شعرا ففي قرابتك ورحمك وواجب حقك ما توصل به رحمك وتقضى به حوائجك فانصرف إلى باديتك واعذرني فيما يأتيك مني قال فخرجت إلى باديتي فأني لجالس بعد أيام إذا بشويهات تتسايل يتبع بعضها بعضا فأعجبني حسنها فما زالت تتسايل حتى افترش الوادي منها وإذا فيها غلامان أسودان وإذا إنسان على دابة يحمل بين يديه رزمة فلما جاءني ثنى رجله وقال أرسلني إليك إبراهيم بن طلحة وهذه ثلاثمائة شاة من غنمه وهذان راعيان وهذه أربعون ثوبا ومائتا دينار وهو يسألك أن تعذره وأخبرنا بهذه الحكاية أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن الموحد وأبو غالب أحمد وأبو عبد الله يحيى ابنا الحسن بن البنا قالوا أنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن الأبنوسي أنا علي بن عمر الدارقطني نا الحسين بن إسماعيل القاضي حدثني عبد الله بن أبي سعد نا عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن سعد المدني حدثني أبو سعيد بن بشير حدثني إبراهيم بن هرمة قال أردت البناء على ابني وخروجا إلى باديتي وكان يخرج إلى العقيق (١) في كل سنة ومرمة الشتاء فتذكرت في قريش فلم أذكر إلا إبراهيم بن محمد بن طلحة فخرجت إليه في مال له بين شرقي المدينة وغربيها مما يلي أحدا فقال له رحيه (٢) وقد هيأت له شعرا فلما جئته قال لبنيه قوموا إلى عمكم فقاموا إلي حتى أنزلني عن دابتي فسلمت عليه وجلست أتحدث معه ورحب بي وبش إلي فقلت له حيث اطمأن بي المجلس أردت البادية وحضر الشتاء ومؤنته وأردت أن أجمع على ابني أهله وكانت الأشياء متعذرة فتذكرت في قومي فلم أذكر إلا أنت وقد هيأت لك ما أحب أن تسمعه فقال بحقي عليك أن تسمعني شعرا في قرابتي ورحمك وواجب حقك ما توصل به رحمك وتقضى به حاجتك فامض إلى باديتك واعذرني فيما يأتيك مني فلما قال انصرفت مضيت إلى باديتي بالعقيق فإني ليوما جالس بعد أيام إذ نظرت إلى شويهات تتسايل يتبع بعضها بعضا فأعجبني ما رأيت من حسنها فما زالت تتسايل حتى انغرست في الوادي وإذا غلامان أسودان فيهما وإنسان راكب على بغل يحمل بين يديه رزمة حتى جاءني يثني رجله ثم قال أرسلني إليك أخوك
стр. 2872
إبراهيم بن محمد بن طلحة هذه ثلاثمائة شاه من غنمه وهذان راعيان وهذه أربعون ثوبا ومائتا دينار وهو يسألك أن تعذره قال ونا القاضي الحسين بن إسماعيل نا عبد الله بن أبي سعد حدثني عمر بن شبة (١) نا عبيد الله بن محمد قال سمعت أبي يقول لما مات حسن بن حسن فحمل اعترض غرماؤه لسريره فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة علي دينه فحمله وهو أربعون ألفا وكان رجلا مسيكا فإذا حزبه أمر جادله أنبأنا أبو علي محمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان (٢) وحدثنا أبو الفضل بن ناصر أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن بن أحمد وأبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم البزاز ومحمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن قالوا أنا أبو علي بن شاذان أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم المقرئ نا أبو العباس أحمد بن يحيى نا ابن شبة يعني عمر نا ابن عائشة قال سمعت أبي يقول كتب عبد العزيز بن مروان إلى ابنه عمر أن تزوج بنت إبراهيم بن محمد بن طلحة قال فتزوجها وكتب بذلك إلى أبيه فكتب إليه تزوج بنت عمها وأنت أنت قال فخطب إلى عمر بن عبيد الله بن معمر بنته فزوجه قال فكان إبراهيم يدخل بين الخصوم فقال عمر لبنته قولي لأبيك يكف عن الدخول بينهم فكان لا يكف عن ذلك قال فدخل على ابنته فقال كيف ترين بعلك قالت بخير قال وكيف عيشك قالت تأتيني مائدة غدوة أصيب منها أنا ومن حضرني وأخرى عشية أصيب منها أنا ومن حضرني قال أوما لك خزانة تعولين عليها إن ألم بك ملم بأضعاف ذلك لك قالت لا فأرسل إليها ما يحمله الرجال أولهم عندها واخرهم في السوق فسأل عمر عن ذلك فأخبر به فملأ خزانتها بعد قرأت على أبي غالب بن البنا عن أبي محمد الجوهري أنا أبو عمر بن حيوية أنا سليمان بن إسحاق بن إبراهيم بن الخليل نا الحارث بن أبي أسامة نا محمد بن
стр. 2873
سعد أنا محمد بن عمر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال حج هشام بن عبد الملك وهو خليفة وخرج إبراهيم بن محمد بن طلحة تلك السنة فوافاه بمكة فجلس لهشام على الحجر وطاف هشام بالبيت فلما مر بإبراهيم صاح به إبراهيم أنشدك الله في ظلامتي قال وما ظلامتك قال دار لي مقبوضة قال فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك قال ظلمني والله قال فأين كنت عن الوليد قال ظلمني والله قال فأين كنت عن سليمان قال ظلمني والله قال فأين كنت عن عمر بن عبد العزيز قال ﵀ ردها علي فلما ولي يزيد بن عبد الملك قبضها وهي اليوم في يدي وكلائك ظلما قال أما والله لو كان فيك ضرب لأوجعتك قال في والله ضرب للسوط والسيف قال فمضى هشام وتركه ثم عاد الأبرش الكلبي وكان خاصا به فقال يا أبرش كيف ترى هذا اللسان هذا لسان قريش لا لسان كلب إن قريشا لا يزال فيهم بقية ما كان فيهم مثل هذا قال وأنا محمد بن عمر نا عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال جاء كتاب هشام بن عبد الملك إلى إبراهيم بن هشام المخزومي وهو عامله على المدينة أن يحط فرض ال صهيب بن سنان إلى فرض الموالي ففزعوا إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة وهو عريف بني تيم ورأسها فقال سأجهد في ذلك ولا أتركه فشكروا له وجزوه خيرا قال وكان إبراهيم بن هشام يركب كل يوم سبت إلى قباء (١) قال فجلس إبراهيم بن محمد بن طلحة على باب دار طلحة بن عبد الله بن عون بالبلاط (٢) وأقبل إبراهيم بن هشام فنهض إليه إبراهيم بن محمد فأخذ بمعرفة (٣) دابته فقال أصلح الله الأمير حلفائي ولد صهيب (٤) وصهيب من الأسلام بالمكان الذي هو به قال فما أصنع جاء كتاب أمير المؤمنين فيهم والله لو جاءك لم تجد بدا من إنفاذه فقال
стр. 2874
والله إن أردت أن تحسن فعلت وما يرد أمير المؤمنين قولك وأنك لوالد فافعل في ذلك ما تعرف فقال ما لك عندي إلا ما قلت لك فقال إبراهيم بن محمد واحدة أقولها لك والله لا يأخذ رجل من بني تيم درهما حتى يأخذ آل صهيب قال فأجابه والله إبراهيم بن هشام إلى ما أراد وانصرف إبراهيم بن محمد فأقبل إبراهيم بن هشام على أبي عبيدة بن محمد بن عمار وهو معه فقال لا يزال في قريش عز ما بقي هذا فإذا مات هذا ذلت قريش قال وأنا محمد بن عمر بن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال أمر لأهل المدينة بالعطاء في خلافة هشام بن عبد الملك فلم يتم من الفئ فأمر هشام أن يتم من صدقات اليمامة فحمل إليهم وبلغ ذلك إبراهيم بن محمد بن طلحة فقال والله لا نأخذ عطاءنا من صدقات الناس وأوساخهم حتى نأخذه من الفئ وقدمت الإبل تحمل ذلك المال فخرج إليهم وأهل المدينة فجعلوا يردون الإبل ويضربون وجوهها بأكمتهم ويقولون (١) والله لا يدخلها وفيها درهم من الصدقة فردت الأبل وبلغ هشام بن عبد الملك فأمر أن تصرف عنهم الصدقة وأن يحمل إليهم تمام عطائهم من الفئ قال وأنا محمد بن عمر أنا ابن أبي ذئب قال حضرت إبراهيم بن محمد بن طلحة ومات بمنى أو ليلة جمع فدفن أسفل العقبة وهو محرم فرأيت وجهه ورأ سه مكشوفا فسألت فقالوا أمر بذلك فمر به عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر وأنا أنظر فخمر وجهه ورأسه كما فعل بأبيه ومر به عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب فكشف عن وجهه ورأسه كما فعل بعبد الله بن الوليد المخزومي فدفن على ذلك قرأت على أبي الفتح نصر الله بن محمد عن أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار أنا عبد العزيز علي الأزجي أنا عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن جمة (٢) الخلال أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة نا جدي يعقوب قال سمعت علي بن المديني يقول كان إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أعرج وكانت وفاته بالمدينة سنة عشرين ومائة (٣)
стр. 2875
هذا وهم فإن إبراهيم مات سنة عشر أخبرنا أبو البركات الأنماطي أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن وأبو الفضل أحمد بن الحسن قالا أنا أبو الحسين محمد بن الحسن وأخبرنا أبو العز ثابت بن منصور الكيلي أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن الاصبهاني أنا محمد بن أحمد بن إسحاق أنا أبو حفص عمر بن أحمد الأهوازي نا شباب (١) قال إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أمه خولة بنت منظور بن زبان بن سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن سمح وصوابه سمي بن مازن بن فزارة بن بغيض توفي عشر ومائة أخبرنا أبو غالب الماوردي أنا أبو الحسن السيرافي أنا أبو عبد الله أحمد بن إسحاق نا أحمد بن عمران بن موسى نا موسى بن زكريا التستري نا خليفة بن خياط قال وفيها يعني سنة عشر ومائة مات ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله (٢)
