← Тафсир

Тафсир · id 713

أقوال الحسين بن الفضل في التفسير

نادية بنت إبراهيم النفيسة

Полный текст (343 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

في تفسيرهما (١)، وذكر البغوي والسيوطي أنه قول الأكثرين (٢) ونصَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). وقيل: إنها مدنية وبه قال مجاهد (٤) ونُسب إلى أبى هريرة ﵁ (٥) والزهري (٦)، وعطاء بن يسار (٧). قال ابن حجر في الفتح: " وأغرب بعضُ المتأخرين فنسب القول بذلك لأبي هريرة والزهري وعطاء بن يسار (٨). ويقال: إنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة (٩). وفيه قول رابع: أنها نزلت نصفين نصفها بمكة ونصفها بالمدينة (١٠). والصحيح ـ والله أعلم ـ أنها مكية للأسباب التالية: ١ - أنها ركن من أركان الصلاة، والصلاة فُرضت بمكة، فلا يُتصوَّر صلاةٌ بدونها. ٢ - لامتنان الله بها على رسوله ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ في سورة الحجر، وسورة الحجر نزلت في مكة؛ إذ يبعد أن يمتنَّ الله عليه بما لم ينزل بعد. ٣ - أنَّه قول الجمهور: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفاتحة الكتاب مكيَّةٌ بلا ريب، كما دلَّ عليه قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].

стр. 37

وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أو تيته) (١) وسورة الحجر مكية بلا ريب، وفيها كلام مشركي مكة وحاله معهم، فدلَّ ذلك على أنَّ ما كان الله ينسؤهُ فيؤخِّر نزوله من القرآن كان يُنزل قبله ما هو أفضلُ منه" (٢). وقال ابن كثير: "والأول أشبه - أي: نزولها بمكة ـ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] (٣). وقال ابن حجر: " يُستنبط من تفسير السَّبع المثاني بالفاتحة أنَّ الفاتحة مكية، وهو قول الجمهور خلافاً لمجاهد. ووجه الدلالة أنه سبحانه امتنَّ على رسوله بها، وسورة الحجر مكية باتِّفاق، فيدل على تقدُّم نزول الفاتحة عليها (٤). * سبب تسميتها أمَّ القرآن: [٢] قال الحسين بن الفضل: (سُمِّيت بذلك لأنَّها أمٌّ لجميع القرآن، تُقرأ في كل ركعة، وتُقدم على كل سورة، كما أنَّ أمَّ القرى إمامٌ لأهل الإسلام). الكشف والبيان للثعلبي ٢/ ٦٠٧ (٥). الدراسة عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: ﷺ (الحمدُ لله أمُّ القرآن وأمُّ الكتاب والسَّبعُ المثاني) (٦). هذه من أسماء الفاتحة وسُميت بأم (٧) القرآن، لتقدُّمها على سائر سور القرآن غيرها وتأخُّر ما سواها خلفَها في القراءة والكتابة (٨)، وكذلك سُميت مكة بأم القرى لتقدمها أمام جميعها، وجمعها ما سواها وقيل: إنَّما سُميت بذلك لأنَّ الأرض دُحيت منها فصارت لجميعها أمَّا (٩).

стр. 38

وقد وافق الحسين ﵀ غيره من العلماء في بيان سبب التسمية. وقال البخاري (١) في أول كتاب التفسير: "وسُميت أم الكتاب أنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءَتها في الصلاة " (٢). * ما أول سورة أُنزلت ؟ [٣] قال الحسين بن الفضل: (لأنَّها أوَّل سورة نزلت من السَّماء) (٣) الكشف والبيان ١/ ٦٠٤ (٤). الدراسة قيل: إن الفاتحة أوَّل شيء نزل من القرآن، وحجَّتهم ما أسنده الواحديُّ (٥) عن أبى ميسرة (٦) أن رسول الله ﷺ (كان إذا برز سمع منادياً يُنادي: يا محمَّدُ، فإذا سمع الصَّوت انطلق هارباً، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النِّداء فاثبت حتى تسمعَ ما يقول لك، قال: فلمَّا برز سمع النِّداء: يا محمد فقال: لبَّيك، قال: قل أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً رسول الله، ثم قال: قل ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ حتى فرغ من فاتحة الكتاب، وهو قول عليِّ بن أبى طالب) (٧). وذكر ابن كثير (٨) في كتابه "البداية والنهاية" رواية البيهقي (٩) ثم قال:

стр. 39

"وهذا لفظ البيهقيِّ، وهو مرسل، وفيه غرابة، وهو كون الفاتحة أوَّلَ ما نزل" (١). وقيل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ كما ورد في حديث جابر (٢) الصحيح (٣)، وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وهذا هو الصحيح (٤). لِما روى الشَّيخان وغيرُهما عن عائشة ﵂ قالت: " كان أوَّل ما بُدئ به الرَّسول ﷺ الرُّؤيا الصّادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُّبح، ثم حُبّب إليه الخَلاء، فكان لحق بغار حراء فيتحنَّث فيه، قال: والتَّحنُّث: التعبُّد اللياليَ ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله. ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوَّد بمثلها حتى فجئه الحقُّ وهو في غار حراء. فجاءه الملك، فقال: اقرأ: فقال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطَّني (٥) حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثَّانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثَّالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [سورة العلق] الآيات إلى قوله ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٦) [سورة العلق: ٥]

стр. 40

وقالت عائشة ﵂ أول سورة نزلت من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١). وروي عن مجاهد (٢): (أن أوَّل ما نزل من القرآن، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٣) [القلم: ١]. قال القاضي أبو بكر الباقلاني (٤) " وقد اختلف الصَّحابة ومَن بعدهم في أوَّل ما نزل من القرآن وآخره، ورُوِيَت في ذلك روايات كلُّها محتملة التأويل، فقال قوم منهم: أول شيء أُنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]. وقال آخرون أول ما أُنزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [سورة العلق: ١] وقال قوم أول ما أُنزل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١] إلى آخر فاتحة الكتاب ... ثم قال: فأما من قال: إنَّ أوَّل سورة أنزلت الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإنهم يروون ذلك من طريق إسرائيل بن إسحاق (٥) عن أبي ميسرة قال: .. وساق الحديث فقال: وهذا الخبر منقطعٌ غيرُ متَّصل السند، لأنه موقوف على أبى ميسرة، وأثبتت الأقاويل من خلاف الصَّحابة قولَ من قال: إنَّ أول ما أُنزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وما يليه في القوة قول جابر، ومن قال: أول ذلك ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] (٦).

стр. 41

قال النَّوويُّ (١): " في قوله ﷺ : (ثمَّ أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] هذا دليلٌ صريح في أنَّ أول ما نزل من القرآن (اقرأ)، وهذا هو الصواب الذي عليه الجماهير من السَّلف والخلف " (٢). وقال في موضع آخر: " فالصَّواب أنَّ أول ما نزل (اقرأ) وأنَّ أول ما نزل بعد فترة الوحي ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] وأمَّا قول من قال من المفسِّرين: أول ما نزل الفاتحة فبطلانُه أظهر من أن يُذكر والله أعلم " (٣). وقال السُّيوطيُّ: " اُختُلف في أول ما نزل من القرآن على أقوال: أحدها، وهو الصحيح ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. [العلق: ١] (٤). والحاصل أنَّ أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] وهذا هو المحفوظ، وأنَّ نزول الفاتحة كان بعد ذلك، وعلى هذا فما نقله الحسين ﵀ مغاير للصَّحيح الرَّاجح، إلا إذا كان مقصدُ الحسين أنَّ سورة الفاتحة أولُ سورة كاملة نزلت فقد يكون له وجه، وإن كان لا يظهر هذا من عبارته ـ والله أعلم ـ. قال الزَّركشيُّ (٥): "وطريق الجمع بين الأقاويل أنَّ أوَّل ما نزل من الآيات ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] وأول ما نزل من أوامر التبليغ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] وأول ما نزل من السور سورة الفاتحة .. " (٦).

