← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 706

الإشارة في أصول الفقه - ط التونسية

أبو الوليد الباجي

Полный текст (130 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الرِّبَا﴾ فذهب قوم من أصحابنا إلى أنها مجملة. إِلَّا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فهو عام. وقال محمد بن خويز منداد: كلها عامة، فيجب حملها على عمومها إِلَّا ما خصه الدليل، وهو الصحيح عندي. والدليل على ذلك أن كل لفظ من هاته الألفاظ تقتضى في اللغة جنسا مخصوصاً، فالصلاة معناها الدعاء، وإذا ورد هذا اللفظ كان امثاله بكل ما يقع عليه هذا الاسم من الدعاء، إِلَّا ما خصه الدليل؛ لأن الشرع قد خص منه دعاء مخصوصاً تقترن به أفعال

стр. 37

مخصوصة من ركوع وسجود وغير ذلك، والصوم هو الإمساك، لكن الشرع قد خص منه إمساكاً مخصوصاً عن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة على وجهٍ مخصوص، والزكاة هو النماء، والحج هو القصد، وكان ذلك بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الذي يقتضي قتل كل مشرك، وقد خص الشرع من ذلك أنواعاً من المشركين. باب بيان الأسماء العرفية ومما يتصل بهذا الباب الأسماء العرفية، ومعنى قولنا عرفية أن تكون الألفاظ موضوعة في كلام العرب لجنس ما ثم يغلب عليها عرف الاستعمال في بعض ذلك الجنس، نحو قولنا: دابة، اسم موضوع لكل

стр. 38

ما دب، ثم غلب عليه عرف الاستعمال في نوع من الحيوان دون غيره. وكذلك قولنا: صلاة، هو اسم لكل دعاء في اللغة، ثم غلب عليه عرف الاستعمال في نوعٍ من الدعاء على وجهٍ مخصوص. (فصل) إذا ثبت ذلك فعرف الاستعمال يكون من ثلاثة أوجه: أحدهما اللغة، نحو قولنا: دابة. والثاني: عرف الشريعة، نحو قولنا: صلاة وصوم وحج. والثالث: عرف الصناعة كتسمية أهل الكتابة الديوان

стр. 39

زماماً، وتسمية أهل الإبل الخطام زماماً، وغير ذلك. فإذا ورد شيء من الألفاظ العرفية وجب حملها على ما عرف بالاستعمال فيه، من الجهة التي وردت منها. باب أحكام أفعال النبي ﷺ السنة الواردة على النبي ﷺ على ثلاثة أضرب: أقوال، وأفعال، وإقرار. وقد تقدم القول في الأقوال، والكلام في الأفعال، وهي تنقسم قسمين: أحدهما: ما يفعله بياناً للمجمل، فحكمه حكم المجمل في الوجوب أو الندب أو الإباحة. والثاني: ما يفعله ابتداء، وذلك على ضربين: أحدهما: أن تكون فيه قربة، نحو: أن يصلي أو يصوم، فهذا قد اختلف أصحابنا فيه، فذهب ابن القصار والأبهري وغيرهما إلى أنها محمولة على الوجوب. وقال ابن المنتاب: هي على

стр. 40

الندب. وقال القاضي أبو بكر: هي على الوقف. والأول أصح. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، والأمر يقتضي الوجوب. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، والأمر يقع على الفعل والقول، ويدل على ذلك من جهة الإجماع رجوعهم إلى قول عائشة ﵂ لما اختلفوا في وجوب الغسل من التقاء الختانين: (فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا)، وأخذ به جميع الصحابة والتزموه واجباً. ((فصل)) وأما الضرب الثاني: وهو ما لا قربة فيه، نحو الأكل والشرب

стр. 41

واللباس، فإنه يدل على الإباحة. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنه يدل على الندب، نحو الأكل باليمين، وابتداء التنعل باليمين، وهذا غلط؛ لأن الندب هاهنا ليس في نفس الفعل، وإنما هو في صفة الفعل، وتلك قربة. ((فصل)) وأما الإقرار فأن يفعل بحضرة النبي صلى الله عليه

