← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

- الأَصْل الأول - فِي بَيَان التحصين من لدغ الْعَقْرَب وَكلمَة الِاسْتِعَاذَة بالكلمات حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد عَن مَالك بن أنس عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله مَا نمت البارحة قَالَ من أَي شَيْء قَالَ لدغتني عقرب فَقَالَ أما انك لَو قلت حِين أمسيت أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة كلهَا من شَرّ مَا خلق لم يَضرك شَيْء إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي رِوَايَة لم يَضرك شَيْء حَتَّى تصبح

стр. 2

وَعَن خَوْلَة بنت حَكِيم السلمِيَّة عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من نزل منزلا فَقَالَ أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من شَرّ مَا خلق لم يضرّهُ شَيْء حَتَّى يرتحل من منزله ذَلِك وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا فزع أحدكُم فِي النّوم فَلْيقل أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة من غَضَبه وعقابه وَمن شَرّ عباده وَمن همزات الشَّيَاطِين وَأَن يحْضرُون فَإِنَّهَا لن تضره فَكَانَ عبد الله بن عَمْرو يعلمهَا من بلغ من وَلَده وَمن لم يبلغ كتبهَا فِي صك ثمَّ علقها فِي عُنُقه

стр. 3

وَعَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعوذ الْحسن وَالْحُسَيْن يَقُول أُعِيذكُمَا بِكَلِمَات الله التَّامَّة من كل شَيْطَان وَهَامة وَمن كل عين لَامة وَيَقُول كَانَ أبي إِبْرَاهِيم يعوذ بِهن إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق ﵉ قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن بشير الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ الْمُؤَذّن كلمة الله التَّامَّة وكلمات الله التامات يؤديان إِلَى معنى وَاحِد فَمن قَالَ كلمة الله التَّامَّة فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْجُمْلَة وَمن قَالَ كَلِمَات الله التامات فَإِنَّمَا أَرَادَ الْكَلِمَة الْوَاحِدَة الَّتِي تَفَرَّقت فِي الْأُمُور فِي الْأَوْقَات فَصَارَت كَلِمَات ومرجعهن إِلَى كلمة وَاحِدَة فكلمته التَّامَّة هِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَإِنَّمَا قيل تَامَّة لِأَن أقل الْكَلَام عِنْد أهل اللُّغَة على ثَلَاثَة أحرف حرف يبتدأ بِهِ وحرف يحشى بِهِ الْكَلِمَة وحرف يسكت عَلَيْهِ فَإِذا كَانَ على حرفين فَهُوَ عِنْدهم مَنْقُوص وَإِنَّمَا نقصت لعِلَّة مثل قَوْله يَد وَدم وغد وفم هَذِه كلهَا منقوصات لِأَنَّهَا على حرفين وَكَذَلِكَ كن هِيَ من الْآدَمِيّين من المنقوصات لِأَنَّهَا على حرفين وَلِأَنَّهَا كلمة ملفوظة

стр. 4

بالأدوات وَمن رَبنَا ﷻ كلمة تَامَّة لِأَنَّهَا بغيرالأدوات ومنفي عَنهُ شبه المخلوقين وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وتمت كلمة رَبك﴾ ثمَّ وصفهَا فَقَالَ ﴿صدقا وعدلا﴾ أَي قدسا واستواء ثمَّ قَالَ ﴿لَا مبدل لكلماته﴾ أَي لَيْسَ لأحد أَن يعجزه إِذا قَالَ لشَيْء كن وَإِنَّمَا قَالَ بكلماته لتفرق هَذِه الْكَلِمَة فِي الْأُمُور كلهَا فَلِكُل قَضِيَّة وَلكُل إِرَادَة من الْأُمُور من رَبنَا فِي كل أَمر كَلَام بقوله كن وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن أبي ذَر ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ فِيمَا يحْكى عَن الله إِنَّمَا عطائي كَلَام وعذابي كَلَام فَأَما قَوْله كن فالكاف من كينونته وَالنُّون من نوره وَهِي كلمة تَامَّة بهَا أحدث الْأَشْيَاء وَخلق الْخلق فَإِذا استعاذ العَبْد بِتِلْكَ الْكَلِمَة صَارَت لَهُ معَاذًا وَوقى شَرّ مَا استعاذ بهَا مِنْهُ لِأَن العَبْد الْمُؤمن لما عرف أَن لَا يكون شَيْء إِلَّا مَا جرى بِهِ الْقَضَاء وَالْقدر وَإِنَّمَا يمْضِي الْقَضَاء بقوله كن عظمت هَذِه الْكَلِمَة عِنْده فَصَارَت مُتَعَلق قلبه فَإِنَّمَا

стр. 5

تَأْخُذهُ الرَّغْبَة فِي الْأَشْيَاء والرهبة من الْأَشْيَاء وَقَلبه نَازع إِلَى مَشِيئَته وفؤاده مراقب لإرادته وَأذنه مصيغة إِلَى كلمة كن وعينه شاخصة إِلَى تَدْبيره فَإِذا قَالَ أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة من شَرّ مَا خلق وقِي شَرّ مَا خلق وَصَارَ فِي حصنه وارتتع فِي عياذه آمنا مطمئنا هَذَا لمن قَالَهَا بيقظة وعقل مَا يَقُول وَهَذَا القَوْل مِنْهُ تَحْقِيق الايمان لِأَنَّهُ آمن بِرَبّ لَا يملك أحد سواهُ شَيْئا وَلَا شريك لَهُ فِي شَيْء وَهَذَا لأهل الْيَقِين الَّذين إِذا قَالَ أحدهم هَذَا القَوْل اسْتَقر قلبه بعد القَوْل على مقَالَته واطمأنت نَفسه فَأَما أهل الْغَفْلَة فَإِنَّهُم يعاذون على أقدارهم لحُرْمَة الْكَلِمَة وَهُوَ مثل مَا جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِذا قَالَ العَبْد حسبي الله سبع مَرَّات قَالَ الله تَعَالَى وَعِزَّتِي لأكفينه صَادِقا أَو كَاذِبًا فَإِنَّمَا قَالَ صَادِقا أَو كَاذِبًا لِأَن السَّابِق المقرب وَهُوَ الموقن إِذا قَالَ حسبي الله صدقه بِفِعْلِهِ فَهُوَ صَادِق لِأَنَّهُ لَا يتَعَلَّق بعد ذَلِك قلبه بالأسباب وَذَلِكَ مثل قَول إِبْرَاهِيم ﵇ حِين وضع فِي المنجنيق من الْجَبَل ليرمى بِهِ فِي النَّار وعري من الْكسْوَة وكتف بِالْوَثَاقِ فَقَالَ حسبي الله فعارضه جِبْرِيل ﵇ فِي الْهَوَاء امتحانا

