← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِاللَّه تَعَالَى وَمن سَاءَ ظَنّه بِاللَّه انْقَطع عَن الله تَعَالَى وَتعلق بخلقه واستعاذ بالحيل وَلَا يلجأ إِلَى ربه وَكَذَلِكَ القانط من رَحمته قلبه مُتَعَلق بالجهد من الْأَعْمَال طَالبا للنجاة بهَا وَإِذا فكر فِي ذنُوبه ألْقى بيدَيْهِ نَفسه الى التَّهْلُكَة ورفض الْعَمَل وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ أَنه سُئِلَ عَن الْقنُوط فَقَالَ ترك فَرَائض الله فِي السِّرّ مَعْنَاهُ إِذا تراكمت عَلَيْهِ الذُّنُوب أيس من نَفسه فرفض الْكل وَقَالَ قد اسْتَوْجَبت النَّار وَقد كَانَ وَقع عِنْدِي بعض من رزقة الله الْإِنَابَة فَجعل يَصُوم فَقلت لَهُ مَا هَذَا قَالَ صَوْم شهر رَمَضَان قلت أَو لم تكن تصومه قَالَ لَا قلت لم قَالَ كَانَ أَصْحَابِي لَا يصومونه قلت وهم فِي الكورة مَعنا قَالَ نعم قلت وَمَا حملهمْ على ذَلِك قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ عَملنَا هَذِه الْأَعْمَال من سفك الدِّمَاء وَأخذ الْأَمْوَال وَسَائِر الْمعاصِي فَمَا يُغني عَنَّا الصَّوْم وَالصَّلَاة وَكَانُوا لَا يَصُومُونَ رَمَضَان وَلَا يصلونَ المكتوبات إِلَّا على أعين النَّاس يَقُولُونَ قد استوجبنا النَّار فَقلت هَؤُلَاءِ قوم أدركهم سخط الله فقنطوا من رَحمته عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ خرج من عِنْدِي خليلي جِبْرَائِيل ﵇ آنِفا فَقَالَ لي يَا مُحَمَّد وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ إِن لله تَعَالَى لعبدا من عباده عبد الله خَمْسمِائَة سنة على رَأس جبل فِي الْبَحْر عرضه وَطوله ثَلَاثُونَ ذِرَاعا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعا وَالْبَحْر مُحِيط بِهِ أَرْبَعَة آلَاف فَرسَخ من كل نَاحيَة وَأخرج الله تَعَالَى لَهُ عينا بِعرْض الإصبع تبض بِمَاء عذب فيستنقع

стр. 37

فِي أَسْفَل ذَلِك الْجَبَل وشجرة رمانة تخرج كل لَيْلَة رمانة فتغذيه يَوْمًا فَإِذا أَمْسَى نزل فَأصَاب من الْوضُوء وَأخذ تِلْكَ الرمانة وأكلها ثمَّ قَامَ لصلاته فَسَالَ ربه عِنْد وَقت الْأَجَل أَن يقبضهُ سَاجِدا وَأَن لَا يَجْعَل للْأَرْض وَلَا شَيْء لشَيْء عَلَيْهِ يُفْسِدهُ عَلَيْهِ سَبِيلا حَتَّى يَبْعَثهُ سَاجِدا فَفعل ذَلِك فَنحْن نمر بِهِ إِذا هبطنا وَإِذا عرجنا ونجد فِي الْعلم أَنه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة فَيُوقف بَين يَدي الله تَعَالَى فَيَقُول الرب أدخلُوا عَبدِي الْجنَّة برحمتي فَيَقُول بل بعملي يَا رب فَيَقُول أدخلُوا عَبدِي الْجنَّة برحمتي فَيَقُول بل بعملي يَا رب فَيَقُول للْمَلَائكَة قايسو عمل عَبدِي بنعمي عَلَيْهِ وبعمله فتوجد نعْمَة الْبَصَر قد أحاطت بِعبَادة خَمْسمِائَة سنة وَبقيت نعم الْجَسَد فضلا عَلَيْهِ فَيَقُول أدخلُوا عَبدِي النَّار فينادي يَا رب بِرَحْمَتك أدخلني الْجنَّة فَيَقُول ردُّوهُ فَيُوقف بَين يَدَيْهِ فَيَقُول يَا عَبدِي من خلقك وَلم تَكُ شَيْئا فَيَقُول أَنْت يَا رب فَيَقُول أَفَكَانَ ذَلِك من قبلك أم برحمتي فَيَقُول بل بِرَحْمَتك فَيَقُول من قواك لعبادتي خَمْسمِائَة سنة فَيَقُول أَنْت يَا رب فَيَقُول من أنزلك فِي جبل وسط الْبَحْر وَأخرج لَك المَاء العذب من المَاء المالح وَأخرج لَك كل لَيْلَة رمانة وإنمات تخرج الشَّجَرَة فِي السّنة مرّة وَسَأَلتنِي أَن أقبضك سَاجِدا فَفعلت ذَلِك بك فَيَقُول أَنْت يَا رب فَيَقُول فَذَلِك رَحْمَتي وبرحمتي أدْخلك الْجنَّة أدخلُوا عَبدِي الْجنَّة برحمتي فَنعم العَبْد كنت يَا عَبدِي فَأدْخلهُ الله الْجنَّة قَالَ جِبْرَائِيل ﵇ إنماالأشياء برحمة الله تَعَالَى يَا مُحَمَّد عَن زيد بن أسلم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ انه لَيْسَ أحد مِنْكُم ينجيه عمله قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمته

стр. 38

وَهَذَا الَّذِي سَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ وَلَا أَنْت كَانَ أَيْضا فِي عمى من هَذَا الْأَمر فَإِن الله تَعَالَى من عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ وَشرح الصَّدْر وكل ذَلِك رَحْمَة مِنْهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كنت ترجو أَن يلقى إِلَيْك الْكتاب إِلَّا رَحْمَة من رَبك﴾

стр. 39

- الأَصْل الثَّامِن - فِي بَيَان أَن التَّعَلُّق بالأسباب مَعَ التَّوْحِيد لَا يضر عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا أشْفق من الْحَاجة أَن ينساها جعل فِي يَده خيطا ليذكرها أَو يذكرهُ الذّكر وَالنِّسْيَان من الله تَعَالَى إِذا شَاءَ ذكر وَإِذا شَاءَ أنسى وربط الْخَيط سَبَب من الْأَسْبَاب لِأَنَّهُ نصب الْعين فَإِذا رَآهُ ذكر مَا نسي فَهَذَا سَبَب مَوْضُوع دبره رب الْعَالمين لِعِبَادِهِ كَسَائِر الْأَسْبَاب تحرز الْأَشْيَاء بالأبواب والأقفال والحراس ويستشفى من الأسقام بالأدوية وتقبض الأرزاق والأقوات بِالطَّلَبِ وكل أَمر بحيلة وَسبب وَالْأَرْض تخرج نباتها بِالْمَاءِ وَهَذَا تَدْبيره فِي عباده وَالْخَيْط وَالذكر والشفاء وإيصال الأرزاق كل ذَلِك

