← Гариб и словари

Гариб и словари · id 7051

الراموز على الصحاح

محمد بن السيد حسن

Полный текст (138 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الْفَصْل الأول المعاجم الْعَرَبيَّة لفظ مُعْجم لُغَة وَاصْطِلَاحا إِن الهدف الأساسي من المعجم إِزَالَة الغموض عَن الْأَلْفَاظ وكشف الْإِبْهَام عَن الْكَلِمَات ومادة ع ج م فِي اللُّغَة للدلالة على الْإِبْهَام عَن الْكَلِمَات ومادة ع ج م فِي اللُّغَة للدلالة على الابهام والإخفاء وَعدم الْبَيَان والإفصاح والأعجم الَّذِي لَا يفصح والأعجم أَيْضا كل كَلَام لَيْسَ بعربي واستعجمت الدَّار عَن جَوَاب السَّائِل سكتت وَصَلَاة النَّهَار عجماء لِأَنَّهُ لَا يجْهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَقد عجم الْعود إِذا عضه ليعلم صلابته من خوره وَإِذا مَا زيدت الْهمزَة فَقيل أعجم دلّ ذَلِك على إِزَالَة الْإِبْهَام والخفاء قَالَ ابْن جنى ... . ثمَّ انهم قَالُوا أعجمت الْكتاب إِذا بَينته وأوضحته فَهُوَ إِذا لسلب معنى الاستبهام لَا إثْبَاته وَأما صِيغَة فعل بالتضعيف فَإِنَّهَا تَأتي لتدل على عكس ذَلِك فتعجيم الْكتاب تنقيطه كي تستبين عجمته وَيصِح وَفِي الصِّحَاح

стр. 2

مَادَّة ع ج م المعجم النقط بِالسَّوَادِ مثل التَّاء عَلَيْهِ نقطتان يُقَال اعجمت الْحَرْف والتعجيم مثله وَمِنْه حُرُوف المعجم وَهِي الْحُرُوف الْمُقطعَة الَّتِي يخْتَص أَكْثَرهَا بالنقط من بَين سَائِر حُرُوف الِاسْم وَمَعْنَاهُ حُرُوف الْخط المعجم كَمَا تَقول مَسْجِد الْجَامِع وَصَلَاة الأولى أَي مَسْجِد الْيَوْم الْجَامِع وَصَلَاة السَّاعَة الأولى وناس يجْعَلُونَ المعجم بِمَعْنى الاعجام مصدرا مثل الْمخْرج والمدخل أَي من شَأْن هَذِه الْحُرُوف أَن تعجم ولإزالة هَذَا اللّبْس فِي تصريف مَادَّة ع ج م فِي كَلَامهم يشْرَح ابْن جنى فكرة السَّلب هَذِه ويمثل لَهَا فَيَقُول اعجمت وَزنه أفعلت وأفعلت هَذِه وَإِن كَانَت فِي غَالب أمرهَا إِنَّمَا تَأتي للإثبات والإيجاب نَحْو أكرمت زيدا أَي أوجبت لَهُ الْكَرَامَة فقد تَأتي أفعلت أَيْضا يُرَاد بهَا السَّلب وَالنَّفْي وَذَلِكَ نَحْو اشكيت زيدا إِذا زلت لَهُ عَمَّا يشكوه فَكَذَلِك أَيْضا يكون قَوْلنَا اعجمت الْكتاب أَي أزلت عَنهُ استعجامه وَنَظِيره أَيْضا اشكلت الْكتاب أَي أزلت اشكاله وَقد قَالُوا أَيْضا عجمت الْكتاب فَجَاءَت فعلت للسلب أَيْضا وَمن معنى السَّلب هَذَا أطلقت لَفْظَة مُعْجم على الْكتاب الَّذِي يُرَاعى فِي تَرْتِيب الْحُرُوف فَكَانَ هَذَا الْكتاب يزِيل إِبْهَام هَذِه الْمَادَّة الْمرتبَة على حُرُوف المعجم ويبينها ويوضحها بِمَا يجمعه من مواد لغوية وَغير لغوية منسقا لَهَا ومرتبا أياها على حُرُوف المعجم

стр. 3

وَإِذا نرى أَن الْكتب الَّتِي راعت فِي ترتيبها حُرُوف الهجاء أَي مُرَاعَاة فِي الْحَرْف الأول وَحده اَوْ فِي الحرفين الْأَوَّلين اَوْ فِي حروفها جَمِيعًا وعَلى تَرْتِيب الْفَاء بَاء أَو تَرْتِيب المخارج أَو تَرْتِيب الابجدية بِأَنَّهَا تسير على حُرُوف المعجم فأطلقت أول مرّة على سَبِيل الْإِشَارَة فِي عنوان الْكتاب إِلَى مادته مرتبَة على الْحُرُوف فقد نسب ابْن النديم لبزج بن مُحَمَّد الْعَرُوضِي كتاب مَعَاني الْعرُوض على حُرُوف المعجم وَنسب ياقوت لحبيش بن مُوسَى الضَّبِّيّ كتاب الأغاني على حرف المعجم وكلا الْكِتَابَيْنِ من كتب الْقرن الثَّالِث ويبدو أَن النَّاس اكتفوا بِكَلِمَة الْحُرُوف بِحَذْف كلمة المعجم للدلالة على حُرُوف المعجم هَذَا مَا نجده مثلا فِي كتاب صناعَة الْغناء وأخبار المغنين وَذكر الْأَصْوَات الَّتِي غنى فِيهَا على الْحُرُوف لقريض المغنى مَتى أطلق لفظ المعجم لَا تَسْتَطِيع الْجَزْم مَتى أطلق المعجم على هَذَا الِاسْتِعْمَال ذَلِك أَمر لَا يُسْتَطَاع لضياع كثير من كتبنَا وآثارنا وَأول مَا عرف كَانَ فِي الْقرن الثَّالِث على يَد رجال الحَدِيث الَّذين سبقوا اللغويين فِي اسْتِخْدَام المعجم وَأول كتاب أطلق عَلَيْهِ اسْم المعجم هُوَ مُعْجم الصَّحَابَة لأبي يعلى أَحْمد بن الْمثنى بن يحيى بن عِيسَى بن هِلَال التَّمِيمِي الْموصِلِي الْحَافِظ مُحدث الجزيرة ت ٢٠٧ هـ والمعجم

стр. 4

الْكَبِير والمعجم الصَّغِير فِي أَسمَاء الصَّحَابَة لأبي الْقَاسِم عبد الله ابْن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ الْمُحدث الْمَعْرُوف بِابْن منيع ت ٣١٥ هـ ثمَّ أطلقت فِي الْقرن الرَّابِع على كثير من الْكتب وأشهرها المعجم الْكَبِير وَالصَّغِير والأوسط فِي قراءات الْقُرْآن وأسمائه لأبي بكر مُحَمَّد بن الْحسن النقاش الْموصِلِي ت ٣٥١ هـ ومعجم الشُّيُوخ لأبي الْحُسَيْن عبد الْبَاقِي بن قَانِع بن مَرْزُوق الْبَغْدَادِيّ ت ٣٥١ هـ والمعجم الْكَبِير والأوسط وَالصَّغِير لأبي الْقَاسِم سُلَيْمَان بن أَحْمد الطَّبَرَانِيّ ٣٦٠ هـ ومعجم الشُّيُوخ لعمر بن عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بِابْن شاهين ت ٣٨٥ هـ ومعجم الصَّحَابَة لِأَحْمَد بن عَليّ المهداني الْمَعْرُوف بِابْن لال ت ٣٩٨ هـ وعنهم أَخذه اللغويون الْأُمَم الَّتِي سبقت الْعَرَب فِي تأليف المعجم لم يكن الْعَرَب أول من ابتكر تأليف المعجم بل سبقهمْ إِلَى ذَلِك الآشوريون والصينيون واليونان والهنود فقد وضع الآشوريون معجماتهم خوفًا على لغتهم من الضّيَاع فِي حِين تركُوا نظام الْكِتَابَة الرمزية الْقَدِيمَة مستعينين بذلك بنظام الإشارات المقطعية أَو الألفبائية ذَات الْقيم الصوتية وَبعد مُضِيّ زمن أبهم عَلَيْهِم معرفَة النظام الْجَدِيد فلجأوا إِلَى قَوَائِم عرفوها بطريقتهم الْقَدِيمَة وساعدهم على ذَلِك أَن لغتهم السومرية الْقَدِيمَة لم تكن قد انمحت بعد حَيْثُ أَن الكهنة كَانُوا يستعملونها فِي شعائرهم الدِّينِيَّة وعكفوا على جمعهَا فِي قَوَائِم محفورة على قوالت الطين وأودعوها مكتبة آشور بانيبال الْكَبِيرَة الَّتِي كَانَت بقصر قويو نجيل فِي نِينَوَى

