موسوعة شرح أسماء الله الحسنى
تأليف: أ. د. نوال عبد العزيز العيد
شارك في الإعداد والإخراج فريق علمي بإدارة: أ. وفاء بنت محسن التركي
стр. 2
المقدمة
رحلة المشروع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (١)، أما بعد:
بدأت فكرة الموسوعة بدروس علمية أسبوعية في جامع عثمان بن عفان في حي الواحة بالرياض في عام ١٤٢٦ من هجرة رسول الله ﷺ ، كل يوم أحد بعد صلاة العشاء، واستمرت قرابة السبع سنين، أنهينا فيها ولله الحمد شرح الأسماء الحسنى.
стр. 3
وقامت الفاضلة الأستاذة: نورة الغفيلي بتفريغ الشروح وترتيبها، إلا أنه كان من الصعب طباعتها ككتاب بعد هذا التفريغ؛ لحاجته للمراجعة والتهذيب، وتهيئتها لإخراجها كموسوعة.
وعليه تم تشكيل فريق بحثي قام بدراسة مسحية لجميع كتب شروح الأسماء الحسنى العلمية، وإعطاء وصف لكل كتاب، والإضافة العلمية فيه، واستخرت الله مع الفريق لإخراج موسوعة علمية لشرح أسماء الله الحسنى نرجو أن تكون عملًا صالحًا ممتدًا، يبقى أجره وبره بعد انقطاع الأجل.
ومما لا شك فيه أن في كل الكتب والشروح الخاصة بشرح أسماء الله الحسنى فائدة عظيمة وجليلة، ويكفيها في ذلك شرفًا أنها في أجل العلوم على الإطلاق، إلا أننا اجتهدنا بعد توفيق الله وتسديده في إضافة بعض المزايا في هذه الموسوعة، ويمكن تصنيف هذه المزايا كالتالي:
١ - تقسيم الموسوعة، وأسلوب الكتابة:
أولا: تم تقسيم الأسماء فيها على طريقة بديعة لم يُسبق إليها، -بحسب ما اطلع عليه الفريق العلمي-، وكانت على النحو التالي:
الأسماء التي ثبتت في القرآن والسنة.
الأسماء التي ثبتت في القرآن دون السنة.
الأسماء التي ثبتت في السنة دون القرآن.
ثانيا: أسلوب الكتابة في الموسوعة كان الأسلوب السهل الممتنع، إذ أنه يسهل على كل قارئ فهم الموسوعة، فصياغتها تجمع بين الأسلوب الأدبي البليغ، مع سهولة وسلاسة الألفاظ، وقوة وفخامة التراكيب.
стр. 4
٢ - العناية بالجانب العملي التطبيقي المستنبط من فهم أسماء الله الحسنى.
حيث اعتمدت الموسوعة على حصر جميع الآيات الواردة في الاسم، وربطها بآثارها المسلكية لتنمية ملكة الاستدلال والاستنباط لدى القارئ.
وتم التركيز على جانب الآثار المسلكية في كل اسم من الأسماء الحسنى، بحيث لا تقل نسبة هذه الآثار عن ٨٠% من مجمل شرح الاسم، ويقصد بهذه الآثار: التطبيقات الإيمانية والتربوية والسلوكية المستنبطة من الإيمان بهذه الأسماء الجليلة.
٣ - العناية بالجانب القيمي والأخلاقي المستنبط من فهم أسماء الله الحسنى.
فإضافة لتركيز الموسوعة على جانب الآثار المسلكية التطبيقية، فهي تخصص ملحقات خاصة بكل اسم يمكن أن يكون للعبد حظ منه، كاسم الكريم والرحمن والحيي والستير … الخ، وفي هذا الملحق يتم عرض هذه القيم والأخلاق ببيان معناها وفضلها وكيفية التخلق بها.
٤ - خضوع الموسوعة لعمليات عديدة في التقييم والتقويم.
