← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 704

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Полный текст (896 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ونظائره كثيرة جدا. وقال لى أبو على: إنّ قلب هذه الألف لوقوع الياء بعدها ياء كأنه عوض مما كان يجب فيها من كسرها لياء الإضافة بعدها، ككسرة ميم غلامى وياء صاحبى ونحو ذلك. ومن قلب هذه الألف لوقوع هذه الياء بعدها ياء لم يفعل ذلك فى ألف التثنية، نحو غلاماى وصاحباى؛ كراهة التباس المرفوع بالمنصوب والمجرور. فإن قيل بعد: وهلا قلبوها وإن صار لفظ ما هى فيه إلى لفظ المجرور كما صار لفظ المرفوع والمنصوب جميعا إلى لفظ المجرور فى نحو هذا غلامى، ورأيت غلامى-قيل: قلب الألف لوقوع الياء بعدها ياء أغلظ من قلب الضمة والفتحة حيث ذكرت- كسرة، وذلك أن الجناية على الحرف أغلظ من الجناية على الحركة، فاحتمل ذلك فى هذا غلامى ورأيت غلامى، ولم يحتمل نحو هذان غلامىّ وما جرى مجراه. فإن قيل: فالذى قال: «يا بشرىّ» قد جنى على الألف بقلبها ياء-قيل هذه الألف يمكن أن تقدّر الكسرة فيها، وحرف التثنية لا تقدير حركة فيه أصلا عندنا، فجائز أن تقول: «بشرىّ»، ولم يقل قام غلامىّ. فأما الحركة فى ياء ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ فلالتقاء الساكنين، وهى غير محفول بها، والحركة قبل الياء من «صاحبى» ونحوه أقوى من حركة التقاء الساكنين، والكلام هنا يطول، لكن هذا متوجّهه. *** ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (٢٣) ومن ذلك: «هئت لك»، بالهمز وضم التاء (١)، قرأ بها علىّ ﵇، وأبو وائل وأبو رجاء ويحيى، واختلف عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وطلحة بن مصرّف وأبى عبد الرحمن. وقرأ: «هيت لك» (٢) بفتح الهاء وكسر التاء ابن عباس-بخلاف-

стр. 457

وابن محيصن وابن أبى إسحاق وأبو الأسود وعيسى الثقفى. وقرأ: «هيّئت لك» (١) ابن عباس. قال أبو الفتح: فيها لغات: هيت لك، وهيت لك، وهيت لك، وهيت لك. وكلها أسماء سمى بها الفعل بمنزلة صه ومه وإيه فى ذلك. ومعنى «هيت» وبقية أخواتها: أسرع وبادر، قال: أبلغ أمير المؤمنين … أخا العراق إذا أتيتا إن العراق وأهله … عنق إليك فهيت هيتا وقال طرفة: ليس قومى بالأبعدين إذا ما … قال داع من العشيرة: هيت هم يجيبون: واهلمّ سراعا … كالأبابيل لا يغادر بيت والحركات فى أواخرها لالتقاء الساكنين. وأما «هئت» بالهمز وضم التاء ففعل، يقال فيه: هئت أهئ هيئة كجئت أجئ جيئة أى: تهيأت. وقالوا أيضا: هئت أهاء كخفت أخاف، هذا بمعنى خذ. قال: أفاطم هائى السيف غير مذمّم أى: خذى السيف. فأما قول الله تعالى: ﴿هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ (٢) فحديث غير هذا وتصريف سواه، وفيه طول. وقد ذكرناه فى كتاب الخصائص (٣). وأما «هيّئت لك» ففعل صريح كهئت لك، كقولك: أصلحت لك، أى: فدونك، وما انتظارك؟ واللام متعلقة بنفس هيت وهيت وهيت وهيت كتعلقها بنفس هلمّ من قولهم: هلمّ لك. وإن شئت كانت خبر مبتدأ محذوف، أى: إرادتى لذلك. فأما «هئت لك» و «هيّئت» فاللام فيه متعلقة بالفعل نفسه، كقولك: أصلحت لكذا وصلحت لكذا. ***

стр. 458

﴿مِنْ قُبُلٍ﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة ابن يعمر والجارود بن أبى سبرة-بخلاف-وابن أبى إسحاق ونوح القارى ورويت عن أبى رجاء: «من قبل» (١)، و «من دبر» (٢) بثلاث ضمات من غير تنوين. قال أبو الفتح: ينبغى أن يكونا غايتين، كقول الله سبحانه: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٣) كأنه يريد: وقدّت قميصه من دبره، وإن كان قميصه قدّ من قبله، فلما حذف المضاف إليه-أعنى الهاء، وهى مرادة-صار المضاف غاية نفسه بعدما كان المضاف إليه غاية له. وهذا حديث مفهوم فى قول الله سبحانه: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ،﴾ فبنى هنا كما بنى هناك على الضم، ووكّد البناء أن قبل ودبر يكونان ظرفين، ألا ترى إلى قول الفرزدق (٤): يطاعن قبل الخيل وهو أمامها … ويطعن عن أدبارها إن تولّت وقال الله سبحانه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ (٥)، فنصبه على الظرف، وهو جمع دبر. *** ﴿قَدْ شَغَفَها﴾ (٣٠) ومن ذلك قراءة علىّ ﵇ والحسن-بخلاف-وأبى رجاء ويحيى بن يعمر وقتادة-بخلاف-وثابت البنانىّ وعوف الأعرابى وابن أبى مريم والأعرج-بخلاف

стр. 459

ومجاهد-بخلاف-وحميد-بخلاف-والزهرى-بخلاف-وابن محيصن ومحمد بن السّميفع وعلى بن حسين ومحمد بن على وجعفر بن محمد: «قد شعفها»، بالعين (١). قال أبو الفتح: معناه وصل حبه إلى قلبها، فكاد يحرقه لحدته. وأصله من البعير يهنأ بالقطران فيصل حرارة ذلك إلى قلبه. قال الشاعر (٢): أيقتلنى وقد شعفت فؤادها … كما شعف المهنوءة الرجل الطّالى وأما قراءة الجماعة: ﴿شَغَفَها،﴾ بالغين معجمة فتأويله أنه خرّق شغاف قلبها. وهو غلافه، فوصل إلى قلبها. *** ﴿مُتَّكَأً﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة الزهرى وأبى جعفر وشيبة: «متّكا»، مشدد من غير همز (٣). وقرأ: «متكا» ساكنة التاء غير مهموز (٤) ابن عباس وابن عمر والجحدرىّ وقتادة والضحاك والكلبى (٥) وأبان بن تغلب، ورويت عن الأعمش. وقرأ: «متّكاء» بزيادة ألف (٦) - &

стр. 460

الحسن. وقراءة الناس: ﴿مُتَّكَأً،﴾ فى وزن مفتعل. قال أبو الفتح: أما «متّكا» غير مهموز فمبدل من متّكأ، وهو مفتعل من توكّأت، كمتّجه من توجهت، ومتّعد من وعدت. وهذا الإبدال عندنا لا يجوز فى السعة، وإنما هو فى ضرورة الشعر، فلذلك كانت القراءة به ضعيفة. وعلى أن له وجها آخر، وهو أن يكون مفتعلا من قوله (١): إذا شرب المرضّة قال أوكى … على ما فى سقائك قد روينا يقال: أوكيت السقاء: إذا شددته، فيكون راجعا إلى معنى متّكأ المهموز، وذلك أن الشئ إذا شدّ اعتمد على ما شده كما يعتمد المتكئ على المتكأ عليه. فإن سلكت هذه الطريق لم يكن فيه بدل ولا ضعف، فيكون متّكا على هذا كمتّقى من وقيت، ومتّلى من وليت. وأما «متكا»، ساكنة التاء فقالوا: هو الأترجّ، ويقال أيضا: هو الزّماورد. وأما «متّكاء» فعلى إشباع الكاف من «متّكأ». وقد جاء نحو هذا، أنشدناه أبو علىّ لابن هرمة يرثى ابنه: فأنت من الغوائل حين ترمى … ومن ذمّ الرجال بمنتزاح (٢) يريد بمنتزح، وعليه قول عنترة، وأنشدناه أيضا سنة إحدى وأربعين بالموصل: ينباع من ذفرى غضوب جسرة وقال: أراد ينبع، فأشبع الفتحة، فأنشأ عليها ألفا. ولعمرى إن هذا مما تختص به ضرورة الشعر وقلما يجئ فى النثر، فوزن «متّكاء» على هذا مفتعال، كما أن وزن «ينباع» على هذا يفعال. ولو سمّيت به رجلا لصرفته فى المعرفة؛ لأنه قد فارق شبه الفعل وزنا. ولو سميته بينبع لم تصرفه، كما أنك لو سميته بينظر لم تصرفه. فإن سميته بأنظور، تريد: فأنظر لصرفته معرفة لزوال مثال الفعل. وقد ذكرنا ذلك فى كتابنا الموسوم بسر الصناعة. *** ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ (٣١) (٥١) ومن ذلك: «حاشا الله» ابن مسعود وأبى بن كعب (٣)، وقرأ: «حاش الإله»