стр. 6

وابتلاء وَقَالَ هَل من حَاجَة يَا إِبْرَاهِيم وَهُوَ يهوى فِي الجو فَقَالَ إِبْرَاهِيم ﵇ أما إِلَيْك فَلَا وَقد بَكت السَّمَوَات وَالْمَلَائِكَة وخزان الْمَطَر ﵈ لما حل بِهِ وجأرت إِلَى الله تَعَالَى فَأمر الله تَعَالَى بنصرته من حِين اسْتَغَاثَ بِهِ عَبده فَلم يلْتَفت إِلَى أحد من خلقه وَلَا إِلَى جِبْرِيل مستغيثا حَتَّى تفرد الله تَعَالَى بنصرته فَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْنَا يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم﴾ وَإِنَّمَا عَارضه جِبْرِيل ﵇ فِي الْهَوَاء بِمَا عَارضه ليبرز صدق مقَالَة إِبْرَاهِيم ﵇ فِي قَوْله حسبي الله عَن مَكْنُون قلبه وليعلم الصادقون من بعده غَايَة الصدْق فِي المقالات فاتخذه خَلِيلًا ونوه باسمه فِي الْعَالمين وَهُوَ أول من يكسى يَوْم الْقِيَامَة لِأَنَّهُ عري فِي دَار الدِّينَا فِي ذَات الله تَعَالَى فبدىء بِهِ من بَين الْأَنْبِيَاء وَالرسل ﵈ فَهَكَذَا يكون قَول أهل الْيَقِين فِي حسبي الله والمخلط كذبه بِفِعْلِهِ حَيْثُ تعلق بالأسباب وبالمخلوقين حَتَّى صَارُوا فتْنَة عَلَيْهِ فَقَوله حسبي الله قَول الْمُوَحِّدين قَول أهل الْإِيمَان لَا قَول الْمُحَقِّقين قَول أهل النزاهة وَالْيَقِين فَكَذَلِك قَوْله أعوذ بِكَلِمَة الله التَّامَّة المقرب عينه وَأذنه إِلَى تَدْبيره وقضائه وَقَوله كن والمخلط عينه وَأذنه إِلَى الْأَسْبَاب والحيل والحرز والحصون والوقايات فيعاذ على قدره لحُرْمَة قَوْله واعترافه بِأَنَّهَا كلمة إِيمَان فالاستعاذة بِاللَّه تعلق بِهِ مَحْضا والاستعاذة بكلمته تعلق بتدبيره لِأَنَّهُ كَذَا دبر أَن تكون الْأَشْيَاء بِالْكَلِمَةِ وَقَالَ فِي تَنْزِيله عز من قَائِل ﴿وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ فاستعذ بِاللَّه﴾

стр. 7

وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَقل رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين﴾ فهما يدلان على أَن مَا كَانَ من أَمر الْبَاطِن فالاستعاذة بِهِ وَمَا كَانَ من أَمر الظَّاهِر فالاستعاذة بكلمته لِأَن مَا هُوَ فِي الظَّاهِر هُوَ بقوله كن وَمَا فِي الْبَاطِن صنعه وَقَالَ ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ ثمَّ قَالَ ﴿ملك النَّاس﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِلَه النَّاس﴾ أمره أَن يستعيذ بِثَلَاثَة من أَسْمَائِهِ ﴿من شَرّ الوسواس﴾ وَهُوَ بَاطِن فَقَوله رب أَي مَالك ربني فلَان يربنِي فَهُوَ راب ثمَّ قَالُوا رب فحذفوا الْألف كَمَا قَالُوا بار ثمَّ قَالُوا بر فَقَوله رب يُؤَدِّي إِلَى الْملك وَملك يُؤَدِّي إِلَى الْملك وإله يُؤَدِّي إِلَى وَله الْقُلُوب فالوسواس آفَة على الْقلب أمره أَن يستعيذ بِمَالك وَملك وإله لِأَن الْمَالِك الَّذِي أحَاط بهم فملكهم وَالْملك الَّذِي نفذ أمره فيهم والاله الَّذِي أَوله الْقُلُوب إِلَى نَفسه

стр. 8

من شر الوسواس الخناس وسوس عِنْد الْغَفْلَة وخنس عِنْد الذّكر فاشتق لَهُ اسمان من فَعَلَيهِ ثمَّ بَين أَيْن مَوْضِعه من الْجَسَد فَقَالَ ﴿الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس﴾ والصدر ساحة الْقلب وَفِيه الْفِكر وَمِنْه تصدر الْأُمُور ثمَّ بَين أَن الوسوسة جِنْسَانِ فَقَالَ من الْجنَّة وَالنَّاس وَسْوَسَة جنية وَهِي الشَّيْطَان ووسوسة إنسية وَهِي النَّفس وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ هما وسواسان وَإِنَّمَا قَالَ وسوس لِأَنَّهُ يزعج وَقَوله أز يؤز أَي أزعج يزعج وَقَالَ فِي تَنْزِيله ﴿تؤزهم أزا﴾ وَالْهَاء والهمزة وَالْوَاو اخوات تجزىء الْوَاحِدَة عَن صاحبتيها فَقَوله أز وهز ووز بِمَعْنى وَاحِد إِلَّا أَن كل وَاحِدَة تسْتَعْمل فِي نوع والزاء وَالسِّين أختَان تجزىء إِحْدَاهمَا عَن الْأُخْرَى كَمَا قَالُوا صقر وزقر وسقر فَقَوله وز وَقَوله وس يوس بِمَعْنى وسوس وَقَوله وسوس فِي قالب الْعَرَبيَّة فع فع لِأَنَّهُ فِي الأَصْل وس ثمَّ كرر فَقيل وسوس لِأَن فعله على الْقلب مردد مُكَرر فَأمره أَن يستعيذ بالأسماء الثَّلَاثَة مِنْهُ

стр. 9

ثمَّ قَالَ ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ وكل مَا انْفَلق شَيْء عَن شَيْء فَهُوَ فلق قَالَ أهل التَّفْسِير الفلق وَاد فِي جَهَنَّم إِذا فتح وانفلق هر أهل النَّار من شدَّة حره وَقَالَ بَعضهم الفلق الصُّبْح لِأَنَّهُ انْفَلق عَن اللَّيْل وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فالق الإصباح﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فالق الْحبّ والنوى﴾ فالحبة تنفلق فتنبت والنوى كَذَلِك أَيْضا وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُم اخْتِلَاف لِأَن الْكَلِمَة تُؤدِّي إِلَى كل شَيْء انْفَلق واعظم فلق فِي الدُّنْيَا فلق قلب الْمُؤمن بِنور الله تَعَالَى فَقَالَ ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ وَهُوَ فلق الْقلب إِذا انْفَلق بنوره وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ للقلب أذنان وعينان فَإِذا أَرَادَ الله تَعَالَى بِعَبْد خيرا فتح عَيْنَيْهِ اللَّتَيْنِ فِي قلبه ﴿من شَرّ مَا خلق﴾ وَهُوَ ظلمَة الْكفْر ﴿من شَرّ غَاسِق إِذا وَقب﴾ والغسق الظلمَة وَهِي ظلمَة الْمعاصِي وَقَوله وَقب أَي دخل ﴿وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ وَهُوَ السحر يعْقد السَّاحر الَّذِي قد بَاعَ آخرته بدنياه فاعطى مَا تمنى وَاخْتَارَ وربنا وَاسع كريم طلب آدم التَّوْبَة وَالطَّاعَة فَأعْطِي وَطلب إِبْلِيس تضليل ولد

стр. 10

آدم وغوايتهم وَأَن يعْطى سُلْطَان ذَلِك لَهُ فَأعْطِي وَطلب السَّاحر منى الدُّنْيَا وَأَن يعْطى كل شَيْء يتمناه برفض الْآخِرَة وَأَن لَا خلاق لَهُ فِيهَا فَأعْطِي فَهُوَ يعْقد خيطا أَو وترا على منيته وينفث فِيهِ من نَفسه الخبيثة فيصل ضَرَره الى من يتَمَنَّى ذَلِك عَلَيْهِ ﴿وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله﴾ وَلما سحر رَسُول الله ﷺ حَتَّى عجز عَن نِسَائِهِ وَأخذ بِقَلْبِه لبث فِي ذَلِك سِتَّة أشهر فِيمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر ثمَّ نزلت المعوذتان إِحْدَى عشرَة آيَة واستخرج الْوتر فِيهِ العقد من ذَلِك الْبِئْر فَكَانَ كلما قَرَأَ آيَة من المعوذتين انْحَلَّت عقدَة حَتَّى حل العقد كلهَا وبرىء ﴿وَمن شَرّ حَاسِد إِذا حسد﴾ وَهُوَ الْعين والحاسد والحاصد بِمَعْنى فَهُوَ يحصده بِعَيْنِه أَي يقطعهُ من الأَصْل هَلَاكًا ودمارا وَهُوَ أَن يعجب بالشَّيْء فَلَا يذكر خالقه فَإِذا هُوَ قد حصده ودمره والحسد إرادتك الَّتِي تُرِيدُ بهَا إبِْطَال

