Полный текст (1 237 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
رهبة فَسُمي قنوتا لِأَن ذَلِك مقَام خرج من فعل صلَاته إِلَيْهِ وَدخل فِيهِ بتكبيرة فقابل بِقَلْبِه مَحل الرَّغْبَة والرهبة وَمن قبل التَّكْبِيرَة كَانَ فِي مَحل التذلل والتخشع بَين يَدي عَظمته والآن فِي مَحل الرَّغْبَة والرهبة بَين يَدي جوده وَكَرمه فتباين التقابلان والموقفان
стр. 1192
- الأَصْل السَّادِس وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي عَثْرَة الْحَلِيم وتجربة الْحَكِيم
عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا حَلِيم إِلَّا ذُو عسرة وَلَا حَكِيم إِلَّا ذُو تجربة
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ فالحلم يُعْطي العَبْد من نور الْجُود فَإِذا خلص إِلَى الْقلب نور الْجُود انْحَلَّت عقد النَّفس وكلت مخاليبها وتخلص الْقلب من رق النَّفس وَمن سخرتها ووثاقها واتسعت النَّفس بِمَا نَالَتْ من الْقلب من نور الْجُود فتولدت السماحة وَإِذا عثرت فَوَقَعت فِي الذَّنب فهناك تبصر وتنفسح لما رَأَتْ عثرتها اتسعت لغَيْرهَا فِي تِلْكَ العثرة وأبصرت أَن العاثر هُوَ كمثله إِمَّا مغبونا مخذولا وَإِمَّا معاقبا وَلما رأى فِي نَفسه فِي وَقت العثرة أَنه مغبون أَو معاقب أَو جَاهِل فَقَوْل رَسُول الله ﷺ لَا حَلِيم إِلَّا ذُو عَثْرَة أَي بعد العثرة وصل إِلَى حَقِيقَة الْحلم وكنهه فَأَما قبل العثرة فقد يكون حَلِيمًا وَلَيْسَ على كنهه كَأَنَّهُ لم
стр. 1193
يكمل حلمه بعد لِأَن نَفسه لم تتسع بعد فِي الْحلم الَّذِي أعطي فَإِذا جَاءَت العثرات اعْتبر بهَا وَرَأى غَيره فِيهَا كَمَا رأى نَفسه فِي وَقتهَا فهناك يجد الْحلم
وَهَذَا قَول رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث آخر لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة الْعرض وَإِنَّمَا الْغنى غنى النَّفس وَلَيْسَ الْمِسْكِين الَّذِي ترده اللُّقْمَة وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا الْمِسْكِين الَّذِي قعد فِي بَيته وقنع
فَذَاك الَّذِي كثر عرضه هُوَ أَيْضا غَنِي وَلَكِن الْغنى على كنهه وَحَقِيقَته هُوَ غنى النَّفس والمسكنة على الْحَقِيقَة وعَلى كنهها فِي من قعد فِي بَيته وقنع بِمَا أُوتِيَ
وَأما قَوْله لَا حَكِيم إِلَّا ذُو تجربة فالحكمة من نور الْجلَال فَإِذا أعطي العَبْد انفجرت ينابيع الْحِكْمَة على قلبه فَهَذِهِ الْحِكْمَة ينبوعها على قلبه فَهِيَ جاثمة متراكمة وَمَا لم يَأْخُذهُ التجارب لم تقدر النَّفس على مطالعة الْحِكْمَة لِأَن النَّفس بلهاء غنمية مَشْغُولَة بالشهوات فَكيف تدْرك الْحِكْمَة وَالْحكمَة بَاطِن الْأُمُور وأسرار الْعلم فَهِيَ تعاين الظَّاهِر وَلَا تُدْرِكهُ فَكيف تدْرك الْبَاطِن فَإِذا جرت الْأُمُور صَارَت هَذِه التجارب لَهُ كالمرآة ينظر فِيهَا لِأَنَّهَا صَارَت مُعَاينَة وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ يَنْتَهِي عقل الرجل إِلَى ثَمَان وَعشْرين ثمَّ بعد ذَلِك التجارب
فالعقل للقلب والتجارب للنَّفس لِأَن الْعقل بَاطِن والتجارب ظَاهِرَة تبصر الْعين وَتسمع الْأذن ويشم الْأنف وتلمس الْيَد وَيَذُوق اللِّسَان
стр. 1194
واللهاة والتجارب هَهُنَا وَهَذِه الْأَشْيَاء مسالك إِلَى النَّفس وَعِنْدهَا تشعر النَّفس بذلك لِلْعَقْلِ الَّذِي أعطي لِأَن الْعقل مَسْكَنه فِي الدِّمَاغ وَفِي الصَّدْر يشرق بَين عَيْني الْفُؤَاد وَالنَّفس لَا تعلم بِشَيْء من ذَلِك إِلَّا مَا يعلمهَا الْقلب ويفطن لَهَا فَإِذا نالتها التجارب عرفت وأيقنت لِأَنَّهَا صَارَت مُعَاينَة مَا أدّى إِلَيْهَا الْقلب من الْحِكْمَة وَدلَالَة الْعقل
стр. 1195
- الأَصْل السَّابِع وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي كلمة التَّقْوَى وَصُورَة مَعْنَاهَا فِي الْقلب والكنية والختم والقفل على الْقلب
عَن أبي بن كَعْب عَن أَبِيه ﵄ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى﴾ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ إِنَّمَا سميت هَذِه الْكَلِمَة كلمة التَّقْوَى لِأَنَّهُ صَارَت وقاية لتوحيده لِأَنَّهُ أثبت عقد الْمعرفَة بإلهه قلبا وباللسان نطقا أَنه إلهه فَلَمَّا أحدث الْأَعْدَاء هَذَا الْحَدث وَهُوَ الشّرك فأشركوا فِي ملكه غَيره وذهبوا بَوْله قُلُوبهم فِي الضّر والنفع إِلَى الَّذِي قصدوه بالعبودة رَجَاء وتأميلا لنوال نفع وَدفع ضرّ اقْتضى الله الْمُؤمنِينَ كلمة نفي ذَلِك الْحَدث وَهُوَ قَوْله لَا فنفوا بقَوْلهمْ لَا هَذَا الْحَدث الَّذِي أحدثته الفجرة الغواة الظلمَة فَصَارَ قَوْله لَا نزاهة لرجاسة مَا أَتَوا بِهِ وطهارة لنجاسته ووقاية لذَلِك العقد الَّذِي اعتقدوه وحصنا كثيفا لما فِي ذَلِك العقد وَهُوَ التَّوْحِيد وَنور الْمعرفَة فنسبت هَذِه الْكَلِمَة إِلَى التَّقْوَى وَإِنَّمَا هُوَ فِي الأَصْل وقوى مَأْخُوذ من الْوِقَايَة
стр. 1196
أَي صَار وقاية لعقدة التَّوْحِيد أَن لَا يمازجه شرك ثَان مَعَه فَإِنَّهُ وَاحِد لَا ثَانِي لَهُ فَرد لَا نَظِير لَهُ
وَهَذِه الْكَلِمَة فِي قالب الافتعال لَا فِي قالب فعل لِأَن فعل هُوَ قالب الظَّاهِر وافتعل هُوَ قالب الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَقيل اتَّقى وَكَانَ حَقه أَن يَقُول أوتقى لِأَن الْوَاو فِي أصل الْكَلِمَة مَوْضُوعَة لِأَنَّهَا أصيلة من قَوْله وقى يقي وقاية فَلَمَّا صَار افتعل كَانَ حَقه أَن يُقَال أوتقى فَثقلَتْ على الْأَلْسِنَة لِاجْتِمَاع الْوَاو وَالتَّاء فأدغمت الْوَاو فِي التَّاء وشددت التَّاء فَقيل أتقى يَتَّقِي اتقاء وَالِاسْم مِنْهُ تقوى
فَقَوله لَا إِلَه يَنْفِي وَقَوله إِلَّا إِلَه اسْتثِْنَاء لِئَلَّا يَقع النَّفْي على الْجَمِيع فَلَو قَالَ لَا إِلَه ثمَّ اقْتصر لَكَانَ نفي الْجَمِيع فابتدأ بِنَفْي الْحَدث بقوله لَا إِلَه ثمَّ قَالَ إِلَّا الله لِئَلَّا يَقع النَّفْي على هَذَا الِاسْم وَهُوَ قَوْله إِلَه فَإِنَّمَا هما كلمتان نفي ب لَا وَأثبت ب إِلَّا فَقَوله لَا حرفان لَام ثمَّ ألف وَإِلَّا أَرْبَعَة أحرف ألف ثمَّ لامان مدغمة أَحدهمَا فِي الْأُخْرَى ثمَّ ألف فَكَأَنَّمَا أخرجت هَذِه الْكَلِمَة على صُورَة إشارات الْقُلُوب وقصدها لِأَن الْقلب لما حيى بِنور الْحَيَاة انفتحت عينا الْفُؤَاد بِالنورِ وَجَاء نور الْهِدَايَة وَنور الْمعرفَة فتراءى لعَيْنِي الْفُؤَاد انزعج الْقلب مرتحلا عَن وَطنه إِلَى ذَلِك النُّور الَّذِي عاين حَتَّى لقِيه فاطمأن وَسكن إِلَى معبوده وبذل النَّفس للعبودة ثمَّ خطر بِقَلْبِه بَال إلهه وَأَنه أشرك فِي ملكه غَيره وَأَن قلوبا ولهت إِلَى غَيره افتقارا فهاجت مِنْهُ الْمحبَّة المنطوية فِي نور التَّوْحِيد وَالْهِدَايَة والمعرفة فحمى الْقلب من حرارة الْمحبَّة فَمن تِلْكَ الْحَرَارَة قوي الْقلب حَتَّى قَامَ منزعجا بعضلاته وعروقه فنفى ولههم وافتقارهم إِلَى من دونه وأبطله فَلَمَّا احْتَاجَ إِلَى إبراز تِلْكَ الْقُوَّة للنَّفْي أبرز بِاللَّامِ ثمَّ بِالْألف وَإِنَّمَا ابتدئ بِاللَّامِ لِأَن عظم الْقُوَّة فِيهَا وَهِي نزيع الْألف فَإِنَّهُ كَانَ أَولا ألفا ثمَّ نزع مِنْهَا لَام فعظمت الْقُوَّة فِي اللَّام فنفى الْقلب كل رب ادّعى الْعباد لَهُ
стр. 1197
ربوبيته وولهت قُلُوبهم إِلَيْهِ دونه فابتداء هَذَا الْقلب الَّذِي وَصفنَا بِالنَّفْيِ لأرباب الأَرْض ثمَّ سما عَالِيا حَتَّى انْتهى إِلَى الرب الْأَعْلَى فَوقف عِنْده وتذلل وخشع لَهُ وَاطْمَأَنَّ وَوَلِهَ إِلَيْهِ وَقَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾
أَي أَن هَذِه أَرْبَاب متفرقون والرب الله الْوَاحِد القهار فهداه إِلَى الرب الْأَعْلَى وَقَالَ ﴿وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى﴾
فَهَذِهِ صُورَة فعل الْقلب فَلَمَّا احْتَاجَ إِلَى النُّطْق والإبراز بِاللِّسَانِ أعطي تِلْكَ الْحُرُوف فَفِي النَّفْي لَام وَألف وَفِي الْمُسْتَثْنى الَّذِي هُوَ الْمُنْتَهى ألف مخفوضة ولامان وَألف لِاجْتِمَاع قُوَّة اللامين على صُورَة فعل الْقلب يدلك على ذَلِك من قَوْلنَا كسر الْألف وخفضها لِأَن الْقلب من السفول ينزعج نافيا للأرباب ويصعد إِلَى الرب الْأَعْلَى بِالْألف الآخر من قَوْله إِلَّا فيثبته رَبًّا لَا شريك لَهُ وَاحِدًا لَا ثَانِي لَهُ أحدا لَا نَظِير لَهُ فَردا لَا ند لَهُ صمدا لَا شَبيه لَهُ حَيا لَا مثل لَهُ قيوما لَا زَوَال لَهُ إِلَهًا لَا وَله إِلَّا إِلَيْهِ
