← Тафсир

Тафсир · id 713

أقوال الحسين بن الفضل في التفسير

نادية بنت إبراهيم النفيسة

Полный текст (343 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المملكة العربية السعودية - وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - قسم القرآن وعلومه أقوال الحسين بن الفضل في التفسير (ت ٢٨٢ هـ) (جمعاً ودراسةً) رسالة: مقدمة لنيل درجة الماجستير في القرآن وعلومه إعداد الطالبة: نادية بنت إبراهيم النفيسة إشراف الدكتور: حجاج عربي رمضان العام الجامعي: ١٤٢٥ - ١٤٢٦ هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمدُ لله الذي أنزَلَ على عبدهِ الكتاب ولم يجعلْ لهُ عوجاً، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خير خلق الله محمَّدِ بن عبد الله الذي أتمَّ به تشرَيعه. أما بعد: فإنَّ خيرَ ما يتنافسُ فيه المتنافسون وأفضلَ ما يسهمُ في إبراز كمالِه وجلالِه المُسهمون كلامُ ربِّ العالمين، وقد أولعَ بتفسيره المتقدِّمون كما شُغف بتبيان ما يؤولُ إليه المتأخِّرون ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. ولذا رغبتُ في أن أختار موضوعَ [أقوال الحسينِ بن الفضلِ] جمعاً ودراسة. والحسين بن الفضل (ت ٢٨٢ هـ) من العلماء الكبار في اللغة ومعاني القرآن، ومع جلالة قدره ومكانتِه إلا أنه لم يشتهر بين طلبةِ العلم الآن. ولا غَروَ أن يُعنَى بمثل هذا العَلَم الذي وُصِف بعلمه بمعاني القرآن ـ كما سيأتي في ترجمته ـ كما أنه يلاحظ أن التأليف في هذا العِلم مشتهر في عصره (١) ولعله كان له تأليف فيه لكنه فُقد، وبقيت نقوله عند علماء التفسير كالثَّعلبي في الكشف والبيان، والسَّمعاني في تفسيره، والبغويِّ في معالم التنزيل، وابن عطية في المحرر الوجيز، وابن الجوزي في زاد المسير، والقرطبي في أحكام القرآن، والزركشي في البرهانِ في علومِ القرآنِ، والسيوطي في الإتقانِ، والكرمي في الناسخ والمنسوخ، والشَّوكاني في فتح القدير، وغيرهم. وهم عندما ينقلون عنه يصرِّحون باسمه فيقولون قال الحسين بن الفضل (٢)، ونقولُهم عنه تدلُّ على براعتِه في علمِ المعاني، وغوصٍ على معانٍ دقيقة، وفهمٍ خاص يكاد ألا يكون قد سُبقَ إليه.

стр. 3

أهمية الموضوع وسبب اختياره: ١ - أهمية أقوال الحسين بن الفضل في التفسير، ويظهر ذلك في أمرين: الأول: دقة منهجه واستخراجِه للمعاني. الثاني: حرص مَن كتب في التفسيرِ على نقلِ أقواله حيث كثرت النقول عنه في كتبهم. ٢ - دراسةُ شخصية رفيعة لها مكانتها العلمية المرموقة. ٣ - الحاجةُ إلى جمعِ أقوالِ هذا العَلَم في التفسيرِ ودراستِها، خاصة وأنَّها مبثوثة لا يجمعها كتاب واحد. أهدافُ البحث: ١ - جمع ما وُجِدَ من أقوال الحسين بن الفضل في التفسيرِ في رسالة علمية وفق أصول البحثِ العلمي. ٢ - التعريف بمكانة الحسينِ بن الفضل وخاصة في مجال التفسير. ٣ - موازنة أقواله بأقوال غيرِه من المفسرين. الدِّراسات السابقة: لقد تتبعت هذا الموضوع فلم أجد للحسين بن الفضل من كتب في التفسير وعلوم القرآن سوى كتابه في أمثال القرآن الذي حققه الدكتور علي البواب. وكذلك لم أجد أيَّ رسالة تحدثت عن الحسين بن الفضل أو جمعت أقواله. خطةُ البحث: تتكون من مقدمة وتمهيد وقسمين وخاتمة. المقدمة: تتضمنُ بيان أهمية الموضوع وأسباب اختياره و الدراسات السابقة له و أهداف البحث ومنهجه وخطته. التمهيد: يتناول عصر الحسين بن الفضل وحياته. أولاً: عصر الحسين بن الفضل: ١ - الحالة السياسية. ٢ - الحالة الاجتماعية ٣ - الحالة العلمية ثانياً: حياة الحسين بن الفضل ونتناول فيه بالبحث العناصر التالية: ١ - اسمه، نسبه، ومولده. ٢ - نشأته وطلبه للعلم. ٣ - شيوخه وتلاميذه. ٤ - عقيدته. ٥ - مكانته العلمية. ٦ - وفاته وآثاره. القسم الأول: منهج الحسين بن الفضل في التفسير: ويتضمن سبعة مباحث: المبحث الأول: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن. المبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن بالسنة. المبحث الثالث: منهجه في تفسير القرآن باللغة. المبحث الرابع: منهجه في بيان المشكل. المبحث الخامس: منهجه في الاختيار والاستدلال. المبحث السادس: منهجه في الاستنباط. المبحث السابع: موازنة بين منهجه ومنهج الفراء. القسم الثاني: أقوال الحسين بن الفضل ودراستها: أقواله في التفسير، ويتضمن جمع أقواله في التفسير من مظانها المختلفة ودراستها، وذلك من أول القرآن إلى آخره. وسيكون المنهج فيه على النحو الآتي: ١ - أذكر الآية أو الآيات التي نُقل عنه فيها شيءٌ من أقواله في أول الصفحة على وفق ترتيب المصحف الشريف. ٢ - أنقل كلام الحسين بن الفضل بنصِّه، وأجعله أعلى الصفحة، ثمَّ أعلِّق عليه تحت عنوان (الدِّراسة)، ثم أضع حاشية على تعليقي.

стр. 4

٣ - أعزو نصَّ قول الحسين بن الفضل إلى موضعه في كتاب الكشف والبيان المحقق في جامعة أم القرى، وما لم أقدر على التوصل إليه عزوته إلى كتاب الكشف والبيان بتحقيق أبي محمد بن عاشور (١)، وبينت ذلك في الحاشية مع العلم بأنِّي اعتمدتُّ الكشف والبيان كأول مصدر أنقل عنه أقوال الحسين ما لم أجد فيه بُغيتي فعندئذ أعمد إلى غيره ممن كانوا ينقلون عن الكشف والبيان. ٤ - عندما نقلت متن قول الحسين اكتفيت بعبارة: (قال الحسين بن الفضل) وأهملت ما قبل كلمة: (قال) من حروف العطف، مع العلم بأنَّ اسم (الحسين) قد يرد في بعض المراجع مصحَّفاً إلى الحسن فالتزمت في كتابتي بـ (الحسين). ٥ - ما بين الأقواس هو نصُّ قول الحسين بن الفضل، وأما ما قبله فقد يكون زيادة توضيح كتبتها ليتبين للقارئ المراد من القول. ٦ - أناقش ذلك القول مناقشة علمية تبين صحة قوله أو عدمه. ٧ - في غالب الدراسات أبدأ بذكر الأقوال الواردة في الآية، ومن ثمَّ أناقش قول الحسين بن الفضل، وأختمها بما توصلت إليه من الحكم على قوله. ٨ - في دراسة بعض الأقوال استطردت استطراداً رأيته مفيداً في دراسة هذا القول. ٩ - أوثق أقوال أهل العلم من كتبهم المعتمدة، إلا ما لم أجده فأحلت إلى كتب من نقله عنهم. ١٠ - أعزو الآيات وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية. ١١ - أُخرِّج ما تيسر من الأحاديث الواردة مكتفية بالصحيحين أو أحدهما إن كان فيهما أو أحدهما. وإن كان في غيرهما خرَّجتها مع بيان حكم العلماء عليها إن وجد. ١٢ - أعرف بالأماكن والقبائل المذكورة. ١٣ - أوضح الغريب من الألفاظ. ١٤ - أثناء دراستي لأقوال الحسين أقوم بتوثيق قوله من مصدره وأترجم للأعلام وغير ذلك مما سبق بيانه، ولذا فإنِّي لا أعيد ذلك عندما أنقل بعض تلك الأقوال كأمثلة في بيان منهج الحسين بن الفضل، وكذلك فعلت في الأمثلة التي سقتها في عقيدته. ١٥ ـ قمت بترقيم أقوال الحسين وذلك في الجانب الأيمن من المتن. الخاتمة: وتشتمل على أهم ما توصلت إليه من نتائج. الفهارس: وفيها كشف وبيان لمحتويات الرسالة وهي كما يلي: ١ - فهرس الآيات القرآنية.

