بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإشارات لأبي الوليد الباجي
باب أقسام أدلة الشرع
أدلة الشرع على ثلاثة أضرب: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال.
فأما الأصل فهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وأما معقول الأصل: فهو لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب والحصر.
стр. 2
وأما استصحاب الحال، فهو استصحاب حال الأصل.
(فصل)
إذا ثبت ذلك فالكتاب على ضربين: مجاز وحقيقة.
فأما المجاز فهو لفظ تجوُّز به عن موضوعه، فعلى أربعة أضرب:
زيادة، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾.
ونقصان، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾.
وتقديم وتأخير، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾.
واستعارة، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾، وقوله : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.
وقال محمد بن خويز منداد من أصحابنا وداود الأصبهاني: إنه لا يصح وجود المجاز في القرآن، وقد بينا ذلك.
(فصل)
وأما الحقيقة فهو كل لفظ بقي على موضوعه، وهو على ضربين:
стр. 3
مفصل ومجمل:
فأما المفصل: فهو ما فهم المراد به من لفظه، ولم يفتقر في بيانه إلى غيره، وهو على ضربين: غير محتمل ومحتمل.
فأما غير المحتمل فهو النص، وحده: ما رفع في بيانه إلى أبعد غاياته، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فهذا نص في الثلاثة، لا يحتمل غير ذلك، فإذا ورد وجب المصير إليه والعمل به إلا أن يرد ناسخ أو معارض.
(فصل)
وأما المحتمل فهو ما احتمل معنيين فزائداً، وهو على ضربين:
أحدهما أن لا يكون في أحد محتملاته أظهر منه في سائرها، نحو
стр. 4
قولك: لون، للذي يقع على البياض والسواد وغيرهما من الألوان وقوعاً واحداً، ليس هو في واحدٍ منهما أظهر منه في سائرها.
فإذا قال لك من يلزمك أمره: اصبغ هذا الثوب لوناً، فإن كان ذلك على معنى التخيير فأي لون صبغت الثوب كنت ممتثلاً لأمره، وإن أراد بذلك لوناً بعينه لم يمكنك امتثال أمره إلا بعد أن يبين اللون الذي أراد.
ولا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت الحاجة إلى امتثال الفعل.
والثاني: أن يكون اللفظ في أحد محتملاته أظهر منه في سائرها، كألفاظ الظاهر والعموم وغير ذلك.
(فصل)
فأما الظاهر فهو المعنى الذي يسبق فهم السامع من المعاني التي يحتملها اللفظ، كألفاظ الأوامر نحو قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، (فاقتلوا المشركين) فهذا
стр. 5
اللفظ إذا ورد وجب حمله على الأمر، وإن كان يجوز أن يراد به الإباحة نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، والتعجيز نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾، والتهديد نحو قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، والتعجب نحو قولك: أحسن بزيد، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية، في الأمر أظهر منه في سائر محتملاته، فيجب أن يحمل على أنه أمر إلا أن ترد قرينة تدل على أن المراد به غير الأمر، فيعدل عن ظاهره إلى ما يدل الدليل عليه.
(فصل)
إذا ثبت ذلك فالأمر اقتضاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء والقهر.
وهو على ضربين: وجوب
стр. 6
وندب فالواجب ما كان في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجهٍ ما، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
والندب ما كان في فعله ثواب، ولم يكن في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجه ما، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
стр. 7
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
إِلَّا أن لفظ الأمر في الوجوب أظهر منه في الندب، فإذا ورد لفظ الأمر عارياً من القرائن وجب حمله على الوجوب، إِلَّا أن يدل دليل على أن الندب مراد به، فيحمل عليه.
وقال القاضي أبو بكر: يتوقف فيه ولا يحمل على وجوب ولا ندب حتى يدل الدليل على المراد به.
وقال أبو الحسن بن المنتاب يحمل على الندب ولا يعدل الوجوب إِلَّا بدليل.
стр. 8
والدليل على ما نقوله: قوله لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، فوبخه وعاقبه لما لم يمتثل أمره بالسجود لآدم، ولو لم يكن مقتضاه الوجوب لما عاقبه ولا وبخه على ترك ما لا يجب عليه فعله.
فصل
إذا وردت لفظة أفعل بعد الحظر
стр. 9
اقتضت الوجوب أيضاً، على أصلها.