стр. 461

الحسن (١)، وقرأ: «حاش لله» (٢)، جزم الحسن بخلاف. قال أبو الفتح: أما «حاشا الله» فعلى أصل اللفظة، وهى حرف جر، قال (٣): حاشا أبى ثوبان إن به … ضنّا على الملحاة والشّتم (٤) وأما «حاش الإله» فمحذوف من حاشا تخفيفا، وهو كقولك: حاشا الرب وحاشا المعبود، وليس «الإله» هكذا بالهمز هو الاسم العلم، إنما ذلك الله-كما ترى- المحذوف الهمزة، على هذا استعملوه علما وإن كان لعمرى أصله الإله مكان الله فإنه كاستعمالهم فى مكانه المعبود والرب. ومنه قوله: لعن الإله وزوجها معها … هند الهنود طويلة الفعل وأما «حاش لله» بسكون الشين فضعيف من موضعين: أحدهما: التقاء الساكنين: الألف، والشين، وليست الشين مدغمة. والآخر: إسكان الشين بعد حذف الألف، ولا موجب لذلك. وطريقه فى الحذف أنه لما حذف الألف تخفيفا أتبع ذلك حذف الفتحة إذ كانت كالعرض اللاحق مع الألف، فصارت كالتكرير فى الراء، والتفشى فى الشين، والصفير فى الصاد والسين

стр. 462

والزاى، والإطباق فى الصاد والضاد والطاء والظاء، ونحو ذلك. فمتى حذفت حرفا من هذه الحروف ذهب معه ما يصحبه من التكرير فى الراء، والصفير فى حروفه، والإطباق فى حروفه. وعليه قوله: رهط مرجوم ورهط ابن المعل يريد المعلّى، فلما حذف الألف حذف معها فتحتها، فبقى المعلّ، فلما وقف فى القافية المقيدة على الحرف المشدد خففه على العبرة فى مثله، كما خففه فى نحو قول طرفة (١): ففداء لبنى قيس على … ما أصاب الناس من سرّ وضر ما أقلّت قدمى إنهم … نعم الساعون فى الأمر المبر (٢) فخفف ضر ومبر، فكذلك خفف «المعلّ»، فصار المعل. فهذا حديث حذف الفتحة من «حاش»، وأما التقاء الساكنين فعلى قراءة نافع «محياى»، وعلى ما حكى عنهم من قولهم: التقت حلقتا البطان، بإثبات ألف «حلقتا» مع سكون لام البطان، لكن السؤال من هذا عن إدخال لام الجر على «لله» وقبلها «حاش» و «حاشى» وهو حرف جر، وكيف جاز التقاء حرفى جر؟ فالقول أن «حاش» و «حاشى» هنا فعلان، فلذلك وقع حرف الجر بعدهما. حكى أبو عثمان المازنى عن أبى زيد قال: سمعت أعرابيا يقول: اللهم اغفر لى ولمن سمع حاشى الشيطان وأبا الأصبغ، فنصب بحاشى. وهذا دليل الفعليّة، فعليه وقعت بعده لام الجر. *** ﴿ما هذا بَشَراً﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى الحويرث الحنفى «ما هذا بشرى» (٣)، بكسر الباء والشين.

стр. 463

قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة وجهين: أحدهما: أن يكون أراد ما هذا بمشرىّ، من قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (١)، أى: باعوه، أى ما ينبغى لمثل هذا أن يباع، فوضع المصدر موضع اسم المفعول، كقول الله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٢)، أى مصيده، وكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (٣)، أى المخلوق، وكقول النبى ﷺ : الراجع فى هبته (٤)، أى: فى موهوبه. وهذا الثوب نسج اليمن، أى: منسوجه؛ وذلك أن الأفعال لا يمكننا إعادتها. ومنه قولهم: غفر الله لك علمه فيك، أى: معلومه. ومنه قولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير، أى: مضروبه. والآخر: أن تكون الباء غير زائدة للتوكيد كالوجه الأول، لكنها كالتى فى قولك: هذا الثوب بمائة درهم، وهذا العبد بألف درهم، أى هذا بهذا، فيكون معناه: ما هذا بثمن، أى: مثله لا يقوّم ولا يثمّن، فيكون «الشّرى» هنا يراد به المفعول به، أى الثمن المشترى به، كقولك: ما هذا بألف، وهو نفى قولك: هذا بألف، فالباء إذا متعلقة بمحذوف هو الخبر، مثلها كقولك: كرّ البرّ بستين، ومنوا السّمن بدرهم. *** ﴿حَتّى حِينٍ﴾ (٣٥) ومن ذلك ما روى عن عمر أنه سمع رجلا يقرأ: «عتّى حين» (٥)، فقال: من أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب إليه: إن الله أنزل هذا القرآن فجعله عربيا، وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام. قال أبو الفتح: العرب تبدل أحد هذين الحرفين من صاحبه لتقاربهما فى المخرج،

стр. 464

كقولهم: بحثر ما فى القبور، أى بعثر. وضبعت الخيل، أى ضبحت، وهو يحنظى ويعنظى: إذا جاء بالكلام الفاحش، فعلى هذا يكون عتّى وحتّى، لكن الأخذ بالأكثر استعمالا. وهذا الآخر جائز وغير خطأ. *** ﴿إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ (٣٦) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «إنّى أرانى أعصر عنبا» (١). قال أبو الفتح: هذه القراءة هى مراد قراءة الجماعة: ﴿إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً،﴾ وذلك أن المعصور حينئذ هو العنب، فسماه خمرا لما يصير إليه من بعد حكاية لحاله المستأنفة، كقول الآخر: إذا ما مات ميت من تميم … فسرّك أن يعيش فجئ بزاد أراد: إذا مات حىّ فصار ميتا كان كذا، أو فليكن كذا. وعليه قول الفرزدق (٢): قتلت قتيلا لم ير الناس مثله … أقلّبه ذا تومتين مسوّرا وقد مضى هذا قبل. *** ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ (٤١) ومن ذلك قراءة عكرمة والجحدرىّ: «فيسقى ربّه خمرا» (٣). قال أبو الفتح: هذا فى الخير يضاهى فى الشر قوله: «فيصلب»؛ لأن تلك نعمة، وهى نقمة. *** ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (٤٥) ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن عمر بخلاف وعكرمة ومجاهد بخلاف عنهما

стр. 465

والضحاك وأبى رجاء وقتادة وشبيل بن عزرة الضّبعىّ (١) وربيعة بن عمرو وزيد بن علىّ: «وادّكر بعد أمة» (٢) وقرأ: بعد «إمّة» (٣) الأشهب العقيلى. قال أبو الفتح: «الأمة»: النسيان، أمه الرجل يأمه أمها: أى نسى. و «الإمّة»: النعمة: أى: بعد أن أنعم عليه بالنجاة. *** ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٤٩) ومن ذلك قراءة عيسى والأعرج وجعفر بن محمد: «وفيه يعصرون»، بياء مضمومة، وصاد مفتوحة (٤). قال أبو الفتح: روينا عن قطرب أن معنى «يعصرون»: أى يمطرون، فإن شئت أخذته من العصرة والعصر للمنجاة، وإن شئت أخذته من عصرت السحاب ماءها عليهم. وعليه قراءة الجماعة: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ،﴾ فهذا من النجاة. وروينا عن ابن عباس: أى يعصرون من الكرم والأدهان، فهذا تفسير النجاة: كيف تقع بهم وإليهم؟. قال أبو زبيد: صاديا يستغيث غير مغاث … ولقد كان عصرة المنجود أى: نجاة المكروب. *** ﴿رُدَّتْ إِلَيْنا﴾ (٦٥) ومن ذلك قراءة علقمة ويحيى: «ردّت إلينا» (٥)، بكسر الراء.

