← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 1226–1237 · переход к 1231.

стр. 1226

وَكَذَا فَوقف بَين يَدي الله قَائِما على المَاء شاخصا ببصره إِلَى السَّمَاء وَهُوَ يَقُول يَا رب إِن أَنْت أهنت عَبدك الْخضر بعد كرامته فَمن يُكرمهُ يَا رب ارْتكب عَظِيما وَحمل ثقيلا وخان نَفسه وَنسي الْعَهْد يَا من لَا ينسى كل مَا كَانَ وَيكون من أَمر عباده أذكر عِنْد ذنُوب الْخضر مَا مننت بِهِ عَلَيْهِ من أَنْوَاع طَاعَتك وعظيم عِبَادَته إياك يَا من نَاصِيَة الْخضر بِيَدِهِ يَا من لَيْسَ لَهُ حراك نفس وَلَا عصمتها وَلَا طرفَة عين إِلَّا بِأَمْرك ومشيئتك وقدرتك يَا رب فَاغْفِر لَهُ مَا قدرت عَلَيْهِ من معصيتك وَقدر عَلَيْهِ طَاعَتك فَإِنَّهَا تذْهب معصيتك يَا رب فَاسْتَجَاب الله لَهُ وخلص الْخضر مِمَّا كَانَ ابْتُلِيَ بِهِ من الْعقُوبَة قَالَ فَرفع الْخضر رَأسه وأتى من سَاعَته سادون وَهُوَ يَقُول يَا سادون الْمَمْنُون عَليّ بمنة الله وجلاله أَيْن عَرفتنِي وَلم أعرفك يَا أخي فَقَالَ لَهُ سادون يَا خضر إِن قُلُوب أَوْلِيَاء الله زاهرة نائرة لَهَا شُعَاع كشعاع الشَّمْس تطلع على قُلُوب أَوْلِيَاء الله أَلا ترى إِلَى الشَّمْس مَا أعظم قدرهَا وَأكْثر ضوءها فَلَو غشيتها الظلمَة القليلة لأذهبت بِأَكْثَرَ ضوئها وَكَذَلِكَ قلب ولي الله صَاف طَاهِر فَلَو غشيه حب الدُّنْيَا بِقدر ذرة لأكدر ضوءها ولأضعف شعاعها فَإِذا خلص الْقلب من حب الدُّنْيَا ترَاهُ ينظر إِلَى أَوْلِيَاء الله فِي مظانهم وَقد عرفك قلبِي فو الله لَو كَانَ قَلْبك للدنيا مثل قلبِي لعرفني قَلْبك كَمَا عرفك قلبِي فَقَالَ لَهُ الْخضر يَا سادون وَكَيف قَلْبك للدنيا قَالَ بلغ من بغض الدُّنْيَا مَا لَو أَن الله تَعَالَى عرض عَليّ الدُّنْيَا وَالْجنَّة لأبيت قبولهما وَلست أُرِيد الْجنَّة مَعَ مَا أبغضها الله وَذَلِكَ أَنِّي أُؤْثِر رِضَاء الله على رضائي فَإِن رِضَاء الله ترك الدُّنْيَا ورضائي دُخُول الْجنَّة وَلَو أَن الله خيرني بَين أَن أبقى فِي الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا خَالِدا مخلدا أبدا لَا أَمُوت فِيهَا وَبَين أَن يقبضني ويدخلني النَّار السَّاعَة لاخترت أَن يقبضني ويدخلني النَّار السَّاعَة وَذَلِكَ أَنِّي أُؤْثِر سخطي على سخط الله تَعَالَى وَأَن