فَأَما قَوْله ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى﴾ فَإِنَّهُ ألزم قُلُوبهم هَذِه الْكَلِمَة بِنور الْمحبَّة حَتَّى نطقوا بهَا وَذَلِكَ أَنهم أعْطوا الْمعرفَة مَعَ الْمحبَّة وأعطوا الْعقل وَالْعقل من نور الْبَهَاء فَوجدَ الْقلب حلاوة الْمحبَّة وَوجدت النَّفس فَرح زِينَة نور الْبَهَاء فسكن الْقلب وَاطْمَأَنَّ إِلَى الْحَلَاوَة واستقرت النَّفس للزِّينَة فنشر عَلَيْهِ التَّكَلُّم بقول لَا إِلَه إِلَّا الله وَهُوَ قَوْله ﴿حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾
стр. 1198
فبحلاوة الْحبّ وزينة الْبَهَاء صَارَت الْكَلِمَة لَازِمَة لقُلُوبِهِمْ حَتَّى خرجت إِلَى اللِّسَان فدلت الْأَلْسِنَة بهَا ودارت بحروفها الَّتِي نطقت بمعناها فَصَارَت منطقا أحَاط بمعناها ولزمها وَشَدَّدَهَا كَمَا أحاطت المنطقة بوسط الرجل وشددت فَهُوَ الَّذِي ألزمهم هَذِه الْكَلِمَة بِمَا من عَلَيْهِم بحلاوة الْحبّ وزينة الْبَهَاء
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا﴾ فَإِنَّمَا صَارُوا كَذَلِك لِأَن الله تَعَالَى خلق الْمَقَادِير قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف عَام فِيمَا رُوِيَ لنا عَن رَسُول الله ﷺ وَكَانَ الله وَلَا شَيْء فخلق الْمَقَادِير وَخلق الْخلق فِي ظلمَة ثمَّ رش عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من ذَلِك النُّور اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل فقد علم من يخطئه مِمَّن يُصِيبهُ
عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قدر الله الْمَقَادِير قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة
عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بني تَمِيم قَالُوا قد بشرتنا فاعطنا قَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أهل الْيمن قَالُوا قد بشرتنا فَأخْبرنَا قَالَ كَانَ الله وَلَا شَيْء ثمَّ خلق الْعَرْش فَجعله على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء
стр. 1199
عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله خلق الْخلق فِي ظلمَة ثمَّ رش عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من ذَلِك النُّور اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل
وَعَن عبد الله بن الديلمي قَالَ قلت لعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ بلغنَا أَنَّك تَقول جف الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله خلق خلقه ثمَّ جعلهم فِي ظلمَة ثمَّ أَخذ من نوره مَا شَاءَ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِم فَأصَاب النُّور من شَاءَ الله أَن يُصِيبهُ وَأَخْطَأ من شَاءَ الله أَن يخطئه فَمن أَصَابَهُ النُّور يَوْمئِذٍ اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل فَلذَلِك مَا أَقُول جف الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ فَيوم الْمَقَادِير خلقهمْ وهم كَالنُّجُومِ الذَّرَارِي ثمَّ سلبهم الضَّوْء ووضعهم فِي ترابية التربة الَّتِي أَرَادَ مِنْهَا إنْشَاء خلق آدم ﵇ وَقد طمس ضوءهم فلبثوا فِي تِلْكَ الظلمَة مَلِيًّا إِلَى أَن مضى من الْمدَّة مِقْدَار خمسين ألف سنة أَو نَحوه فصاروا فِي طول ذَلِك اللّّبْث فِي تِلْكَ الظلمَة ثَلَاثَة أَصْنَاف فصنف مِنْهُم زعم أَن الَّذِي ملكنا لم يدم ملكه فعجز عَنهُ وَلَو لم يكن كَذَلِك لم يتركنا هَهُنَا كالمنسي وَقَالَ الصِّنْف الآخر تركنَا هَهُنَا فَنحْن نَنْتَظِر مَا يكون وَمَا يظْهر لنا من أمره فَالْأول كفر وَالثَّانِي نفاق وَشك وَقَالَ الصِّنْف الثَّالِث تركنَا هَهُنَا وَهُوَ دَائِم وَنحن لَهُ يجعلنا حَيْثُ يَشَاء فَأَما الصِّنْف الأول لما تكلمُوا بِمَا ذكرنَا صَارَت تِلْكَ الترابية فِي أَفْوَاههم وَقَالَ لَهُم مَا الَّذِي رَأَيْتُمْ مني حَتَّى نسبتموني إِلَى الْعَجز وَانْقِطَاع الْملك فَصَارَت هَذِه
стр. 1200
الْكَلِمَة ختما على أَفْوَاههم على تِلْكَ الترابية وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿ختم الله على قُلُوبهم﴾ فالختم غير مَرْفُوع أبدا
وَأما الصِّنْف الثَّانِي فشكوا فهم فِي الزندقة ينتظرون مَا يكون وَلم يستيقنوا وَلَا اسْتَقَرَّتْ قُلُوبهم فتناثرت تِلْكَ الترابية على أَفْوَاه قُلُوبهم لتذبذبهم مرّة إقبالا على الله وَمرَّة إعْرَاضًا عَنهُ وَمرَّة إقبالا على بَال النَّفس فَلم يصر ختما وَلَكِن صَار قفلا قد يرفع وَيفتح إِن شَاءَ والختم لَا يرفع أبدا ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿أم على قُلُوب أقفالها﴾
وَأما الصِّنْف الثَّالِث فَقَالُوا رَبنَا الَّذِي يملكنا دَائِم يجعلنا حَيْثُ يَشَاء إِن شَاءَ جعلنَا فِي ظلمَة وَإِن شَاءَ جعلنَا فِي نور ثمَّ مدوا أَيدي الْقُلُوب نَحوه للتعلق بِهِ فَضرب بيدَيْهِ إِلَى قُلُوبهم فَقَالَ أَنْتُم لي عملتم أَو لم تعملوا فَصَارَت هَذِه الْكَلِمَة مَكْتُوبَة على قُلُوبهم فَمن أَصَابَته يَده الْيُمْنَى فهم الْأَوْلِيَاء وَمن أَصَابَته يَده الْأُخْرَى فهم عَامَّة الْمُوَحِّدين تناولهم فصيرهم فِي قَبضته وَصَارَت تِلْكَ الْكَلِمَة مَكْتُوبَة بَين أعين الْفُؤَاد على قُلُوبهم وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ وَقَالَ للآخرين ﴿أُولَئِكَ الَّذين طبع الله على قُلُوبهم وَاتبعُوا أهواءهم﴾ فالطبع هُوَ الْخَتْم
فَهَذِهِ كَانَت صفتهمْ فِي البدو وَلم يزل ينقلهم من حَال إِلَى حَال إِلَى أَن نقلهم إِلَى الطينة المعجونة طِينَة آدم ﵇ قَالَ تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿من حمإ مسنون﴾
стр. 1201
ثمَّ لما نفخ فِيهِ الرّوح أخرج المتعلقين من كتفه الْأَيْمن كَهَيئَةِ الذَّر فِي صفاء وتلألؤ وَأَصْحَاب الشمَال كالحمة سُودًا من كتفه الْأَيْسَر وَالسَّابِقُونَ أَمَام الْفَرِيقَيْنِ المقربون وهم الرُّسُل والأنبياء والأولياء ﵈ فقررهم وَأخذ عَهدهم وميثاقهم على الْإِقْرَار لَهُ بالعبودة وأشهدهم على أنفسهم وَشهد عَلَيْهِم بذلك ثمَّ ردهم إِلَى الأصلاب ليخرجهم تناسلا من الْأَرْحَام أَرْحَام الْأُمَّهَات
عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الله ﵎ خلق آدم فَضرب بِيَمِينِهِ على كتفه الْيُمْنَى فَأخْرج ذُرِّيَّة بيضًا كالفضة وَمن الْيُسْرَى سُودًا كالحممة ثمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاء فِي النَّار وَلَا أُبَالِي
معنى قَوْله هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وَلَا أُبَالِي وَالله أعلم أَنِّي لَا أُبَالِي مَا يعْملُونَ من خير أَو شَرّ فَأقبل خَيرهمْ وأغفر شرهم وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ إحسانا حَملته أمه كرها وَوَضَعته كرها﴾ إِلَى قَوْله أُولَئِكَ الَّذين نتقبل مِنْهُم أحسن مَا عمِلُوا ونتجاوز عَن سيئأآهم وعد الصدْق الَّذِي كَانُوا يوعدون
وَهُوَ الْوَعْد الَّذِي وعدهم حَيْثُ ضرب بيدَيْهِ إِلَيْهِم تناولا ثمَّ قَالَ لَهُم أَنْتُم لي عملتم أَو لم تعملوا وَإِنَّمَا صَارُوا بيضًا كالفضة من أجل ذَلِك النُّور الَّذِي أَصَابَهُم وَالْآخرُونَ سُودًا من أجل الظلمَة الَّتِي خلقهمْ فِيهَا
стр. 1202
عَن عبد الرَّحْمَن بن قَتَادَة السّلمِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله خلق آدم وَأخذ الْخلق من ظَهره فَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاء فِي النَّار وَلَا أُبَالِي فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فعلى مَاذَا إِذا نعمل قَالَ على مواقع الْقدر