стр. 466

قال أبو الفتح: فعل من ذوات الثلاثة إذا كان مضعّفا أو معتلا عينه يجئ عنهم على ثلاثة أضرب: لغة فاشية، والأخرى تليها، والثالثة قليلة، إلا أن المضعّف مخالف للمعتل العين فيما أذكره. أما المضعّف فأكثره عنهم ضمّ أوله كشدّ وردّ، ثم يليه الإشمام، وهو شدّ وردّ بين ضم الأول وكسره، إلا أن الكسرة هنا داخلة على الضمة؛ لأن الأفشى فى اللغة الضم. والثالث-وهو أقلّها-شدّ وردّ وحلّ وبلّ، بإخلاص الكسرة، فهذا المضعّف. وأما المعتل العين فأقوى اللغات فيه كسر أوله، نحو: قيل وبيع وسير به، ثم يليه الإشمام، وهو أن تدخل الضمة على الكسرة؛ لأن الكسر هنا هو الأفشى، فتقول: قيل وبيع وعيص، والثالث-وهو أقلّها-أن تخلص الضمة فى الأول كما أخلصت الكسرة فيه مع التضعيف، نحو ردّ وحلّ، فتصح الواو من بعدها؛ فتقول: قول وبوع. وروينا عن محمد بن الحسن، أظنه عن أحمد بن يحيى (١): وابتذلت غضبى وأمّ الرحال … وقول لا أهل له ولا مال وقال ذو الرمة (٢): دنا البين من مىّ فردّت جمالها … وهاج الهوى تقويضها واحتمالها وهذه لغة لبنى ضبّة، وبعضهم يقول فى الصحيح بكسر أوله: قد ضرب زيد، وقتل عمرو، وينقل كسرة العين على الفاء. وحكى عنهم فيما رويناه عن قطرب: بوع متاعه، وخور له، واختور عليه: أى اختير، وهو الأجود. ومن أشمّ فقال: قيل قال: اختير عليه، ومن قال: شد قال: اشتدّ عليه، ومن قال: شدّ فأشم أشم أيضا فقال: اشتدّ عليه، ومن قال: شدّ قال: اشتدّ عليه. وحكى الفراء أن بعضهم قرأ: «كشجرة خبيثة اجتثّت»، بضم تنوين «خبيثة»، وكسر تاء «اجتثت». ومن أبيات الكتاب قول الفرزدق (٣):

стр. 467

وما حل من جهل حبا حلمائنا … ولا قائل المعروف فينا يعنّف (١) بإشمام ضمة الحاء كسرا كما ترى. *** ﴿صُواعَ الْمَلِكِ﴾ (٧٢) ومن ذلك قراءة أبى رجاء بخلاف: «صوع الملك» (٢)، بفتح الصاد. وقرأ: «صوع»، بضم الصاد بغير ألف (٣) عبد الله بن عون بن أبى أرطبان. وقرأ: «صوغ الملك»، بفتح الصاد وبالغين معجمة (٤) يحيى بن يعمر. وقرأ: «صاع الملك» (٥) أبو هريرة ومجاهد، بخلاف. وقراءة الناس: ﴿صُواعَ الْمَلِكِ﴾. قال أبو الفتح: الصاع والصواع والصّوع والصوع واحد، وكلها مكيال. وقيل: الصواع: إناء للملك يشرب فيه. وأما الصوغ فمصدر وضع موضع اسم المفعول، يراد به المصوغ، كالخلق فى معنى المخلوق، والصيد فى معنى المصيد. وقد تقدم ذكره. *** ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٦) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «وفوق كلّ ذى عالم عليم» (٦). قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة ثلاثة أوجه: &

стр. 468

أحدها: أن تكون من باب إضافة المسمى إلى الاسم، أى وفوق كل شخص يسمى عالما عليم. وقد كثر عنهم إضافة المسمى إلى اسمه، منه قول الكميت (١): إليكم ذوى آل النبىّ تطلّعت … نوازع من نفسى ظماء وألبب أى: إليكم يا آل النبى؛ أى: يا أصحاب هذا الاسم الذى هو آل النبىّ، وعليه قول الأعشى (٢): فكذّبوها بما قالت فصبّحهم … ذو آل حسّان يزجى الموت والشّرعا (٣) أى: صبحهم الجيش الذى يقال له: آل حسّان. ومنه قول الآخر (٤): وحىّ بكر طعنّا طعنة بحرا أى الإنسان الحى الذى يسمى بقولهم: بكر-طعنّا. وقال الآخر (٥): ألا قبح الإله بنى زياد … وحىّ أبيهم قبح الحمار أى: وقبح أباهم الحىّ الذى يقال له: أبوهم، وليس الحىّ هنا القبيلة كقولنا: حىّ مضر ونحوه. وهو باب من العربية واسع قد تقصيناه فى كتاب الخصائص (٦). والوجه الثانى: أن يكون «عالم» مصدرا كالفالج والباطل، فكأنه قال: وفوق كل ذى علم عليم. والوجه الثالث: أن يكون على مذهب من يعتقد زيادة «ذى»، فكأنه قال: وفوق كل عالم عليم. وقراءة الجماعة ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قراءة حسنة محتاط فيها. وذلك أنه إذا قال القائل: وفوق كل ذى عالم عليم كان لفظه لفظ العموم ومعناه الخصوص؛ وذلك لأن الله عالم ولا عالم فوقه، وإذا قال: وفوق كل ذى علم عليم فذلك مستقيم وسليم؛ لأن القديم تعالى خارج منه، ألا تراه-عز وعلا-عالما لنفسه بلا علم، والكلام ملاق ظاهره لباطنه، وليس لفظه على شئ ومعناه على غيره. ***

стр. 469

﴿ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ (٧٦) ومن ذلك قراءة الحسن: «ثمّ استخرجها من وعاء أخيه»، بضم الواو (١). قال أبو الفتح: وقرأ سعيد بن جبير: «إعاء أخيه» بهمزة، وأصله وعاء، فأبدلت الواو وإن كانت مكسورة-همزة، كما قالوا فى وسادة: إسادة، وفى وجاح: إجاح، وهو السّتر. وهمز وعاء بالضم أقيس من همز المكسور الواو، فعليه يحسن بل يقوى أعاء أخيه. ومثله: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. وقالوا فى وجوه: أجوه، وفى وعد أعد، وقالوا: أجنة. قال أبو حاتم: ولم يقولوا وجنة، بل ألزموها الهمز. وقد همزت الواو المفتوحة، قالوا: أحد وأصله وحد، أعنى أحد عشر ونحوها: من أحد وعشرين إلى فوق. وأما قولهم: ما بالدار أحد، فقال شيخنا أبو على: إن الهمزة فيه أصلية، لأنه للعموم لا للأفراد. وقالوا فى وناة: أناة، وفى وجم: أجم، وفى وجّ، للطائف: أجّ. وقال أبو عبيدة: قالوا فى وبلة الطعام: أبلة. وقال أبو بكر فى أسماء، اسم امرأة: أصلها وسماء، فعلاء من الوسامة، كما قيل لها: حسناء. *** ﴿مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ (٨٧) ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز: «من روح الله» (٢). قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون-والله أعلم-من الروح الذى من الله، ويعنى به روح ابن آدم، وقد أضيف نحو ذلك إلى الله تعالى. قال لنا أبو علىّ فى قولهم (٣): إذا رضيت علىّ بنو قشير … لعمر الله أعجبنى رضاها أى: وحق العمر الذى وهبه الله لى. وكذلك من روح الله: أى من الروح الذى هو من عند الله وبلطفه ونعمته. ***