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا محمد بن الحسن بن هبة الله أنا أبو الحسين بن بشران نا أبو عمرو بن السماك أنا محمد بن أحمد بن البراء قال قال علي بن المديني مات إبراهيم بن محمد بن طلحة سنة عشر ومائة أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو القاسم بن البسري أنا أبو طاهر المخلص إجازة أنا أبا محمد عبيد الله بن عبد الرحمن السكري حدثهم قال دفع إلي أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة وكتابه وأخبرني عن أبيه أنه قرأ بخط أبي عبيد القاسم بن سلام وأنه سمعه من أبيه محمد بن المغيرة وأن أباه قرأهعلى أبي عبيد قال أبو (٣) محمد فنسخته وقرأته عليه حدثني أبي حدثني أبو عبيد قال سنة عشر ومائة توفي فيها إبراهيم بن محمد بن طلحة (٤) أخبرنا أبو بكر اللفتواني أنا أبو عمرو بن مندة أنا الحسن بن محمد بن
стр. 2876
يوسف أنا أحمد بن محمد بن عمر بن أبان أنا أبو بكر بن أبي الدنيا نا محمد بن سعد قال في الطبقة الثالثة من أهل المدينة إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي وكان أعرج سمع أبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ومات بالمدينة سنة عشر ومائة
٤٩٧ - إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أبو إسحاق المعروف بابن شكلة الهاشمي (١) ولاه أخوه الرشيد إمرة دمشق فقدمها ثم عزله عنها وولاها غيره ثم أعاد إبراهيم إلى ولايتها حدث عن المبارك بن فضالة وحماد بن يحيى الأبح روى عنه ابنه هبة الله بن إبراهيم بن المهدي وحميد بن فروة وأحمد بن الهيثم وولي إمرة الحج أخبرنا أبو القاسم الشحامي أنا أبو بكر البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو معشر موسى بن محمد الماليني نا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد نا محمد بن حميد بن فروة حدثني أبي حميد بن فروة قال لما استقرت للمأمون الخلافة دعا إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة (٢) فوقف بين يديه فقال (٣) يا إبراهيم أنت المتوثب علينا تدعي الخلافة فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين أنت ولي الثأر والمحكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب (٤) كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن أخذت أخذت بحق وإن عفوت عفوت بفضل ولقد حضرت أبي وهو جدك وأتي برجل وكان جرمه أعظم من جرمي فأمر الخليفة بقتله وعنده المبارك بن فضالة فقال المبارك إن رأى أمير المؤمنين أن يتأنى
стр. 2877
في أمر هذا الرجل حتى أحدثه بحديث سمعته من الحسن قال إيه يا مبارك فقال حدثنا الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال (إذا كان يوم الجمعة نادى مناد من بطنان العرش ألا ليقومن العافون من الخلفاء إلى أكرم الجزاء فلا يقوم إلا من عفا) فقال الخليفة إيها يا مبارك قد قبلت الحديث بقبوله وعفوت عنه يعني فقال المأمون وقد قبلت الحديث بقبوله وعفوت عنك ها هنا يا عم ها هنا يا عم رواه الخطيب أبو بكر في تاريخ بغداد عن محمد بن أحمد بن يعقوب عن أبي عبد الله الحافظ كتب إلي أبو طالب الحسين بن محمد بن علي الزينبي وحدثنا أبو طاهر إبراهيم بن الحسن الحصني (١) عنه أنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي نا إسماعيل بن سعيد بن سويد الشاهد قراءة عليه نا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري نا أحمد بن الهيثم نا إبراهيم بن المهدي نا حماد الأبح عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ (من نوقش الحساب عذب) قرأت بخط أبي الحسين الرازي أخبرني أبو الطيب محمد بن حميد بن سليمان الكلابي نا جعفر بن علي بن سهل البغدادي نا محمد بن عبد الرحمن أبو بكر الخطيب نا علي بن المغيرة الأثرم نا أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال كان سبب ولايتي دمشق أن الهادي زوجني أم محمد بنت صالح بن المنصور وأمها أم عبد الله ابنة عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس وكان لي سبع سنين ثم إني قبل انسلاخ اثنتي عشرة سنة من مولدي أدركت فاستحثتني أم عبد الله ابنة عيسى بن علي على الابتناء بأم محمد ابنة صالح فاستأذنت الرشيد في ذلك فأعلمني أن العباسة أخته قد شهدت عليك أنك حلفت يمينا بطلاقها لحقك فيها الحنث قال إبراهيم وكانت البلية في هذا الباب أن الرشيد رغب في تزويج أم محمد وأراد مني أن أطلقها فامتنعت عليه من طلاقها فتغير علي في الخاصة ولم يقصر بي في
стр. 2878
العامة فلم أزل في جفوة منه في الخاصة وسوء رأي ويتأدي إلي عنه أشياء وأشاهد بما يظهر منه إلي أن استتممت ست عشرة (١) سنة وصح عندي رغبة أم محمد في الرشيد وعلمت أنها لا تصلح لي فطلقتها فلم يكن بين تطليقي إياها وبين ابتناء الرشيد بها إلا مقدار العدة ثم رجع لي الرشيد إلى ماكنت أعهده من بره ولطفه قبل ذلك وحدثني إبراهيم بن المهدي أن تطليقة أم محمد ابنة صالح بن المنصور وعقد الرشيد نكاحها لنفسه بعده أسكنا قلبه غمرا (٢) على الرشيد خامره فكان لا يستحسن له حسنا ولا يشكر له فعلا جميلا يأتيه إليه وكان الرشيد قد تبين ذلك منه فكانت تعطفه عليه الرحم ويصلح ذلك له جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك إلى أن دخل إبراهيم في سنة ثماني عشرة سنة من مولده فلما دخل في أول السنة رأى فيما يرى النائم في ليلة سبت قد كان يريد بالغلس الركوب إلى الرشيد إلى الحلبة في صبيحتها بقصره في ظهر الرافقة فيما يرى النائم المهدي في النوم فكأنه قال له كيف حالك يا إبراهيم فأجابه وكيف يكون حال من خليفتك عليه هارون إلا شر حال ظلمني حقي من ميراثك وقطع رحمي ولم يحفظني لك واستنزلني عن ابنة عمي فكأنه يقول لي لقد اضطغنت عليه أشياء أقل منها يضغن وشر من قطيعة الرحم الاضطغان على ذوي الأرحام فما تحب الان أن أفعل به فقلت تدعو الله عليه فكأنه تبسم من قولي ثم قال اللهم أصلح ابني هارون اللهم أصلح عبدك هارون قال إبراهيم فكأني حزنت من دعائه له بالصلاح فبكيت وقلت يا أمير المؤمنين أسألك أن تدعو الله عليه فتدعو له قال فكأنه يقول لي إنما ينبغي للعبد أن يدعو بما ينتفع به ويرجو فيه الإجابة وإن دعوت الله عليه فاستجاب لي لم ينفعك ذلك وقد دعوت الله له بالصلاح وإن استجيب دعائي بصلاحه صلح لك فانتفعت به ثم ولى عني ثم التفت إلي فقال لي قد استجيبت الدعوة وهو قاض عنك دينك
стр. 2879
وموليك جند دمشق وموسع عليك في الرزق فاتق الله يا إبراهيم فيمن تتقلد أمره قال فكأني أقول له وأنا أدير السبابة من يدي اليمنى دمشق دمشق دمشق قال فكأنه يقول لي حركت مسبحة يدك اليمنى وقلت دمشق دمشق دمشق تكررها استقلالا لها إنها دنيا يا بني وكل ما قل حظك منها كان أجدى عليك في اخرتك وانتبهت مرعوبا فاغتسلت ولبست ثيابي وركبت إلى الرشيد إلى قصر الخشب بالرافقة وكنت لا أحجب عنه إذا لم يكن عنده حرمه فسألت عند موافاتي القصر عن خبره فأخبرت أنه يتهيأ للصلاة فلما صرت إلى الرواق الذي هو جالس فيه قال لي مسرور الكبير اجلس بأبي أنت لا تدخل على أمير المؤمنين فإنه مغموم يبكي لشئ لا أعلمه فما هو إلا أن سمع كلامي حتى صاح بي يا إبراهيم ادخل فديتك فما هو إلا أن رأني حتى شهق شهقة تخوفت عليه منها ورفع صوتة بالبكاء ثم قال يا حبيبي ويا بقية أبي وكان يقول لي كثيرا يا بقية أبي لشدة شبة إبراهيم بالمهدي في لونه وعينيه وأنفه أسألك بحق الله وحق رسوله وحق المهدي هل رأيت في نومك في هذه الليلة أحدا تحبه فقلت إي والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت انفا المهدي قال فبحقه عليك هل شكوتني إليه وسألته أن يدعو الله علي فدعا الله لي بالصلاح فأنكرت ذلك عليه حتى قال لك في ذلك قولا طويلا فقلت له وحق المهدي لقد كان ذلك ولقد أخبرني بعد دعائه أن الله قد استجاب دعاءه وأنك قد صلحت لي وأنك تقضي ديني وتوسع علي في الرزق وتوليني دمشق قال فازداد الرشيد في البكاء وقال قد وحقه الواجب علي أمرني بقضاء دينك والتوسعة في الرزق عليك وتوليتك جند دمشق ثم دعا بمسرور وقال أحمل معك قناة ولواء إلى ميدان الخيل حتى أعقد لبقية أبي على جند دمشق إذا رجعت الخيل فصلى وركب وركبت معه فلما رجعت الخيل عقد لي على دمشق وأمر لي بأربعين ألف دينار فقضيت بها ديني وأجرى علي في كل سنة ثلاثين ألف دينار عمالة فلبثت في العمل سنتين ارتزقت فيهما ستين ألف دينار فصار مرزقي من تلك الولاية مع ما قضى عني من الدين مائة ألف دينار قرأت بخط أبي الحسين الرازي أخبرني محمد بن حميد بن سليمان نا
стр. 2880