стр. 5

٦٦٨ - ٦٢٥ قبل الميلاد ثمَّ اكتشفت هَذِه القوائم فِي أَعمال التنقيب العلمية فَصَارَت مصدرا مهما لتاريخ الآشوريين ٢ - وَعرف الصينيون المعجمات وأقدم مَا وضع مِنْهَا مُعْجم يوبيان لمؤلفه كويلي وانج وَقد طبع سنة ٥٣٠ بعد الميلاد ومعجم آخر اسْمه شوثان لمؤلفه هوشن وَقد طبع سنة ١٥٠ قبل الميلاد وَهَذَانِ المعجمان هما أساس معجمات الصين واليابان الْمُعْتَبرَة ٣ - وَعرف اليونانيون المعاجم قبل الْعَرَب أَيْضا وعكفوا على وَضعهَا بِكَثْرَة حَيْثُ ذكر اتنيوس خَمْسَة وَثَلَاثِينَ كتابا زَعَمُوا أَنَّهَا قد تكون معجمات وجميعها مفقودة بيد أَن الثَّابِت أَنهم عرفُوا المعجمات الَّتِي يخْتَص اغلبها بمفردات كتاب معِين أَو مَقْصُورَة على مؤلف أَو مَوْضُوع معِين وأقدم المعجمات اليونانية الْقَدِيمَة مُعْجم يوليوس بولكس وَهُوَ كالمخصص لِابْنِ سَيّده مُرَتّب على الْمعَانِي والموضوعات ومعجم هلاديوس السكندري وَكَانَ فِي الْقرن الرَّابِع الميلادي وَوضع اريون الطَّيِّبِيّ حوالي ٤٥٠ بعد الميلاد مُعْجَمه الاشتقاقي وَقد طبع فِي ليبزج سنة ١٨٢٠ م وهز يشيوس السكندري الْقرن الرَّابِع الميلادي مُعْجم اللهجات والمحليات وامونيوس السكندري مُعْجم مَا اتّفق لَفظه وَاخْتلف مَعْنَاهُ وفاليريوس فيلكس عهد السَّيِّد الْمَسِيح

стр. 6

معجما عنوانه فِي مَعَاني الْأَلْفَاظ ٤ - عرف الهنود الْعَمَل المعجمي أَيْضا فقد وضعُوا معجمات لألفاظ اللُّغَة السنسكريتية مرتبَة على الْحُرُوف وَقد نسب إِلَى هَذِه اللُّغَة أَنَّهَا كَانَت ترَتّب حروفها بِحَسب مخارجها وأقدم المعاجم الْكَامِلَة فَهُوَ مُعْجم امارسنها الَّذِي اشْتهر باسم اماراكوسا الَّذِي وضع قبل الْقرن السَّادِس الميلادي وَهُوَ مُعْجم مترادفات فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب ألحق فِيهِ فصل عَن الْمُشْتَرك اللَّفْظِيّ وَآخر عَن الْكَلِمَات غير المتصرفة وكلمات التَّذْكِير والتأنيث ... وَقد رتب الْمُؤلف جُزْء المترادفات بِحَسب الموضوعات وجزء الْمُشْتَرك اللَّفْظِيّ بِحَسب الْحُرُوف الساكنة فِي أَوَاخِر كَلِمَاته وَوضع ساسفانا مُعْجَمه الْخَاص بالمشترك اللَّفْظِيّ حوالي بداية الْقرن السَّادِس ورتب الموضوعات الَّتِي على أساسها وضعت الْكَلِمَات ترتيبا عجيبا فقد شرح أَولا الْكَلِمَات الَّتِي تحْتَاج لبَيَان مَعْنَاهَا إِلَى بَيت كَامِل ثمَّ الْكَلِمَات الَّتِي تحْتَاج نصف بَيت ثمَّ تِلْكَ الَّتِي تحْتَاج إِلَى ربع بَيت أما الْعَرَب فَلم يعرفوا المعاجم لأَنهم كَانُوا أمة أُميَّة وَلم تكن حَاجتهم دَاعِيَة إِلَى تأليف مُعْجم حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام فدعَتْ الْحَاجة إِلَى أَن يسْأَلُوا عَن مَعَاني الْكَلِمَات ذَات الِاصْطِلَاح الْجَدِيد كَمَا كَانُوا

стр. 7

يسْأَلُون عَن بعض الْكَلِمَات الَّتِي استغلق عَلَيْهِم فهم مَعْنَاهَا هَذِه هِيَ أهم ملامح تَارِيخ المعجم لَدَى الْأُمَم الَّتِي سبقت الْعَرَب إِلَى وضع معجماتها وَلكنهَا لم تسبقهم إِلَى الابتكار وَلم تسد عَلَيْهِم بَاب الإبداع الَّذِي ظلّ مشرعا ويظل إِلَى الْأَبَد لِأَن الابتكار وإبداع ليسَا ملكا لأمة أَو وَقفا على أُخْرَى وَقد رَأينَا من الْأَوْصَاف الموجزة الَّتِي وصفت بهَا معجمات الْأُمَم الْقَدِيمَة هَذِه أَنَّهَا تخْتَلف اخْتِلَافا كَبِيرا عَن المعجمات الْعَرَبيَّة منهجا ومادة واستيعابا وترتيبا

стр. 8

المعاجم الْعَرَبيَّة وللمعاجم الْعَرَبيَّة الشاملة أَي الَّتِي تَشْمَل أَلْفَاظ اللُّغَة كلهَا تَارِيخ طَوِيل فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَأول من ألف معجما شَامِلًا هُوَ الْخَلِيل بن أَحْمد الفراهيدي الَّذِي عَاشَ فِي الْقرن الثَّانِي الهجري ١٠٠ - ١٧٥ هـ وَألف مُعْجم الْعين وتتابع بعده تأليف المعاجم إِلَى الْعَصْر الْحَاضِر وَألف ابْن دُرَيْد المتوفي سنة ٢٥٦ هـ مُعْجم الجمهرة وَألف أَبُو عَليّ القالي المتوفي سنة ٣٥٦ هـ مُعْجم البارع وَألف أَبُو مَنْصُور الْأَزْهَرِي المتوفي سنة ٣٧٠ هـ مُعْجم التَّهْذِيب وَألف الصاحب بن عباد المتوفي سنة ٣٨٥ هـ مُعْجم الْمُحِيط وَألف ابْن فَارس المتوفي سنة ٣٩٥ هـ معجمين هما مقاييس اللُّغَة والمجمل وَألف الْجَوْهَرِي المتوفي حوالي سنة ٤٠٠ هـ مُعْجم الصِّحَاح وَألف ابْن سَيّده الأندلسي المتوفي سنة ٤٥٨ هـ مُعْجم الْمُحكم كَمَا ألف الْمُخَصّص وَألف الزَّمَخْشَرِيّ المتوفي ٥٣٨ هـ مُعْجم أساس البلاغة وَألف الصَّاغَانِي المتوفي سنة ٦٥٠ هـ مُعْجم الْعباب وَألف ابْن مَنْصُور المتوفي سنة ٧١١ هـ مُعْجم لِسَان الْعَرَب وَألف الفيروز أبادي المتوفي سنة ٨١٧ هـ مُعْجم الْقَامُوس الْمُحِيط

стр. 9

وَألف السَّيِّد مُحَمَّد بن حسن المتوفي سنة ٨٦٦ هـ مُعْجم الراموز فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَألف الزبيدِيّ المتوفي سنة ١٢٠٥ هـ مُعْجم تَاج الْعَرُوس فِي شرح أَلْفَاظ الْقَامُوس وَألف بطرس البستاني سنة ١٢٨٣ هـ مُعْجم الْمُحِيط وقطر الْمُحِيط وَألف الشرتوني سنة ١٩٠٧ هـ مُعْجم أقرب الْمَوَارِد فِي فصيح الْعَرَبيَّة والشوارد وَألف الْأَب لويس المعلوف حوالي سنة ١٣٢٦ هـ - ١٩٠٨ مُعْجم المنجد وَصدر عَن الْمجمع اللّغَوِيّ سنة ١٣٨٠ هـ - ١٩٦٠ م المعجم الْوَسِيط أَسبَاب تأليف المعاجم كَانَ الْقَصْد من تأليف المعاجم وَكتب اللُّغَة حراسة الْقُرْآن من أَن يقتحمه خطأ فِي النُّطْق أَو الْفَهم وحراسة الْعَرَبيَّة من أَن يقتحم حرمهَا دخيل لَا ترْضى عَنهُ الْعَرَبيَّة وصيانة هَذِه الثروة من الضّيَاع بِمَوْت الْعلمَاء وَمن يحْتَج بلغتهم فاحتيج إِلَى حفظ الموضوعات اللُّغَوِيَّة بِالْكتاب والتدوين خشيَة الدُّرُوس وَمَا ينشأ عَنهُ من الْجَهْل بِالْقُرْآنِ والْحَدِيث فشمر كثير من أَئِمَّة اللِّسَان لذَلِك