стр. 11

ذَلِك الشَّيْء فنوره فلق الظُّلُمَات وَهُوَ فِي دَعْوَة إِدْرِيس ﵇ أَنْت الَّذِي فلق الظُّلُمَات نوره فاذا أورد على الْقلب نوره فلق الظُّلُمَات فَجَمِيع مَا ذكر فِي التَّنْزِيل من الِاسْتِعَاذَة بِهِ وَجَدْنَاهُ يؤول الى الْبَاطِن من الْأُمُور وَمَا جَاءَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ أَمرنِي جِبْرِيل ﵇ أَن أكررهن فِي السُّجُود وَأَعُوذ بعفوك من عقابك فاستعاذ بِالْعَفو من الْعقَاب لِأَنَّهُ ضِدّه وَأَعُوذ برضاك من سخطك فالرضى ضد السخط ثمَّ قَالَ وَأَعُوذ بك مِنْك فاستعاذ بِهِ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا ضد لَهُ وَهُوَ كَقَوْلِه لَا مفر مِنْك إِلَّا إِلَيْك وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَفرُّوا إِلَى الله﴾ أَي فروا مِنْهُ إِلَيْهِ

стр. 12

- الأَصْل الثَّانِي - فِي كلمة النَّجْوَى عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يجلس الرجل إِلَى الرجلَيْن إِلَّا على إِذن مِنْهُمَا إِذا كَانَا يتناجيان رُوِيَ عَن النَّضر فِيمَا يحْكى عَن أهل اللُّغَة أَن الْجَمَاعَة إِذا لم يكن فيهم

стр. 13

غَرِيب فحديثهم نجوى وَإِن جهروا فِيمَا بَينهم وَإِذا كَانُوا ثَلَاثَة وَفِيهِمْ غَرِيب فَلَيْسَ حَدِيثهمْ بنجوى وَإِن أسروه قَالَ الله تَعَالَى فَلَمَّا استيئسوا مِنْهُ خلصوا نجيا وَأهل النَّجْوَى إِذا اجْتَمعُوا نجيا فكأنهم فِي ستر أَو وَطن فَكَمَا يجب الاسْتِئْذَان فِي الدُّخُول عَلَيْهِم فِي أوطانهم فَكَذَلِك يجب الاسْتِئْذَان فِي الْجُلُوس إِلَيْهِم فَإِن ذَلِك أَذَى لَهُم وَقطع عَلَيْهِم وهتك لسترهم وَهَذَا كُله لعظم حُرْمَة الْمُؤمن وتجنب أَذَاهُ وَإِذا كَانَ وَحده فَفِيهِ سَعَة لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ سر يطلع عَلَيْهِ وَلَكِن يحِق على الْوَرع أَن يتحين الْوَقْت وَالْحَال وَأَن يتَجَنَّب التثقيل قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵀ من أَمن الثّقل ثقل وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ عَن حَمَّاد من خَافَ أَن يكون ثقيلا فَلَيْسَ بثقيل قَالَ مُغيرَة لقد نهى الله تَعَالَى عَن التثقيل فِي قَوْله الْكَرِيم ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشرُوا وَلَا مستأنسين لحَدِيث﴾ إِلَى قَوْله وَالله لَا يستحي من الْحق وَهَذِه الْآيَة نزلت فِي بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ أحسبها زَيْنَب ﵂ تزوج رَسُول الله ﷺ بهَا وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا فَلَمَّا أطْعمهُم أَرَادَ رَسُول الله ﷺ أَن يَخْلُو بأَهْله فقعدوا بعد الطَّعَام

стр. 14

يتحدثون فِي بَيته وَرَسُول الله ﷺ مرّة يخرج وَمرَّة يدْخل وهم فِي الْبَيْت قعُود لَا يبرحون فَنزلت هَذِه الْآيَة وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ إِذا استثقل رجلا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لنا وَله وَأَرِحْنَا مِنْهُ وَقَالَ حَاتِم بن عبد الله الأشجي انْتَهَيْت مَعَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى أبي حنيفَة اليمامي ﵀ وَإِذا هُوَ جَالس فِي تُرَاب فَدَنَوْنَا مِنْهُ وَسلمنَا عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ سُفْيَان رَحِمك الله تَأذن فنجلس إِلَيْك قَالَ لَا فرجعنا فَقَالَ سُفْيَان إِن الرجل فِي كل حالاته يحب أَن يجلس إِلَيْهِ

стр. 15

- الأَصْل الثَّالِث - فِي تَأْثِير الْغَضَب فِي الْإِيمَان عَن بهز بن حَكِيم بن مُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي عَن أَبِيه عَن جده رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي بِوَصِيَّة قَصِيرَة فألزمها قَالَ لَا تغْضب يَا مُعَاوِيَة بن حيدة إِن الْغَضَب يفْسد الْإِيمَان كَمَا يفْسد الصَّبْر الْعَسَل وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 16

إِن الْغَضَب ميسم من نَار جَهَنَّم يَضَعهُ الله تَعَالَى على نِيَاط أحدهم أَلا ترى أَنه إِذا غضب احْمَرَّتْ عينه واربد وَجهه وَانْتَفَخَتْ أوداجه وَقَالَ فِي حَدِيث آخر إِن الْغَضَب جَمْرَة توقد فِي قلب ابْن آدم أَلا ترى إِلَى انتفاخ أوداجه وَحُمرَة عَيْنَيْهِ وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان ينْفخ فِي تِلْكَ الْجَمْرَة فَشبه رَسُول الله ﷺ ذَلِك بالعسل وَالصَّبْر فَكَمَا يفْسد الصَّبْر الْعَسَل فَكَذَلِك الْغَضَب يدنس الْإِيمَان ومرارته تذْهب حلاوته ونزاهته فالإيمان حُلْو نزه وَالْغَضَب مر دنس وَرُوِيَ عَن عِيسَى ﵇ أَنه سَأَلَهُ يحيى بن زَكَرِيَّا ﵇ عَن الْغَضَب مَا بدؤه قَالَ الْكبر أَلا ترى أَنَّك تغْضب على من هُوَ دُونك وَلَا تغْضب على من هُوَ فَوْقك بِمثلِهِ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر قيل فَمَا الْكبر يَا رَسُول الله قَالَ أَن تسفه الْحق وَتغمضُ النَّاس أَي تحقرهم

стр. 17

وَعَن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يَقُول الله لي العظمة والكبرياء وَالْفَخْر وَالْقدر سري فَمن نَازَعَنِي فِي وَاحِدَة مِنْهُنَّ كببته فِي النَّار وَالْإِيمَان هُوَ خضوع العَبْد والقاؤه بِيَدِهِ لَهُ سلما وَالْكبر ضِدّه وَالْغَضَب مِنْهُ يَبْدُو وَينْزع الشَّيْطَان بنفثه ونفخه حَتَّى يتوقد ويهتاج فَلذَلِك قَالَ يفْسد الْإِيمَان وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَذَلِكَ عِنْدَمَا رأى رجلا يتمرغ أَنفه من الْغَضَب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَإِنَّمَا وضع هَذَا الميسم من النَّار فِي هَذَا الْموضع من الْآدَمِيّ لكَي يغْضب لله تَعَالَى فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يَنْبَغِي فَإِن فِي الْغَضَب قُوَّة للآدمي على أَمر الله تَعَالَى وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يعادي اعداءه ويحاربهم فبالغضب

стр. 18

يتقوى حَتَّى يحاربهم ويغير الْمُنكر وَيُقِيم حُقُوق الله تَعَالَى وحدوده فللحق نفخة فِي تِلْكَ الْجَمْرَة وللشيطان نفخة فِي وقته فنفخة الشَّيْطَان لَهَا رجاسة تفْسد الْإِيمَان وطهارته وطيبه وَإِذا كَانَت نفخة الْحق فَإِنَّهُ يتقوى ويحمر وَجهه ويمتلىء من نور الْحق وَلَا يفْسد الْإِيمَان وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا غضب غضب لله تَعَالَى وَلَا يغْضب لنَفسِهِ وَلَا لدنياه وَكَانَ إِذا غضب رُؤِيَ ذَلِك الْعرق بَين عَيْنَيْهِ يرد من الْغَضَب وَيظْهر نتوؤه وانتفاخه وتحمر وجنتاه وَكَانَ مُوسَى ﵇ إِذا غضب اشتعلت قلنسوته نَارا