стр. 470

﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ (٩٠) ومن ذلك قراءة أبى: «أئنّك أو أنت يوسف» (١). قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا على حذف خبر إن حتى كأنه قال: أئنّك لغير يوسف، أو أنت يوسف؟ فكأنه قال: بل أنت يوسف، فلما خرج مخرج التوقف قال: أنا يوسف. وقد جاء عنهم حذف خبر إن، قال الأعشى: إنّ محلاّ وإنّ مرتحلا … وإنّ فى السّفر إذ مضى مهلا أراد: إن لنا محلاّ، وإن لنا مرتحلا، فحذف الخبر. والكوفيون لا يجيزون حذف خبر إن إلا إذا كان اسمها نكرة، ولهذا وجه حسن عندنا وإن كان أصحابنا يجيزونه مع المعرفة. *** ﴿قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي﴾ (١٠١) ومن ذلك قراءة عمر بن ذرّ، وكان يقرأ قراءة ابن مسعود: «قد أتيتن من الملك وعلّمتن» (٢). قال أبو الفتح: أراد الياء فيهما جميعا، فحذفها تخفيفا، ولطول الاسم، كقول الأعشى: فهل يمنعنىّ ارتياد البلا … د أبو داود من حدر الموت أن يأتين وهو كثير، وقد مضى مثله. *** ﴿وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ (١٠٥) ومن ذلك قراءة عكرمة وعمرو بن فائد: «والأرض يمرّون عليها» (٣)، بالرفع، وقرأ:

стр. 471

«الأرض» نصبا (١) -السّدى، وقراءة الناس: ﴿وَالْأَرْضِ﴾. قال أبو الفتح: الوقف فيمن رفع أو نصب على السموات، ثم تبتدئ فتقول: «والأرض، والأرض». فأما الرفع فعلى الابتداء، والجملة بعدها خبر عنها، والعائد منها على الأرض «ها» من عليها، و «ها» من عنها عائدة على الآية. وأما من نصب فقال: «والأرض يمرون عليها» فبفعل مضمر، أى يطئون الأرض، أو يدوسون الأرض، ونحو ذلك. وعليه قراءة ابن مسعود: «يمشون عليها» (٢)، فلما أضمر الفعل الناصب فسره بقوله: يمرون عليها والنصب هنا دليل جواز قولنا: زيد عندك وعمرا مررت به، فهو كقولك: زيدا مررت به فى الابتداء. ومن جرّ «الأرض» على قراءة الجماعة فإن شاء وقف على «الأرض»، وإن شاء على قوله: «معرضون». *** ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (١١٠) ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد والضحاك، بخلاف عنهم: «وظنّوا أنهم قد كذبوا» (٣)، بفتح الكاف والذال خفيفة. قال أبو الفتح: تقديره: حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا فيما أتوا به من الوحى إليهم جاءهم نصرنا. *** ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١١١) ومن ذلك قراءة عيسى الثقفى: «ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كلّ»

стр. 472

«شئ وهدى ورحمة»، برفع الثلاثة الأحرف (١). قال أبو الفتح: أى ولكن هو تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة، فحذف المبتدأ وبقى الخبر. ويجوز على هذا الرفع فى قوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢)، أى: ولكن هو رسول الله. ***

стр. 473

سورة الرعد ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿صِنْوانٌ﴾ (٤) قراءة الناس: ﴿صِنْوانٌ﴾ إلا الحسن وقتادة، فإنهما قرءا: «صنوان» (١). قال أبو الفتح: الذى روينا فى هذا عن قطرب: «صنوان»، قال: وقرأ أبو عبد الرحمن السّلمىّ: «صنوان»، بضم الصاد (٢)، ولم يحك الفتح. فأما الواحد فصنو بكسر الصاد، وأما الجمع فصنوان بكسرها وصنوان بضمها. والصنو: النخلة لها رأسان وأصلها واحد. ومنه قول النبى ﷺ : العباس عمّى وصنو أبى، فكأنه قال: هما فرعان من أصل واحد. والصنوان بالضم لتميم وقيس، وبالكسر لأهل الحجاز. فأمّا صنو وصنوان فإن نظيره ذئب وذؤبان، وقنو، وقنوان. وقد يكون مثله شيح وشيحان، لكن المسئول عنه من هذا صنو وصنوان: هل هو جمع تصحيح أو جمع تكسير؟ وليس جمعا مصححا وإن كان مثال الواحد موجودا فى الجمع. وذلك أن جمع التصحيح ضربان: بالواو والنون كالزيدون والعمرون، وبالألف والتاء كالزينبات والصالحات. وليس فعلان واحدا منهما، وإذا كان كذلك فينبغى أن تعلم أن المثالين وإن كانا وفقين فإن التقديرين مختلفان، فالكسرة فى صاد صنوان غير الكسرة فى صاد صنو، فيتفق اللفظان ويختلف التقديران. وإنما صنوان من صنو كخربان من خرب، فكما أن فتحة الخاء من خرب غير كسرتها من خربان لفظا فكذلك كسرة الصاد من صنوان غير كسرتها من صنو تقديرا.

стр. 474

وجاز تكسير فعل على فعلان، كما جاز تكسير فعل عليه، نحو خرب وخربان وشبث وشبثان وبرق وبرقان، وذلك أن فعلا وفعلا قد تعاقبا على المعنى الواحد فصارا فى ذلك أخوين نحو بدل وبدل وشبه وشبه ومثل ومثل، فكما كسروا فعلا على فعلان فيما ذكرنا فكذلك أيضا كسّروا فعلا عليه فى صنو وصنوان. وإذا كانت كسرة الصاد من صنوان غير كسرتها من صنو تقديرا فكذلك أيضا سكون النون من صنوان غير سكونها من صنو تقديرا، فكما جاز أن تكون الكسرة غير الكسرة تقديرا كذلك جاز أيضا أن يكون السكون فى الجمع غير السكون فى الواحد. وكما لا يشك فى أن فتحة خاء خرب غير كسرة خاء خربان فلا يشك أيضا فى أن فتحة راء خرب غير سكون راء خربان، فكذلك أيضا كسرة الصاد فى الواحد غير كسرة الصاد فى الجمع، وسكون النون فى صنو غير سكون النون فى صنوان؛ اعتبارا لحالى المتفقين بحالى المختلفين. ونظير اتفاق اللفظين فى الحركات مع اختلاف التقديرات قولهم فى ترخيم منصور على من قال يا حار: يا منص، وكذلك تقول فى ترخيم منصور على يا حار: يا منص، فالكسرة على يا حار هى ضمة صاد منصور، وهى على يا حار ضمة مجتلبة للنداء غير تلك؛ اعتبارا بياحار، ويا حار. فكما أن الضمة فى يا حار غير الكسرة فى يا حار لفظا فكذلك ضمة صاد يا منص على يا حار غير ضمتها فى يا منص على يا حار تقديرا. وكذلك الفلك-فى قول سيبويه-وأنت تريد الواحد، وكذلك إذا أردت الجمع، وذلك أنه يعتقد أنه كسّر فعلا على فعل، كما كسروا فعلا على فعل نحو أسد وأسد ووثن ووثن فيمن قرأ: «إن يدعون من دونه إلاّ أثنا» (١)، جمع وثن، فكذلك كسر فعل على فعل، وذلك أن فعلا وفعلا قد اعتقبا على المعنى الواحد، كالشغل والشغل، والبخل والبخل، والحزن والحزن. فكما كسروا فعلا على فعل فيما ذكرنا كذلك كسروا فعلا على فعل فى الفلك، فالضمة إذا فى فاء الفلك وأنت تريد الواحد كالضمة فى قاف قفل وخاء خرج، وهى فى الفلك وأنت تريد الجميع كضمة حاء حمر وصاد صفر، فاللفظان واحد والتقديران اثنان. وقد أفردنا فى كتابنا الخصائص بابا لما اتفق فيه اللفظان واختلف فيه التقديران فى الحروف والحركات والسكون (٢). فسكون اللام إذا فى الفلك وهو واحد غير سكونها فيه وأنت تريد الجمع؛ اعتبارا