стр. 42

وسلم فعل ولا ينكره، يدل على جوازه؛ لأنه ﷺ لا يقر على المنكر، وذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه سلم من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ ولم ينكر عليه ﷺ الكلام في الصلاة لتفهم الإمام، فدل

стр. 43

ذلك على جوازه وصحته. باب أحكام الاخبار الخبر هو الوصف للمخبر عنه، وهو ينقسم إلى قسمين: صدق وكذب، فالصدق هو الوصف للمخبر عنه على ما هو به، والكذب هو الوصف للمخبر عنه على ما ليس به. (فصل) إذا ثبت ذلك فإنه ينقسم إلى قسمين: تواتر وآحاد: فالتواتر ما وقع العلم بمخبره ضرورة من جهة الخبر، نحو الأخبار المتواترة عن وجود

стр. 44

مكة وخراسان ومصر وظهور محمد ﷺ وكورود القول .. وأما أخبار الآحاد فما قصر عن التواتر، وذلك لا يقع به العلم، وإنما يغلب على ظن السامع له صحته؛ لثقة المخبر به؛ لأن

стр. 45

المخبر وإن كان ثقة يجوز عليه الغلط والسهو، كالشاهد. وقال محمد بن خويز منداد: يقع العلم بخبر الواحد، والأول عليه جميع الفقهاء. (فصل) إذا ثبت ذلك فإنه على ضربين: مسند ومرسل. فالمسند ما اتصل إسناده، وهو يجب العمل به؛ لأن الشرع ورد بذلك. وأنكر العمل به جماعة من أهل البدع. والدليل على ما قلناه أنه لا يمنع من جهة العقل أن يتعبدنا الباري بالعمل بخبر من يغلب على ظننا ثقته وأمانته، وإن لم يقع لنا العلم بصدقه، كما يتعبدنا بالعمل بشهادة الشاهدين، إذا غلب على ظننا ثقتهما وإن لم يقع لنا العلم بصدقهما، ولذلك رجع كثير من الشهود عن

стр. 46

شهادته بعد قبولها وبعد إنفاذ الحكم بها. ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ كان ينفذ أمراءه إلى البلاد يعلمون الناس الدين، ويأخذون منهم الصدقات. ومما يدل على ذلك إجماع الصحابة على وجوب العمل بأخبار الآحاد، كرجوع عمر بن الخطاب ﵁ لخبر عبد الرحمن بن عوف وأخذه

стр. 47

جزية المجوس بخبره، ورجوع الصحابة لخبر عائشة ﵂ في الغسل من التقاء الختانين، وأخذ عثمان في السكنى بخبر فريعة بنت مالك، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة. (فصل) وأما المرسل فهو ما انقطع إسناده فأخلَّ فيه بذكر بعض رواته، ولا خلاف أنه لا يجب العمل به إذا كان المرسل غير محترز. فإن كان متحرزاً لا يرسل إِلَّا عن الثقات كإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب، فإنه لا يجب العمل به عند مالك ﵀ وأبي حنيفة. وقال الشافعي: لا يجب

стр. 48

العمل به إِلَّا أن يكون مرسل سعيد بن المسيب خاصة، فإني اختبرتُ مراسيله فوجدتها مسندة. والدليل على ما نقوله اتفاق الصدر الأول على نقل المرسل ولو كان ذلك

стр. 49

يبطل الحديث لما حل الإرسال. فممَّن أرسل وبلغنا ذلك عنه أبو هريرة وابن عباس والبراء بن عازب وابن عمر وعمر بن الخطاب وغيرهم، وأكثر التابعين، ومن بعدهم. قال محمد بن خويز منداد: إنكار المرسل بدعة ظهرت بعد المائتين. وأيضاً فإنه لا فرق بين مرسل سعيد بن المسيب وغيره، إذا كان المرسل ثقة محترزاً؛ لأن الشافعي إن كان لم يأخذ من مرسل سعيد إِلَّا بما اتصل إسناده، فلم يأخذ بمرسله، لأنه وجد منها ما يسند فهذا حكم غيره، ومما يدل على صحة العمل بالمرسل أننا قد اتفقنا على أن التعديل يقع بقول الواحد: فلان ثقة، ولا يحتاج إذا كان من أهل العلم أن يبين معنى العدالة