وقال جماعة من أصحابنا: إنها تقتضي الإباحة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
والدليل على ما نقوله: أنا إذا أجمعنا على أن لفظ الأمر بمجرده يقتضي الوجوب، وهذا لفظ الأمر مجرداً، فوجب أن يقتضي الوجوب، وتقدم الحظر على الأمر لا يخرجه عن مقتضاه، كما أن تقدم الأمر على الحظر لا يخرجه عن مقتضاه.
فصل
الأمر المطلق لا يقتضي الفور ، وإليه ذهب القاضي أبو بكر، وذكر محمد بن خويز منداد أنه مذهب المغاربة من المالكيين، وقال المالكيون من البغداديين: إنه يقتضي الفور.
والدليل على ما نقوله: أن لفظة افعل لا تتضمن الزمان إِلَّا
стр. 10
كتضمن الإخبار عن الفعل للزمان، ولو أن مخبراً يخبر أنه يقوم لم يكن كاذباً إذا وجد قيامه متأخراً، فإذا ثبت ذلك فإن للواجب على التراخي حالة يتعين وجوب الفعل فيها وهو إذا غلب على ظن المكلف فوات الفعل.
ويجري إباحة تأخير المكلف الفعل مجرى إباحة تعزير الإمام الجاني وتأديب المعلم الصبي إذا لم يغلب على الظن هلاكه، فإذا غلب على الظن هلاكه حرم ذلك.
فصل
إذا نسخ وجوب الأمر جاز أن يحتج به على الجواز.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز ذلك.
والدليل على جوازه: أن الأمر الواجب يقتضي وجوب الفعل ومحال أن يكون واجباً ويكون مع ذلك محظورًا، فثبت أن الوجوب يتضمن الجواز ومعنى الجائز في هذا الوجه ما وافق الشرع.
فإذا نسخ
стр. 11
وجوبه خاصة، بقي على حكمه في الجواز؛ لأن النسخ لم يتعلق بالجواز وبالله التوفيق.
فصل
المسافر والمريض مأموران بالصوم مخيران بينه وبين صوم غيره.
وقال بعض أصحابنا: المسافر مخاطب بالصوم دون المريض.
وقال الكرخي: المسافر
стр. 12
والمريض غير مخاطبين بالصوم.
والدليل على ما نقوله أن المسافر لو صام أثيب على فعله، وناب صومه عن فرضه،
стр. 13
فلو كان غير مخاطب بصومه لما أثيب عليه كالحائض لما لم
стр. 14
تخاطب بالصوم لم تثبت عليه في حال حيضها.
(فصل)
لا خلاف بين الأمة أن الكفار مخاطبون بالإيمان، والظاهر من مذهب مالك رحمه
стр. 15
الله أنهم مخاطبون بالصوم والصلاة والزكاة وغير ذلك من شرائع الإيمان.
قال محمد بن خويز منداد: ليسوا مخاطبين بشيء من ذلك.
والدليل على ما نقوله: قوله ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ الآية، فأخبر الله تعالى أن العذاب حق بترك الإيمان والصدقة والصلاة.
(فصل)
إذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله ﷺ بكذا ونهى عن ذا، وجب حمله على الوجوب.
وحكي عن أبي بكر بن داود أنه قال: لا يحمل على الوجوب حتى ينقل إلينا لفظ الرسول
стр. 16
عليه السلام.
وما قاله ليس بصحيح؛ لأن معرفة الأمر من غيره طريقته اللغة، وإذا كنا نحتج في اللغة والتمييز بين الأمر وغيره بقول امرئ القيس والنابغة، فلأن يحتج بقول أبي بكر وعمر أولى وأحرى؛ لكونهما
стр. 17
من أفصح العرب، ولما يقترن بذلك من الدين والفضل.
مسائل النهي
الذي ذهب إليه أهل السنة أن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، والنهي عن الشيء أمر بإباحة أضداده.
والنهي ينقسم قسمين: نهي على وجه الكراهة، ونهي على وجه التحريم.
إِلَّا أن النهي إذا ورد وجب حمله على
стр. 18
التحريم، إِلَّا أن تقترن به قرينة تصرفه عن ذلك إلى الكراهية.
