Полный текст (194 стр.). Показаны 176–194 · переход к 181.
стр. 176
باب الكلام في القول بالعلتين
اختلف الناس في القول بالعلتين في أصل واحد، إحداهما تقتضي حمل الفرع عليه، والأخرى تمنع من حمل الفرع عليه؟.
فمنهم من قال: لا تتنافيان؛ لأن العلة المقصورة على الأصل لا تمنع رد الفرع إذا كانت هناك علة أخرى تقتضي الرد، كما أن العموم الشامل لمئة شيء، لا يمنع من شمول غير ذلك لألف شيء ولا ينافيه.
ومنهم من قال: إنهما تتنافيان.
стр. 177
قال القاضي الجليل:
وغلى هذا أذهب في المعنى؛ لأن ما له ثبت الحكم في الأصل إما أن تكون العلة المقصورة عليه أو المتعدية، فإن كانت المتعدية هي الصحيحة، صح القياس على الأصل، وإن تكن المقصورة هي الصحيحة، امتنع القياس عليه؛ لأننا استفدنا بها أن الأصل مما لا يجوز القياس عليه، فقد حصل التنافي في المعنى، وذلك نحو تعليل الذهب بالوزن الذي يتعدى، وبكونه ثمنا لايتعدى وماشبه ذلك.
وهذه المسألة من فروع ماتقدم من أن العلة إذا لم تتعد، هل تحص أم لا؟ فيجب بناؤها عليه، والله أعلم.
стр. 178
باب القول في العلتين
احداهما أكثر فروعا من الأخرى
قال القاضي الجليل:
وأما تعليل الأصل بعلة توجد في عشرة فروع، وتعليله بعلة توجد فيه وفي واحد من تلك الفروع، فإني أقول فيه أيضا: أنهما يتنافيان في المعنى، وإن كان بعض من يمتنع من القول بالعلتين لا يمتنع هاهنا ويقول: إنهما لا يتنافيان.
ووجه التنافي فيهما هو أن الأصل إذا علل بعلة تتعدى إلى عشرة فروع، فليس يعلم أن هذه العلة إلا بعد أن يسبر الأصل،
стр. 179
ويستقرأ جميع ما يصلح أن يكون علة، فإن جميعها وصحت هي وسلمت، وصارت في التقدير علة، وكأن الله نص عليها وقال: إنما حرمت ذلك لهذه العلة دون ما سواها، فتبطل كل علة سوى العلة التي ثبت أن الحكم لأجلها وجب.
فإن قيل: يجوز أن يصبر الأصل فيعلم أنه معلول بعلتين، إحداهما تتعدى إلى شيء، وإلى ما زاد عليه.
قيل: هما كالعلة التي لا تتعدى مع المتعدية؛ لأن العلة التي تتعدى الى عشرة فروع يتبين بها أن الأصل يقاس عليه عشرة فروع، والعلة الأخرى كشفت لنا أن هذا الأصل يقاس عليه ثمانية فروع لا غير، فهو كما ينكشف بالعلة التي لا تتعدى أن
стр. 180
الأصل مما لايجوز القياس عليه، وأي شيء تنافى أكثر من أن العلتين تصطحبان الى فرع، ثم تقف إحداهما الى غيره والأخرى تتجاوزه كالتي لا تتعدى مع المتعدية، وتصير العلة المتعدية الى فروع كثيرة أكثر مما تتعدت اليه الأخرى بمنزلة الآيتين والخبرين، إن قلنا بالواحد منهما، سقط الحكم الآخر، وإن كانت إحدى العلتين تتعدى الى فرع آخر غير الفروع التي تعدت إليها العلة الأخرى، فهذا ربما لم يتناف، وفيه نظر، والله أعلم.
стр. 181
باب القول في جواز كون الاسم علة
واختلف الناس في كون الاسم علة:
فذهبت طائفة إلى جوازه.
ومنعت منه طائفة.
قال القاضي ﵀:
وعند أنه يجوز، وعليه يدل مذهب مالك ﵀.
والأصل فيه: أن الله أمر بالاعتبار وهو ر الشيء الى نظيره، ولم يفرق بين أن يرد باسم أو وصف.
стр. 182
وأيضا: فإن الاسم سمة للمسمى يميز به بينه وبين غيره، وكذلك الصفة صفة يميز بها بينه وبين غيره، فإذا جاز أن تكون الصفة علة جاز في الاسم.
وأيضا: فإن الاسم يتوصل به الى الحكم كالصفة، فيجب أن يجوز كونه علة كالصفة.
وأيضا فإذا كان النص يوجب الأحكام تارة بالاسم، وتارة بالصفة، فكل واحد منهما كصاحبه في جواز جعله علة، وبمثل هذه العلل يعتد في جواز جعل الحكم علة لحكم آخر.
وإن شئت قلت إن الأحكام تدرك بالشرع كالمعاني، فإذا جاز جعل المعنى علة فكذلك الاسم، والله أعلم
стр. 183
باب القول في أخذ الاسم قياسا
عند مالك ﵀ يجوز أن تؤخذ الأسماء من جهة القياس.
وأبى ذلك قوم أن تؤخذ الأسماء قياسا.
والأصل فيه: أن الله قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]
стр. 184
فهو على العموم في الاسامي والأحكام.
وأيضا فإنه يجوز أخذ الأحكام قياسا، فكذلك الاسماء؛ لأنهما في الحالين جاءا بالجائز في العقول السائغ فيها.
وأيضا: فإن المعاني أعلام للإحكام وأدلة عليها، والأسماء كذلك، ثم من الجائز التنبيه على المعنى تارة بالشرع، وتارة بلا شرع، وكذلك الاسماء؛ لأن الجميع من الحجج والأعلام التي يجوز به الهجوم على الحلال والحرام.