стр. 5

٢ - فهرس الأحاديث النبوية. ٣ - فهرس أقوال الحسين بن الفضل ﵀. ٤ - فهرس الآثار. ٥ - فهرس الأعلام. ٦ - فهرس المصادر والمراجع. ٧ - فهرس محتويات الرسالة. والله وليُّ التوفيق

стр. 6

تمهيد عن عصر الحسين بن الفضل وحياته * أولاً: عصر الحسين بن الفضل: قد يكون للحالتين السياسية والاجتماعية في الغالب أثرهما في توجيه الحالة العلمية نحو ناحية معينة وطبعها بطابع خاصٍّ سلباً أو إيجاباً، إذن لننظر إلى ما تميز به عصر الحسين بن الفضل خاصة من ميزات تميزت بها العلاقة بين هذه الحالات الثلاثة. ١ - الحالة السياسية: عاش الحسين بن الفضل في أواخر القرن الهجريِّ الثاني وامتدت حياته إلى نهاية القرن الثالث، أي من سنة ١٧٨ هـ إلى سنة ٢٨٢ هـ تقريباً، فأدرك العصر العباسيَّ الأول والثاني للدولة العباسية، وكانت ولادته في عهد هارون الرشيد (١)، فعاصر خلافة المأمون (٢) والمعتصم (٣) والواثق (٤) والمتوكِّل (٥)

стр. 7

والمنتصر بالله (١) إلى أن توفي في خلافة المعتضد (٢). وقد بلغت الدولة العبَّاسية أوجها أيام الرَّشيد، ووصلت إلى غاية قوَّتها فاستتبَّ الأمن، ولم يحدث الصراع على الحكم إذ كانت الدولة في مرحلة الشباب و كان الشعور المشترك بالتعاضد والجهاد والمعاناة التي بذلوها في سبيل الوصول إلى السلطة ومآلها من أيدي الأمويين، لا يزال قائماً في النفوس. وجاءت أيام المأمون ولم تزل الإمارات المستقلة مقتصرة على الجناح الغربي من الدولة الإسلامية، ولم يتغير وضع الإمارات كثيراً في مغرب الدولة وإنما كانت استمراراً لما حدث في عهد أسلاف المأمون، وهكذا في أيام المعتصم، ومع انتهاء حكم المتوكل على الله انتهى العصر العبَّاسيُّ الأول وهو عصر القوة، وبدأ عصر الضعف حيث تسلَّط العسكر على الحكم، فحكموا من وراء الخلفاء الذين كانوا صورة بل ألعوبة أحياناً بيد العسكريين، وأذلُّوا الشعب وبالتالي بدأت الدولة تتداعى وينهدُّ منها ركنٌ بعد ركن حتى تهاوت على أيدي التتار، وقد تراخى أبناؤها وذلَّ أفرادها .. وكانت بداية العصر العباسي الثاني هي بداية عهد الضعف الذي أصاب المسلمين واستمر مدة زادت على عشرة قرون، ونشأت دويلات في مشرق الدولة إضافة إلى ما نشأ في مغربها، ونشوء هذه الدويلات راجع إلى الضعف الذي حلَّ بالدولة، ولقد وُجد أكثرُ من خليفة في بلاد المسلمين وتعدَّدت الدُّول المنفصلة عن جسم الخلافة (٣) وعليه كانت البلاد الإسلامية في تلك الفترة من التَّاريخ مضطربة وغير مستقرة. ٢ - الحالة الاجتماعية: توقفت الفتوحات وتناقصت أعمال الجهاد، إلا أنه نتيجةً لما جاء من أموال بسبب الفتوحات السابقة؛ فإن مظاهر الحضارة قد بدأت تنحو منحىً جديداً، فالذين تمسكوا بأسس الحضارة الصحيحة قد انصرفوا نحو العلم فأنتجوا، وعاش آخرون في الترف واتجهوا نحو مظاهر الحضارة الكمالية فكان البناء، والعمران، والزراعة، والتجارة، وإن كان معظم ذلك يتمُّ بأيدِ غير أيدي السكان الأصليين من رقيق وزنج جُلبوا إلى المنطقة، وانصرف آخرون أيضاً نحو مظاهر الحضارة التَّرفيهية، فعاشوا في الغناء والموسيقى والشراب، ونتيجة الترف بدأت الحضارة تتراجع تدريجياً حتى قضى ذلك على الدولة العباسية، إذ إنَّ أسس الحضارة في الأمن والعدل والمساواة واحترام الإنسان قد بدأت تتراجع، ومع زوال الأسس والأصول تداعت الأغصان والفروع وتساقطت الثِّمار وبعضها لم ينضج بعد وبعضها قد جفَّ ويبس (٤).

стр. 8

وخلاصة القول: إن الحالة الاجتماعية في العصرين العباسيين الأول والثاني كانت حياة ترف وإسراف وقد أدى ذلك إلى ضعف الدولة العباسية. ولعل الحسين بن الفضل كان بعيداً عن هذه الحياة كما سيتضح هذا من دراسة شيء من حياته. ٣ - الحالة العلمية: بعد ما قدمته بإيجاز شديد عن الحالة السياسية والاجتماعية في العصر العباسي أتحدث عن ما له كذلك صلة بموضوع البحث وهي الحالة العلمية، فلقد أطلق المؤرخون على هذه الفترة من التاريخ الإسلاميِّ العصر الذهبي، حيث كانت نهضة علمية ليس لها مثيل في تاريخ الإسلام، ولا غروَ فإن الإسلام قد أذكى جذوة المعرفة في نفوس العرب إذ دفعهم دفعاً قوياً إلى العلم والتعلم. (وكانت المساجد ساحات العلم الكبرى، وكان لكل فرع من المعرفة حلقته أو حلقاته الخاصة، فحلقة لفقيه، وحلقة لمحدث، وحلق القصَّاص، أو المفسر، وحلقة للغوي، وحلقة لنحوي، وحلقة لمتكلم، وكانت حلق الفقهاء من أكبر الحلقات إذ كان يقصدهم طلاب الفقه ومن يريدون أن يتولوا منصب القضاء أو الحسبة، وكذلك حلقة للمتكلمين لما يجري فيها من مناظرات ومحاورات، وكان يتحلَّق كثيرون في حلقات اللغويين والنحاة، ويقال إنه كان يحضر حلقة ابن الأعرابي (١) زهاء مائة شخص (٢). وكان الخلفاء ووزراؤهم يضفون على العلماء العطايا الجزيلة، وكان أول من سنَّ ذلك وجعله تقليداً للدولة: المهدي (٣)؛ فإنه أكثر من مكافآته للعلماء كثرة جعلتهم يشدون إليه الرحال من كل بلدة، ويُروى أنَّ طاهر بن الحسين (٤) قائد المأمون وواليه على خراسان وصل أبا عبيد القاسم بن سلام (٥) بألف دينار ثم عاد فوصله بثلاثين ألفاً، وأجرى عليه ابنه عبد الله عشرة آلاف درهم في كل شهر. (٦)