стр. 1227

حب الدُّنْيَا سخط الله وَدخُول النَّار سخطي أفتجد ذَلِك فِي قَلْبك يَا خضر قَالَ لَا قَالَ لَو كَانَ ذَلِك فِي قَلْبك لَكَانَ يراني قَلْبك اذْهَبْ فَلْيَكُن أَكثر عبادتك بعض مَا أبْغض الله وَهِي الدُّنْيَا لَيْسَ حب الدُّنْيَا بِجمع أموالها وشهواتها وزهرتها وَلَكِن حب الدُّنْيَا أَن يشغل قَلْبك عَن حب الْآخِرَة وَلَو طرفَة عين أبغضها بغضا لَا يكونن شَيْء أبْغض إِلَيْك مِنْهَا فَإنَّك لَا تطِيق أَن تحب الْآخِرَة إِلَّا على قدر مَا تبغض الدُّنْيَا فَقَالَ يَا سادون ادْع الله تَعَالَى أَن يَتُوب عَليّ بِمَا ارتكبت فَإِنِّي استحيي من رَبِّي أَن أَدْعُوهُ فقد حاربته مَعَ عدوه فَقَالَ سادون يَا رب قدرت على عَبدك الذَّنب فارتكب من الذَّنب مَا ارْتكب وَمَا كَانَ أَهلا لذَلِك وَهُوَ عدل مِنْك يَا رب ثمَّ قدرت لَهُ الْخَلَاص من عُقُوبَتك يَا رب وألهمته طلب التَّوْبَة من ذنُوبه يَا رب فتب عَلَيْهِ فقد عرف ذَنبه تَوْبَة مصر غير عَائِد يَا رب إِن الْخضر سَأَلَني أَن أَدْعُوك فقد دعوتك مدلا عَلَيْك بِمَا وَعَدتنِي من حسن إجابتك فِي أوليائك فَنُوديَ مر الْخضر أَن يزهد فِي الدُّنْيَا فَإِذا زهد فِي الدُّنْيَا اشتاق إِلَيّ وَمن اشتاق إِلَيّ اشْتقت إِلَيْهِ وَلَا أشتاق إِلَى من لَا أُرِيد مغفرته وَلم أَرض عَنهُ فَأخْبرهُ سادون فزهد بعد ذَلِك الْخضر زهدا لم يزهد أحد مثله وَكَانَ سادون رجلا ملاحا فَكَانَ ذَات لَيْلَة نَائِما على شط الْبَحْر إِذْ خرجت سمكتان فَوَقَعَتَا حذاءه فَسكت عَنْهُمَا سادون رَجَاء أَن يخرجَا إِلَى الْبر فيأخذهما فنادته إِحْدَاهمَا يَا سادون أبلغ حبك الدُّنْيَا أَن تطمع فِي برهَا وبحرها وَالله إِنَّك طمعت أَن تصطاد من هُوَ أعبد إِلَى الله مِنْك فنادتها صاحبتها يَا هَذِه أتمنين على سادون بعبادتك وَلم تُؤَد شكر نعْمَة أنعمها الله عَلَيْك فَقلت من أَنْتُمَا فَقَالَت الْأَخِيرَة أما الَّتِي نادتك بالْكلَام الأول منت على الله فمسخها الله الْآن فها هِيَ ذِي ممسوخة خرساء وَأما أَنا فَمن جنس السّمك الَّذِي كَانَ يُونُس بن مَتى عَلَيْهِ