عَن هِشَام بن يسَار الْجُهَنِيّ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ فَقَالَ عمر ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يسْأَل عَنْهَا فَقَالَ إِن الله خلق آدم فَمسح ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ ثمَّ مسح ظَهره بِيَدِهِ فاستخرج ذُرِّيَّة فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا خلق العَبْد للجنة اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى يَمُوت على عمل أهل الْجنَّة فيدخله الْجنَّة وَإِذا خلق للنار اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى يَمُوت وَهُوَ على عمل أهل النَّار فيدخله بِهِ النَّار
عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الصَّادِق المصدوق إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ لَيْلَة نُطْفَة ثمَّ علقَة مثل ذَلِك ثمَّ مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يبعت الله الْملك بِأَرْبَع كَلِمَات فَيَقُول لَهُ اكْتُبْ أَجله وَعَمله ورزقه وشقي أَو سعيد وَإِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع فيغلب عَلَيْهِ كِتَابه الَّذِي سبق فيختم لَهُ بِعَمَل أهل النَّار فيدخله الله النَّار وَإِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع فيغلب عَلَيْهِ
стр. 1203
كِتَابه الَّذِي سبق فيختم لَهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخله الله الْجنَّة
فَهَذِهِ قصَّة هَذَا الْخلق سبق لَهُم مَا سبق قَالَ فِي تَنْزِيله ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾
فالحسنى هِيَ الْجنَّة فَمن سبقت لَهُ الْجنَّة بوعد من الله تَعَالَى لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا وهم فِيمَا اشتهت أنفسهم خَالدُونَ أَي فِي الْجنَّة فَشكر الله لَهُم مَا كَانَ لَهُم فِي تِلْكَ الظلمَة من الطُّمَأْنِينَة إِلَى الله تَعَالَى فِي وَقت مبعث مُحَمَّد ﷺ وعرفهم منته عَلَيْهِم فَقَالَ ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى﴾ ثمَّ شكر لَهُم قديمهم فِي تِلْكَ الظلمَة فَأثْنى عَلَيْهِم بقوله ﴿وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا﴾ أَي أَحَق بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَأهلا لهَذِهِ الْكَلِمَة بِمَا تقدم مِنْهُم
وَإِنَّمَا استقروا هُنَاكَ فِي تِلْكَ الظلمَة ونطقوا بِمَا نطقوا بِمَا رش عَلَيْهِم من نوره هُنَاكَ فَأوجب لَهُم يَوْمئِذٍ محبته وَجعل لَهُم ذَلِك النُّور حظهم من رَبهم وَأَصْحَاب الْخَتْم لم يصبهم النُّور فَلم يكن لَهُم حَظّ وَأَصْحَاب القفل مِنْهُم من لاحظ لَهُ فَهُوَ لَاحق بأصحاب الْخَتْم وَمِنْهُم من لَهُ حَظّ فِي الْغَيْب مَكْنُون وحظهم أدنى الحظوظ أَلا يرى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا واعتصموا بِاللَّه وَأَخْلصُوا دينهم لله﴾ فَشرط
стр. 1204
لَهُم أَربع شَرَائِط ثمَّ قَالَ ﴿فَأُولَئِك مَعَ الْمُؤمنِينَ﴾ وَلم يقل من الْمُؤمنِينَ
فَهَؤُلَاءِ لاحقة بهم فهم فِي عدد الْمُؤمنِينَ وحظهم من الْمحبَّة قَلِيل وهم من أَصْحَاب القفل أدركتهم الرَّحْمَة الواسعة فصاروا متخلصين من النِّفَاق وَرفع القفل عَنْهُم حَتَّى انفتحت عُيُون أفئدتهم مَعَ هَذِه الشَّرَائِط الْأَرْبَع التَّوْبَة إِلَى الله والإصلاح لما خرب والاعتصام بِاللَّه وَالْإِخْلَاص لله فَحِينَئِذٍ ألحقهم بِالْمُؤْمِنِينَ ليعلم أَنهم لم يَكُونُوا من الْمُؤمنِينَ الَّذين كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان يَوْمئِذٍ بقوله أَنْتُم لي عملتم أَو لم تعملوا فَهَؤُلَاءِ يعتريهم ذَلِك النِّفَاق بعد إِيمَانهم فِي اعمالهم فهم الَّذين يدلون على الله بأعمالهم فِي الشَّرِيعَة ويعجبون بشأن أنفسهم ويكبون على أَمْوَالهم فِي عَامَّة عمرهم يتكثرون بهَا ويتعالون على الْخلق ويعاملون الله فِي السِّرّ بِخِلَاف الْعَلَانِيَة ويراءون بأعمالهم ويتفاخرون على طلب الدُّنْيَا وجاهها وعزها وَفَخْرهَا وخيلاها ويضاهئون الله فِي مدائحه فالعزة لله جَمِيعًا والعلو لله والكبرياء لله فهم فِي شهرهم ودهرهم طالبون لعز الدُّنْيَا ذَهَابًا بِأَنْفسِهِم عَن الْخلق وعلوا عَن أَحْوَالهم وتكبرا عَن الانقياد للحق لكبرياء نُفُوسهم ساخطين لأقدار الله فِي الْخلق وَفِي أنفسهم حاسدين لعباد الله فِي نعمهم مضادين لأقضيته وَتَقْدِيره وتدبيره فيهم فَهَؤُلَاءِ أَصْحَاب الأقفال الَّذين كَانَت لَهُ فيهم مَشِيئَة أَن تُدْرِكهُمْ رَحمته وجوده فَإِن للجود بعد انْقِضَاء الرَّحْمَة المقسومة يَوْم الْقِيَامَة بَين أهل الْجنَّة عملا وشأنا عَظِيما جاد الله على من بَقِي فِي النَّار آلافا من السنين وَلَيْسَ عِنْده مِثْقَال ذرة خير إِلَّا توحيده خرج لَهُ أَيَّام دُنْيَاهُ من بَاب الْجُود وَالرَّحْمَة الْعُظْمَى فهم أَصْحَاب الأقفال الَّذين كَانَت لله تَعَالَى فيهم مَشِيئَة أَن أدركتهم رَحمته الْعُظْمَى فَلم يبال بِمَا صَنَعُوا فَرفع عَنْهُم القفل فِي الدُّنْيَا حَتَّى
стр. 1205
نطقوا بِالْكَلِمَةِ الْعليا وَهِي كلمة التَّقْوَى وأدخلهم الْجنَّة بِلَا عمل وَلَا خير قدموه نالوا هَذَا من بَاب الْجُود فِي مَحل الْقُدْرَة ونال الْمُؤْمِنُونَ الْمحبَّة من الذَّات وولهت قُلُوبهم بِالذَّاتِ حبا لَهُ
стр. 1206
- الأَصْل الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي مبدأ الاسْتقَامَة ومنتهاها
عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵁ قَالَ لما نزلت ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ شقّ ذَلِك على الْمُسلمين فَقَالُوا وأينا لم يظلم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ بذلك ألم تسمعوا إِلَى قَول لُقْمَان ﴿إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾
عَن الْأسود بن هِلَال عَن أبي بكر الصّديق ﵄ أَنه سَأَلَ أَصْحَابه عَن هَاتين الْآيَتَيْنِ ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ فَقَالُوا استقاموا فَلم يذنبوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم أَي بشرك
عَن الْحسن ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى
стр. 1207
﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾ أمتِي وَرب الْكَعْبَة مرَّتَيْنِ أوثلاثا
فَقَالَ عمر ﵁ يَا رَسُول الله مَا ذكرك بِهَذِهِ الْآيَة
قَالَ إِن الْيَهُود قَالُوا رَبنَا الله فَلم يستقيموا فَقَالُوا فِي عُزَيْر ﵇ مَا قَالُوا وَإِن النَّصَارَى قَالُوا رَبنَا الله فَلم يستقيموا فَقَالُوا فِي الْمَسِيح مَا قَالُوا وَإِن أمتِي قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا فَلم يشركوا
قَالَ أَبُو عبد الله الاسْتقَامَة اسْم لفعل وَلكُل فعل حدان فحد مِنْهُ مبتدأه وَالْحَد الآخر منتهاه فالاستقامة مبتدأها انتصاب الْقلب لله تَعَالَى رقا وتذللا وإلقاء باليدين سلما فَهَذَا أول العبودة ومبتدأ الاسْتقَامَة ثمَّ قد يروغ يَمِينا وَشمَالًا عَن الانتصاب لله تذللا وخشعة ويناله تجبر الْكِبْرِيَاء ثمَّ يَتُوب وَيرجع إِلَى الله تَعَالَى وَيعود إِلَى مقَامه من التذلل وَالرّق وَيصير إِلَى الاسْتقَامَة فِي مقَامه فَلَا يزَال هَذَا دأبه مرّة هَكَذَا وَمرَّة هَكَذَا يقطع عمره على هَذِه الصّفة فيختم لَهُ بِإِحْدَى المنزلتين وَمن أيد فِي الاسْتقَامَة حَتَّى يمر إِلَى الله تَعَالَى وَلَا يروغ فِي سيره يَمِينا وَشمَالًا فَإِذا وصل إِلَى الله فقد ذهب الروغان واستقام على الْبَاب بعد موت شهواته فَهَذَا مُنْتَهى الاسْتقَامَة وَرَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم كَأَن سَائِلًا يسألني عَن قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾ فَأَرَدْت أَن أُجِيبهُ بِمَا عِنْدِي من ظَاهر الْعلم فرأيتي قبالتي شخصا بِيَدِهِ صحيفَة يُقَابل بهَا وَجْهي مَكْتُوب فِيهَا ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾ أَي اشتاقوا إِلَى لِقَائِه ثمَّ انْتَبَهت فَقلت فِي نَفسِي هَذَا عين التَّفْسِير
وَإِذا نزل العَبْد منزلَة المشتاقين فنهمته وشهوته اللحوق بربه فقلبه بِالْبَابِ عاكف والعاكف لَا تَزُول استقامته فَالنَّاس فِيمَا بَين الحَدِيث من
стр. 1208
مبتدأه إِلَى أَعْلَاهُ كل قد أَخذ من هَذَا بحظ فالديان يحاسبهم فيعطيهم من ثَوَاب هَذِه الاسْتقَامَة كلا على قدر ثباته وانتصابه لله وتوقيه للروغان عَنهُ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾
فالإيمان هُوَ طمأنينة الْقلب إِلَى الله واستقرار النَّفس بِمَا اسْتَقر عَلَيْهِ الْقلب وَإِنَّمَا صَار ذَلِك كَذَلِك بِالنورِ فَذَلِك النُّور اكْتِسَاب الْقلب بِهِ يكرم وَعَلِيهِ يُتَاب وَبِه يجوز الصِّرَاط إِلَى دَار السَّلَام فَإِذا أذْنب فالذنب ظلمَة فقد ألبس ذَلِك النُّور ظلمَة وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ إِذا أذْنب العَبْد نكت فِي قلبه نُكْتَة سَوْدَاء فَإِن عَاد نكت أُخْرَى فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يسود الْقلب فَإِذا تَابَ وَنزع صقل قلبه يَعْنِي يرفع عَنهُ تِلْكَ النكت فينجلي الْقلب بنوره بِمَنْزِلَة شمس خرجت عَن كسوفها فتجلت
فَأَقل الظُّلم ترك أَصْغَر شَيْء من أَمر الله وَأعظم الظُّلم الشّرك فَذَاك مبتدأه وَهَذَا منتهاه فَترك أدنى أَمر الله هُوَ ظلم وبقدر ذَلِك أطبق على نور الْإِيمَان وأظلم الصَّدْر مِنْهُ بِقدر ذَلِك لِأَنَّهُ افْتقدَ إشراق ذَلِك النُّور على قدر مَا أطبق فَكلما إزداد ذَنبا ازْدَادَ افتقادا للإشراق وازداد ظلمَة حَتَّى يطبق عَلَيْهِ كُله إِذا انْتهى إِلَى منتهاه وَهُوَ رَأس الذُّنُوب وَهُوَ أَعْلَاهَا والخلق فِيمَا بَين الحدين كل قد ألبس إيمَانه يَعْنِي من هَذَا الظُّلم وَمن ذَلِك مثل الشَّمْس إِذا انكسفت فعلى قدر مَا ينكسف مِنْهَا يفتقد الْخلق إشراقها من الأَرْض فَإِذا انكسفت كلهَا صَار نهارهم كالليل
فَأعْلم رَسُول الله ﷺ الْخلق منتهاه فِي حَدِيث ومبتدأه فِي حَدِيث آخر
وَكَذَلِكَ أَبُو بكر وَعمر ﵄ من بعده فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ استقاموا فَلم يشركوا
стр. 1209
وَقَالَ عمر ﵁ استقاموا فَلم يروغوا روغان الثعالب فقصد أَبُو بكر لأدناه وَعمر لأعلاه
وَأما حَدِيث رَسُول الله ﷺ
رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي مسير ساره إِذْ عرض لَهُ إعرابي على بكر لَهُ فَدَنَا فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَنَهَاهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فَقَالَ رَسُول الله ﷺ خلوا عَنهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لقد جئْتُك من بلادي وتلادي لأَهْتَدِي بهداك وآخذ من قَوْلك فَمَا بلغتك حَتَّى مَا لي طَعَام إِلَّا من خضر الأَرْض فاعرض الْإِسْلَام عَليّ فَعرض عَلَيْهِ فَقبل فازدحمنا عَلَيْهِ فَدخل خف بكره فِي بَيت جرذان فتردى الإعرابي فانكسر عُنُقه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ صدق وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لقد خرج من بِلَاده وتلاده وَمَا لَهُ ليهتدي بهداي وَيَأْخُذ من قولي فَمَا بَلغنِي حَتَّى مَا لَهُ طَعَام إِلَّا من خضر الأَرْض كَمَا قَالَ أسمعتم بِالَّذِي عمل قَلِيلا وجزي كثيرا هَذَا مِنْهُم أسمعتم ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون﴾ فَإِن هَذَا مِنْهُم وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا بلغ الأَرْض حَتَّى ملئ شدقه من ثَمَر الْجنَّة اغسلوا أَخَاكُم وكفنوه وصلوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا رَسُول الله أنشق أم نلحد فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّحْد لنا والشق لغيرنا
عَن سَخْبَرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أعطي فَشكر وابتلي فَصَبر وظلم فغفر وظلم فَاسْتَغْفر ثمَّ سكت فَقيل مَا لَهُ يَا رَسُول الله قَالَ ﴿أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون﴾ فَهَذَا أَعْلَاهُ وَحَدِيث عَلْقَمَة عَن عبد الله أدناه
فوعد الله فِي تَنْزِيله للمستقيم الْأمان من الْخَوْف والحزن والبشرى
стр. 1210
بِالْجنَّةِ وَلمن لم يلبس إيمَانه بظُلْم الْأَمْن والاهتداء فَكل إِنَّمَا ينَال من ذَلِك الْوَعْد بِقدر مَا فِيهِ من الاسْتقَامَة وَقلة اللّبْس فالمؤمن لما آمن تقبل الله إيمَانه وَدخل فِي أَمَانه فَلهُ الْأَمْن فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة من كل آفَة فَلَمَّا أذْنب خرج من أَمَان الله بِقدر ذَلِك الذَّنب وَنقص من الْأَمْن بِقدر ذَلِك وَاسْتحق الْعقُوبَة بِقدر ذَلِك وَهُوَ أَن يَزُول نعْمَة من نعمه عَنهُ بِقدر ذَلِك وَإِن شَاءَ تفضل وَعَفا وَإِن عاقب زَالَت عَنهُ من النعم بِقدر ذَلِك وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَن الله لم يَك مغيرا نعْمَة أنعمها على قوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾
فالنعمة اسْم جَامع جملَة لهَذَا الْآدَمِيّ فِي بدنه وَدينه ودنياه فَلَو لم يُذنب لم يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَكَانَ على هَيئته وَإِنَّمَا جَاءَت الْأَمْرَاض والنوائب وَالْأَحْوَال المتغايرة لمَكَان الْخَطَايَا والذنُوب غيروا فَغير الله مَا بهم وَعفى عَن كثير وَقَالَ الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾
فالاعتبار فِي هَذَا الْأَمر بِقصَّة أَبينَا آدم ﵇ فَإِن الله تَعَالَى خلقه بِيَدِهِ وأسجد لَهُ مَلَائكَته وبوأه مَعَ زَوجته وعهد إِلَيْهِ عهدا أَن هَذَا الَّذِي أَبى أَن يسْجد لَك هُوَ عَدو لَك ولزوجك فَلَا يخرجنكما من الْجنَّة فتشقى وَعرض الْأَمَانَة على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها فَنظر آدم إِلَى إباد هَؤُلَاءِ فَأَخَذته الْغيرَة وهاج مِنْهُ الْحبّ لله فاحتملها وتقلدها فَبَقيت قلادة فِي عُنُقه فَقيل لَهُ هَذِه الْجنَّة مسكنك فَانْظُر أَن لَا يخْرجك وزوجتك هَذَا الْعَدو من هَذَا الْمسكن بِأَن يغرك حَتَّى تحدث فِيهِ حَدثا يكون خِيَانَة للأمانة وَقيل لَهُ إِن لَك فِيهَا أَي فِي الْجنَّة أَن لَا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى وَأَنَّك لَا تظمأ فِيهَا وَلَا تضحى وَهَذِه الْأَرْبَع قوام الْآدَمِيّ ومعاشه يعرفهُ أَنَّك إِن أحدثت أخرجت مِنْهَا فَإِذا أخرجت
стр. 1211
شقيت أَي صرت بمعزل من النَّعيم ولحقتك الشدَّة والتعب وَالنّصب فِي هَذِه الْمَعيشَة فتحتاج إِلَى أَن تتكلف لجوعك طَعَاما ولعريك لباسا ولظمأك مَاء ولضحاك وَهُوَ حر الشَّمْس مسكنا وَكُنَّا فَلَمَّا أحدث أخرج مِنْهَا وَأُلْقِي عَلَيْهِ هَذَا الَّذِي حذر من الشَّقَاء دون حَوَّاء فَقيل تشقى وَلم يقل تشقيان وَمن هَهُنَا علمنَا أَن نَفَقَة الْمَرْأَة على الزَّوْج فَبَقيَ وَلَده فِي هَذَا الشَّقَاء إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا فَكل من كَانَ من وَلَده أحفظ لهَذِهِ الْأَمَانَة كَانَ أوفر حظا من أَمَان الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا قبل الله مِنْهُ إيمَانه بقبوله للأمانة
فأوفرهم حظا من وَفَاء الْإِيمَان وَحفظ الْأَمَانَة أوفرهم حظا من قبُوله وَإِذا قبله فَهُوَ فِي أَمَانَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يدافع عَن الَّذين آمنُوا إِن الله لَا يحب كل خوان كفور﴾
وَكَانَ دَاوُد ﵇ يَقُول فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ دَافع عني من كل جَانب وَكَانَ يسْأَل الدفاع
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ من شَأْنه أَن يَقُول أعوذ بك من كَذَا وَبِذَلِك أَمر فِي تَنْزِيله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقل رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين وَأَعُوذ بك رب أَن يحْضرُون﴾ وَعَلِيهِ أنزلت المعوذتان فالدفاع سُؤال من بعد فِي الْفرْقَة والتعوذ تعلق بِهِ فِي الْقرْبَة من الْقرْبَة
стр. 1212
- الأَصْل التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي تَمْثِيل الْحِرْص والسرف بالذئبين
عَن كَعْب بن مَالك ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ مَا ذئبان جائعان أرسلا فِي غنم بأفسد لَهَا من حرص الْمَرْء على المَال والسرف لدينِهِ
