول مضارع ما ثانى ماضيه مكسور، نحو

стр. 450

علمت تعلم، وأنا إعلم وهى تعلم، ونحن نركب. وتقلّ الكسرة فى الياء، نحو يعلم، ويركب استثقالا للكسرة فى الياء، وكذلك ما فى أول ماضيه همزة وصل مكسورة، نحو: تنطلق، ويوم تسودّ وجوه وتبيضّ وجوه، فكذلك «فتمسّكم النار». فأمّا قولهم: أبيت تيبى فإنما كسر أول مضارعه وعين ماضيه مفتوحة من قبل أن المضارع لما أتى على يفعل، بفتح العين صار كأن ماضيه مكسور العين حتى كأنه أبى. وقد شرحنا ذلك فى كتابنا المنصف. *** ﴿وَزُلَفاً﴾ (١١٥) ومن ذلك: «وزلفا»، بضم الزاى واللام. قرأ بها أبو جعفر يزيد وطلحة بن مصرّف بخلاف، وعيسى وابن أبى إسحاق، وقرأ: «وزلفا»، بضم الزاى ساكنة اللام ابن محيصن ومجاهد. قال أبو الفتح: من قال: «زلفا»، بضم الزاى واللام جميعا فواحدته زلفة، كبسرة وبسر فيمن ضم السين، ومن قرأ: «زلفا»، بسكون اللام فواحدته زلفة، إلا أنه جمعه جمع الأجناس المخلوقات، كبرّة وبرّ، ودرّة ودرّ؛ وذلك أن الزلفة جنس من المخلوقات وإن لم يكن جوهرا، كما أن الدّرة والبرّة جوهر جنس من الجواهر. وعلى هذا أجاز أبو العباس فى قولنا: ضربت ضربا أن يكون جمع ضربة كحبة وحب، ومثله قول الآخر: حتى اتّقوها بالسلام والتّحى يريد جمع تحية.

стр. 451

والزلفة: الطائفة من الليل. وأما قراءة الجماعة: ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ فعلى الظاهر، نحو غرفة وغرف، وصفّة وصفف. *** ﴿وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ﴾ (١١٦) ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد والعلاء بن سيابة، ورواه حسين الجعفىّ عن أبى عمرو: «وأتبع الذين ظلموا»، بضم الهمزة، وإسكان التاء، وكسر الباء. قال أبو الفتح: هو عندنا على حذف المضاف: أى أتبع الذين ظلموا جزاء ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين، أى جزاء ما أترفوا فيه وأجرموا فلم يشكروا، بل أترفوا فيه مجرمين ظالمين. *** آخر الجزء الأول، ويليه بإذن الله الجزء الثاني وأوله «سورة يوسف».

стр. 452

سورة يوسف ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ (٤) قراءة الناس ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ بفتح العين، وأسكنها (١) أبو جعفر ونافع بخلاف وطلحة ابن سليمان. قال أبو الفتح: سبب ذلك عندى أن الاسمين لما جعلا كالاسم الواحد، وبنى الأول منهما لأنه كصدر الاسم، والثانى منهما لتضمنه معنى حرف العطف-لم يجز الوقف على الأول لأنه كصدر الاسم من عجزه، فجعل تسكين أول الثانى دليلا على أنهما قد صارا كالاسم الواحد، وكذلك بقية العدد إلى تسعة عشر، إلا اثنا عشر واثنى عشر، فإنه لا يسكن العين لسكون الألف والياء قبلهما. ومما يدلك على أن الاسمين إذا جريا مجرى الاسم الواحد بالتركيب عوملا فى مواضع معاملته-ما حكاه أبو عمرو الشيبانى من قولهم فى حضرموت: حضرموت بضم الميم ليكون كحذرفوت وترنموت وعنكبوت، وهذا واضح. *** ﴿فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ (١٠) ومن ذلك قراءة الأعرج «فى غيّابات الجبّ»، مشددة (٢). وقرأ الحسن «فى غيبة الجبّ» (٣).