فقد خضعت الموسوعة لعمليات عديدة في التقييم والتقويم، وذلك وفق آليات محددة كالتالي:
حصر جميع الأعمال التي تقدمت في شرح أسماء الله الحسنى، وتقييم العمل فيها قبل البدء بالموسوعة؛ للاستفادة منها، وتقديم إضافة علمية
стр. 5
حقيقة لما تقدم من مشاريع، وقد حقق الفريق العلمي ولله الحمد هذه الإضافة بشهادة المراجعين من أهل الاختصاص.
عُرضت جميع البحوث بعد الانتهاء منها على أستاذات فاضلات، حاصلات على درجة الدكتوراه في تخصصي: العقيدة واللغة العربية؛ للتدقيق العقدي واللغوي.
وقد تولى كامل الإشراف والمتابعة، والمشاركة في التصنيف الأستاذة الفاضلة: وفاء بنت محسن التركي، التي كانت تعمل ليل نهار من أجل هذا العمل المبارك، ولا تألُ جهدًا في إخراجه، حتى يسر الله التمام، وكتب الله صدور هذه الموسوعة المباركة التي نسأل الله لها القبول، (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم).
كتبته: …
أ. د. نوال العيد
стр. 6
المنهجية المتبعة في تقسيم الأسماء الحسنى
المنهجية الأولى: قسمت الأسماء الحسنى في هذه الموسوعة إلى ثلاثة أقسام، وهي:
الأسماء التي ثبتت في القرآن والسنة.
الأسماء التي ثبتت في القرآن دون السنة.
الأسماء التي ثبتت في السنة دون القرآن.
وهذا الشرط مضطردًا إلا في مواضع عشرة -سيأتي تفصيلها-، فقد تم تصنيف الاسم في أحد الأقسام الثلاثة المتقدمة بناء على الاسم الأول منها، كالخالق الخلاق البارئ المصور وضعناه تحت القسم الأول (الأسماء التي ثبتت في القرآن والسنة)؛ لأن الاسم الأول منها (الخالق) جاءت نصوص تثبته من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، أما الخلاق فلم يرد إلا في القرآن دون السنة ...... ، وهكذا في بقية الأسماء العشرة، وتفصيل ذلك ما يلي:
الأسماء التي أثبتت في القرآن والسنة، بناء على أن الاسم الأول منها ثابت فيهما:
الخالق والخلاق والبارئ والمصور.
الرازق والرزاق.
الكريم والأكرم.
الناصر والنصير والغالب.
стр. 7
الملك والمالك والمليك.
القدير والقادر والمقتدر.
القهار والقاهر.
الوكيل والكفيل والكافي.
الأسماء التي أثبتت في القرآن دون السنة، بناء على ان الاسم الأول منها ثبت في القرآن دون السنة، وهو اسم واحد:
الحسيب والديان.
الأسماء التي أثبتت في السنة دون القرآن، بناء على أن الاسم الأول منها ثابت في السنة دون القرآن، وهو اسم واحد:
السبوح والقدوس.
المنهجية الثانية: اضطراد العمل في الموسوعة على إفراد كل اسم بشرح مستقل إن كان مفردًا كالجبار والعفو والرفيق، أما الأسماء المختلفة في اللفظ والدالة على صفة واحدة كالحافظ الحفيظ، والكريم الأكرم، والمالك الملك … وغير ذلك من الأسماء فتم جمعها في شرح واحد، وكذلك الأسماء التي اختلف لفظها وتقاربت آثارها المسلكية تم جمعها في شرح واحد كالحيي الستير، والحاسب الديان، والقريب المجيب، وغيرها.
стр. 8
تقسيمات البحث
رحلة المشروع.
المنهجية المتبعة في تقسيم الأسماء.
تقسيمات البحث.
أهمية العيش مع أسماء الله وصفاته، وأثرها على المتدبر.
قواعد في أسماء الله وصفاته وفق منهج أهل السنة والجماعة.
شرح أسماء الله الحسنى، كالتالي:
أولًا: الأسماء التي ثبتت في القرآن الكريم والسنة النبوية:
١) الأول والآخر .
٢) بديع السماوات والأرض .
٣) البصير .
٤) التواب .
٥) الجبار .