стр. 9

وليس من شكٍّ في أن هذا الصَّنيع كان من أهمِّ الأسباب في ازدهار الحركة العلميَّة في المساجد. والحقُّ أنه كان بين علماء الفقه والحديث من لا يبغون بعلمهم وتعليمهم سوى الثواب من الله. ولعلَّه من أجل ذلك شاع بينهم التكسب من الحرف أو التجارة كأبي حنيفة (١) وغيره، غير أن الكثرة ـ وخاصة من علماء اللغة وأصحاب العلوم الدُّنيويَّة ـ كانوا يتَّخذون علمهم، حرفة لهم ومتجراً، بل لقد كان متجراً رابحاً. وكان من أهم الأسباب في بلوغ الحركة العلمية غايتها في النهضة الواسعة استخدامُ الورق، واتسعت صنعةُ الوراقة وقد مضى العلماء حينئذ يفيدون منها، فاتَّخذوا لأنفسهم ورَّاقين ينقلون عنهم كتبهم ويذيعونها في الناس، وقد أخذ كثير من الأفراد يُعنَون باقتناء المكتبات. ولم تكن الكتب والمساجد هي كلُّ ما هيَّأ لازدهار الحركة العلمية حينئذ، فقد هيَّأت لها أيضاً مجالس الخلفاء والوزراء والأمراء؛ إذ تحوَّلوا بها إلى ما يشبه ندوات علمية يتناظر فيها العلماء من كل صنف. وحقاً لقد تغلغلت المعرفة والثقافة في جميع الأوساط حتى في أوساط العامة، وأصبحت غذاءً لجميع العقول والقلوب، وبرزت صفوة من العلماء كان جمهورها من أبناء هؤلاء العامة قادوا الحركة العلمية قيادة باهرة) (٢). * ثانياً: حياة الحسين بن الفضل: ويتضمن ما يلي: ١ - اسمه ونسبه ومولده: الحقيقة أن الكلام عن هذا العالم في كتب التراجم نادر، والذي أطنب في ترجمته هو الحاكم (٣) في كتابه ولعله (تاريخ نيسابور) وهو ـ على حسب علمي ـ كتاب مفقود، ولذا فإنَّ الذين نقلوا شيئاً من ترجمته كانت ـ على حد اطِّلاعي - عن طريق كتاب الحاكم، ومنهم الإمام الذهبي (٤) حيث قال: " قال الحاكم: الحسين بن الفضل بن عمير بن قاسم بن كيسان البجلي المفسِّر إمام عصره في معاني القرآن ". (٥) أبو علي البجلي الكوفي ثم النَّيسابوري (٦).

стр. 10

أما مولده فقد وُلد كما قال الذهبي: " قبل الثَّمانين ومائة " (١) ولعل ولادته تكون فيما يقارب عام ١٧٨ هـ، ذلك لأن وفاته كانت في عام ٢٨٢ هـ، وهو ابن ١٠٤ سنة (٢). ٢ - نشأته وطلبه للعلم: أما عن حياة الشيخ الحسين بن الفضل ﵀، من حيثُ نشأته، وطلبه للعلم، ورحلاته، فلم أجد فيما توفَّر لديَّ من مراجع معلومات يمكن الاستناد إليها في هذا الصدد. وإن كان يمكنني أن أستنتج بحسب ما رأيناه من السمات السياسية والاجتماعية التي تميز بها عصر ابن الفضل أن الجو عموماً كان مهيئاً لتلقي العلم وإتيان العلماء واللقاء بهم، ولعل ما نلاحظه من كثرة شيوخه يشير إلى أن الحسين قد نهل من معين العلماء في عصره. ٣ - شيوخه وتلاميذه: سمع يزيد بن هارون (٣) وعبد الله بن بكر السَّهمي (٤) والحسين بن قتيبة المدائني (٥) وشبابة بن سوار (٦) وأبا النضر هاشم بن القاسم (٧) وهوذة بن خليفة (٨) وإسماعيل بن أبان (٩) وطائفة.

стр. 11

وحدث عنه أبو الطيب محمد بن عبد الله بن مبارك (١) ومحمد بن صالح بن هانئ (٢) ومحمد بن القاسم العتكي (٣). ومحمد بن علي العدل (٤) وعمرو بن محمد بن منصور (٥) وأحمد بن شعيب الفقيه (٦) ومحمد بن يعقوب الأخرم (٧) وآخرون (٨). ٤ - عقيدته: تعتبر عقيدة المرء من أهم الجوانب في حياته، ولها أثر على سلوكه وحياته، وإذا كان له آثار علمية مدوَّنة، فإنها ـ لا محالة ـ ستظهر فيها. وإبراز الجانب العَقَدي مما ينبغي للباحث أن يبرزه من خلال الآثار التي تركها العالم، وإذا نظرت إلى تاريخ الفرق التي كانت قبل الحسين بن الفضل الذي توفي في أواخر القرن الثالث، فسنجد الفرق الآتية: الخوارج، والسَّبئية التي أفرزت عقيدة الرَّفض، والقدرية، والجهمية والمعتزلة، وهذا يعني أن بعض الفرق لم تظهر كالأشاعرة، لكن حركة تأويل النصوص كانت موجودة فيما قبل عصره، وهذا ما نجد له أثرًا عليه، لكن لا يلزم من هذا أن يكون منتسبًا إلى فرقة من الفرق، بل يكون متأثِّرًا بها فيما وقع فيه فحسب.

стр. 12

وكما أن بيان عقيدة المؤلف مما ينبغي بيانه، فإنه من الخطورة بمكان أن ننسب العالم إلى فرقة بدعية بسبب مشاركته في مسألة أو مسألتين من فروع مسائلهم. وبما أنَّ هذا البحث يهتم في المقام الأول بجمع ما تفرِّق من أقوال الحسين بن الفضل في التفسير، فإنه يصعب على الباحث أن يستبين الفرقة التي ينتمي إليها الحسين، ولذلك فإنَّ الحكم بالبقاء على الأصل هو الأولى، خاصةً وأنَّ المترجمين أثنَوا عليه من هذه الجهة، وله فيما وجدته من تفسيره ما يشهد له بذلك، فمن ذلك: ١ ـ تكفيره من قال إن أبا بكر ليس بصاحب للنبي ﷺ وفيه إشارة إلى ما يقول به غلاة الرافضة، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: [﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠]. ٢ ـ بيان وجوه الهدى في القرآن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] خلافًا للقدرية. ٣ ـ كأنه أراد الرَّدَّ على المعتزلة في خلق القرآن لما صرف معنى الذكر المحدث للرسول ﷺ : ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ [الأنبياء: ٢]. ٤ ـ إثباته للرؤية خلافًا للمعتزلة ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. ٥ ـ إثبات القدر في آية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. ٦ - إثبات الميزان يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل]. لكن أقول ـ مع ذلك ـ إنه وقع في بعض الأخطاء العقدية التي لا بدَّ من بيانها، وسأذكر بعضها هنا، كما سيمرُّ أثناء البحث التعليق على ما رأيته من أخطاء في هذا الجانب، والله الموفق. ١ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].