جعفر بن علي بن سهل نا محمد بن عبد الرحمن نا علي بن المغيرة الأثرم قال وحدثني إبراهيم أنه استأذن الرشيد أمير المؤمنين في إخراج جماعة كان يأنس بهم من أهل المدينة وغيرها إلى دمشق فيهم دنية (١) المديني وكان راوية لربيعة الرأي (٢) ومالك بن أنس وابن أبي ذئب ومنهم عبد الله بن منارة مولى المنصور أمير المؤمنين وكان منارة مدنيا ومنهم خالد وقويصر المعيطيان وابن أشعب الطمع فأذن له في إشخاصهم إلى دمشق فكان يأنس بهم في سفره وحدثني إبراهيم أنه ما علم أحدا ولي جند دمشق فسلم من لقب يلقبه به أهل ذلك الجند غيره فسألته عن السبب في ذلك فأعلمني أنه فحص عنه عند عقد الرشيد له على جند دمشق فأخبر أن كل ملقب ممن ولي إمرته لم يكن إلا ممن ينحرف عنه من اليمانية أو المضرية فكان إن مال إلى المضرية لقبتة اليمانية وإن مال إلى اليمانية لقبتة المضرية وأخبرني إبراهيم أنه لما ولي وافى حمص كتب إلى خليفته المستلم لعمله بدمشق يأمره بإعداد طعام له كما يعد للأمراء في العيدين وأنه لما وافى غوطة دمشق تلقاه الحيان من مضر ويمن فلقي كل من تلقاه بوجه واحد فلما دخل المدينة أمر حاجبه بإحضار وجوه الحيين وأمره بتسمية أشرافهم وأن يقدم من كل حي الأفضل فالأفضل منهم وأن يأتيه بذلك فلما أتاه به أمر بتصيير أعلى الناس من الجانب الأيمن مضريا وعن شماله يمانيا ومن دون اليماني مضري ومن دون المضري يماني حتى لا يلتصق مضري بمضري ولا يماني بيماني ثم قدم الطعام فلم يطعم شيئا حتى حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ثم قال إن الله عزوجل جعل قريشا موازين بين العرب فجعل مضر عمومتها وجعل يمن خؤولتها وافترض عليها حب العمومة والخؤولة فليس يتعصب قرشي إلا للجهل بالمفترض عليه ثم قال يا معشر مضر كأني بكم وقد قلتم إذا خرجتم لأخوانكم من يمن قد قدم أميرنا مضر على يمن وكأني بكم يا يمن قد قالت وكيف قدمكم علينا وقد جعل بجنب اليماني مضريا وبجنب
стр. 2881
المضري يمانيا فقلتم يا معشر مضر إن الجانب الأيمن أعلى من الجانب الأيسر وقد جعلت الجانب الأيمن لمضر والأيسر لليمن وهذا دليل على تقدمه إيانا عليكم ألا إن مجلسك يا رئيس المضرية في غد من الجانب الأيسر ومجلسك يا رئيس اليمانية من غد في الجانب الأيمن وهذان الجانبان نوب بينكما يكون كل من كان فيه في يومه متحول عنه في غده إلى الجانب الاخر ثم سميت الله ومددت يدي إلى طعامي فطعمت وطعموا معي فانصرف القوم عني في ذلك اليوم وكلهم لي حامد ثم كانت تعرض الحاجة لبعض الحيين فأسأل قبل أن أقضيها له هل لأحد من الحي الاخر حاجة تشبه حاجة السائل فإذا عرفتها قضيت الحاجتين في وقت واحد فكنت عند الحيين محمودا لا أستحق عند واحد منهم ذما ولا عيبا ولا نبزا (١) ينبز به وحدثني إبراهيم (٢) أنه ولي دمشق سنتين ثم أربع سنين بعدهما لم يقطع على أحد في عمله طريق وأخبرت أن الافة كانت في قطع الطريق في عمل دمشق من ثلاثة نفر دعامة والنعمان موليان لبني أمية ويحيى بن أرميا من يهود البلقاء (٣) وأنهم لم يضعوا أيديهم في يد عامل قط وأنه لما ولي البلد كاتبهم فكتب إليه النعمان يعلمه أن له سبعة أولاد من ابنة عم له وأن لها سبعة أخوه من صعاليك الشام لا يصطلى بنارهم وأنه قد حلف بطلاق ابنة عمه وهي أم بنيه السبعة أن لا يضع يده في عامل ابدا وأنه لا يأمن إن هو طلق ابنة عمه قتل أخويها به وحلف له بالأيمان المخرجة في خطابه أنه لا يفسد في عمله ما كان فيه واليا وأن دعامة الأموي لا يمين عليه مثل يمينه وأنه سيدخل إلى مدينة دمشق ويضع يده في يد الأمير ويضمن عنه الوفاء بما فارقه عليه وبما حلف الأمير عليه قال إبراهيم فدخل إلي دعامة سامعا مطيعا وأعلمني أن النعمان قد صدق فيما قال وضمن لي عنه الوفاء بما فارقه عليه وأنه خلع على دعامة وحمله وجعله من خاصته وقبل من النعمان ما بذله له وأعلمني أن اليهودي كتب إليه أني خارج إلى مناظرتك فيما دعوتني إليه فاكتب لي أمانا تحلف لي فيه بمؤكدة الإيمان أنك لا تحدث في أمري حدثا حتى يردني إلى مأمني فأجبته إلى مأسألني فقدم علي منه شاب أشعر
стр. 2882
أمعر (١) عليه أقبية ديباج ومنطقة (٢) وسيف محليان بالذهب فدخل علي إلى دار معاوية وكنت جالسا في صحنها فسلم من دون البساط فأمرته بالتقدم والجلوس فجلس على الأرض ولم يرتفع إلى البساط فقلت له ارتفع أيها الرجل فقال أيها الأمير إن للبساط ذماما أتخوف أن يلزمني جلوسي عليه ولست أدري ماذا يسومني عليه وإذا اتفقنا أمر قبلت التكرمة وجلست حيث تجلسني فقلت له ما الذي تحب قال أنت والأمير وأنا كالأسير وأنت أحق أن تخبرني بما تريد مني فاعلمته أني أريد منه أن يسلم ويسمع ويطيع فيكون له مالي وعليه ما علي فقال أما السمع والطاعة فأرجو أن لا أخالف فيهما وأما الدخول في الإسلام فهو ما لا سبيل لي إليه فأعلمني أيها الأمير بما لي عندك إذا لم أدخل معك في دينك فأعلمته أنه لا بد له من اداء الجزية إلي وأنه إذا فعل ذلك ولم يخف السبيل ولم يتعد ما لا يجب لأهل الذمة كانت له عندي الحياطة والعناية بمصالح أموره فقال يعفيني الأمير من أداه الجزية فإني أجيب إلى جميع الخصال إن أعفاني (٣) من هذه الخصلة الواحدة فأعلمته أنه لا سبيل إليها قال فأنا منصرف على أماني فأمرته بالانصراف وتقدمت إلى الحاجب أن يحضر إناء فيه ماء فيوقف عليه فرسه فإذا خرج من عندي ليركب دابته راها تشرب من الإناء فلما خرج بصر بدابته دعا بدابة شاكريه فركبها ولم يركب دابته فقال له الحاجب خذ دابتك فقال ما كنت لاخذ معي شيئا قد ارتفق منكم بمرفق فأحاربكم عنه (٤) فاستحسنت (٥) ذلك منه وأمرت برده علي فلما دخل قلت الحمد لله الذي أظفرني بك بلا عند ولا عهد فقال وكيف ذاك قلت لأنك قد انصرفت من عندي ثم عدت إلي فقال شرطك لي أن تصرفني إلى مأمني فإن كانت دارك مأمني فلست بخائف شيئا وإن كان مأمني داري فردني إلى البلقاء فجهدت به أن يجيبني إلى أداء الجزية لرأ سه دينارين على أن أوصل إليه في كل سنة به ألفي دينار فلم يفعل فأذنت له في الرجوع إلى مأمنه فرجع فأسعر الدنيا
стр. 2883
شرا ثم حمل إلي عبيد الله بن المهدي مالا من مال (١) مصر فخرج اليهودي متعرضا له وكتب إلي النعمان مولى بني أمية يعلمني إجماع اليهودي على التعرض للمال وقطع الطريق عليه وسألني عن رأيي في محاربته أو الإمساك عنه فكتبت إلى النعمان ألزمه بذرقة ذلك المال وأمرته بمحاربة اليهودي إن عرض له فخرج النعمان ملتقيا للمال ووافاه اليهودي ومع كل واحد منهما جماعة من الرجال فسأل النعمان اليهودي الانصراف عن المال فأعلمه أنه لا يفعل وأظهر له بغيا شديدا وقال إن شئت خرجت اليك وحدي وأنت في جماعة أصحابك وإن شئت توافق أصحابي وأصحابك وتبارزنا جميعا وإن ظفرت بك انصرف أصحابك إلي وكانوا شركائي في الغنيمة وإن ظفرت بي صار أصحابي إليك وانصرفوا عني فقال له ويحك يا يحيى أنت حدث وقد بليت بالعجب ولو كنت من أنفس قريش لما امكنك مغازة (٢) السلطان وهذا الأمير هو أخو الخليفة وإنا وإن فرق بيننا الدين أحب أن لا يجري على يدي قتل فارس من الفرسان في بلد الإسلام لأن كل ما نقص من فرسان الإسلام سر أعداءهم فإن كنت لا تحب ما أحب من السلامة لي ولك وكان أصحابك مطيعين لك وأصحابي مطيعين لي فاخرج إلي حتى أخرج إليك ولا يبتلى بي وبك من يسؤونا قتله قال فخرجا جميعا وكان ذلك بعد وقت صلاة العصر فلم يزالا في مبارزة يريد كل منهما صاحبه إلى أن اختلط عليهما الظلام فوقف كل واحد منهما على فرسه واتكأ على رمحه إلى أن غلبت النعمان عيناه فنام فطعنه اليهودي فوقع سنانه في بشيزكة منطقة النعمان فدارت المنطقة وصار السنان يدور بدوران البشيزكة إلى الظهر واعتنقه النعمان وقال له أغدرا يابن اليهودية فقال له أو محاربا ينام يا ابن الأمة وتكأ عليه النعمان عند معانقته إياه وسقط فوقه وكان النعمان ذا جثة عظيمة وكان اليهودي ضربا (٣) خفيف اللحم فصار النعمان فوقه فذبحه وأنقذه إلي مذبوحا رأسه على بدنه وأنفذ المال مسلما قال إبراهيم فلم يختلف علي في البلد أحد قال ثم ولي البلد بعدي سليمان بن
стр. 2884