стр. 453

قال أبو الفتح: أما «غيّابة» فإنه اسم جاء على فعّالة، وكان أبو على يضيف إلى ما حكاه سيبويه من الأسماء التى جاءت على فعّال، وهو الجبّار والكلاّء-الفيّاد، لذكر البوم. ووجدت أنا غير ذلك، وهو التّيّار للموج، والفخّار للخزف، والحمّام، والجيار: السعال، والكرّار: كبش الراعى. وأما «غيبة الجبّ» فيجوز أن يكون حدثا فعلة من غبت، فيكون كقولنا: فى ظلمة الجب-ويجوز أن يكون موضعا على فعلة كالقرمة والجرفة. *** ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (١٢) ومن ذلك قراءة العلاء بن سيّابة: «يرتع»، بالياء، وكسر العين، «ويلعب»، رفعا (١). وقرأ: «يرتع ويلعب» (٢) أبو رجاء. قال أبو الفتح: أما «يرتع» فجزم لأنه «جواب» أرسله، و «يلعب» مرفوع لأنه جعله استئنافا أى هو ممن يلعب، كقولك: زرنى أحسن إليك، أى: أنا ممن يحسن إليك، إلا أن الرفع فى «أحسن» هنا يضعف الضمان. ألا ترى أن معناه: أنا كذلك، وليس فيه قوة معنى الإحسان إليه مع الجزم؟. وأما «يرتع ويلعب» فمجزومان لأنهما جوابان: أحدهما معطوف على صاحبه، وهو على حذف المفعول، أى: يرتع مطيته، فحذف المفعول. وعلى ذكر حذف المفعول فما أعربه وأعذبه فى الكلام! ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ:﴾ أى تذودان إبلهما. ولو نطق بالمفعول لما كان فى عذوبة حذفه ولا فى علوه. وأنشدنا أبو علىّ للحطيئة (٣): منعّمة تصون إليك منها … كصونك من رداء شرعبىّ أى: تصون الحديث وتخزنه، فهو كقول الشّنفرى (٤):

стр. 454

كأن لها فى الأرض نسيا تقصّه … على أمها وإن تخاطبك تبلت أى: تقطع حديثها حياء وخفرا. واعتدل فى هذا الموضع ذو الرمة، قال (١): لها بشر مثل الحرير ومنطق … رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر وما أظرف قوله: رخيم الحواشى، أى: لا تنتشر حواشيه فتهرأ فيه، ولا يضيق عما يحتاج من مثلها إليه للسماع والفكاهة، ولكنه على اعتدال، وكما يستحسن ويستعذب من التّقال. ألا ترى إلى قول الآخر (٢): ولما قضينا من منى كل حاجة … ومسّح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا … وسألت بأعناق المطىّ الأباطح ومنه (٣): وحديث ألذّه هو مما … تشتهيه النفوس يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا … نا وخير الحديث ما كان لحنا أى: تارة تورد القول صائبا مسددا، وأخرى تحرف فيه وتلحن، أى: تعدل عن الجهة الواضحة متعمدة لذلك تلعّبا بالقول، وهو من قوله ﵇: فلعل أحدكم يكون ألحن بحجته، أى: أنهض بها وأحسن تصرفا فيها. وليس من اللحن الذى هو إفساد الإعراب. ذلك حديث غير هذا، وقد تقصّيت هذا المذهب فى الخصائص فليطلب هناك (٤). *** ﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ﴾ (١٦) ومن ذلك ما رواه عيسى بن ميمون عن الحسن أنه قرأ: «وجاءوا أباهم عشا يبكون» (٥)، قال: عشوا من البكاء. قال أبو الفتح: طريق ذلك أنه أراد جمع عاش، وكان قياسه عشاة كماش ومشاة، إلا أنه حذف الهاء تخفيفا وهو يريدها، كقوله:

стр. 455

أبلغ النعمان عنى مألكا … أنه قد طال حبسى وانتظار (١) أراد مألكة، فحذف الهاء. وقد تقصينا ذلك فى أماكن من كتبنا. وفيه بعد هذا ضعف؛ لأن قدر ما بكوا فى ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان. ويجوز أن يكون جمع عشوة: أى ظلاما، وجمعه لتفرّق أجزائه كقولهم: مغيربانات، وأصيلال، ونحو وذلك. *** ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (١٨) ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: «بدم كدب» (٢)، بالدال. قال أبو الفتح: أصل هذا من الكدب. وهو الفوف، يعنى البياض الذى يخرج على أظفار الأحداث، فكأنه دم قد أثّر فى قميصه فلحقته أعراض كالنقش عليه. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بهذه القراءة أيضا. *** ﴿يا بُشْرى﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة أبى الطّفيل (٣) والجحدرىّ وابن أبى إسحاق، ورويت عن الحسن: «يا بشرىّ» (٤). قال أبو الفتح: هذه لغة فاشية فيهم، ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر: يطوّف بى عكبّ فى معدّ … ويطعن بالصملّة فى قفيّا فإن لم تثأرا لى من عكبّ … فلا أرويتما أبدا صديّا