стр. 10

وأملوا فِيهِ الداوين وَلما كَانَ الْغَرَض الرئيسي لوضع المعجمات هُوَ جمع مُفْرَدَات اللُّغَة ومحاولة إحصائها وَشَرحهَا وَالنَّص على مَعَانِيهَا والاستشهاد لَهَا بمختلف الشواهد الشعرية والنثرية فقد تشعبت للغويين مناهج هَذَا الْعَمَل فَمنهمْ من اخْتَار جمع الْموَاد حسب الْأَلْفَاظ مُرَتبا إِيَّاهَا ترتيبه الْخَاص وَمِنْهُم من رأى جمع الْموَاد حسب الموضوعات مبوبا لَهَا حسب الْمعَانِي وَقد اخْتلفت طرق التَّرْتِيب لَدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَذَهَبت الطَّائِفَة الأولى إِلَى تَرْتِيب الْأَلْفَاظ على مخارج الْحُرُوف اَوْ على الْحُرُوف الهجائية ناظرة إِلَى الْحَرْف الأول للفظة أَو الْحَرْف الْأَخير لَهَا أَو كليهمَا وَذَهَبت الطَّائِفَة الثَّانِيَة إِلَى إِيرَاد الْأَلْفَاظ الْخَاصَّة بالموضوع الْمَعْقُود لَهُ الْبَاب والاستشهاد بِكُل مِنْهَا أَو لبعضها أَو إِلَى إِيرَاد النُّصُوص الشعرية الْخَاصَّة بِالْبَابِ واستخراج الْأَلْفَاظ وَشَرحهَا تطور النّظم الَّتِي سَارَتْ عَلَيْهَا المعاجم فِي اللُّغَة إِن مُؤَلَّفِي المعجمات الأول هم رواد التَّأْلِيف المعجمي فِي الْعَرَبيَّة ومعاجمهم الطَّلَائِع الأولى وَهِي الَّتِي وضعت كل قَوَاعِد المعجم الْعَرَبِيّ ومعاجم هَؤُلَاءِ الرواد لم تبقى لمن بعدهمْ جَدِيدا فِي تَرْتِيب الْموَاد إِلَّا فِي حالات لَا تعد جدَّتهَا ابتكارا وعَلى هَذَا فَإِن الْمدَارِس اللُّغَوِيَّة أَربع لكل مِنْهَا نظام خَاص ومنهج خَاص وشخصية خَاصَّة وسنوجز الْكَلَام عَن هَذِه الْمدَارِس وخصائصها بِقدر

стр. 11

الْإِمْكَان حَيْثُ أَن الإطالة فِي هَذَا الْمَوْضُوع لَيست من خصوصيات بحثنا بِقدر مَا نروم إِلَى تَعْرِيف الْقَارئ بكيفية تطور المعاجم ١ - مدرسة التقليبات وَقد أسس بنيانها الْخَلِيل بن أَحْمد الفراهيدي وأحرز بهَا قصب السَّبق فِي التَّأْلِيف المعجمي ويقصد مِنْهَا جمع الْكَلِمَات المكونة من حُرُوف وَاحِدَة تَحت نطاق وَاحِد وَقد تفرعت هَذِه الْمدرسَة إِلَى شعبتين أ - شُعْبَة التقليبات الصوتية وتنسب للخليل فِي الْعين وَأَبُو عَليّ القالي فِي البارع والأزهري فِي التَّهْذِيب والزبيدي فِي مُخْتَصر الْعين والصاحب بن عباد فِي الْمُحِيط وَابْن سَيّده فِي الْمُحكم وَهَذِه الشعبة تجمع الْكَلِمَات المتحدة الْحُرُوف وتجعلها فِي نطاق وَاحِد مَعَ مُلَاحظَة النَّاحِيَة الصوتية وَهِي وَضعهَا تَحت أبعد الْحُرُوف مخرجا وَمن عُيُوب هَذِه الشعبة الصوتية الْبَحْث عَن طريقها ب - شُعْبَة التقليبات الهجائية وَقد أرسى دعائمها ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة وَابْن فَارس فِي المقاييس والمجمل وَهِي تجمع الْكَلِمَات المتحدة الْحُرُوف تَحت نطاق وَاحِد ملاحظا وَضعهَا تَحت أول الْحُرُوف فِي التَّرْتِيب الهجائي ٢ - مدرسة القافية وَهِي تنظر إِلَى الْحَرْف الْأَخير فِي الْكَلِمَة وتجعله بَابا والحرف الأول وتجعله فصلا وَيعْتَبر الصِّحَاح للجوهري أشهر مُعْجم عَرَبِيّ حقق أَمريْن أساسيين من تأليف المعاجم وهما الْتِزَام الصَّحِيح من الْأَلْفَاظ وتيسير الْبَحْث عَن الْموَاد وَقد أَشَارَ

стр. 12

إِلَى هَذَا الْمنْهَج فِي قَوْله أودعت هَذَا الْكتاب مِمَّا صَحَّ عِنْدِي من هَذِه اللُّغَة على تَرْتِيب لم أسبق إِلَيْهِ وتهذيب لم أغلب عَلَيْهِ فِي ثَمَانِيَة وَعشْرين بَابا وكل بَاب مِنْهَا ثَمَانِيَة وَعشْرين فصلا على عدد حُرُوف المعجم وترتيبها ... . . الخ وَقد اتبع هَذِه الْمدرسَة الفيروز أبادي فِي قاموسه وَابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب وَمُحَمّد بن حسن فِي الراموز والزبيدي فِي تَاج الْعَرُوس وميرزا الشِّيرَازِيّ فِي معيار اللُّغَة وتعد هَذِه الْمدرسَة حَدثا ضخما فِي التَّأْلِيف المعجمي دَعَا إِلَيْهِ انتشار الشّعْر وَغَلَبَة السجع والحرص على الصَّحِيح وَالْقَضَاء على الِاضْطِرَاب ٣ - مدرسة الأبجدية العادية نظمت الْكَلِمَات فِي هَذِه الْمدرسَة حسب أَولهَا وَثَانِيها وَثَالِثهَا وَهِي طَريقَة سهلة وَلَا زَالَت مستعملة إِلَى الْآن وَالَّتِي حملت راية التَّيْسِير على الباحث وَتعْتَبر حَدثا جَدِيدا بالاهتمام فِي المعاجم الْعَرَبيَّة وَقد اتبع هَذِه الْمدرسَة الزَّمَخْشَرِيّ فِي أساسه والفيومي فِي مصباحه وَصَاحب مُخْتَار الصِّحَاح وَالْأَب لويس المعلوف وَغَيرهم

стр. 13

دراسة فِي مُقَدّمَة الراموز اتخد المُصَنّف مُخْتَار الصِّحَاح أساسا لكتابيه الْجَامِع والراموز فقد استطال مَا فِي الصِّحَاح من أَمْثَال وشواهد وأنساب وأطناب فَكَانَ الدَّاعِي إِلَى تأليفه الِاخْتِصَار والإيجاز مَعَ الِاسْتِيفَاء فَيَقُول إِن كتاب الصِّحَاح كتاب فاخر وبحر أمواج زاخر لَكِن لما فِيهِ من تَطْوِيل وإطناب بإيراد كثير مِمَّا يسْتَغْنى عَنهُ فِي الْأَمْثَال والشواهد والأنساب واستقل مَا فِي مُخْتَار الرَّازِيّ وخاصة أَنه ترك بعض الْأُمُور اللُّغَوِيَّة اللَّازِمَة فَيَقُول وَاخْتصرَ بعض الْفُضَلَاء وَلكنه أخل كَمَا أَن الأَصْل أسهب وأمل وَزَاد فِيهِ فَوَائِد مِمَّا سمحت قريحته الوقادة وطبيعته النقادة وَإِن كَانَ بعضه مِمَّا يُجَاب كلما أَشرت إِلَيْهِ فِي أثْنَاء الْكتاب فَأَرَادَ أَن يَأْتِي بالمختار ويضيف إِلَيْهِ مَا أهمله وَفعل ذَلِك فِي الْجَامِع الَّذِي أتمه عَام ٨٥٤ هـ وَقد سمع عَمَّا فِي الصِّحَاح من تَصْحِيف وأوهام فَكَانَ تخليصه الأخطاء والأوهام دَاعيا آخر يضم إِلَى الدَّاعِي الأول قَالَ حَتَّى انتشرت النُّسْخَة بَين الإخوان فَكَانَ يحك فِي صَدْرِي ويحز فِي قلبِي مَا سَمِعت من غير وَاحِد من الْعلمَاء الموثوق بهم أَن مَا نَقله الْجَوْهَرِي مطعون وَكتابه بِخِلَاف الصَّوَاب مشحون وَرَأَيْت أَن مَا نقلته من صَاحب الْمُخْتَصر وَمَا اطَّلَعت عَلَيْهِ بتكرار