стр. 42

قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] . [٤] قال الحسين بن الفضل: (الرَّحمنُ: الذي يرحمُ ويقدرُ على كشف الضُّرِّ ودفع الشَّرِّ، والرحيم: الذي يرقُّ، وربَّما لا يقدر على الكشف) . الكشف والبيان للثعلبي ١/ ٤٦٣ (١). الدِّراسة قول الحسين ﵀: " الرَّحمن: الذي يرحم ويقدر على كشف الضُّر ودفع الشر" لا يمكن أن يُقال هذا إلا في حقِّه ـ سبحانه ـ، لأنه القادر وحده ـ إذا رحم ـ أن يكشف الضُّرَّ ويدفع الشر، والرحمن اسمٌ مختصٌّ له ـ سبحانه ـ لا يجوز أن يُسمَّى به غيرُه. وأمَّا الرَّحيم (فتأتي بمعنى الرَّاحم، وتأتي بمعنى المرحوم.) (٢). و (الرَّحمة: الرِّقَّة والتَّعطُّف) (٣)، فلله ـ سبحانه ـ رحمةٌ تليق بجلاله وكماله، وللخلق رحمةٌ تناسب عجزهم، إذ الخلق يَرِقُّون ولكنَّهم قد لا يستطيعون كشف الضُّر عن المرحوم، ألا ترى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] فأضاف سبحانه الرحيم لرسوله ﷺ وهو الذي يرحم أمته ولكن ليس بيده هدايتهم. وأمَّا الجمع بين الرَّحمن والرَّحيم، قال ابن القيم: " فالرَّحمن: دالُّ على الصِّفة القائمة به ـ سبحانه ـ، والرَّحيم: دالُّ على تعلُّقها بالمرحوم، فكان الأوَّل للوصف، والثَّاني للفعل، فالأوَّل دالُّ على أنَّ الرَّحمة صفته، والثاني دالُّ على أنه يرحم خلقه برحمته. وإذا أردت هذا، فتأمل قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]، ولم يجئ قط رحمنٌ بهم، فَعُلم أنَّ "رحمن" هو الموصوف بالرَّحمة، "ورحيمٌ" هو الرَّاحم برحمته" (٤).

стр. 43

قال تعالى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]. قال ابن عباس ﵄: " هما اسمان رقيقان أحدُهما أرقُّ من الآخر أي أكثر رحمة " (١). [٥] وقال الحسين بن الفضل البجلي: (هذا وهمٌ من الرَّاوي، لأنَّ الرِّقة ليست من صفات الله ـ تعالى ـ في شيء، وإنَّما هما اسمان رفيقان، أحدُهما أرفقُ من الآخر، والرِّفق من صفات الله ، قال النبي: ﷺ (إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفق ويعطي على الرِّفق مالا يُعطي على العنف) (٢). الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣) / ١٤٣. الدِّراسة قال الخطابي (٤): "وجاء في الأثر أنَّهما اسمان رقيقان، أحدهما أرقُّ من الآخر، وهذا مُشكل لأنَّ الرِّقَّة لا مدخل لها في شيءٍ من صفات الله سبحانه، ومعنى الرقيق هاهنا اللطيف يقول: أحدهما ألطف من الآخر، ومعنى اللُّطف في هذا: الغموض، دون الصِّغَرِ الذي هو نعت في الأجسام " (٥). وقال ابن حجر: "وأَوردَ (٦) عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "الرَّحمن الرَّحيم" اسمان رقيقان أحدُهما أرقُّ من الآخر، وعن مقاتل (٧) أنه نقل عن جماعة من التابعين مثله، وقال، قلتُ: والحديث المذكور عن ابن عباس لا يثبت لأنه من رواية الكلبي (٨) عن أبى صالح (٩) عنه، والكلبي متروك الحديث، وكذلك مقاتل، ونقل البيهقي عن الحسين بن الفضل البجلي أنه نسب رواية الحديث عن ابن عباس إلى التَّصحيف، وقال (إنما هو الرفيق بالفاء وقواه البيهقي بالحديث الذي أخرجه مسلم (١٠) عن عائشة مرفوعاً: (إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفق، ويعطي عليه مالا يُعطي على العنف) (١١).

стр. 44

وأرى أنها لو ثبتت هذه الرِّواية، فلا إشكال فيها، فالرِّقَّة بالنِّسبة لله ـ تعالى ـ ليست كالرِّقَّة عند المخلوقين، فهي هنا رحمتُه ولطفُه وإحسانه بعباده ولو حُملت عبارة ـ ابن عباس ـ إن صحَّت على باب الإخبار، فله وجهٌ ـ والله أعلم ـ لأنَّ (ما يدخل في باب الإخبار عنه سبحانه أوسع مما يدخل في باب الأسماء والصفات) (١) أما ما ذهب إليه الحسين من وصف الله سبحانه بالرفق، فإن ذلك قد جاءت به السنة في قوله ﷺ إن الله رفيق يحب الرفق (٢) ". قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . [٦] قال الحسين بن الفضل: (الرب الثابت من غير إثبات أحد، يقال: ربَّ بالمكان وأربَّ ولبَّ إذا أقام) الكشف والبيان ٢/ ٥٢٠ (٣). الدراسة الرب في الأصل التربية وهي إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حدِّ التمام (٤). وما ذهب إليه الحسين ﵀ هو معنى صحيح؛ لأن الخلق فطروا على معرفة ربهم ، فهو لا يحتاج إلى تعليم من أحد. قال ابن دُريد: (ربّان) فعلان من أشياء إمَّا من رببت النعّمة إذا أتممتها، أو من قولهم أربّ بالمكان وربَّ به، إذا أقام به (٥). وقال الزمخشري (٦): وأربَّ الرجلُ بمكان كذا وألبَّ أقام (٧). ويطلق الرب في اللغة على (المالك والسيد والمدبر والمربِّي والقيِّم والمنعم ولا يطلق غيرَ مضاف إلا على الله تعالى) (٨).

стр. 45

(وربَّ فلان ولده يَرُبُّهُ رَبَّاً ورَبَّبهُ تَرَبَّبه أي ربَّاهُ) (١) والله هو المربي لجميع خلقه بنعمه، فالكل محتاج إليه حتى الكافر في وقت شدته وكربه، فليس ذلك إلا الله وحده. فهو الرب الثابت من غير إثبات أحد حتى قال بعض العلماء: (إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم لكثرة دعوة الداعين به وتأمل هذا في القرآن كما في آخر " آل عمران " وسورة " إبراهيم " وغيرهما، ولما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال) (٢).قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. [٧] قال الحسين بن الفضل: (العالَمون: الناس). الكشف والبيان للثعلبي (٣) (٤) / ٥٢٢ وقال: (أهلُ كل زمان عالم). الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ١٨٣ وفتح القدير للشوكاني (٥) / ٢٦. الدراسة والعالمون جمع عالم والعالم جمع لا واحد له من لفظه (٦). للعالمين عند المفسرين عدة معاني: * قال ابن عباس: العالم الجن والإنس. * قال الفراء (٧) وأبو عبيدة (٨): العالم عبارة عمَّا يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم، لأنَّ هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصَّة. ويظهر أنَّ مرادهم به هنا تقسيم العالمين في هذا الموطن لا غير، إذ إنه جاء على جمع ما يعقل، أمّا لو جاء على لفظ (العالم) لشمل جميع الخلق بلا استثناء، وهذا صحيح من جهة اللغة، لكن قد جاء أيضاً شمول غير العقلاء بهذا الجمع، ويكون من باب تغليب العقلاء، ويجوز حمل هذا الموطن على هذا الأسلوب كما جاء هذا الجمع لمن لا يعقل إذا