٦) الحق .
٧) الحكيم والحكم .
٨) الحليم .
٩) الحميد .
стр. 9
١٠) الحي والقيوم .
١١) الخالق والخلاق والبارئ والمصور .
١٢) الخبير .
١٣) ذو الجلال والإكرام .
١٤) الرب .
١٥) الرحمن والرحيم .
١٦) الرازق والرزاق .
١٧) الرؤوف .
١٨) السلام .
١٩) السميع .
٢٠) الشكور والشاكر .
٢١) الشهيد .
٢٢) الصمد .
٢٣) الظاهر والباطن .
٢٤) العزيز .
٢٥) العظيم .
٢٦) العفو .
٢٧) العلي والأعلى والمتعال .
٤٦) الوكيل والكفيل، والكافي .
٤٧) الولي والمولى .
٤٨) الوهاب .
ثانيًا: الأسماء التي ثبتت في القرآن الكريم فقط
البر .
الحسيب والديان .
الحفيظ والحافظ .
ذو الفضل .
الرقيب .
الفتاح .
القوي والمتين .
المبين .
المحيط .
المهيمن .
المؤمن .
الهادي .
الوارث .
الواسع .
стр. 12
ثالثًا: الأسماء التي ثبتت في السنة النبوية فقط:
الجميل .
الحيي والستير .
الرفيق .
السبوح والقدوس .
السيد .
الشافي .
الطيب .
القابض والباسط .
المحسن .
المقدم والمؤخر .
المنان .
الوتر .
стр. 13
أهمية العيش مع أسماء الله وصفاته، وأثرها على المتدبر
إن أهم ما يتضمنّه الإيمان بالله تَعَالَى -الذي هو أول أركان الإيمان- هو التعرف على الله سُبْحَانَهُ بأسمائه وصفاته، ولهذه المعرفة آثار عظيمة في حياة المؤمن في الدنيا والآخرة، ومن ذلك ما يلي:
١ - العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم وأفضلها:
«فشرف العلم بشرف المعلوم، وهو الرب، وأن العلم به ثلاث مقامات: العلم بالذات، والصفات، والأفعال» (١)، «وكما أن العلم به تَعَالَى أجل العلوم وأشرفها، فهو أصلها كلها … ، وكل موجود سوى الله فهو مستند في وجوده إليه استناد المصنوع إلى صانعه، والمفعول إلى فاعله، فالعلم بذاته سُبْحَانَهُ وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه، فهو في ذاته رب كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومنشؤه، فمن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩] فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنًا شريفًا عظيمًا، وهو أن من نسى ربه أنساه ذاته، ونفسه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسى ما به صلاحه وفلاحه في معاشه» (٢).
стр. 14
٢ - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى هي الطريق الرئيسي إلى معرفة الله:
يقول ابن القيم ﵀: «معرفة الله سُبْحَانَهُ نوعان: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس، البر والفاجر، والمطيع والعاصي، والثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته والإنابة إليه، والأنس به، والفرار من الخلق إليه، وهذه هي المعرفة الخالصة الجارية على لسن القوم، وتفاوتهم فيها لا يحصيه إلا الذي عرفهم بنفسه، وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن سواهم، وكل أشار إلى هذه المعرفة بحسب مقامه، وما كشف له منها، وقد قال أعرف الخلق به: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (١)، وأخبر أنه سُبْحَانَهُ يفتح عليه يوم القيامة من محامده بما لا يحسنه الآن.
ولهذه المعرفة بابان واسعان: باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله، والباب الثاني: التفكر في آياته المشهودة وتأمل حكمته فيها وقدرته، ولطفه وإحسانه، وعدله وقيامه بالقسط على خلقه.
وجماع ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها، وتفرده بذلك، وتعلقها بالخلق والأمر، فيكون فقيهًا في أوامره ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيها في أسمائه وصفاته، فقيهًا في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (٢).