стр. 14

الْ مُرَاجَعَة وترداد الْفِكر لَيْسَ مِمَّا يُؤمن متانته ويوفي قوته ويطأطأ شَأْنه ويضعضع أَرْكَانه فَأحب أَن يبين ذَلِك فبحث حَتَّى عثر على قَامُوس الْمُحِيط فَسَار على هَذَا الْهَدْي فِي الراموز فقد اعْتمد فِي تصويب الأخطاء على الْقَامُوس للفيروز أبادي حَيْثُ قَالَ وَمَا زلت أسأَل الله أَن يطلعني على مَوَاضِع عَلمته واستكشف مكامن ظلمته حَتَّى وفقني الله تَعَالَى إِلَى المطالعة فِي الْقَامُوس وَهُوَ كتاب كَأَنَّهُ نَشأ من وَحي الناموس وَلم يكتف بالقاموس فِي تَصْحِيح الأخطاء فقد صرح الْمُؤلف بِمَا زَاده من أُمُور أُخْرَى من الْقَامُوس الْمُحِيط فَقَالَ وألحقت بِهِ أَيْضا مَا اطَّلَعت فِيهِ من اللُّغَات الَّتِي فَاتَتْهُ عَمَّن نقلت عَنْهُم إِمَّا مَادَّة أَو الْمعَانِي غَرِيبَة نادرة مِمَّا لابد مِنْهُ فِي استنباط مَعَاني الحَدِيث وَالْأَخْبَار واستخراج مَا وَقع فِي غَرِيب الْآثَار والأشعار ونقلت عَنهُ أَسمَاء الْمُحدثين ونسبهم الْوَاقِعَة فِي الْأَسَانِيد بتصحيح ألفاظها من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ مُرَاجعَة من أهم مراجعه كتب الْغَرِيب الَّذِي اعْتمد عَلَيْهَا فِي ذكر الْغَرِيب الَّذِي فَاتَ الْجَوْهَرِي حَيْثُ قَالَ ثمَّ ألحقت بِهِ غرائب ألفيتها فِي الْمغرب للمطرزي وعثرت عَلَيْهَا فِي الْفَائِق للزمخشري وَالنِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير أبي السعادات الْجَزرِي والقاموس للفيروز أبادي وَغير ذَلِك من المراجع وَهِي كَثِيرَة

стр. 15

الاستطراد ودواعيه يُلَاحظ من خلال هَذِه المراجع شدَّة عنايته بِمَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ كَمَا يظْهر ذَلِك فِي كَلَامه عَن الْقَامُوس وَهَذَا مُخَالف لهدف الِاخْتِصَار وَلكنه يَدعِي أَن ذَلِك كَانَ لهدف بَيَان معنى وتوضيحه وَيظْهر ذَلِك فِي قَوْله التَّالِي وَبسطت الْكَلَام بعض الْبسط فِي بَيَان الْأَحَادِيث وتفسيرها فِيمَا لَا ينحى نَحْو بدائعه بِمُجَرَّد معرفَة متن اللُّغَة وتقريرها فأشرت إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من تَأْوِيل وَمَا لَا بُد من خوف وإضمار دَلِيل بِحَيْثُ إِذا وقف النَّاظر عَلَيْهَا يقف على نظائرها بِأَدْنَى تفكر وتيسر لَهُ الْوُصُول إِلَى مرموزاتها بِيَسِير التَّدْبِير خطته وَأَشَارَ إِلَى الخطة الَّتِي سَار عَلَيْهَا فِي قَوْله وسلكت مهما أمكن طَرِيق الِاخْتِصَار وشعبت ترصيع التقصار وشذبت الْكَلَام بتقليل الْأَلْفَاظ وتكثير الْمعَانِي وهذبته بالإشارات الْمُوَضّحَة المرام لتشييد المباني فأشرت إِلَى قَول الله تَعَالَى وَإِلَى الْقُرْآن بحرق ق وَإِلَى الحَدِيث بِحرف ح وَإِلَى الْأَثر بِحرف ر وَإِلَى الْجمع بِحرف ج وَإِلَى الْموضع بِحرف ع وَإِلَى الْجَبَل بِحرف ل وَإِلَى تَأْنِيث الصِّفَات الَّتِي تجْرِي على مذكرها بهاء بحرفي ثه مَعْنَاهُمَا الْمُؤَنَّث بهاء والى اسْم رجل بحرفي سم وأشرت بحرفي عز إِلَى يتَعَدَّى وَيلْزم واكتفيت بِذكر صِيغَة الْفِعْل ثلاثيا

стр. 16

اَوْ غَيره عَن إِيرَاد مَا اطرد من المصادر وَالصِّفَات إِلَّا فِي مَوَاضِع الالتباس أَو فِي مجَال يحيد عَن سنَن الْقيَاس وآثرت فِي الْأَفْعَال طَرِيق الْمَاضِي الْغَائِب على الْمُتَكَلّم لقصرها لفظا وَكِتَابَة إِلَّا فِي المعتل بَيَانا لأصل الْكَلم فجَاء بِحَمْد الله كتابا جَامعا للفوائد خَالِيا عَن الزَّوَائِد مُسَمّى بالراموز لكَونه مجمع أَنَّهَا الرموز فقد وَافق أُسَمِّهِ مَعْنَاهُ وطابق مُسَمَّاهُ هَذَا واستخدام الراموز فِي الْعَمَل المعجمي لَيْسَ شَيْئا جَدِيدا من ابتكار صَاحب الراموز فقد سبقه إِلَى ذَلِك الفيروز أبادي وَإِن كَانَ قد أَتَى بالجديد فِي هَذَا المجال ويتمثل فِي هَذِه الرموز الَّتِي لَا نجد لَهَا شَبِيها عِنْد الفيروز أبادي ق ح ر ل ثه سم عز وأوضح مَا يقوم عَلَيْهِ الْكتاب أَمْرَانِ الزِّيَادَة والاختصار أما النَّقْد فضعيف بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وتتمثل الزِّيَادَة فِي عدَّة ظواهر زِيَادَة مواد وصيغ وألفاظ وَمَعَان فِي الْموَاد الَّتِي ذكرهَا الْجَوْهَرِي وَهُوَ أبرز أَنْوَاع الزِّيَادَة فِي الْكتاب لَا تكَاد تَخْلُو مِنْهُ مَادَّة وَالْأَحَادِيث والأعلام وخاصة أَعْلَام الْفُقَهَاء والمحدثين وَكَانَ يزيدها فِي آخر الْموَاد ويتمثل الِاخْتِصَار فِي حذف الشواهد الشعرية الَّتِي ذكرهَا الْجَوْهَرِي وَأَسْمَاء اللغويين مَعَ احتفاظه بأقوالهم وَإِن تجَاوز أَحْيَانًا عَمَّا جَاءَ مِنْهَا فِي زياداته والأوزان وَالْأَحْكَام والتعليلات اللُّغَوِيَّة والنحوية والصرفية الَّتِي كَانَ هم مختصري الصِّحَاح حذفهَا فِي الْغَالِب وتغيير عبارَة النَّص وترتيب أَلْفَاظ الْمَادَّة بِحَيْثُ تُعْطِي مَا فِي

стр. 17

الصِّحَاح بأقصى سِيَاق وَمن خلال مَا تعرفنا عَلَيْهِ من مَنْهَج صَاحب الراموز فِي مُعْجَمه نستطيع أَن نقُول أَن الراموز أَكثر انتظاما من الصِّحَاح فِي إِيرَاد أَلْفَاظه ومعانيه وَأكْثر مواد وصيغا ومعاني وَأكْثر صِيغَة فقهية حَدِيثِيَّةٌ وَلكنه أخل بالشعر إخلالا كَبِيرا وَضعف النَّقْد عِنْده وَاعْتمد فِيهِ على الْمجد والرازي

стр. 18

الرجل حَيَاته وآثاره اسْمه تذكر الْكتب الَّتِي رجعت إِلَيْهَا أَن اسْم الْمُؤلف السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد حسن وَقيل السَّيِّد مُحَمَّد بن حُسَيْن وَالْمُصَنّف نَفسه ذكر هَذَا فِي مُقَدّمَة الراموز حَيْثُ قَالَ يَقُول المفتقر إِلَى الله ذِي المنن السَّيِّد مُحَمَّد بن حسن ... أما عَن اسْم جده فقد اخْتلفُوا فِيهِ فبعضهم يُسَمِّيه عليا وَبَعْضهمْ يُسَمِّيه حسن بن عَليّ وَالْبَعْض الآخر يُسَمِّيه حسن الشريف بن حسام الدّين حَيَاته لم تذكر لنا المراجع شَيْئا يذكر عَن ذَلِك لِأَن السَّيِّد مُحَمَّد بن حسن كَانَ مغمورا لم يَأْخُذ حَظه من الشُّهْرَة وكل مَا ذكره المستشرق الألماني كارل برولكمان أَن الْمُؤلف أكمل كِتَابه الراموز فِي بَلَده أدريانوبل سنة ٨٥٤ هـ ١٤٥٠ م ويذكرون أَيْضا أَنه مَاتَ بِالطَّرِيقِ إِلَى مَكَّة حَاجا إِلَى هُنَا وتلتزم المراجع التاريخية الصمت وَلَيْسَ لنا أَن نَذْهَب إِلَى ابعد من ذَلِك