المنصور بن المهدي فكانت على رأسه الفتنة العظمى ثم لم يرد القوم طاعة بعد ذلك إلى أن افتتح دمشق عبد الله بن طاهر في سنة عشر ومائتين وحدثني إبراهيم أن السبب كان في صرفه عن دمشق المرة الأولى انه اشتهى الاصطباح في دار معاوية فأمر بمنع الناس من دخول الدار هربا من ظهور أصوات القيان فأغلقت الأبواب قال وحضر الكاتب وكان يتولى مع كتابتي (١) القهرمة فوقف بالباب وصار إليه بعض الحشم فسأله أن يكتب له إلى صاحب النزل ببعض ما يحتاج إليه فلم يمكن إخراج دواة الكاتب من الدار واستعجله الغلام فأخذ فحمة فكتب له إلى صاحب النزل في خرقة بحاجته ورمى بالفحمة فأخذها سليم حاجبي فكتب على ملبن باب دار الإمارة كاتب يكتب بالفحم في الخرق وحاجب لا يصل ووافى صاحب البريد الباب فقرأ ما كتب به سليم فكتب بذلك إلى الرشيد وأنفذ الكتاب في خريطة بندارية مخلقة فوافت الرقة يوم الرابع وأمير المؤمنين الرشيد بها فساعة نظر في الكتاب وقع بصرفي فوصل الكتاب إلي با لصرف عن دمشق في اخر اليوم الثامن فخرجت عن دمشق إلى الرقة وبها الرشيد فحبسني مائة يوم لم يطلق لي دخول داره وحلف على جعفر بن يحيى بن برمك أن لا يجري له عنده ذكرا سنة كاملة ثم إنه رضي بعد السنة وما زلت أدخل عليه وأنا عنده بالمنزلة التي أريد ورجع إلى ما أريد إلى انقضاء سنتين من عزلي عن دمشق ثم أنه قال لي في كلام جرى بيني وبينه بحقي عليك لما تخيرت ولاية أوليكها فقلت له إن كانت ولاية أخرج إليها فدمشق وإن كانت مما أوجه فيه خليفة اخترت لنفسي فسألني عن سبب اختياري ولاية دمشق فأخبرته باستطابتي هواها واستمرائي ماءها واستحساني مسجدها وغوطتها فقال لي قدرك اليوم عندي يتجاوز ولاية دمشق ولكن إذا كانت محبتك لها هذه المحبة فإني أجمع لك مع ولاية الصلاة والمعاون ولاية الخراج فعقد لي على دمشق وأمر بإنشاء عهدي وكتبي على الخراج ففعل ذلك ثم نفذت إلى دمشق فأقمت بها نحوا من أربع سنين وحدثني إبراهيم أن أمير المؤمنين الرشيد ولاه الموسم سنة ست وثمانين
стр. 2885
ومائة (١) وأنفذ إليه عهده إلى دمشق وأمره بالاستخلاف على عمله والخروج إلى مكة ليحج بالناس ثم يرجع إلى عمله من جند دمشق قال إبراهيم فخرجت من دمشق أريد الحجاز فلما قطعت وادي القرى وافيت جبلا يسير الناس في سفحه وفي الجبل صخرة عظيمة لا يأمن السائر تحتها سقوطها عليه وليس للمجتاز بذلك طريق إلا تحت تلك الصخرة فدخلتني روعة من السير تحتها ثم دعوت بفرس جواد فركبته وركضت حتى جزت عنها فكتب بذلك صاحب خبر الناحية إلى صاحب البريد وكتب به صاحب البريد إلى الرشيد فلما ورد عليه الخبر غضب علي وقال ابن المهدي جبان وأمر بصرفي عن دمشق وتولية العباس بن محمد بن إبراهيم الإمام ماكنت أتولى من الصلاة بأهل جند دمشق والمعونة على ذلك الجند قال إبراهيم واجتاز تحت تلك الصخرة بعد أن جزتها جماعة كثيرة من حجاج أهل الشام فسقطت الصخرة عليهم فقتلت عالما من الناس وكتب صاحب الخبر بذلك فتأدى الخبر إلى الرشيد فأمر بإبطال أمر العباس بن محمد وبالكتاب إلي باستصواب رأيي وبحمدي على ما كان مني ووصلني بثلاثين ألف دينار من مال دمشق فقبضتها بعد رجوعي إليها أخبرنا أبو الحسن بن قبيس وأبو منصور بن خيرون قالا قال لنا أبو بكر الخطيب (٢) إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أبو إسحاق ويعرف بابن شكلة بويع له بالخلافة ببغداد في أيام المأمون وقاتل الحسن بن سهل وكان الحسن أميرا من قبل المأمون فهزمه إبراهيم فتوجه نحوه حميد الطوسي فقاتله فهزمه حميد واستخفى إبراهيم مدة طويلة حتى ظفر به المأمون فعفا عنه وكان أسود حالك اللون عظيم الجثة ولم ير في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لسانا ولا أجود شعرا قال (٣) وكان إبراهيم وافر الفضل عزير الأدب واسع النفس سخي الكف
стр. 2886
وكان معروفا بصنعة الغناء حاذقا بها وله يقول دعبل بن علي يتقرب بذلك إلى المأمون (١) نفر (٢) ابن شكلة بالعراق وأهلها * فهفا إليه كل أطلس (٣) مائق إن كان إبراهيم مضطلعا بها فلتصلحن من بعده لمخارق (٤) قرأت علي أبي محمد السلمي عن أبي نصر بن ماكولا قال (٥) أما التنين أوله تاء معجمة باثنتين من فوقها وبعدها نون مشددة مكسورة فهو إبراهيم بن المهدي بن المنصور أمير المؤمنين كنيته أبو إسحاق أمه شكله نسب إليها وكانت سوداء وكان شديد السواد عظيم الجسم فلقب التنين لذلك ولد في سنة اثنتين وستين ومائة وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين وقيل في سنة ثلاث وعشرين بسر من رأى كان من أحسن الناس غناء وأعلمهم به وهو شاعر مطبوع مكثر قال ذلك كله المرزباني أخبرني به السلمي عنه أخبرنا أبو غالب الماوردي أنا أبو الحسن السيرافي أنا أحمد بن إسحاق النهاوندي نا أحمد بن عمران الأشناني نا موسى بن زكريا نا خليفة بن خياط قال سنة أربع وثمانين ومائة أقام الحج إبراهيم بن المهدي (٦) أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو بكر بن الطبري أنا أبو الحسين بن الفضل أنا عبد الله بن جعفر نا يعقوب بن سفيان قال في سنة أربع وثمانين ومائة حج بالناس إبراهيم بن المهدي أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الحسيني (٧) أنا أبو محمد عبيد الله بن
стр. 2887
عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد وعلي بن المسلم الفقيهان قالا أنا أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد أنا جدي أبو بكر انا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد السامري نا العباس بن الفضل الربعي قال كتب طاهر بن الحسين إلى إبراهيم بن المهدي في الأخذ بالحزم وإبراهيم في ناحية المخلوع وطاهر يحاربه (١) حفظك الله وعافاك الله أما بعد فإنه كان عزيزا علي أن أكتب إلى أحد من أهل بيت الخلافة بغير التأمير (٢) إلا أني حدثت عنك وتوهمت عليك أنك مائل بالرأي والهوى إلى الناكث المخلوع فإن كان ما بلغني حقا فقليل ما كتبت به إليك وكتب في اخر الكتاب ركوبك الهول ما لم تلق (٣) فرصته * جهل ورأيك بالإقحام تغرير أعظم بدنيا ينال (٤) المخطئون بها * حظ المصيبين والمغرور مغرور ازرع (٥) صوابا وحبل الحزم موترة * فلن يذم لأهل الحزم تدبير فإن ظفرت مصيبا أو هلكت به * فأنت عند ذوي الألباب معذور وإن ظفرت على جهل وفزت به * قالوا جهول أعانته المقادير * كذا رواها الخرائطي ها هنا ورواها في موضع اخر بإسناد اخر أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد وعلي بن المسلم الفقيهان وأبو المعالي الحسين بن حمزة السلمي قالوا أنا أبو الحسن بن أبي الحديد أنا جدي أبو بكر أنا أبو بكر الخرائطي نا العباس بن عبد الله الترقفي نا إسحاق بن الفضل الهاشمي أو غيره قال كتب طاهر بن الحسين إلى إبراهيم بن المهدي وهو يحاربه فيترك التقحم والأخذ بالحزم وإبراهيم في طاعة محمد بن زبيدة
стр. 2888
بسم الله الرحمن الرحيم حفظك الله وعافاك أما بعد فإنه كان عزيزا علي أن أكتب إلى رجل من أهل بيت الخلافة بغير التأمير لكن بلغني عنك أنك مائل بالرأي والهوى إلى الناكث المخلوع فإن يك ما بلغني حقا فقليل ما (١) كتبت به إليك كثير (١) وأن يك باطلا فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته وكتب في أسفل كتابه ركوبك الهول ما ما لم تلق فرصته * جهل ورأيك في الإقحام تغرير * أعظم بدنيا ينال المخطئون بها * حظ المصيبين والمغرور مغرور ازرع صوابا وحبل الحزم موترة * فلن يرد لأهل الحزم تدبير فإن ظفرت مصيبا أو هلكت به * فأنت عند ذوي الألباب معذور وإن ظفرت على جهل وفزت به * قالوا جهول أعانته المقادير * أخبرنا أبو الحسن بن قبيس نا وة أبو منصور بن خيرون أنا أبو بكر الخطيب (٢) أخبرني أبو القاسم الأزهري نا أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال بعث المأمون إلى علي بن موسى الرضا فحمله وبايع له بولاية العهد فغضب من ذلك بنو العباس وقالوا لا نخرج الأمر عن أيدينا وبايعوا إبراهيم بن المهدي فخرج إلى الحسن بن سهل فهزمه وألحقه بواسط (٣) وأقام إبراهيم بن المهدي بالمدائن ثم وجه الحسن علي بن هشام وحميد الطوسي فاقتتلوا فهزمهم حميد واستخفى إبراهيم فلم يعرف خبره حتى قدم المأمون فأخذه أخبرنا أبو غالب بن البنا أنا محمد بن أحمد بن الابنوسي أنا عبيد الله بن عثمان بن يحيى نا إسماعيل بن علي بن إسماعيل قال (٤) وبايع أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي بالخلافة ببغداد في داره المنسوبة إليه في ناحية سوق العطش (٥) وسموه المبارك وقيل سموه المرضي وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من المحرم
стр. 2889
سنة اثنتين ومائتين فغلب على الكوفة والسواد وخطب له على المنابر وعسكر بالمدائن ثم رجع إلى بغداد فأقام بها والحسن بن سهل مقيما في حدود واسط خليفة للمأمون والمأمون ببلاد خراسان فلم يزل إبراهيم مقيما ببغداد على أمره يدعى بإمره المؤمنين ويخطب له على منبر (١) بغداد وما غلب عليه من السواد والكوفة ثم رحل (٢) المأمون متوجها إلى العراق وقد توفي علي بن موسى الرضا فلما أشرف المأمون على العراق وقرب من بغداد ضعف أمر إبراهيم بن المهدي وقصرت يده وتفرق الناس عنه فلم يزل على ذلك إلى أن حضر الأضحى من سنة ثلاث ومائتين فركب إبراهيم بن المهدي في زي الخلافة إلى المصلى فصلى بالناس صلاة الأضحى وهو ينظر إلى عسكر علي بن هشام مقدمة للمأمون ثم انصرف من الصلاة فنزل قصر الرصافة وغدا الناس فيه ومضى من يومه إلى داره المعروفة به فلم يزل فيها إلى اخر النهار ثم خرج منها بالليل فاستتر وانقضى أمره فكانت مدته منذ بويع له بمدينة السلام إلى يوم استتاره سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام وكان سنه يوم (٣) بويع له تسع وثلاثون سنة وشهرين وخمسة أيام لأن مولده غرة ذي القعدة من سنة اثنتين وستين ومائة واستتر وسنه إحدى وأربعون (٤) سنة وأيام وأقام في استتاره ست سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام وظفر به المأمون لثلاث عشرة بقيت من ربيع الاخر سنة عشر ومائتين فعفا عنه واستبقاه فلم يزل حيا طاهرا مكرما (٥) إلى أن توفي في خلافة المعتصم بالله وكان وا سع الأدب كثير الشعر أخبرنا أبو الحسن بن قبيس نا وأبو منصور بن خيرون أنا أبو بكر الخطيب (٦) أنا محمد بن أحمد بن رزق أنا عثمان بن أحمد الدقاق نا محمد بن أحمد بن البراء قال وفي سنة اثنتين ومائتين خالف إبراهيم بن المهدي وبايع لنفسه وفي سنة ثلاث خلع إبراهيم وقدم المأمون بغداد في سنة أربع في صفر وأخذ إبراهيم في سنة عشر
