Полный текст (194 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
باب الكلام في شرائع من كان قبلنا من الأنبياء
اختلف فيه:
هل يلزمنا اتباع من كان في شرائع من كان قبل نبينا ﷺ من الأنبياء ﵈، إذا لم يكن في شرعنا ما ينسخه أم لا؟
فقيل: يلزمنا، إلا أن يمنع منه دليل.
ومذهب مالك ﵀ يدل على أن علينا اتباعهم، لأنه
стр. 142
احتج بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
وهذا خطاب لأهل التوراة بشريعة موسى ﵇.
والحجة في ذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
فأمر نبينا ﷺ أن يقتدي بهدي الأنبياء ﵈ ممن قبله.
стр. 143
وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣].
فدل على أن علينا اتباعهم.
ومن قال ليس علينا اتباعهم فحجته قوله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
فمن زعم أن شرائع من كان قبلنا يلزمنا العمل بها أو ببعضها فقد جعل الشرع لنا ولهم والمنهاج واحدا، والله تعالى جعل لكل منهم شرعة ومنهاجا.
وهذا إنما يقع في الشرائع والعبادات التي يجوز فيها النسخ والنقل والتبديل، فأما التوحيد وما يتعلق به فلا خلاف فيه بين شرائع الأنبياء ﵈ وكلهم فيه على منهاج واحد، لأنه لا يجوز أن يقع فيه اختلاف، وبالله التوفيق.
стр. 144
باب الكلام في الحظر والإباحة
ليس عن مالك ﵀ في الحظر والإباحة في الأطعمة والأشربة، وما جرت العادة بأن الجسم لابد له منه نص في ذلك.
وذهب القاضي أبو الفرج المالكي إلى أنها على الإباحة في الأصل حتى يقوم دليل بالحظر.
وغيره من أصحابنا يقول: هي على الحظر حتى يقوم دليل الإباحة
стр. 145
ومنهم من قال هي على الوقف حتى يقوم دليل الحظر أو الإباحة.
فحجة من قال: إنها على الإباحة: هي أنها لا تخلو أن يكون الله خلقها لينتفع هو بها - تعالى الله عن ذلك - أو لننتفع نحن وهو بها، أو ننتفع نحن دونه تعالى بها، أو خلقها لا لينتفع هو ولا نحن بها.
فخلقها لينتفع هو بها تعالى محال، لأنه لا تجوز عليه المنافع ولا المضار.
وخلقها أيضا له ولنا محال لا يجوز؛ لأن المنفعة والمضرة عليه لا تجوز
стр. 146
وخلقها لا لينتفع هو بها ولا نحن عبث لا يجوز عليه عن ذلك علوا كبيرا ـ.
فلم يبق إلا خلقها لننتفع نحن بها، وإذا ثبت ذلك صارت هذه الدلالة تقوم مقام الإذن منه تعالى لنا فيالانتفاع بها.
وأما من قال: هي عنده على الحظر في الأصل، فحجته أنه قد ثبت أن الأشياء كلها ملك لمالك واحد وهو الله ، ولا يجوز الإقدام على ملك أحد إلا بإذنه؛ لأنه لا يؤمن أن يكون في الإقدام عليها من غير إذنه منه ضرر في العاقبة.
ومن قال هي على الوقف، فحجته تعارض المعنيين وتقابلهما في الحظر والإباحة، فوجب الوقف وطلب الدليل المميز، وأن لا يقدم أحد على أحد القولين إلا بحجة؛ ولأن الحظر يقتضي حاظرا، وأن الإباحة تقتضي مبيحا، فوجب التوقف حتى يعلم ذلك.
стр. 147
وعلى أن الكلام في هذه المسألة تكلف؛ لأنه لا يعقل الناس حالا قبل الرسل والشرائع؛ لأن الرسل بعد آدم ﵇، فقد تقررت الشرائع في جميع الأشياء بالرسل ﵈، والله أعلم.