стр. 456

ونظائره كثيرة جدا. وقال لى أبو على: إنّ قلب هذه الألف لوقوع الياء بعدها ياء كأنه عوض مما كان يجب فيها من كسرها لياء الإضافة بعدها، ككسرة ميم غلامى وياء صاحبى ونحو ذلك. ومن قلب هذه الألف لوقوع هذه الياء بعدها ياء لم يفعل ذلك فى ألف التثنية، نحو غلاماى وصاحباى؛ كراهة التباس المرفوع بالمنصوب والمجرور. فإن قيل بعد: وهلا قلبوها وإن صار لفظ ما هى فيه إلى لفظ المجرور كما صار لفظ المرفوع والمنصوب جميعا إلى لفظ المجرور فى نحو هذا غلامى، ورأيت غلامى-قيل: قلب الألف لوقوع الياء بعدها ياء أغلظ من قلب الضمة والفتحة حيث ذكرت- كسرة، وذلك أن الجناية على الحرف أغلظ من الجناية على الحركة، فاحتمل ذلك فى هذا غلامى ورأيت غلامى، ولم يحتمل نحو هذان غلامىّ وما جرى مجراه. فإن قيل: فالذى قال: «يا بشرىّ» قد جنى على الألف بقلبها ياء-قيل هذه الألف يمكن أن تقدّر الكسرة فيها، وحرف التثنية لا تقدير حركة فيه أصلا عندنا، فجائز أن تقول: «بشرىّ»، ولم يقل قام غلامىّ. فأما الحركة فى ياء ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ فلالتقاء الساكنين، وهى غير محفول بها، والحركة قبل الياء من «صاحبى» ونحوه أقوى من حركة التقاء الساكنين، والكلام هنا يطول، لكن هذا متوجّهه. *** ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (٢٣) ومن ذلك: «هئت لك»، بالهمز وضم التاء (١)، قرأ بها علىّ ﵇، وأبو وائل وأبو رجاء ويحيى، واختلف عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وطلحة بن مصرّف وأبى عبد الرحمن. وقرأ: «هيت لك» (٢) بفتح الهاء وكسر التاء ابن عباس-بخلاف-

стр. 457

وابن محيصن وابن أبى إسحاق وأبو الأسود وعيسى الثقفى. وقرأ: «هيّئت لك» (١) ابن عباس. قال أبو الفتح: فيها لغات: هيت لك، وهيت لك، وهيت لك، وهيت لك. وكلها أسماء سمى بها الفعل بمنزلة صه ومه وإيه فى ذلك. ومعنى «هيت» وبقية أخواتها: أسرع وبادر، قال: أبلغ أمير المؤمنين … أخا العراق إذا أتيتا إن العراق وأهله … عنق إليك فهيت هيتا وقال طرفة: ليس قومى بالأبعدين إذا ما … قال داع من العشيرة: هيت هم يجيبون: واهلمّ سراعا … كالأبابيل لا يغادر بيت والحركات فى أواخرها لالتقاء الساكنين. وأما «هئت» بالهمز وضم التاء ففعل، يقال فيه: هئت أهئ هيئة كجئت أجئ جيئة أى: تهيأت. وقالوا أيضا: هئت أهاء كخفت أخاف، هذا بمعنى خذ. قال: أفاطم هائى السيف غير مذمّم أى: خذى السيف. فأما قول الله تعالى: ﴿هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ (٢) فحديث غير هذا وتصريف سواه، وفيه طول. وقد ذكرناه فى كتاب الخصائص (٣). وأما «هيّئت لك» ففعل صريح كهئت لك، كقولك: أصلحت لك، أى: فدونك، وما انتظارك؟ واللام متعلقة بنفس هيت وهيت وهيت وهيت كتعلقها بنفس هلمّ من قولهم: هلمّ لك. وإن شئت كانت خبر مبتدأ محذوف، أى: إرادتى لذلك. فأما «هئت لك» و «هيّئت» فاللام فيه متعلقة بالفعل نفسه، كقولك: أصلحت لكذا وصلحت لكذا. ***