стр. 2890
أخبرنا أبو غالب الماوردي أنا أبو الحسن السيرافي أنا أحمد بن إسحاق النهاوندي نا أحمد بن عمران نا موسى بن زكريا نا خليفة بن خياط قال (١) وفيها يعني سنة إحدى ومائتين أخرج الحسن بن سهل من بغداد وبويع إبراهيم بن المهدي وأمه شكلة ببغداد وأخذت له الكوفة وعامة السواد اخبرنا أبو العز بن كادش فيما ناولني إياه وقرأ علي إسناده وقال أروه عني أنا أبو علي الجازري وأخبرنا أبو الحسن بن قبيس نا وأبو منصور بن خيرون أنا أبو بكر الخطيب (٢) أنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني (٣) قالا أنا المعافى بن زكريا نا أحمد بن إبراهيم الطبري نا محمد بن القاسم بن مهرويه قال وجدت في كتاب أبي بخطه قال لما بويع إبراهيم بن المهدي ببغداد قل المال عنده وكان قد لجأ إليه أعرب من أعراب السواد وغيرهم فاحتبس عليهم العطاء فجعل إبراهيم يسوفهم بالمال ولا يرون لذلك حقيقة إلى أن اجتمعوا يوما فخرج رسول إبراهيم إليهم فصرح لهم أنه لا مال عنده فقال قوم من غوغاء أهل بغداد فإذا (٤) لم يكن المال فأخرجوا إلينا خليفتنا فليغن لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات ولأهل ذلك الجانب ثلاثة أصوات فيكون ذلك عطاءهم قال أبي فأنشدني دعبل في ذلك (٥) يا معشر الأعراب لا تغلطوا * وارضوا عطاياكم ولا تسخطوا (٦) فسوف يعطيكم حنينية (٧) * لا تدخل الكيس ولا تربط (٨)
стр. 2891
والمعبديات (١) لقوادكم * وما بهذا احد يغبط فهكذا يرزق أجناده (٢) * خليفة مصحفه البربط (٣) زاد الجازري قال القاضي البربط العود وأصله بالفارسية والعرب تسميه المزهر وقال النهرواني خذوا عطاياكم وقال يرزق أصحابه أخبرنا أبو الحسن بن قبيس نا وأبو منصور بن خيرون أنا أبو بكر الخطيب (٤) أنا محمد بن عبد الواحد الأكبر نا محمد بن العباس الخزاز نا أحمد بن محمد بن عيسى المكي نا محمد بن القاسم بن خلاد قال لما طال على إبراهيم بن شكلة الاختفاء وضجر كتب إلى المأمون ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب إلى التقوى ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الرجاء أمن (٥) عادية (٦) الدهر على نفسه وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كل ذي عفو كما جعل كل ذي ذنب دونه فإن عفا فبفضله وإن عاقب فبحقه فوقع المأمون في قصته أمانه وقال فيها القدرة تذهب الحفيظة وكفى بالندم إنابة وعفو الله أوسع من كل شئ ولما دخل إبراهيم على المأمون قال إن أكن مذنبا فحظي أخطأت * فدع عنك كثرة التأنيب قل كما قال يوسف لبني يعقوب * لما أتوه لا تثريب * فقال " لا تثريب " (٧) أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن أنا محمد بن علي بن أحمد أنا أحمد بن إسحاق نا أحمد بن عمران نا موسى بن زكريا نا خليفة بن خياط قال (٨) وفيها يعني سنة عشر ومائتين ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي فعفا عنه
стр. 2892
أخبرنا أبو الحسن بن قبيس نا وأبو منصور بن خيرون أنا أبو بكر الخطيب (١) نا أبو نعيم الحافظ إملاء نا أحمد بن محمد بن مقسم نا محمد بن يحيى حدثنا (٢) المبرد عن أبي محلم قال قال إبراهيم بن المهدي لأمير المؤمنين المأمون لما أخذ ذنبي أعظم من أن يحيط به عذر وعفوك أعظم من أن يتعاظمه ذنب فقال المأمون حسبك فإنا إن قتلناك فلله وإن عفونا عنك فلله عزوجل قال (٣) وأنا أحمد بن أبي جعفر أنا محمد بن العباس الخزاز نا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال قال إبراهيم الحربي نادى المأمون سنة ثمان ومائتين ببغداد إن أمير المؤمنين قد عفا عن عمه إبراهيم بن المهدي وكان إبراهيم حسن الوجه حسن الغناء حسن المجلس وكان حبسه عند ابن أبي خالد (٤) قبل ذلك سنة قال إبراهيم وقال المأمون إيش ترون فيه قال فقالوا ما رأينا خليفتين حيين قال فقال إن كان الله عزوجل فضل أمير المؤمنين بذلك قال إبراهيم وكنت مع القواريري أمشي فراني إبراهيم بن المهدي فتركني وذهب حتى سلم عليه وقبل فخذه وكان تحته حمار فبلغ (٥) القواريري منه فخذه أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الحسيني (٦) وأبو الوحش سبيع بن المعلم المقرئ في كتابيهما عن أبي الحسن رشأ بن نظيف ونقلته من خطه انا أبو الفتح إبراهيم بن علي بن سيبخت البغدادي نا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي (٧) نا أحمد بن إسماعيل الخصيبي حدثني أبي نا داود (٨) بن سليمان الأنباري نا ثمامة بن أشرس (٩) قال قال لي المأمون قد عزمت غدا على تقريع إبراهيم بن المهدي فاحضر مبكرا وليقرب مجلسك مني فحضرت وقام السماط فبينا نحن كذلك إذ سمعت صلصلة
стр. 2893
الحديد فرفعت نظري فإذا إبراهيم بن المهدي موقوف على البساط ممسوك بضبعيه مغلولة يده إلى عنقه قد تهدل شعره على عينيه فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال المأمون لا سلم الله عليك ولا حياك ولا رعاك ولا كلأك أكفر يا إبراهيم بالنعمة بغير شكر وخروج على أمير المؤمنين بغير عهد ولا عقد فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين إن القدرة تذهب الحفيظة ومن مد له في الاغترار هجمت به الأناة على التلف وقد رفعك الله فوق كل ذي ذنب كما وضع كل ذي ذنب دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف (١) فبفضلك فقال المأمون إن هذين قد أشارا علي بقتلك وأومأ إلى المعتصم والعباس ابنه فقال أشارا عليك يا أمير المؤمنين فما يشار به على مثلك في مثلي من حسن السياسة والتدبير وإن الملك عقيم ولكنك تأبى أن تستجلب نصرا إلا من حيث عودك الله وأنا عمك والعم صنو الأب وبكى فتغرغرت (٢) عينا المأمون ثم قال يا ثمامة فوثبت قائما فقال إن من (٣) الكلام كلام كالدر يا غلمان حلوا عن عمي وغيروا من حالته في أسرع وقت وجيئوني به فأحضره مجلسه ونادمه وسأله أن يغني فأبى وقال نذرت يا سيدي لله عند خلاصي تركه فعزم عليه وأمر أن يوضع العود في حجره فسمعته يغني هذا مقام مشرد * خربت منازله ودوره نمت عليه عداته * كذبا فعاقبه أميره * ثم ثنى بشعر اخر ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني * لوى (٤) الدهر بي عنها وولى بها عني فإن أبك نفسي أبك نفسا عزيزة (٥) * وإن احتقرها احتقرها على ظن وإني وإن كنت المسئ بعيبه (٦) * بربي تعالى جده حسن الظن
стр. 2894
عدوت على نفسي فعاد بعفوه * علي فعاد العفو منا على من * فقال المأمون أحسنت والله يا أمير المؤمنين حقا فرمى بالعود من حجره ووثب قائما فزعا من هذا الكلام فقال له المأمون اقعد واسكن فوحياتك ما كان ذلك لشئ تتوهمه ووالله لا رأيت مني طول أيامي شيئا تكرهه وتغتم به ثم أمر بكل ما قبض له من الأموال والدور والعقار والدواب والضياع يعني أن ترد عليه وأعاد مرتبته وأمر له في تلك الساعة بعشرة الاف دينار وانصرف مكرما مخلوعا عليه على خيل و (١) رجل أمير المؤمنين واشتهر في الخاصة والعامة عفو أمير المؤمنين عن عمه فحسن موقع ذلك منهم واستوسقوا على الطاعة والموالاة والشكر والدعاء فقيل لثمامة أي شئ كان جرمه قال بويع له بالخلافة بعد محمد بن هارون والمأمون بخراسان فلما دخل المأمون اختفى وأهدر المأمون دمه ونادى عليه فجأ من غير أن يجئ به أحد فأمكن من نفسه فحبسه ستة أشهر وأخرجه وعفا عنه أنبأنا أبو سعد بن الطيوري عن ابي عبد الله الصوري ثم حدثني أبو المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري أنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار نا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري لفظا قال قرأت على أبي الحسن عبيد الله بن القاسم بن علي القاضي نا أبو الحسن محمد بن أحمد بن طالب البغدادي نا أبو علي الكوكبي نا أحمد بن عبيد (٢) أبو عصيدة نا الفضل بن العباس الهاشمي قال بعث المأمون إلى إبراهيم عمه بعدما حبسه رجلا يثق به فقال تعرف ما يعمل عمي وما يقول قال ففعل ثم رجع إليه فقال رأيته يبكي وقد وضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يتغنى فلو أن خدا من وكوف مدامع * يرى معشبا لا خضر خدي فأعشبا كأن ربيع الزهر بين مدامعي * بما انهل منها من حيا وتصببا ولو أنني لم أبك إلا مودعا * بقية نفس ودعتني لتذهبا