стр. 46

صدر منه عمل العقلاء كقوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ولم يقل ساجدة. * وقال قتادة: كل موجود سوى الله تعالى (١) وإلى هذا ذهب عامة المفسرين. وفي العالمين أمور: ١ - أن جمع العالمين - في الأصل - لما يعقل، فمن حمل عليهم جعله خاصّاً بالإنس والملائكة والجن. ٢ - أن العالمين ما سوى الله وفي إطلاق العالمين عليهم احتمالان: الأول: أن يكون مدلولاً مباشراً عنهم، فإذا قيل: العالمين، فالمراد من سوى الله من جميع المخلوقات عاقلها وغير عاقلها من الجمادات ونحوها. الثاني: أن يكون جمع العالمين لا يستعمل في الأصل إلا للعقلاء، ودخول غيرهم فيه من باب تغليب من يعقل على من لا يعقل. ٣ - على هذين الاحتمالين في العالمين تكون الأقوال المذكورة في إرادة نوع من العقلاء على سبيل التمثيل لا التخصيص، سوى عبارة الفراء وأبى عبيدة التي ظهر فيها قولهما بالتخصيص، وهذا التخصيص له ما يدعمه من جهة اللغة، ولكن الأولى القول بالعموم، كما ذهب إليه قتادة في عبارته، وهو الذي تندرج فيه الأقوال الأخرى فتكون على سبيل التمثيل. قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] . [٨] قال الحسين بن الفضل: (يوم الطاعة) . الكشف والبيان ٢/ ٥٥٠ (٢)، الدراسة الطاعة أحد معاني الدين الواردة عن اللُّغويين، وللدِّين معانٍ أخرى (٣) منها: الدين الحق، والدين الباطل، ويأتي بمعنى الشريعة الصحيحة، والدين بالكسر كذلك العادة والشأن، فهو من المشترك اللفظي (دان يدين عزَّ وذلَّ وأطاع وعصى واعتادَ خيراً أو شراً) (٤) ويأتي الدين بمعنى الطاعة (٥). ودانوا لفلان أي أطاعوه (٦).

стр. 47

قال عمرو بن كلثوم (١): وأيامٍ لَنَا غُرٍّ طوالٍ ... عَصَينْا الملَكَ فيها أن نَدينا (٢) والدين هنا بمعنى الجزاء والحساب (٣) كما قال به ابن عباس (٤) وابن مسعود (٥) ﵃ وغيرهم. قال الطبري (٦): "ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ يعني: بالجزاء ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [لانفطار: ٩ ـ ١٠] يحصون ما تعملون من الأعمال وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] يعني غير مجزيين بأعمالكم ولا محاسبين " (٧). ولا منافاة بين ما ذكره الحسين وما رُوي عن مفسري السلف، فيوم الدين هو يوم الجزاء والحساب، وهو يوم الطاعة المطلقة له سبحانه التي لا تنخرم بمعية أحد، إذ لا يقدر على ذلك أحد في هذا اليوم.

стр. 48

قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . [٩] قال الحسين بن الفضل: (الهدى في القرآن على وجهين: الوجه الأول: هدى دعاء وبيان؛ كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]. والوجه الثاني: هدى توفيق وتسديد، كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]). الكشف والبيان للثعلبي ٢/ ٥٥٨/ ٥٥٩ (١). الدراسة ما ذهب إليه الحسين في هذا المقطع من التفسير يرجع إلى ما يُعرفُ بعلم الوجوه والنظائر، حيث جعل الهدى على وجهين، وذكر في كل وجه النظائر من الآيات التي جاءت على معنى الوجه. فالوجه الأول عنده أنَّ الهداية بمعنى الدعاء والبيان، وقد ذكر فيه ثلاثة نظائر وهذا المعنى الذي ذكره، وهو البيان هو أصل معنى اللفظ (٢) فالهداية بمعنى الإرشاد والبيان، تقول: هديته الطريق؛ أي: بينْت له الطريق وأرشدته إليه. أما الدعاء فقد جعله أصحاب الوجوه والنظائر وجهاً من وجوه معاني لفظ الهدى، واستدلُّوا له بقوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، وهذا المعنى لا يخرج عن معنى البيان؛ لأنَّ الداعي هو الذي يبين لقومه ما ينفعهم (٣). وإنما شأن أصحاب الوجوه والنظائر تكثير الوجوه، نظراً للسياق الذي وردت فيه اللفظة فيفسرونها بالمعنى المناسب لها سياقياً، ولهذا ذكروا لمعنى الهدى في القرآن أكثر من عشرة أوجه (٤). والوجه الثاني الذي ذكره الحسين بن الفضل أن الهداية تأتي بمعنى هداية التوفيق والتسديد، ويظهر من الآيات التي ذكرها أنه يذهب إلى أن هذا النوع من الهداية مختصٌّ بالله.

стр. 49

وهذا النوع من الهداية بيان خاصُّ؛ لأنه بيان مستلزم للهداية الخاصَّة، وهو بيان تقارنه العناية والتوفيق (١) لذا عبَّر عنه الحسين بأنه هداية التوفيق والتسديد. وقد نفى الله هداية التوفيق عن نبيه ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وأثبتها لنفسه. وأثبت لنبيه ﷺ الهداية في قوله ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] والمثبت له من الهداية غير المنفيِّ، فالمثبت هو البيان والإرشاد، وهذا النوع من الهداية يشمل جميع من يدعو إلى الله. في قوله تعالى ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] . [١٠] قال الحسين بن الفضل: (يعني أتممت عليهم النعمة فكم من منعم عليه محروب (٢) أو مسلوب) الكشف والبيان للثعلبي ٢/ ٥٧٧ (٣). الدراسة جمهور المفسرين على أنه أراد بالصِّراط: صراط النَّبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين والذين أنعم الله عليهم الوارد ذكرها في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٤) [النساء: ٦٩]، قال القرطبي: (وجميع ما قيل إلى هذا يرجع فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان) (٥).

стр. 50

و أراد الحسين ﵀ أن ينبه إلى أن النعمة ليست مطلق النعمة، وإنما فيها قيد زائد وهو إتمامها، بحيث لا يكون فيها نقص بوجه من الوجوه، كالنقص الذي ذكره في صاحب النعمة المحروب أو المسلوب، وهذا القيد لا يؤخذ من اللغة وإنما يؤخذ من طريق العقل، والمقصود أن قوله هذا لا ينافي قول غيره بل فيه زيادة قيد فقط، والله أعلم. ﴿آمِّينَ﴾ [١١] (روي عن الحسن (١) وجعفر الصادق (٢) التشديد، وهو قول الحسين بن الفضل من أمَّ إذا قصد أي نحن قاصدون نحوك (٣) ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ١٧٢. الدراسة قال الجوهريُّ (٤): " وتشديد الميم خطأ " (٥) وقال ابن حجر " والتأمين: مصدر أمَّن بالتشديد، أي: قال: آمين، وهي بالمد و التخفيف في جميع الروايات وعن جميع القراء ... إلى أن قال: التشديد مع المد والقصر (٦)، وخطَّأهما جماعة من أهل اللغة .. إلى أن قال: "وقال من مدَّ وشدَّد: معناها قاصدين إليك ونُقل ذلك عن جعفر الصادق (٧) ". وأمَّه يؤمُّه أمَّاً قصده (٨)، وأممته أؤمُّه أمّاً إذا قصدت له (٩). وكون (آمَِّين) بمعنى القصد لا إشكال فيه من جهة اللغة، وإنما يشكل عليه عدم وروده عن النبي ﷺ ، لأنه لم يثبت عنه ﷺ تشديد الميم في (آمين)، ولو ثبت لكان لما ذهب إليه الحسين وجه، ومن ثَمَّ فهذا القول ضعيف لا يعتمد عليه، لأن اللفظ من التأمين وليس من الأَمِّ، بمعنى: القصد، ولله أعلم.