стр. 50

عنده، فإذا علم من حاله أنه لا يرسل إِلَّا عن ثقة أو أخبر بذلك عن نفسه فإرساله عنه بمنزلة أن يقول: حدثني فلان، وهو ثقة. وقد أجمعنا على أنه لو قال ذلك لوجب تقليده في تعديله، فكذلك إذا أرسل عنه. (فصل) إذا روى الراوي الخبر فأنكره المروي عنه ، فإن ذلك يقع على ضربين: أحدهما أن يتوقف فيه ويشك، والثاني: أن يقطع على أنه لم يخبر به. فأما شك المروي عنه فيه فقد ذهب جمهور أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي ﵃ إلى وجوب العمل به. والدليل على ما نقوله: أن نسيانه لا يكون أكثر من موته، وقد أجتمعنا على أن موته لا يسقط العمل به، فكذلك نسيانه. وأما إذا قطع

стр. 51

بأنه لم يحدثه به فهو على ضربين: أحدهما أن يقول: هو في روايتي ولم أحدث به الراوي، فهذا لا يمنع وجوب العمل به من جهة المروي عنه. وأما إذا قال: لم أروه قط، فهذا ممن لا يجوز الاحتجاج به جملة؛ لأن المروي عنه إن كان كاذباً فقد بطل الخبر من جهته، وإن كان صادقاً فقد بطل لاخباره لأنه لم يروه. (فصل) رواية العدل الثبت الزيادةَ في الخبر على رواية غيره، معمولٌ بها، خلافاً لبعض أصحاب الحديث. والدليل على ما نقوله: أنه لو شهد شاهد لرجل على غريمه بألف دينار، وشهد شاهدان آخران بألف وخمسمائة لأخذ بالزيادة، فكذلك الخبر. ولأنه لو انفرد بنقل خبر لقبل منه، فكذلك إذا انفرد بنقل زيادة في الخبر.

стр. 52

(فصل) يجب العمل بما نقل على وجه الإجازة ، وبه قال علامة العلماء. قال أهل الظاهر: لا يجوز العمل بالإجازة إِلَّا أن تكون مناولة، وأن يكتب إليه المخبر أن الكتاب الفلاني أو الديوان الفلاني يعدد من ذلك من روايتي عن فلان، فارو ذلك عني. والدليل على ما نقوله: أن من كتب إلى غيره أن ديوان الموطأ أو غيره من الكتب المعلومة رويته عن زيد، فاروه عني إذا صح عندك، يحتاج في ثبات الكتب عنده إلى نقل الثقة، ثم يحتاج في

стр. 53

تصحيح كتاب الموطأ والعلم بأنه مماثل لأصل المخبر به إلى نقل ثقة أيضاً، فتحصل له الرواية بعد ثبات ذلك عنه من طريقين، وإذا قال له مشافهة ما صح عندك من حديثي فاروه عني لم يحتج ذلك إلى إخبار ثقة، بإن هذا الكتاب رواه المخبر له عن فلان فلا يحتاج أن يصح ذلك عنده إِلَّا من طريق واحد، ثم إذا ثبت وتقرر أن في النوع الأول تصح إجازته فلان تصح هاهنا أولى وأحرى. باب أحكام الناسخ والمنسوخ النسخ هو إزالة الحكم الثابت بالشرع المتقدم، بشرع متأخر عنه لولاه لكان ثابتاً. وذلك لأن الناسخ والمنسوخ

стр. 54

لا بد أن يكونا حكمين شرعيين، فأما الناقل عن حكم الأصل أو الساقط بعد ثبوته وامتثال موجبه فإنه لا يسمى نسخاً. (فصل) إذا ثبت ذلك فإذا نقص بعض الجملة أو شرط من شروطها فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه ليس بنسخ، وقال بعض الناس: هو نسخ. وكذلك الزيادة في النقص، قال أصحاب أبي حنيفة: هو نسخ، وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: ليست بنسخ. وقال أبو بكر القاضي: إن كان النقص من العبادة أو الزيادة فيها يغير حكم المزيد فيه أو المنقوص منه، حتى يجعل ما لم يكن عبادة قائمة بنفسها عبادة ثابتة مستقلة ويجعل ما كان عبادة شرعية غير شرعية فهو نسخ.