والنهي إذا ورد دلَّ على فساد المنهي عنه، وبهذا قال جمهور أصحابنا، وقال
стр. 19
القاضي أبو بكر: لا يدل على ذلك.
والدليل على ما نقوله: اتفاق الأمة من الصحابة فمن بعدهم على الاستدلال بمجرد النهي في القرآن والسنة على فساد عقد المنهي عنه، كاستدلالهم على فساد عقد الربا بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، ونهي النبي ﷺ عن بيع الذهب بالذهب متفاضلاً، واحتجاج ابن عمر في تحريم نكاح المشركات وفساده بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
أبواب العموم وأقسامه
قد ذكرنا أن المحتمل الظاهر في أحد محتملاته منه على ضربين: أوامر وعموم، وقد تكلمنا في الأوامر، والكلام هنا في العموم.
و له خمسة ألفاظ: الجمع، كالمسلمين، والمؤمنين، والأبرار، والفجار.
وألفاظ الجنس، كالحيوان، والإبل.
وألفاظ النهي، كقوله: ما جاءني من أحد.
والألفاظ المبهمة، كـ (من) في من يعقل، و (ما) في ما لا يعقل،
стр. 20
و (أي) فيهما، و (متى) في الزمان، و (أين) في المكان.
والاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، نحو: الرجل والإنسان والمشرك، فهذا إذا ورد شيء من ألفاظ العموم المذكورة وجب حملها على عمومها إِلَّا أن يدل دليل على تخصيص شيء منها فيصار إلى ما يقتضيه الدليل وقال القاضي أبو بكر يتوقف فيها ولا تحمل على عموم ولا خصوص حتى يدل الدليل على المراد بها وقال أبو الحسن بن المنتاب يحمل على أقل ما تقتضيه الألفاظ والدليل على ما نقوله ما قدمناه من كونها معرفة
وإنما تكون معرفة إذا اقتضت استغراق الجنس فيتميز ما يقع تحتها من غيره ولو لم يرد
стр. 21
بها جميع الجنس لكانت نكرة؛ لأنه لا يتميز المراد بها من غيره، إذ قد بقي من جنسه ما يقع عليه هذا اللفظ، ولذلك قلنا: إن لفظ الجمع إذا تكرر لا يقتضي استغراق الجنس؛ لأنه لو اقتضى استغراق الجنس لكان معرفة.
(فصل)
فإذا دل الدليل على تخصيص ألفاظ العموم بقي ما تناوله اللفظ العام بعد التخصيص على عمومه أيضاً يحتج به كما كان يحتج به لو لم يخص شيء منه.
وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فإن هذا اللفظ يقتضي قتل كل مشرك، ثم قد خص ذلك بأن منع من قتل من أدى الجزية من أهل الكتاب، فبقي الباقي على ما كان عليه من وجوب القتل يحتج به في وجوب قتل المشركين غير من قد خرج بالتخصيص المذكور.
وكذلك لو ورد تخصيص آخر لبقي باقي اللفظ
стр. 22
العام على ما كان عليه قبل التخصيص.
ويجوز أن يرد التخصيص والبيان مع اللفظ العام، ويجوز تأخيره عنه إلى وقت فعل العبادة، ولا يجوز أن يتأخر عن ذلك الوقت.
(فصل)
أقل الجمع اثنان عند جماعة من أصحاب مالك ﵀، وحكى القاضي أبو بكر بن الطيب: إنه مذهب مالك.
وقال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي ثلاثة والدليل على
стр. 23
ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، وذكر أنه مذهب الخليل وسيبويه، وأنشد في ذلك:
مهمين يممتهما مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين
(فصل)
إذا ورد لفظ الجمع المذكر لم تدخل جماعة المؤنث إِلَّا بدليل؛ لأن لكل طائفة لفظاً تختص به في مقتضى اللغة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
وقال أهل اللغة: الواو في الجمع السالم تدل على خمسة أشياء على التذكير والسلامة والرفع والجمع ومن يعقل، ولا يجوز أن يقع تحته المؤنث إِلَّا بدليل، كما لا يقع
стр. 24
تحته ما لا يعقل إِلَّا بدليل.
(فصل)
إذا ثبت ذلك فقد يرد أول الخبر عاماً، وآخره خاصاً، ويرد آخره عاماً وأوله خاصاً، فيجب أن يحمل كل لفظ على مقتضاه، ولا يعتبر بسواه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهذا عام في كل مطلقة مدخول بها ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ خاص في الرجعية.