стр. 1228

السَّلَام فِي بَطنهَا فَقَالَ سادون كَيفَ خصها الله بِيُونُس ﵇ من بَين دَوَاب الْبَحْر قَالَت كَانَت تعبد الله فِي الْبَحْر بزهدها قَالَ فَكيف كَانَ زهدها قَالَت كَانَت لَا تَبْرَح فَإِن أُوتيت صيدا عفوا أَكلته وَإِلَّا صبرت فَكَانَت دَوَاب الْبَحْر تسميها السَّمَكَة الزاهدة فأكرمها الله بِنَبِيِّهِ وَرَسُوله ﵇ إِكْرَاما لَهَا بزهدها فزهد سادون فِي مَكَانَهُ زهدا وأخلص لله عِبَادَته فَقَامَ من سَاعَته فَمر على المَاء فَلَمَّا توَسط الْبَحْر وقف فَلم يزل إِلَى أَن صَار إِلَى الْخضر يعبد الله ويدعوه قَالَ أَبُو عبد الله فنور هَذِه الْكَلِمَة بلغ هَذَا الْمبلغ فَإِنَّمَا بلغ بِصدق الْقَائِل وَلَو كَانَ غير الصدْق لَكَانَ الْمُنَافِق قد قَالَه وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى قد قالوها فأصدقهم فِي الْمقَال أعظمهم نورا والصدق فِي الْمقَال إِنَّمَا يظْهر من العَبْد ببذل النَّفس لله وإيثاره ربه على نَفسه فِي كل مَشِيئَة وَإِرَادَة وشهوة فَإِذا آثر الله فقد صدق الله فِي إِرَادَته ربه ورفض نَفسه فالنبي بِفضل نبوته أَرَادَ الله إِرَادَة بِزِيَادَة الْحَيَاة الَّتِي فِي قلبه وَالصديق هُوَ دون النَّبِي والشهيد دونهمَا وَهُوَ أقل حَيَاة من الصّديق وَالصديق أقل حَيَاة من النَّبِي والصالح أقل حَيَاة من الشَّهِيد وَمن حيى بِاللَّه نَالَ نور الْيَقِين فَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف على درجاتهم على مَا وَصفنَا فِي الْحَيَاة بِاللَّه وَالْيَقِين بِهِ فأوفرهم حظا من الْحَيَاة وَالْيَقِين أَشَّدهم شوقا إِلَيْهِ وَإِرَادَة لَهُ وإيثارا لَهُ على شهوات نَفسه فالنبي رَأس الشُّهَدَاء ثمَّ الصّديق من بعده ثمَّ الْقَتِيل فِي سَبِيل الله ثمَّ من بعد ذَلِك من هَذِه الْأَصْنَاف الَّتِي ذكرهَا فِي الحَدِيث وأصناف آخَرُونَ مذكورون فِي غير هَذَا الحَدِيث وَإِنَّمَا قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث الشَّهَادَة سبع وَلم يقل وَلَا يكون شَهِيدا من وَرَاء السَّبع إِنَّمَا ذكر السَّبع فِي ذَلِك الموطن ثمَّ ذكر بعد ذَلِك أَن الْغَرِيب إِذْ مَاتَ فَهُوَ شَهِيد وَمن مَاتَ مرابطا فَهُوَ شَهِيد وَمن خرج فِي طلب الْعلم فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد وَمن دَامَ على الطَّهَارَة متوضئا فَهُوَ شَهِيد وَمن مَاتَ فِي يَوْم الْجُمُعَة فَهُوَ شَهِيد

стр. 1229

عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ موت الغربة شَهَادَة عَن عبد الله بن عَمْرو أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من مَاتَ يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة وَقَاه الله فتْنَة الْقَبْر عَن ابْن عمر ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ بِمثلِهِ وَزَاد فِيهِ وغذي وريح عَلَيْهِ من الْجنَّة أَي يرزقه تَعَالَى فَأَما تَفْسِير الشَّهَادَة فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الله ﵎ اسْمه لما خلق الْمَوْت فزعت الْمَلَائِكَة مِنْهُ وَعظم شَأْنه عِنْدهم فَقَالُوا من يقوم لهَذَا فَقَالَ تَعَالَى فِيمَا رُوِيَ عَنهُ إِن لي عبادا يتمنونه حبا للقائي يتجرعون مرارته ويهون ذَلِك عَلَيْهِم اشتياقا إِلَيّ وَيَرْفُضُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا طَالِبين لي فعجبت الْمَلَائِكَة من شَأْن هَؤُلَاءِ العبيد وحنت إِلَى رُؤْيَتهمْ قَالَ فعرضت تِلْكَ الْأَرْوَاح عَلَيْهِم يَوْمئِذٍ فَمن شهد ذَلِك الْعرض يَوْمئِذٍ أثبت اسْمه وَسمي شَهِيدا أَي شُهَدَاء الْعرض وَكَانَ من أهل هَذِه الصّفة فَإِذا خرج الرّوح مِنْهُ صَار إِلَى ذَلِك المعرض وَكَانَ من الْأَحْيَاء المرزوقين فَلَمَّا صَارَت تِلْكَ الْأَرْوَاح إِلَى الأجساد فِي الدُّنْيَا كَانَت