стр. 40

بِيَدِهِ يجريها على الْأَسْبَاب فَأهل الْيَقِين لَا تَضُرهُمْ الْأَسْبَاب وهم الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ يمضون عَلَيْهَا فيحترزون ويتداوون ويحترفون ويحتالون لِأَنَّهُ تَدْبِير الله تَعَالَى كَذَا دبر لِعِبَادِهِ أَن يجْرِي أُمُورهم على الْأَسْبَاب امتحانا مِنْهُ لَهُم لينْظر من يتَعَلَّق قلبه بالأسباب فَتَصِير فتْنَة عَلَيْهِ وَمن يتخلى عَنْهَا فَيكون مَعَ ولي الْأَسْبَاب وخالقها فَيسلم من فتْنَة الْأَسْبَاب لِأَن الْأَسْبَاب لَا تملكه فَإِنَّهُم فِي الْجُمْلَة كلهم آمنُوا واعترفوا بِأَن الْأَشْيَاء كلهَا من الله تَعَالَى ثمَّ صَارُوا على ضَرْبَيْنِ فَضرب مِنْهُم توالت على قُلُوبهم الغفلات وركدت أشغال الشَّهَوَات وظلمتها على قُلُوبهم فحجتهم عَن الانتباه فصاروا كالنيام والسكارى عَن رُؤْيَة هَذَا وَذكره فَإِذا ذكرُوا ذكرُوا فاذا انبهوا انتبهوا ثمَّ عَادوا إِلَى رقدتهم وغفلتهم فَصَارَ ذَلِك لَهُم كالخبر وَالْآخرُونَ هم أهل الْيَقِين قد خَرجُوا بيقينهم من الْغَفْلَة فالذكر على قُلُوبهم دَائِم والأمور لَهُم مُعَاينَة كَيفَ يجريها وَكَيف يدبرها فَلَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة فَإِن استعملوا الْأَسْبَاب لم تَضُرهُمْ فَكَذَلِك هَذَا الْخَيط لما ربطه صَار نصب عينه عَلامَة إِذا وَقع بَصَره عَلَيْهِ ذكر مَا نسي ثمَّ لَا يَحْجُبهُ ذَلِك الْخَيط عَن صنع الله تَعَالَى انه هُوَ الَّذِي ذكره بِهَذَا الْخَيط وَحين ربطه لم يطمئن إِلَى الْخَيط وَلم يركن ركون أهل الْغَفْلَة بل ربطه ابْتِغَاء مُوَافقَة تَدْبِير الله تَعَالَى الَّذِي وَضعه لِعِبَادِهِ وَكَذَلِكَ تداويه من اسقامه وَطَلَبه لمعاشه وَأَخذه الْجنَّة فِي الْحَرْب وحفره الخَنْدَق من أجل الْعَدو وَظَاهر يَوْم أحد بَين درعين وَلَا يظنّ بِرَسُولِهِ الله ﷺ انه مَال إِلَى الشَّيْء من الْأَسْبَاب غَفلَة مِقْدَار طرفَة عين

стр. 41

- الأَصْل التَّاسِع - فِي مرتبَة روح الْمُؤمن عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اهتز الْعَرْش لمَوْت سعد بن معَاذ ﵁ وَذكر يَوْمًا عِنْده أَن الْعَرْش اهتز لحب الله لِقَاء سعد فَقَالَ ابْن عمر إِن الْعَرْش لَيْسَ يَهْتَز لمَوْت أحد وَلَكِن سَرِيره الَّذِي حمل عَلَيْهِ وأحسب أَن ابْن عمر قصد بِمَا دفع من ذَلِك تَعْظِيمًا للعرش فهاب هَذِه الْكَلِمَة إِذْ كَانَ الْعَرْش أَعلَى شَيْء من خلقه وَصفته ومنظره الْأَعْلَى وَمَوْضِع تسبيحه ومظهر ملكه ومبدأ وحيه وَمحل قربه وَلم ينْسب شَيْئا من خلقه كنسبته فَقَالَ ذُو الْعَرْش كَمَا قَالَ ذُو الْجلَال وَذُو الْعِزّ وَذُو الْكِبْرِيَاء وَذُو الْقُدْرَة وَذُو العظمة وَذُو الْبَهَاء وَذُو الرَّحْمَة وَذُو الْملك وَلم يجز أَن يُقَال ذُو السَّمَوَات وَذُو الأَرْض وَذُو

стр. 42

الْكُرْسِيّ وَذُو اللَّوْح فَلم يُعْط كلمة ذُو من خلقه إِلَّا للعرش فَقَط للقرب وَذُو كلمة لحق واتصال وَظُهُور ومبدأ فَكَأَن ابْن عمر ﵁ لحظ إِلَى هَذِه النَّاحِيَة فَدفع أَن يكون يَهْتَز لمَوْت أحد وَأما سَائِر الْعلمَاء فَلَا نعلمهُمْ دفعُوا هَذَا القَوْل فَإِن لِلْمُؤمنِ عِنْد الله تَعَالَى مَرَاتِب علية قد أَتَت بهَا الْأَنْبِيَاء من عِنْد الله تَعَالَى تَنْزِيلا مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله ولي الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَول تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَن الله مولى الَّذين آمنُوا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿هُوَ مولاكم فَنعم الْمولى وَنعم النصير﴾ وَقَوله تَعَالَى وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن لَهُم من الله فضلا كَبِير وَقَوله تَعَالَى ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ولدينا مزِيد وَمِنْهَا قَوْله ﷺ إِن الْمُؤمن أكْرم على الله من الْمَلَائِكَة المقربين

стр. 43

وَمِنْهَا قَوْله ﷺ الْمُؤمن أعظم حُرْمَة عِنْد الله من الْكَعْبَة وَمِنْهَا قَول معَاذ بن جبل إِن الْمُتَّقِينَ فِي الْجنَّة لَا يسْتَتر الرب مِنْهُم وَلَا يحتجب وَمِنْهَا مَا جَاءَ فِي شَأْن الزِّيَارَة فِي الْأَخْبَار وَوضع المنابر والأسرة والكراسي لَهُم على مَرَاتِبهمْ فِي مجْلِس الْجَبَّار ﷻ فَروِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يبْقى أحد يَوْمئِذٍ فِي ذَلِك الْمجْلس إِلَّا حاضره الله تَعَالَى محاضرة حَتَّى أَنه ليقول يَا فلَان أَتَذكر غدرتك يَوْم كَذَا فَيَقُول أَو لم تغفرها لي فَيَقُول بلَى عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء ﵄ قَالَا قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِي بيُوت الْمُؤمنِينَ لمصابيح إِلَى الْعَرْش يعرفهَا مقربو الْمَلَائِكَة من السَّمَوَات السَّبع يَقُولُونَ هَذَا النُّور من بيوتات الْمُؤمنِينَ الَّتِي يُتْلَى فِيهَا الْقُرْآن وَأعظم بِنور يكون هُنَاكَ فِي نور الْعَرْش مستبينا حَتَّى يعرفهُ مقربوا الْمَلَائِكَة وَاعْتبر فِي الدُّنْيَا بِنور الشَّمْس أَي نور يستبين فِي جنبه فَكيف بِالنورِ الَّذِي يستبين فِي نور الْعَرْش هُنَاكَ عَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن مَا تذكرُونَ من جلال الله تَعَالَى من تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله يتعاطفن حول الْعَرْش لَهُنَّ دوِي كَدَوِيِّ النَّحْل يذكرن

стр. 44

لصاحبهن أَفلا يحب أحدكُم ان لَا يزَال لَهُ عِنْد الرَّحْمَن ﷻ شَيْء يذكر بِهِ وَقد جَاءَت أَحَادِيث فِي وَفَاة سعد بن معَاذ ﵁ تكشف عَن التَّأْوِيل عَن جَابر ﵁ قَالَ اهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت سعد بن معَاذ وَعَن أنس ﵁ قَالَ افتخر الْحَيَّانِ من الْأَنْصَار الْأَوْس والخزرج فَقَالَت الْأَوْس منا غسيل الْمَلَائِكَة حَنْظَلَة ابْن الراهب وَمنا من اهتز لمَوْته عرش الرَّحْمَن سعد بن معَاذ وَمنا من حمته الدبر عَاصِم بن ثَابت بن الْأَفْلَح وَمنا من اجيزت شَهَادَته بِشَهَادَة رجلَيْنِ خُزَيْمَة بن ثَابت فَقَالَت الْخَزْرَج منا أَرْبَعَة جمعُوا الْقُرْآن لم يجمعه أحد غَيرهم زيد بن ثَابت وَأَبُو زيد وَأبي بن كَعْب ومعاذ بن جبل رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لقد اهتز عرش الرَّحْمَن لوفاة سعد بن معَاذ فَرحا بِهِ فَرحا بِهِ فَرحا بِهِ وَإِذا كَانَ العَبْد يفرح خَالق الْعَرْش بلقائه ففرح الْعَرْش يدق