ومما خص أوله وعم آخره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
стр. 25
(فصل)
إذا تعارض لفظان خاص وعام، بني العام على الخاص ، مثل: ما روي عنه ﷺ قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)، فاقتضى نفى كل صلاة بعد العصر، ثم قال: (من نام عن صلاة أن نسيها فليصلها إذا ذكرها)، فأخرج بهذا اللفظ الخاص الصلاة المنسية من جملة الصلوات المنهي عنها بعد العصر، وسواء كان الخاص متأخراً أو متقدماً.
وقال أبو حنيفة: إذا كان الخاص متقدماً نسخه العام المتأخر، وإن كان العام متفقاً عليه والخاص مختلفاً فيه، قدم العام على الخاص.
والدليل على ما نقوله: أن الخاص يتناول الحكم على وجهٍ لا يحتمل التأويل، والعام يحتمله على وجهٍ يتناول التأويل، فكان الخاص أولى.
(فصل)
فإذا تعارض اللفظان لا وجهٍ لا يمكن الجمع بينهما فإن علمنا التاريخ فيهما نسخ المتقدم بالمتأخر،
стр. 26
وإن جهل نظر في ترجيح أحدهما على الآخر بوجهٍ من وجوه الترجيح التي تأتي بعد هذا، فإن أمكن ذلك وجب المصير إلى ما ترجح، فإن تعذر الترجيح بينهما ترك النظر فيهما وعدل إلى سائر أدلة الشرع، فما دلَّ عليه الدليل أخذ به، فإن تعذر في الشرع دليل على حكم تلك الحادثة كان الناظر مخيراً في أن يأخذ بأي اللفظين شاء الحاظر أو المبيح؛ إذ ليس في العقل حظر ولا إباحة.
(فصل)
يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وعليه جمهور الفقهاء.
ويجوز تخصيص عموم
стр. 27
السنة بالقرآن، وتخصيص عموم القرآن وأخبار الآحاد بالقياس الجلي والخفي؛ لأن ذلك بين دليلين، وإذا أمكن الجمع بين دليلين كان أولى من اطراح أحدهما والأخذ بالآخر؛ لأن الأدلة إنما نصبت للأخذ بها والحكم بمقتضاها، فلا يجوز اطراح شيء منها ما أمكن استعماله.
(فصل)
وقد يقع التخصيص أيضاً بمعانٍ من أفعال الرسول ﷺ ، وإقراره على الحكم وما جرى مجرى ذلك.
ولا يقع التخصيص بمذهب الراوي وذلك مثل ما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا)،
стр. 28
وقال ابن عمر التفرق بالأبدان، مذهب بعض أصحابنا الشافعية إلى أنه يقع التخصيص به، وذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يقع به التخصيص به وهو الصحيح؛ لأن الأحكام إنما تؤخذ من قول صاحب الشرع، ولا يجوز أن يطرح قول صاحب الشرع لقول غيره.
(فصل)
هذا الكلام في اللفظ العام الوارد ابتداء، فأما الوارد على سبب فإنه على ضربين: مستقل بنفسه، وغير مستقل بنفسه:
فأما المستقل بنفسه فما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن بئر بضاعة فقال: (الماء الطهور لا ينجسه شيء)،
стр. 29
فمثل هذا اللفظ العام اختلف أصحابنا فيه، فروي عن مالك ﵀ أنه يقصر على سببه ولا يحمل على عمومه، وروي عنه أيضاً أنه يحمل على عمومه ولا يقصر على سببه، وإليه ذهب إسماعيل القاضي وأكثر أصحابنا.
والدليل على ذلك أن الأحكام متعلقة بلفظ صاحب الشرع دون السبب؛ لأن لفظ صاحب الشرع لو انفرد لتعلق به الحكم، والسبب لو انفرد لم يتعلق به حكم، فيجب أن يكون الاعتبار بما تعلق به دون ما لا يتعلق به الحكم.
وأما ما لا يستقل بنفسه فمثل ما سئل النبي ﷺ عن بيع الرطب بالتمر فقال: (أينقص الرطب إذا جف؟) قالوا: نعم، قال: (فلا). إذا فمثل هذا
стр. 30
الجواب يقصر على سببه، ويعتبر به في خصوصه وعمومه، ولا خلاف في ذلك نعلمه.