стр. 19

ولأننا لَا نكاد نعلم شَيْئا محققا عَن حَيَاة المُصَنّف فَلَا نستطيع أَن التعرف على أساتذته وشيوخه وكل مَا نعرفه هُوَ مراجعه الَّتِي نقل عَنْهَا كالصحاح للجوهري وَالْفَائِق للزمخشري وَالنِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير وَالْمغْرب للمطرزي والقاموس للفيروز أبادي مذْهبه الفقهي أَسْتَطِيع الْجَزْم بِأَن المُصَنّف كَانَ حَنَفِيّ الْمَذْهَب بِدَلِيل أَنه نقل آراء الْفُقَهَاء عَن المطرزي وَهُوَ من عُلَمَاء الأحناف فَإِذا نقل رَأيا آخر يخْتَلف مذْهبه صرح باسم الْمَذْهَب الَّذِي نقل عَنهُ مذْهبه النَّحْوِيّ من خلال استعراض مسَائِل النَّحْو وَالصرْف الَّتِي وَردت فِي الْكتاب يَبْدُو لنا أَن المُصَنّف كَانَ ينتهج الْمَذْهَب الْبَصْرِيّ متحمسا لَهُ ويتضح لنا ذَلِك من استعراض بعض الْأَمْثِلَة ١ - قَالَ فِي مَادَّة فلل وَقَوْلهمْ فِي النداء يَا فل مَحْذُوف يَا فلَان لَا على سَبِيل التَّرْخِيم قَالَ الْجَوْهَرِي لَو كَانَ مرخما لقالوا يَا فَلَا أَقُول تَعْلِيله هَذَا غير تَامّ لِأَنَّهُ جعل الْبَاقِي اسْما بِرَأْسِهِ فِي التَّرْخِيم وَمذهب بعض النَّحْوِيين على أَن بَعضهم قَالُوا أَنه مرخم حذفت الْألف بعد التَّرْخِيم للتَّخْفِيف وَإِن كَانَ الصَّحِيح خِلَافه وَالْوَجْه الصَّحِيح مَا ذكره الْجَزرِي هُوَ أَنه لَا يُقَال إِلَّا بِسُكُون اللَّام وَلَو كَانَ ترخيما لفتحوها أَو ضموها اه فَالرَّأْي الَّذِي ذكره فِي صدر الْعبارَة هُوَ مَذْهَب أهل الْبَصْرَة

стр. 20

وَقَوله بعض النَّحْوِيين يقْصد الْكُوفِيّين وَقد خطأهم كَمَا رَأينَا ٢ - قَالَ فِي مَادَّة لَهُم اللَّهُمَّ مَعْنَاهُ يَا الله وَالْمِيم عوض من حرف النداء وَالْمَعْرُوف أَن هَذَا مَذْهَب أهل الْبَصْرَة أما الْكُوفِيّين فيرون أَن الْمِيم الْمُشَدّدَة فِي اللَّهُمَّ لَيست عرضا من يَا الَّتِي للتّنْبِيه فِي النداء وَفَاته الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَن السَّيِّد مُحَمَّد بن حسن مَاتَ سنة ٨٦٦ هـ مؤلفاته ذكر المُصَنّف فِي مُقَدّمَة الراموز أَن لَهُ كتابا يُسمى الْجَامِع جَامع اللُّغَة الَّذِي بنى عَلَيْهِ كتاب الراموز وكلا الْكِتَابَيْنِ على الصِّحَاح وذكرهما أَيْضا حاجي خَليفَة والأستاذ عبد الغفور عطار وكارل بروكلمان

стр. 21

الْفَصْل الثَّانِي الدراسة اللُّغَوِيَّة أ - اللهجات تَعْرِيف اللهجة اللهجة فِي الِاصْطِلَاح العلمي الحَدِيث هِيَ مَجْمُوعَة من الصِّفَات اللُّغَوِيَّة تنتمي إِلَى بيئة خَاصَّة أَو هِيَ قيود صوتية تلحظ عِنْد أَدَاء الْأَلْفَاظ فِي بيئة مُعينَة ويشترك فِي هَذِه الصِّفَات جَمِيع أَفْرَاد البيئة وبيئة اللهجة هِيَ جُزْء من بيئة أوسع وأشمل تضم عده لهجات لكل مِنْهَا خصائصها وَلكنهَا تشترك جَمِيعًا فِي مَجْمُوعَة من الظَّوَاهِر اللُّغَوِيَّة الَّتِي تيَسّر اتِّصَال أَفْرَاد هَذِه البيئات بَعضهم بِبَعْض وَإِذا أردنَا تنَاول اللهجات فِي الراموز فيمكننا أَن نقسمها إِلَى قسمَيْنِ الْقسم الأول وَهُوَ مَا لم تنْسب فِيهِ اللهجة إِلَى قَبيلَة مُعينَة وَهُوَ الْقسم الْأَكْبَر أما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ مَا نسبت فِيهِ اللهجة إِلَى قَبيلَة بِعَينهَا وَهُوَ يتَمَثَّل الْقسم الْأَصْغَر

стр. 22

الْقسم الأول اللهجات غير المنسوبة وَهُوَ مِمَّا يُؤْخَذ على المُصَنّف إهماله نِسْبَة هَذَا الْجُزْء الْكَبِير من اللهجات إِلَى أَصْحَابهَا وَهَذِه عَادَة لمعظم المعجمين وَلَو فعلوا ذَلِك لأفادوا اللُّغَة الْعَرَبيَّة كثيرا ونستطيع أَن نجمل مَنْهَج صَاحب الراموز فِي إِيرَاد اللهجات غير المنسوبة إِلَى مَا يَلِي أ - درج المُصَنّف فِي كثير من الأحيان على أَن يَكْتَفِي بقوله كَذَا لُغَة فِي كَذَا وَمن أَمْثِلَة ذَلِك ١ - قَوْله فِي مَادَّة جيل الْحِيَل لُغَة فِي الْحول ٢ - فِي مَادَّة صيل قَالَ صال كباع لُغَة فِيهِ كقال ٣ - فِي مَادَّة أجن قَالَ الأجنة مُثَلّثَة لُغَة فِي الوجنة ٤ - فِي مَادَّة حكى قَالَ حكى عَنهُ الْكَلَام يَحْكِي حِكَايَة ويحكو لُغَة ٥ - فِي مَادَّة صهى قَالَ صهى الْجرْح كَقطع ندى وكفهم لُغَة

стр. 23

٦ - فِي مَادَّة ذأى قَالَ ذأى البقل لُغَة فِي ذوى ٧ - فِي مَادَّة رَبًّا قَالَ الربية بِالضَّمِّ لُغَة فِي الربو ب - وَأَحْيَانا كَانَ المُصَنّف يجمع مَا ورد من اللهجات فِي اللَّفْظ الْوَاحِد نَظِير ١ - فِي مَادَّة شَمل قَالَ الشمَال بِالْفَتْح الرّيح الَّتِي تهب من نَاحيَة القطب وَلَا تكَاد تهب لَيْلًا ... وفيهَا ثَمَان لُغَات ثمَّ أَخذ المُصَنّف يعدد هَذِه اللُّغَات ذَاكِرًا لَهَا ضوابط من الْأَلْفَاظ حَتَّى يَسْتَطِيع الْقَارئ أَن يقف عَلَيْهَا ٢ - فِي مَادَّة علل قَالَ وعل وَلَعَلَّ لُغَتَانِ ٣ - ويلاحظ أَنه فِي مَادَّة غنن قَالَ وغن لُغَة فِي عَن بِمَعْنى لَعَلَّ ٤ - فِي مَادَّة نعم قَالَ وَنعم وَبئسَ فعلان ماضيان الأَصْل نعم كعلم ثمَّ قيل نعم بِاتِّبَاع الكسرة الكسرة ثمَّ طرحت الثَّانِيَة وَالنُّون مَكْسُورَة وَقد يفتح فَهِيَ أَربع لُغَات ٥ - فِي مَادَّة هيه قَالَ ... هَيْهَات كلمة تبعيد فِيهَا أحدى