стр. 2895
وقد قلت لما لم أجد لي حيلة * من الموت لما حل أهلا ومرحبا * قال فبكى المأمون ثم أمر بالتخفيف عنه أخبرنا أبو منصور بن خيرون أنا أبو بكر الخطيب (١) انا ابن روح النهرواني أنا المعافى بن زكريا نا الحسين بن القاسم الكوكبي نا ابن عجلان حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال دخلت على ابن شكلة في بقايا غضب المأمون فقلت هي المقادير تجري في أعنتها * فاصبر فليس لها صبر على حال يوم تريش خسيس الحال ترفعه * إلى السماء ويوما تخفض العالي * فأطرق ثم قال عيب الأناة وإن سرت عواقبها * أن لا خلود وأن ليس الفتى حجرا * فما مضى ذلك اليوم حتى بعث إليه المأمون بالرضا ودعاه للمنادمة والتقيت معه في مجلس المأمون فقلت ليهنك الرضا فقال ليهنك مثله من متيم وكانت جارية أهواها فحسن موقع ذلك عندي فقلت ومن لي بأن ترضى وقد صح عندها * ولوعي بأخرى من بنات الأعاجم * حدثني أبو بكر يحيى بن إبراهيم بن أحمد السلماسي عن محمد بن فتوح الأزدي أنا منصور بن النعمان الصيمري (٢) أنا محمد بن عبيد الله عن أبي العباس عبد الله بن عبيد الله الصقري عن أبي بكر الصنوبري (٣) انا علي بن سليمان الأخفش قال قال محمد بن يزيد المبرد وقع إبراهيم بن المهدي في رقعة كاتب له وراه قد تتبع الغريب والوحشي من الكلام إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة فإن هذا العي الأكبر وعليك بما سهل من الكلام مع التحفظ لألفاظ السفل أخبرنا أبو العز بن كادش فيما ناولني إياه وقرأ علي إسناده وقال اروه عني أنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري أنا المعافى بن زكريا نا محمد بن يحيى
стр. 2896
الصولي (١) نا أحمد بن يزيد المهلبي قال سمعت هبة الله بن إبراهيم بن المهدي يقول كتب أبي إلى بعض من عتب عليه في شئ لو عرفت (٢) الحسن لتجنبت القبيح ولو استحليت الحلم لاستمررت الخرق وأنا وأنت كما قال زهير (٣) وذي خطل في القول تحسب (٤) أنه * مصيب فما يلمم به فهو قائله (٥) عبأت له حلمي وأكرمت غيره * وأعرضت عنه وهو باد مقاتله * وإن من إحسان الله إلينا أنا أمسكنا عما نعلم وقلت ما لا تعلم وتركنا الممكن وقلت المعجز (٦) أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور وعلي بن الحسن بن سعيد قالا نا وأبو النجم بدر بن عبد الله الشيحي (٧) أنا أبو بكر الخطيب (٨) أنا علي بن أبي علي نا الحسين بن محمد بن سليمان الكاتب حدثني أبو محمد عبد الله بن محمد المعروف بابن السقاء الواسطي بها حدثني جحظة (٩) قال قال لي خالد الكاتب أضقت حتى عدمت القوت أياما فلما كان في بعض الأيام بين المغرب وعشاء الاخرة فإذا بابي يدق فقلت من هذا فقال من إذا خرجت إليه رأيته فخرجت فرأيت رجلا راكبا على حمار عليه طيلسان أسود وعلى رأسه قلنسوة طويلة ومعه خادم فقال لي أنت الذي تقول
стр. 2897
أقول للسقم عد إلى جسدي (١) * حبا لشئ يكون من سببك * قال قلت نعم قال أحب أن تنزل لي عنه فقلت وهل ينزل الرجل عن ولده فتبسم وقال يا غلام أعطه ما معك وأومأ إلي بصرة في ديباجة سوداء مختومة فقلت إني لا أقبل عطاء من لا أعرفه فمن أنت قال انا إبراهيم بن المهدي قال (٢) وأخبرني علي بن أيوب القمي أنا محمد بن عمران المرزباني أخبرني محمد بن يحيى حدثني الحسين بن إسحاق حدثني أبو الهيثم خالد بن يزيد الكاتب الشاعر قال لما بويع إبراهيم بن المهدي بالخلافة طلبني وقد كان يعرفني وكنت متصلا ببعض أسبابه فأدخلت إليه فقال لي يا خالد أنشدني من شعرك فقلت يا أمير المؤمنين ليس شعري من الشعر الذي قال فيه رسول الله ﷺ إن من الشعر حكما وإنما
أمزح وأهزل وليس مما ينشد أمير المؤمنين فقال لا تقل هذا يا خالد فإن جد الأدب وهزله جد أنشدني فأنشدته عش فحبيك سريعا قاتلي * والضنا إن لم تصلني واصلي ظفر الشوق بقلب كمد * فيك والسقم بجسم ناحل فهما بين إكتئاب وبلى * تركاني كالقضيب الذابل وبكى العاذل لي من رحمة * فبكائي لبكاء العاذل (٣) فاستملح ذلك ووصلني أخبرنا أبو العز بن كادش فيما قرأ علي إسناده وناولني إياه وقال اروه عني أنا أبو علي الجازري وأخبرنا أبو الحسن بن قبيس نا وأبو منصور بن خيرون انا أبو بكر الخطيب (٤) أنا أحمد بن عمر بن روح أنا المعافى بن زكريا نا أحمد بن جعفر بن موسى البرمكي قال قال لي خالد الكاتب وقف علي رجل بعد العشاء متلفع برداء
стр. 2898
عدني (١) أسود وقال الجازري مقنع برداء عدني وقالا ومعه غلام معه صرة فقال لي أنت خالد قلت نعم قال أنت الذي تقول قد بكى العاذل لي من رحمتي * فبكائي لبكاء العاذل * قلت نعم قال يا غلام ادفع إليه الذي معك فقلت وما هذا قال ثلاثمائة دينار قلت والله لا أقبلها أو أعرفك قال أنا إبراهيم بن المهدي أخبرنا أبو العز فيما قرأ علي إسناده وناولني إياه وأذن لي في روايته أنا أبو علي الجازري أنا المعافى بن زكريا نا الحسين بن القاسم الكوكبي نا أحمد بن أبي طاهر نا حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده قال (٢) استزار إبراهيم بن المهدي الرشيد بالرقة وأن الرشيد كا لا يأكل الطعام الحار قبل البارد وأنه لما وضعت البوارد على المائدة رأى فيما قرب منه جام قريس (٣) السمك فاستصغر القطع فقال لإبراهيم لم يصغر طباخك قطع السمك فقال لم يصغر طباخي القطع وإنما هذه ألسنة السمك فقال يشبه أن يكون في هذا الجام مائة لسان فقال له مراقب خادم إبراهيم وكان يتولى قهرمة إبراهيم فيه يا أمير المؤمنين أكثر من مائة (٤) لسان فاستحلفه على مبلغ ثمن السمك فأخبره أنه ألف (٥) درهم فرفع هارون يده عن الطعام وحلف أن لا يطعم شيئا دون أن يحضر مراقب ألف دينار (٦) فأمر أن يتصدق بها وقال لإبراهيم أرجو أن تكون هذه كفارة لسرفك على جام سمك ألف درهم ثم أخذ الجام بيده ودفعه إلى بعض خدمه وقال اخرج به من دار أخي ثم انظر أول سائل تراه فادفعه إليه قال إبراهيم وكان شراء الجام علي مائتين وسبعين دينارا فغمزت خدمي أن
стр. 2899
يخرجوا مع الجام فيبتاعوه ممن يدفع إليه فكأن الرشيد فهم ذلك مني فهتف بالخادم فقال إذا دفعت الجام إلى السائل فقل له يقول لك أمير المؤمنين احذر أن تبيع الجام بأقل من مئتي دينار فإنه خير منها ففعل خادمه ما أمره به فوالله ما أمكن خادمي أن يخلص الجام إلا بمئتي دينار أخبرنا أبو السعود أحمد بن علي بن المجلي (١) أنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد العكبري أنا أبو القاسم ادم بن محمد بن ادم الشلحي (٢) المعدل أنا أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الاصبهاني أخبرني محمد بن يحيى حدثني عون بن محمد الكندي قال سمعت عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع يقول ما اجتمع أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدي وأخته علية وكانت تقدم عليه أخبرنا أبو المعالي الحسين بن حمزة بن الحسين بن الشعيري نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ حدثني محمد بن علي بن عبد الله الصوري أنا عبد الرحمن بن عمر التجيبي بمصر أنا أبو هريرة أحمد بن عبد الله بن الحسن بن أبي العصام العدوي نا أبو العباس عيسى بن عبد الرحيم حدثني علي بن محمد هو ابن حيون حدثني محمد بن أحمد الكوفي حدثني الحسين بن عبد الرحمن الحلبي عن أبيه قال (٣) أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة (٤) سموا له من أهل البصرة فجمعوا وأبصرهم طفيلي فقال ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع فانسل فدخل في وسطهم ومضى بهم الموكلون حتى انتهوا بهم إلى زورق قد أعد لهم فدخلوا الزورق فقال الطفيلي هي نزهة فدخل مهم الزورق فلم يك بأسرع بأن قيد القوم وقيد معهم الطفيلي فقال الطفيلي بلغ أمر تطفيلي إلى القيود ثم سير بهم إلى بغداد فدخلوا على المأمون فجعل يدعو بأسمائهم رجلا رجلا فيأمر بضرب رقابهم حتى وصل إلى الطفيلي وقد استوفوا عدة القوم فقال للموكلين بهم ما هذا فقالوا والله ما ندري غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به فقال المأمون ما قصتك ويلك فقال
стр. 2900