стр. 51

سورة البقرة قال تعالى: ﴿الم﴾ [البقرة: ١]. [١٢] قال الحسين بن الفضل: (هو من المتشابه). التفسير الكبير ٢/ ٤. الدراسة المتشابه لغة: الشِّبه بالكسر والتَّحريك: " المِثْل " (١). "شبه: ماله شِبْه وشبَهٌ وشبيه، وفيه شَبَه منه، وقد أشبه أباه وشابهه وشبِّه عليه الأمر: لُبِّس عليه، وإياك والمشبَّهات: الأمور المشْكلات (٢). المتشابه اصطلاحاً: التعريفات في هذا متعددة ومتنوعة، ويرجع منشأ هذا التعدد إلى الوجهين الواردين في قراءة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] الوجه الأول: قراءة الوقف على لفظ الجلالة " الله " في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ثم وَالرَّاسِخُونَفِىأدبي ﴿: الْعِلْمِ﴾ فتكون الواو استئنافية وهي: ١/ قراءة نافع (٣) والكسائي (٤) ويعقوب (٥) وقد وردت آثار عن الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام تتفق مع هذه القراءة منها:

стр. 52

١ ـ كان ابن عباس ﵃ يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويقول الراسخون (آمنا به) (١). ٢ ـ عن مالك (٢) ﵁ في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، قال: " ثم ابتدأ فقال: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) وليس يعلمون تأويله (٣). الوجه الثاني: الوصل، فالواو للعطف و (الرَّاسخون) معطوف على لفظ الجلالة " الله ". فيقرأ بالوصل في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٤). وهي قراءة بقية القراء العشرة (٥). وكذلك هناك آثار وردت تتفق مع هذه القراءة منها: ١ ـ عن ابن عباس ﵃ أنه قال: " أنا ممَّن يعلم تأويله" (٦). ٢ ـ وعن مجاهد أنه قال: "وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ " يعلمون تأويله، ويقولون: " آمنا به (٧) "، وكذا عن الرَّبيع بن أنس (٨). واعلم أنَّ كلتا القراءتين متواترتان قرأ بهما الرسول ﷺ . لهذا تحصل من تلكما القراءتين انقسام العلماء في المتشابه إلى فريقين: ـ الفريق الأول قالوا:

стр. 53

إن المتشابه لا يعلمه إلا الله، وعرفوا المتشابه بتعريفات منها: ١ - مالا يتضح معناه أو لا تظهر دلالته لا باعتبار نفسه ولا اعتبار غيره" (١). ٢ - ما لم يمكن لأحد إلى علمه سبيل ممَّا استأثر الله بعلمه دون خلقه. قال بعضهم: وذلك مثل: وقت قيام الساعة، والحروف المقطعة في أوائل السور (٢). وعدَّ أصحاب هذا القول الحروف المقطعة من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وقالوا: نؤمن بها ونُمرُّها كما جاءت. ويحكى هذا عن الخلفاء الأربعة ﵃ وأرضاهم ـ وجماعة من أهل الحديث كالشعبي (٣) والثوري (٤) وصححه القرطبي (٥) واختاره أبو حيان (٦) والشوكاني (٧) والآلوسي (٨) وأيده السيوطي ونسبه إلى أكثر الصحابة والتابعين (٩) وكما ترى هذا ما ذهب إليه الحسين بن الفضل البجلي. ـ والفريق الثاني قالوا: إنَّ المتشابه يعلمه العلماء والراسخون في العلم. وعلى هذا القول يُعرف المتشابه بتعريفات، منها: ١ - قيل المتشابه: ما لا يستقل بنفسه إلا بردِّه إلى غيره، وقال النحاس عن هذا القول: هو أجمع هذه الأقوال (١٠).

стр. 54

٢ - وقيل المتشابه هو: القصص والأمثال (١). ٣ - وقيل المتشابه: "المنسوخ. " روي عن ابن مسعود وقتادة والربيع والضحاك (٢). وذهب أصحاب هذا القسم إلى القول بتفسير الحروف المقطعة والتماس الفوائد من تحتها. ثم اختلفوا في معناها على أقوالٍ كثيرة، ساق معظمها الطبري (٣) وابن عطية (٤) والسيوطي (٥) وابن عاشور (٦) وغيرهم (٧). ولتتم الفائدة نذكر بعضاً من هذه الأقوال: ١ - قيل: إنها حروف مقطعة من أسماء وأفعال، كلُّ حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر. رواه ابن جرير (٨) عن ابن عباس (٩) وابن مسعود (١٠)، واختاره الزجاج (١١). ٢ - قيل: هي حروف يشتمل كل حرف منها على معانٍ شتى مختلفة رواه ابن جرير عن الربيع بن أنس (١٢).

стр. 55

ويشترك القولان في أن كل حرف من هذه الأحرف هو بعض كلمة اسُتغنيَ بدلالته عن ذكر الكلمة مع اختلاف تقديراتهم، فمنهم من قال: " آلم "، ألف: أنا، اللام: الله، الميم: أعلم. ومنهم من قال: الألف: آلاء الله، اللام: لطفه، الميم: مجده. يقول الشاعر: قُلْنا لَها: قِفِي، قَالَتْ: قافْ لَا تَحْسَبِي أنَّا نَسِيَنا الإيجَاف (١) (٢) يعني بقوله: " قالت: قاف " قالت: قد وقفتُ (٣). ٣ - قيل: إنها اسم الله الأعظم. رواه ابن جرير عن ابن عباس (٤) وابن مسعود (٥) ٤ - ... هو قسم أقسم الله به .. وهو من أسمائه. رواه ابن جرير عن ابن عباس (٦) ٥ - اسم السورة. رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٧) وبه قال ... سيبويه (٨) ويعتضد هذا القول بما ورد في الصحيحين من حديث أبى هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر في يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [الَسَّجدة] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٩) (١٠) [الإنسان: ١].

стр. 56

٦ - هي فواتح يفتتح الله بها بعض سور القرآن: رواه ابن جرير عن مجاهد (١) وقال أبوعبيدة: " معنى (آلم) افتتاح، مبتدأ الكلام، شعار للسورة " (٢). ٧ - وقيل: الحروف التي هي فواتح السورة حروف يستفتح الله بها كلامه (٣)، وقيل غير ذلك. وبعد إيراد بعض هذه الأقوال في معانيها وقبل ترجيح ما هو مناسب، أود أن أبيِّن أن هذه المسألة من المسائل الكبار، التي وقع فيها الخلاف، وتباينت فيها الأقوال، واختلفت فيها المشارب، وبما أنه لم يرد نص صحيح ثابت عن الصادق المصدوق في بيان معنى هذه الأحرف، ولم تجُمْع الأمة على قول فيها، غاية ما هنالك أن بعض العلماء تلمَّسوا معناها على حسب ما ظهر لهم من النصوص ثم إنَّه لم يذكر واحد منهم قولاً في معناها على سبيل القطع والجزم، أذكرُ ما يلي: ١ - إن كان مراد الحسين ﵀ بالمتشابه المتشابه الكليَّ الذي لا يعلمه إلا الله، فهذا يُعترض عليه بأن السلف قد تكلمَّوا فيها، ولو كانت من المتشابه الكليِّ لما تكلموا فيه، كما نصَّ على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية. ٢ - وإن كان مراده به المتشابه النِّسبيّ، وهو أن تكون من المتشابه بالنسبة له فهذا جائز، لكنه ليس متشابهاً عند غيره. ٣ - والأحرف المقطعة فيها وجهتان: الأولى: تطلُّب معنى لهذه الأحرف. الثاني: الحكمة من هذه الأحرف. أما الوجهة الأولى: فيقال إنَّ من تطلّب لها معنى محدَّدًا، فقد خالف المعروف من لغة العرب في أن الحرف عندهم لا معنى له بمفرده، وإنما يتركب المعنى من عدد من الحروف عند ضمِّ بعضها إلى بعض فالفاء لا معنى لها، واللام لا معنى لها، والحاء لا معنى لها، فإذا تركَّب منها كلام كقولي: " فلح " كان لهذه الأحرف مجتمعةً معنى، لكن ليس على أنها حرف بل على أنها كلمة. وعلى هذا يُحمل ما ورد عن ابن عباس وغيره، من أنَّ "الألف (الله) واللام (جبريل) والميم (محمد) " أي أنه يتركب من هذه الأحرف كلام، لا إنَّ معنى كلِّ حرف منها هذا الكلام دون غيره. وكذا من ذهب إلى أنها استفتاح، أو تنبيه، أو اسمٌ للسُّورة، أو اسم للقرآن، فإنه لا يخرج عن هذا المذهب؛ لأنه لا يقول إنَّ لها معنىً محدداً هو كذا.