стр. 55

نحو أن يزاد في الصلاة التي هي ركعتان ركعتان أخريتان، فهذا يكون نسخ؛ لأن الركعتين الأولتين حينئذ لا تكونان صلاة شرعية. وكذلك إذا ورد الأمر في الصلاة الرباعية أن تصلى ركعتين فإنه نسخ أيضاً؛ لأن الأربع ركعات حينئذ لا تكون صلاة. وأما إن لم تتغير الزيادة ولا النقصان حكم المزيد عليه، ولا المنقوص منه، فليس بنسخ، مثل أن يؤمر في حد شارب الخمر بأربعين ثم يؤمر بثمانين، فإن هذه الزيادة لا تبطل حكم المزيد عليه؛ لأنه لو ضرب الأربعين بعد الأمر بالثمانين لأجزت عن الأربعين، وليبن عليها إن أراد أن يتم الثمانين، والذي أمر بأربع

стр. 56

ركعات فصلى ركعتين لا يجزيه أن يتم عليها ركعتين حتى يبتدى أربع ركعات، وكذلك لو أمر بجلد ثمانين

стр. 57

في الخمر، ثم نقص منها فإنه لا يكون نسخاً لجميع الحد، وإنما يكون نسخاً لأربعين فقط. (فصل) ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النسخ لا يدخل في الأخبار . وقالت طائفة: يدخل النسخ في الأخبار. والصحيح من ذلك أن نفس الخبر لا يدخله نسخ؛ لأن ذلك لا يكون نسخاً، وإنما يكون كذباً، لكن إن ثبت بالخبر حكمٌ من الأحكام جاز أن يدخله نسخ. (فصل) يجوز نسخ العبادة بمثلها وبما هو أخف منها وأثقل، وعليه جمهور الفقهاء. ومنع قوم نسخ العبادة بما هو

стр. 58

أثقل منها. والدليل على ما نقوله: أن الباري تعالى أوجب على المكلفين ما يشق عليهم وجوبه، وحرم عليهم ما يشق عليهم تحريمه، وإذا جاز أن يبتدئ التعبد بما هو أثقل عليهم من حكم الأصل، جاز أيضاً أن تنسخ عنهم العبادة بما هو أثقل عليهم منها. (فصل) إذا وردت التلاوة متضمنة حكماً واجباً علينا من تحريم أو فرض أو غير ذلك من العبادات، وأمرنا بتلاوتها، فإن فيها حكمين: أحدهما ما تضمنته من العبادة، والثاني: ما ألزمناه من تلاوتها وحفظها، وذلك بمثابة ما لو تضمن الخبر حكمين أحدهما صوم والآخر صلاة، فإذا ثبت ذلك

стр. 59

جاز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة فمثل نسخ حكم التخيير بين الصوم أو الفدية لمن أطاق الصوم، ونسخ الوصية للوالدين والأقربين، ونسخ تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول ﵊، وإن بقيت التلاوة بذلك كله. وأما بقاء الحكم ونسخ

стр. 60

التلاوة، فما تظافر به الأخبار من نسخ تلاوة آية الرجم، ونسخ الخمس رضعات وغير ذلك مما بقي حكمه بعد تلاوته. (فصل) يصح أن تنسخ العبادة قبل وقت الفعل وعلى هذا أكثر الفقهاء. وقال أبو بكر الصيرفي وبعض أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز نسخ العبادة قبل وقت الفعل. والدليل على ما نقوله: ما أمر به إبراهيم ﵇ من ذبح ولده، ثم نسخ عنه قبل فعله. وأيضاً فقد ذكرنا