стр. 19

- الأَصْل الرَّابِع - فِي أدب الانتعال عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا انْتقل أحدكُم فليبدأ بِالْيَمِينِ فَإِذا نَزغ فليبدأ بالشمال وَليكن بِالْيَمِينِ أَولهمَا يلبس وآخرهما ينْزع الْيَمين مَحْبُوب الله ومختاره من الْأَشْيَاء فَأهل الْجنَّة عَن يَمِين الْعَرْش يَوْم الْقِيَامَة وَأهل السَّعَادَة يُعْطون كتبهمْ بأيمانهم وكفة الْحَسَنَات من الْمِيزَان عَن الْيَمين والكرام الكاتبون وَكَاتب الْحَسَنَات مِنْهُم عَن الْيَمين وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يتوخى فِي كل فعل من مثل هَذَا الْيَمين

стр. 20

توخيا لمختار الله تَعَالَى وَكَانَ إِذا شرب أعْطى الْأَيْمن فالأيمن جرعته حَتَّى أَنه شرب يَوْمًا وَأَبُو بكر ﵁ عَن يسَاره وَغُلَام إعرابي عَن يَمِينه فَقَالَ للغلام أتأذن لي فَأعْطِي الْأَشْيَاخ فَقَالَ مَا كنت لأوثر بِفَضْلِك على نَفسِي أحدا فَأعْطَاهُ الْغُلَام وَكَانَ يبْدَأ باليمنى إِذا دخل الْمَسْجِد ثمَّ إِذا خرج أَو نزع نَعله بَدَأَ باليسرى كي يكون الْيَمين آخر الْعَهْد بِمَسْجِد الله تَعَالَى وَبِمَا هُوَ خير للقدم ورفق لَهُ وَكَانَ يسْتَعْمل تَدْبِير الله تَعَالَى ويفتقده فِي كل شَيْء حَتَّى فِي ترجله وتنعله وَطهُوره وَعَن أنس ﵁ قَالَ لما رمى رَسُول الله ﷺ الْجَمْرَة وَنحر نُسكه ناول رَأسه الحلاق فَقَالَ ابدأ بالشق الْأَيْمن فحلقه فَأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَة ثمَّ نَاوَلَهُ الْأَيْسَر فحلقه فَقَالَ اقسمه بَين النَّاس وَعَن ابْن عمر ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِذا أكل أحدكُم فَليَأْكُل بِيَمِينِهِ وَإِذا شرب أحدكُم فليشرب بيمنه

стр. 21

وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يَمِين الله ملأى سحاء لَا يغيضها شَيْء بِاللَّيْلِ وَلَا بِالنَّهَارِ وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى خلق آدم فَمسح ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ ثمَّ مسح ظَهره بيساره فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ خلق الله الْخلق وَقضى الْقَضِيَّة فَأخذ مِيثَاق النَّبِيين وعرشه على المَاء فَأخذ أهل الْيَمين بِيَمِينِهِ وَأخذ أهل الشمَال بِالْأُخْرَى وكلتا يَدي الرَّحْمَن يَمِين ثمَّ قَالَ يَا أَصْحَاب الْيَمين قَالُوا لبيْك رَبنَا وَسَعْديك قَالَ أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى ثمَّ قَالَ أَصْحَاب الشمَال قَالُوا لبيْك

стр. 22

وَسَعْديك قَالَ أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى فخلط بَعضهم بِبَعْض فَقَالَ قَائِل مِنْهُم رب لم خلطت بَيْننَا فَقَالَ لَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون فَقَالَ قَائِل فَمَا الْأَعْمَال قَالَ يعْمل كل قوم لمنزلتهم فَقَالَ عمر ﵁ إِذا نجتهد وَسُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْأَعْمَال أَهِي مؤتنف أم قد فرغ مِنْهَا قَالَ بل فرغ مِنْهَا عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لما خلق الله تَعَالَى آدم ضرب بِيَدِهِ على شقّ آدم الْأَيْمن فَأخْرج ذُرِّيَّة كالذر ثمَّ قَالَ يَا آدم هَؤُلَاءِ ذريتك من أهل الْجنَّة ثمَّ ضرب بِيَدِهِ على شقّ آدم الْأَيْسَر فَأخْرج ذُرِّيَّة كالحمم ثمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ ذريتك من أهل النَّار وَقَالَ تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ وَجَاء فِي الْخَبَر أَن الْجنَّة يُؤْتى بهَا فتوضع عَن يَمِين الْعَرْش يَوْم الْقِيَامَة وَالنَّار عَن يسَار الْعَرْش وَيُؤْتى بالميزان فينصب بَين يَدي الله وكفة الْحَسَنَات عَن يَمِين الْعَرْش مُقَابل الْجنَّة وكفة السَّيِّئَات عَن يسَار الْعَرْش مُقَابل النَّار وَقَالَ تَعَالَى وَأَصْحَاب الْيَمين مَا أَصْحَاب الْيَمين وَأَصْحَاب الشمَال مَا أَصْحَاب الشمَال حدث جَعْفَر بن كثير من آل عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْن ثَمَانِينَ سنة قَالَ حَدثنِي أبي أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ

стр. 23

إِذا صلى الْفَرِيضَة تياسر فصلى مَا بدا لَهُ وَأمر أَصْحَابه أَن يتياسروا وَلَا يتيامنوا وَعَن ضبيعة بنت الْمِقْدَاد بن معدي كرب عَن أَبِيهَا أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا صلى إِلَى عَمُود أَو خَشَبَة أَو شبه ذَلِك لم يَجعله نصب عَيْنَيْهِ وَلَكِن يَجعله على حَاجِبه الْأَيْسَر قَالَ كَأَنَّهُ يدل بِهَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ من هذَيْن الْحَدِيثين على أَنه يتوخى الْيَمين فَإِن العَبْد إِذا أَقَامَ فَإِنَّمَا هُوَ قبالة الله بذلك جَاءَت الْأَخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ وَالْيَمِين دلّ اسْمه على مَعْنَاهُ فالأمن وَالْإِيمَان وَالْيَمِين كُله مَوْجُود فِي هَذَا الِاسْم وَوجه آخر أَنه كَانَ يتياسر بِصَلَاة التَّطَوُّع عَن مَوْضِعه الَّذِي أدّى فِيهِ الْفَرِيضَة كَأَنَّهُ لَا يجب أَن يقدم على الْفَرِيضَة شَيْئا وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك مَا رُوِيَ عَن أبي صَالح الْحَنَفِيّ قَالَ كَانَ عَليّ كرم الله وَجهه يسلم تسليمتي الصَّلَاة إِحْدَاهمَا اخْفِضْ من الْأُخْرَى قيل لأبي صَالح أَيهمَا أَخفض من الْأُخْرَى قَالَ الْيُسْرَى وَإِنَّمَا توخى ذَلِك أَن يكون فرقا بَين التسليمتين بالخفض وَرفع الصَّوْت ليؤدي حق كَاتب الْحَسَنَات بِرَفْع الصَّوْت وَكَذَلِكَ حق من عَن يَمِينه ليؤديه بِرَفْع ذَلِك الصَّوْت وبخفضه عَن الْيُسْرَى ليتبين فضل الْيُمْنَى عَن الْيُسْرَى