يا أمير المؤمنين امرأته طالق إن كان يعرف (١) من أقوالهم شيئا ولا يعرف إلا الله ومحمد النبي ﷺ وأنما أنا رجل رأيتهم مجتمعين فظننت صنيعا يغدون إليه فضحك المأمون وقال يؤدب (٢) وكان إبراهيم بن المهدي قائما على رأس المأمون فقال يا أمير المؤمنين هب لي أدبه (٣) أحدثك بحديث عجيب عن نفسي فقال قل يا إبراهيم قال يا أمير المؤمنين خرجت من عندك يوما في سكك بغداد متطربا حتى انتهيت إلى موضع سماه فشممت يا أمير المؤمنين من جناح أبا زير قدور قد فاح طيبها فتاقت نفسي إليها وإلى طيب ريحها فوقفت على خياط وقلت له لمن هذه الدار فقال لرجل من التجار من البزازين فقلت ما اسمه قال فلان بن فلان فرميت بطرفي إلى الجناح فإذا في بعضه شباك فأنظر إلى كف قد خرج من الشباك قابضا على بعضه فشغلني يا أمير المؤمنين حسن الكف والمعصم عن رائحة القدور فبقيت ها هنا ساعة ثم أدركني ذهني فقلت للخياط هل هو ممن يشرب النبيذ قال نعم وأحسب عنده اليوم دعوة وليس ينادم إلا تجارا مثله مستورين فإني كذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب فقال الخياط هؤلاء منادموه فقلت ما اسماؤهما وما كناهما فقال فلان وفلان وأخبرني بكناهما فحركت دابتي وداخلتهما وقلت جعلت فداكما قد أستبطأ كما أبو فلان أعزه الله وسايرتهما حتى أتينا إلى الباب فأجلاني وقدماني فدخلت ودخلا فلما راني معهما صاحب المنزل لم يشك أني منهما بسبيل أو قادم قدمت عليهما من موضع فرحب وأجلسني في أفضل المواضع فجئ يا أمير المؤمنين بالمائدة وعليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان فكان طعمها أطيب من ريحها فقلت في نفسي هذه الألوان قد أكلتها بقيت الكف أصل إلى صاحبتها ثم رفع الطعام وجئ بالوضوء ثم صرنا إلى منزل المنادمة فإذا أشكل منزل يا أمير المؤمنين وجعل صاحب المنزل يلطفني
стр. 2901
ويقبل علي بالحديث وجعلوا (١) لا يشكون أن ذلك منه لي عن معرفة متقدمة وإنما ذلك الفعل كان منه لما ظن أني منهما بسبيل حتى إذا شربنا أقداحا خرجت علينا جارية يا أمير المؤمنين كأنها غصن بان تتثنى فأقبلت تمشي فسلمت غير خجلة وثنيت لها وسادة فجلست وأتي بعود فوضع في حجرها فجسته فاستنبأت في جسها حذقها ثم اندفعت تغني وتقول (٢) توهمها طرفي فأصبح خدها (٣) * وفيه مكان الوهم من نظري أثر وصافحها قلبي فالم كفها * فمن مس قلبي في أناملها عقر (٤) فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي وطربت بحسن شعرها وحذقها ثم اندفعت تغني أشرت إليها هل عرفت مودتي * فردت بطرف العين إني على العهد فحدت عن الإظهار عمدا لسرها * وحادت عن الإظهار أيضا على عمد (٥) فصحت السلامة يا أمير المؤمنين وجاءني من الطرب ما لم أملك نفسي ثم اندفعت تغني الصوت الثالث أليس عجيبا أن بيتا يضمني * وإياك لا نخلو ولا نتكلم سوى أعين تشكو الهوى بجفونها * وتقطيع (٦) أنفاس على الناي تضرم إشارة أفواه وغمز حواجب * وتكسير أجفان وكف تسلم * فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها وإصابتها معنى الشعر أنها لم تخرج من
стр. 2902
الفن الذي ابتدأت فيه فقلت بقي عليك يا جارية شئ (١) فضربت بعودها الأرض وقالت متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء فندمت على ما كان مني ورأيت القوم كأنهم قد تغيروا بي فقلت ليس ثم عود فقالوا بلى والله يا سيدنا فأتينا بعود فأصلحت من شأني ما أردت ثم اندفعت أغني ما للمنازل لا يجبن حزينا * أصممن أم قدم المدي فبلينا روحوا (٢) العشية روحة مذكورة * إن متن متن وإن حيين حيينا * فما استتممته يا أمير المؤمنين حتى خرجت الجارية فأكبت على رجلي فقبلتها وتقول معذرة يا سيدي والله ما سمعت من يغني هذا الصوت مثلك أحد وقام مولاها وجميع من كان حاضرا فصنعوا كصنيعها وطرب القوم واسحثوا الشراب فشربوا بالكاسات والطاسات ثم اندفعت أغني أفي الله إن تمشين لا تذكرينني * وقد سمحت (٣) عيناي من ذكرك الدما إلى الله أشكو بخلها وسماحتي * لها عسل مني وتبذل علقما فردي مصاب القلب أنت قتلته * ولا تتركيه ذاهب العقل مضرما (٤) إلى الله أشكو أنها أجنبية * وأني ما عشت بالود مغرما (٥) فجاءنا من طرب القوم يا أمير المؤمنين شئ خشيت أن يخرجوا من عقولهم فأمسكت ساعة حتى هدأوا مما كانوا فيه من الطرب ثم اندفعت أتغنى بالصوت الثالث هذا محبك مطوي على كمده * حرى (٦) مدامعه تجري على جسده له يد تسأل الرحمن راحته * مما به ويد أخرى على كمده يا من (٧) رأى أسفا مستهترا دنفا * كانت منيته في عينه ويده
стр. 2903
فجعلت الجارية تصيح هذا والله والغناء يا سيدي وذكر الحكاية إلى أن قال وخلوت معه ثم قال لي يا سيدي ذهب ما كان من أيامي ضياعا إذ كنت لا أعرفك فمن انت يا مولاي فلم يزل يلج علي حتى أخبرته فقام فقبل رأسي وقال يا سيدي وأنا أعجب يكون هذا الأدب إلا من مثلك وإذا إني مع الخلافة وأنا لا أشعر ثم سألني عن قصتي وكيف حملت نفسي على ما فعلت فأخبرته خبر الطعام وخبر الكف والمعصم فقلت أما الطعام فقد نلت منه حاجتي فقال والكف والمعصم ثم قال يا فلانة لجارية له قولي لفلانة تنزل فجعل ينزل لي واحدة واحدة فأنظر إلى كفها ومعصمها فأقول ليس هي قال والله ما بقي غير أختي وأمي والله لأنزلتهما إليك فعجبت من كرمه وسعة صدره فقلت جعلت فداك ابدأ باختك قبل الأم فعسى أن تكون هي فقال صدقت فنزلت فلما رأيت كفها ومعصمها قلت هي ذه فأمر غلمانه فصاروا إلى عشرة مشايخ من جلة جيرانه في ذلك الوقت فأحضروا ثم أمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم وقال للمشايخ هذه أختي فلانة أشهدكم إني قد زوجتها من سيدي إبراهيم بن المهدي وأمهرتها عنه عشرة (١) آلاف درهم فرضيت وقبلت النكاح ودفع إليها البدرة وفرق البدرة الأخرى على المشايخ ثم قال لهم اعذروا هذا ما حضر على الحال فقبضوها ونهضوا ثم قال لي يا سيدي أمهد لك بعض البيوت تنام مع أهلك فأحشمني والله ما رأيت من سعة صدره وكرم خيمه فقلت بل أحضر عمارية (٢) وأحملها إلى منزلي قال ما شئت فأحضرت عمارية فحملتها وصرت بها إلى منزلي فوحقك يا أمير المؤمنين لقد حمل إلي من الجهاز ما ضاقت به بعض بيوتنا فأولدتها هذا القائم على رأس سيدي أمير المؤمنين فعجب المأمون من كرم ذلك الرجل وسعة صدره وقال لله أبوه ما سمعت مثله قط ثم أطلق الرجل الطفيلي وأجازه بجائزة سنية وأمر إبراهيم بإحضار الرجل فكان من خواص المأمون وأهل محبته
стр. 2904
قرأت بخط أبي الحسن رشأ بن نظيف وأنبأنيه أبو القاسم النسيب وأبو الوحش المقرئ عنه أنا أبو الفتح إبراهيم بن علي بن إبراهيم البغدادي نا محمد بن يحيى الصولي حدثني أبو الحارث أسد بن عبد الباقي الهمداني حدثني أحمد بن ناصح البوشنجي حدثني محمد بن الحارث بن بسخنر قال (١) وجه إلي إبراهيم بن المهدي يوما يدعوني وذلك في أول خلافة المعتصم فصرت إليه وهو جالس وحده وشارية جاريته خلف الستارة فقال لي إني قلت شعرا وغنيت فيه فطرحته على شارية فأخذته وزعمت أنها أحذق به مني وأنا أقول إني أحذق به منها وقد وضعناك حكما بيننا لموضعك من هذه الصناعة فاسمعه مني ومنها واحكم ولا تعجل حتى تسمعه ثلاث مرات فاندفع يغني (٢) أظن بليلى وهي غير سخية * وتبخل ليلى بالهوى فأجود * وأنهى فلا ألوي إلى زجر زاجر * وأعلم إني مخطئ فأعود * فأحسن فيه وأجاد ثم قال لها تغني فغنته فبرزت فيه حتى كأنه كان معها في أبي جاد ونظر إلي فعرف إني قد عرفت فضلها فقال على رسلك وتحدثنا ثم اندفع فغناه ثانية فأضعف في الإحسان ثم قال لها (٣) تغني فبرعت وازدادت أضعاف زيادته وكدت أشق ثيابي طربا فقال تثبت ولا تعجل ثم غناه ثالثة فلم يبق غاية في الإحكام ثم أمرها فغنت فكأنما كان يلعب ثم قال قل فقضيت لها قال أصبت بكم تساوي عندك الان فحملني الحسد له عليها والنفاسة بمثلها أن قلت تساوي مائة ألف درهم فقال وما تساوي على هذا الإحسان والتفضيل إلا مائة ألف درهم قبح الله رأيك والله ما أجد شيئا أبلغ في عقوبتك من أن أصرفك مذموما مدحورا فقلت ما لقولك أخرج عن منزلي جواب وقمت أنصرف وقد أحفظني فعله وكلامه وأرمضني فلما خطوت خطوات التفت إليه فقلت يا إبراهيم تطردني من منزلك فوالله ما تحسن أنت ولا جاريتك شيئا وضرب الدهر ضربة (٤) ثم دعانا المعتصم وهو بالوزيرية في قصر
стр. 2905
الليل (١) فدخلت ومخارق وعلوية والمعتصم بين يديه ثلاث جامات جام فضة مملوءة دنانير جددا (٢) وجام ذهب مملوءة دراهم وجام قوارير مملؤة عبيرا (٣) فظننا أنه لنا بل لم نشك في ذلك فغنيناه وأجهدنا أنفسنا فلم يطرب ولم يتحرك لشئ من غنائنا ودخل الحاجب فقال إبراهيم بن المهدي فأذن له فدخل فلما أخذ مجلسه غناه أصواتا أحسن فيها ثم غناه بصوت من صنعته بشعره فقال ما بال شمس أبي الخطاب قد حجبت (٤) * يا صاحبي لعل الساعة اقتربت أشكو إليك أبا الخطاب جارية * عزيزة (٥) بفؤادي اليوم قد لعبت * فاستحسنه المعتصم وطرب له وقال أحسنت والله يا عم فقال إبراهيم فإن كنت أحسنت فهب لي إحدى هذه الجامات فقال خذ أيها شئت فأخذ التي فيها الدنانير ونظر بعضنا إلى بعض ساعة لأنا رجونا أن نأخذهن وغناه بشعر له بعد ساعة (٦) فما قهوة مرة قرقف * شمول تروق براووقها بكف أغن خضيب البنان * يخطر بين أباريقها مريض الجفون نبيل العيون * ترمي ما مكن تفويقها بأطيب من فمها نكهة * إذا امتصت الشهد من ريقها * فقال المعتصم أحسنت والله يا عم وسررت قال يا أمير المؤمنين فإن كنت أحسنت فهب لي جاما أخرى فقال خذ أيهما شئت فأخذ الذهب التي فيها الدراهم فأيسنا نحن وغنى بعد ساعة ألا ليت ذات الخال تلقى من الهوى * عشير الذي ألقى فيلتئم الحب إذا رضيت لم يهنني ذلك الرضا * لعلمي به أنه سوف يدركه عتب