стр. 57

أمَّا من جعلها بمعنى القسم أو غيره، فإنَّه إمَّا أن يكون أخذه من طريق اللُّغة، وإما أن يكون من مصدر آخر، فإن كان من طريق اللُّغة، فإنه إما أن يكون وارداً في المنقول من اللُّغة عن اللُّغويين، وأما أن يكون غير منقول، فإن لم يكن منقولاً ففيه إشكالٌ من جهة قبوله لغرابته. وإن كان مصدر التفسير غير اللغة، فإنه يُنظر في المصدر، وهذا ممَّا يَعسُر الاطِّلاع عليه عند من قال بالقسم وغيره. وهناك قوم زعموا أنَّ لها معنىً خَفِيَّاً علينا، وهو مما استأثر الله بعلمه، وهذا مخالف للاعتقاد، فإنَّ الله لم ينزل في كتابه ما لا يُفهم معناه، وإلا كان بمثابة الكلام الأعجميِّ الذي لا يفهمه العربيُّ، ولو كان لها معنى استأثر الله به لسأل عنه الكفارُ أو الصحابة، ولماَّ لم يسألوا ظهر أنَّهم فهموا أنَّ هذه أحرفٌ لا معنى لها كبقية الأحرف عندهم. ولا يقال: إنَّ في القرآن ما لا يُفهم. فإنَّ الجواب: إنَّ مالا يدرك لا يرتبط بالمعنى، بل يرتبط بما هو خارج المعنى كوقت حدوث الحوادث (متى الساعة؟) وككيفية بعض المغيبات التي استأثر الله بعلمها، ولم يبين شيئاً من وصفها إلا الاسم (كالدَّابَّة التي تخرج آخر الزمان) فهذان القسمان خارجان عن المعنى، فالسَّاعة والدابة من جهة اللغة معروفتان، ولكن وقتهما وصفتهما لا يُعرفان من جهة المعنى بل من جهة الإخبار عنهما من الله سبحانه. وبناءً على هذا فالصفات الإلهية من جهة المعنى معروفةٌ، لكن من جهة الكيف مجهولة كما هو مقرر في معتقد أهل السنة، ومن جعلها من المتشابه مطلقاً فقد أخطأ في ذلك، وهم أهل التأويل من علماء الكلام. وكذا القول في الأحرف المقطعة، فيقال: إنَّ هذه أحرف لا معنى لها من جهة اللغة، فلا يُتطلَّب لها معنى بذاتها، ومن تطلَّب لها معنى فإنه سيقف على جهله بالمعنى ثم سيكلُ الأمر لله. ثم يجعلها من المتشابه الكلِّيِّ، وهي ليست كذلك. ثم إنَّ في الأحرف أمراً آخر وهو أن يُقال: لم جُعلت الأحرف في هذه السور دون غيرها؟ لم جُعلت بعضُ الأحرف على حرف، وبعضها على حرفين وبعضها على خمسة؟ فيقال في هذا " الله أعلم" وهذا الجزء من المتشابه الكلِّيِّ، لكن لا يؤثر على إدراك المعنى لو كان لها معنى، فكيف وهي لا معنى لها؟ (١). وأما الوجهة الثانية: فهي المغزى والحكمة (٢) من هذه الأحرف وهي ـ والله أعلم ـ أنها ذكرت بياناً لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها حكاه القرطبي عن الفراء (٣)

стр. 58

وقطرب (١) وحُكى عن المبرد (٢)، وانتصر له الزمخشري (٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وتلميذاه ابن القيم وابن كثير (٥)، وابن عاشور (٦)، وغيرهم. وهذا خارجٌ عن حد المعنى، ولا علاقة له به، وكثير من الباحثين يخلط بين المعنى والمغزى من هذه الأحرف. وهناك كلام مفيد ذكره العلماء في بيان أنَّ كل نصوص القرآن مفهومة لدى المخاطبين منها ما قاله ابن جرير ﵀ عند كلامه على مراتب البيان، وأن أفضل البيان والكلام كلامُ الله : " وكان غير مبين منا عن نفسه مَنْ خاطب غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب، كان معلوماً أنه غير جائز أن يخاطب جل ذكره أحداً من خلقه إلا بما يفهمه المخاطب، ولا يرسل إلى أحد منهم رسولاً برسالة إلا " بلسان وبيان يفهمه المرسَلُ إليه. لأن المخاطب والمرسل إليه، إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه، فحاله قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة إليه وبعده، سواء إذ لم يفده الخطاب والرسالة شيئاً، كان به قبل ذلك جاهلاً، والله ـ جَل ذكره ـ يتعالى عن أن يخاطب خطاباً أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن خُوطب أو أرسلت إليه، لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث، والله تعالى عن ذلك متعال. ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ [إبراهيم: ٤] وقال لنبيه محمد ﷺ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل ٦٤].

стр. 59

فغير جائز أن يكون به مهتدياً، من كان بما يهدي إليه جاهلاً " (١). هذا وقد بسط القول في المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية بسطاً أفحم به المخالفين المتحذلقين (٢). حيث قال: " و المقصود هنا: أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلاماً لا معنى له. ولا يجوز أن يكون الرسول ﷺ وجميع الأمة لا يعلمون معناه، كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ، سواء كان من هذا تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون، أو كان للتأويل معنيان: يعلمون أحدهما، ولا يعلمون الآخر، وإذا دار الأمر بين أن القول بأن الرسول ﷺ كان لا يعلم معنى المتشابه من القرآن وبين أن يقال: الراسخون في العلم يعلمون كان هذا الإثبات خيراً من ذلك النفي. فإن معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره، وهذا مما يجب القطع به، وليس معناه قاطعاً على أن الراسخين في العلم لا يعلمون تفسير المتشابه، فإن السلف قد قال كثير منهم أنهم يعلمون تأويله، منهم مجاهد ـ مع جلالة قدره ـ والربيع بن أنس، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٣). ونقلوا ذلك عن ابن عباس، وأنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله ... وقالوا: والدليل على ما قلناه إجماع السلف، فأنهم فسروا جميع القرآن، وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها. وكلام أهل التفسير من الصحابة والتابعين شامل لجميع القرآن، إلا ما قد يشكل على بعضهم فيقف فيه، لا لأن أحداً من الناس لا يعلمه، لكن لأنه هو لم يعلمه .. وقد قال الحسن: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيماذا أنزلت، وماذا عني بها. وأيضاً فإذا كانت الأمور العلمية التي أخبر الله بها في القرآن لا يعرفها ... الرسول ﷺ ، كان هذا من أعظم قدح الملاحدة فيه، وكان حجة لما يقولونه من أنه كان لا يعرف الأمور العلمية، أو انه كان يعرفها ولم يبينها، بل هذا القول يقتضي أنه لم يكن يعلمها، فإنَّ مالا يعلمه إلا الله لا يعلمه النبي ولا غيره .. وبالجملة: فالدلائل الكثيرة توجب القطع ببطلان قول من يقول إن في القرآن آيات لا يعلم معناها الرسول ولا غيره (٣).