стр. 15
٣ - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى تقوي الإيمان وتحقق التوحيد، وتورث خشية الله:
فهناك تلازم وثيق بين إثبات الأسماء والصفات لله وتوحيد الله تَعَالَى، فكلما حقق العبد أسماء الله وصفاته علماً وعملاً كان أعظم وأكمل توحيداً، وفي المقابل: فإن هناك تلازماً وطيداً بين إنكار الأسماء أو الصفات، وبين الشرك.
يقول ابن القيم في تقرير هذا التلازم: «كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كماله - أو بعضه - وظن السوء به لما أشرك به، كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٦ - ٨٧].
أي فما ظنكم به أن يجازيكم، وقد عبدتم معه غيره؟ وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟ أظننتم: أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم: أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده، حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك؟ أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم، أم هو قاس؛ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل؛ فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة، ويتعزز به من الذلة؟ أم يحتاج إلى الولد؛ فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه؟ تَعَالَى الله عن ذلك كله علوا كبيرا، والمقصود: أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه، فلا تجد معطلا إلا وشركه على حسب تعطيله، فمستقل ومستكثر» (١)
يقول الشيخ السعدي في تقرير التوحيد بالإيمان بأسماء الله وصفاته: «إن
стр. 16
الإيمان بأسماء الله الحسنى، ومعرفتها يتضمّن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبيّة، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي رَوح الإيمان وروحه، وأصله وغايته، فكلّما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه، وقوي يقينه.
ويقول ابن القيم: «إن العلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله، ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها، وكمالها وما تزكو به، وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد، والجهل به أصل شقاوته … ، فلا شيء أطيب للعبد، ولا ألذ ولا أهنأ، ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه، ودوام ذكره والسعي في مرضاته، وهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأرسلت الرسل، وقامت السماوات والأرض، ووجدت الجنة والنار، ولأجله شرعت الشرائع» (١)
ومن قوي إيمانه وعلمه ازدادت خشيته من ربه، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وفي الحديث: يقول ﷺ : «أما واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له» (٢)، ويقول ابن مَسْعُودٍ في ذلكُ: «كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا» (٣).
стр. 17
٤ - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى أصل كل عبادة:
فمن أراد امتثال أوامر الله تَعَالَى واجتناب نواهيه فلابد أن يعرف ربه أولا، ولذلك كان أول أمرٍ أمرَ النبي صلى الله عليه به معاذ إذا قدم على أهل اليمن أن يعرفهم بربهم، ففي حديث ابن عباس ﵄ قال: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا ﵁ على اليمن قال: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (١).
٥ - إحصاء أسماء الله الحسنى من أعظم أسباب دخول الجنة:
روى البخاري في صحيحه من حديث أبو هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٢)
يقول ابن القيم في معنى إحصائها: «في بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة، وهذا هو قطب السعادة، ومدار النجاة والفلاح.
المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها.
стр. 18
المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهو مرتبتان، إحداهما: دعاء ثناء وعبادة، والثاني: دعاء طلب ومسألة فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وكذلك لا يسأل إلا بها» (١).
٦ - العمل بمقتضى أسماء الله الحسنى:
قال ابن بطال في معنى حديث «من أحصاها دخل الجنة»: «يحتمل أن يكون الإحصاء المراد في هذا الحديث والله أعلم: العمل بالأسماء والتعبد لمن سُمي بها، فإن قال قائل: كيف وجه إحصائها عملًا؟ قيل له وجه ذلك:
أن ما كان من أسماء الله تَعَالَى مما يجب على المؤمن الاقتداء بالله تَعَالَى فيه: كالرحيم والكريم، والعفو والغفور، والشكور والتواب وشبهها، فإن الله تَعَالَى يُحب أن يرى على عبده حلاها ويرضى له معناها، والاقتداء به تَعَالَى فيها، فهذا العمل بهذا النوع من الأسماء، وما كان منها مما لا يليق بالعبد معانيها كالله والأحد، والقدوس والجبار، والمتعال والمتكبر، والعظيم والعزيز، والقوي وشبهها، فإنه يجب على العبد الإقرار بها، والتذلل لها، والإشفاق منها.