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ وضع الله الْحِرْص فِي الْآدَمِيّ ثمَّ ذمه فِي الْمُؤمنِينَ بزمام التَّوْحِيد وَالْيَقِين وَقطع علائق الْحِرْص بِنور السبحات فَمن كَانَ حَظه من نور الْيَقِين وَنور السبحات أوفر كَانَ وثاق حرصه أوثق والحرص مُحْتَاج إِلَيْهِ الْآدَمِيّ وَلَكِن بِقدر مَعْلُوم فَإِذا لم يكن لِحِرْصِهِ وثاق تعدى الْقدر الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ فأفسد قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا حَاجَة الْآدَمِيّ إِلَيْهِ قَالَ إِن الْحِرْص مدد الْقُوَّة الْمَوْضُوعَة فِي الْآدَمِيّ ومثيرها وَهِي نَار تتقد وَأَصلهَا من نور الْحَيَاة وبقدر مَا تتلظى نَار
стр. 1213
الْحِرْص يظْهر لهبها فِي الْجَوَارِح فَإِذا اسْتعْمل تِلْكَ الْجَارِحَة استعملها باستفزاز وخفة وَإِذا سكن الْحِرْص فترت الْقُوَّة فبالحرص يقوى على تَعب الْأَركان فِي أَعمال الْبر وبالحرص يصابر على طَاعَة الله تَعَالَى وبالحرص يسمو إِلَى معالي الدَّرَجَات وَمن شَأْن الْحِرْص الترقي فِي الدَّرَجَات وَطلب الازدياد من كل شَيْء يَنَالهُ من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَكَذَلِكَ قيل فِي الحَدِيث مَا أعطي العَبْد شَيْئا من الدُّنْيَا إِلَّا زيد مثلَيْهِ فِي الْحِرْص والحرص والصرح مُشْتَقّ بعضه من بعض فالصرح الْبناء العالي المشرف الناتئ على الْبُنيان وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب﴾ فَهَذَا فِي الظَّاهِر صرح وَذَاكَ فِي الْبَاطِن سمي حرصا لِأَنَّهُ بِهِ يطْلب الازدياد ويترقى فِي دَرَجَات الْمَزِيد علوا
ثمَّ إِذا نظر إِلَى من دونه اعتراه الْعجب وضال بِهِ على الْخلق واستطال فَرمى بِهِ من ذَلِك الْعُلُوّ فَلَا يبْقى لَهُ عُضْو إِلَّا انْكَسَرَ فَأعْطِي الْآدَمِيّ الْحِرْص ليتقوى بِهِ على الازدياد من أَعمال الْبر وَأمر أَن يكون حرصه مزموما بزمام الْخَوْف والخشية مشحونا بأثقال السكينَة وَالْوَقار ليَكُون مَعْصُوما من الْإِعْجَاب وَترك الْأَدَب فِي الدّين
أَلا ترى إِلَى قَول رَسُول الله ﷺ لأبي بكرَة حَيْثُ دخل الْمَسْجِد وَالنَّاس رُكُوع فَرَكَعَ وَمَشى فِي رُكُوعه حَتَّى وصل إِلَى الصَّفّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ زادك الله حرصا وَلَا تعد
وَكَانَ قد تقدم إِلَيْهِم فَقَالَ إِذا أتيتم الصَّلَاة فأتوها بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار فَمَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فأقضوا
وَقَالَ فِي حَدِيث آخر التأني من الله والعجلة من الشَّيْطَان
стр. 1214
عَن الْحسن ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من استعجل أَخطَأ
فالعجلة من الخفة والخفة من هيجان الْحِرْص يزِيل السكينَة وَالْوَقار فَهَذَا صَاحب الدّين
وَأما صَاحب الدُّنْيَا فحرصه يحملهُ على طلب الازدياد طَالبا لعلو الدَّرَجَات وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا﴾
فزجر عَن طلب الْعُلُوّ فِي دَرَجَات الدُّنْيَا وَحرم طَالبه الدَّار الْآخِرَة وَهِي الْجنَّة لِأَن الدُّنْيَا مقدرَة مقسومة لن ينَال عبد مِنْهَا إِلَّا مَا قدر لَهُ وَهِي دَرَجَات بَعْضهَا فَوق بعض ليبلونا فِيمَا آتَانَا قَالَ تَعَالَى فِي تَنْزِيله وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض وَرفع بَعْضكُم فَوق بعض دَرَجَات ليَبْلُوكُمْ فِيمَا آتَاكُم وَقَالَ ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها وَيعلم مستقرها ومستودعها﴾ ثمَّ قَالَ ﴿كل فِي كتاب مُبين﴾
وَإِنَّمَا ضمن بَيَان مِقْدَاره لتسكن النُّفُوس إِلَى مَا قدر ويتفرغ الْقلب لما خلق لَهُ من العبودة وَإِذا هاج الْحِرْص وَقع فِي الْكَبَائِر حَتَّى يصير إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان فَإِنَّهُم عبدُوا الْأَوْثَان بأهواء النُّفُوس كلما زين الشَّيْطَان فِي قُلُوبهم شَجرا أَو حجرا نصبوه وثنا فعبدوه وحرصوا على ذَلِك وابتدروه قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نصب يوفضون﴾ والوفض السرعة فِي الْمَشْي
стр. 1215
وَلم يزل شَأْن الله مَعَ الْأَنْبِيَاء أَن ينْزع إرادتهم ومشيئآتهم ليقفوا على مراقبة مَشِيئَته حَتَّى استقاموا فَرضِي الله عَنْهُم بموافقتهم إِيَّاه وتخليتهم عَن الجبرية فَإِن الْجَبَّار وَاحِد قهار فَلَيْسَ للعبيد أَن يتجبروا فيضاهئون الله وَإِنَّمَا سمي الْجَبَّار جبارا لِأَنَّهُ مستبد بكبره يجْبر الْخلق على مَشِيئَته فالجبار مضاد لله مضاد لحكمه قَالَ الله تَعَالَى يَا دَاوُد تُرِيدُ وَأُرِيد وَيكون مَا أُرِيد فَإِن أردْت مَا أُرِيد كفيتك مَا تُرِيدُ وَإِن أردْت غير مَا أُرِيد عنيتك فِيمَا تُرِيدُ وَيكون مَا أُرِيد
وَلم يزل يهذب نَبينَا ﷺ عَن التحارص فِي الدّين حَتَّى يكون بِمِقْدَار ومقداره أَن يراقب أَمر الله وَمَا يَبْدُو لَهُ من مشيئآته فِي كل أَمر فيطمئن إِلَيْهِ حَتَّى استقام فَأثْنى عَلَيْهِ فَقَالَ ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ فَسُئِلت عَائِشَة ﵂ عَن خلقه فَقَالَت كَانَ يرضى بِرِضَاهُ ويسخط بسخطه أَي برضاء الله وَسخطه كَأَنَّهُ لم يبْق لَهُ مَشِيئَته
وَبلغ من استقامته أَنه فِيمَا رُوِيَ حِين كَانَ يقبض جَاءَهُ جِبْرَائِيل ﵇ فَقَالَ إِن رَبك يخيرك بَين لِقَائِه وَبَين الْخلد فَقَالَ لَا أخْتَار حَتَّى يخْتَار لي رَبِّي
فَهَذَا غَايَة رفض الْمَشِيئَة لم يحملهُ الشوق إِلَى ربه على اخْتِيَار اللِّقَاء وَلم يحملهُ الْكَوْن بَين الْأمة فِي خَالص العبودة وَلَذَّة الطَّاعَات وتربية الْأمة اخْتِيَار الْكَوْن بَين ظهرانيهم فَألْقى الِاخْتِيَار إِلَى ربه فَرفع جِبْرَائِيل ﵇ إِلَيْهِ وَقد كَانَ لملك الْمَوْت لَا تنزعن مُحَمَّدًا حَتَّى آتِيك فَرجع وَملك الْمَوْت ينتظره فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله اخْتَار لَك لقاءه فَقَالَ تقدم يَا ملك الْمَوْت فَمَا زَالَ يَقُول لِقَاء رَبِّي لِقَاء رَبِّي حَتَّى خرجت نَفسه وَكَذَلِكَ فعل حَيْثُ خير بَين أَن يكون عبدا نَبيا أَو ملكا
стр. 1216
نَبيا فَلم يختره حَتَّى أَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرَائِيل صلوَات الله عَلَيْهِ وَقد صَار جِبْرَائِيل كَهَيئَةِ الحلس الْملقى مَيتا من الْفرق فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَن تواضع فَقَالَ رَسُول الله ﷺ نَبيا عبدا فَقيل لَهُ إِن لَك بِمَا تواضعت أَنَّك أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض وَأول خطيب وَأول شَفِيع ولواء الْحَمد بِيَدِك ومفاتيح الْكَرم بِيَدِك وَتوقف جِبْرَائِيل فَلم يخْتَر لَهُ حَتَّى ينظر مَا يتجلى لَهُ من ربه من ملكه فَلَمَّا تجلى لَهُ مَا تجلى صَار كالميت من الْفرق فَذَاك ملك الْجلَال وَاسْتدلَّ بذلك جِبْرَائِيل ﵇ فِي ذَلِك الْوَقْت أَنه اخْتَار لَهُ التَّوَاضُع فجَاء جِبْرَائِيل بِمَا جَاءَ وَأَشَارَ لَهُ بالتواضع وَلَو أَرَادَ أَن يخْتَار لَهُ أَن يكون نَبيا ملكا لَكَانَ عَسى أَن يتجلى لَهُ ملك الْجمال والبهجة فَكَانَ ينبسط جِبْرَائِيل ﵇ ويأنس بِمَا يتجلى لَهُ فيستدل بِهِ على مَا يخْتَار لَهُ ربه فَهَذَا شَأْن النَّبِي ﵇
وَإِذا كَانَ الْحِرْص فِي الدّين يضر فَكيف بِمن حرص على دنيا دنية يطْلب بهَا الْعُلُوّ على الْخلق فَمن فعل ذَلِك فِي دينه سمي جَاهِلا كَمَا قَالَ لَهُ ﴿فَلَا تكونن من الْجَاهِلين﴾ وَيكون قد عميت بصيرته قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ فَعميَ قلبه فِي ظلمات الْمعاصِي جمعا من غير حق ومنعا من حق وإنفاقا من غير حق
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين﴾
وَقَالَ ﵇ حبك الشَّيْء يعمي ويصم
стр. 1217
إِنَّمَا حرص على جمعه لحبه إِيَّاه فأعماه وأصمه عَن أَمر الله فِيهِ وَعَن حُقُوقه فِيهِ وَعَن حُدُوده فِيهِ وألهاه تكاثره بِهِ عَن ذكر الْمَوْت حَتَّى زار الْمَقَابِر أَصمّ أعمى قد لحقته حُقُوق المَال كالزنابير تلسعه وكالعقارب تلدغه وكالحيات تنهشه قَالَ الله تَعَالَى وَلَا تحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيرا لَهُم بل هُوَ شَرّ لَهُم سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَن الَّذِي جمع من غير حلّه وَمنع الْحُقُوق مِنْهُ تمثل لَهُ مَاله حَيَّة يطوق بهَا عُنُقه فتقض قضا بأسنانها شؤن رَأسه بِأَكْل دماغه ثمَّ يعود كَمَا كَانَ ثمَّ يفعل بِهِ مثل ذَلِك فَمَا زَالَ هَذَا حَاله فِي الْموقف حَتَّى يقْضِي الله بَين الْعباد ثمَّ مصيره إِلَى مَا شَاءَ الله من النَّار أَو غَيرهَا