стр. 24

وَخَمْسُونَ لُغَة أهـ وَمن الملاحظ أَن صَاحب الراموز قد تبع صَاحب الْقَامُوس فِي تَحْدِيد اللُّغَات فِي هَيْهَات بِإِحْدَى وَخمسين ٦ - فِي مَادَّة لتا قَالَ اللتا بِحَذْف النُّون وَفِي جمعه خمس لُغَات اللَّاتِي وَاللات واللواتي واللوات واللوا ... ٧ - فِي مَادَّة لذِي قَالَ الَّذِي اسْم مُبْهَم ... وَفِيه أَربع لُغَات الَّذِي واللذ بِكَسْر الذَّال وسكونها وَالَّذِي ٨ - وَفِي الْمَادَّة ذَاتهَا قَالَ وَالَّذِي بشد الْيَاء وَفِي تثنيته ثَلَاث لُغَات ٩ - وَفِي الْمَادَّة ذَاتهَا قَالَ واللذا بِحَذْف النُّون وَفِي جمعه لُغَتَانِ ج - وَمِمَّا يحْسب فِي حَسَنَات المُصَنّف أَنه أَحْيَانًا كَانَ يحكم على اللُّغَة صِحَة أَو ضعفا فنراه - فِي مَادَّة نقل يَقُول بِأَن الضَّم فِي النَّقْل لُغَة ضَعِيفَة وَأَحْيَانا يعبر عَن اللُّغَة بالرداءة

стр. 25

- يَقُول فِي مَادَّة وَحل الوحل الطين الرَّقِيق والتسكين لُغَة رَدِيئَة وَتارَة يعبر عَن اللهجة بِأَنَّهَا مُنكرَة - يَقُول فِي مَادَّة طمم طمطمانية حمير مَا فِي لغتها من الْكَلِمَات الْمُنكرَة وَأُخْرَى يعبر عَن اللهجة بِأَنَّهَا من كَلَام الْعَامَّة - فِي مَادَّة فَأم قَالَ والفئام الْجَمَاعَة من النَّاس لَا وَاحِد من لَفظه والعامة لَا تهمزه وَأما اللُّغَة الصَّحِيحَة فَكَانَ دَائِما يعبر عَنْهَا بالفصاحة - قَالَ فِي مَادَّة هَلُمَّ ولغة الْحجاز وَأهل نجد يَقُولُونَ هَلُمَّ وهلما وهلموا وهلمي وهلمن وَالْأول أفْصح وَمن دفاعه عَن الْجَوْهَرِي فِي هَذَا المجال مَا ذكره فِي مَادَّة قصعل فقد غلط الصغاني الْجَوْهَرِي فِي ذكره اللَّفْظ بِالْقَافِ مصوبا أَنه بِالْفَاءِ قَالَ المُصَنّف وَغلط الصغاني فِي تغليط الْجَوْهَرِي بقوله وَالصَّوَاب بِالْفَاءِ لِأَنَّهُمَا لُغَتَانِ فصيحتان فِي الْمَعْنيين ومعنا اللَّئِيم

стр. 26

الْقسم الثَّانِي اللهجات المنسوبة وَقد أورد المُصَنّف هَذِه اللهجات فِي نواحي مُتعَدِّدَة ومختلفة فِيمَا يَلِي بَيَان صورتهَا أ - وَيُمكن القَوْل أَن المُصَنّف فِي هَذَا المجال كَانَ يَكْتَفِي بِذكر اللهجة منسوبة إِلَى أَهلهَا كَأَن يَقُول - فِي مَادَّة رفل قَالَ الرفل الذيل لُغَة يَمَانِية - فِي مَادَّة فوم قَالَ الفوم الثوم والحمص لُغَة شامية - فِي مَادَّة لغن قَالَ وَبَعض بني تَمِيم يَقُول لغنك بِمَعْنى لَعَلَّك لَعَلَّك - فِي مَادَّة سرى قَالَ وَأسرى لُغَة أهل الْحجاز - فِي مَادَّة عتى قَالَ وعتى لُغَة هُذَيْل فِي حَتَّى - فِي مَادَّة نهى قَالَ النَّهْي بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح الغدير فِي لُغَة أهل نجد

стр. 27

فِي الْألف اللينة فِي آخر الْكتاب قَالَ واللينة تكون ضميرا لاثْنَيْنِ فِي الْأَفْعَال وعلامة التَّثْنِيَة فِي الْأَسْمَاء وتقلب واوا فِي لُغَة أهل الْحجاز وَيُقَال لَا بَأْس بقتل الأفعو ... الخ ب - وَإِذا شكّ المُصَنّف فِي اللَّفْظَة بَين شكه فِي ذَلِك بِأَن يَقُول مثلا فِي مَادَّة زلل قَالَ الزلة السقطة عراقية أَو عامية ج - وَأَحْيَانا يتَعَرَّض لبَعض خَصَائِص اللهجات - فقد قَالَ فِي مَادَّة وصل وَكَانَ اسْم نبله ع م الموتصلة تفاؤلا بوصالها إِلَى الْعدَد وَهِي لُغَة قُرَيْش فَإِنَّهُم لَا يدغمون الْوَاو فِي التَّاء - وَفِي مَادَّة حيى قَالَ استحيت بياء وَاحِدَة أَصله بياءين حذفت إِحْدَاهمَا للتَّخْفِيف وَهَذِه لُغَة حجازية وبياء وَاحِدَة تميمية المثلثات يُمكن أَن يُضَاف إِلَى اللهجات مَا يُسمى فِي علم الْعَرَبيَّة بالمثلثات وَهِي الْأَلْفَاظ الَّتِي اخْتلف ضَبطهَا على ثَلَاث صور مَعَ الِاتِّفَاق أَو الِاخْتِلَاف فِي الْمَعْنى

стр. 28

وَالَّذِي يدْخل مَعنا هُنَا هِيَ المثلثات المتفقة الْمَعْنى وَهِي كَثِيرَة جدا فِي الراموز مِمَّا يدل على عناية المُصَنّف بِجمع اللهجات الْكَثِيرَة فنجده مثلا - فِي مَادَّة جلل يَقُول الجلة مُثَلّثَة البعر أَي بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وَضمّهَا - فِي مَادَّة غزل يَقُول المغزل مثلثلة الْمِيم مَا يغزل بِهِ - فِي مَادَّة تمم يَقُول تمّ الشَّيْء يتم بِالْكَسْرِ وتماما مثلثين - فِي مَادَّة أجن يَقُول الأجنة مُثَلّثَة لُغَة الوجنة - فِي مَادَّة نبه نَص على تثليث الْفِعْل نبه فِي قَوْلهم نبه الرجل أَي شرف - فِي مَادَّة دوا يَقُول الدَّوَاء مُثَلّثَة وَاحِد الْأَدْوِيَة - فِي مَادَّة رغو يَقُول الرغوة مُثَلّثَة زبد اللَّبن

стр. 29

- فِي مَادَّة لمى يَقُول اللمى مُثَلّثَة اللَّام سَمُرَة فِي الشّفة وطبيعي أَن هَذَا النَّوْع من المثلثات يرجع إِلَى اخْتِلَاف اللهجات فقد كَانَت قَبيلَة من الْعَرَب تفضل الضَّم وَأُخْرَى تُؤثر الْكسر وثالثة تنطق بِالْفَتْح وَمن المستبعد أَن تنطق قَبيلَة وَاحِدَة اللَّفْظ الْوَاحِد على صور مُخْتَلفَة لفائدة غير الْعَبَث الَّذِي تنزه عَنهُ الْعَرَب الْعُقَلَاء إِذْ مَا الْفَائِدَة فِي نطق اللَّفْظ على صور عديدة إِلَّا أَن يكون الْقَصْد التلاعب بالألفاظ من الْعَرَبِيّ الَّذِي عرف بالجدية والخشونة وَلَكنَّا نرى الْعلمَاء قد نسبوا بعض هَذِه الْأَلْفَاظ إِلَى قبائلها فنجدهم يَقُولُونَ مثلا أَن الْقرح بِالْفَتْح لُغَة أهل الْحجاز وبالضم لُغَة التميمين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن يمسسكم قرح فقد مس الْقَوْم قرح مثله﴾ ب - الْإِبْدَال - أَو التَّعَاقُب هُنَاكَ ظَاهِرَة فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة تتمثل فِي حُلُول حرف مَحل حرف أخر من الْكَلِمَة مَعَ الْإِبْقَاء على الْحُرُوف بترتيبها وهيئتها وَدلَالَة اللَّفْظ دون تَغْيِير هَذِه الظَّاهِرَة اخْتلف الْعلمَاء فِي تَسْمِيَتهَا فالقدامى وَكثير من الْمُحدثين يذهبون إِلَى تَسْمِيَتهَا بالإبدال لِأَن الْحَرْف قد أبدل وَحل