стр. 475

بأسد وأسد ووثن ووثن. وقد قالوا فى جمع صنو: أصناء، فهذا كقنو وأقناء. ونظير صنو وصنوان فى اتفاق اللفظين واختلاف التقديرين مما جاء على فعل وفعلان قولهم: قنو وقنوان، وحسل وحسلان، ورئد ورئدان، وخشف وخشفان، وسيد وسيدان. هذا هو الظاهر ومثله كير الحداد وكيران، وشيح وشيحان، وخيط وخيطان من النعام، وخرص الرمح وخرصان، وشقد وشقدان، ونسوة ونسوان. وأما «صنوان»، بفتح الصاد فليس من أمثلة التكسير، وإنما هو اسم للجمع بمنزلة الباقر والجامل والسامر والدابر. وعلى أن قطربا لم يحك فتح الصاد، وكذلك أبو حاتم فى كتابه الذى نرويه عنه فى القرآن. فإن صح فتح الصاد من «صنوان» فهو على ما ذكرناه من كونه اسما للجمع، لا مثالا من أمثلة التكسير. ومثله مما جاء اسما مفردا للجميع غير مكسر قولهم: السعدان والضّمران. *** ﴿الْمَثُلاتُ﴾ (٦) ومن ذلك قراءة عيسى الثقفى وطلحة بن سليمان: «المثلات» (١)، وقرأ: «المثلات» (٢) يحيى بن وثاب، وقراءة الناس: ﴿الْمَثُلاتُ﴾. قال أبو الفتح: روينا عن أبى حاتم قال روى: زائدة، عن الأعمش، عن يحيى: المثلات، بالفتح والإسكان. قال: وقال زائدة: وربما ثقّل سليمان-يعنى الأعمش- يقول: «المثلات». وأصل هذا كله المثلات، بفتح الميم وضم الثاء، ويقال: أمثلت الرجل من صاحبه إمثالا، واقصصته منه إقصاصا بمعنى واحد، والاسم المثال كالقصاص. فأما من قرأ «المثلات» فعلى أصله، كالسمرات جمع سمرة، والثمرات جمع ثمرة. ومن قال: «المثلات»، بضم الميم وسكون الثاء احتمل عندنا أمرين: أحدهما: أن يكون أراد: المثلات، ثم آثر إسكان الثاء استثقالا للضمة ففعل ذلك، إلا أنه نقل الضمة إلى الميم فقال: المثلات، كما قالوا فى عضد: عضد، وفى عجز عجز. &

стр. 476

والآخر أن يكون خفف فى الواحد فصار مثلة إلى مثلة، ثم جمع على ذلك فقال: المثلات. فإن قيل: فهلا أتبع الضمّ الضمّ فقيل: المثلات، كما تقول فى غرفة: غرفات، وفى حجرة حجرات-ففى ذلك جوابان. أحدهما: أنه إنما كره المثلة مع فتح الميم أفيجمع فى المثلات بين ضمتين، فيصير إلى أثقل مما هرب منه؟. والآخر: أنه لو جمع مثلة بعد أن غيرها عن مثلة على مثلات لكان كأنه جمع مثلة مرتجلة على فعلة، كحجرة وظلمة، فأقرها على سكون الثاء بحاله لذلك. فإن قيل: هلا لم يجمع بين الضمتين لكن فتح الثاء، فقال: المثلات هربا إلى الخفة بالفتح كظلمات وغرفات-قيل: لو كان ممن يرى هذا لأقر المثال الأول بحاله، فقال: المثلات لأنه إذا فعل ذلك فإنما جمع بين ضمة وفتحة أيضا، فإذا انصرف عن ذلك البتة فلا وجه لمعاودة ما كأنه هو، فضمّ الميم وأسكن الثاء، فقال: المثلات واستغنى عن التعسف بالكلمة إلى هذه الغاية المستبعدة، ثم إنها مع ذلك غير مفيدة ولا مجدية فهذا هذا. وروينا عن قطرب أن بعضهم قرأ: «المثلات» بضمتين، فهذا إما عامل الحاضر معه فثقّل عليه، وإما فيها لغة أخرى، وهى مثلة، كبسرة، فيمن ضم السين، وإما فيها لغة ثالثة وهى مثلة كغرفة. وأما من قال: «المثلات» بفتح الميم وسكون الثاء فإنه أسكن عين المثلات استثقالا لها فأقر الميم المفتوحة. وإن شئت قلت: أسكن عين الواحد فقال: مثلة، ثم جمع وأقر السكون بحاله ولم يفتح الثاء كما قال فى جفنة وتمرة: جفنات وتمرات، لأنها ليست فى الأصل فعلة، وإنما هى مسكّنة من فعلة، ففصل بذلك بين فعلة مرتجلة وفعلة مصنوعة منقولة من فعلة على ما ترى. وإن شئت قلت: قد أسكن الثاء تخفيفا، فلم يراجع تحريكها إلا بحركتها الأصلية لها. وقد يمكن أيضا أن يكون من قال: المثلات ممن يرى إسكان الواحد تخفيفا، فلما صار إلى الجمع وآثر التحريك فى الثاء عاود الضمة لأنها هى الأصل لها ولم يرتجل لها فتحة أجنبية عنها، كل ذلك جائز. ***

стр. 477

﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ (١١) ومن ذلك قراءة عبيد الله بن زياد (١): «له معاقيب من بين يديه» (٢). قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا تكسير معقّب أو معقّبة، إلا أنه لما حذف إحدى القافين عوض منها الياء، فقال: «معاقيب»، كما تقول فى تكسير مقدّم: مقاديم، ويجوز ألا تعوض فتقول: معاقب كمقادم. *** ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ﴾ (١١) ومن ذلك قراءة علىّ بن أبى طالب وابن عباس رضى الله عنهما وعكرمة وزيد ابن على وجعفر بن محمد: «يحفظونه بأمر الله» (٣). قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف، أى يحفظونه مما يحاذره بأمر الله. وأما قراءة الجماعة: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ فليس معناه أنهم يحفظونه من أمر الله أن ينزل به، لكن تقديره له معقّبات من أمر الله يحفظونه مما يخافه، ف «من» على هذا مرفوعة الموضع لأنها صفة للمرفوع الذى هو «معقبات»، ولو كانت-كما يظن-أنهم يحفظونه من أمر الله أن ينزل به لكانت منصوبة الموضع، كقولك: حفظت زيدا من الأسد، فقولك: من الأسد منصوب الموضع لأنه مفعول حفظت. والذى ذكرناه فى هذا رأى أبى الحسن، وما أحسنه! فإن قلت: فهلا كان تقديره: يحفظونه من أمر الله، أى بأمر الله، ويستدل على إرادة الباء هنا بقراءة على ﵇: «يحفظونه بأمر الله». وجاز أن يحفظوه بأمر الله لأن هذه المصائب كلها فى علم الله وبإقداره فاعليها عليها، فيكون هذا كقول القائل: هربت من قضاء الله بقضاء الله -قيل: تأويل أبى الحسن أذهب فى الاعتداد عليهم، وذلك أنه سبحانه وكّل بهم من

стр. 478

يحفظهم من حوادث الدهر ومخاوفه التى لا يعتدّ عليهم بتسليطها عليهم، وهذا أسهل طريقا، وأرسخ فى الاعتداد بالنعمة عليهم عروقا. *** ﴿شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ (١٣) ومن ذلك قراءة الأعرج-بخلاف-: «شديد المحال»، بفتح الميم (١). قال أبو الفتح: «المحال» هنا مفعل من الحيلة. قال أبو زيد: يقال: ما له حيلة ولا محالة، فيكون تقديره: شديد الحيلة عليهم، وتفسيره قوله سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ (٣)، وقال: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٤)، والطريق هنا واضحة. *** ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (١٥) ومن ذلك قراءة أبى مجلز: «بالغدوّ والإيصال» (٥). قال أبو الفتح: هو مصدر آصلنا: دخلنا فى وقت الأصيل، ونحن مؤصلون. وقد ذكرنا هذا فيما مضى من الكتاب. *** ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة يحيى بن وثاب: «فنعم عقبى الدار» (٦).