стр. 13

قال الحسين: (قد يعبد اللهَ غيرُ الملائكة، وإنما المعنى: من عند ربك جاءهم التوفيقُ والعصمة). وهذا صرف للنص عن ظاهره، والصواب أنَّ هذه العندية تقتضي القرب والإشارة إلى العلو، والله تعالى فوق عباده عالٍ عليهم. ٢ - في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] على قراءة الضم. قال الحسين: (العَجَبُ من الله إنكارُ الشيء وتعظيمه، وهو لغة العرب وقد جاء في الخبر (عجب ربُّكم من ألّكم وقنوطكم). وواضح أنَّ هذا تأويل لمسألة من مسائل الصفات وهي العجب. ٣ ـ نسب الرازي إلى الحسين قوله (إنَّ الإيمان مجرد التصديق بالقلب.) وذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. فإذا صحت تلك النسبة فهي تدل على أنه وافق الجهميَّة في تلك المقالة الخبيثة. ٥ - مكانته العلمية: قال الحاكم فيما نقله الذهبي: أقدمه ابن طاهر (١) معه نيسابور (٢) وابتاع له دار عزرة فسكنها وهذا في سنة سبع عشرة ومائتين فبقي يعلم الناس ويفتي في تلك الدار إلى أن توفي .. وسمعت محمد بن أبى القاسم المذكر (٣) يقول: سمعت أبي يقول: لو كان الحسين بن الفضل في بني إسرائيل لكان مما يذكر في عجائبهم. وسمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: ما رأيت أفصح لساناً من الحسين بن الفضل. وقال الحاكم: سمعت إبراهيم بن مضارب (٤) سمعت أبي يقول: كان علم الحسين بن الفضل بالمعاني إلهاماً من الله، فإنه كان قد تجاوز حدَّ التعليم. قال: وكان يركع في اليوم والليلة ستمائة ركعة، ويقول: لولا الضعف والسن لم أطعم بالنهار. وسمعت أبا زكريا العنبري (٥) سمعت أبي، يقول: لما قلد المأمون عبد الله بن طاهر خراسان، قال: يا أمير المؤمنين حاجة، قال: مقضية، قال: تسعفني بثلاثة: الحسين بن الفضل و أبو سعيد الضرير (٦)

стр. 14

وأبو إسحاق القرشي (١) قال أسعفناك، وقد أخليت العراق من الأفراد. ثم إن الحاكم ساق في ترجمته بضعة عشر حديثاً غرائب فيها حديث باطل (٢). وعندما ذكره ابن حجر (٣) قال: " الحسين بن الفضل البجلي الكوفي العلامة المفسر أبو علي، نزيل نيسابور، يروي عن يزيد بن هارون والكبار، ولم أر منه كلاماً، لكن ساق الحاكم في ترجمته مناكير عدة - فالله أعلم - انتهى. وما كان لذكر هذا في هذا الكتاب معنى فإنه من كبار أهل العلم والفضل " (٤) ونسب ابن حجر إلى الحاكم أنه ساق عنه أشياء نفيسة من التفاسير، وفي آخر ذلك أنه قال: من سئل عن مسألة فيها أثر عن رسول الله ﷺ فعليه أن يجيب بجوابه ولا يلتفتَ إلى ما خالف ذلك من قياس أو استحسان؛ فإنَّ السَّند لا يعارض بشيء من ذلك ثم ذكر شيئاً من أفراده، وغرائب حديثه، فساق له خمسة عشر حديثاً ليس فيها حديث مما ينكر بكون سنده ضعيفاً حتى يلزمه الوهم بالحسين، بل لا بد فيه من راوٍ ضعيف غيره، فلو كان كلُّ من روى شيئاً منكراً استحقَّ أن يُذكر في الضُّعفاء لما سلم من المحدِّثين أحد، لا سيَّما المكثر منهم فكان الأولى ألاَّ يذكر هذا الرجلُ لجلالته - والله أعلم - (٥). وقال فيه صاحب (مرآة الجنان): " كان آية في معاني القرآن، صاحب فنون، متعبداً قيل: إنه كان يصلِّي في اليوم والليلة ستمائة ركعة .. " (٦). وقال عنه السيوطي (٧): " المفسِّر والأديب، إمام عصره في معاني القرآن".

стр. 15

وقال: " وكان من العلماء الكبار العابدين، يركع كلَّ يوم وليلة ستمائة ركعة .. وأطنب الحاكم في ترجمته" (١). ٦ - وفاته وآثاره: قال محمد بن صالح بن هانئ (٢): تُوفِّي الحسين في شعبان سنة ٢٨٢ هـ وهو ابن ١٠٤ سنين، وصلى عليه محمد بن النضر الجارودي (٣) ولقد شيعه خلق عظيم (٤). وأما عن آثاره فالذي اتضح لي من جمع أقواله أنَّ له كتاباً في التفسير ولو على الأقل في المعاني. وعن هذا الكتاب نقل العلماء أقواله ثم فُقد هذا الكتاب. والذي بين أيدينا الآن من كتبه هو (الأمثال الكامنة في القرآن) تحقيق الدكتور علي البوَّاب.

стр. 16

القسم الأول منهج الحسين بن الفضل في التفسير ويتضمن سبعة مباحث: قبل أن أوضح هذه المباحث أود أن أبين أنه لا يمكن استخراج منهج متكامل من تلك الأقوال التي جمعتها في هذا المبحث، ولكن أستطيع أن أقول: إنها دلالات على شيء من طريقته في التفسير. وأرى أهمية هذا التنبيه لئلا نحكم على منهجه ككل، ونحن لم يصلنا إلا القليل من أقواله. المبحث الأول تفسير القرآن بالقرآن يعتبر كتاب الله العزيز معجزة الإسلام الخالدة في تفوق بلاغته وحسن بيانه، وجمال أسلوبه، ومن سرِّ كونه من عند الله تعالى أنه أُوضح بعضُه ببعض (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [النساء: ٨٢] ويأتي تفسير كتاب الله تعالى في المقام الأول بآيات الكتاب نفسها، وهو ما يسمى بتفسير القرآن بالقرآن وهو أصحُّ طرق التَّفسير وأسلمُها، إذ لا أحد أعلمُ بكلام الله منه، فما أُجمل من القرآن في موضع بُيِّن في آخر، وما اختُصر في موضع بُسط في موضع آخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إنَّ أصحَّ الطرق في ذلك: أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، وما اختُصر في مكان قد بسط في موضع آخر " (١). ولقد أدرك العلماء أهمية هذه الصلة بين آيات كتاب الله تعالى، فاعتنوا بإيراد النصوص من القرآن في تفسير معنى الآية من القرآن، وعلى رأسهم من أطبقت الأمة على تقدُّمه في التفسير (ابن جرير الطبري) وكذلك الإمام البغويُّ والحافظ ابن كثير وغيرهم كثير. وكان للحسين بن الفضل ﵀ عناية لا بأس بها في هذا الجانب. واستفاد من القرآن كمصدر من مصادر التفسير عنده، ويمكن أن تُقسم استفادته منه إلى أقسام: ١ - تفسير آية بآية: وقد حصرت له في ذلك سبعة أمثلة (٢) وأسوق منها مثالين وهما: أ - في قوله تعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].

стр. 17

قال الحسين بن الفضل: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ يعني الجنة كما آتى المؤمنين قال تعالى: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ من الكفار وأهل النار). ففسر الملك الذي يؤتيه من يشاء بملك الجنة، وقد ذكر الله تعالى هذا الملك في سورة الإنسان في قوله ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ [الإنسان: ٢٠] ب - في قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] قال الحسين بن الفضل: (الشاهد: هذه الأمة، والمشهود: سائر الأمم. بيانه: قوله سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ففسر الشاهد بأمة محمد ﷺ والمشهود عليهم هم سائر الأمم، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. لا يخفى أنه في المثال اعتمد على ربط المعنى من جهة السياق. ٢ ـ جمع النظائر القرآنية (١): ويتجلى هذا في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. قال الحسين بن الفضل: الهدى في القرآن على وجهين: الوجه الأول: هدى دعاء وبيان، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] والوجه الثاني: هدى توفيق وتسديد، كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].