стр. 148
باب الكلام في استصحاب الحال
ليس عند مالك ﵀ في ذلك نص، ولكن مذهبه يدل عليه؛ لأنه احتج في أشياء كثيرة سئل عنها، فقال: ((لم يفعل النبي ﷺ ذلك، ولا الصحابة رحمة الله عليهم))،و كذالكة يقول: ((ما رأيت أحدا فعله))، وهذا يدل على أن السمع إذا لم يرد بإيجاب شيء لم يجب، وكان على ما كان عليه من البراءة الذمة.
стр. 149
والأصل في ذلك أن الله ع زوجل قد احتج على عباده في العبادات بالعقل والسمع، فما كان له حكم في العقل ولم يرد سمع بخلافه، فأمره موقوف على ورود السمع، فإن ورد بمثل ما كان في العقل كان مؤكدا، وإن ورد بخلافه، فقد نقل الأمر عما كان عليه، وإن لم يرد سمع بشيء من ذلك، فهو على أصل حكمه في العقل، والله أعلم.
стр. 150
باب القول في الإجماع بعد الخلاف
إذا اختلفت الصحابة ﵃ على قولين، وانقرضوا على ذلك، ثم أجمع التابعون على أحد القولين، فهل يسقط الخلاف؟ أم هل هو باق؟.
ليس عن مالك ﵀ في ذلك نص، واختلف أصحابه في ذلك:
فقال بعضهم: ينقطع الخلاف، ولا يجوز مخالفة إجماع التابعين بعدهم.
وقال بعضهم: بل الخلاف باق ولا ينقطع.
قال اقاضي ﵀:
والجيد ـ وهو الذي يختاره شيخنا أبو بكر بن صالح الأبهري
стр. 151
ـ ﵀ ـ أن الخلاف باق، وذلك أن تقدير المسألة أن يكون قول الصحابي المخالف بمنزلة حضوره مع التابعين، وكونه حيا معهم وكونه ميتا لا يسقط خلافه لهم بإجماعهم على خلافه، وأحسن أحوال التابعين معه: أن يكونوا بمنزلة الصحابة معه في أن مخالفة الصحابة له من طريق الاجتهادلا يسقط خلافه، وكذلك كون التابعين وإجماعهم على خلافه من طريق الاجتهاد لا يسقط خلافه لهم؛ ولأن قوله بمنزلة أن لو كان حيا معهم، ويصير إجماعهم كطائفة انضافت إلى أحد الخبرين من الصحابة ﵃ وبالله التوفيق.
стр. 152
باب في الكلام على إجماع الأعصار
مذهب مالك ﵀ وغيره من الفقهاء: أن إجماع الأعصار حجة.
وأنكر قوم أن يكون إجماع الأعصار حجة، إلا للصحابة ﵃ ـ
стр. 153
والدليل على أن إجماع الأعصار حجة، هو أن الله أثنى على هذه الأمة، وبين فضلها، ونبه عليه وعلى وجوب الحجة بقولها، ولقوله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة مثل قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. . .﴾ الآية [آل عمران:١١٠].
وقوله أيضا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا
стр. 154
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣].
وغير ذلك.
ومن السنة قول النبي ﷺ : ((أمتي لا تجتمع على ضلالة)).
وقوله ﵇:
стр. 155
((لا تجتمع أمتي على خطأ)).
وقوله ﷺ أيضا: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة)).
ومن حجة العقل الدال على عصمتها، أنه لا يخلو أن يكون المراد بذلك جميع الأمة كلها من أولها إلى آخرها، أو يكون المراد بذلك بعضهم دون بعض، ويستحيل أن يكون المراد بذلك الأمة كلها أولها وآخرها من جهتين:
إحداهما: أنهم لا يكونون حجة على أنفسهم.
стр. 156
والأخرى: أنهم لو كانوا كذلك، أو جاز أن يكونوا بأجمعهم حجة لم يجز أن يدرك الحكم من جهتهم إلا من أدرك أولهم وآخرهم.