стр. 45

- الأَصْل الْعَاشِر - فِي أَن الْحِرْص والاعتراض والعجلة شُؤْم عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يرحم الله أم إِسْمَاعِيل لَو تركت زَمْزَم أَو قَالَ لَو لم تغترف المَاء لكَانَتْ زَمْزَم عينا معينا أنبأ أَن الْحِرْص دَاخل بِالْفَسَادِ على الْأَشْيَاء لِأَن الْحِرْص من النهمة والآدمي خلق مُحْتَاجا عجولا فَهُوَ ينْتَظر الْأَسْبَاب ويحرص عَلَيْهَا وَإِن كَانَ معترفا على حد الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى أَنه مسبب الْأَسْبَاب وَهَذَا لأهل الْيَقِين أما أهل الْغَفْلَة فهم مفتونون مشغولون بالأسباب عَن خَالق الْأَسْبَاب وَأم اسماعيل أدركتها الضَّرُورَة مَعَ كربَة الغربة فَأخذت تعدو فِي طلب المَاء هَكَذَا وَهَكَذَا وتستغيث فَلَمَّا جاءها الغياث أدركتها العجلة فاغترفت وأحرزته فِي وعائها فَانْقَطع المدد فَأخْبر

стр. 46

رَسُول الله ﷺ أَنَّهَا لَو اطمأنت فِي ذَلِك الْوَقْت إِلَى من أجْرى لَهَا ذَلِك لجرت وَبقيت جَارِيَة لَكِنَّهَا شغلت بالموجود عَن الَّذِي أوجده وحملتها النَّفس على الْإِحْرَاز لتطمئن بِهِ وَهُوَ قَول سلمَان ﵁ حَيْثُ رُؤِيَ يحمل جرابا فَقيل لَهُ مَا هَذَا يَا أَبَا عبد الله قَالَ إِن النَّفس إِذا أحرزت قوتها اطمأنت فَهَذَا عمل النَّفس وَلَيْسَ عمل الْقلب لِأَن الْقلب موقن أَن الرزق هُوَ الَّذِي يوصله الله تَعَالَى إِلَيْهِ فِي وقته وَالنَّفس فِي عماها وظلمتها تزْعم ان الرزق هُوَ الَّذِي توعيه فِي جرابها فصاحبه فِي بلَاء من وسوسته وتقاضيه فَإِذا أَرَادَ صَاحبه أَن يتَخَلَّص من وسوسته أسعفها بذلك كَمَا فعل سلمَان ﵁ فيطمئن إِلَى ذَلِك وَقد يهيء الله تَعَالَى لَهُ الرزق الْمَكْتُوب من غير ذَلِك الَّذِي هيأه فِي جرابه وَالَّذِي أوعاه يُسَلط عَلَيْهِ غَيره فَيصير رزق غَيره حَتَّى يتَبَيَّن كذبهَا وجهلها فَمن أحرز ذَلِك فلطمأنينة نَفسه والخلاص من وسواسها وَهَذَا فعل يدْخل فِيهِ نقص على أهل التَّوَكُّل والأنبياء والأولياء ﵈ والعارفون فِي خلو من هَذَا لِأَن الشَّهَوَات مِنْهُم قد مَاتَت وَالنَّفس قد اطمأنت بخالقها والقلوب مِنْهُم قد حييت بِاللَّه تَعَالَى والصدور مِنْهُم قد أشرقت بِنور الله تَعَالَى والأركان مِنْهُم قد خَشَعت لله تَعَالَى فَسَوَاء عَلَيْهِم أحرزوا أَو لم يحرزوا فَإِن أحرزوا فَلَيْسَ ذَلِك مِنْهُم إحرازا إِنَّمَا هُوَ شَيْء قد ائتمنوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ من الله تَعَالَى بأمانة وقفوها على نَوَائِب الْحق قد امْتَلَأت قُلُوبهم من عَظمَة الله تَعَالَى فَلم يبْق للدنيا بِمَا فِيهَا مَوضِع إبرة تُوجد حلاوتها ولذتها وشهوتها هُنَالك فقد ارْتَفَعت فكر شَأْن الأرزاق والمعاش عَن قُلُوبهم وتعلقت نُفُوسهم بقلوبهم وتعلقت قُلُوبهم بخالق الأرزاق وعالم التَّدْبِير فَقَالُوا حَسبنَا الله فَخرجت هَذِه الْكَلِمَة مِنْهُم من قلب حَيّ بِاللَّه تَعَالَى على سُكُون من النَّفس فَلم يبْق فِي صُدُورهمْ اخْتِلَاج وَلَا تنَازع وَلَا ريب فاستقرت الْأَركان فَمَتَى مَا وَقع

стр. 47

بِأَيْدِيهِم شَيْء من الدُّنْيَا لم يحبسوها لأَنْفُسِهِمْ وعدوها أَمَانَة قد ائتمنهم الله عَلَيْهَا كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا أَنا خَازِن أقسم وَالله يُعْطي فَأَنا أَبُو الْقَاسِم أقسم وَالله يُعْطي عَن أنس ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يدّخر شَيْئا لغد وَعَن أنس ﵁ قَالَ كنت خَادِم رَسُول الله ﷺ عشر سِنِين فأهدي لَهُ طيران فتعشى بِأَحَدِهِمَا وخبأت لَهُ أم أَيمن الآخر فَلَمَّا أصبح قَالَ يَا أم أَيمن هَل عنْدك من غداء قَالَت أحد الطيرين قَالَ يَا أم أَيمن أما علمت أَن أخي عِيسَى ﵇ كَانَ لَا يخبأ عشَاء لغداء وَلَا غداء لعشاء يَأْكُل من ورق الشّجر وَيشْرب من مَاء الْمَطَر يلبس المسوح ويبيت حَيْثُ يُمْسِي وَيَقُول يَأْتِي كل يَوْم برزقه قَالَت يَا رَسُول الله لَا اخبأ لَك شَيْئا بعْدهَا عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أطعمنَا يَا بِلَال قَالَ مَا عِنْدِي إِلَّا صَبر من تمر خبأته لَك فَقَالَ أما تخشى أَن يخسف الله بِهِ نَار جَهَنَّم أنْفق يَا بِلَال وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا وخبأت أم سَلمَة قدرَة من لحم لرَسُول الله ﷺ فَوَضَعته

стр. 48

فِي كوَّة فَلَمَّا دخل رَسُول الله ﷺ قربته إِلَيْهِ فَإِذا هِيَ قِطْعَة كدانة أَو حجر فَلَمَّا رَآهُ قَالَ هَل سَأَلَ بِالْبَابِ سَائل قَالَت نعم قَالَ فَمن أجل ذَلِك أَو كَمَا قَالَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كَمَا يرْزق الطير تَغْدُو خماصا وَتَروح بطانا قَالَ فِي تَنْزِيله ﴿وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها الله يرزقها﴾ ثمَّ قَالَ وَإِيَّاكُم أخبر أَن المتَوَكل يرْزق كَمَا يرْزق الطير قَالَ لَهُ قَائِل فَإِن رَسُول الله ﷺ أَدخل قوت سنة لِعِيَالِهِ وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار بذلك من فعله أجَاب وَقَالَ لَيْسَ الإدخال من الادخار فِي شَيْء إِنَّمَا قسم رَسُول الله ﷺ مَال خَبِير مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْهِ فَأدْخل لِعِيَالِهِ من الْخمس قوتهم وَكَذَلِكَ من فَيْء قُرَيْظَة وَالنضير وَتلك أَمَانَة ائتمنه الله عَلَيْهَا وسلطه على ذَلِك وصرفها فِي نَوَائِب الْحق وَالْقلب مِنْهَا خَال ملك