فالحرص فِي الدّين يطمس الْعلم وَيكون صَاحبه جَاهِلا إِن خرج الْحِرْص من الوثاق فَإِذا كَانَ فِي وثاق انْتفع بِهِ صَاحبه لِأَن الله تَعَالَى وَضعه فِي الْآدَمِيّ ليَكُون عونا لَهُ وَقُوَّة على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَإِذا كَانَ الْحِرْص مفقودا أَدَّاهُ إِلَى الْعَجز والكسل فِي أَمر الله تَعَالَى وَفِي عبودته فالحرص على الدُّنْيَا إِذا كَانَ فِي وثاق يقفه على القناعة بِمَا قسم الله لَهُ من دُنْيَاهُ فَكلما أَتَاهُ شَيْء مِنْهَا من حلّه من غير طمع وَلَا إشراف نفس قبله من ربه وحمده عَلَيْهِ وقنع بِهِ والحرص فِي دينه إِذا كَانَ فِي وثاق يقفه على حُدُود مراقبة الْمَشِيئَة وتدبير الله
стр. 1218
وَرُوِيَ لنا عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ بعث إِلَيْهِ بهدية كَأَنَّهُ امْتنع من قبُولهَا فَقَالَ لَهُ يَا عمر مَا آتاك الله من هَذَا المَال من غير مَسْأَلَة وَلَا إشراف نفس فَخذه فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْك
فَمن أدبه الله وهذبه كَانَ حرصه على مَا وَصفنَا
стр. 1219
- الأَصْل التِّسْعُونَ والمائتان
-
فِي أَن مَرَاتِب الشُّهَدَاء سبع أَو ثَمَان
عَن جَابر بن عتِيك أَن رَسُول الله ﷺ جَاءَ يعود عبد الله بن ثَابت فَوَجَدَهُ قد غلب عَلَيْهِ فصاح بِهِ فَلم يجبهُ فَاسْتَرْجع رَسُول الله ﷺ وَقَالَ غلبنا عَلَيْك يَا أَبَا الرّبيع فصاح النسْوَة وبكين فَجعل ابْن عتِيك يسكتهن فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دَعْهُنَّ فَإِذا وَجب فَلَا تبكين باكية
قَالُوا وَمَا الْوُجُوب يَا رَسُول الله
قَالَ إِذا مَاتَ
قَالَت ابْنَته وَالله إِنِّي كنت لأرجو أَن تكون شَهِيدا فَإنَّك قد كنت قضيت جهادك
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله قد أوقع أجره على قدر نِيَّته ثمَّ قَالَ مَا تَعدونَ الشَّهَادَة فِيكُم
قَالُوا الْقَتْل فِي سَبِيل الله
قَالَ رَسُول الله ﷺ الشَّهَادَة سبع سوى الْقَتْل فِي سَبِيل الله المطعون شَهِيد والغريق شَهِيد وَصَاحب ذَات الْجنب شَهِيد والمبطون شَهِيد
стр. 1220
وَصَاحب الْحَرِيق شَهِيد وَالَّذِي يَمُوت تَحت الْهدم شَهِيد وَالْمَرْأَة تَمُوت بِجمع شَهِيد
قَالَ أَبُو عبد الله فالشهادة لَهَا مرتبَة عَظِيمَة عِنْد الله والصدق أعظم مرتبَة وَقد ذكر الله فِي تَنْزِيله الصِّنْفَيْنِ فَقدم الصدْق على الشَّهَادَة فَقَالَ ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾
فَبَدَأَ بِالْأولِ فَالْأول ذكرالنبوة ثمَّ الصدْق ثمَّ الشَّهَادَة ثمَّ الصّلاح فالصديق صدق الله فِي بذل نَفسه لَهُ فِي جَمِيع عمره والشهيد صدق الله فِي بذل نَفسه لَهُ فِي وَقت الْوَفَاة وَإِنَّمَا نَالَ الْكَرَامَة كل هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف ببذل النَّفس وَمن بذل نَفسه لله تَعَالَى فقد آثر الله على نَفسه وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى وضع للْعَبد فِي هَذَا القالب أَعنِي الْجَسَد روحا بِهِ حيى وبالنفس الَّتِي فِي جَوْفه وَهِي الأمارة بالسوء الْمحبَّة للحياة فِي الدُّنْيَا فَعظم الْآدَمِيّ هَذِه الْحَيَاة هَهُنَا ليلتذ بالأشياء بقوتها وَعظم الله الْحَيَاة فِي الدَّار الْآخِرَة وَقَالَ تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾
فالحيوان فِي الْجنَّة والحياة فِي الدُّنْيَا وكل شَيْء على قالب فعلان فَهُوَ أَكثر من قالب فعيل وفاعل كَقَوْلِه الرَّحْمَن والرحيم والعريان والعاري
стр. 1221
وَحسان وَحسن وندمان ونديم فالعريان هُوَ المتجرد عَن الثَّوْب والعاري الَّذِي أخلق ثِيَابه وبلي قَالَ النَّابِغَة
(أَتَيْتُك عَارِيا خلقا ثِيَابِي … على خوف يظنّ بِي الظنون)
فالحياة الْعُظْمَى هِيَ حَيَاة الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت فَمن حيى قلبه بِاللَّه سعد وللحياة بَين الْعباد دَرَجَات فالكافر ميت الْقلب حَيّ الْجَسَد بحياة الرّوح فِيهِ وحياة النَّفس الأمارة بالسوء وَالْمُؤمن حَيّ الْقلب حَيّ الْجَسَد فحياة قلبه بِاللَّه وحياة جسده بِالروحِ وَالنَّفس فنال بِتِلْكَ الْحَيَاة التَّوْحِيد ثمَّ لم يزل يعْمل الطَّاعَات يتَقرَّب بهَا إِلَى ربه فَكلما ازْدَادَ قربا زَاده الله حَيَاة قلب بِهِ وَكلما ازْدَادَ من الله قربه ازْدَادَ حَيَاة حَتَّى ينَال دَرَجَة الشَّهَادَة فيبذل نَفسه لله ويؤثر الله على نَفسه عِنْد كل أَمر لِأَن الْمُؤمن ممتحن بالشهوات فَإِذا عارضته شَهْوَة آثر الله على تِلْكَ الشَّهْوَة فرفضها وَلم يذقْ نَفسه طعمها عادى نَفسه فِي ذَات الله فَهَذَا عبد قد أَرَادَ الله ورفض نَفسه فَحق على الله أَن يُريدهُ ويؤثره وَإِن للشهوة حلاوة وَلَذَّة ولوجود الله بِالْقَلْبِ لَذَّة وحلاوة ووجوده أَن يتَرَاءَى لفؤاده نور من أنوار فيهيج من قلبه حبه لَهُ وشوقه إِلَى لِقَائِه فَكلما كَانَ ذَلِك النُّور أَعلَى كَانَ هيجان الْقلب وفوران الشوق وسلطان الْحبّ أقوى وَأَشد فَمن عارضته شَهْوَة من شهوات الدُّنْيَا فَأعْطى نَفسه حلاوتها ولذتها فقد آثر نَفسه على الله تَعَالَى فَهُوَ مَحْجُوب عَن الله بِقدر مَا آثر لِأَن قلبه قد صَار والها عَن الله بِتِلْكَ الشَّهْوَة فبقدر مَا صَار وَصَارَ ولهه إِلَى الشَّهْوَة نقص ولهه الَّذِي يوله إِلَى الله وبقدر ذَلِك نقص من نور كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِن نور كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله أثقل فِي الْمِيزَان من سبع سموات وَسبع أَرضين وَجَمِيع مَا فيهمَا من الْخلق
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ قَالَ مُوسَى ﵇ يَا رب دلَّنِي على عمل أعمله
قَالَ يَا مُوسَى قل لَا إِلَه إِلَّا الله
стр. 1222
قَالَ يَا رب دلَّنِي على عمل أعمله قَالَ يَا مُوسَى قل لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ يَا رب دلَّنِي على عمل قَالَ فَأَرَادَ نَبِي الله أَن يعْمل عملا ينهك مِنْهُ بدنه فَقَالَ يَا مُوسَى إِن السَّمَوَات وَالْأَرضين وَمن فيهمَا من الْخلق لَو وضعت فِي كفة وَوضعت لَا إِلَه إِلَّا الله فِي كفة لرجحت بِهن
عَن مُحَمَّد بن عَليّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ أَمْسَى فِي الْأَنْصَار بقباء عَشِيَّة خَمِيس وَأمسى صَائِما فَأَتَاهُ أَوْس بن خَوْلَة الْأنْصَارِيّ لما أَمْسَى بقدح فذاقه فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ مَا شرابك فَقَالَ مَاء وَعسل أَو لبن وَعسل قَالَ فَوَضعه وَقَالَ أما إِنِّي لَا أحرمهُ وَلَكِن أتركه تواضعا لله تَعَالَى فَإِنَّهُ من تواضع لله رَفعه الله وَمن اقتصد أغناه الله وَمن بذر أفقره الله
فَهَذَا يُحَقّق لَك مَا قُلْنَا بدءا أَن من آثر الله على شَهْوَة فقد بذل نَفسه لله وَمن آثر الشَّهْوَة لَقِي مَا لَقِي الْخضر ﵇ حَيْثُ عوتب على فعله وَإِنَّمَا يُعَاتب الأحباب والخواص من الْعباد والأباعد لَا يعاتبون وَلَا يَبْتَغِي مِنْهُم ذَلِك
رُوِيَ عَن وهب بن مُنَبّه ﵁ قَالَ بَيْنَمَا الْخضر ﵇ قَاعد على شط الْبَحْر إِذا أَتَاهُ سَائل فَوقف عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَيهَا الْقَاعِد أَسأَلك بِوَجْه الله أَن تعطف عَليّ بِخَير فَغشيَ على الْخضر عَلَيْهِ
стр. 1223
السَّلَام سَاعَة من مقَالَة السَّائِل بِوَجْه الله فأفاق ثمَّ قَالَ أَيهَا السَّائِل سَأَلتنِي بِوَجْه الله لَا أَدْرِي مَا أكافئك بِهِ وَلَيْسَ من الْأَشْيَاء أكْرم عَليّ شَيْء من نَفسِي فقد بذلتك نَفسِي بعزة وَجه الله فدونك فبعها وانتفع بِثمنِهَا