وهذا أيضا بين الفساد، فثبت أن الحجة متعلقة ببعضهم، ولا يخلو ذلك البعض من أن يكون حجة على أهل عصره، أو لا يكون حجة غلا على أهل العصر الذي بعده، فبطل القسم الأول لاتفاق الجميع على أن الصحابة ﵃ ليس بعضهم حجة على بعض، فلم يبق إلا أنهم حجة على من بعدهم لأجل تقدمهم، وكان تقدم العصر الثاني للثالث، كتقدم عصر الصحابة للتابعين، وكانت حاجة العصر الثالث إلى الثاني كحاجة الثاني إلى الأول في العوارض من إرسال الرسل ﵈، إذ الرسل قد انقطعت بعد النبي ﷺ ؛ لأنه جعل خاتم النبيين ﷺ ، وجعلت الأمة عوضا عنها، فوجب حجة الأعصر متقديمهم على متأخرهم، كوجوب حجة عصر الصحابة ﵃ على من بعدهم، ولأن الحق لا يجوز أن يخرج عن كل عصر، فثبت أن إجماع كل عصر حجة، والله أعلم.
стр. 157
باب الكلام على العلة والمعلول
قال القاضي الجليل أبو الحسن ﵁:
العلة عند مالك والفقهاء هي: الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها.
والعلة في مواضعة اللغة تفيد ما يتغير الحكم بوجوده، ولهذا سمي المرض علة لما تغيرت الحال عما كانت عليه بوجوده، ويصفونا ماله فعل الفعل أو لم يفعل علة، فيقولون: ((جئتك لعلة كذا وكذا)) و ((لم آتك لعلة كيت وكيت)).
стр. 158
واستعملها المتكلمون في غير ذلك.
فأما العلة عند مالك والفقهاء فهي: ((الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها)) كما قلنا.
ومن حكم العلة العقلية وحقها:
١ - أن تكون موجبة لمعلولها.
٢ - أن يستغني في إيجابها عن مقارنة غيرها لها.
٣ - وأن لاتقف في إيجابها على شرط.
стр. 159
٤ - وأن لا تختص بإيجابها لما توجبه لبعض الأعيان دون بعض، أو لبعض الزمان دون بعض.
والعلة الشرعية تفارقها في جميع هذه الوجوه بلا خلاف بين القائسين، إلا في اختصاصها ببعض الأحيان، فإن من يمتنع من جواز تخصيص العلة الشرعية يسوي بينها وين العلل العقليات في هذا الوجه الواحد، دون من يرى تخصيص العلة الشرعية منهم.
وطريق معرفة العلة العقلية دليل العقل، وطريق معرفة العلة الشرعية دليل السمع.
стр. 160
فصل
وأما المعلول فهو الحكم الذي العلة علة فيه، وهو تحريم الربا أبدا لا أنه نفس البر والأرز على ما يظنه بعضهم، وكيف يجوز ذلك في المعلول وهو الذي من حقه أن تؤثر العلة فيه ويتبعها ويزول بزوالها، وهذا كله لا يتأتى في البر نفسه، فثبت أن المعلول هو الحكم الذي العلة علة فيه، والله أعلم.
стр. 161
باب القول فيما يدل على صحة العلة
اختلف الناس فيما يدل على صحة العلة، وهل تصح بالجريان والطرد في معلولاتها، أو تعلم صحتها بغير ذلك؟.
فمنهم من يقول: علامة صحتها جريانها في معلولاتها، وأن لا يدمجها أصل.
стр. 162
ومنهم من قال: يحتاج أن يثبت أولا أنها علة، ثم جريانها بعد ذلك مرتبة أخرى.
قالو: لأن من يعلل بالطرد والجريان لوقيل له:
لما علقت الحكم بها؟
لكان من حقه أن يقول: لأنها علة.
فإذا قيل له: لم صارت علة؟.
قال: لأن الحكم يتعلق بها أينما وجدت، وهذا يؤدي الى التناقض.