стр. 49

من الْمُلُوك غَنِي بِاللَّه حر من الْأَحْرَار فَمَاذَا ضره وَهل كَانَ سَبِيل ذَلِك المَال الَّذِي أُوتِيَ إِلَّا هَكَذَا أَن يصرفهُ فِي نَوَائِب الْحق فَصَرفهُ فِي الكراع وَالسِّلَاح وَفِي ذَوي الْحَاجَات من الأباعد فَمَا باله يحرم عِيَاله فَلم يجئك فِي الْخَبَر أَنه أَدخل قوت سنة لنَفسِهِ إِنَّمَا ذَلِك لِعِيَالِهِ وَعِيَاله كَسَائِر النَّاس وَلَا يحمل عِيَاله مَا لَا يطيقُونَهُ وَإِنَّمَا يُطيق هَذَا الْأَنْبِيَاء والأولياء وَأهل الْيَقِين الَّذين بهم تقوم الأَرْض قد طهرت قُلُوبهم وتنزهت نُفُوسهم من تُهْمَة الله تَعَالَى أَلا ترى إِلَى قَول رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ لَهُ ذَلِك الرجل أوصني بِوَصِيَّة قَصِيرَة قَالَ اذْهَبْ فَلَا تتهم الله فِي نَفسك وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ يخزن مَا يَقع بِيَدِهِ من المَال لنوائب الْحق لَا لنَفسِهِ وَقد كَانَ يصرفهَا فِي السِّلَاح والكراع لحاجتهم فِي ذَلِك الْوَقْت إِلَى ذَلِك فَكَانَ يرفع مِقْدَار قوت نِسَائِهِ ليعلم مَا يبْقى هُنَالك فيصرفه فِي هَذِه الْوُجُوه وَقد أَمر الله تَعَالَى بخزن الْأَمْوَال وحفطها فَقَالَ تَعَالَى وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم الَّتِي جعل قيَاما فَإِذا أحرزه فَإِنَّمَا يحرزه لما يَنُوب من حُقُوق الله تَعَالَى حَتَّى يصرفهُ فِيهِ فَهُوَ مأجور فِيهِ وخازن من خزانه وَمن أحرزه ليتخذه عدَّة لنوائب نَفسه ودنياه وَهُوَ فِي نقص وإدبار وخذلان من الله تَعَالَى وَمَسْئُول غَدا عَن كل دِرْهَم من أَيْن وَلم وَفِي أَيْن فَمَا قسم لِعِيَالِهِ كَانَ مثل مَا قسم لغيره فَإِنَّهُ إِحْدَى نَوَائِب الْحق وَلِأَن نفوس أَزوَاجه كَانَت لَا تطمئِن إِلَّا على الْإِحْرَاز فَلم يكلفهن مَا لَيْسَ ذَلِك لَهُنَّ مقَام وَإِنَّمَا زجر بِلَالًا فِي حَدِيثه لِأَنَّهُ قَالَ خبأته لَك وَكَذَلِكَ أم أَيمن وَأم سَلمَة فَإِنَّهَا قَالَت خبأته لَك

стр. 50

فَأَما عِيَاله فقد كَانَ يبْعَث إِلَيْهِم بِمَا يبْقى عِنْدهم أَيَّامًا فَأَما أم اسماعيل فَإِن فعلهَا كَانَ فِي حَال الضَّرُورَة فَلَمَّا زَالَت الضَّرُورَة أَخَذتهَا عجلة النَّفس فَجَعَلته فِي الْوِعَاء فَامْتنعَ مَا ظهر فَانْقَطع المدد وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك بدؤه من الْكِرَام فَلَو تَلقاهُ كرم الْآدَمِيَّة لَكَانَ شكرا والشاكر يسْتَحق الْمَزِيد ولكان يجْرِي وَلَا يَنْقَطِع المدد وَلكنهَا تَلَقَّتْهُ بلؤم النَّفس فَإِن النَّفس لئيمة فتراجع الْكَرم وَأعْرض موليا لما لم يجد لَهُ قَابلا يحسن قبُوله وَكَانَت تِلْكَ عين سوغ الله لَهَا مخرجها من الْجنَّة إِلَى تِلْكَ الْبقْعَة من دَار الدُّنْيَا وَبعث جِبْرَائِيل ﵇ فَكَانَت مِنْهُ هزمة بعقبه فانبعث المَاء فَكَانَ ذَلِك من كرم رَبنَا عاملها على بغيتها فَكَانَ اللَّائِق بِهَذَا الْفِعْل أَن تَأْخُذ مِنْهَا حَاجَتهَا على تؤدة وإناءة وسعة صدر وحياء وتكرم وتعفف وَتَذَر مَا بَقِي بَين يَدي من أجراه حَتَّى تنظر مَا يدبر فِيهِ فَلَمَّا عجلت وَأخذت تدبر لنَفسهَا فعلت فعلا غير لَائِق بكرم رَبنَا عز اسْمه وجلت قدرته وَرَحمته وَمِثَال ذَلِك فِي الْآدَمِيّين مَوْجُود فِيمَا بَينهم فَلَو أَن ملكا من مُلُوك الدُّنْيَا نظر إِلَيْك فِي وَقت حَاجَتك إِلَى شَيْء فرحمك كَأَنَّهُ رآك جائعا فَهَيَّأَ لَك مائدة عَلَيْهَا ألوان الطَّعَام لتأْخذ مِنْهَا حَاجَتك فَجعلت تَأْكُل لقْمَة وتضع لقْمَة تَحت الْمَائِدَة تخزنها لنَفسك أَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يضعك عِنْده وَلَو نظر إِلَيْك وَقت حَاجَتك إِلَى كسْوَة فَفتح عَلَيْك بَاب خزانته لتكتسي مِنْهَا كسوتك فَرفعت مِنْهَا كسوتك ثمَّ مددت يدك بالعجلة والحرص إِلَى أَثوَاب لتخزنها فَرفعت مِنْهَا فِي بَيْتك وعندك أَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يضعك عِنْده وأريته من نَفسك أَنَّك اتهمته على نَفسك فَأَنت إِذا نطقت وَقلت أَنْت خير لي من نَفسِي ألم يكن يضع ذَلِك القَوْل مِنْك على الهذيان وَيَقُول فِي نَفسه فَإِن كنت أَنا خيرا لَك من نَفسك فَمَا الَّذِي حملك على أَن مددت يدك إِلَى مَا لَا تحْتَاج إِلَيْهِ من الفضول تُرِيدُ أَن تخزنه لنَفسك دوني فَإِذا كَانَ هَذَا سمجا قبيجا عِنْد مُلُوك الدُّنْيَا فَكيف بِمن يُعَامل رب الْعَالمين بِمثل هَذَا فَكلما أَعْطَاك من الدُّنْيَا شَيْئا فتناولته

стр. 51

على غير حد الْأَمَانَة فَأَنت فِي هَذَا اللؤم من الْفرق الى الْقدَم حَتَّى تَأْخُذهُ على سَبِيل أَنه مَاله ائتمنك عَلَيْهِ لتصرفه فِي نَوَائِب حُقُوقه فَأول حُقُوقه نَفسك وَعِيَالك ثمَّ أرحامك وجيرتك ثمَّ نَوَائِب الْحق الَّتِي تنوبك وَاحِد على اثر وَاحِد وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ حَيْثُ سُئِلَ فَقيل يَا رَسُول الله إِنِّي أصبت دِينَارا قَالَ أنفقهُ على نَفسك قَالَ أصبت آخر فَلم يزل يَقُول أصبت آخر وَهُوَ يَأْمُرهُ بصرفه فِي وَجه حَتَّى كَانَ فِي السَّابِعَة قَالَ أصبت آخر قَالَ أنفقهُ فِي سَبِيل الله وَذَلِكَ أخسهن وأدناهن أجرا فَإِذا تناولته على حرص وشره تناولته لغير الله فاحرازك لؤم ودناءة وظلمة يعود على الْقلب ودنس على الْفُؤَاد وسقم فِي الْإِيمَان وسم فِي الطَّاعَات وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا سلمَان قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك صِحَة فِي إِيمَان فَهَل يَأْمُرهُ بسؤال الصِّحَّة فِي الْإِيمَان إِلَّا من سقم لِأَنَّهُ رأى فِي سلمَان مَا قَالَ إِن النَّفس إِذا أحرزت قوتها اطمأنت فَمن كَانَت نَفسه مطمئنة بالأحوال فَهَذَا سَبيله وَمن كَانَت نَفسه مطمئنة بربه فَلَو أعْطى الدُّنْيَا إِلَيْهَا كلهَا لم يلْتَفت إِلَيْهَا وَكَانَ عَيناهُ إِلَى ربه وسكونه إِلَيْهِ وَكَانَ فعل أبي بكر ﵁ يدل على أَنه مِمَّن هُوَ بِهَذَا مَوْصُوف وَرُوِيَ لنا أَن أَبَا بكر ﵁ تَلا هَذِه الْآيَة بَين يَدي رَسُول الله ﷺ ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية﴾