стр. 2906
فارتج المجلس وطرب المعتصم واستخفه الطرب وقام على رجليه ثم جلس وقال أحسنت والله يا عم ما شئت قال إبراهيم فإن كنت أحسنت فهب لي الجام الثالثة قال خذها ونام أمير المؤمنين فدعا إبراهيم بمنديل فثناه عطفتين ووضع الجامات فيه وشده ودعا بطين فختمه ودفعه إلى غلامه ونهضنا للانصراف فلما ركب التفت إلي فقال يا محمد زعمت أني وجاريتي لا نحسن شيئا فكيف رأيت ثمرة الإحسان ونموه قال وقال محمد بن الحارث بن بسخنر صرت إلى إبراهيم بن المهدي فرأيته مغموما فقلت مالي أراك يعني مغموما قال ويحك دعني قلت والله لا أدعك أو أعرف خبرك قال كنت عند الرشيد فسألني أن أسمع سليمان بن أبي جعفر صوتا ولم يكن سمع غناي غير الرشيد فتمنعت فدعا لي بألف درهم فغنيته صوتا ثم قال لي ليلة أخرى جعفر بن يحيى صديقك ولا تحتشم منه وأنا أحب أن تغنيه صوتا فقلت إني أحتشمه في الغناء فحلفني بحياته ودعا لي بألف درهم فغنيته وكنا البارحة عند المعتصم فقال لي سيما الشارباني اشتهى ذاك الصوت قلت إنما قال ذاك قلت ما أدري ما يريد قال فغن كلما تحسن حتى إذا مر بي عرفتك فورد علي ما لم أقدر أن يرد علي مثله فأي غم يكون أشد من هذا قال ونا محمد بن يحيى نا أحمد بن عبد الجبار السامري حدثني إسماعيل بن عبد الله قال قال إبراهيم الموصلي أرسلت أسماء بنت المهدي إلى أخيها إبراهيم بن المهدي فقالت أشتهي والله أن أسمع من غناك قال إذا والله لا تسمعي مثله وعليه وعليه وغلظ في اليمين أن لم يكن إبليس ظهر لي وعلمني النقر والنغم وصافحني وقال اذهب فأنت مني وأنا منك قرأت على أبي القاسم الشحامي عن أبي بكر البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا محمد الهاشمي وهو عبد الرحمن بن محمد بن جعفر الجرجاني يقول سمعت يحيى بن عبيد الله الجرجاني يقول سمعت محمد بن يزيد المبرد يقول سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول انصرفت ليلة من عند المأمون مع إبراهيم بن المهدي فأنشأ يقول وما زلت مذ أيفعت أسعى مراهقا * إلى الغرض الأقصى أزور المعاليا
стр. 2907
إذا قنعت نفسي بكأس ومطعم * فلا بلغت فيما تروم الأمانيا لحى الله من يرضى ببلغة يومه * ولم يك ذا هم إلى المجد ساعيا على المرء أن يسعى ويسمو بنفسه * ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا * أخبرنا أبو الحسن الغساني نا وأبو منصور بن زريق الشيباني أنا أبو بكر الخطيب (١) أنا علي بن أيوب القمي أنا محمد بن عمران المرزباني قال فحدثني علي بن هارون حدثني عمي يحيى بن علي قال قال أحمد بن أبي فنن أنا ابن قولي صب بحب متيم صب * حبيه فوق نهاية الحب أشكو إليه صنيع جفونه * فيقول مت فأيسر (٢) الخطب وإذا نظرت إلى محاسنه * أخرجته عطلا من الذنب أدميت باللحظات وجنته * فاقتص ناظره من القلب * قال علي بن هارون وهذا البيت الأخير من هذه الأبيات هو عينها وأخذه ابن أبي فنن مما أنشد فيه أبي لإبراهيم بن المهدي يا من لقلب صيغ من صخرة * في جسد من لؤلؤ رطب جرحت خديه بلحظي فما * برحت حتى اقتص من قلبي * أخبرنا أبو العز بن كادش فيما قرأ علي إسناده وناولني أياه وقال اروه عني أنا أبو علي الجازري أنا المعافى بن زكريا أنا المظفر بن يحيى بن أحمد بن الشرابي أنا أبو العباس المرندي نا طلحة بن عبد الله الطلحي أنشدنا يعقوب بن عباد الزبيري لإبراهيم بن المهدي (٣) وقد أخدمته بعض العباسيات في حال استخفائه عندها جارية وقالت لها أنت له فإن مد يده إليك فلا تمتنعي ولم يعلم بهبتها له وكانت مليحة فجمشها يوما بأن قبل يدها وقال يا غزالا لي إليه * شافع من مقلتيه والذي أكرمت (٤) خديه * فقبلت يديه
стр. 2908
بأبي وجهك ما * أكثر حسادي عليه أنا ضيف وجزاء * الضيف إحسان إليه * أخبرنا أبو بكر بن المزرفي أنا الشريف أبو الفضل العباس بن أحمد بن محمد بن بكران الهاشمي وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو الفضل بن بكران وأبو محمد وأبو الغنائم ابنا أبي عثمان وأبو منصور بن عبد العزيز وأبو بكر بن الطبري وأبو الحسن علي بن المقلد البواب وأبو منصور عبيد الله بن عثمان بن محمد بن الشوكي وأخبرنا أبو الحسن بن قبيس نا وأبو منصور بن خيرون أنا أبو بكر الخطيب (١) [*] وأخبرنا أبو محمد بن طاوس أنا أبو الغنائم بن أبي عثمان قالوا أنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن القاسم نا أبو بكر محمد بن يحيى بن العباس الصولي املاء نا عون بن محمد قال استتر إبراهيم بن المهدي وكان ينتقل في المواضع فنزل بقرب أخت له فوجهت إليه بجارية حسنه الوجه لتخدمه وقالت لها أنت له ولم يعلم إبراهيم بقولها ذلك فأعجبته فقال بأبي من أنا مأسور بلا أسر لديه * والذي أجللت خديه فقبلت يديه * والذي يقتلني ظلما ولا يعدي عليه * أنا ضيف وجزاء الضيف إحسان إليه أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم أنا رشأ بن نظيف أنا الحسن بن إسماعيل أنا أحمد بن مروان المالكي قال أنشدنا أحمد بن داود الاصبهاني لإبراهيم بن المهدي بالله ربك كم بيت مررت به * قد كان يعمر باللذات والطرب طارت عقاب المنايا في سقائفه * فصار من بعدها للويل والخرب *
стр. 2909
أخبرنا أبو الحسن بن قبيس نا وأبو منصور بن خيرون أنا أبو بكر الخطيب (١) أنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري أنا محمد بن العباس أنشدني عبيد الله بن أحمد المروروذي أنشدني أبي لإبراهيم بن المهدي قد شاب رأ سي ورأس الحرص لم يشب * إن الحريص على الدنيا لفي تعب ما لي أراني إذا طالبت مرتبة * فنلتها طمحت عيني إلى رتب قد ينبغي لي مع ما حزت من أدب * أن لا أخوض في أمر ينقص بي لو كان يصدقني ذهني بفكرته * ما اشتد غمي على الدنيا ولا نصبي أسعى وأجهد فيما لست أدركه * والموت يكدح في زندي وفي عصبي بالله ربك كم بيت مررت به * قد كان يعمر باللذات والطرب طارت عقاب المنايا في جوانبه * فصار من بعدها للويل والخرب (٢) فامسك عنانك لا تجمح به طلع (٣) * فلا وعيشك ما الأرزاق بالطلب قد يرزق العبد لم تتعب رواحله * ويحرم الرزق من لم يؤت من طلب مع أنني واجد للناس (٤) واحدة * الرزق والنوك مقرونان في سبب وخصلة ليس فيها من ينازعني * الرزق أروغ شئ عن ذوي الأدب يا ثاقب الفهم كم أبصرت ذا حمق * الرزق أعدا (٥) به من لازم الجرب * أخبرنا أبو العز بن كادش فيما قرأ علي إسناده وناولني إياه وقال اروه عني أنا أبو علي الجازري نا المعافى بن زكريا نا أحمد بن كامل قال سمعت ناشب المتوكلية تغني لإبراهيم بن المهدي أنت امرؤ متجن * ولست بالغضبان هبني أسأت فهلا * مننت بالغفران * أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن العلاف في كتابه
стр. 2910
وأخبرني أبو المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري عنه أنا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو علي بن المسلمة وأبو الحسن بن العلاف قالا أنا أبو القاسم بن بشران أنا أحمد بن إبراهيم الكندي أنا محمد بن جعفر الخرائطي أنشدني أبو بكر محمد بن علي النحوي لإبراهيم بن مهدي أو لغيره لحا الله من لا ينفع الود عنده * ومن حبله إن مد غير متين ومن هو ذو لونين ليس بدائم * على عهده خوان كل أمين * أخبرنا أبو الفضل أحمد بن الحسن بن هبة الله وأبو القاسم بن السمرقندي قالا أنا أبو الخطاب عبد الملك بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن حمدان الشوكي أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الرافقي الخالع أنا أبو بكر محمد بن الحسن النقاش المقرئ قال سمعت المبرد يقول (١) عزى رجل رجلا عن ابنه فقال أكان يغيب عنك قال نعم (٢) قال فأنزله غائبا عنك فإنه إن لم يقدم عليك قدمت عليه قال وقول إبراهيم بن المهدي في نحو هذا يذكر ابنه في مرثية وأني وأن قدمت قبلي لعالم * بأني وإن أبطأت منك قريب وإن صباحا نلتقي في مسائه * صباح إلى قلبي الغداة حبيب * أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسن أنا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن محمد أنا الحسن بن محمد بن أحمد بن يوسف القرشي أنا أحمد بن عمر بن أبان العبدي نا عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان حدثني أبو بشر البجلي قال سمعت إبراهيم بن المهدي ينشد هذه القصيدة (٣) في ابن له يقال له أحمد مات بالبصرة وأنشدني أبو بشر منها أبياتا وأنشدني سائرها رجل من بني هاشم