стр. 24

- الأَصْل الْخَامِس - فِي النَّهْي عَن القزع عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ عَن القزع والقزع أَن يحلق وسط رَأس الصَّبِي وَيتْرك مَا حوله وَكَانَ هَذَا فعل القسين وهم ضرب من النَّصَارَى وَفِي الْقُرْآن ﴿ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ والقسيس فِي النَّصَارَى كالصديق فِي الْإِسْلَام وهومن قس أَي قصّ أثر الرَّسُول الَّذِي دَعَاهُ على لِسَانه قَالَ سلمَان ﵁ قَرَأت على رَسُول الله ﷺ ﴿ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فأقرأني ذَلِك بِأَن مِنْهُم صديقين وَرُهْبَانًا

стр. 25

وَأما حلق أوساط الرؤوس فَذَلِك عَلامَة لضرب مِنْهُم أحدثوه فِيمَا بَينهم وَلما بعث أَبُو بكر الصّديق ﵁ الْجنُود إِلَى الشَّام قَالَ إِنَّكُم سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا حبسوا أنفسهم فِي الصوامع فدعوهم وَمَا حبسوا أنفسهم لله تَعَالَى وستجدون آخَرين اتخذ الشَّيْطَان فِي أوساط رؤوسهم أفحاصا فَإِذا أوجدتم أُولَئِكَ فاضربوا أَعْنَاقهم فالذنن تركُوا الدُّنْيَا وحبسوا أنفسهم فِي الصوامع واعتزلوا أَمر بترك التَّعَرُّض لَهُم وَلم يطالبوا بجزية لأَنهم تركُوا فتركوا لأَنهم كَانُوا صَادِقين فِي سبيلهم وَإِن كَانُوا على ضَلَالَة وَالَّذين خَرجُوا من الصوامع فَلم يصبروا على الْعُزْلَة وفحصوا عَن أواسط رؤوسهم فقد أخبر أَبُو بكر ﵁ أَن الشَّيْطَان دلهم على ذَلِك عَلامَة لأَنْفُسِهِمْ وتشهيرا وإظهارا لما هم عَلَيْهِ كَأَنَّهُ يدل على أَن ذَلِك الصِّنْف مِنْهُم بِمَنْزِلَة من تزهد فِي هَذَا الْعَصْر وَهُوَ غير صَادِق فِي ذَلِك يُرِيد بترك الدُّنْيَا وَقصد بِلبْس الصُّوف والخلقان وحف الشَّارِب وتشمير الثِّيَاب والعمة المطوقة تَحت الحنك وَالِاسْتِقْصَاء فِي الْكحل إِلَى اللحاظ المراياة فَهَذِهِ عَلَامَات الطَّبَقَة الكاذبة المتزهدة المتأكلة حطام الدُّنْيَا بِمَا أظهرُوا من زيهم وشكلهم وتماوتهم وخشوع نفاقهم فَكَذَلِك كَانَ أُولَئِكَ غير صَادِقين فِي عزلتهم فِي الصوامع فَلم يصبروا عَلَيْهَا فَخَرجُوا وَقد حَلقُوا أوساط رؤوسهم ترائيا وتشهيرا لأمرهم فَأمر أَبُو بكر ﵁ بِضَرْب أَعْنَاقهم لأَنهم مَعَ كفرهم لغيرالله عمِلُوا فِي دينهم وَالَّذين تركُوا وحبسوا أنفسهم تركُوا وَمَا حبسوا

стр. 26

لأَنْفُسِهِمْ لأَنهم صَادِقُونَ فِي سبيلهم قَالَ الله تَعَالَى ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله ثمَّ ذمهم فَقَالَ ﴿فَمَا رعوها حق رعايتها﴾ فَإِنَّمَا نهى رَسُول الله ﷺ فِي شَأْن الصَّبِي أَن يحلق وسط رَأسه للتشبه بهؤلاء الَّذين وصفناهم وَأما قصَّة هَؤُلَاءِ الَّذين ابتدعوا الرهبانية فقد روى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله ﴿ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم﴾ قَالَ كَانَت مُلُوك بعد عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ بدلُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَقَالَ نَاس لملوكهم مَا نجد شتما أَشد مِمَّا يشتموننا بِهِ إِنَّهُم يقرأون وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ ﴿فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ مَعَ مَا يعيبوننا بِهِ من أَعمالنَا فِي قراءتهم فادعهم فليقرأوا مَا نَقْرَأ وليؤمنوا بِمَا آمنا بِهِ فَدَعَاهُمْ فَجَمعهُمْ فَعرض عَلَيْهِم الْقَتْل وَأَن يتْركُوا قِرَاءَة التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إِلَّا مَا بدلُوا مِنْهَا فَقَالُوا وَمَا

стр. 27

تَصْنَعُونَ بقتلنا دَعونَا وَابْنُوا لنا أساطينا ادفعونا فِيهَا واتركوا لنا شَيْئا يدلى فِيهِ طعامنا وَلَا نؤذيكم وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى مِنْهُم دَعونَا نهيم فِي الأَرْض ونسيح وَنَأْكُل مِمَّا تَأْكُل مِنْهُ الْوَحْش وَنَشْرَب مِمَّا تشرب مِنْهُ الْوَحْش فَإِن قدرتم علينا فِي أَرْضكُم فاقتلونا وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى مِنْهُم ابْنُوا لنا ديورا فِي الفيافي فنحتفر الْآبَار ونحترث الْبُقُول وَلَا نؤذيكم وَلَا نمر بكم وَلَيْسَ أحد من الْقَبَائِل إِلَّا لَهُ حميم فيهم فَفَعَلُوا ذَلِك فيهم وَقَالَ الْآخرُونَ مِمَّن تعبد من أهل الشّرك نتعبد كَمَا تعبد فلَان ونتخذ ديورا كَمَا اتخذ فلَان ونسيح كَمَا ساح فلَان وهم فِي شركهم لَا علم لَهُم بِإِيمَان الَّذين اقتدوا بهم وَقد فني من فني مِنْهُم فَلَمَّا بعث رَسُول الله ﷺ وَلم يبْق مِنْهُم إِلَّا قَلِيل انحط صَاحب الصومعة من صومعته وَصَاحب الدَّيْر من ديره وَصَاحب السياحة من سياحته فآمنوا بِهِ وَصَدقُوهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فآتينا الَّذين آمنُوا مِنْهُم أجرهم وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ﴾ وَقَالَ يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّفقُوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته أَي أَجْرَيْنِ بايمانهم بِعِيسَى ﵇ وبالتوراة وَالْإِنْجِيل وَإِيمَانهمْ بِمُحَمد ﷺ ﴿وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ﴾ وَقَالَ لِئَلَّا يعلم أهل الْكتاب أَلا يقدرُونَ على شَيْء من فضل الله وَأَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء

стр. 28

قَالَ أَبُو عبد الله فعلى هَذَا الْمِثَال عاملت متزهدة زَمَاننَا سَمِعت أَنه مضى فِي السّلف الصَّالح من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ قوم اجتزوا بالدون من الْحَال فلبسوا الصُّوف والخلقان وأكلوا النخالة وامتنعوا من الشَّهَوَات وشمروا الثِّيَاب وامتنعوا من المخالطة صدقا وتورعا واحتياطا لدينهم كل ذَلِك خوفًا من الله تَعَالَى أَن يقدموا عَلَيْهِ متدنسين بحطام الدُّنْيَا مفتونين فِيهَا وَإِنَّمَا فعل الْقَوْم ذَلِك لضعف يقينهم بِمَنْزِلَة من امْتنع من دُخُول الْبَحْر سباحة مَخَافَة الْغَرق لعَجزه عَن السباحة فَلم يكْتب الله تَعَالَى هَذَا عَلَيْهِم بل احل لَهُم الطَّيِّبَات والزينة ووسع عَلَيْهِم فابتدعوا تَركهَا رهبة من الله تَعَالَى وَكَانُوا فِيهَا صَادِقين فَلم يعابوا وَلم يذموا لأَنهم رعوا مَا ابتدعوا حَتَّى خَرجُوا من الدُّنْيَا مَعَ صدق مَا ابتدعوا ابْتِغَاء رضوَان الله تَعَالَى فخلف من بعدهمْ خلف اتَّبَعُوهُمْ فِيمَا ابتدعوه وهم غير صَادِقين فِيهَا فَأَقْبَلُوا على لبس الصُّوف والخلقان وَأكل النخالة وَالْخبْز المتكرج يُرِيدُونَ بذلك إِظْهَار الزّهْد وَقُلُوبهمْ مشحونة بشهوات الدُّنْيَا تَأْكُل دنياهم بدينهم فَمَا رعوها حق رعايتها كَمَا فعل أَصْحَاب الصوامع والديور وَاتبعُوا الْقَوْم فِي فعلهم وأس أَمرهم على ضَلَالَة عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَا عبد الله بن مَسْعُود قلت لبيْك يَا رَسُول الله ثَلَاث مَرَّات قَالَ هَل تَدْرِي أَي عرى الْإِيمَان أوثق قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِن أوثق عرى الْإِيمَان الْولَايَة فِي الله وَالْحب فِيهِ والبغض فِيهِ يَا عبد الله ابْن مَسْعُود قلت لبيْك يَا رَسُول الله ثَلَاث مَرَّات قَالَ هَل تَدْرِي أَي النَّاس أفضل قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِن أفضل النَّاس أفضلهم عملا إِذا فقهوا فِي دينهم يَا عبد الله بن مَسْعُود قلت لبيْك يَا رَسُول الله ثَلَاث مَرَّات قَالَ هَل تَدْرِي أَي النَّاس أعلم قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِن أعلم النَّاس أبصرهم بِالْحَقِّ إِذا اخْتلف النَّاس وَإِن كَانَ مقصرا فِي الْعَمَل وَإِن كَانَ يزحف على أسته وَاخْتلف من كَانَ قبلنَا على

стр. 29

ثِنْتَيْنِ وَسَبْعَة فرقة نجا مِنْهُم ثَلَاث وَهلك سائرها فرقة آذت الْمُلُوك وقاتلتهم على دين الله وَدين عِيسَى بن مَرْيَم حَتَّى قتلوا وَفرْقَة مِنْهُم لم يكن لَهُم بموازاة الْمُلُوك طَاقَة فأقاموا بَين ظهراني قَومهمْ يَدعُونَهُمْ إِلَى دين الله وَدين عِيسَى بن مَرْيَم فَأَخَذتهم الْمُلُوك وقتلتهم وقطعتهم بالمناشير وَفرْقَة لم يكن لَهُم طَاقَة بموازاة الْمُلُوك وَلَا أَن يقيموا بَين ظهراني قَومهمْ يَدعُونَهُمْ إِلَى دين الله وَدين عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ فساحوا فِي الْجبَال وتزهدوا فِيهَا فهم الَّذين قَالَ الله تَعَالَى ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله فَمَا رعوها حق رعايتها فآتينا الَّذين آمنُوا مِنْهُم أجرهم وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ فالمؤمنون الَّذين آمنُوا بِي وصدقوني والفاسقون الَّذين كَذَّبُونِي وجحدوني فَكَأَنَّهُ ﷺ يخبر فِي هَذَا الحَدِيث أَن الَّذين ساحوا وترهبوا هم الْفرْقَة الثَّالِثَة الَّتِي قد نجت وان الَّذين أخبر أَنهم مَا رعوها حق رعايتها قوم جَاءُوا من بعدهمْ يقتدون بهم فِي ذَلِك وَلَيْسوا على صدق من أَمرهم أخذُوا بِظَاهِر أَمرهم وفعلهم فساحوا ولزموا الديور والصوامع وَتركُوا سَبِيل أَصْحَابهم الَّذين مضوا على ذَلِك

стр. 30

- الأَصْل الثَّالِث عشر - فِي الْعين المؤمنة إِذا رَأَتْ مُنْكرا عَن الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَنْبَغِي لعين مُؤمنَة ترى أَن يعْصى الله تَعَالَى فَلَا تنكر عَلَيْهِ فالإيمان قد اشْتَمَل على الْجَوَارِح السَّبع اللائي أَخذ عَلَيْهِنَّ الْعَهْد والميثاق وائتمن العَبْد عَلَيْهِنَّ ووكل برعايتهن ومستقره فِي الْقلب والشهوة فِي النَّفس وسلطانها فِي الصَّدْر ثمَّ يتَأَدَّى الى هَذِه الْجَوَارِح السَّبع فَمن صدق الْإِيمَان أَن يكون سُلْطَان كل حارجة منطفئا بِمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من سُلْطَان الْإِيمَان فَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد ملك نَفسه فَلَا يسْتَعْمل شَهْوَة بجارحة من الْجَوَارِح السَّبع إِلَّا فِيمَا أذن الله لَهُ فِيهِ وَإِذا رأى غَيره يستعملها فِيمَا لم يَأْذَن بِهِ الله أنكرهُ وَالْإِنْكَار على ثَلَاثَة منَازِل فمنكر بِقَلْبِه وَلسَانه وَيَده ومنكر بِقَلْبِه وَلسَانه ومنكر بِقَلْبِه وَرُوِيَ ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الْجِهَاد ثَلَاثَة جِهَاد بِالْيَدِ وَاللِّسَان وَالْقلب وَجِهَاد بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان وَجِهَاد بِالْقَلْبِ وَذَلِكَ

стр. 31

يسْتَوْجب بذلك القَوْل الْمَغْفِرَة وَلِهَذَا مَا رُوِيَ فِي حَدِيث آخر عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لَا يَقُولهَا عبد عِنْد الْمَوْت إِلَّا هدمت ذنُوبه قيل فَكيف يَا رَسُول الله لمن قَالَهَا فِي الصِّحَّة قَالَ هِيَ أهدم وأهدم وَإِنَّمَا هدمت ذنُوبه لِأَنَّهُ قَالَهَا وَقد مَاتَت مِنْهُ شهواته وَنَدم على مَا فرط مِنْهُ ندما صَحِيحا فَهُوَ تائب صَادِق والتائب الصَّادِق على مَوْعُود الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله أَن ﴿يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات﴾ وَيكفر عَنهُ ويدخله الْجنَّة قيل فَكيف من قَالَهَا فِي الصِّحَّة فَإِنَّمَا يَقُولهَا فِي الصِّحَّة على تِلْكَ الصّفة الَّتِي هِيَ عِنْد مَوته بعد رياضة نَفسه وَمَوْت شهواته وحرصه ورغبته وَبعد زهادته فِيهَا وصفائه عَن التَّخْلِيط فَهِيَ أهدم وأهدم فَأَما المخلط عبد نهماته وشهواته عبد دُنْيَاهُ عبد درهمه وديناره فَلَا نعلم أَن قَوْله هَذَا يهدم ذنُوبه حَتَّى يصير مغفورا لَهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَة لِأَنَّهُ لَا ترجع هَذِه الْكَلِمَة مِنْهُ إِلَى قلب موقن كَمَا اشْترط الرَّسُول ﷺ فِي حَدِيثه بل ترجع هَذِه الْكَلِمَة مِنْهُ إِلَى قلب مفتون بدنياه مأسور بشهوات نَفسه سَكرَان عَن الْآخِرَة حيران عَن الله تَعَالَى فقلبه ميال الى الْهوى وَالْقلب الموقن الَّذِي وَصفه رَسُول الله ﷺ هُوَ الْقلب الَّذِي اسْتَقر لرَبه وَاطْمَأَنَّ بِحكمِهِ وقنع بقسمه وانقاد لأَمره وشخصت عَيناهُ إِلَى رَحمته قد أيس من كل شَيْء إِلَّا من رَحمته فَهُوَ الَّذِي إِذا قَالَهَا هدمت ذنُوبه لِأَنَّهُ صَادِق فِي قَوْله وَإِنَّمَا سمي الْيَقِين يَقِينا لاستقراره