стр. 52

فَقَالَ مَا أحسن هَذَا يَا رَسُول الله فَقَالَ يَا أَبَا بكر أما أَن الْملك سيقولها لَك عِنْد الْمَوْت فَهَذِهِ نفس رضيت عَن الله تَعَالَى بِجَمِيعِ مَا دبر لَهَا من المحبوب وَالْمَكْرُوه لِأَنَّهَا لذت بجوار الله تَعَالَى وقربه فَلَهَتْ عَن لذاتها الدنياوية فَرضِي الله عَنْهَا وبشرت عِنْد الْمَوْت بذلك فَأَما قَوْله لكَانَتْ زَمْزَم عينا معينا أَي مرئيا ظَاهرا تجْرِي والمعين أَن يعاين بالعيون مَعْنَاهُ أَنه لَا يركد وَلَكِن يجْرِي حَتَّى يعاينوه فَبَقيَ عينا وَلبس بِمعين لفعل أم إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 53

- الأَصْل الْحَادِي عشر - فِي حد التَّأْدِيب فِي المماليك عَن ابْن عمر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا تضربوا الرَّقِيق فانكم لَا تَدْرُونَ مَا توافقون قد ندب الله تَعَالَى الْعباد إِلَى تَأْدِيب أَهْليهمْ فَقَالَ ﴿قوا أَنفسكُم وأهليكم نَارا وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ فوقايتك نَفسك وَأهْلك أَن تعظها وتزجرها عَن عمل يوردها النَّار وتقيم أودهم بأنواع الْأَدَب فَمن الْأَدَب الْوَعيد وَمِنْه الضَّرْب وَحبس الْمَنَافِع وَمِنْه الرِّفْق والعطية والنوال وَالْبر فَإِن ذَلِك رُبمَا كَانَ ادّعى لَهُم من الْوَعيد وَالضَّرْب وَبَين النُّفُوس تفَاوت فَنَفْس تضرع وتخضع بِالْبرِّ والعطية وَنَفس تضرع وتخضع بالغلظة والشدة وَلَو اسْتعْملت مَعهَا الرِّفْق وَالْبر لأفسدتها وَنَفس بِالْعَكْسِ من ذَلِك وَقد جعل الله تَعَالَى الْحُدُود أدبا

стр. 54

لِعِبَادِهِ ومزجرة للآخرين وَمن دون الْحُدُود التَّعْزِير على قدر مَا يأْتونَ من الْمُنكر وَقد جعل الله تَعَالَى ممر الْمُوَحِّدين إِلَى الْجنَّة على النَّار فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ الْآيَتَيْنِ فأدب الْأَحْرَار إِلَى السُّلْطَان وأدب العبيد والمماليك وَالْأَوْلَاد إِلَى السادات والآباء وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لِأَن يُؤَدب أحدكُم وَلَده خير لَهُ من أَن يتَصَدَّق كل يَوْم بِنصْف صَاع وَقَالَ ﷺ مَا نحل وَالِد وَلَده أفضل من أدب حسن وَقَالَ ﷺ إِذا زنت أمة أحدكُم فليجلدها

стр. 55

فَأَما قَول رَسُول الله ﷺ لاتضربوا الرَّقِيق فخليق أَن يكون إِنَّمَا نهى عَن ضَربهمْ على غضب الْمولى لنَفسِهِ فِي نفع أَو ضرّ لَا لله تَعَالَى وَأما إِذا ضربه تأديبا ليقومه لِئَلَّا يَعْصِي الله تَعَالَى فِي أُمُوره وَلِئَلَّا يعْصى الْمولى فِي أُمُوره اللَّازِمَة لَهُ فَإِن عصيانه وتضييع أُمُوره مَعْصِيّة لله تَعَالَى فَذَاك مِمَّا يجب عَلَيْهِ وَهُوَ دَاخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قوا أَنفسكُم وأهليكم نَارا﴾ عَن زيد بن أسلم ﵁ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله مَا تَقول فِي ضرب المماليك قَالَ إِن كَانَ ذَلِك فِي كنهه وَإِلَّا قيد مِنْكُم يَوْم الْقِيَامَة قيل يَا رَسُول الله مَا تَقول فِي سبهم قَالَ مثل ذَلِك قيل يَا رَسُول الله فَإنَّا نعاقب أَوْلَادنَا ونسبهم قَالَ إِنَّهُم لَيْسُوا مثل أَوْلَادكُم إِنَّكُم لَا تتهمون على أَوْلَادكُم عَن عبيد الله بن رِفَاعَة بن رَافع الزرقي عَن أَبِيه رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله كَيفَ ترى فِي رقيقنا أَقوام مُسلمُونَ يصلونَ صَلَاتنَا وَيَصُومُونَ صيامنا نضربهم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يُوزن ذنبهم وعقوبتكم إيَّاهُم فَإِن كَانَت عقوبتكم أَكثر من ذنبهم أخذُوا مِنْكُم قَالَ أَفَرَأَيْت سبنا إيَّاهُم قَالَ يُوزن ذنبهم وأذاكم إيَّاهُم فَإِن كَانَ أذاكم أَكثر اعطوا مِنْكُم قَالَ الرجل مَا اسْمَع عدوا أقرب إِلَى مِنْهُم

стр. 56

فَتلا رَسُول الله ﷺ وجعنا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبك بَصيرًا فَقَالَ الرجل أَرَأَيْت يَا رَسُول الله وَلَدي أضربه قَالَ إِنَّك لَا تتهم فِي ولدك لَا تطيب نفسا تشبع وتجوع وتكتسى وتعرى عَن زِيَاد بن أبي زِيَاد ﵁ قَالَ جَاءَ رجل فَقَالَ يارسول الله إِن لي مَالا وَإِن لي خدما وَإِنِّي أغضب فأعزم وأشتم وأضرب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ توزن ذنُوبه بعقوبتك فَإِن كَانَت سَوَاء فَلَا لَك وَلَا عَلَيْك وَإِن كَانَت الْعقُوبَة أَكثر فَإِنَّمَا هُوَ شَيْء يُؤْخَذ من حَسَنَاتك يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ الرجل أوه أوه يُؤْخَذ من حسناتي قَالَ فحسبت مَاذَا ألم تسمع إِلَى قَول الله ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾ فَحَدِيث ابْن عمر ﵄ لَا تضربوا الرَّقِيق مَحْمُول على أَنه لَا يضْربهُ للتشفي من غيظه فَإِنَّهُ لَا يدرى مَا يُوَافق الضَّرْبَة من أَعْضَائِهِ فَرُبمَا وَقعت على عين ففقأها وَرُبمَا وَقعت على عُضْو فَكَسرهُ وَرُبمَا وَقعت على صدر أَو خاصرة فَقتل أما التَّأْدِيب لله تَعَالَى فَهُوَ تَقْوِيم للملوك وَهُوَ مأجور عَلَيْهِ وَقد قَالَ ﷺ كلكُمْ رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته

стр. 57

وَمن أدب لله تَعَالَى فَمَاتَ فِي ذَلِك الْأَدَب لم يؤاحذ بِهِ إِذا كَانَ ذَلِك حدا مَعْلُوما فَضَربهُ وَلم يُجَاوز وَلم يَتَعَدَّ فِيهِ وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من لاءمكم من رقيقكم فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تطْعمُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تكتسون وَمن لَا فبيعوهم وَلَا تعذبوا خلق الله فالضرب الْمَحْمُود مَا كَانَ لله تَعَالَى وَالضَّرْب الْمَحْجُور مَا كَانَ للنَّفس وَالنَّاس فِي هَذَا على طَبَقَات فَمن كَانَ قلبه لله تَعَالَى أمكنه أَن يؤدبه فِي أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لله تَعَالَى وَمن لم يكن قلبه لله تَعَالَى وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ هَوَاهُ وَنَفسه لم يُمكنهُ أَن يضْربهُ إِلَّا فِي أَمر الدّين فَقَط حَتَّى يكون لله تَعَالَى وَأما فِي أَمر الدُّنْيَا من ضرّ أَو نفع فَلَا قوام لَهُ فِي تأديبه لِأَنَّهُ إِنَّمَا يغْضب لنَفسِهِ أَلا ترى أَنه لما ارْتَفَعت التُّهْمَة فِي شَأْن الْوَلَد ذهب الْقصاص لِأَن ذَلِك لله تَعَالَى وَذهب نصيب النَّفس وَكَذَا الْيَتِيم وَعَن بِلَال ﵁ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله إِن فِي حجري يَتِيما أَفَأَضْرِبهُ قَالَ نعم مِمَّا تضرب مِنْهُ ولدك