وأيضا: فإن القول على الشيء بأن كذا اسم له على مشاكلة القول عليه بأن كذا حكم له، فلما جاز أن يصدر أحدهما من جهة الشرع؛ فكذلك الثاني.
стр. 185
وأيضا: فإن الوجود شاهد لنا، وهو أن الشريعة سمت أسماء لم تعرف بها قبل الشرع مثل: الإيمان والإسلام والملة، والحج، والصوم، والصلاة، والزكاة، والسنة، والتطوع، فوجودها يغني عن الدلالة عليها.
وأيضا: فإن من قضايا العقول أن كل متماثبين فحكمهما واحد من حيث تماثلا، فإذا وجدنا الخمر كسبت هذا الاسم لحدوث الشدة المخصوصة، وترتفع بارتفاع الشدة المطربة، وسلم ذلك على السبر والامتحان، ورأيناها في النبيذ موجودة وجب أن نعطيه اسم الخمر.
فإن قيل: فقد قال الله : ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
стр. 186
فأخبر أنه علمه الكل، والقياس ممتنع.
قيل: كذلك نقول: إن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها، إلا أنه نص على بعضها ونبه على بعض، وسبيل ذلك سبيل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى﴾ [النحل:٨٩].
ثم كان وجه البيان منها على ضروب، منها نص، ومنها تنبيه، كذلك هذا على أنه دليل لنا، وذلك أنه لما ثبت أن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها ثبت أن مآخذ الأسماء من جهة الشرع.
وقد قيل: إنه علمه أسماء الأجناس دون التفصيل، والله أعلم.
стр. 187
باب القول في الحدود هل تؤخذ من جهة القياس
الذي عليه مذهب مالك ﵀ جواز أن تؤخذ الحدود والكفارات والمقدرات من جهة القاياس.
واختلف القائلون بالقياس: هل يجوز أن تؤخذ الحدود والكفارات والمقدرات من طريق القياس؟.
فعندناأنه جائز، ومنع منه بعض أصحاب أبي حنيفة،
стр. 188
وبعض أصحاب الشافعي، وجوزه بعضهم.
قال اقاضي ﵀:
وهو عندي جائز.
والأصل فيه: قوله : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].
стр. 189
فأمر الاعتبار عموما، ولم يفرق بين الأحكام في المقدارت والحدود والكفارات وغيرها، فهو على عمومه في جميعها حتى يقوم دليل يمنع منه، ولم يقم دليل يمنع منه، فهو جائز.
وقال أيضا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩].
فخرج النص المستغني عن البيان وبقي الباقي، وعدمنا كونه تبيانا لجميع الأشياء كلها لفظا ونصا على كل شيء منها، فثبت أنه تبيان لها بالنص والتنبيه، والقياس على المعنى من جملة التنبيه.
وأيضا: فإنما جاز إثباته بالخبر الذي يصدر عن الرسول ﷺ من جهة الآحاد من أحكام الشريعة، جاز إثباته بالقياس، دليل ذلك غير الحدود المقدرات، وكذلك الحدود والمقدرات.
стр. 190
وأيضا: فإن الحوادث على ضربين: مقدر، وغير مقدر، ثم جاز أخذ ما ليس بمقدر قياسا، فكذلك المقدر، لأنه أحد ركني الحوادث، ولإن في استعماله من طريق اللفظ والنعنى تكثير الفوائد فهو أولى.
وأيضا: فإن الصحابة ﵃ حين استشارهم، حتى قال على ـ رضيالله عنه ـ وغيره من الصحابة: ((إذا سكر هذى وإذا افترى، فنرى أن نحده حد المفتري ثمانين)).
стр. 191
فقبل عمر ﵁ ذلك منه واتفقوا عليه، فلما أخذوا ذلك من جهة القياس والاستنباط دل على أن للقياس مدخلا في ذلك بإجماع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فثبت ذلك وصح لإجماع الصحابة على ترك النكير على عمر وعلي ﵄، ولأنهم سوغوا ما قال وعملوا به جميعا.
فإن قيل: فقد النبي ﷺ : ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)).
стр. 192
والقياس محتمل فهو شبهة؟.
قيل له: ليس يعتبر فيه الاحتمال، ألا ترى أنه يجوز أخذه من جهة العموم وخبر الواحد، وشهادة الشهود، وفي جميع ذلك من الاحتمال ما في القياس، ولم تكن شبهة فسط ما ذكروا.
فإن قيل: فإن العقوبات مختلفة متفاونة مع اشتراكها في المعنى، وأخذ ذلك قياسا لا يجوز.
قيل: لو وجب ذلك فيها لوجب في الخارجات من الإنسان لاشتراك جميعها في الخروج من البدن واختلافها في الأحكام، على أن أصحاب أبي حنيفة ﵀ قد ناقضوا في هذا الأصل، وعملوا في إيجاب الحدود بالمحتمل فقالوا فيمن شهد عليه أربعة بالزنا في أربع
стр. 193
زوايا: إنه يجب عليه الحد، وأقاموا الدلالة في الصيد مقام القتل في إيجاب الجزاء الذي هو مقدر، ووافقونا على قياس قتل المرأة على الرجل في إيجاب الكفارة، وكذلك في إيجاب الكفارة عليها إذا جمعت في شهر رمضان طائعة، وقاسوا الأكل في شهر رمضان لغير عذر على المجامع، وهذا كله نقض لأصلهم، وبالله التوفيق والتسديد.
стр. 194
قال القاضي أبو الحسن علي بن عمر:
هذه مقدمة من الأصول في الفقه ذكرتها في مسائل الخلاف ليفهمها أصحابنا، ولم أستقص الحجج عليها، لأنه لم يكن مقصودي ذلك.