стр. 60

وإذا تقرر هذا فهل بقي للمفوِّضة بقية حتى يدعي مستعجم اللسان أن السلف قد آمنوا بصفات الله وفوضوا معناها إلى الله فسَلِموا فأُنتجت مقالة: (السلف أسلم والخلف أحكم) والحق أنه كان ومازال منهج السلف هو الأعلم والأحكم والأسلم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. [١٣] قال الرازي (١): " إنَّ الإيمان مجرد التَّصديق بالقلب " وهو قول الحسين بن الفضل البجلي. التفسير الكبير للرازي ٢/ ٢٤ الدراسة الإيمان: التَّصديق (٢)، وآمن به إيمانا صدَّقه (٣)، والإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب (٤). قال الأزهري (٥): "وأما الإيمان فهو مصدر آمن يؤمن إيماناً فهو مؤمن واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق" (٦) وقد ورد الإيمان في القرآن بمعنى التصديق، قال تعالى في أخوة يوسف ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف ١٧] أي بمصدق لنا (٧). وأما عن الإيمان الشرعي (٨) فاختلفت الأمة في تفسيره على أقوال: الأول: قول أهل السنة والجماعة وهو أن الإيمان "قول وعمل واعتقاد". وسيأتي له مزيد إيضاح.

стр. 61

الثاني: قول المرجئة (١) وهو أن الإيمان (إقرار باللسان وتصديق بالجنان). الثالث: قول الكرامية (٢) وهو أنَّ الإيمان (إقرار باللسان). الرابع: قول الجهمية (٣) وهو أنَّ الإيمان (المعرفة بالقلب). ويلزم من قول الجهمية أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين فإنهم عرفوا صدق موسى ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] بل إبليس يكون عند الجهميَّة مؤمناً كامل الإيمان فإنه لم يجهل بربه بل هو عارفٌ به ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦]. وعلى قول الكرامية: فالمنافقون عندهم مؤمنون (٤) وعلى قول المرجئة يكون أبو طالب مؤمناً. وعلى هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة تسقط التكاليف الشرعية (٥). وذهب بعض الأشاعرة إلى القول بأن الإيمان هو التصديق بالقلب وهو المنسوب إلى الحسين، وهو تفسير لبعض الإيمان وليس هو التفسير الصحيح للإيمان عند أهل السنة والجماعة فهذا المذهب مخالف لأهل السنة.

стр. 62

وللسلف وأئمة السنة في الإيمان تفسيرات، تؤول بالنهاية إلى معنى، واحد فتارة يعبرون بقولهم هو (قول وعمل)، وتارة بقولهم (قول وعمل ونية)، وتارة أخرى يقولون: (قول وعمل ونية واتباع السنة)، وتارة يقولون: الإيمان (قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح) وكل هذا صحيح. فمن قال من السلف (قول وعمل) أراد (قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح) (١) ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب ومن قال: (قول وعمل ونية) قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزادوا ذلك. ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوباً لله، إلا باتباع السنة. وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل وإنما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال والأعمال فالإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلا سنة فهو بدعة (٢). قال الشافعي (٣) ﵀ وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدر كناهم: أن الإيمان (قول وعمل ونية)، ولا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر (٤). وروى اللالكائي (٥) عن البخاري قوله: كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم

стр. 63

أكتب عمن قال: الإيمان " قول" وروى عنه قوله: (الإيمان قول وعمل بلا شك) (١) وقال ابن كثير في تفسيره: (فأمَّا إذا استعمل مطلقاً (٢) فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا (اعتقاداً وقولاً وعملاً) هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعاً: أن الإيمان (قول وعمل يزيد وينقص .. ) (٣). وبعد هذا البيان ننتقل إلى تفسير قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ فقد روى ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ عن ابن عباس: ... (يصدقون) وعن الربيع بن أنس (يخشون)، وعن الزهري (الإيمان: العمل). ثم ذكر ابن جرير أنه قد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل، وقال: فالذي هو أولى بتأويل الآية وأشبه بصفة القوم أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغيب قولاً واعتقاداً وعملاً (٤). قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] . [١٤] وقال أهل المعاني: (فيه إضمار واختصار معناه: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ مأالدِّمَاءَ تجعل فيها من لا يفسد فيها ولا يسفك الدماء كقوله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] يعني كمن هو غير قائم وهو اختيار الحسين بن الفضل). [الكشف والبيان ٢/ ٨٢٩ (٥).

стр. 64

الدراسة إذا قيل في التعليق على كلام الحسين إنّ في الكلام إضماراً فلا بد من أن يكون فيه اختصار. المسألة الأولى: معنى الاختصار: يقال: اختصر فلان أي أخذ المخصرة، واختصر الكلام أوجزه بحذف طوله. وهو عرفاً: تقليل المباني مع إبقاء المعاني، أو حذف عرض الكلام وهو جلّ مقصود العرب، وعليه مبنى أكثر كلامهم، ومن ثمَّ وضعوا الضمائر لأنها أخصر من الظواهر (١) خصوصاً ضمير الغيبة (٢). والاختصار كذلك هو ترك الفضول واستيجاز ما يأتي على المعنى (٣). المسألة الثانية: في الإضمار: وهو لغة: الإسقاط والإخفاء والاستقصاء (٤). والضمير: الشيء الذي تضمره في قلبك (٥) واصطلاحاً: إسقاط الشيء لفظاً لا معنى، وهو: ما ترك ذكره من اللفظ وهو مراد بالنية والتقدير (٦) وقد ساغ عند العرب الإضمار في الكلام إذا ترك عليه دليل، واعلم أن الإضمار ثلاثة أنواع: النوع الأول: نوع يعلم انتفاؤه قطعاً وإن أرادته باطلة، وهو حال أكثر الكلام فإنه لو سلط عليه الإضمار، فسد التخاطب، وبطلت العقود، والأقارير، والطلاق، والعتاق والوصايا، والوقوف، والشهادات، ولم يفهم أحد؛ مراد أحد إذ يمكنه أن يضمر كلمة تغير المعنى ولا يدل المخاطب عليه. النوع الثاني: ما يشهد السياق والكلام به فكأنه مذكور في اللفظ وإن حذف اختصاراً كقوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فمعلوم معناه (فضربه فانفلق). النوع الثالث: كلام يحتمل الإضمار ويحتمل عدمه، فهذا إذا قام الدليل على أن المتكلم به عالم ناصح مرشد قصده البيان والهدى والدلالة والإيضاح بكل طريق حسم مواد اللبس ومواقع الخطأ وإن هذا هو المألوف المعروف من خطابه، وأنه اللائق بحكمته، لم يشك السامع في أن مراده على ما دل عليه ظاهر كلامه، دون أن يحتمله باطنه من إضمار وما لم يجعل للسامع عليه دليلاً، ولا له إلى معرفته سبيلا إلا أن تجوز عليه أنه أراد منه ذلك، وكلفه مالا يطيقه وعرضه للعناء والمشقة والعزلة، ولم يقصد البيان، ولا نكير على من ظن ذلك في المتكلم أن يظن بكلامه ما هو مناسب لظنه به. وباب الإضمار لا ضابط له فكل من أراد إبطال كلام متكلم ادعى فيه إضماراً يخرجه من ظاهره .. (٧).