فَذهب بِهِ السَّائِل فعرضه على البيع فَبَاعَهُ من رجل غَنِي يُقَال لَهُ ساحم بن أَرقم فَذهب بِهِ إِلَى منزله وَله بُسْتَان صَغِير فِي دَاره بجنبها جبل كَبِير فَدفع المسحاة إِلَيْهِ وَأمره أَن ينحت شَيْئا من ذَلِك الْجَبَل الَّذِي فِي الْبُسْتَان قدر مَا يغْرس فِيهِ شَيْئا وَغَابَ ساحم إِلَى حَاجته وَأَقْبل الْخضر على النحت من ذَلِك الْجَبَل فَأَبْطَأَ مَوْلَاهُ فِي حَاجته فجَاء إِلَى بَيته ممسيا فَقَالَ لمن فِي الْبَيْت أطعمْتُم هَذَا الْغُلَام قَالُوا أَيّمَا غُلَام قَالَ الَّذِي اشْتَرَيْته الْيَوْم وَجَعَلته فِي الْبُسْتَان قَالُوا لَا علم لنا بِهِ فَاسْتَرْجع وَأخذ الطَّعَام وَدخل عَلَيْهِ فَإِذا هُوَ فرغ من ذَلِك الْجَبَل وَهَذِه وَذَلِكَ الْجَبَل فَرسَخ فِي فَرسَخ قد سوى فِي ذَلِك الْبُسْتَان وَأَصْلحهُ وَفرغ مِنْهُ وَقَامَ إِلَى الصَّلَاة فَنظر ساحم إِلَى أَمر عَظِيم وَفرغ من ذَلِك فتعجب وَكَاد يغشى عَلَيْهِ فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ من أَنْت قَالَ أَنا عَبدك قَالَ نعم فَمَا قصتك وَمَا جنسك وَمِمَّنْ أَنْت قَالَ أما الْقِصَّة فعبد بيع وَآخر اشْترى وَأما الْجِنْس فَمن آدم ﵇ وآدَم من تُرَاب قَالَ فَمن أَيْن لَك هَذِه الْقُوَّة الَّتِي أرى قَالَ من الله قَالَ فأسألك بِوَجْه الله لما صدقتني من أَنْت فَغشيَ على الْخضر وَسقط سَاعَة مغشيا عَلَيْهِ
فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أَنا الْخضر المذنب فَغشيَ على ساحم سَاعَة علم أَنه الْخضر فأفاق ثمَّ غشي عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق وَهُوَ يَقُول سُبْحَانَ خَالق النُّور أعتقت عَبدك ووليك وحبيبك وصفيك خضر لوجهك وَأَسْأَلك التَّوْبَة مِمَّا كَانَ من استعمالي إِيَّاه فَسجدَ الْخضر سَجْدَة وَهُوَ يَقُول يَا رب بِوَجْهِك بذلت نَفسِي وبوجهك أَقرَرت بِالرّقِّ وبوجهك بِعْت رقبتي وبوجهك رددت إِلَيّ نَفسِي فَمن الَّذِي رجاك فخيبته وَمن الَّذِي خافك فَلم
стр. 1224
تؤمنه وَمن الَّذِي دعَاك فَلم تجبه يَا رب أَدْعُوك دَعْوَة الخاطئين يَا رب أعتقني ساحم فَمن يعتقني من ذُنُوبِي الموبقة خلصني ساحم من عبودته فَمن يخلصني من سيئآتي وذنوبي عِنْد ذِي الْعَرْش فَقَالَ لَهُ ساحم أَقْسَمت عَلَيْك بعزة الله أَن تُخبرنِي بِالسَّبَبِ كَيفَ صرت عبدا وَمَا الَّذِي صير إِلَى أَن بِعْت نَفسك قَالَ الْوَجْه الَّذِي أعتقني لَهُ ثمَّ قصّ عَلَيْهِ الْقِصَّة
قَالَ وَقد عظمت علينا منتك يَا ساحم فَإِن رَأَيْت أَن أقيم فأؤدي بعض مَا يجب من حَقك أَقمت وَإِن أَذِنت لي بِالرُّجُوعِ بعد إِذْ أعتقتني فَأَنت الْمَأْجُور فِيهِ فَقَالَ ساحم فقد أَذِنت لَك يَا ولي الله ارْجع بِسَلام واذكرني فِي دعائك فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لساحم وأرحمه رَحْمَة لَا عَذَاب بعْدهَا قَالَ فَنُوديَ قد أجبْت يَا خضر
قَالَ وَمضى خضر حَتَّى أَتَى الْبَحْر فَإِذا هُوَ بِرَجُل قَائِم على وَجه المَاء شاخص ببصره إِلَى السَّمَاء وَهُوَ يَقُول يَا من أمسك السَّمَوَات بأَمْره فَلَا يسْقط بَعْضهَا على بعض يَا من دحا الأَرْض وَمَا فِيهَا فأحصى عدد مَا فِيهَا من مَثَاقِيل رملها وحصبائها يَا من عاقب الْخضر بِذَنبِهِ وابتلاه بالعبودة بِذَنبِهِ خلصه وَاجعَل تَوْبَته مَقْبُولَة بِوَجْهِك أكْرم الْوُجُوه فَدَنَا مِنْهُ الْخضر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا عبد الله من أَنْت الَّذِي تسْأَل التَّوْبَة للخضر قَالَ أَنا الَّذِي آمَنت بِجلَال رَبِّي فاشتغلت بأَدَاء شكر إيماني وَإِن الْخضر لم يزل مَعْصُوما حَتَّى رغب فِي الدُّنْيَا وَأدْخل فِي قلبه حبها فابتلي فقد رَحمته وأخلصت لَهُ دعائي فَقَالَ لَهُ أَنا الْخضر فَقَالَ إِلَيْك إِلَيْك أَيهَا المذنب لَا تخالطني أَيهَا الميال إِلَى الميالة وَالذَّيَّال إِلَى الذيالة والمغرور إِلَى المغرورة أنسيت نعيم الْآخِرَة فجرك النسْيَان إِلَى طلب نعيم الدُّنْيَا أَو قد نسيت شدَّة الْآخِرَة وبؤسها فطلبت رَاحَة الدُّنْيَا وسرورها أَلَيْسَ الله أبلاك بِمَا ابتلاك عُقُوبَة مِنْهُ عَلَيْك فَلَو قد نجوت مِمَّا قد رَأَيْت لربحت يَا خضر الخاطئ تبوأت لنَفسك مَكَانا كَأَنَّك تخلد فِيهَا
стр. 1225
وَقد غرست لراحتك ظلا كَأَنَّك بَاقٍ فِيهَا أَو مَا علمت أَن أمكنتها مبدلة وَأَن أغراسها منقلعة وَأَن عمرانها مخربة وَأَن نعيمها زائلة بِمن فِيهَا يَا خضر الخاطئ أَيْن كَانَ قَلْبك سَاعَة غرستها حَتَّى فرغت قَلْبك لغرسها أَيْن كَانَت فكرتك عَن الْآخِرَة أَلَيْسَ قد خلا قَلْبك عَن ذكر الْآخِرَة بِذكر الدُّنْيَا سَاعَة وَإِن السَّاعَة فِي ذكر الْآخِرَة لبلاغا للعاقلين يَا خضر قد ابْتليت بِالدُّعَاءِ لَك من عبودة الرَّحْمَن
قَالَ وَذَلِكَ أَن الْخضر كَانَ لَهُ مَوضِع مَعْلُوم على بعض شواطئ الْبَحْر فَإِذا خرج الْخضر إِلَى الْبر عبد الله تَعَالَى فِيهِ
قَالَ فغرس فِي ذَلِك الْموضع شَجَرَة يعبد الله تَعَالَى فِي ظلّ أَغْصَانهَا إِذا اشْتهى الْعِبَادَة فِيهَا استتر بهَا فِي عِبَادَته فَعلم الله مِنْهُ حب الدُّنْيَا بِقدر مَا اشْتهى من تنزهه بهَا وَإِن كَانَ ذَلِك فِي طَاعَته عاقبه الله تَعَالَى بذلك السَّائِل حَتَّى صَارَت عِبَادَته فِي عبودة عبد من عباد الله وَلم يدر الْخضر أَنه ابْتُلِيَ بذنب حَتَّى سمع مَا سمع من العابد الْقَائِم على ظهر المَاء وَكَانَ اسْمه سادون بن اشى فَلَمَّا سمع الْخضر بذلك خر سَاجِدا وَهُوَ يَقُول يَا رب مَا طلبت بذلك إِلَّا وَجهك ورضاك فَنُوديَ يَا خضر آثرت الدُّنْيَا على الْآخِرَة وفرغت قَلْبك لحبها دون حب الْآخِرَة وَعِزَّتِي مَا لي فِي حبها رِضَاء وَلَا أكْرم من أحبها وَلَو كَانَ لي فِي حبها رِضَاء لخصصت بهَا أوليائي وَلَكِن أزويها عَنْهُم لهوانها عَليّ وكرامتهم لدي أذهب فَلَا مرغب لي فِيمَن رغب فِي الدُّنْيَا وأمكنها من قلبه فلولا مَا أدركك من دُعَاء سادون لأنزلت عَلَيْك بوائقي ولتتابعت عَلَيْك عقوباتي
قَالَ وَذَلِكَ أَن سادون طلبه فِي مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ يسكن فِيهِ أَن يرَاهُ فَلم يره فِي مَقْعَده وَلم يجده فَدَعَا الله أَن يدله على الْخضر ويعلمه مَكَانَهُ وَكَانَ يعرف الْخضر وَالْخضر لَا يعرفهُ
قَالَ فأري أَن الْخضر أحب الدُّنْيَا وزهرتها وعوقب بعقوبة كَذَا
стр. 1226
وَكَذَا فَوقف بَين يَدي الله قَائِما على المَاء شاخصا ببصره إِلَى السَّمَاء وَهُوَ يَقُول يَا رب إِن أَنْت أهنت عَبدك الْخضر بعد كرامته فَمن يُكرمهُ يَا رب ارْتكب عَظِيما وَحمل ثقيلا وخان نَفسه وَنسي الْعَهْد يَا من لَا ينسى كل مَا كَانَ وَيكون من أَمر عباده أذكر عِنْد ذنُوب الْخضر مَا مننت بِهِ عَلَيْهِ من أَنْوَاع طَاعَتك وعظيم عِبَادَته إياك يَا من نَاصِيَة الْخضر بِيَدِهِ يَا من لَيْسَ لَهُ حراك نفس وَلَا عصمتها وَلَا طرفَة عين إِلَّا بِأَمْرك ومشيئتك وقدرتك يَا رب فَاغْفِر لَهُ مَا قدرت عَلَيْهِ من معصيتك وَقدر عَلَيْهِ طَاعَتك فَإِنَّهَا تذْهب معصيتك يَا رب فَاسْتَجَاب الله لَهُ وخلص الْخضر مِمَّا كَانَ ابْتُلِيَ بِهِ من الْعقُوبَة
قَالَ فَرفع الْخضر رَأسه وأتى من سَاعَته سادون وَهُوَ يَقُول يَا سادون الْمَمْنُون عَليّ بمنة الله وجلاله أَيْن عَرفتنِي وَلم أعرفك يَا أخي فَقَالَ لَهُ سادون يَا خضر إِن قُلُوب أَوْلِيَاء الله زاهرة نائرة لَهَا شُعَاع كشعاع الشَّمْس تطلع على قُلُوب أَوْلِيَاء الله أَلا ترى إِلَى الشَّمْس مَا أعظم قدرهَا وَأكْثر ضوءها فَلَو غشيتها الظلمَة القليلة لأذهبت بِأَكْثَرَ ضوئها وَكَذَلِكَ قلب ولي الله صَاف طَاهِر فَلَو غشيه حب الدُّنْيَا بِقدر ذرة لأكدر ضوءها ولأضعف شعاعها فَإِذا خلص الْقلب من حب الدُّنْيَا ترَاهُ ينظر إِلَى أَوْلِيَاء الله فِي مظانهم وَقد عرفك قلبِي فو الله لَو كَانَ قَلْبك للدنيا مثل قلبِي لعرفني قَلْبك كَمَا عرفك قلبِي فَقَالَ لَهُ الْخضر يَا سادون وَكَيف قَلْبك للدنيا
قَالَ بلغ من بغض الدُّنْيَا مَا لَو أَن الله تَعَالَى عرض عَليّ الدُّنْيَا وَالْجنَّة لأبيت قبولهما وَلست أُرِيد الْجنَّة مَعَ مَا أبغضها الله وَذَلِكَ أَنِّي أُؤْثِر رِضَاء الله على رضائي فَإِن رِضَاء الله ترك الدُّنْيَا ورضائي دُخُول الْجنَّة وَلَو أَن الله خيرني بَين أَن أبقى فِي الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا خَالِدا مخلدا أبدا لَا أَمُوت فِيهَا وَبَين أَن يقبضني ويدخلني النَّار السَّاعَة لاخترت أَن يقبضني ويدخلني النَّار السَّاعَة وَذَلِكَ أَنِّي أُؤْثِر سخطي على سخط الله تَعَالَى وَأَن