стр. 18

ويتضح من هذا المثال كيف استفاد الحسين من القرآن كمصدر للتَّفسير حيث إنه استخدم علم الوجوه والنظائر في بيان معنى الهداية في القرآن. فالوجه الأول: الهداية بمعنى البيان، وقد ذكر من النظائر القرآنية ثلاث آيات جاء فيها معنى الهداية بالبيان. والوجه الثاني: الهداية بمعنى التوفيق، وذكر من النظائر القرآنية آيتين. ٣ - جمع الموضوع القرآني: وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] قال الحسين بن الفضل في تفسير الكبيرة، هي: (ما سمَّاه الله في القرآن كبيراً أو عظيماً نحو قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] فكأن الحسين ﵀ هنا حصر معنى الكبيرة في كل ما سُمِّي في القرآن كبيرٌ أو عظيم. ٤ - الاستشهاد لتفسيرٍ من التفاسير: ذكره في مثالين: أ - (وقد روى عن الحسن وجعفر الصادق التشديد، وهو قول الحسين بن الفضل من أمَّ إذا قصد أي نحن قاصدون نحوك، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٤٢] فاستشهد بالقرآن على معنى آمين، واعتمد في ذلك على بيان المعنى اللغوي. ب - في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠].

стр. 19

وقال أهل المعاني: (فيه إضمار واختصار معناه: قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء أم تجعل فيها من لا يفسد فيها ولا يسفك الدماء كقوله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] يعني كمن هو غير قائم وهو اختيارالحسين بن الفضل ﵀. فاستشهد بالآية الأخرى على أسلوب الخطاب، وعلى وجود المعادل. المبحث الثاني منهجه في تفسير القرآن بالسنة من المعلوم أن السنة هي الأصل الثاني الذي يجب الرجوع إليه، والتعويل عليه بعد كتاب الله فهي توضح القرآن، وتبين المراد منه، تفصِّل مجمله، وتقيِّد مطلقه، وتخصِّص عمومه كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد فسَّر الحسين ﵀ بهذا النوع أكثر من أربع آيات في القرآن، ويلحظ عليها ما يلي: ١ - أنه يذكر الحديث دون ذكر السند. ٢ - قد يحكم على الخبر. وهو في ذلك مُقلٌّ من إيراد الأحاديث في تفسيراته وهذه أهم ملاحظة تحت هذا المبحث، وسأعرض أمثلة تبين ما ذكرناه. أ - في قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]. قال ابن عباس: " هما اسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر أي أكثر رحمةً ". وقال الحسين بن الفضل البجلي: (هذا وهم من الراوي، لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من صفات الله قال النبي ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف). فهنا استشهد الحسين بالحديث في تصحيح القول المنسوب لابن عباس. ب - في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].

стр. 20

قال الحسين بن الفضل: (وهم يعلمون أنَّ لهم رباً يغفرُ الذُّنوب، وإنما اقتبس هذا من قول النبي ﷺ : (من أذنب ذنباً وعلم أن له رباً يغفر الذنوب غفر له وإن لم يستغفر). فربط الآية بالحديث من خلال المعنى الذي ذكره، وجعل تفسير الآية مقتبساً من الحديث. ج - في قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]. قال الحسين بن الفضل: (إنْ مع حروف الشرط لا يثبت الفعل، والدليل عليه ما روي أن الرسول ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: قال (والله لا أشك ولا أسأل). فهنا استشهد بالحديث على بيان معنى إنْ، واستدل بأنها نافية في هذا الموضع بالحديث الذي نفى الشك عنه بلا النافية، فربط الآية بالحديث من خلال بيان معنى الحرف. د - في قوله تعالى ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]. قال الحسين بن الفضل: (العجب من الله إنكار الشَّيء وتعظيمه، وهو لغة العرب وقد جاء في الخبر (عجب ربكم من ألّكم وقنوطكم). وهنا اعتمد الحسين على الحديث في بيان المعنى اللغوي للعجب. المبحث الثالث منهجه في تفسير القرآن باللغة لقد اختار الله سبحانه خاتم الأنبياء والمرسلين محمداً ﷺ وهو العربي الفصيح بيد أنه من قريش، وكانت السنن أن يكون الكتاب بلسان القوم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ [إبراهيم: ٤] وقد نصَّ الله تعالى على عربية القرآن في آيات عديدة منها: قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨].

стр. 21

قال ابن فارس (١): "وقال الله جلَّ ثناه ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤] فقدم جلَّ ثناؤه ذكر البيان على جميع ما توحَّد بخلقه وتفرَّد بإنشائه، من شمس وقمر ونجم وشجر، وغير ذلك من الخلائق المحكمة، والنشايا المتقنة، فلمَّا خصَّ جل ثناؤه اللسان العربيَّ بالبيان عُلِمَ أن سائر اللغات قاصرة عنه وواقفة دونه" (٢). فلا يمكن للمفسر أن يفسر كلام الله إلا وهو عالم باللغة، ولا شك أن الحسين بن الفضل ـ رحمه الله تعالى ـ توسع في تفسير القرآن باللغة وكان أوسع ما عنده من التفسير، ووضح أثرها على أقواله، ويمكن تقسيم استفادته منها إلى قسمين: أولاً: بيان معاني المفردات: أ - كما في قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] قال الحسين بن الفضل: (الرَّبُّ الثابتُ من غير إثبات أحد، يقال: ربَّ بالمكان وأربَّ ولبَّ إذا أقام). ب - في قوله تعالى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. قال الحسين بن الفضل: (يوم الطاعة). ج -في قوله تعالى ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [لأعراف: ٦٤]. قال الحسين بن الفضل: (عمين) في البصائر يقال: رجلٌ عمٍ عن الحقِّ، وأعمى في البصر، وقيل: العمي والأعمى واحد كالخضر والأخضر). ويدخل في هذا بيان الفروق بين المفردات كما أ - في قوله تعالى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]. قال الحسين بن الفضل: (الرَّحمن الذي يرحم ويقدر على كشف الضُّرِّ ودفع الشر، والرَّحيم الذي يرقُّ وربما لايقدر على الكشف).

стр. 22

ب- في قوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. قال الحسين بن الفضل: (والفرق بينهما أن قوله: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: معناه تجري من تحت الأشجار، وقوله (من تحتها) أي: ينبع الماء من تحت الأشجار). ولقد تبين ممَّا سبق كيف كان الحسين يفسر الآيات ببيان معناها اللغوي، وقد أجاد ﵀ في هذا المجال، وأبدع، كيف لا وهو البحر في اللغة والمعاني! ثانياً: بيان أساليب اللغة الواردة في الآيات: وهي عنده على النَّحو التالي: ١ - أسلوب الخطاب العربي في (ما): كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال الحسين بن الفضل: (إنما أراد بقوله (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الأوثان دون غيرها؛ لأنه لو أراد الملائكة والناس لقال: (ومن تعبدون) حيث استخدم أسلوب الخطاب العربي في (ما) و (مَن). ٢ - أسلوب الكناية: كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]. قال الحسين بن الفضل: (هذا تعريض للتَّفهيم والتَّنبيه؛ لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغيٌ، وإنما هو كقول الناس: ضرب زيدٌ عمراً وظلم عمروٌ زيداً واشترى بكر داراً، وما كان هناك ضرب ولا ظلم ولا شراء). ٣ - أسلوب الحذف (١):

стр. 23

أ - في قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]. قال الحسين بن الفضل: (يعني إلا من عبد ربَّ العالمين). ب- في قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. قال الحسين بن الفضل: (أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا أهل الإيمان، وهو من باب حذف المضاف؛ أي من الذي يؤمن؟ أبو طالب أو العباس أو غيرهما). ج-في قوله تعالى ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] قال الحسين بن الفضل: (مجازه: فإن الله هو مُدهر الدُّهور) د ــ في قوله تعالى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] قال الحسين بن الفضل: (على حب إطعام الطعام). ولا يخفى مما سبق أن الحسين ﵀ استخدم هذا الأسلوب في تفسيره لبعض الآيات. ٤ - أسلوب التقديم والتأخير (١): ولعلَّ هذا الأسلوب هو أوسع الأساليب استخداماً في تفسيره للآيات القرآنية كما في الأمثلة التالية (٢):

стр. 24

أ/ في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وَإِنَّهُ قال الحسين بن الفضل: (فيه تقديم وتأخير تقديره: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين). ب -في قوله تعالى ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ ... [طه ٢، ٣] قال الحسين بن الفضل (فيه تقديم وتأخير، مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى ولئلا تشقى). ج - في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. قال الحسين بن الفضل: (فيه تقديم وتأخير، مجازه: والذين هديناهم سبيلنا جاهدوا فينا). د- في قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]. قال الحسين بن الفضل: (في هذه الآية تقديم وتأخير، مجازها: أفرأيت من اتخذ هواه إلهه). ٥ - أسلوب الإضمار (١): وذلك يتمثل في: أ/ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].