стр. 30

مَحَله حرف آخر وَيذْهب ابْن جنى وَبَعض الْمُحدثين إِلَى تَسْمِيَتهَا بالتعاقب أَي أَن أحد الحرفين قد أَتَى عقب الآخر وَحل مَحَله والتسميتان متقاربتان إِلَّا أَن لفظ التَّعَاقُب أدل على مَا حدث فِي اللَّفْظ لِأَن التَّعَاقُب عملية إرادية تحدث فِي الْكَلِمَة بِخِلَاف لفظ الْإِبْدَال الَّذِي يدل على أَن الْحَرْف قد غير عَن قصد وَعمد وَقَالَ أَبُو الطّيب اللّغَوِيّ لَيْسَ المُرَاد بالإبدال أَن الْعَرَب تتعمد تعويض حرف من حرف وَإِنَّمَا هِيَ لُغَات مُخْتَلفَة لمعان متفقة تتقارب اللفظتان لِمَعْنى وَاحِد وَحَتَّى لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا فِي حرف وَاحِد وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن قَبيلَة وَاحِدَة لَا تَتَكَلَّم بِكَلِمَة طورا مَهْمُوزَة وطورا غير مَهْمُوزَة وَلَا بالصَّاد مرّة وبالسين أُخْرَى وَإِنَّمَا يَقُول هَذَا قوم وَذَلِكَ آخَرُونَ وبالإضافة إِلَى ذَلِك فَإِن إِطْلَاق لفظ التَّعَاقُب على تَغْيِير الْحَرْف بالحرف يميزه عَن الْإِبْدَال الصرفي الَّذِي يُغير صُورَة اللَّفْظ وَلَا يحْتَفظ بالصورة الأولى وَلذَا حاول بَعضهم أَن يفرق بَينهمَا فَسَماهُ الْإِبْدَال اللّغَوِيّ لِأَنَّهُ من مبَاحث اللغويين أَو الْإِبْدَال الاشتقاقي لِأَنَّهُ انتزاع لفظ من آخر مَعَ تَغْيِير بعض حُرُوفه بِمَا يقاربها

стр. 31

وَهنا مُلَاحظَة تَنْحَصِر فِي أَن الْإِبْدَال الصوتي يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ فَهُوَ إِمَّا مطرد عِنْد جَمِيع الْعَرَب أَو غير مطرد فالمطرد وَهُوَ الَّذِي إِن وجد شَرطه وَجب تحَققه وَهُوَ الْإِبْدَال كإبدال تَاء الافتعال دَالا فِي ادعا وطاء فِي الطَّرْد وزايان فِي ازان وَكَذَلِكَ التبدلات الصوتية الَّتِي تنَاولهَا عُلَمَاء التجويد كالقلب والإخفاء وإدغام النُّون الساكنة وَنَحْو ذَلِك وَيشْتَرط فِي التبدل الصوتي الَّذِي يُسمى بالتعاقب أَن تكون بَين الصُّورَتَيْنِ المتعاقبتين علاقَة صوتية قَوِيَّة كالقرب فِي الْمخْرج أَو التَّمَاثُل فِي الصِّفَات الصوتية مِثَال الْقرب فِي الْمخْرج مده مدح وبن بل وصراط سراط والصقر السقر وَمِثَال التَّمَاثُل فِي الصِّفَات انات النَّاس والعانت العانس ويلاحظ أَن هَذَا النَّوْع من التبدلات يتَوَقَّف على السماع لِأَن الْمُتَكَلّم لَيْسَ من حَقه ابتداعه فَهُوَ إِذن لَا يَأْخُذ شكل الْقَاعِدَة الْعَامَّة

стр. 32

فقد اشْترط اللغويين فِيهِ أَن يكون بَين الحرفين الْمُبدل والمبدل مِنْهُ نوع من العلاقة الصوتية كَأَن يتقاربا مخرجا أَو صفة فَإِذا لم تكن هُنَا علاقَة فَلَا تَسْتَطِيع إِطْلَاق لفظ التَّعَاقُب عَلَيْهِ يَقُول ابْن سَيّده فَأَما مَا لم يتقارب مخرجا البته فَقيل على حرفين غير متقاربين فَلَا يُسمى بَدَلا وَذَلِكَ فإبدال حرف من حُرُوف الْفَم من حرف من حُرُوف الْحلق وَيُمكن تَقْسِيم مَا ورد فِي الراموز من الْأَلْفَاظ الْخَاصَّة بِهَذَا المجال إِلَى مَا يَأْتِي ١ - إِبْدَال بَين أصوات اللين - قَالَ فِي مَادَّة برهم إِبْرَاهِيم اسْم أعجمي وابراهام وابراهم وابراهم بِحَذْف الْيَاء لُغَات فِيهِ - قَالَ فِي مَادَّة صون وَجعل الثَّوْب فِي صوانه وصيانه مثلثين وَهُوَ وعاؤه الَّذِي يصان فِيهِ قَالَ فِي مَادَّة حكى حكى عَنهُ الْكَلَام يحْكى حِكَايَة ويحكو لُغَة

стр. 33

- قَالَ فِي مَادَّة حلا وحلا وحلوانا بِالضَّمِّ - قَالَ فِي مَادَّة سِتا الستا لُغَة فِي سدى الثَّوْب ٢ - إِبْدَال بَين الْأَصْوَات الحلقية - فِي مَادَّة دره قَالَ دره عَنْهُم وَلَهُم دفع مبدل درا فالإبدال بَين الْهمزَة الْيَاء وهما حلقيان - فِي مَادَّة رمغل قَالَ أرمغل الدمع ارمعل فالإبدال بَين الْعين والغين وهما حلقيان - فِي مَادَّة انن قَالَ أَن لُغَة فِي عَن فالإبدال بَين الْهمزَة الْعين وهما لقيان - فِي مَادَّة نهم قَالَ نهم لُغَة فِي نحم فالإبدال بَين الْهَاء والحاء وهما حلقيان ٣ - الْإِبْدَال بَين الْأَصْوَات الْمُخْتَلفَة - بَين الْمِيم وَالْبَاء نَحْو قَوْله فِي مَادَّة نقم وهم مَيْمُون النقيمة إِبْدَال النقيبة

стр. 34

- فِي مَادَّة زنم قَالَ زنمة مثل زلمة - بَين الْمِيم وَالْبَاء كَقَوْلِه فِي لزم لَازم لُغَة فِي لازب - بَين الْفَاء والثاء كَقَوْلِه فِي مَادَّة فوم الفوم الثوم - فِي مَادَّة فمم قَوْله فَم لُغَة فِي تمّ - بَين الذَّال والثاء فِي مَادَّة حذا قَوْله وحذوته اعطيته وَالتُّرَاب فِي وَجهه حثوته لُغَة أَو إِبْدَال - فِي مَادَّة لعذم كَقَوْلِه تلعذم لُغَة فِي تلعثم بَين النُّون وَاللَّام كَقَوْلِه فِي مَادَّة رفن فرس رفن وَالْأَصْل رفل - بَين الرَّاء وَالسِّين كَقَوْلِه فِي زدا والزدو لُغَة فِي السدو بَين الْيَاء وَالسِّين كَقَوْلِه سدا السادي السَّادِس - ويلاحظ أَن صَاحب الراموز لم يشر فِي كل هَذِه الْأَمْثِلَة إِلَى أَنَّهَا من قبيل الْإِبْدَال بل أَشَارَ إِلَى بَعْضهَا فَقَط - وَمن حَسَنَاته أَنه إِذا شكّ فِي اللَّفْظ أهوَ من قبيل الْإِبْدَال أَو غَيره

стр. 35

نَص على ذَلِك كَقَوْلِه فِي مَادَّة كهل هُوَ كَاهِل بني فلَان أَي عمدتهم فِي الْمُهِمَّات وسندهم فِي الملمات شبهه بكاهل الْبَعِير الَّذِي عَلَيْهِ الْمحمل ويروي من كَاهِل أَي اسن وَصَارَ كهلا وَأنكر أَبُو سعيد الضَّرِير الْكَاهِل وَقَالَ يخلف الرجل فِي أَهله وَمَاله كَاهِن فَأَما أَن تكون اللَّام مبدلة من النُّون أَو أَخطَأ سمع السَّامع فَظن أَنه بِاللَّامِ اهـ وَأَيْضًا فِي مَادَّة حذا قَالَ حذوته أَعْطيته وَالتُّرَاب فِي وَجهه جثوته أَو إِبْدَال أهـ وَقد مر هَذَا الْمثل قبل قَلِيل ج - الْقلب تتمثل هَذِه الظَّاهِرَة اللُّغَوِيَّة فِي تقدم بعض حُرُوف الْكَلِمَة على بعض وَذَلِكَ كَقَوْلِهِم جبذ وجذب وَمَا أطيبه وَمَا أيطبه وَيعرف ذَلِك عِنْد عُلَمَاء التصريف بِالْقَلْبِ المكاني وَعند اللغويين بالاشتقاق الْكَبِير وَتعْتَبر هَذِه الظَّاهِرَة اللُّغَوِيَّة مظْهرا من مظَاهر التنوع اللّغَوِيّ إِذْ فِيهِ يتبادل الصوتان فِي اللَّفْظ الْوَاحِد مكانيهما مَعَ حفاظ اللَّفْظ على دلَالَته وَمَعْنَاهُ