стр. 32

فِي الْقلب وَهُوَ النُّور يُقَال فِي اللُّغَة يقن المَاء فِي الحفرة أَي اسْتَقر فَإِذا اسْتَقر النُّور دَامَ وَإِذا دَامَ صَارَت النَّفس ذَات بَصِيرَة فاطمأنت فتخلص الْقلب من اشْتِغَاله ودوائره وَإِنَّمَا اسْتَقر الْيَقِين فِي الْقلب لِأَن العَبْد جَاهد نَفسه فِي الله حق جهاده على الصدْق واليقظة من خدعها والتحرز من آفاتها حَتَّى بلغ بهَا غَايَة الرياضة وَانْقطع عَاجِزا فاستغاث بِاللَّه تَعَالَى صَارِخًا مُضْطَرّا فَأَجَابَهُ فَإِنَّهُ يُجيب الْمُضْطَر ويكشف السوء ويجعله من خلفاء الأَرْض كَذَلِك وعد فِي تَنْزِيله فقذف النُّور فِي قلبه ففلق تِلْكَ الظُّلُمَات الَّتِي ركدت فِي صَدره على قلبه فانكشف الغطاء وَصَارَ أَمر الملكوت لَهُ مُعَاينَة بِقَلْبِه وَهُوَ قَول حَارِثَة لرَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ عبد نور الله الْإِيمَان فِي قلبه وَهَذِه كلمة جَارِيَة فِيمَا جَاءَ فِي الْخَبَر من دَعْوَة إِدْرِيس ﵇ وَأَن مُوسَى ﵇ علم ذَلِك فِي زَمَانه وَأَن نَبينَا ﷺ أعْطى ذَلِك فِي زَمَانه فَكَانَ يَدْعُو بِهن وَهِي قَوْله يَا نور كل شَيْء وهداه أَنْت الَّذِي فلق الظُّلُمَات نوره قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ على كل شَيْء قدير مخلصا بهَا روحه مُصدقا بهَا لِسَانه وَقَلبه فتقت لَهُ السَّمَاء فتقا حَتَّى ينظر الرب إِلَى قَائِلهَا من أهل الدُّنْيَا وَحقّ لعبد إِذا نظر الله اليه أَن يُعْطِيهِ سؤله فالروح يخلص من شهوات النَّفس وأسرها وَكَذَلِكَ الْقلب فَإِذا نطق اللِّسَان بِالْكَلِمَةِ لم تنازعه النَّفس وَلَا الْقلب وَلَا الرّوح فَكَانَ ذَلِك صدقا عَن زيد بن الأرقم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ لَا إِلَه

стр. 33

إِلَّا الله مخلصا دخل الْجنَّة قيل يَا رَسُول الله وَمَا إخلاصها قَالَ أَن يحجره عَن الْمَحَارِم وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ لِمعَاذ يَا معَاذ أخْلص يَكْفِيك الْقَلِيل من الْعَمَل وَعَن زيد بن أَرقم أَيْضا ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله عهد إِلَيّ أَن لَا يأتيني أحد من أمتِي بِلَا إِلَه إِلَّا الله لَا يخلط بهَا شَيْئا إِلَّا وَجَبت لَهُ الْجنَّة قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الَّذِي يخلط بهَا قَالَ حرصا على الدُّنْيَا وجمعا لَهَا ومنعا لَهَا يَقُول بقول الْأَنْبِيَاء وَيعْمل عمل الجبايرة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فِيمَا يذكر عَن ربه ان الْمُؤمن مني بِعرْض كل خير اني أنزع نَفسه من بَين جَنْبَيْهِ وَهُوَ يحمدني وَالْعَبْد إِنَّمَا يحمد الله وَهُوَ يقبض أعز شَيْء عَلَيْهِ بِمَوْت شهواته وَلِهَذَا إِذا رد إِلَى أرذل الْعُمر وتبرم بِالْحَيَاةِ وَإِذا انْقَطَعت علايقه من الدُّنْيَا وتخلص الْقلب من آفَات النَّفس فَنَطَقَ بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَة استنار بهَا قلبه واطمأنت بهَا نَفسه وأخلص بهَا روحه فاستوجب الْمَغْفِرَة وَلِهَذَا كَانَ السّلف ﵏ يستحبون أَن يلقنوا المحتضر هَذِه الْكَلِمَة ويتعاهدونه بهَا وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لقنوا مَوْتَاكُم شَهَادَة أَن لَا إِلَه إلاالله

стр. 34

فَهَذَا عبد ركبته أهوال الْآخِرَة فرضيت نَفسه بهَا عِنْد الْمَوْت فَنَطَقَ بهَا فغفر لَهُ وَمن رَاض نَفسه أَيَّام حَيَاته فتح لَهُ إِلَى الْغَيْب فركبته أهوال سُلْطَان الله الْكَرِيم وعظيم جَلَاله فَنَطَقَ بهَا عَن مثل ذَلِك الْقلب فَهُوَ للمغفرة أقمن وأخلق

стр. 35

- الأَصْل السَّابِع - فِي تَرْجِيح الرَّجَاء على الْقنُوط عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْفَاجِر الراجي لرحمة الله تَعَالَى أقرب مِنْهَا من العابد المقنط لجهله بِاللَّه بعد من رَحْمَة الله وَإِنَّمَا رَجَاء العَبْد بِاللَّه على قدر مَعْرفَته بِاللَّه وَعلمه بجوده وَكَرمه والقنوط من الْجَهْل أَلا يرى إِلَى قَوْله تَعَالَى وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون والمقنط إِنَّمَا يقنط غَيره لقنوطه فَهُوَ ضال عَن ربه وَمَا تغني الْعِبَادَة مَعَ الضَّلَالَة وَقَالَ تَعَالَى إِنَّه لَا ييئس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ واليأس من روح الله فِي الدُّنْيَا عِنْد النوائب والكربات من سوء الظَّن

стр. 36

بِاللَّه تَعَالَى وَمن سَاءَ ظَنّه بِاللَّه انْقَطع عَن الله تَعَالَى وَتعلق بخلقه واستعاذ بالحيل وَلَا يلجأ إِلَى ربه وَكَذَلِكَ القانط من رَحمته قلبه مُتَعَلق بالجهد من الْأَعْمَال طَالبا للنجاة بهَا وَإِذا فكر فِي ذنُوبه ألْقى بيدَيْهِ نَفسه الى التَّهْلُكَة ورفض الْعَمَل وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ أَنه سُئِلَ عَن الْقنُوط فَقَالَ ترك فَرَائض الله فِي السِّرّ مَعْنَاهُ إِذا تراكمت عَلَيْهِ الذُّنُوب أيس من نَفسه فرفض الْكل وَقَالَ قد اسْتَوْجَبت النَّار وَقد كَانَ وَقع عِنْدِي بعض من رزقة الله الْإِنَابَة فَجعل يَصُوم فَقلت لَهُ مَا هَذَا قَالَ صَوْم شهر رَمَضَان قلت أَو لم تكن تصومه قَالَ لَا قلت لم قَالَ كَانَ أَصْحَابِي لَا يصومونه قلت وهم فِي الكورة مَعنا قَالَ نعم قلت وَمَا حملهمْ على ذَلِك قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ عَملنَا هَذِه الْأَعْمَال من سفك الدِّمَاء وَأخذ الْأَمْوَال وَسَائِر الْمعاصِي فَمَا يُغني عَنَّا الصَّوْم وَالصَّلَاة وَكَانُوا لَا يَصُومُونَ رَمَضَان وَلَا يصلونَ المكتوبات إِلَّا على أعين النَّاس يَقُولُونَ قد استوجبنا النَّار فَقلت هَؤُلَاءِ قوم أدركهم سخط الله فقنطوا من رَحمته عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ خرج من عِنْدِي خليلي جِبْرَائِيل ﵇ آنِفا فَقَالَ لي يَا مُحَمَّد وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ إِن لله تَعَالَى لعبدا من عباده عبد الله خَمْسمِائَة سنة على رَأس جبل فِي الْبَحْر عرضه وَطوله ثَلَاثُونَ ذِرَاعا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعا وَالْبَحْر مُحِيط بِهِ أَرْبَعَة آلَاف فَرسَخ من كل نَاحيَة وَأخرج الله تَعَالَى لَهُ عينا بِعرْض الإصبع تبض بِمَاء عذب فيستنقع