стр. 1230

قُلُوبهم حَيَّة بِاللَّه على الصّفة الَّتِي وَصفنَا بدءا فَمنهمْ الصديقون أَوْلِيَاء الله يتمنون الْمَوْت لحب الله قَالَ الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله حِين ادَّعَت الْيَهُود ولَايَته فَقَالَ ﴿قل يَا أَيهَا الَّذين هادوا إِن زعمتم أَنكُمْ أَوْلِيَاء لله من دون النَّاس فتمنوا الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَا يتمنونه أبدا بِمَا قدمت أَيْديهم﴾ ثمَّ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف الَّذين ذكرهم فِي الحَدِيث هم فِي الْغَيْب فِي ذَلِك الْعرض قد اثبتت أَسمَاؤُهُم فِي الشُّهَدَاء لذَلِك الْمحل وَالْعرض فوفق الله لَهُم هَذِه الْأَحْوَال فَمن غرق فَأخذ المَاء بِنَفسِهِ كَانَت موتته موتَة وحية أَي سريعة بِلَا لبث فبذل نَفسه لما أيس من الْحَيَاة وَاخْتَارَ لِقَاء الله وَكَذَلِكَ صَاحب الْحَرِيق وَصَاحب الْهدم وَالنُّفَسَاء بِجمع إِذا نشب الْوَلَد فِي الْبَطن ايست من الْحَيَاة وآثرت لِقَاء الله وَكَذَلِكَ المطعون وَسُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الطَّاعُون فَقَالَ وخز أعدائكم من الْجِنّ فَذَاك قَتِيل الْجِنّ يائس صَاحبه من الْحَيَاة فَكَذَلِك المبطون وَصَاحب ذَات الْجنب وَهُوَ صَاحب السل قد أيسا من الْحَيَاة لِأَن قُوَّة الْحَيَاة قد ذهبت من المبطون والمسلول وَقد أحست نفوسهما بِالْمَوْتِ وَكَذَلِكَ الْغَرِيب إِذا أشرف على الْمَوْت فَلم ير أَهله وَولده وَلَا أحبابه تمنى الْمَوْت وبذل نَفسه لِأَن هَؤُلَاءِ إِذا كَانُوا بالحضرة اشْتَدَّ على النَّفس فراقهم فأحبوا الْحَيَاة فَفِي هَذَا نُقْصَان وَلذَلِك تعوذ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أعوذ بك من حب الْعَيْش عِنْد حَضْرَة الْمَوْت فَإِذا أحب أَن يعِيش فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي دَعَاهُ الله إِلَيْهِ فَتَلَكَّأَ وَتردد فَذَاك عيب وَنقص فأصحاب الْفرش فِي هَذَا الْعَيْب لَا يتمنون الْمَوْت إِذا حضر لحب الْعَيْش