стр. 36

وَقبل أَن نستعرض مَنْهَج صَاحب الراموز فِي الْأَلْفَاظ المقلوبة يجدر بِنَا أَن نشِير إِلَى آراء اللغويين فِي إِثْبَات هَذِه الظَّاهِرَة اللُّغَوِيَّة وَهَذِه الآراء تَدور حول محور وَاحِد ملخصه هُوَ هَل لظاهرة الْقلب المكاني علاقَة باخْتلَاف اللهجات بِمَعْنى هَل كَانَ الْعَرَبِيّ يتَكَلَّم باللغة على أَكثر من صُورَة أم أَن كل صُورَة من هَذِه الصُّور اخْتصّت بهَا قَبيلَة من الْقَبَائِل أما عُلَمَاء اللُّغَة فيرون أَن تَقْدِيم بعض حُرُوف الْكَلِمَة على بعض من قبيل الْقلب وَلَا علاقَة لَهُ باخْتلَاف اللهجات بِمَعْنى أَنه يُمكن أَن تنطق قَبيلَة وَاحِدَة أَو الْعَرَب جَمِيعًا الأَصْل والمقلوب مَعًا يَقُول ابْن دُرَيْد بَاب الْحُرُوف الَّتِي قلبت وَزعم قوم من النَّحْوِيين أَنَّهَا لُغَات ثمَّ جعل يسْرد الْأَمْثِلَة الْكَثِيرَة فاحتسب أَن جبذ وجبذب وَمَا أطيبه وأيطبه وصاقعة وصاعقة واضمحل وامضحل ولبكت الشَّيْء وبكلته وسحاب مكفهر ومكرهف كل هَذَا من قبيل الْقلب وَلَيْسَ من اخْتِلَاف اللُّغَات أما النحويون فيرون أَن تَقْدِيم بعض حُرُوف الْكَلِمَة على بعض يجب أَن لَا يبت فِيهِ إِلَّا بِالنّظرِ إِلَى شَيْء وَهُوَ أَنه إِذا أمكن جعل إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ أصلا وَالْأُخْرَى فرعا بِأَن كَانَت إِحْدَاهمَا أَكثر تَصرفا من الْأُخْرَى وَأكْثر اسْتِعْمَالا فَهَذَا يعْتَبر من قبيل الْقلب المكاني وَإِذا لم يكن ذَلِك كَانَا جَمِيعًا أصلين لَيْسَ أَحدهمَا مقلوبا من الآخر يَقُول ابْن جنى فِي بَاب الاصلين يتقاربان فِي التَّرْكِيب بالتقديم التَّأْخِير اعْلَم أَن كل لفظين وجد فيهمَا تَقْدِيم وَتَأْخِير فَأمكن أَن

стр. 37

يكون جَمِيعًا أصلين لَيْسَ أَحدهمَا مقلوبا عَن صَاحبه فَهُوَ الْقيَاس الَّذِي لَا يجوز غَيره وان لم يكن ذَلِك حكمت بِأَن أَحدهمَا مقلوب عَن صَاحبه ثمَّ أريت أَيهمَا الأَصْل وَأيهمَا الْفَرْع ... فَمَا تركيباه أصلان لَا قلب فيهمَا قَوْلهم جذب وجبذ لَيْسَ أَحدهمَا مقلوبا عَن صَاحبه وَذَلِكَ أَنَّهُمَا جَمِيعًا يتصرفان تَصرفا وَاحِدًا ... فان جعلت مَعَ هَذَا أَحدهمَا أصلا لصَاحبه فسد ذَلِك لِأَنَّك لم فعلته لم يكن أَحدهمَا أسعد بِهَذِهِ الْحَال من الآخر فَإِذا وقفت الْحَال بَينهمَا وَلم يُؤثر بالمزية أَحدهمَا وَجب أَن يتوازيا وَأَن يمثلا بصفحتيهما مَعًا وَكَذَلِكَ مَا هَذِه سَبيله فان قصر أَحدهمَا عَن تصرف صَاحبه وَلم يُسَاوِيه فِيهِ كَانَ أوسعهما تَصرفا أصلا لصَاحبه وَذَلِكَ كَقَوْلِهِم أَنى الشَّيْء يأنى وَأَن يئين فان مقلوب عَن أَنى وَالدَّلِيل على ذَلِك وجودل مصدر أَنى يأني وَهُوَ الأنى وَلَا تَجِد لآن مصدرا ... وَمثل ذَلِك فِي الْقلب قَوْلهم أَيِست من كَذَا فَهُوَ مقلوب يئست لأمرين ذكر أَبُو عَليّ أَحدهمَا وَهُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ من أَن أَيِست لَا مصدر لَهُ وَإِنَّمَا الْمصدر ل يئست وَهُوَ الْيَأْس واليأسة مناقشته يعْتَبر رَأْي اللغويين مجانبا للصَّوَاب حَيْثُ حكمُوا على مَا ورد بعض حُرُوفه مقدما على بعض بِأَنَّهُ من قبيل الْقلب وَذَلِكَ لِأَن بعض

стр. 38

هَذِه الْأَلْفَاظ روتها لنا المعاجم على أَنَّهَا من قبيل اخْتِلَاف اللهجات فقد ورد أَن اضمحل لُغَة جُمْهُور الْعَرَب وامضحل لُغَة بني كلاب مَعَ أَنَّهُمَا عِنْد اللغويين من قبيل الْقلب وَمَعَ ذَلِك نجد أَن هَذَا النَّقْل يدل دلَالَة وَاضِحَة على عدم اسْتِقْرَار فكرة اللغويين على الْقلب عِنْد التطبيق فقد ورد فِي اللِّسَان أَن أكرهف لُغَة فِي أكفهر والمكرهف لُغَة فِي المكفهر وَفِي مَوضِع آخر قَالَ والمكرهف لُغَة فِي المكفهر أَو مقلوبه عَنهُ كَذَلِك يَبْدُو ضعف مَذْهَب النَّحْوِيين وَذَلِكَ لِأَن المقياسين التَّصَرُّف والاستعمال لَا يَصح اتخاذهما أساسا للْحكم للأصالة والفرعية الْقلب فِي الراموز عَنى صَاحب الراموز بِالْقَلْبِ إِلَى حد كَبِير فنراه ينص كلما سنحت الفرصة على مَا هُوَ من قبيل الْقلب وَقد الْتزم فِي هَذَا المجال نسقا وَاحِدًا هُوَ أَن يذكر اللَّفْظ ومقلوبه ناصا على أَن أَحدهمَا مقلوب من الآخر - فِي مَادَّة خيل قَالَ وَهُوَ خَال وخائل وخال على الْقلب

стр. 39

- فِي مَادَّة فتل قَالَ فتله عَن وَجهه صرفه فَانْفَتَلَ قلب لفته - فِي مَادَّة كهم قَالَ التكهم التَّعَرُّض للشر والاقتحام بِهِ وَرُبمَا يجْرِي مجْرى السخرية مقلوب من التهكم فِي مَادَّة طمأن قَالَ وطمأن ظَهره وطأمن على الْقلب - فِي مَادَّة قهقهة قَالَ القهقهة مقلوب الهقهقة فِي السّير - فِي مَادَّة حدي قل وَقَوْلهمْ حادي عشر مقلوب وَاحِد - فِي مَادَّة سأو قَالَ سأه قلب سَاءَهُ وسأوته بِمَعْنى سؤته وَهَكَذَا يسْتَمر المصانف فِي إِيرَاد الْأَلْفَاظ المقلوبة مُشِيرا إِلَى أَنَّهَا من قبيل الْقلب وَهَذَا مِمَّا يعد من حَسَنَاته فإننا نجد بعض اللغويين يذكرُونَ مثل هَذِه الْأَلْفَاظ دونما إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا مَقْلُوبَة كَمَا ذكرنَا قبل قَلِيل

стр. 40

د - التضاد مُقَدّمَة وتعريف فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة كَلِمَات تتَمَيَّز بخاصية مزدوجة تسْتَعْمل على وَجْهَيْن متضادين كَقَوْلِهِم جلل للكبير وَالصَّغِير وللعظيم والصارخ المستغيث والمغيث ... الخ وَهُوَ نوع من الْمُشْتَرك إِلَّا أَن الْمُشْتَرك يَقع على شَيْئَيْنِ ضدين وعَلى مُخْتَلفين غير ضدين فَمَا يَقع على الضدين كالجون وجلل وَمَا يَقع على مُخْتَلفين غير ضدين كَالْعَيْنِ ويقصد بالتضاد هُوَ اللَّفْظ الدَّال على مَعْنيين مُتَقَابلين وَقد ألف كثير من الْعلمَاء فِي التضاد كتبا مِنْهُم ١ - أَبُو سعيد عبد الْملك بن قريب الْأَصْمَعِي ت ٢١٦ هـ ٢ - أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن السّكيت ت ٢٤٤ هـ ٣ - أَبُو حَاتِم سهل بن مُحَمَّد السجسْتانِي ت ٢٥٥ هـ ٤ - أَبُو بكر مَحْمُود بن الْقَاسِم الانباري ت ٣٢٨ هـ ٥ - سعيد بن الْمُبَارك الْمَعْرُوف بِابْن الدهان ت ٥٦٩ هـ ٦ - الْحسن بن مُحَمَّد الصغاني ت ٦٥٠ هـ
следующие страницы →