стр. 163
قال القاضي ﵀:
والذي يقوى في نفس الوجه الأول من الطرد والجريان، وأنه يكون دليلا على صحتها.
والأصل في ذلك: أن الله تعال قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]
стр. 164
فدل على أن المنتفق من عنده، لما اتفق بالصيغة والنظم، أثبت بالصيغة والنظم، وأن المختلف ليس من عنده، فلو جاز وجود مختلف من عنده لم يكن عدم الاختلاف في القرآن دليلا على أنه من عنده، ولو جاز أيضا وجود متفق لا من عنده لم نأمن أن يكون القرآن متفقا لا من عنده، وفي استدعاء المخاطيبن إلى التدبر بهذه الآية دليل على أن المتفق لا يوجد إلا من جهته، وأن المختلف لا يوجد منه.
فإن قيل: على هذا فإن الاختلاف في القرآن موجود، لأننا نجد فيه الخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والخاص والذي أريد به العام، والعام الذي أريد به الخاص.
قيل: إنما أريد بنفي الاختلاف الذي من جهته صار القرآن
стр. 165
حجة وهو عدم الاختلاف في الإعجاز، وهو في الإعجاز متفق.
وأيضا فإننا قد أمرنا بالرجوع إلى الأصول في الحوادث، كما أمرنا بالرجوع إلى النبي ﷺ فيها، فإذا عرض عليه نوع من أنواع المقايسة، فلم يرده وسكت عنه، كان ذلك دليلا على صحته، وكذلك الأصول إذا عرضت العلة عليها، فلم يردها أصل منها، دل ذلك على صحتها.
وأيضا: فإن الله طالب المشركين بإجراء العلة فيما اعتمدوه علة، فقال تعالى: ﴿قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣].
أي: إن كان المعنى للذكورة والأنوثة، أو الجميع فالتزموه إن كنتم صادقين، وإلا فأنتم مناقضون.
وأيضا: فإن المتفق من الفتوى حجة، فكذلك المتفق من المعنى؛ لأنه في الجريان والطرد اتفاق المعنى، ولا يلزم ما ذكروه من السؤال في أن الحكم وجب لعلة.
стр. 166
فإذا قيل: لما صارت علة؟
قيل: لأن الحكم يتعلق بها أينما وجدت، وذلك أنه إذا قيل له: لم وجب الحكم؟ فقال: للعلة، فإنما هو مدع للعلة بلا برهان.
فإذا قيل له: ولم صارت هذه علة؟
فإنما عليه أن يدل على صحتها، فإذا دل على صحتها بالجريان والطرد، فقد أقام البرهان على كونها علة، وفي الأولى سمها علة بدعوى، والله أعلم.
стр. 167
باب القول في العلة التي لا تتعدى
واختلف الناس في العلة التي لا تتعدى، هل تكون صحيحة أم لا؟.
فعندنا وعند غيرنا من الفقهاء أنها تكون علة صحيحة.
стр. 168
وقال أهل العراق: هي باطلة؛ لأنها لا تفيد إلا ما قد أفاده النص، فلا معنى لطلب علة لا تفيد غير ما أفاده النص.
والدليل على أنها تصح: أن الغرض من العلة أن يعلم أن الحكم إنما وجب لأهلها، فإذا صح ذلك، صح أن تكون متعدية وغير متعدية.
وأيضا: فإنها تفيد أن الأصل الذي اقتضيت العلة منه أصل لا يجوز القياس عليه، فقد حصلت الفائدة فيها من هذا الوجه أيضا.
стр. 169
باب الكلام في تخصيص العلة
عند مالك ﵀ وغيره من أهل العلم: لا يجوز تخصيص العلة العقلية، ولا خلاف في ذلك.
واختلف الناس في تخصيص العلة الشرعية المنصوص عليها، والمستدل عليها، إذا كانتا شرعيتين:
فعندنا وعند غيرنا من الفقهاء: لا يجوز تخصيصها.