стр. 1231

وفتنة قُلُوبهم بالأهل وَالْولد وحطام الدُّنْيَا فَذَاك نقص وعيب وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ الشُّهَدَاء أُمَنَاء الله قتلوا أَو مَاتُوا على فرشهم عَن رَاشد بن سعد ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَيْسَ كل قَتِيل شَهِيدا رب قَتِيل بَين الصفين الله أعلم بنيته فَمَاتَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ رَأس الشُّهَدَاء ثمَّ من بعده أَبُو بكر ﵁ كَذَلِك فَإِنَّهُم صَارُوا شُهَدَاء بِأَنَّهُم أُمَنَاء الله جعل الله أَرْوَاحهم وأجسادهم عَارِية فيقبضهم عِنْد نفاد آجالهم فَكَانُوا فِي أَيَّام الْحَيَاة يعدونها عَارِية وَكَانَت أَعينهم مَادَّة إِلَى الدعْوَة مَتى يدعونَ فيستجيبون بِلَا تلكؤ وَلَا تردد فَمن أحب الْعَيْش فِي الدُّنْيَا وَلم يكن لَهُ حب لِقَاء الله فحضره الْمَوْت تلكأ وَتردد فِي بذل الرّوح فَخرج من أَن يكون من أُمَنَاء الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ وضع فِيمَا بَين الْعباد لَو أَن رجلا أعطي شَيْئا عَارِية أَو أودع وَدِيعَة ثمَّ استردها صَاحبهَا فَتَلَكَّأَ هَذَا فِي ردهَا على مَالِكهَا فقد خَان وضيع الْأَمَانَة فَإِنَّمَا يُؤْخَذ مِنْهُ بعد ذَلِك قهرا فأمناء الله هم الَّذين أَرْوَاحهم عِنْدهم عَارِية بأمانة الله فهم يتمنون الْمَوْت حبا للقاء الله تَعَالَى فَإِذا جَاءَهُم الْمَوْت تجرعوا مرارته حبا للقائه وَلم يتلكأوا فِي رد العواري فَلذَلِك صَارُوا أُمَنَاء الله وَقَالَ رَسُول الله ﷺ هم الشُّهَدَاء لأَنهم كَانُوا يَوْمئِذٍ شهدُوا ذَلِك الْعرض وَالْيَوْم حِين خرجت مِنْهُم الْأَرْوَاح صَارَت إِلَى الْمحل فَشَهِدُوا الْقرْبَة فهم شُهُود عِنْد الله فِي الْقرْبَة أَحيَاء

стр. 1232

فَهَذَا يُحَقّق مَا قُلْنَا بدءا فقد صير فِي حَدِيثه الْقَتِيل وَالَّذين مَاتُوا على فرشهم بِمَنْزِلَة وَسَمَّاهُمْ شُهَدَاء يعلمك أَن الشَّهَادَة لَيست على الْقَتْل حدثت إِنَّمَا اسْم الشَّهَادَة لَزِمَهُم لما وَصفنَا والكرامة نالوها من أجل أَنهم رفضوا الْحَيَاة وآثروا لِقَاء الله وأرادوه فأرادهم وَكَذَلِكَ الَّذِي لَا يزَال على وضوء أَيَّام الدُّنْيَا لِأَن الله ﵎ قَالَ ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا﴾ أَي فعولًا للطهر ﴿لنحيي بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾ فالأرض تحيا بذلك المَاء وتنبت والآدمي خلق من الأَرْض فَإِذا أذْنب مَاتَ قلبه عَن الله على قدر ذَنبه فَإِذا تَوَضَّأ كَانَ ذَلِك المَاء الَّذِي أنزلهُ طهُورا يطهرجوارحه ويزيل عَنهُ الْمعاصِي فَيَعُود الْقلب إِلَى الْحَيَاة الَّتِي كَانَت فَإِذا دَامَ وضوؤه وتتابع كَانَت حَيَاة قلبه دائمة فَإِذا دَامَت حَيَاة قلبه تمنى الْمَوْت وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيثه لأنس إِن حفظت وصيتي فَلَا يكون شَيْء أحب إِلَيْك من الْمَوْت عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ ذكر عِنْده الشُّهَدَاء فَقَالَ إِن أَكثر شُهَدَاء أمتِي أَصْحَاب الْفرش وَرب قَتِيل بَين صفّين الله أعلم بنيته عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ من أحد إِلَّا وَله كرائم من مَاله يَأْبَى بهم الذّبْح فَإِن لله تَعَالَى خلقا من خلقه يَأْبَى بهم الذّبْح أَقوام يَجْعَل مَوْتهمْ على فرشهم وَيقسم لَهُم أجور الشُّهَدَاء