وما كان بمعنى الوعيد: كشديد العقاب، وعزيز ذي انتقام، وسريع الحساب وشبهها، فإنه يجب على العبد الوقوف عند أمره، واجتناب نهيه، واستشعار خشية الله تَعَالَى من أجلها، خوف وعيده، وشديد عقابه، هذا وجه إحصائها عملًا، فهذا يدخل الجنة إن شاء الله، وأخبرني بعض أهل العلم عن
стр. 19
أبى محمد الأصيلى أنه أشار إلى هذا المعنى غير أنه لم يشرحه فقال: الإحصاء لأسمائه تَعَالَى هو: العمل بها، لا عدّها وحفظها فقط؛ لأنه قد يعدها المنافق والكافر وذلك غير نافع له» (١).
٧ - معرفة أسماء الله الحسنى من أعظم أسباب إجابة الدعاء:
فالله سُبْحَانَهُ أمر عباده أولا بدعائه بأسمائه الحسنى، في قول تَعَالَى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ووعد بالإجابة في قوله تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وفي حديث ابن مسعود ﵁ عن رَسُولِ الله ﷺ ؛ أنه قال: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌ ولا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِني عَبْدُك، ابْنُ عَبْدِك، ابْنُ أَمَتِك، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِك، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحَزَنَهُ وأَبْدَلَ مَكَانَه فَرَحًا». فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلَا نَتَعَلَّمُها؟ فَقَالَ: «بَلَى يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ سَمِعَها أَنْ يَتَعَلَّمَها» (٢).
٨ - محبة الله لمن فقه أسماءه الحسنى وأحبها:
ومما يدل على ذلك حديث عَاِئشَةَ ﵂؛ أنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ في صَلَاتِهِم، فَيَخْتِمُ بقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ للنَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: «سَلُوهُ لَأَي شَيْءٍ يَصْنَعُ
стр. 20
ذلك؟» فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَخْبِرُوه أنَّ اللهَ يُحِبُّه» (١)، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، قالَ الرَّجُلُ: إِنِّي أُحِبُّها، فَقَالَ: «حُبُّك إِياها أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (٢).
٩ - معرفة أسماء الله الحسنى تورث حياة طيبة للعبد:
ومن ذلك: الصبر على المكروهات والمصائب النازلة بالعبد، فهو سُبْحَانَهُ حكيم عليم، حكم عدل، ولا يظلم أحداً فمن عرف ربًا كذلك صبر على قضائه وقدره، يقول ابن القيم: «من صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقيناً أن المكروهات التي تصيبه والمحن الذي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع، التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب» (٣).
ومن ذلك أيضًا: حسن الظن بالله والثقة به تَعَالَى، فمعرفة أنه قادر حكيم، فعال لما يريد، يوجب ذلك، يقول ابن القيم: «وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء، ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين أعدائه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أن يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي،
стр. 21
ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء … » (١)
ومن ذلك أيضًا: حسن الخلق وسلامة السلوك والسلامة من الآفات كالعجب والكبر والحسد، فمن عرف ربه بأسمائه وصفاته لم يتكبر ولم يحسد أحداً على ما آتاه الله؛ لأن الحسد في الحقيقة مضاد لله في حكمته، فإنعام الله على عبده تابع لحكمته والحاسد يكره هذا الإنعام وقد اقتضته حكمة الله، فهو مضاد لله تَعَالَى في حكمته وقضائه وقدره.
стр. 22
قواعد في أسماء الله وصفاته وفق منهج أهل السنة والجماعة (١)
إن من أجل العلوم وأعظمها نفعًا وأكثرها فائدة معرفة القواعد والأصول، والضوابط الكلية الجامعة، وذلك لأن «الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان، والأصول للأشجار، لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماءً مطردًا، وبها تعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرا، كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها، غير ذلك من الفوائد العظيمة والمنافع الجليلة» (٢).