стр. 61

أن النسخ إنما هو إزالة الحكم الثابت بالشرع المتقدم، وإذا خرج وقت العبادة فلا يخلو أن يكون فعلها أو لم يفعلها: فإن كان فعلها فلا يحتاج إلى النسخ؛ لأن المأمور قد امتثله، وإن كان لم يفعلها فلا يصح النسخ أيضاً؛ لأنه لا يقال له: لا تفعل أمس كذا؛ لأن الفعل فيما مضى غير داخل تحت التكليف فعله ولا تركه، فلا يصح النسخ إِلَّا وقت العبادة. وأما إسقاط مثل العبادة في المستقبل فليس بنسخ لنفس المأمور وإنما هو إسقاط لمثله. (فصل) لا خلاف بين أهل العلم في جواز نسخ القرآن بالقرآن والخبر المتواتر بمثله، وخبر الواحد بمثله. وذهب أكثر الفقهاء إلى

стр. 62

أنه يجوز نسخ القرآن بالخبر المتواتر، ومنع من ذلك الشافعي. والدليل على ذلك

стр. 63

أن القرآن والخبر المتواتر كلاهما شرع مقطوع بصحته، فإذا جاز أن ينسخ القرآن بالقرآن، جاز أن ينسخ بالخبر المتواتر. ومما يبين ذلك أن قوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ منسوخ بما روي عنه ﷺ : "قد أعطى الله كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث). (فصل) ويجوز عند جمهور الفقهاء نسخ السنة بالقرآن، ومنع من ذلك الشافعي. والدليل على ذلك ما ورد من القرآن لصلاة الخوف، بعد أن ثبت بالسنة تأخيرها يوم الخندق إلى أن يأمن،

стр. 64

ونسخ التوجه إلى بيت المقدس بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ بعد أن قرر النبي ﷺ رد من جاءه من المسلمين إليهم. (فصل) يجوز نسخ القرآن والخبر المتواتر بخبر الآحاد . وقد منعت من ذلك طائفة. والدليل على ذلك ما ظهر من تحول أهل قباء إلى الكعبة بخبر الآتي، وقد كانوا يعلمون استقبال بيت المقدس من دين النبي ﷺ . إِلَّا أنه لا يجوز ذلك بعد زمن النبي ﷺ ، للإجماع على ذلك.

стр. 65

فأما القياس فلا يصح النسخ به جملة. (فصل) ذهبت طائفة من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي إلى أن شريعة من قبلنا لازمة لنا، إِلَّا ما دل الدليل على نسخه. وقال القاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا بالمنع من ذلك. والدليل على ما نقوله: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فأمر باتباعهم وأمرنا باتباعه. وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. ومما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وإنما خوطب بذلك موسى ﵇، فأخذ به نبينا محمد ﷺ . باب الإجماع وأحكامه إجماع الأمة

стр. 66

على حكم الحادثة دليل شرعي، فيجب المصير إلى ما أجمعت عليه، والقطع بصحته، خلافاً للإمامية. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ

стр. 67

مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ الآية، فتوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، فكان ذلك أمراً باتباع سبيلهم. (فصل) فإذا ثبت ذلك، فالأمة ضربان: خاصة وعامة: فيجب اعتبار أقوال الخاصة والعامة فما كلف الخاصة والعامة معرفة الحكم فيه. فأما ما يتفرد الحكام والفقهاء بمعرفته من أحكام الطلاق والنكاح والبيوع والعتق والتدبير والكتابة والجنايات والرهون وغير ذلك من الأحكام التي لا علم للعامة بها، فلا اعتبار

стр. 68

فيها بخلاف العامة، وبذلك قال عامة الفقهاء. وقال القاضي أبو بكر: تعتبر أقوال العامة بذلك كله. والدليل على ما نقوله أن العامة يلزمهم اتباع العلماء فيما ذهبوا إليه، ولا يجوز لهم مخالفتهم، فهم في ذلك بمنزلة أهل العصر الثاني مع من