стр. 65

المسألة الثالثة: نوع الاستفهام في الهمزة: ولكي يتبين معنى الكلام المضمر عند الحسين يعرف أولاً: نوع الاستفهام في الهمزة. قيل: إنها على بابها للاستفهام المحض (١) قاله ثعلب (٢) وقدره (أتجعل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا) (٣). وفسره الحسين بن الفضل أي (أم تجعل فيها من لا يفسد) (٤). قال الآلوسي: وقيل استفهام محض حذف فيه المعادل أي (أتجعل فيها من يفسد) أم تجعل فيها من لا يفسد (٥). وقدره غيرهما (٦) بقوله (ونحن نسبح بحمدك أم نتغير) (٧). قال أبو البقاء (٨): " وقيل استفهموا عن أحوال أنفسهم: أي أتجعل فيها مفسداً ونحن على طاعتك أو نتغير (٩) "فيكون المعادل هنا من الجملة الحالية (ونحن نسبح بحمدك) (١٠)

стр. 66

وقيل الهمزة للاستخبار بمعنى (أعلمنا يا ربنا أجاعل أنت في الأرض من هذه صفته، وتاركٌ أن تجعل خلفاءك منَّا، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) لا إنكار منها لما أعلمها ربها أنه فاعل ... وهو اختيار ابن جرير (١). وقال بعضهم الهمزة للاسترشاد (٢) وذلك لأن القول صدر من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك. فكأنهم قالوا يا رب خبرنا مسألة استخبار منهم لا على وجه الإنكار (٣). قال البيضاوي (٤): "واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبهتهم، كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن في بني آدم على وجه الغيب فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]. ومعنى كونه على وجهة الاسترشاد أي (هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به قبل (٥) أو غيره) " (٦). وقيل تأويل استخبارهم هذا على جهة الاستعلام وجهة الحكمة لا على إنكاره، ذكره الزجاج (٧)

стр. 67

قال ابن كثير: وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك يقولون يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أنَّ منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نصلي لك (١) فيكون المسؤول عنه هو الجعل لا باعتبار ذاته بل باعتبار حكمته ومزيل شبهته (٢) قال شيخ زاده (٣): " طلباً للكشف عن تلك الحكمة أو قالوا استخباراً أي استعلاماً وطلباً للجواب الذي يرشدهم إلى طريق العرفان ويوصلهم إلى ... الإيقان .. " (٤). وقد قُدِّر في كل ما سبق للاستفهام معادل. ولعل المعنى واحد في كل ما سبق من التعبيرات فالاستخبار، والاسترشاد، والاستعلام، كله مجراه واحد يصب في الاستفهام المحض ويؤول إليه، اللهم إلا أنَّ في الاستعلام زيادة استكشاف عن وجه الحكمة وهذا وجه حسن. والله تعالى أعلم. فإذا كانت الهمزة على بابها في الاستفهام فإنه يندرج تحته كل ما سبق. ٢ - وقيل: الهمزة للتعجب (٥) وإن كان أصلها للاستفهام فهو قد صحبه معنى التعجب: كأنهم تعجبوا من استخلاف الله من يعصيه أو من يعصي من يستخلفه في أرضه (٦). وذهب إليه الزمخشري (٧). ٣ - وقيل: للاستعظام والإكبار (٨). قال ابن عطية: " إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفه الله في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعاً للاستخلاف والعصيان .. " (٩)

стр. 68

٤ - وقيل: معنى الاستفهام هنا هو التقرير، قال أبو عبيدة: " فقد جاءت على لفظ الاستفهام، والملائكة لم تستفهم ربها، وقد قال ﵎: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ولكن معناها معنى الإيجاب أي أنك ستفعل. وقال جرير (١): ـ فأوجب ولم يستفهم ـ لعبد الملك بن مروان ألَسْتُم خيَر مَنْ رَكِبَ المَطَايا وأنْدَى الَعالمَينَ بُطْونَ راحِ (٢) (٣) إذن هو استفهام دخل على معنى العلم ليقع به تحقيق. (٤) وعلى الأقوال الثلاثة الأخيرة، يكون في الآية تقدير أو معادل وعلى كل تقدير فليست الهمزة للإنكار ولا بد أن تعلم أن قول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله وكذلك ليس على وجه الحسد لبني آدم كما توهم بعض المفسرين (٥) وقد اختار الحسين القول الذي تكون فيه الهمزة للاستفهام والاستخبار وهو الراجح - والله أعلم - وذلك لأن جعل الاستفهام على بابه هو الأصل. قال ابن جرير " فأولى التأويلات ... بالآية، ما كان عليه من ظاهر التنزيل دلالةٌ مما يصح مخرجه في المفهوم " (٦) قال القرطبي: " والقول الأول (٧) أيضا حسن جداً، لأن فيه استخراج العلم واستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء " (٨) وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن للملائكة بالسؤال عن ذلك فسألته على وجه التعجب، فدعوى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل، ولا خبر بها من الحجة يقطع العذر، وغير جائز أن يقال في تأويل كلام الله بما لا دلالة عليه من بعض الوجوه التي تقوم الحجة بها) (٩) وأما عن القولين الأخيرين فالله تعالى أعلم بصحتهما.

стр. 69

وذلك لأن الخبر عما مضى وما قد سلف، لا يُدرك علم صحته إلا بمجيئه مجيئاً يمتنع معه التشاغل والتواطؤ، ويستحيل معه الكذب والخطأ والسهو (١). ولمزيد من التوضيح ذكر الحسين أن الإضمار الموجود في آية البقرة السابقة كالإضمار الموجود في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. فكأنه قصد من ذكر آية الزمر، تقريب المعنى في آية البقرة لحاجة آية البقرة إلى تقدير محذوف وكذلك قوله تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ لا بد من معادل محذوف وللوصول إلى تقديره لا بدَّ من الآتي: في الآية قراءتان الأولى: خفف الميم الحرميَّان (٢) وحمزة (٣). الثانية: شدَّدها الباقون (٤). وهذا معنى قول الشاطبي (٥): أمَّن خفَّ حرميٌّ فشا ... (٦)

стр. 70

وأمَّن بالتشديد تتكون من (أم) أدغمت ميمها في ميم (من) اسم الموصول ولا يقال (من) استفهام؛ لأن الاستفهام لا يدخل على استفهام. واحتملت أم أن تكون متصلة وفيها وجهان: الوجه الأول: أن يكون جوابها محذوفاً تقديره (أمَّن هو قانت كمن هو غير قانت) (١) أو (أمَّن هو قانت كغيره) (٢). قال الزمخشري: (ومَن مبتدأ محذوف، تقديره أمن هو قانت كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله، وقوله بعده ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) هذا وجه. والآخر: العطف على الاستفهام تقديره: (الذي جعل لله أنداداً خيرٌ أمَّن هو قانت) (٤). أو (أهذا الكافر خير أمَّن هو قانت) (٥) (وهذا معنى قول الأخفش) (٦) واحتملت (أم) أن تكون منقطعة تقدر بـ (بل والهمزة) وتقتضي استفهاماً مقدراً بعدها. قال الزجاج: معناه (بل أمنْ هو قانت كغيره) أي: (أمن هو مطيع كمن هو عاص) (٧) وقال النحاس: فتقديره (أم الذي هو قانت أفضل ممن ذكروا). (٨) عنده (أم) بمعنى بل و (من) بمعنى الذي. (٩) وتعقب تقديره أبو حيان بقوله (ولا فضل لمن قبله حتى يجعل هذا أفضل، بل يقدر الخير من أصحاب الجنة، يدل عليه مقابلة (إنك من أصحاب النار) (١٠).