وقال أهل العراق: يجوز تخصيصها، ويجعلونها كالعموم
стр. 170
المشتمل على مسميات، يصح أن يخص في بعض المسميات، فكذلك هي، لأنها علامة وأمارة.
وذهب غيرهم إلى جواز تخصيص العلة المنصوص عليها مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيْل﴾ [المائدة: ٣٢].
وكقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر:٧].
стр. 171
وكقول النبي ﷺ في الهرة: ((إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات)).
وامتنع من تخصيص العلة المستنبطة كعلة الربا في البر.
وعندنا أنه لا يجوز تخصيصها جميعا.
стр. 172
والأصل في ذلك: هو أن العلة إنما هي أمارة صحتها الجريان، بما قدمناه من الدلائل، والتخصيص يمنع جريانها، ويبطل أن يكون الجريان دليلا على صحتها، وإذا كان الجريان دليلا على صحتها، وتخصيصها إذا باطل؛ لأنه يرفع أصلا ثابتا، وما أدى إلى رفع الأصل الثابت المستقر فهو مرفوع.
وأيضا: فإن الله تعالى أخذ المشركين بالنفور عليهم، فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١].
فلولا أن المساواة في المعنى توجب المساواة في الحكم، لم تلزمهم هذا، بل كانو يتخلصون منه بأن يقولوا: قام دليله فخصصنا العلة.
وكذلك قال عنهم تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]
стр. 173
فلم يقولوا قام دليله خصصناه.
وأيضا: فإنه لو لم يؤثر التخصيص في صحتها، لم تؤثر المعارضة؛ لأن االتخصيص هو غاية المناقضة التي لا ترتضيها العامة في أخلاقها، فضلا عن أن تكون من أفعال الحكماء، ألا ترى أن تاجرا سوقيا لوقيل له: سامح في هذا الثوب، فقال: لا أسامح فيه لأنه كتان، ثم سمح في ثوب كتان مثله! لقيل له: قد ناقضت، ولكان هذا مما لا يخفى على عوام الناس رده على قائله وأنه تناقض بذلك، فبطل جواز التخصيص في العلة.
وأيضا فإن العلة لو جاز وجودها مع ارتفاع الحكم ولا يمنع ذلك من صحتها، لاحتيج في تعليق الحكم بها في كل فرع إلى استئناف دلالة؛ لأنما دل على أنها علة في الأصل، لم يوجب تعليق الحكم بها أينما وجدت على هذا القول، وإذا لم يوجب ذلك فيجب الرجوع في تعليق الحكم بها في كل فرع بعينه الى دليل مستأنف، وفي ذلك إخراج لها عن أن تكون علة.
стр. 174
يبين ذلك: أن العلم المعجزة الدالة على صدق النبي ﷺ لو لم يقتض صدق النبي ﷺ في كل ما يقوله وما يؤديه، لاحتاج في كل ما أخبر به إلى معجز، فكذلك القول في العلل.
فإن قيل: فإن العلة في تعليق الحكم بها كالاسم العام في ذلك، فكما أن وجود الاسم مع ارتفاع الحكم مما لايبطل كون العموم دلالة لا تجب الحاجة في تعليق الحكم بكل اسم الى دليل مستأنف، فكذلك العلة.
قيل: إن العموم إنما يدل على إرادة المخاطب وإرادته تدل على الحكم لا نفس الحكم، فإن قرن إلى العموم ما يدل على أنه لم يرد جميعه، علمنا أن ما عداه مراد، ولم تجعل الدلالة مخصوصة، إذ الدلالة هي الإرادة، والدلالة على الإرادة هي العموم مع القرينة؛ لأن البيان لا يتأخر وليس كذلك العلة؛ لأنها إن كانت هي في نفسها علة،
стр. 175
فيجب ألا يسوغ تخصيصها؛ لأنها لا تختص في الوجود بعين دون عين، وإن كانت تدل على الإرادة للجاعل لها علة. فيجب أن يقرن بها ما يخرجها عن أن تكون بإطلاقها علة، وعلى أن العلة التي توجد في كل فرع في الحكم في خمن النص على كل فرع، فكما أن التخصيص في ذلك لا يسوغ؛ فكذلك القول في العلة؛ لأنها ليست بمنزلة العموم الذي يدخله المجاز؛ لأن التعليل لا يدخله المجاز، فهو كالنص فيما ذكرناه، والله أعلم.