стр. 25

قال أهل المعاني: (فيه إضمار واختصار معناه: قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء أم تجعل فيها من لا يفسد فيها ولا يسفك الدماء كقوله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] يعني كمن هو غير قائم، وهو اختيار الحسين بن الفضل) ب/ في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]. قال الثعلبي: "سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عبدوس يقول حاكياً عن الحسين بن الفضل أنه سُئل عن هذه الآية فقال: (هو مختصرٌ مضمرٌ تقديره: (واتَّبعوا ما كانت تتلو الشياطين) أي تقرؤه). ويتبين مما سبق أن الحسين ربط تفسير الآية بوجود إضمار في السياق ويتبعه الاختصار. المبحث الرابع بيان المشكل عند الحسين لقد تضمنت تفسيراته لبعض الآيات حلَّ المشكل في عبارة تفسيرية محددة، وذلك في خمسة مواضع كما: أ- في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]. قال ابن عباس: ومن يكفر بالله، قال الحسين بن الفضل (إن صحت هذه الرواية كان معناه (بربِّ الإيمان). ويحمد للحسين تعليقه النتيجة على صحة الرواية. ب ـ في قوله تعالى ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١].

стр. 26

قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. دعا عبد الله بن طاهر، والي خراسان الحسين بن الفضل، فقال له: أشكلت عليَّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي قال: وما هنَّ أيُّها الأمير، قال: قوله تعالى في وصف ابني آدم. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ وصحَّ الخبر بأن الندم توبة. وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، وصحَّ الخبر بأن القلم قد جفَّ وجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فما بال الأضعاف، فقال الحسين بن الفضل: يجوز أن لا يكون ندمُ قابيل توبةً له، ويكون ندم هذه الأمة توبةً لها لأنَّ الله تعالى خصَّ هذه الأمة بخصائص لم يشركهم فيها غيرهم من الأمم. وفيه قول آخر، وهو أن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل وإنما كان ندمه على حمله. وأما قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ يعني من طريق العدل، ومجاز الآية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ عدلاً وَلي أن أجزيه بواحدة ألفاً، وأما قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شؤون يعيدها لا شؤون يبتديها، ومجاز الآية: سوق المقادير إلى المواقيت، فقام عبد الله بن طاهر، وقبَّل رأسه وسوَّغ خراجه. هـ - في قوله تعالى ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]

стр. 27

قال الحسين بن الفضل: (سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي، ... عن قوله سبحانه (فخَرَّ رَاكِعاً) هل يقال للراكع خرَّ؟ قلت: لا، قال: فما معنى الآية؟ قلت: معناها فخرّ بعد أن كان راكعاً أي سجد). وفي هذا دلالة أكيدة على علو شأن الحسين بن الفضل في التفسير حتى أنهم دعوه ليكشف عنهم ما أشكل عليهم في معنى بعض الآيات. المبحث الخامس منهجه في الاختيار والاستدلال كان للحسين في تفسيراته اختياراته الخاصة به ولقد وجدتُ له أكثر من اثني عشر اختياراً في أقواله التي بين أيدينا، وأضرب لذلك أمثلة منها: أ - في قوله تعالى ﴿الم﴾ [البقرة: ١]. قال الحسين بن الفضل: (هو من المتشابه). ب - في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢] إن الله سبحانه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا، قالوا: وتمام الكلام عند قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ثم وصفهم ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وهو مثل قوله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] الآية قالوا: فالله خلقهم والمشي فعلهم، وهذا اختيار الحسين بن الفضل). ويحسن هنا أن أبين طرائقه في الاختيار وهي كالتالي: ١ ـ استخدام أساليب اللغة: كقوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال الحسين بن الفضل: (إنما أراد بقوله ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الأوثان، دون غيرها لأنه لو أراد الملائكة و الناس لقال: (ومن تعبدون)). ولا يخفى أنه بنى اختياره هذا على المعروف من أسلوب العرب في لغتهم التي نزل القرآن بها.

стр. 28

٢ ـ استخدام السياق القرآني: كما في قوله تعالى ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]. قال الحسين بن الفضل: (الذكر ههنا محمد ﷺ يدل عليه قوله في سياق الآية ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] ولو أراد بالذكر القرآن لقالوا ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ودليل هذا التأويل أيضا قوله ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ ـ ٥٢] يعني محمد ﷺ . ٣ ـ تأكيده على عصمة الأنبياء: كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]. قال عكرمة: لم يخصَّ بها آدم، ولكن جعلها عامَّة لجميع بني آدم بعد آدم. قال الحسين بن الفضل: (وهذا أعجبُ إلى أهل النَّظر لما في القول الأول من إلصاق العظائم بنبيِّ الله آدم ﵇. ٤ ـ اعتماده على بعض علوم القرآن: كالنسخ والمكي والمدني والمبهمات والعموم، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٥]. قال الحسين بن الفضل: (نُسخت بهذه الآية كلُّ آية في القرآن فيها الإعراض والصَّبر على أذى الأعداء). وقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا .. ﴾ [المدثر: ٣١]. قال الحسين بن الفضل: (هذه السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق ألبتة، فالمرض في هذه الآية الخلاف لا النفاق). وقوله تعالى ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣].

стр. 29

قال الضحاك: بلسانها. وقال الحسين بن الفضل: (وهذا أولى الأقاويل لأن المراد كان من إحياء القتيل كلامُه واللسان آلته). وقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. قال الحسين بن الفضل: (وَفَّى بشأن الأضياف حتى سُمِّى أبا الأضياف) (١). • وأما عن طريقته في الاستدلال فله ستة أمثلة تبين ذلك كما: أ- في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قال الحسين بن الفضل وغيره: (لأنَّها نزلت مرَّتين، كل مرة معها سبعون ألف ملك مرة بمكة من أوائل ما نزل من القرآن ومرة بالمدينة، والسبب فيه أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود بني قريظة والنضير في يوم واحد، وفيها أنواع من البز وأوعية الطيب والجواهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا، لتقوَّينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله تعالى هذه السورة وقال: ولقد أعطيناكم سبع آيات هي خير لكم من هذه القوافل، ودليل هذا التأويل، قوله في عقبها (﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨]). عندما ذكر الحسين هنا سبب نزول هذه الآية، فسَّر قوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ على ضوء هذا السبب، ثم دلَّل على صحة قوله بالآية بعدها، وهي قوله تعالى ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ فإن الله أغناكم بما هو أعظم من الأموال والمتع الزائلة. ب ـ في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ لْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. (وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر وهو اختيار الحسين بن الفضل، قال: لقوله في عقبه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]).