(فصل أحكام الاستثناء وما يتصل بالتخصيص ويجري مجراه)
الاستثناء، وهو ضربان:
استثناء يقع به التخصيص، واستثناء لا يقع به التخصيص.
فأما الذي يقع به التخصيص فعلى ضربين:
استثناء من الجنس، واستثناء من الجملة،
فأما الاستثناء من الجنس فقولك: رأيت الناس إلا زيداً إلا يده، وأما الاستثناء من غير الجنس فلا يقع
به التخصيص لأنه لا يخرج من الجملة بعض ما يتناوله، وعندي أنه يجوز. وقال محمد ابن خويز منداد: لا يجوز.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، والخطأ لا يقال فيه للمؤمن أن يفعله، ولا ليس له أن يفعله، لأنه ليس بداخل تحت التكليف، وقد قال النابغة:
وقفت فيها أصيلاً كي أسائلها ... اعيت جواباً وما بالربع من أحد
стр. 31
إلا الأثافي الأيام ثوينا بها ... والنُّؤيُ كالحَوْضِ بالمَظلومَةِ الجَلَدِ
(فصل)
الاستثناء المنفصل في جمل من الكلام معطوف بعضها على بعض، يجب رجوعه إلى جميعها عند جماعة أصحابنا.
وقال القاضي أبو بكر فيه بمذهبه بالوقف.
وقال المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة يرجع إلى أقرب مذكور إليه.
ومثاله قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا
стр. 32
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
والدليل على ذلك أن المعطوف بعضه على بعض بمنزلة المذكور جميعه باسم واحد، ولا فرق عندهم بين من قال: اضرب زيداً وعمرًا وخالداً، وبين من قال: اضرب هؤلاء الثلاثة.
وإذا كان ذلك كذلك، فلو ورد الاستثناء عقيب جملة مذكورة باسم واحد لرد إلى جميعها، فكذلك إذا ورد عقيب ما عطف بعضه على بعض.
(باب حكم المطلق والمقيد)
وما [*] يتصل بالخاص والعام، المقيد والمطلق، ونحن نبين حكمها:
التقييد يقع بثلاثة أشياء:
الغاية والشرط والصفة
فأما الغاية فكقولك: اضرب زيداً أبدًا حتى يرجع
стр. 33
إلى الحق، فلولا أنه قيد الضرب بالرجوع إلى الحق لاقتضى ذلك ضربه أبداً.
وأما الشرط فقولك: من جاء من الناس فأعطه درهماً، فقيد ذلك بالشرط.
وأما الصفة فقولك: أعط القرشيين المؤمنين، فقيد بصفة الإيمان، ولولا ذلك لاقتضى اللفظ كل قرشي.
وإذا ثبت ذلك وورد لفظ مطلق ومقيد، فلا يخلو أن يكونا من جنسين أو جنس واحد:
فإن كانا من جنسين فلا خلاف أنه لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأن تقييد الشهادة بالعدالة لا يقتضي تقييد رقبة العتق بالإيمان.
وأما إن كانا من جنس واحدٍ، فلا يخلو إما أن يتعلقا بسببين مختلفين نحو أن يقيد الرقبة في القتل
стр. 34
بالإيمان، ويطلقها في الظهار، فإنه لا يحمل المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا، إِلَّا بدليل يقتضي ذلك، وقال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي: يحمل المطلق على المقيد من جهة اللغة.
والدليل على ما نقوله: أن الحكم المطلق غير المقيد، وإطلاق المطلق يقتضي نفي التقييد عنه، كما أن تقييد المقيد يقتضي نفي الإطلاق عنه، فلو وجب تقييد المطلق لأن من جنسه ما هو مقيد لوجب إطلاق المقيد لأن من جنسه ما هو مطلق.
وأما إذا كانا متعلقين بسبب واحد مثل أن الزكاة في موضع واحد مقيد بالسوم، وترد في موضع آخر مطلقة، فإنه لا يجب عند أكثر أصحابنا أيضاً حمل المطلق على المقيد، ومن أصحابنا من أوجب ذلك،
стр. 35
وهو من باب دليل الخطاب، وسيرد في موضعه الكلام عليه إن شاء الله.