стр. 58

- الأَصْل الثَّانِي عشر - فِي تَعْجِيل إِعْطَاء اجرة الْأَجِير عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أعْط الْأَجِير أجره من قبل أَن يجِف عرقه وَذَلِكَ أَن أجرته عمالة جسده وَجَاء عَن رَسُول الله ﷺ فَمَا يحْكى عَن الله أَنه قَالَ ثَلَاثَة أَنا خصمهم وَمن كنت خَصمه خصمته من بَاعَ حرا وَأكل ثمنه أَو ظلم أَجِيرا أجره أَو ظلم امْرَأَة مهرهَا فَهَؤُلَاءِ كلهم أَحْرَار وَهِي أَثمَان نُفُوسهم فخصمهم مالكهم فَلذَلِك أَمر بتعجيل أجره لِأَنَّهُ عجل منفعَته وَمن شَأْن الباعة إِذا سلمُوا الْمَبِيع قبضوا الثّمن عِنْد التَّسْلِيم فَهَذَا أَحَق وَأولى إِذا كَانَ ثمن مهجته لَا ثمن سلْعَته

стр. 59

- الأَصْل الثَّالِث عشر - فِي الْعين المؤمنة إِذا رَأَتْ مُنْكرا عَن الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَنْبَغِي لعين مُؤمنَة ترى أَن يعْصى الله تَعَالَى فَلَا تنكر عَلَيْهِ فالإيمان قد اشْتَمَل على الْجَوَارِح السَّبع اللائي أَخذ عَلَيْهِنَّ الْعَهْد والميثاق وائتمن العَبْد عَلَيْهِنَّ ووكل برعايتهن ومستقره فِي الْقلب والشهوة فِي النَّفس وسلطانها فِي الصَّدْر ثمَّ يتَأَدَّى الى هَذِه الْجَوَارِح السَّبع فَمن صدق الْإِيمَان أَن يكون سُلْطَان كل حارجة منطفئا بِمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من سُلْطَان الْإِيمَان فَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد ملك نَفسه فَلَا يسْتَعْمل شَهْوَة بجارحة من الْجَوَارِح السَّبع إِلَّا فِيمَا أذن الله لَهُ فِيهِ وَإِذا رأى غَيره يستعملها فِيمَا لم يَأْذَن بِهِ الله أنكرهُ وَالْإِنْكَار على ثَلَاثَة منَازِل فمنكر بِقَلْبِه وَلسَانه وَيَده ومنكر بِقَلْبِه وَلسَانه ومنكر بِقَلْبِه وَرُوِيَ ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الْجِهَاد ثَلَاثَة جِهَاد بِالْيَدِ وَاللِّسَان وَالْقلب وَجِهَاد بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان وَجِهَاد بِالْقَلْبِ وَذَلِكَ

стр. 60

أَضْعَف الْإِيمَان فَأول مَا يكل جِهَاد الْيَد ثمَّ جِهَاد اللِّسَان ثمَّ جِهَاد الْقلب حَتَّى لَا يُنكر مُنكر عَن ابْن مَسْعُود ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا كَانَ لله نَبِي إِلَّا وَله حواريون يهْدُونَ بهديه ويستنون بسنته ثمَّ يكون من بعده خلوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ويعملون مَا يُنكرُونَ فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك مِثْقَال حَبَّة من الْإِيمَان وَهُوَ كَمَا وصف رَسُول الله ﷺ عَن شَأْن بني إِسْرَائِيل حِين أحدثت الْمُلُوك فِي دينهم الْأَحْدَاث وَأَن أهل الْهدى صَارُوا ثَلَاث فرق وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي الأَصْل الْخَامِس فِي الحَدِيث الَّذِي نهى عَن القزع فِيهِ وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَيْسَ لمُؤْمِن أَن يذل نَفسه قَالُوا وَكَيف يذل نَفسه قَالَ يتَكَلَّف من الْبلَاء مَا لَا يُطيق مَعْنَاهُ إِذا علم أَنه إِن غيرالمنكر على الْقوي ابتلى بِهِ كف عَنهُ وَأنكر بِقَلْبِه لِأَن مَا يفْسد أَكثر مِمَّا يصلح

стр. 61

عَن أبي أُميَّة الشَّعْبَانِي ﵁ قَالَ سَأَلت أَبَا ثَعْلَبَة الْخُشَنِي عَن هَذِه الْآيَة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾ فَقَالَ لي لقد سَأَلت عَنْهَا خَبِيرا سَأَلت عَنْهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا أَبَا ثَعْلَبَة ائْتَمرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهوا عَن الْمُنكر فَإِذا رَأَيْت دنيا مُؤثرَة وشحا مُطَاعًا وَإِعْجَاب كل ذِي رَأْي بِرَأْيهِ فَعَلَيْك نَفسك فَإِن من بعدكم أَيَّام الصَّبْر المتمسك يَوْمئِذٍ بِمثل الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ لَهُ كَأَجر خمسين عَاملا قَالُوا يَا رَسُول الله كأجرخمسين عَاملا مِنْهُم قَالَ لَا بل مِنْكُم وَقَالَ رَسُول الله ﷺ المتمسك بِسنتي عِنْد اخْتِلَاف أمتِي كالقابض على الْجَمْر

стр. 62

- الأَصْل الرَّابِع عشر - فِي سر قَوْله ﷺ لَا تأمنن على أحد بعدِي عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا عُبَيْدَة لَا تأمنن على أحد بعدِي كَانَ رَسُول الله ﷺ مأمن الْخلق ومفزعهم لَهُ عطف الْآبَاء وشفقة الْأُمَّهَات وَرَحْمَة الوالدات وَشهد الله لَهُ فِي تَنْزِيله أعظم شَهَادَة فَقَالَ عز من قَائِل عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم قد حشي بالرأفة وَالرَّحْمَة والنصيحة لله تَعَالَى فِي خلقه واسنتار قلبه بِنور الله تَعَالَى فدقت الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا فِي عينه وَصغر عِنْده بذل نَفسه لله فِي جنب الله فَكَانَ مفزعا وَكَانَ مأمنا وَكَانَ غياثا وَكَانَ رَحْمَة وَكَانَ أَمَانًا فَأَما المفزع فَقَالَ فِي تَنْزِيله عز من قَائِل وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول لوجدوا الله تَوَّابًا رحِيما

стр. 63

وَفِي المأمن قَوْله ﴿مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ وَفِي الغياث قَوْله تَعَالَى ﴿وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا﴾ وَفِي الرَّحْمَة قَوْله تَعَالَى وَمَا أرسناك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين وَفِي الْأمان قَوْله تَعَالَى وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم وَلَيْسَ لأحد بعد الرَّسُول ﷺ هَذَا الْمقَام صديقا كَانَ أَو فاروقا أَو أَمينا فَلذَلِك قَالَ لَا تأمنن على أحد بعدِي أَي كأمنك عَليّ فَلَيْسَ لمن بعده عصمَة الرُّسُل ﵈ أَلا ترى أَن أَبَا بكر ﵁ خطب النَّاس فَقَالَ إِن لي شَيْطَانا يَعْتَرِينِي فاجتنبوني إِذا غضِبت لَا أوثر فِي أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وَإِذا زِغْت فقوموني وَقيل لرَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد وكل بِهِ قرينه من الشَّيْطَان قَالُوا ومعك يَا رَسُول الله قَالَ وَمَعِي وَلَكِن الله أعانني عَلَيْهِ فَأسلم وَكَانَ الله عصمه وأقامه على أدب الْقُرْآن وَقَالَ ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾

стр. 64

وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه أَرَادَ قتل بعض الْمُشْركين العتاة وَكَانَ أَمرهم أَن يقتلوه وَإِن وجدوه مُتَعَلقا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فجَاء بِهِ عُثْمَان ﵁ يسْأَل لَهُ الْأمان فَسكت رَسُول الله ﷺ ثمَّ سَأَلَهُ فَسكت ثمَّ سَأَلَهُ ثَالِثَة فَأعْطَاهُ الْأمان وَقَالَ انتظرت أَن يقوم أحدكُم فَيضْرب عُنُقه قَالُوا فَهَلا أَو مأت يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّه لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ أَن يكون لَهُ خَائِنَة عين وَعَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يلْتَفت وَرَاءه إِذا مَشى وَرُبمَا تعلق رِدَاؤُهُ بالشَّيْء أَو بِالشَّجَرِ فَلَا يلْتَفت حَتَّى يضعوه عَلَيْهِ لأَنهم كَانُوا يمزحون وَيضْحَكُونَ فَكَانُوا قد أمنُوا التفاته عَن هِنْد بن أبي هَالة قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا الْتفت التفتوا جَمِيعًا

стр. 65

- الأَصْل الْخَامِس عشر - فِي تَحْقِيق التهديد على زوارات الْقُبُور عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ قَالَ قبرنا مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْمًا فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله ﷺ انصرفنا مَعَه فَلَمَّا حَاذَى بَابه وقف وتوسط الطَّرِيق فَإِذا هُوَ بِامْرَأَة مقبلة لَا نظنه عرفهَا فَلَمَّا دنت إِذا هِيَ فَاطِمَة فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ مَا أخرجك يَا فَاطِمَة من بَيْتك قَالَت أتيت أهل هَذَا الْمَيِّت فرحمت إِلَيْهِم ميتهم أَو عزيتهم لَا يحفظ ربيعَة أَي ذَلِك قَالَ فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ فلعلك بلغت مَعَهم الكدا قَالَت معَاذ الله وَقد سَمِعتك تذكر فيهم مَا تذكر قَالَ لَو بلغت مَعَهم الكدا مَا رَأَيْت الْجنَّة حَتَّى يَرَاهَا جدك أَبُو أَبِيك قَالَ قُتَيْبَة الكدا الْمقْبرَة بعث الله مُحَمَّد ﷺ بمحو آثَار الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ من شَأْنهمْ إِذا مَاتَ لَهُم ميت أَن يخمشوا الْوُجُوه وينتفوا

стр. 66

الشُّعُور ويشقوا الْجُيُوب ويخرقوا الْبيُوت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ منا من حلق أَو خرق أَو سلق وَلمن فِي حَدِيث آخر ناشرات الشُّعُور واللاتي ينعون بِأَصْوَات الْحمير ونهاهم عَن زِيَارَة الْقُبُور لحداثة عَهدهم بالْكفْر لما فِي زِيَارَة الْقُبُور من الْفِتْنَة حَتَّى استحكم إسْلَامهمْ وصاروا أهل يَقِين وبر وتقوى وَصَارَت الْقُبُور لَهُم مُعْتَبرا بعد أَن كَانَ مفتتنا خلى عَنْهُم وَقَالَ ﷺ كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها فَإِن لكم فِيهَا مُعْتَبرا وَسكت عَن ذكر النِّسَاء لضعفهن ورقتهن وَسُرْعَة افتتانهن وَقَالَ ﷺ مَا رَأَيْت من نواقص عقول وَدين أغلب للرِّجَال مِنْهُنَّ فَقيل مَا نُقْصَان عقولهن ودينهن يَا رَسُول الله قَالَ أما نُقْصَان عقولهن فشهادة امْرَأتَيْنِ بِشَهَادَة رجل وَأما نُقْصَان دينهن فَترك الصَّلَاة وَالصَّوْم فِي الْحيض

стр. 67

وبايعهن رَسُول الله ﷺ يَوْم فتح مَكَّة على مَا نطق بِهِ التَّنْزِيل من قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف فبايعهن﴾ وَأخذ رَسُول الله ﷺ فِي الْبيعَة أَن لَا يَنحن عَن أم عَطِيَّة ﵂ قَالَت أَخذ علينا رَسُول الله ﷺ فِي الْبيعَة أَن لَا ننوح فَمَا وفت منا امْرَأَة إِلَّا سبع نسْوَة مِنْهُنَّ أم سليم وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يمنعهن عَن حُضُور الْجَنَائِز وَفِي حَدِيث بكار بن عبد الْعَزِيز بن أبي بكرَة عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ رأى نسْوَة فِي جَنَازَة فَقَالَ لَهُنَّ ارْجِعْنَ مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات عَن أنس ﵁ قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي جَنَازَة فَرَأى نسْوَة فَقَالَ أتحملنه قُلْنَ لَا قَالَ أتدفنه قُلْنَ لَا قَالَ فارجعن مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لعن رَسُول الله ﷺ زوارات الْقُبُور والمتخذين عَلَيْهَا الْمَسَاجِد والسرج فَبَقيَ الْخطر عَلَيْهِنَّ إِلَى آخر الدَّهْر فَإِن تخلت امْرَأَة عَن هَذِه الْأُمُور فَأَتَت قبرا لترمه أَو تسلم أَو تَدْعُو أَو تعْتَبر وَقد أمنت نَاحيَة نَفسهَا ذَلِك وَمَاتَتْ شهوتها وإنقطعت فتنتها فَهِيَ خَارِجَة من النَّهْي

стр. 68

وَرُوِيَ عَن فَاطِمَة ﵂ أَنَّهَا كَانَت تَأتي قبر حَمْزَة ﵁ فِي كل عَام فترمه وتصلحه وَرُوِيَ عَن غير وَاحِدَة من النِّسَاء أَنَّهَا كَانَت تَأتي قُبُور الشُّهَدَاء فتسلم عَلَيْهِم فَأَما مرمة الْقَبْر فلئلا يدرس أَثَره فينبش عَنهُ لِأَنَّهُ إِذا ذهب أَثَره حفر عَنهُ لمَيت آخر وَلِأَن الْمُسلم على الْأَمْوَات وزائرهم يخفى عَلَيْهِ إِذا ذهب رسمه فَتبْطل الزِّيَارَة وَهِي حق من الْحُقُوق لَيْسَ كَالَّذي يسلم من بعد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من زار قبر أَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا فِي كل جُمُعَة مرّة غفر لَهُ وَكتب برا عَن ابْن عمر ﵁ قَالَ من زار قبر أَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا احتسابا كَانَ كَعدْل حجَّة مبرورة وَمن كَانَ زوارا لَهما زارت الْمَلَائِكَة قَبره وَالتَّشْدِيد الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيث فَاطِمَة نرَاهُ فِي بَدْء الْأَمر وَلَا نعلم ذَلِك يحرم الْجنَّة لَكِن مَعْنَاهُ أَن من فعل ذَلِك كَانَ يخَاف عَلَيْهِ أَن يسلبه الله الْإِسْلَام فَإِذا سلبه لم ير الْجنَّة أبدا وَأعظم نعْمَة لله تَعَالَى على عَبده الْإِسْلَام وللإسلام سنَن ومنار كمنار الطَّرِيق فَإِذا عمل عملا يكون فِيهِ إحْيَاء سنَن الْجَاهِلِيَّة الَّتِي أطفأها الله تَعَالَى بِسيف رَسُول الله ﷺ فقد كفر منَّة الْإِسْلَام والكفور ممقوت غير مَأْمُون عَلَيْهِ السَّلب فَكَانَ إتْيَان الْمَقَابِر من سنَن الْجَاهِلِيَّة فغلظ الزّجر لتَمُوت تِلْكَ السّنَن

стр. 69

- الأَصْل السَّادِس عشر - فِي أَن الْوُرُود فِي النارالدخول عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْوُرُود الدُّخُول لَا يبْقى بر وَلَا فَاجر إِلَّا دَخلهَا فَتكون على الْمُؤمنِينَ بردا وَسلَامًا كَمَا كَانَت على إِبْرَاهِيم ﵇ حَتَّى ان للنار ضَجِيجًا من بردهمْ ثمَّ يُنجي الله الَّذين اتَّقوا ويذر الظَّالِمين فِيهَا جثيا كَأَن الله تَعَالَى أحب أَن يَجْعَل ممر الْمُؤمنِينَ فِيهَا كي إِذا نَجوا مِنْهَا علمُوا من أَيْن نَجوا وَلَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة وَإِذا وردوا دَار السَّلَام علمُوا أَيْن حلوا فالشيء إِنَّمَا يعرف بضده ويعظم قدره وَلذَلِك قَالُوا عِنْد دُخُول الْجنَّة الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن أَي حزن قطع النيرَان الَّتِي خلص مِنْهَا وَجعلهَا بردا وَسلَامًا وَعَلمُوا أَنهم لم يحلوا دَار المقامة إِلَّا من فَضله وانهم لم يستوجبوا ذَلِك مِنْهُ وَكَأَنَّهُ أحب أَن يبرز فضل الصَّادِقين وبذلهم أنفسهم لَهُ وليأخذ بِحقِّهِ من الطَّبَقَة الَّتِي آثرت شهوات نفوسها بتضييع الْحق وهم أهل لَا إِلَه إِلَّا الله حَتَّى تنتقم النَّار