стр. 71

وقدَّره: (بل أم من هو قانت صفته كذا كمن ليس بقانت) (١) قال ابن عطية: (وأما القراءة بتشديد الميم فإنها أم دخلت على (من) والكلام على هذه القراءة لا يحتمل إلا المعادلة بين صنفين فيحتمل أن يكون ما يعادل (أم) قد ابتدأ بها، بعد إضراب مقدر .. ) (٢). وعلى قراءة التخفيف وجهان: قال الفراء: (يا من هو قانت. وهو وجه حسن، العرب تدعو بألف، كما يدعون بـ "يا "، فيقولون يا زيد أقبل وأزيد أقبل ... لأنه ذكر الناسي الكافر، ثم قصَّ قصة الصالح بالنداء، كما تقول في الكلام فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من يصلي ويصوم أبشر فهذا هو معناه - والله أعلم (٣) - وقد يُقدَّر: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ويا من هو قانت ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ إنك من أهل الجنة). أو (يا مَن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائما أبشر) (٤) واستبعده بعضهم (٥) وعلَّله بأنه لم يقع في القرآن نداء بغير ياء (٦) وغير ذلك (٧). ويحسن أن تكون الألف للاستفهام على أن يضمر معادلٌ للألف تقديره: ... (أمَن هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أنداداً؟) (٨) وقريبٌ منه (أمَن هو قانت كمن جعل لله أنداداً) (٩) أو (أمَن هو قانت كمن ليس بقانت) (١٠) قال الزجاج (تأويله: أمن هو قانت كهذا الذي ذكرنا ممن جعل لله أنداداً) (١١)

стр. 72

وبعد أن تبينت قراءتا (أمن) وحجة كل قراءة. فالقول فيهما: أنهما قراءتان، حسنتان، قرأ بكل واحدة منها أئمة من القراء، مع صحة كل واحدة، فبأيهما قرأت فقد أصبت. وبالنسبة لإضمار الحسين وتقديره في الآية، فهو كما رأيت وعلمت جائز على كلتا القراءتين، سواءً أكانت الهمزة للاستفهام أم للإضراب. فتقديره صحيح ولا بد من الإضمار هنا لدلالة قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والتسوية تكون بين شيئين وجملتين ـ والله أعلم ـ. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] [١٥] قال الحسين بن الفضل: (ردّ الكناية إلى الاستعانة). الكشف والبيان للثعلبي (١). ٢/ ٨٩٤ (٢) الدراسة اختلف المفسرون في مرد الضمير على أقوال عدة منها: ١ - رده على الصلاة خاصة ٢ - رده عليهما ولكنه كنى عن الأغلب وهو" الصلاة. " ٣ - لما كان الصبر داخلاً في الصلاة أعاد عليها. ٤ - رده على المصدر " الاستعانة "، من واستعينوا. (٣) ٥ - معناه واستعينوا بالصبر، وإنه لكبير، وبالصلاة وإنها لكبيرة، فحذف أحدهما اختصاراً (٤). ٦ - رد الضمير على الوصية وهي ما يدل عليه الكلام. (٥) ٧ - وقيل على إجابة محمد ﷺ ، لأنَّ الصبر والصلاة مما كان يدعو إليهما. (٦) ٨ - وقيل على الكعبة لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها. (٧)

стр. 73

والجمهور على القول الأول، قاله ابن عباس (١) والحسن (٢) ومجاهد (٣) واختاره ابن جرير (٤) وأبو عبيدة (٥) والزجاج (٦) وأبو حيان (٧) والآلوسي (٨) والسعدي (٩) وغيرهم. ولا يخفى على متأمل ما يحمل هذا القول من قوة تؤيده القاعدة التفسيرية (التي ترد الضمير عند ذكر شيئين على أحدهما والغالب كونه الثاني (١٠)، والعرب تقتصر على أحد الاسمين وأكثره الثاني (١١)، وقد نزل القرآن بلغتهم. قال أبو حيان: الضمير عائد على الصلاة هذا ظاهر الكلام، وهو القاعدة في علم العربية أن الضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل" (١٢) وأما عن اختيار الحسين فله وجهته كذلك؛ لأنَّ الهاء والألف تعود على مؤنث، فإذا لم يكن على الصلاة فعلى الاستعانة مصدر (استعينوا) فعل الأمر الذي صدرت به الآية، فيكون معنى الآية (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنَّ الاستعانة بهما لكبيرة إلا على الخاشعين)، وفي رد الضمير على الاستعانة إشراك الصبر مع الصلاة في كونهما ثقيلتين وكبيرتين على النفس إلا أنفس الخاشعين. وهذا صحيح، فالصبر له ثقله ومشقته والصلاة كذلك مثله ـ والله تعالى أعلم ـ. وأما عن القولين الآخرين فتطرق الضعف إليهما بيِّن واضح. حيث إن الضمير إذا رُد إلى إجابة النبي ﷺ تُرك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دليل على صحته، فلم يجر بلفظ الإجابة ذكر (١٣)، ولا دليل له من الآية (١٤) وأضعف من هذا (١٥): رده إلى الكعبة بعلة كونها قبلة للصلاة.

стр. 74

والذي ورد في السياق لفظه هو الصلاة، وساق هذا القول العكبري ثم علَّل له وقال (وكان التحول إلى الكعبة شديداً على اليهود) (١) وهذا الكلام صحيح في ذاته ولكن جعله تعليلاً لرد الضمير على ما لم يجر له ذكر في الآية، فيه نظر والله أعلم. وقد تجلت هنا قاعدة (٢) مشهورة تقول (إن إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر، لأن الإعادة إلى مقدر مع إمكان الإعادة إلى المذكور فيه إخراج للآية عن نظمها دون موجب) وقد رجح كثير من العلماء بعض الأقوال على ضوء هذه القاعدة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ولهذا وذاك سَلِم القول الذي رد الضمير إلى مذكور، وضَعُف الذي رده إلى مقدَّر ـ والله تعالى أعلم ـ. قال تعالى ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] . قال الضحاك: " بلسانها " [١٦] وقال الحسين بن الفضل: (وهذا أولى الأقاويل؛ لأن المراد كان من إحياء القتيل كلامُه واللسان آلته) الكشف والبيان للثعلبي (٤) / ٩٩٠ (٥) الدراسة يتضح مما سبق أن الحسين ﵀ اطلع على الأقوال (٦) الواردة في تعيين البعض الذي ضرب به القتيل، ثم هو رجح " اللسان " وعلَّل لهذا الترجيح: بتعليل عقلي محض لا مستند له من النقل. والحال أنَّ القاعدة في المبهمات (٧) التي لم يفصح القرآن عنها ولم يُفصِّل شيئاً منها في أي موضع، بحث لا طائل من ورائه إلا إضاعة الأوقات وفناء الأعمار، بما لا ينفع ولا يفيد، وإشغال المسلم نفسه بما لا يمكن التوصل إلى معرفته إلا بنص ثابت عن معصوم فلا مجال فيها للاجتهاد أو إعمال الرأي ثم إنه لا يمكن لمسلم أن يستريب في أن القرآن أغفل ما للعباد فيه مصلحة وعاد عليهم بالفائدة والمنفعة.

стр. 75

ولهذا قال ابن جرير: (والصواب من القول عندنا في تأويل قوله ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ أن يقال: أمرهم الله - جل ثناؤه - أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب. ولا دلاله في الآية، ولا في خبر تقوم به حجة على أيِّ أبعاضها التي أُمر القوم أن يضربوا القتيل به، وجائز أن يكون الذي أُمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذَّنب، وغضروف الكتف وغير ذلك، من أبعاضها ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل ولا ينفع العلمُ به مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فأحياه الله) (١). وقال ابن كثير: (هذا البعض أيٌّ شيء كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معيناً في نفس الأمر فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبيَّنه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيان فنحن نبهمه كما أبهمه الله) (٢) وقال ابن تيمية: (الاختلاف في التفسير على نوعين .. إلى قوله. ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه، وهذا " القسم الثاني من المنقول " وهو مالا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه، عامته مما لا فائدة فيه، فالكلام فيه من فضول الكلام. وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته؛ فإن الله نصب على الحق فيه دليلاً فمثال مالا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح، وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك. فهذه الأمور طريق العلم بها النقل فما كان من هذه منقولاً نقلاً صحيحاً عن النبي ﷺ كاسم صاحب موسى أنه الخضر فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب ... فهذا لا يجوز تكذيبه ولا تصديقه إلا بحجة .. (٣) وكذلك الشيخ السعدي ﵀ بيَّن موقفه الحاسم من مثل هذا (٤). قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]
следующие страницы →