стр. 1233

عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لله أضنن بِدَم عَبده الْمُؤمن من أحدكُم بكريمة مَاله حَتَّى يقبضهُ على فرشه فَهَذِهِ صفة عبد مُؤمن قد اطمأنت نَفسه إِلَى ربه وَلها عَن الدُّنْيَا وأحوال النَّفس وأناب قلبه إِلَى ربه وجاد بِنَفسِهِ على ربه يقبل أَحْكَامه وأقضيته على نَفسه قبُول مهتش مشتاق إِلَى لِقَاء محب لَهُ بِكُل قلبه فَكَمَا جاد بِنَفسِهِ على ربه ضن بِهِ ربه عَن أَحْوَال الْبلَاء وَلم يَدْفَعهُ إِلَى تِلْكَ الْأَحْوَال فَلذَلِك يَأْبَى بِهِ عَن الْقَتْل فِي سَبيله حَتَّى يقبضهُ على فرشه فَيقسم لَهُ أجر الشُّهَدَاء لِأَن الشَّهِيد إِنَّمَا بذل نَفسه سَاعَة من نَهَار حَتَّى قتل فَهَذَا بذل نَفسه فِي جَمِيع عمره فَالله يضن بدمه كَمَا يضن أَحَدنَا بنجيبته فَإِن النجيبة من كرائم مَاله فَلَا تسخو نَفسه أَن يذبحها فَكَذَلِك رَبنَا يضن بِهِ عَن الْبلَاء أَن يعرض نَفسه للبلاء وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث عَن حَوْشَب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله ضنائن وَفِي رِوَايَة إِن لله عبادا يصونهم عَن الْأَمْرَاض والأسقام يحييهم فِي عَافِيَة ويميتهم فِي عَافِيَة فيدخلهم الْجنَّة فِي عَافِيَة قَالَ لَهُ قَائِل فَأَيْنَ قَول رَسُول الله ﷺ أَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء ثمَّ الصالحون قَالَ هَذَا إِذا ابْتَلَاهُم فَمن ابْتُلِيَ من الْأَنْبِيَاء فَهُوَ أَشد النَّاس بلَاء أَلا ترى إِلَى قَول رَسُول الله ﷺ حَيْثُ دخلُوا عَلَيْهِ وَبِه حمى قَالَ أَبُو سعيد ﵁ فَمَا كَادَت يَدي تقار من شدَّة الْحر حِين وضعت يَدي عَلَيْهِ فَقلت لَهُ يَا رَسُول الله مَا أَشد حماك قَالَ إِنِّي أوعك كَمَا يوعك الرّجلَانِ مِنْكُم وَإِن أَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء

стр. 1234

فَهَذَا إِذا ابْتُلِيَ فَهُوَ أَشد النَّاس بلَاء وَالَّذِي قُلْنَا بَاب آخر إِنَّمَا ذَلِك فِي التَّتَابُع والتواتر فكثير من الْأَنْبِيَاء تَتَابَعَت عَلَيْهِم وتواترت حَتَّى قتلوا بأنواع الْقَتْل وَأما الْخَواص من الْأَنْبِيَاء فقد عوفوا مِنْهُم إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ إِنَّمَا ابْتُلِيَ ببلية من الْبلوى ثمَّ لم يزل معافا وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق ومُوسَى وَهَارُون وَمُحَمّد صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فقد عرضوا للبلاء ثمَّ رفع عَنْهُم وَلم يبتلهم فيشملهم الْبلَاء إِنَّمَا الْبلَاء لمثل أَيُّوب ﵇ وَمثل يحيى بن زَكَرِيَّا ﵉ حَيْثُ قتل صبرا ولزكرياء ﵇ حَيْثُ نشر بِالْمِنْشَارِ فِي الشّجر وَمثل جرجيس وأشباهه ﵇ عَن ابْن عمر ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن لله ضنائن من خلقه تغذوهم رَحمته محياهم فِي عَافِيَة ومماتهم إِذا تَوَفَّاهُم الله إِلَى جنته أُولَئِكَ الَّذين تمر عَلَيْهِم الْفِتَن كَمثل قطع اللَّيْل المظلم وهم مِنْهَا فِي عَافِيَة وَالله أعلم