стр. 176
باب الكلام في القول بالعلتين
اختلف الناس في القول بالعلتين في أصل واحد، إحداهما تقتضي حمل الفرع عليه، والأخرى تمنع من حمل الفرع عليه؟.
فمنهم من قال: لا تتنافيان؛ لأن العلة المقصورة على الأصل لا تمنع رد الفرع إذا كانت هناك علة أخرى تقتضي الرد، كما أن العموم الشامل لمئة شيء، لا يمنع من شمول غير ذلك لألف شيء ولا ينافيه.
ومنهم من قال: إنهما تتنافيان.
стр. 177
قال القاضي الجليل:
وغلى هذا أذهب في المعنى؛ لأن ما له ثبت الحكم في الأصل إما أن تكون العلة المقصورة عليه أو المتعدية، فإن كانت المتعدية هي الصحيحة، صح القياس على الأصل، وإن تكن المقصورة هي الصحيحة، امتنع القياس عليه؛ لأننا استفدنا بها أن الأصل مما لا يجوز القياس عليه، فقد حصل التنافي في المعنى، وذلك نحو تعليل الذهب بالوزن الذي يتعدى، وبكونه ثمنا لايتعدى وماشبه ذلك.
وهذه المسألة من فروع ماتقدم من أن العلة إذا لم تتعد، هل تحص أم لا؟ فيجب بناؤها عليه، والله أعلم.
стр. 178
باب القول في العلتين
احداهما أكثر فروعا من الأخرى
قال القاضي الجليل:
وأما تعليل الأصل بعلة توجد في عشرة فروع، وتعليله بعلة توجد فيه وفي واحد من تلك الفروع، فإني أقول فيه أيضا: أنهما يتنافيان في المعنى، وإن كان بعض من يمتنع من القول بالعلتين لا يمتنع هاهنا ويقول: إنهما لا يتنافيان.
ووجه التنافي فيهما هو أن الأصل إذا علل بعلة تتعدى إلى عشرة فروع، فليس يعلم أن هذه العلة إلا بعد أن يسبر الأصل،
стр. 179
ويستقرأ جميع ما يصلح أن يكون علة، فإن جميعها وصحت هي وسلمت، وصارت في التقدير علة، وكأن الله نص عليها وقال: إنما حرمت ذلك لهذه العلة دون ما سواها، فتبطل كل علة سوى العلة التي ثبت أن الحكم لأجلها وجب.
فإن قيل: يجوز أن يصبر الأصل فيعلم أنه معلول بعلتين، إحداهما تتعدى إلى شيء، وإلى ما زاد عليه.
قيل: هما كالعلة التي لا تتعدى مع المتعدية؛ لأن العلة التي تتعدى الى عشرة فروع يتبين بها أن الأصل يقاس عليه عشرة فروع، والعلة الأخرى كشفت لنا أن هذا الأصل يقاس عليه ثمانية فروع لا غير، فهو كما ينكشف بالعلة التي لا تتعدى أن
стр. 180
الأصل مما لايجوز القياس عليه، وأي شيء تنافى أكثر من أن العلتين تصطحبان الى فرع، ثم تقف إحداهما الى غيره والأخرى تتجاوزه كالتي لا تتعدى مع المتعدية، وتصير العلة المتعدية الى فروع كثيرة أكثر مما تتعدت اليه الأخرى بمنزلة الآيتين والخبرين، إن قلنا بالواحد منهما، سقط الحكم الآخر، وإن كانت إحدى العلتين تتعدى الى فرع آخر غير الفروع التي تعدت إليها العلة الأخرى، فهذا ربما لم يتناف، وفيه نظر، والله أعلم.
следующие страницы →