стр. 30

لا يخفى كيف استدل الحسين لاختياره (من هم أولو العزم من الرسل) في قوله في آخر آية الأنعام بعد ذكر هؤلاء الرسل ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فقد شهد الله لهم بالهداية وأمر خيرة أنبيائه بالاقتداء بهم، فأمره هنا في الأحقاف بالصبر كما صبروا؛ لأنه لا ينال تلك المكانة إلا من صبر بعزم. ج ـ في قوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قال الحسين بن الفضل: (كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته). واستدل بهذه الآية بأن الله تعالى عند ما لم يوفقهم في الدنيا إلى الهداية وحجبهم عن توحيده وإخلاص العبادة له، استحقوا بذلك العقوبة، فلم يكونوا من عباده المؤمنين الذين يجزيهم الله بالنظر إلى وجهه الكريم، ولذلك حجبهم عن رؤيته. المبحث السادس منهجه في الاستنباط تمتاز بعض أقوال الحسين ﵀ باستنباطات موفقة، وهي تدلُّ بوضوح على حدَّة نظره، وجلاء فهمه، وعلوِّ شأنه في معرفة المعاني وما تدلُّ عليه، وله فيما وصلنا ما يقارب ثمانية استنباطات، وقد تكون استنباطات عقلية كما: أ ـ في قوله في سبب تسمية سورة الفاتحة: (لأنها أول سورة نزلت من السماء). ب- في قوله في سبب تسميتها أمَّ القرآن (سميت بذلك لأنها أمٌّ لجميع القرآن، تقرأ في كل ركعة، وتُقدم على كل سورة، كما أنَّ أم القرى إمامٌ لأهل الإسلام) أو غير ذلك (١) كما: ج ـ في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ﴾ ... [آل عمران ٥٥]. قيل للحسين بن الفضل: (هل تجد نزول عيسى ﵇ من السَّماء في القرآن؟ فقال: نعم قوله: (وكهلاً) وهو لم يكتهل في الدُّنيا، وإنما معناه (وكهلاً) بعد نزوله من السماء). د ـ في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].

стр. 31

قال الحسين بن الفضل: (لم يجمع الله لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا للنَّبيِّ ﷺ فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقد ورد في أقوال الحسين استنباطات للأمثال العربية من القرآن الكريم كما: هـ - في قوله تعالى ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]. روى الثعلبي عن إبراهيم بن محارب بن إبراهيم: سمعتُ أبي يقول: سألتُ الحسين بن الفضل هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتاً والحرام يأتيك جزفاً جزفاً؟ قال: نعم، في قصة داود وتأويله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. و ـ في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]. قيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن (من جهل شيئاً عاداه)؟ فقال: نعم في موضعين ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]. المبحث السابع موازنة بين منهجه ومنهج الفراء قد يكون من الخطأ في حق الحسين بن الفضل ﵀ أن أجري موازنة تامة بين منهجه ومنهج الفراء من خلال كتابه (معاني القرآن) حيث إنه لدينا كتابٌ متكاملٌ للفراء يسهل إخراج منهجه منه، وليس الأمر كذلك في أقوال الحسين بن الفضل لكن من الممكن إجراء موازنة بين منهج الفراء من خلال كتابه وبين ما جُمع من أقوال الحسين، مع التأكيد بأن تلك الأقوال لا تشكل منهجاً متكاملاً لتفسيره.

стр. 32

ومن المعلوم أن أبا زكريا يحيى بن زياد الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، أملى كتابه من حفظه ابتداءً من شهر رمضان سنة ثنتين ومائتين إلى سنة أربع ومائتين (١)، ولقد حشد فيه علوماً منها: الإعراب والمعاني والقراءات وعللها وتوجيهها، والصرف ولغات العرب وغيرها، وكان تركيبه بـ (معاني القرآن) يعني ما يشكل في القرآن ويحتاج إلى بعض العناء في فهمه. ويمكن وصف موضوعات الكتاب بما يأتي: ١ - حرص الفراء على الاهتمام بالعربية وقد غفل عن غيرها من المصادر، وهذا كان له الأثر في عدم اعتماده بعض أقوال المفسرين من الصحابة والتابعين. ٢ - أن أكثر مباحث الكتاب تتعلق بالنحو، وبهذا أبرز الفراء مذهبه الكوفي الذي حرص من خلال كتابه أن يظهر مصطلحات النحو الكوفي، ويبرز مسائله بل ويستطرد فيها حتى أن الصبغة النحوية فاقت التفسير والمعاني في كتابه (معاني القرآن). ٣ - لما للمنحى العربي الذي سلكه الفراء في كتابه من تأثير فإنك تجده كثيراً ما يستنتج من النص القرآني ليبين صحة هذا الأسلوب الذي افترضه. ٤ - كان لعلم القراءات شاذِّها ومتواترها نصيباً كبيراً من كتابه (معاني القرآن) وهو يذكر توجيهها ويبين ما بينها من الفروق إن وجد، كالاختلاف في اللَّهجات والتَّصريف وفي الإعراب. ٥ - اهتمَّ الفراء ببيان لغات العرب، وطريقة نطقها لبعض الكلمات، وهو في ذلك إما أن يُخصِّص قول العرب بقبيلة معينة، أو لا يخصص القول بقبيلة معينة. ٦ - اهتم الفراء ببيان معاني ألفاظ القرآن وكان يستشهد لها، ولكن بقلة بخلاف المسائل النحوية التي يكثر الاستشهاد لها. ولقد استقريتُ الآيات التي فسرها الحسين بن الفضل في كتاب (معاني القرآن) للفراء، فاستنتجتُ الأمور التالية: ١ - حصرتُ اثنتين وأربعين آية (٢) توافقا في تفسيرها، ولو بشكل عام.

стр. 33

٢ - أن إجراء موازنة منضبطة بين أقوالهما أمرٌ لا يتأتَّى؛ ذلك لما ذكرت سابقاً من إمكانية تصوُّر منهج متكامل لأقوال الفراء الأمر الذي لم يتوفر في أقوال الحسين بن الفضل. ٣ - الفراء ينحو في أقواله منحى بلاغيّاً نحويّاً، بينما الحسين ينحو المنحى البلاغي. ٤ - في بعض الأمثلة يفسر الفراء الآية من جهة بينما يفسرها الحسين من جهة أخرى، كما في قوله تعالى ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢]. قال الفراء: (يقول: إثم الجاهلية، وهي في قراءة عبد الله: (وحللنا عنك وقرك، يقول: من الذنوب) (١). وقال الحسين بن الفضل: (يعني الخطأ والسهو). ٥ - وعليه سوف تكون الموازنة بين أقوالهما بشكل عام. ٦ - أرى أن اختيار أقوال الفراء لإجراء مقارنة بينها وبين أقوال الحسين بن الفضل اختيار غير موفق لأجل ما بين أقوالهما من فروق واضحة ولعدم اتفاقهما في نفس التفسير ولو في أغلب الآيات. وسأعرض أمثلة من أقوالهما: ١ - في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]. قال الفراء: (فالذي على البيِّنة من ربِّه محمد ﷺ ويتلوه شاهد منه يعني جبريل ﵇ يتلو القرآن، الهاء للقرآن. وتبيان ذلك: ويتلو القرآن شاهد من الله .. ) (٢). وقال الحسين بن الفضل: (وهو القرآن ونظمه وإعجازه، والمعاني الكثيرة منه في اللفظ القليل). ٢ - في قوله تعالى ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣]. قال الفراء: (يقول: فما تزيدونني غير تخسير لكم وتضليل لكم، أي كلما اعتذرتم بشيء هو يزيدكم تخسيراً، وليس غير تخسير لي أنا، وهو كقولك للرجل ما تزيدني إلا غضباً أي غضباً عليك) (٣). وقال الحسين بن الفضل: (لم يكن صالح في خسارة حين قال لهم: (فما تزيدونني غير تخسير) وإنما المعنى: ما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة).

стр. 34

٣ - في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٢، ٣]. قال الفراء: (إلا تذكرة نصبها على قوله: وما أنزلناه إلا تذكرة) (١). وقال الحسين بن الفضل: (فيه تقديم وتأخير، مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى ولئلا يشقى). ٤ - في قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، قال الفراء: (والذبح الكبش وكلّ ما أعددته للذَبْح فهو ذِبح. ويقال: إنه رعى في الجنة أربعين خريفاً فأعظم به، وقال مجاهد (عظيم) متقبل) (٢). وقال الحسين بن الفضل: (لأنه كان من عند الله . ٥ - في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]. قال الفراء: يقول: إلا المتقارب من صغير الذُّنوب، وسمعتُ العرب تقول: ضَرَبَهُ ما لَمَ القتل، (ما صلة يريد: ضربَه ضَرْباً متقارباً للقتْل، وسمعت من آخر: ألَمَّ يْفعَلُ - في معنى - كاد يفعل. وذكر الكلبي بإسناده: أنها النظرة عند غير تعمد، فهي لمم وهي مغفورة، فإن أعاد النظر فليس بلمم هو ذنب) (٣). وقال الحسين بن الفضل: (اللمم النظر من غير تعمّد فهو مغفور، فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب). ٦ - في قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣]. قال الفراء: (وشاهد) يوم الجمعة، (ومشهود) يوم عرفة، ويقال: الشاهد أيضا يوم القيامة، فكأنه قال: واليوم الموعود والشاهد، فيجعل الشاهد من صلة الموعود، يتبعه في خفضه) (٤). وقال الحسين بن الفضل: (الشاهد: هذه الأمة، والمشهود: سائر الأمم). بيانه: قوله سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].