стр. 1235

- الأَصْل الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ والمائتان - فِي أَن الْقلب الْحَقِيقِيّ فِي أثقال العظمة يتَحَمَّل بالمزاج عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَيْسَ من اللَّهْو إِلَّا ثَلَاثَة تَأْدِيب الرجل فرسه وملاعبته امْرَأَته ورميه بقوسه ونبله وَفِي رِوَايَة عَن عقبَة بن عَامر ﵁ أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل لَهو الْمُؤمن بَاطِل إِلَّا ثَلَاثًا فانهن حق رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امْرَأَته قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ فاللهو مَا يلهي قلب الْمُؤمن عَن الله تَعَالَى وَهُوَ كُله مَذْمُوم إِلَّا فِي هَذِه الثَّلَاثَة الْأَنْوَاع لِأَن فِي هَذِه الثَّلَاثَة

стр. 1236

عونا على الدّين وقواما لَهُ يَرْمِي بقوسه لِئَلَّا تذْهب عَادَته للرمي وَلَا يتشنج أعضاؤه ومفاصله وكتفاه ويؤدب فرسه لِئَلَّا يجمح وَلَا يكون مستوليا على النزع مِنْهُ والفروسية لِئَلَّا يَنْقَطِع عَنهُ شجاعته وَيكون جريئا ذَا قلب فَإِذا ترك ذَلِك ضعف قلبه وَجبن وملاعبته أَهله ليسكن مَا بِهِ وَبهَا وَهَذَا كُله وَإِن كَانَ ملهيا فَهُوَ فِي الأَصْل حق وَإِنَّمَا رخص لِلْمُؤمنِ فِي التلهي بِهَذَا لِأَن قلبه فِي أثقال العظمة فَإِذا دَامَ عَلَيْهِ ضَاقَ بِهِ وَالْتمس تفرجا وتخفيفا فيلجأ إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي هِيَ فِي الأَصْل حق حَتَّى يكون مزاجا لِلْمُؤمنِ أَلا يرى أَن رَسُول الله ﷺ لما أسرِي بِهِ فَانْتهى إِلَى السِّدْرَة وغشيها مَا غشيها قَالَ رَأَيْت نورا ثمَّ حَال دونه فرَاش من ذهب وأخذني كالثبات فَذَاك مزاج لَهُ ليتحمل رُؤْيَة ذَلِك النُّور كَأَنَّهُ لم يقدر على احْتِمَال ذَلِك النُّور حَتَّى مازجه بذلك الْفراش فأطاق احْتِمَاله كَذَلِك الْمُؤمن الْبَالِغ إِذا تراكمت على قلبه أثقال العظمة التمس متنفسا ليقوى على احتمالها فصير رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيثه هَذَا اللَّهْو الملهي لِقَلْبِهِ حَقًا وتخفيفا عَنهُ فَإِنَّمَا صَارَت هَذِه الْأَشْيَاء ملهية لِأَن الرجل إِذا رمى عَن قوسه توخى بِقَلْبِه تسديد السهْم وإصابته للهدف فَهُوَ يجْتَهد فِي علم ذَلِك وَوَضعه يَده حَيْثُ وضع فَفِي ذَلِك مشغلة تلهي قلبه وَلَا يَخْلُو من ذَلِك وَفِي إِصَابَته حَيْثُ وضع شِفَاء للنَّفس وَقُوَّة للقلب فَسُمي لهوا لِأَنَّهُ يلهيه وَذَلِكَ اللَّهْو حق وَكَذَلِكَ تأديبه الْفرس حَتَّى لَا يحرن وَلَا يجمح وَيفهم شَأْن الْعَنَان ويتعلم السّير والوثبان وَالْوُقُوف والاستدارة وَفِي ذَلِك مشغلة تلهيه وَذَلِكَ حق وَكَذَلِكَ ملاعبته امْرَأَته يُرِيد بذلك تسكينها وعفتها عَن الرِّجَال فَفِي ذَلِك مَا يهيج عَلَيْهِ من الشَّهْوَة ويلهيه فَفِي هَذِه الْأَشْيَاء تفرج وخفة عَن أثقال العظمة على قلب الْمُؤمن فَيكون مزاجا وَالله أعلم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب

стр. 1237

هَذَا آخر كتاب نَوَادِر الْأُصُول فِي أَحَادِيث الرَّسُول ﷺ وَالْحَمْد لله على توفيق إِتْمَامه وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نبيه وحبيبه مُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله الطاهرين وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ تمّ