стр. 479

قال أبو الفتح: أصل قولنا: نعم الرجل ونحوه نعم كعلم، وكل ما كان على فعل وثانيه حرف حلقى فلهم فيه أربع لغات، وذلك نحو فخذ، ومحك، ونغر، بفتح الأول وكسر الثانى على الأصل. وإن شئت أسكنت الثانى وأقررت الأول على فتحه فقلت: فخذ، ومحك ونغر. وإن شئت أسكنت ونقلت الكسرة إلى الأول فقلت: فخذ، ومحك، ونغر. وإن شئت أتبعت الكسر الكسر فقلت: فخذ، ومحك، ونغر. وكذلك الفعل نحو ضحك، وإن شئت ضحك، وإن شئت ضحك، وإن شئت ضحك. فعلى هذا تقول: نعم الرجل، وإن شئت نعم، وإن شئت نعم، وإن شئت نعم. فعليه جاء: «فنعم عقبى الدار». وأنشدنا أبو على لطرفة (١): ففداء لبنى قيس على … ما أصاب الناس من سر وضر ما أقلّت قدمى إنهم … نعم الساعون فى الأمر المبر وروينا عن قطرب: نعيم الرجل زيد، بإشباع كسرة العين وإنشاء ياء بعدها كالمطافيل والمساجيد. ولا بد من أن يكون الأمر على ما ذكرنا، لأنه ليس فى أمثلة الأفعال فعيل البتة. *** ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة على ﵇ وابن عباس وابن أبى مليكة (٢) وعكرمة والجحدرى وعلى بن حسين وزيد بن على وجعفر بن محمد وأبى يزيد المدنى (٣) وعلى ابن بديمة (٤) وعبد الله بن يزيد «أفلم يتبيّن الذين» (٥). قال أبو الفتح: هذه القراءة فيها تفسير معنى قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ﴾

стр. 480

﴿آمَنُوا﴾. وروينا عن ابن عباس أنها لغة وهبيل: فخذ من النّخع، قال: ألم ييئس الأقوام أنى أنا ابنه … وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا وروينا لسحيم بن وثيل: أقول لأهل الشّعب إذ يأسروننى … ألم تيئسوا أنى ابن فارس زهدم أى: ألم تعلموا. ويشبه عندى أن يكون هذا راجعا أيضا إلى معنى اليأس؛ وذلك أن المتأمل للشئ المتطلب لعلمه ذاهب بفكره فى جهات تعرفه إياه، فإذا ثبت يقينه على شئ من أمره اعتقده وأضرب عما سواه، فلم ينصرف إليه كما ينصرف اليائس من الشئ عنه، ولا يلتفت إليه. وهذه اللغة هكذا طريق صنعتها وملاءمة أجزائها وضم نشرها وشتاتها، فإن لم تطبن لها وتلاق بين متهاجراتها بدّت فرقا، وكانت حريّة لو لاطفتها بالتعانق والالتقاء، فرفقا رفقا، لا عنفا ولا خرقا. *** ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وعلى وابن عباس وأبى رضى الله عنهم وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد-بخلاف-والحسن-بخلاف-وعبد الرحمن بن أبى بكرة وابن أبى إسحاق والضّحّاك والحكم بن عتيبة، ورويت عن الأعمش: «ومن عنده علم الكتاب» (١)، وقرأ: «ومن عنده» بكسر الميم والدال والهاء «علم الكتاب»، بضم العين، وفتح الميم (٢) -على وابن السميفع والحسن. وقراءة الجماعة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾. قال أبو الفتح: من قرأ: «ومن عنده علم الكتاب» فتقديره ومعناه: من فضله ولطفه علم الكتاب، ومن قرأ: «ومن عنده علم الكتاب» فمعناه معنى الأول، إلا أن تقدير إعرابه مخالف له، لأن من قال: «ومن عنده علم الكتاب» ف «من» متعلقة بمحذوف،

стр. 481

«وعلم الكتاب» مرفوع بالابتداء، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ (١). ومن قال: «ومن عنده علم الكتاب» ف «من» متعلقة بنفس «علم»، كقولك: من الدار أخرج زيد، أى أخرج زيد من الدار، ثم قدّمت حرف الجر. وقراءة الجماعة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ فالعلم مرفوع بنفس الظرف، لأنه إذا جرى الظرف صلة رفع الظاهر لإيغاله فى قوة شبهه بالفعل، كقولك: مررت بالذى فى الدار أخوه. ***

стр. 482

سورة إبراهيم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ (٤) قرأ أبو السّمّال: «بلسن قومه» (١). قال أبو الفتح: حكى أن بعض أصحابنا قال: دخلت على أبى السّمّال وهو ينتف شعر إسبه وهو يقرأ: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسن قومه». وإسبه يعنى عانته، فاللّسن واللسان، كالريش والرياش (٢): فعل وفعال بمعنى واحد. هذا إذا أردت باللسان اللغة والكلام. فإن أردت به العضو فلا يقال فيه: لسن، إنما ذلك فى القول لا العضو. وكأن الأصل فيهما للعضو، ثم سمّوا القول لسانا؛ لأنه باللسان، كما يسمى الشئ باسم الشئ لملابسته إياه، كالراوية والظعينة ونحوها. *** ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١) ومن ذلك قراءة الحسن: «فليتوكّل المؤمنون» (٣). قال أبو الفتح: هذا لعمرى الأصل فى لام الأمر: أن تكون مكسورة، إلا أنهم أقروا إسكانها تخفيفا. وإذا كانوا يقولون: مره فليقم فيسكنونها مع قلة الحروف والحركات فإسكانها مع كثرة الحروف والحركات أمثل، وتلك حالها فى قوله: «فليتوكّل المؤمنون»، لا سيما وقبلها كسرة الهاء، فاعرف ذلك، فإن مصارفة الألفاظ باب معتمد فى الاستثقال والاستخفاف. ***

стр. 483

﴿وَاِسْتَفْتَحُوا﴾ (١٥) ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: «واستفتحوا» (١). قال أبو الفتح: هو معطوف على ما سبق من قوله تعالى: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ (٢) أى: قال لهم: استفتحوا، ومعناه استنصروا الله عليهم، واستحكموه بينكم وبينهم، والقاضى اسمه الفتاح. قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (٣)، أى: تستنصروا، فقد جاءكم النصر. وعليه سمّوا الظفر بالعدو فتحا، ومنه الحديث أن النبى ﷺ كان يستفتح بصعاليك المهاجرين (٤): أى يستنصر بهم. وقال أحمد بن يحيى: أى يقدّمهم ويبدأ أمره بهم، وكأنهم إنما سمّوا القاضى فتّاحا لأنه يفتح باب الحق الذى هو واقف ومنسد، فيصار إليه ويعمل عليه. *** ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ (١٨) ومن ذلك قراءة ابن أبى إسحاق وإبراهيم بن أبى بكير (٥) «فى يوم عاصف» (٦)، بالإضافة. قال أبو الفتح: هذا على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، أى فى يوم ريح عاصف، وحسن حذف الموصوف هنا شيئا؛ لأنه قد ألف حذفه فى قراءة الجماعة: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾. فإن قيل: فإذا كان «عاصف» قد جرى وصفا على «يوم» فكيف جاز إضافة «يوم»

стр. 484

إليه، والموصوف لا يضاف إلى صفته؛ إذ كانت هى هو فى المعنى؛ والشئ لا يضاف إلى نفسه؟ ألا تراك لا تقول: هذا رجل عاقل، ولا غلام ظريف وأنت تريد الصفة؟ قيل: جاز ذلك من حيث كان «اليوم» غير العاصف فى المعنى وإن كان إياه فى اللفظ؛ لأن العاصف فى الحقيقة إنما هو الريح لا اليوم، وليس كذلك هذا رجل عاقل؛ لأن الرجل هو العاقل فى الحقيقة، والشئ لا يضاف إلى نفسه، فهذا فرق. *** ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة السّلمى: «ألم تر أنّ الله»، ساكنة الراء (١). قال أبو الفتح: فيها ضعف؛ لأنه إذا حذف الألف للجزم فقد وجب إبقاؤه للحركة قبلها دليلا عليها، وكالعوض منها لا سيما وهى خفيفة، إلا أنه شبه الفتحة بالكسرة المحذوفة فى نحو هذا؛ استخفافا، أنشد أبو زيد (٢): قالت سليمى اشتر لنا دقيقا وأنشدنا أيضا: قالت سليمى كلمة تلجلجا … لو طبخ النّئ به لأنضجا يا شيخ لا بدّ لنا أن نحججا … قد حجّ فى ذا العام من كان رجا فاكتر لنا كرىّ صدق فالنّجا … واحذر فلا تكتر كريّا أعوجا علجا إذا ساق بنا عفنججا (٣) … فأسكن الراء من «اشتر» و «اكتر» استخفافا، أو إجراء للوصل على حد الوقف. وروينا عن أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قول الشاعر: &