стр. 70

مِنْهُم مُدَّة ثمَّ تُدْرِكهُمْ رَحْمَة الله وَقد محصوا ونقوا وصلحوا لدار السَّلَام وليجوز الصادقون وهم لَا يَشْعُرُونَ بالنَّار قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ وَإِنَّمَا بعدوا عَنْهَا لِأَن نور الْإِيمَان وَبرد الْيَقِين احتملهم واحتواهم فهم يمضون فِي النَّار حَتَّى إِذا خَرجُوا مِنْهَا قَالَ بَعضهم لبَعض أَلَيْسَ قد وعدنا رَبنَا أَن نرد النَّار قَالُوا بلَى وَلَكِن مررتم بهَا وَهِي خامدة لِأَن الرَّحْمَة أظلتهم حَتَّى أشرف نور الْإِيمَان فِي قُلُوبهم فخمدت النَّار من برد يقينهم وَلذَلِك نسب الْبرد إِلَى الْمُؤمنِينَ وَأما ضجة النَّار فَمن أجل أَنَّهَا خلقت منتقمة من أهل الْغَفْلَة وحشيت بغضب الله فَإِذا جَاءَ الْمُؤمن بنوره وبرده ضجت النَّار مَخَافَة أَن تبرد فتضعف عَن الانتقام عَن يعلى بن مُنَبّه ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن النَّار لتنادي جز يَا مُؤمن فقد أطفأ نورك لهبي والنجاة من الله تَعَالَى للْعَبد فِي هَذَا الموطن على قدر مَحَله عِنْده وَمحله على قدر مَا من الله عَلَيْهِ من الْمعرفَة بِهِ وَهُوَ الْيَقِين الَّذِي جعل لَهُ من ذَلِك حظا عَن السّديّ عَن عبد الله ﵁ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 71

أَنه قَالَ يرد النَّاس النَّار ثمَّ يصدرون عَنْهَا بأعمالهم فأولهم كلمح الْبَرْق ثمَّ كَالرِّيحِ ثمَّ كحضر الْفرس ثمَّ كالراكب فِي رحْلَة ثمَّ كشد الرجل ثمَّ كمشيه ثمَّ كحبوه وَإِنَّمَا ذكر الْأَعْمَال لِأَنَّهَا ظَاهِرَة وَالظَّاهِرَة محنة الْبَاطِن وَمَا فِي الْقُلُوب غيب إِلَّا عَن خَالق الْغَيْب وَالظَّاهِر شَاهد ينبىء عَمَّا فِي الْبَاطِن

стр. 72

- الأَصْل السَّابِع عشر - فِي أَن الدُّنْيَا أَسحر من هاروت وماروت عَن عبد الله بن بسر الْمَازِني ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اتَّقوا الدُّنْيَا فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ أَنَّهَا لأسحر من هاروت وماروت هاروت وماروت ليسَا من جنس الْآدَمِيّين وَالشَّيْء إِنَّمَا يألف جنسه والآدمي خلق من الدُّنْيَا فَهُوَ يألفها وينخدع لَهَا وهاروت وماروت لَا يعلمَانِ أحدا السحر حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة فَلَا تكفر فَهَذَا يعلمك سحره وينبئك فتنته وَالدُّنْيَا تعلمك سحرها وتكتمك فتنتها وتدعوك إِلَى التحارص عَلَيْهَا وَالْجمع لَهَا وَالْمَنْع مِنْهَا فيتعلم مِنْهَا مَا يفرق بَينه وَبَين طَاعَة الله وَبَينه وَبَين رُؤْيَة الْحق ورعايته ومحبتها

стр. 73

تلذذك بشهواتها وتمنيك بأمانيها الكاذبة حَتَّى تَأْخُذ بقلبك وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ حبك الشَّيْء يعمي ويصم فَمن أحب الدُّنْيَا أعمته وأصمته عَن آخرته وَمن أحب الْآخِرَة أعمته وأصمته عَن دُنْيَاهُ وَمن أحب نَفسه أعمته وأصمته عَن الله وَمن أحب الله أعماه وأصمه عَن نَفسه فَإِن الدُّنْيَا تحجب عَن الْآخِرَة وَالنَّفس تحجب عَن الله ودنياه إِنَّمَا هِيَ نَفسه وشهواتها فسحرها أقرب إِلَيْهِ من سحر هاروت وماروت فسحر نَفسه ودنياه أُصَلِّي وسحر هاروت وماروت دخيل وَلَيْسَ الدخيل كالأصلي

стр. 74

- الأَصْل الثَّامِن عشر - فِي كَيْفيَّة الِاحْتِرَاز عَن الشَّيْطَان عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الْمُؤمن ينضى شَيْطَانه كَمَا ينضى أحدكُم بعيره فِي السّفر فالمؤمن قد وكل بِهِ قرينه من الشَّيْطَان وَإِنَّمَا يحْتَرز مِنْهُ بِاللَّه تَعَالَى فَإِذا اعْترض لِقَلْبِهِ احْتَرز بمعرفته وَإِذا اعْترض لنَفسِهِ وهيأ شهواته احْتَرز بِذكر الله وَإِذا اعْترض لاموره وأحواله احْتَرز باسمه فَهُوَ أبدا نضو وَقيد زجر بِهِ فالبعير يتجشم فِي سَفَره أثقال حمولته وَمَعَ ذَلِك النصب يجوع ويظمأ وَمَعَ ذَلِك مرَاعِي مُخْتَلفَة ومياه رنقة غير عذبة فَإِنَّمَا صَار نضوا بِهَذِهِ الْأَحْوَال فَكَذَلِك شَيْطَان الْمُؤمن يتجشم

стр. 75

أثقال غيظه من الْمُؤمن لما يرى من الطَّاعَة وَالْوَفَاء لله تَعَالَى وَإِذا أَرَادَ أَن يشركهُ فِي طَعَامه وَشَرَابه ولباسه ومنامه ومجلسه ومتصرف أَحْوَاله زَجره وطرده عَنهُ بِالتَّسْمِيَةِ فَوقف مِنْهُ بمزجر الْكَلْب نَاحيَة فَإِذا أَرَادَ أَن ينفره عَنهُ نطق بالوحدانية وَهِي الْكَلِمَة الْعليا الَّتِي يَهْتَز الْعَرْش لَهَا فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِذا سَمعهَا انتكس فَصَارَ أَعْلَاهُ أَسْفَله وَولى على وَجهه هَارِبا إِلَى رسه وَذَلِكَ قَوْله ﴿وَإِذا ذكرت رَبك فِي الْقُرْآن وَحده ولوا على أدبارهم نفور﴾ رُوِيَ عَن أبي الجوزاء أَنه قَالَ لَيْسَ شَيْء أطْرد لَهُ من الْقلب من قَول لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ تَلا ﴿وَإِذا ذكرت رَبك فِي الْقُرْآن﴾ الْآيَة عَن عَمْرو بن مَالك ﵁ قَالَ قَرَأت فِي التَّوْرَاة إِن سرك أَن تحيي وتبلغ علم الْيَقِين فاحتل فِي كل حِين أَن تغلب شهوات الدُّنْيَا فَإِنَّهُ من يغلب شهوات الدُّنْيَا يفزع الشَّيْطَان من ظله عَن سديسة مولاة حَفْصَة رَضِي عَنْهُمَا قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا لَقِي الشَّيْطَان عمر قطّ إِلَّا خر لوجه عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ مَا لَقِي الشَّيْطَان عمر فِي فج فَيسمع صَوته إِلَّا أَخذ فِي غَيره
следующие страницы →