стр. 458

﴿مِنْ قُبُلٍ﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة ابن يعمر والجارود بن أبى سبرة-بخلاف-وابن أبى إسحاق ونوح القارى ورويت عن أبى رجاء: «من قبل» (١)، و «من دبر» (٢) بثلاث ضمات من غير تنوين. قال أبو الفتح: ينبغى أن يكونا غايتين، كقول الله سبحانه: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٣) كأنه يريد: وقدّت قميصه من دبره، وإن كان قميصه قدّ من قبله، فلما حذف المضاف إليه-أعنى الهاء، وهى مرادة-صار المضاف غاية نفسه بعدما كان المضاف إليه غاية له. وهذا حديث مفهوم فى قول الله سبحانه: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ،﴾ فبنى هنا كما بنى هناك على الضم، ووكّد البناء أن قبل ودبر يكونان ظرفين، ألا ترى إلى قول الفرزدق (٤): يطاعن قبل الخيل وهو أمامها … ويطعن عن أدبارها إن تولّت وقال الله سبحانه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ (٥)، فنصبه على الظرف، وهو جمع دبر. *** ﴿قَدْ شَغَفَها﴾ (٣٠) ومن ذلك قراءة علىّ ﵇ والحسن-بخلاف-وأبى رجاء ويحيى بن يعمر وقتادة-بخلاف-وثابت البنانىّ وعوف الأعرابى وابن أبى مريم والأعرج-بخلاف

стр. 459

ومجاهد-بخلاف-وحميد-بخلاف-والزهرى-بخلاف-وابن محيصن ومحمد بن السّميفع وعلى بن حسين ومحمد بن على وجعفر بن محمد: «قد شعفها»، بالعين (١). قال أبو الفتح: معناه وصل حبه إلى قلبها، فكاد يحرقه لحدته. وأصله من البعير يهنأ بالقطران فيصل حرارة ذلك إلى قلبه. قال الشاعر (٢): أيقتلنى وقد شعفت فؤادها … كما شعف المهنوءة الرجل الطّالى وأما قراءة الجماعة: ﴿شَغَفَها،﴾ بالغين معجمة فتأويله أنه خرّق شغاف قلبها. وهو غلافه، فوصل إلى قلبها. *** ﴿مُتَّكَأً﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة الزهرى وأبى جعفر وشيبة: «متّكا»، مشدد من غير همز (٣). وقرأ: «متكا» ساكنة التاء غير مهموز (٤) ابن عباس وابن عمر والجحدرىّ وقتادة والضحاك والكلبى (٥) وأبان بن تغلب، ورويت عن الأعمش. وقرأ: «متّكاء» بزيادة ألف (٦) - &

стр. 460

الحسن. وقراءة الناس: ﴿مُتَّكَأً،﴾ فى وزن مفتعل. قال أبو الفتح: أما «متّكا» غير مهموز فمبدل من متّكأ، وهو مفتعل من توكّأت، كمتّجه من توجهت، ومتّعد من وعدت. وهذا الإبدال عندنا لا يجوز فى السعة، وإنما هو فى ضرورة الشعر، فلذلك كانت القراءة به ضعيفة. وعلى أن له وجها آخر، وهو أن يكون مفتعلا من قوله (١): إذا شرب المرضّة قال أوكى … على ما فى سقائك قد روينا يقال: أوكيت السقاء: إذا شددته، فيكون راجعا إلى معنى متّكأ المهموز، وذلك أن الشئ إذا شدّ اعتمد على ما شده كما يعتمد المتكئ على المتكأ عليه. فإن سلكت هذه الطريق لم يكن فيه بدل ولا ضعف، فيكون متّكا على هذا كمتّقى من وقيت، ومتّلى من وليت. وأما «متكا»، ساكنة التاء فقالوا: هو الأترجّ، ويقال أيضا: هو الزّماورد. وأما «متّكاء» فعلى إشباع الكاف من «متّكأ». وقد جاء نحو هذا، أنشدناه أبو علىّ لابن هرمة يرثى ابنه: فأنت من الغوائل حين ترمى … ومن ذمّ الرجال بمنتزاح (٢) يريد بمنتزح، وعليه قول عنترة، وأنشدناه أيضا سنة إحدى وأربعين بالموصل: ينباع من ذفرى غضوب جسرة وقال: أراد ينبع، فأشبع الفتحة، فأنشأ عليها ألفا. ولعمرى إن هذا مما تختص به ضرورة الشعر وقلما يجئ فى النثر، فوزن «متّكاء» على هذا مفتعال، كما أن وزن «ينباع» على هذا يفعال. ولو سمّيت به رجلا لصرفته فى المعرفة؛ لأنه قد فارق شبه الفعل وزنا. ولو سميته بينبع لم تصرفه، كما أنك لو سميته بينظر لم تصرفه. فإن سميته بأنظور، تريد: فأنظر لصرفته معرفة لزوال مثال الفعل. وقد ذكرنا ذلك فى كتابنا الموسوم بسر الصناعة. *** ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ (٣١) (٥١) ومن ذلك: «حاشا الله» ابن مسعود وأبى بن كعب (٣)، وقرأ: «حاش الإله»
следующие страницы →