стр. 485

ومن يتّق فإن الله معه … ورزق الله مؤتاب وغادى (١) فأسكن قاف «يتّق» لما ذكرنا، وكذلك شبه السّلمى «ألم تر» بذلك إذ كانت الكسرة أثقل، أو لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف. *** ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ﴾ (٢٣) ومن ذلك قراءة الحسن «وأدخل الذين» (٢)، برفع اللام. قال أبو الفتح: هذه القراءة على أنّ «أدخل» من كلام الله تعالى، كأنه قطع الكلام واستؤنف فقال الله : «وأدخل الذين آمنوا»، أى: وأنا أدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار بإذن ربّهم: أى بإذنى، إلا أنه أعاد ذكر الرب ليضيفه إليهم، فتقوى الملابسة باللفظ، فيكون أحنى وأذهب فى الإكرام والتقريب منه لهم. ومثله فى القرآن: ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (٣)، وقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ﴾ (٤)، فهذا كله تحقّق بالله تعالى، وتقرب منه، وانتساب إليه. *** ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة أنس بن مالك «كشجرة طيبة ثابت أصلها» (٥). قال أبو الفتح: قراءة الجماعة ﴿أَصْلُها ثابِتٌ﴾ أقوى معنى؛ وذلك أنك إذا قلت:

стр. 486

ثابت أصلها فقد أجريت ثابتا صفة على شجرة، وليس الثبات لها، إنما هو للأصل. ولعمرى إن الصفة إذا كانت فى المعنى لما هو من سبب الموصوف جرت عليه، إلا أنها إذا كانت له كانت أخص لفظا به. وإذا كان الثبات فى الحقيقة إنما هو للأصل فالمعتمد بالثبات هو الأصل، فبقدر ذلك ما حسن تقديمه عناية به ومسارعة إلى ذكره، ولأجل ذلك قالوا: زيد ضربته فقدموا المفعول لأن الغرض هنا ليس بذكر الفاعل وإنما هو ذكر المفعول، فقدموه عناية بذكره، ثم لم يقنع ذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة وجعلوه فى اللفظ ربّ الجملة، فرفعوه بالابتداء، وصارت الجملة التى إنما كان ذيلا لها وفضلة ملحقة بها فى قولهم: ضربت زيدا-ثانية له، وواردة فى اللفظ بعده، ومسندة إليه، ومخبرا بها عنه. وقد تقدم فى هذا الكتاب نحو هذا مستقصى. فكذلك قولك: مررت برجل أبوه قائم أقوى معنى من قولك: قائم أبوه؛ لأن المخبر عنه بالقيام إنما هو الأب لا رجل، ومن هنا ذهب أبو الحسن فى نحو قولنا: قام زيد إلى أن قام فى موضع رفع؛ لأنه وقع موقع الاسم؛ لأن تقدير المحدّث عنه أن يكون أسبق رتبة من الحديث، إلا أن لقراءة أنس هذه وجها من القياس حسنا؛ وذلك أن قوله: «ثابت أصلها» صفة لشجرة، وأصل الصفة أن تكون اسما مفردا لا جملة، يدل على ذلك أن الجملة إذا جرت صفة للنكرة حكم على موضعها بإعراب المفرد الذى هى واقعة موقعه. فإذا قال: «ثابت أصلها» فقد جرى لفظ المفرد صفة على النكرة، وإذا قال: «أصلها ثابت» فقد وضع الجملة موضع المفرد، فالموضع إذا له لا لها. فإن قلت: فليس اللفظ مفردا، ألا ترى أنه ثابت أصلها؟ قيل: هذا لا يبلغ به صورة الجملة، لأن ثابتا جار فى اللفظ على ما قبله، وإنما فيه أنه وضع أصلها لتضمنه لفظ الضمير موضع الضمير الخاص بالأول، وليس كذلك أصلها ثابت؛ لأن معك صورة الجملة البتة، فهذا تقوية لقول أنس. وكان أبو على يعتذر من إجازتهم مررت برجل قائم أبوه، ويقول: إنما ذلك لأن الجملة نكرة، كما أن المفرد هنا لو وقع لم يكن إلا نكرة؛ لأن موصوفه نكرة. ***

стр. 487

﴿مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن والضحاك ومحمد بن على وجعفر بن محمد وعمرو بن فائد ويعقوب: «من كلّ ما سألتموه» بالتنوين (١). قال أبو الفتح: أما على هذه القراءة فالمفعول ملفوظ به، أى وآتاكم ما سألتموه أن يؤتيكم منه. وأما على قراءة الجماعة: ﴿مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ،﴾ على الإضافة فالمفعول محذوف، أى وآتاكم سؤلكم من كل شئ: أى: وآتاكم ما ساغ إيتاؤه إياكم إياه منه، فهو كقوله : ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، أى: أوتيت من كل شئ شيئا. وقد سبق ذكرنا حذف المفعول للعلم به، وأنه مع ذلك عذب عال فى اللغة. *** ﴿وَاُجْنُبْنِي﴾ (٣٥) ومن ذلك قراءة الجحدرى والثقفى وأبى الهجهاج (٣): «وأجنبنى»، بقطع الألف (٤). قال أبو الفتح: يقال: جنبت الشئ أجنبه جنوبا، وتميم تقول: أجنبته أجنبه إجنابا، أى: نحّيته عن الشئ. فجنبته كصرفته، وأجنبته جعلته جنيبا عنه، وكذلك ﴿وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ،﴾ أى: اصرفنى وإياهم عن ذلك، وأجنبنى: أى اجعلنى كالجنيب لك، أى المنقاد معك عنها. *** ﴿تَهْوِي﴾ (٣٧) ومن ذلك قراءة علىّ بن طالب وأبى جعفر محمد بن على وجعفر بن محمد عليهم

стр. 488

السلام ومجاهد: «تهوى»، بفتح الواو (١). وقرأ مسلمة بن عبد الله: «تهوى إليهم» (٢). قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ،﴾ بكسر الواو فتميل إليهم: أى تحبهم، فهذا فى المعنى كقولهم: فلان ينحط فى هواك، أى يخلد إليه ويقيم عليه؛ وذلك أن الإنسان إذا أحب شيئا أكثر من ذكره وأقام عليه، فإذا كرهه أسرع عنه وخف إلى سواه، وعلى ذلك قالوا: أحبّ البعير: إذا برك فى موضعه، قال: حلت عليه بالقطيع ضربا … ضرب بعير السوء إذا أحبّا أى برك. ومنه قولهم: هويت فلانا، فهذا من لفظ هوى الشئ يهوى، إلا أنهم خالفوا بين المثالين لاختلاف ظاهر الأمرين وإن كانا على معنى واحد متلاقيين، فقراءة على ﵇: «تهوى إليهم» بفتح الواو هو من هويت الشئ إذا أحببته، إلا أنه قال: «إليهم»، وأنت لا تقول: هويت إلى فلان، لكنك تقول: هويت فلانا؛ لأنه ﵇ حمله على المعنى، ألا ترى أن معنى هويت الشئ: ملت إليه؟ فقال: تهوى إليهم لأنه لاحظ معنى تميل إليهم. وهذا باب من العربية ذو غور، وقد ذكرناه فى هذا الكتاب. ومنه قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ (٣)، عداه بإلى وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة، إنما تقول: رفثت بها أو معها، لكنه لما كان معنى الرفث معنى الإفضاء عداه بإلى ملاحظة لمعنى ما هو مثله، فكأنه قال: الإفضاء إلى نسائكم، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ (٤). لما كانت التوبة سببا للعفو لاحظ معناه فقال: عن عباده، حتى كأنه قال: وهو الذى يقبل سبب العفو عن عباده. وقد أفردنا لهذا ونحوه فى الخصائص بابا (٥). وأما «تهوى إليهم» فمنقول من تهوى إليهم، وإن شئت كان منقولا من قراءة على ﵇ «تهوى»، كلاهما جائز على ما مضى. ***