стр. 37

فِي أَسْفَل ذَلِك الْجَبَل وشجرة رمانة تخرج كل لَيْلَة رمانة فتغذيه يَوْمًا فَإِذا أَمْسَى نزل فَأصَاب من الْوضُوء وَأخذ تِلْكَ الرمانة وأكلها ثمَّ قَامَ لصلاته فَسَالَ ربه عِنْد وَقت الْأَجَل أَن يقبضهُ سَاجِدا وَأَن لَا يَجْعَل للْأَرْض وَلَا شَيْء لشَيْء عَلَيْهِ يُفْسِدهُ عَلَيْهِ سَبِيلا حَتَّى يَبْعَثهُ سَاجِدا فَفعل ذَلِك فَنحْن نمر بِهِ إِذا هبطنا وَإِذا عرجنا ونجد فِي الْعلم أَنه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة فَيُوقف بَين يَدي الله تَعَالَى فَيَقُول الرب أدخلُوا عَبدِي الْجنَّة برحمتي فَيَقُول بل بعملي يَا رب فَيَقُول أدخلُوا عَبدِي الْجنَّة برحمتي فَيَقُول بل بعملي يَا رب فَيَقُول للْمَلَائكَة قايسو عمل عَبدِي بنعمي عَلَيْهِ وبعمله فتوجد نعْمَة الْبَصَر قد أحاطت بِعبَادة خَمْسمِائَة سنة وَبقيت نعم الْجَسَد فضلا عَلَيْهِ فَيَقُول أدخلُوا عَبدِي النَّار فينادي يَا رب بِرَحْمَتك أدخلني الْجنَّة فَيَقُول ردُّوهُ فَيُوقف بَين يَدَيْهِ فَيَقُول يَا عَبدِي من خلقك وَلم تَكُ شَيْئا فَيَقُول أَنْت يَا رب فَيَقُول أَفَكَانَ ذَلِك من قبلك أم برحمتي فَيَقُول بل بِرَحْمَتك فَيَقُول من قواك لعبادتي خَمْسمِائَة سنة فَيَقُول أَنْت يَا رب فَيَقُول من أنزلك فِي جبل وسط الْبَحْر وَأخرج لَك المَاء العذب من المَاء المالح وَأخرج لَك كل لَيْلَة رمانة وإنمات تخرج الشَّجَرَة فِي السّنة مرّة وَسَأَلتنِي أَن أقبضك سَاجِدا فَفعلت ذَلِك بك فَيَقُول أَنْت يَا رب فَيَقُول فَذَلِك رَحْمَتي وبرحمتي أدْخلك الْجنَّة أدخلُوا عَبدِي الْجنَّة برحمتي فَنعم العَبْد كنت يَا عَبدِي فَأدْخلهُ الله الْجنَّة قَالَ جِبْرَائِيل ﵇ إنماالأشياء برحمة الله تَعَالَى يَا مُحَمَّد عَن زيد بن أسلم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ انه لَيْسَ أحد مِنْكُم ينجيه عمله قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمته

стр. 38

وَهَذَا الَّذِي سَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ وَلَا أَنْت كَانَ أَيْضا فِي عمى من هَذَا الْأَمر فَإِن الله تَعَالَى من عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ وَشرح الصَّدْر وكل ذَلِك رَحْمَة مِنْهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كنت ترجو أَن يلقى إِلَيْك الْكتاب إِلَّا رَحْمَة من رَبك﴾

стр. 39

- الأَصْل الثَّامِن - فِي بَيَان أَن التَّعَلُّق بالأسباب مَعَ التَّوْحِيد لَا يضر عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا أشْفق من الْحَاجة أَن ينساها جعل فِي يَده خيطا ليذكرها أَو يذكرهُ الذّكر وَالنِّسْيَان من الله تَعَالَى إِذا شَاءَ ذكر وَإِذا شَاءَ أنسى وربط الْخَيط سَبَب من الْأَسْبَاب لِأَنَّهُ نصب الْعين فَإِذا رَآهُ ذكر مَا نسي فَهَذَا سَبَب مَوْضُوع دبره رب الْعَالمين لِعِبَادِهِ كَسَائِر الْأَسْبَاب تحرز الْأَشْيَاء بالأبواب والأقفال والحراس ويستشفى من الأسقام بالأدوية وتقبض الأرزاق والأقوات بِالطَّلَبِ وكل أَمر بحيلة وَسبب وَالْأَرْض تخرج نباتها بِالْمَاءِ وَهَذَا تَدْبيره فِي عباده وَالْخَيْط وَالذكر والشفاء وإيصال الأرزاق كل ذَلِك

стр. 40

بِيَدِهِ يجريها على الْأَسْبَاب فَأهل الْيَقِين لَا تَضُرهُمْ الْأَسْبَاب وهم الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ يمضون عَلَيْهَا فيحترزون ويتداوون ويحترفون ويحتالون لِأَنَّهُ تَدْبِير الله تَعَالَى كَذَا دبر لِعِبَادِهِ أَن يجْرِي أُمُورهم على الْأَسْبَاب امتحانا مِنْهُ لَهُم لينْظر من يتَعَلَّق قلبه بالأسباب فَتَصِير فتْنَة عَلَيْهِ وَمن يتخلى عَنْهَا فَيكون مَعَ ولي الْأَسْبَاب وخالقها فَيسلم من فتْنَة الْأَسْبَاب لِأَن الْأَسْبَاب لَا تملكه فَإِنَّهُم فِي الْجُمْلَة كلهم آمنُوا واعترفوا بِأَن الْأَشْيَاء كلهَا من الله تَعَالَى ثمَّ صَارُوا على ضَرْبَيْنِ فَضرب مِنْهُم توالت على قُلُوبهم الغفلات وركدت أشغال الشَّهَوَات وظلمتها على قُلُوبهم فحجتهم عَن الانتباه فصاروا كالنيام والسكارى عَن رُؤْيَة هَذَا وَذكره فَإِذا ذكرُوا ذكرُوا فاذا انبهوا انتبهوا ثمَّ عَادوا إِلَى رقدتهم وغفلتهم فَصَارَ ذَلِك لَهُم كالخبر وَالْآخرُونَ هم أهل الْيَقِين قد خَرجُوا بيقينهم من الْغَفْلَة فالذكر على قُلُوبهم دَائِم والأمور لَهُم مُعَاينَة كَيفَ يجريها وَكَيف يدبرها فَلَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة فَإِن استعملوا الْأَسْبَاب لم تَضُرهُمْ فَكَذَلِك هَذَا الْخَيط لما ربطه صَار نصب عينه عَلامَة إِذا وَقع بَصَره عَلَيْهِ ذكر مَا نسي ثمَّ لَا يَحْجُبهُ ذَلِك الْخَيط عَن صنع الله تَعَالَى انه هُوَ الَّذِي ذكره بِهَذَا الْخَيط وَحين ربطه لم يطمئن إِلَى الْخَيط وَلم يركن ركون أهل الْغَفْلَة بل ربطه ابْتِغَاء مُوَافقَة تَدْبِير الله تَعَالَى الَّذِي وَضعه لِعِبَادِهِ وَكَذَلِكَ تداويه من اسقامه وَطَلَبه لمعاشه وَأَخذه الْجنَّة فِي الْحَرْب وحفره الخَنْدَق من أجل الْعَدو وَظَاهر يَوْم أحد بَين درعين وَلَا يظنّ بِرَسُولِهِ الله ﷺ انه مَال إِلَى الشَّيْء من الْأَسْبَاب غَفلَة مِقْدَار طرفَة عين
следующие страницы →