стр. 35

القسم الثاني أقوال الحسين بن الفضل في التفسير ودراستها: سورة الفاتحة * مكية أم مدنية ؟: [١] قال الحسين بن الفضل: (لكل عالم هفوةٌ، وهذه (١) نادرةٌ من مجاهد لأنه تفرَّد بها، والعلماء على خلافه). الكشف والبيان للثعلبي (٢) (٣) / ٤٢٢ (٤). الدراسة اُختلف في الفاتحة: قيل: هي مكية، وبه قال ابن عباس ﵄ والضَّحاك (٥) وقتادة (٦) وأبو العالية (٧) وغيرهم (٨) ورجحه البغويُّ (٩) والقرطبيُّ (١٠)

стр. 36

في تفسيرهما (١)، وذكر البغوي والسيوطي أنه قول الأكثرين (٢) ونصَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). وقيل: إنها مدنية وبه قال مجاهد (٤) ونُسب إلى أبى هريرة ﵁ (٥) والزهري (٦)، وعطاء بن يسار (٧). قال ابن حجر في الفتح: " وأغرب بعضُ المتأخرين فنسب القول بذلك لأبي هريرة والزهري وعطاء بن يسار (٨). ويقال: إنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة (٩). وفيه قول رابع: أنها نزلت نصفين نصفها بمكة ونصفها بالمدينة (١٠). والصحيح ـ والله أعلم ـ أنها مكية للأسباب التالية: ١ - أنها ركن من أركان الصلاة، والصلاة فُرضت بمكة، فلا يُتصوَّر صلاةٌ بدونها. ٢ - لامتنان الله بها على رسوله ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ في سورة الحجر، وسورة الحجر نزلت في مكة؛ إذ يبعد أن يمتنَّ الله عليه بما لم ينزل بعد. ٣ - أنَّه قول الجمهور: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفاتحة الكتاب مكيَّةٌ بلا ريب، كما دلَّ عليه قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].

стр. 37

وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أو تيته) (١) وسورة الحجر مكية بلا ريب، وفيها كلام مشركي مكة وحاله معهم، فدلَّ ذلك على أنَّ ما كان الله ينسؤهُ فيؤخِّر نزوله من القرآن كان يُنزل قبله ما هو أفضلُ منه" (٢). وقال ابن كثير: "والأول أشبه - أي: نزولها بمكة ـ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] (٣). وقال ابن حجر: " يُستنبط من تفسير السَّبع المثاني بالفاتحة أنَّ الفاتحة مكية، وهو قول الجمهور خلافاً لمجاهد. ووجه الدلالة أنه سبحانه امتنَّ على رسوله بها، وسورة الحجر مكية باتِّفاق، فيدل على تقدُّم نزول الفاتحة عليها (٤). * سبب تسميتها أمَّ القرآن: [٢] قال الحسين بن الفضل: (سُمِّيت بذلك لأنَّها أمٌّ لجميع القرآن، تُقرأ في كل ركعة، وتُقدم على كل سورة، كما أنَّ أمَّ القرى إمامٌ لأهل الإسلام). الكشف والبيان للثعلبي ٢/ ٦٠٧ (٥). الدراسة عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: ﷺ (الحمدُ لله أمُّ القرآن وأمُّ الكتاب والسَّبعُ المثاني) (٦). هذه من أسماء الفاتحة وسُميت بأم (٧) القرآن، لتقدُّمها على سائر سور القرآن غيرها وتأخُّر ما سواها خلفَها في القراءة والكتابة (٨)، وكذلك سُميت مكة بأم القرى لتقدمها أمام جميعها، وجمعها ما سواها وقيل: إنَّما سُميت بذلك لأنَّ الأرض دُحيت منها فصارت لجميعها أمَّا (٩).

стр. 38

وقد وافق الحسين ﵀ غيره من العلماء في بيان سبب التسمية. وقال البخاري (١) في أول كتاب التفسير: "وسُميت أم الكتاب أنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءَتها في الصلاة " (٢). * ما أول سورة أُنزلت ؟ [٣] قال الحسين بن الفضل: (لأنَّها أوَّل سورة نزلت من السَّماء) (٣) الكشف والبيان ١/ ٦٠٤ (٤). الدراسة قيل: إن الفاتحة أوَّل شيء نزل من القرآن، وحجَّتهم ما أسنده الواحديُّ (٥) عن أبى ميسرة (٦) أن رسول الله ﷺ (كان إذا برز سمع منادياً يُنادي: يا محمَّدُ، فإذا سمع الصَّوت انطلق هارباً، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النِّداء فاثبت حتى تسمعَ ما يقول لك، قال: فلمَّا برز سمع النِّداء: يا محمد فقال: لبَّيك، قال: قل أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً رسول الله، ثم قال: قل ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ حتى فرغ من فاتحة الكتاب، وهو قول عليِّ بن أبى طالب) (٧). وذكر ابن كثير (٨) في كتابه "البداية والنهاية" رواية البيهقي (٩) ثم قال:

стр. 39

"وهذا لفظ البيهقيِّ، وهو مرسل، وفيه غرابة، وهو كون الفاتحة أوَّلَ ما نزل" (١). وقيل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ كما ورد في حديث جابر (٢) الصحيح (٣)، وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وهذا هو الصحيح (٤). لِما روى الشَّيخان وغيرُهما عن عائشة ﵂ قالت: " كان أوَّل ما بُدئ به الرَّسول ﷺ الرُّؤيا الصّادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُّبح، ثم حُبّب إليه الخَلاء، فكان لحق بغار حراء فيتحنَّث فيه، قال: والتَّحنُّث: التعبُّد اللياليَ ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله. ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوَّد بمثلها حتى فجئه الحقُّ وهو في غار حراء. فجاءه الملك، فقال: اقرأ: فقال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطَّني (٥) حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثَّانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثَّالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [سورة العلق] الآيات إلى قوله ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٦) [سورة العلق: ٥]

стр. 40

وقالت عائشة ﵂ أول سورة نزلت من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١). وروي عن مجاهد (٢): (أن أوَّل ما نزل من القرآن، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٣) [القلم: ١]. قال القاضي أبو بكر الباقلاني (٤) " وقد اختلف الصَّحابة ومَن بعدهم في أوَّل ما نزل من القرآن وآخره، ورُوِيَت في ذلك روايات كلُّها محتملة التأويل، فقال قوم منهم: أول شيء أُنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]. وقال آخرون أول ما أُنزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [سورة العلق: ١] وقال قوم أول ما أُنزل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١] إلى آخر فاتحة الكتاب ... ثم قال: فأما من قال: إنَّ أوَّل سورة أنزلت الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإنهم يروون ذلك من طريق إسرائيل بن إسحاق (٥) عن أبي ميسرة قال: .. وساق الحديث فقال: وهذا الخبر منقطعٌ غيرُ متَّصل السند، لأنه موقوف على أبى ميسرة، وأثبتت الأقاويل من خلاف الصَّحابة قولَ من قال: إنَّ أول ما أُنزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وما يليه في القوة قول جابر، ومن قال: أول ذلك ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] (٦).
следующие страницы →