стр. 1227
حب الدُّنْيَا سخط الله وَدخُول النَّار سخطي أفتجد ذَلِك فِي قَلْبك يَا خضر قَالَ لَا
قَالَ لَو كَانَ ذَلِك فِي قَلْبك لَكَانَ يراني قَلْبك اذْهَبْ فَلْيَكُن أَكثر عبادتك بعض مَا أبْغض الله وَهِي الدُّنْيَا لَيْسَ حب الدُّنْيَا بِجمع أموالها وشهواتها وزهرتها وَلَكِن حب الدُّنْيَا أَن يشغل قَلْبك عَن حب الْآخِرَة وَلَو طرفَة عين أبغضها بغضا لَا يكونن شَيْء أبْغض إِلَيْك مِنْهَا فَإنَّك لَا تطِيق أَن تحب الْآخِرَة إِلَّا على قدر مَا تبغض الدُّنْيَا فَقَالَ يَا سادون ادْع الله تَعَالَى أَن يَتُوب عَليّ بِمَا ارتكبت فَإِنِّي استحيي من رَبِّي أَن أَدْعُوهُ فقد حاربته مَعَ عدوه فَقَالَ سادون يَا رب قدرت على عَبدك الذَّنب فارتكب من الذَّنب مَا ارْتكب وَمَا كَانَ أَهلا لذَلِك وَهُوَ عدل مِنْك يَا رب ثمَّ قدرت لَهُ الْخَلَاص من عُقُوبَتك يَا رب وألهمته طلب التَّوْبَة من ذنُوبه يَا رب فتب عَلَيْهِ فقد عرف ذَنبه تَوْبَة مصر غير عَائِد يَا رب إِن الْخضر سَأَلَني أَن أَدْعُوك فقد دعوتك مدلا عَلَيْك بِمَا وَعَدتنِي من حسن إجابتك فِي أوليائك
فَنُوديَ مر الْخضر أَن يزهد فِي الدُّنْيَا فَإِذا زهد فِي الدُّنْيَا اشتاق إِلَيّ وَمن اشتاق إِلَيّ اشْتقت إِلَيْهِ وَلَا أشتاق إِلَى من لَا أُرِيد مغفرته وَلم أَرض عَنهُ فَأخْبرهُ سادون فزهد بعد ذَلِك الْخضر زهدا لم يزهد أحد مثله وَكَانَ سادون رجلا ملاحا فَكَانَ ذَات لَيْلَة نَائِما على شط الْبَحْر إِذْ خرجت سمكتان فَوَقَعَتَا حذاءه فَسكت عَنْهُمَا سادون رَجَاء أَن يخرجَا إِلَى الْبر فيأخذهما فنادته إِحْدَاهمَا يَا سادون أبلغ حبك الدُّنْيَا أَن تطمع فِي برهَا وبحرها وَالله إِنَّك طمعت أَن تصطاد من هُوَ أعبد إِلَى الله مِنْك فنادتها صاحبتها يَا هَذِه أتمنين على سادون بعبادتك وَلم تُؤَد شكر نعْمَة أنعمها الله عَلَيْك فَقلت من أَنْتُمَا فَقَالَت الْأَخِيرَة أما الَّتِي نادتك بالْكلَام الأول منت على الله فمسخها الله الْآن فها هِيَ ذِي ممسوخة خرساء وَأما أَنا فَمن جنس السّمك الَّذِي كَانَ يُونُس بن مَتى عَلَيْهِ
стр. 1228
السَّلَام فِي بَطنهَا فَقَالَ سادون كَيفَ خصها الله بِيُونُس ﵇ من بَين دَوَاب الْبَحْر قَالَت كَانَت تعبد الله فِي الْبَحْر بزهدها قَالَ فَكيف كَانَ زهدها قَالَت كَانَت لَا تَبْرَح فَإِن أُوتيت صيدا عفوا أَكلته وَإِلَّا صبرت فَكَانَت دَوَاب الْبَحْر تسميها السَّمَكَة الزاهدة فأكرمها الله بِنَبِيِّهِ وَرَسُوله ﵇ إِكْرَاما لَهَا بزهدها فزهد سادون فِي مَكَانَهُ زهدا وأخلص لله عِبَادَته فَقَامَ من سَاعَته فَمر على المَاء فَلَمَّا توَسط الْبَحْر وقف فَلم يزل إِلَى أَن صَار إِلَى الْخضر يعبد الله ويدعوه
قَالَ أَبُو عبد الله فنور هَذِه الْكَلِمَة بلغ هَذَا الْمبلغ فَإِنَّمَا بلغ بِصدق الْقَائِل وَلَو كَانَ غير الصدْق لَكَانَ الْمُنَافِق قد قَالَه وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى قد قالوها فأصدقهم فِي الْمقَال أعظمهم نورا والصدق فِي الْمقَال إِنَّمَا يظْهر من العَبْد ببذل النَّفس لله وإيثاره ربه على نَفسه فِي كل مَشِيئَة وَإِرَادَة وشهوة فَإِذا آثر الله فقد صدق الله فِي إِرَادَته ربه ورفض نَفسه فالنبي بِفضل نبوته أَرَادَ الله إِرَادَة بِزِيَادَة الْحَيَاة الَّتِي فِي قلبه وَالصديق هُوَ دون النَّبِي والشهيد دونهمَا وَهُوَ أقل حَيَاة من الصّديق وَالصديق أقل حَيَاة من النَّبِي والصالح أقل حَيَاة من الشَّهِيد وَمن حيى بِاللَّه نَالَ نور الْيَقِين فَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف على درجاتهم على مَا وَصفنَا فِي الْحَيَاة بِاللَّه وَالْيَقِين بِهِ فأوفرهم حظا من الْحَيَاة وَالْيَقِين أَشَّدهم شوقا إِلَيْهِ وَإِرَادَة لَهُ وإيثارا لَهُ على شهوات نَفسه فالنبي رَأس الشُّهَدَاء ثمَّ الصّديق من بعده ثمَّ الْقَتِيل فِي سَبِيل الله ثمَّ من بعد ذَلِك من هَذِه الْأَصْنَاف الَّتِي ذكرهَا فِي الحَدِيث وأصناف آخَرُونَ مذكورون فِي غير هَذَا الحَدِيث وَإِنَّمَا قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث الشَّهَادَة سبع وَلم يقل وَلَا يكون شَهِيدا من وَرَاء السَّبع إِنَّمَا ذكر السَّبع فِي ذَلِك الموطن ثمَّ ذكر بعد ذَلِك أَن الْغَرِيب إِذْ مَاتَ فَهُوَ شَهِيد وَمن مَاتَ مرابطا فَهُوَ شَهِيد وَمن خرج فِي طلب الْعلم فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد وَمن دَامَ على الطَّهَارَة متوضئا فَهُوَ شَهِيد وَمن مَاتَ فِي يَوْم الْجُمُعَة فَهُوَ شَهِيد
стр. 1229
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ موت الغربة شَهَادَة
عَن عبد الله بن عَمْرو أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من مَاتَ يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة وَقَاه الله فتْنَة الْقَبْر
عَن ابْن عمر ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ بِمثلِهِ وَزَاد فِيهِ وغذي وريح عَلَيْهِ من الْجنَّة أَي يرزقه تَعَالَى
فَأَما تَفْسِير الشَّهَادَة فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الله ﵎ اسْمه لما خلق الْمَوْت فزعت الْمَلَائِكَة مِنْهُ وَعظم شَأْنه عِنْدهم فَقَالُوا من يقوم لهَذَا فَقَالَ تَعَالَى فِيمَا رُوِيَ عَنهُ إِن لي عبادا يتمنونه حبا للقائي يتجرعون مرارته ويهون ذَلِك عَلَيْهِم اشتياقا إِلَيّ وَيَرْفُضُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا طَالِبين لي فعجبت الْمَلَائِكَة من شَأْن هَؤُلَاءِ العبيد وحنت إِلَى رُؤْيَتهمْ قَالَ فعرضت تِلْكَ الْأَرْوَاح عَلَيْهِم يَوْمئِذٍ فَمن شهد ذَلِك الْعرض يَوْمئِذٍ أثبت اسْمه وَسمي شَهِيدا أَي شُهَدَاء الْعرض وَكَانَ من أهل هَذِه الصّفة فَإِذا خرج الرّوح مِنْهُ صَار إِلَى ذَلِك المعرض وَكَانَ من الْأَحْيَاء المرزوقين فَلَمَّا صَارَت تِلْكَ الْأَرْوَاح إِلَى الأجساد فِي الدُّنْيَا كَانَت
стр. 1230
قُلُوبهم حَيَّة بِاللَّه على الصّفة الَّتِي وَصفنَا بدءا فَمنهمْ الصديقون أَوْلِيَاء الله يتمنون الْمَوْت لحب الله قَالَ الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله حِين ادَّعَت الْيَهُود ولَايَته فَقَالَ ﴿قل يَا أَيهَا الَّذين هادوا إِن زعمتم أَنكُمْ أَوْلِيَاء لله من دون النَّاس فتمنوا الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَا يتمنونه أبدا بِمَا قدمت أَيْديهم﴾
ثمَّ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف الَّذين ذكرهم فِي الحَدِيث هم فِي الْغَيْب فِي ذَلِك الْعرض قد اثبتت أَسمَاؤُهُم فِي الشُّهَدَاء لذَلِك الْمحل وَالْعرض فوفق الله لَهُم هَذِه الْأَحْوَال فَمن غرق فَأخذ المَاء بِنَفسِهِ كَانَت موتته موتَة وحية أَي سريعة بِلَا لبث فبذل نَفسه لما أيس من الْحَيَاة وَاخْتَارَ لِقَاء الله وَكَذَلِكَ صَاحب الْحَرِيق وَصَاحب الْهدم وَالنُّفَسَاء بِجمع إِذا نشب الْوَلَد فِي الْبَطن ايست من الْحَيَاة وآثرت لِقَاء الله وَكَذَلِكَ المطعون
وَسُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الطَّاعُون فَقَالَ وخز أعدائكم من الْجِنّ فَذَاك قَتِيل الْجِنّ يائس صَاحبه من الْحَيَاة فَكَذَلِك المبطون وَصَاحب ذَات الْجنب وَهُوَ صَاحب السل قد أيسا من الْحَيَاة لِأَن قُوَّة الْحَيَاة قد ذهبت من المبطون والمسلول وَقد أحست نفوسهما بِالْمَوْتِ وَكَذَلِكَ الْغَرِيب إِذا أشرف على الْمَوْت فَلم ير أَهله وَولده وَلَا أحبابه تمنى الْمَوْت وبذل نَفسه لِأَن هَؤُلَاءِ إِذا كَانُوا بالحضرة اشْتَدَّ على النَّفس فراقهم فأحبوا الْحَيَاة فَفِي هَذَا نُقْصَان وَلذَلِك تعوذ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أعوذ بك من حب الْعَيْش عِنْد حَضْرَة الْمَوْت فَإِذا أحب أَن يعِيش فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي دَعَاهُ الله إِلَيْهِ فَتَلَكَّأَ وَتردد فَذَاك عيب وَنقص فأصحاب الْفرش فِي هَذَا الْعَيْب لَا يتمنون الْمَوْت إِذا حضر لحب الْعَيْش
следующие страницы →