стр. 69

تقدمهم، بل حال أهل العصر الثاني أفضل؛ لأنهم من أهل العلم والاجتهاد، ثم ثبت أنه لا اعتبار بأقوال أهل العصر الثاني مع اتفاق أقوال أهل العصر الأول، فلان لا يعتبر بأقوال العامة مع اتفاق أقوال العلماء أولى وأحرى. (فصل) لا ينعقد إجماع إِلَّا باتفاق جميع العلماء، فإن شذَّ منهم واحد لم ينعقد إجماع. وذهب ابن خويز منداد إلى أن الواحد والاثنين لا يعتد بهم. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾

стр. 70

وقد وجد الاختلاف. (فصل) إذا أجمع العلماء على حكم حادثة، انعقد الإجماع، وحرمت المخالفة ، ولا يعتبر في ذلك بانقراض العصر. وعليه أكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم. وقال أبو تمام البصري من أصحابنا، وأصحاب الشافعي: لا ينعقد الإجماع إِلَّا بانقراض العصر. والدليل على ذلك أن حجة الإجماع لا تخلو أن ثبتت بالإجماع أو بانقراض أو بهما: ولا يجوز أن تبثت بانقراض العصر؛ لأنه ليس بقول ولا حجة، ولأن ذلك يوجب أن يكون الاختلاف حجة مع انقراض العصر، ولا يجوز

стр. 71

أن يكون الانقراض واتفاق العصر جميعاً حجة؛ فبإضافته إلى الآخر لا يصير حجة، فلم يبق إِلَّا أن يكون الاتفاق حجة، وذلك موجود مع بقاء العصر. (فصل) وقول أهل كل عصر حجة، هذا قول جماعة الفقهاء، غير داود بن علي الأصبهاني، فإنه قال: إجماع عصر الصحابة حجة دون إجماع عصر المؤمنين في سائر الأعصار. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ الآية. وإذا ثبت أن غير الصحابة يشارك الصحابة في هذا الاسم وجب أن يثبت لهم هذا الحكم، إِلَّا أن يدل دليل على اختصاص الصحابة به. (فصل) وأما إجماع أهل المدينة،

стр. 72

على ساكنها السلام، فقد أطلق أصحابنا هذا اللفظ، وإنما عول

стр. 73

مالك رحمه الله تعالى ومحققو أصحابه على الاجماع بذلك فيما طريقه النقل، [كمسألة الأذان] [*] والصاع وترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة وغير ذلك من المسائل التي طريقها النقل واتصل العمل بها في المدينة على وجه لا يخفى مثله، ونقل نقلاً متواتراً. وإنما خصت المدينة بهذه الحجة دون غيرها لوجود ذلك فيها دون غيرها من البلاد؛ لأنها كنت موضع ومستقر الخلافة والصحابة

стр. 74

بعده ﷺ ، ولو تهيأ مثل ذلك في سائر البلاد لكان حكمها كذلك أيضاً. (فصل) إذا قال الصحابي أو الإمام قولاً أو حكم بحكم وظهر ذلك وانتشر انتشاراً لا يخفى مثله ولم يعلم له مخالف ولم سمع له منكر، فإنه إجماع وحجة قاطعة، وبه قال جمهور أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي. وقال القاضي أبو بكر: لا يكون إجماعاً حتى ينقل قول كل واحد

стр. 75

من الصحابة كذلك، وبه قال داوود. والدليل على ما نقوله أن العادة جارية بأنه لا يجوز أن يسمع العدد الكثير والجم الغفير الذي لا يصح عليهم التواطؤ والتشاجر قولاً يعتقدون خطأه وبطلانه ثم يمسك جميعهم عن إنكاره وإظهار خلافه، بل أكثرهم يسرع إلى ذلك ويسابق إليه، فإذا ظهر قول وانتشر وبلغ أقاصي الأرض ولم يعلم له مخالف، علم أن ذلك السكوت رضىً منهم به وإقرار عليه، لما جرت به العادة. ولو لم يصح إجماع ولا ثبت به حجة إِلَّا بعد أن
следующие страницы →