باب بيان حكم المجمل
قد ذكرنا أن الحقيقة على ضربين: مفصل، ومجمل، وقد مر الكلام في المفصل، والكلام هاهنا في المجمل.
وجملته أن المجمل ما لا يفهم المراد به من لفظه، ويفتقر في البيان إلى غيره، نحو قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فلا يفهم المراد بالحق من نفس اللفظ، ولا بد له من بيان يكشف عن جنس الحق وقدره.
فإذا ورد مثل هذا وجب اعتقاد وجوبه إلى أن يرد بيانه، فيجب امتثاله.
وقد اختلف أصحابنا في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ و ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، و ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
стр. 36
الرِّبَا﴾ فذهب قوم من أصحابنا إلى أنها مجملة.
إِلَّا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فهو عام.
وقال محمد بن خويز منداد: كلها عامة، فيجب حملها على عمومها إِلَّا ما خصه الدليل، وهو الصحيح عندي.
والدليل على ذلك أن كل لفظ من هاته الألفاظ تقتضى في اللغة جنسا مخصوصاً، فالصلاة معناها الدعاء، وإذا ورد هذا اللفظ كان امثاله بكل ما يقع عليه هذا الاسم من الدعاء، إِلَّا ما خصه الدليل؛ لأن الشرع قد خص منه دعاء مخصوصاً تقترن به أفعال
стр. 37
مخصوصة من ركوع وسجود وغير ذلك، والصوم هو الإمساك، لكن الشرع قد خص منه إمساكاً مخصوصاً عن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة على وجهٍ مخصوص، والزكاة هو النماء، والحج هو القصد، وكان ذلك بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الذي يقتضي قتل كل مشرك، وقد خص الشرع من ذلك أنواعاً من المشركين.
باب بيان الأسماء العرفية
ومما يتصل بهذا الباب الأسماء العرفية، ومعنى قولنا عرفية أن تكون الألفاظ موضوعة في كلام العرب لجنس ما ثم يغلب عليها عرف الاستعمال في بعض ذلك الجنس، نحو قولنا: دابة، اسم موضوع لكل
стр. 38
ما دب، ثم غلب عليه عرف الاستعمال في نوع من الحيوان دون غيره.
وكذلك قولنا: صلاة، هو اسم لكل دعاء في اللغة، ثم غلب عليه عرف الاستعمال في نوعٍ من الدعاء على وجهٍ مخصوص.
(فصل)
إذا ثبت ذلك فعرف الاستعمال يكون من ثلاثة أوجه: أحدهما اللغة، نحو قولنا: دابة.
والثاني: عرف الشريعة، نحو قولنا: صلاة وصوم وحج.
والثالث: عرف الصناعة كتسمية أهل الكتابة الديوان
стр. 39
زماماً، وتسمية أهل الإبل الخطام زماماً، وغير ذلك.
فإذا ورد شيء من الألفاظ العرفية وجب حملها على ما عرف بالاستعمال فيه، من الجهة التي وردت منها.
باب أحكام أفعال النبي ﷺ
السنة الواردة على النبي ﷺ على ثلاثة أضرب: أقوال، وأفعال، وإقرار.
وقد تقدم القول في الأقوال، والكلام في الأفعال، وهي تنقسم قسمين:
أحدهما: ما يفعله بياناً للمجمل، فحكمه حكم المجمل في الوجوب أو الندب أو الإباحة.
والثاني: ما يفعله ابتداء، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن تكون فيه قربة، نحو: أن يصلي أو يصوم، فهذا قد اختلف أصحابنا فيه، فذهب ابن القصار والأبهري وغيرهما إلى أنها محمولة على الوجوب.
وقال ابن المنتاب: هي على
стр. 40
الندب.
وقال القاضي أبو بكر: هي على الوقف.
والأول أصح.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، والأمر يقتضي الوجوب.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، والأمر يقع على الفعل والقول، ويدل على ذلك من جهة الإجماع رجوعهم إلى قول عائشة ﵂ لما اختلفوا في وجوب الغسل من التقاء الختانين: (فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا)، وأخذ به جميع الصحابة والتزموه واجباً.
((فصل))
وأما الضرب الثاني: وهو ما لا قربة فيه، نحو الأكل والشرب