стр. 489

﴿وَلِوالِدَيَّ﴾ (٤١) ومن ذلك قراءة يحيى بن يعمر: «ولولدى» (١)، وقرأ: «لولدىّ» على اثنين (٢) الحسين ابن على (٣) والزهرى وإبراهيم النخعى (٤) وأبو جعفر محمد بن على، وقرأ: «ولوالدى» (٥)، يعنى أباه وحده سعيد بن جبير. قال أبو الفتح: الولد يكون واحدا ويكون جمعا، قال فى الواحد: فليت زيادا كان فى بطن أمه … وليت زيادا كان ولد حمار ومن كلام بنى أسد: ولدك من دمى عقبيك: أى ولدك من ولدته فسال دمك على عقبيك عند ولادته، لا من اتخذته ولدا، قريبا كان منك أو بعيدا. وإذا كان جمعا فهو جمع ولد كأسد وأسد، وخشبة وخشب. وقد يجوز أن يكون الولد أيضا جمع ولد كالفلك فى أنه جمع الفلك، وقالوا: كور الناقة للواحد والجماعة على هذا، ورجل هود: أى تائب، وقوم هود. وقول الله تعالى: ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ (٦): أى رهطه، ويقال: ولده. والولد اسم يجمع الواحد والجماعة والأنثى والذكر. وقالوا: ولد أيضا. *** ﴿مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ﴾ (٤٦) ومن ذلك قراءة على بن أبى طالب وعمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود-

стр. 490

واختلف عنه-وأبى بن كعب وأبى إسحاق السّبيعىّ (١): «وإن كاد» -بالدال- «مكرهم لتزول»، بفتح اللام الأولى، وضم الثانية (٢). قال أبو الفتح: هذه «إن» مخففة من الثقيلة، واللام فى قوله: «لتزول» هى التى تدخل بعد «إن» هذه المخففة من الثقيلة؛ فصلا بينها وبين «إن» التى للنفى فى قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ (٣)، أى: ما الكافرون إلا فى غرور فكأنه قال: وإنه كاد مكرهم تزول منه الجبال. ودخلت يوما على أبى علىّ بعيد عوده من شيراز سنة تسع وستين، فقال لى: ألا أحدثك؟ قلت له: قل! قال: دخل إلى هذا الأندلسىّ فظننته قد تعلّم، فإذا هو يظن أن اللام التى تصحب إن المخففة من الثقيلة هى لام الابتداء. قلت: لا تعجب، فأكثر من ترى هكذا. *** ﴿مِنْ قَطِرانٍ﴾ (٥٠) ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى هريرة وعلقمة وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن وسنان بن سلمة بن المحبّق وعمرو بن عبيد والكلبى وأبى صالح وعيسى

стр. 491

الهمدانى وقتادة والربيع بن أنس وعمرو بن فائد: «من قطرآن» (١). قال أبو الفتح: القطر: الصّفر والنحاس، وهو أيضا الفلزّ. رويناه عن قطرب، وهو أيضا الصاد. ومنه قدور الصّاد، أى: قدور الصّفر. والآنى: الذى قد أنى وأدرك. وأنى الشئ يأنى أنيّا وإنى مقصور، ومنه قول الله سبحانه: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ (٢): أى بلوغه وإدراكه. قال أبو على: ومنه الإناء؛ لأنه الظرف الذى قد بلغ غايته المرادة فيه من خرز أو صياغة أو نحو ذلك. قال أمية: وسليمان إذ يسيل له القطر … على ملكه ثلاث ليال وأما القطران ففيه ثلاث لغات: قطران على فعلان، وهو أحد الحروف التى جاءت على فعلان، وهى: ثلثان، وبدلان، والشّقران. ويقال أيضا: قطران، بفتح القاف وإسكان الطاء، وقطران بكسر القاف وإسكان الطاء. والأصل فيها قطران فأسكنا على ما يقال فى كلمة: كلمة وكلمة، لغة تميمية. قال أبو النجم: جون كأن العرق المنتوحا … لبّسه القطران والمسوحا وقال النابغة (٣): وتخضب لحية غدرت وخانت … بأحمر من نجيع الجوف آن (٤) *** ﴿وَلِيُنْذَرُوا﴾ (٥٢) ومن ذلك قراءة يحيى بن عمر الذارع (٥) وأحمد بن يزيد بن أسيد السّلمى: «ولينذروا به» (٦)، بفتح الياء والذال.

стр. 492

قال أبو الفتح: يقال نذرت بالشئ: إذا علمت به فاستعددت له، فهو فى معنى فهمته، وعلمت به، وطبنت له، وفى وزن ذلك. ولم تستعمل العرب لقولهم: نذرت بالشئ مصدرا، كأنه من الفروع المهجورة الأصول. ومنه عسى لا مصدر لها، وكذلك ليس. وكأنهم استغنوا عنه بأن والفعل، نحو: سرنى أن نذرت بالشئ، ويسرنى أن تنذر به. *** &

стр. 493

سورة الحجر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (١٥) قرأ الزّهرى-بخلاف-: «سكرت» (١). قال أبو الفتح: أى جرت مجرى السّكران فى عدم تحصيله، فلذلك قال: «سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون». والسّكر عندنا من: سكر العربة ونحوها. وذلك أنه يعترض على الماء، ويسد عليه مذهبه ومتسرّبه، وكذلك حال السكران فى وقوف فكره، والاعتراض عليه بما ينغصه ويحيره؛ فلا يجد مذهبا، وينكفئ مضطربا. *** ﴿صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٤١) ومن ذلك قراءة أبى رجاء وابن سيرين وقيس بن عبادة وقتادة والضحاك ويعقوب وابن شرف ومجاهد وحميد وعمرو بن ميمون (٢) وعمارة بن أبى حفصة: «صراط علىّ مستقيم» (٣). قال أبو الفتح: «علىّ» -هنا-كقولهم: كريم، وشريف. وليس المراد به علوّ الشخوص والنّصبة: قال أبو الحسن فى قراءة الجماعة: ﴿قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ:﴾ هو كقولك:

стр. 494

الدلالة اليوم علىّ، أى: هذا صراط فى ذمتى وتحت ضمانى، كقولك: صحّة هذا المال علىّ، وتوفية عدّته علىّ. وليس معناه عنده أنه مستقيم علىّ، كقولنا: قد استقام علىّ الطريق، واستقر علىّ كذا. وما أحسن ما ذهب إليه أبو الحسن فيه. *** ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٤٤) ومن ذلك قراءة الزّهرىّ: «لكلّ باب منهم جزّ مقسوم» (١). قال أبو الفتح: هذه لغة مصنوعة، وليست على أصل الوضع. وأصلها «جزء» فعل من جزأت الشئ، وهو قراءة الجماعة إلا أنه خفف الهمزة، فصارت «جز»؛ لأنه حذفها وألقى حركتها على الزاى قبلها، ثم نوى الوقف على لغة من شدّد نحو ذلك فى الوقف، فقال: هذا خالدّ وهو يجعلّ، فصارت فى الوقف «جزّ»، ثم أطلق وهو يريد نيّة الوقف وأقر التشديد بحاله فقال: «جزّ»، كما قالوا فى الوصل: سبسبّا، وكلكلاّ. وقد أنشدنا شواهد نحو ذلك فيما مضى. ومثله الخبّ فيمن وقف عليه بالتشديد، يريد تخفيف الخبء (٢)، وهو مشروح فى باب الهمز. *** ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ (٥٣) ومن ذلك قراءة الحسن: «لا توجل» (٣). قال أبو الفتح: هذا منقول من وجل يوجل، وجل وأوجلته، كفزع وأفزعته، ورهب وأرهبته. ***

стр. 495

﴿مِنَ الْقانِطِينَ﴾ (٥٥) ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بن مصرّف، ورويت عن أبى عمرو: «من القنطين» (١). قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون فى الأصل ﴿الْقانِطِينَ﴾ كقراءة الجماعة؛ إلا أن العرب قد تحذف ألف فاعل فى نحو هذا تخفيفا. قال الراجز: أصبح قلبى صردا … لا يشتهى أن يردا إلا عرادا عردا … وصلّيانا بردا وعنكثا ملتبدا (٢) … يريد عاردا وباردا، فحذف الألف تخفيفا. ألا ترى أن أبا النّجم قال: كأنّ فى الفرش القتاد العاردا (٣) … أى القوىّ الخشن، وقد ذكرنا نحو هذا. وقد يجوز فى «القنطين» غير هذا، وذلك أنهم قد قالوا: قنط يقنط، فقد يكون «القنطين» من قنط يقنط هذه، ويكون القانطون من قنط. *** ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ (٥٦) ومن ذلك قراءة الأشهب: «ومن يقنط» (٤)، بضم النون. قال أبو الفتح: فيه لغات: قنط يقنط، وقنط يقنط، وقنط يقنط. وقد حكيت أيضا:
следующие страницы →