وعليه فإذا ضُبطت هذه القواعد وفهمت الأصول، أمكن الإلمام بكثير من المسائل التي هي بمثابة الفروع لها، وأمن الخلط بين المسائل التي قد تشتبه، وكان فيها تسهيل لفهم العلم وحفظه وضبطه، وبها يكون الكلام مبنيًا على علم متين وعدل وإنصاف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: «لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرد إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات،
стр. 23
وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم» (١).
وفيما يلي جملة من القواعد الأساسية، والضوابط المهمة في فقه أسماء الله الحسنى، مستمدة من الشريعة الإسلامية، معلومة بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وفي فهمها إعانة لفهم أسماء الله تَعَالَى وصفاته وفق منهج أهل السنة والجماعة، بعيدًا عن أراء أهل البدع والضلال.
стр. 24
أولا: أبرز القواعد في أسماء الله تعالى:
القاعدة الأولى: أسماء الله تَعَالَى كلها حسنى:
أي: بالغة في الحسن غايته، وقد وصف الله سُبْحَانَهُ أسماءه بالحسنى في أربع آيات من القرآن الكريم، وهي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠].
قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
وسميت بالحسنى؛ لأنها متضمنة للصفات الكاملة، التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالًا ولا تقديرًا، فمثلًا اسم الله (العليم) متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، يقول تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]، والحسن في أسماء الله تَعَالَى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل
стр. 25
بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال.
ويشترط في الاسم ليكون من أسماء الله الحسنى اجتماع ثلاثة شروط، وهي:
أن يكون قد جاء في الكتاب والسنة، يعني نُص عليه في الكتاب والسنة، نُص عليه بالاسم لا بالفعل، ولا بالمصدر.
أن يكون مما يدعى الله به.
أن يكون متضمنًا لمدح كامل مطلق غير مخصوص.
القاعدة الثانية: أسماء الله تَعَالَى أعلام وأوصاف:
فهي أعلام باعتبار: دلالتها على الذات، وبهذا الاعتبار تعد مترادفة؛ لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله ، أما اعتبارها أوصافًا فبما دلت عليه من المعاني، وبهذا الاعتبار تعد متباينة، لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص.
فمثلا: «الحي، العليم، القدير، السميع، البصير»، كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله ، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.
القاعدة الثالثة: أسماء الله تَعَالَى إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله .
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله .
стр. 26
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
مثال ذلك: «السميع» يتضمن إثبات السميع اسما لله تَعَالَى وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تَعَالَى «والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير».
وإن دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله .
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله .
مثال ذلك: «الحي» يتضمن إثبات الحي اسما لله وإثبات الحياة صفة له.
القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تَعَالَى على ذاته وصفاته تكون: بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام.
مثال ذلك: «الخالق» يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها، وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.
ولهذا لما ذكر الله خلق السماوات والأرض قال: «لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما».
ودلالة الالتزام مفيدة جدًا لطالب العلم إذا تدبر المعنى، ووفقه الله تَعَالَى فهمًا للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة.
стр. 27
القاعدة الخامسة: أسماء الله تَعَالَى توقيفية لا مجال للعقل فيها.
وعليه فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تَعَالَى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]؛ ولأن تسميته تَعَالَى بما لم يسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تَعَالَى، ويدخل في الإلحاد في أسمائه تَعَالَى، وقد يقع صاحبه في التشبيه؛ لأن المشبهة وصفوا الله بما لم يأذن به الله تَعَالَى.
يقول الخطابي في ذلك: «ومن علم هذا الباب، أعني: الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط، أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس؛ فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارف الكلام … ، فقد جاء في الأسماء: «القوي»، ولكن لا يقاس عليه الجلد، وإن كانا يتقاربان في نعوت الآدميين؛ لأن باب التجلد يدخله التكلف والاجتهاد، ولا يقاس على «القادر» المطيق ولا المستطيع؛ لأن الطاقة والاستطاعة إنما تطلقان على معنى قوة البنية، وتركيب الخلقة، ولا يقاس على «الرحيم» الرقيق، وإن كانت الرحمة في نعوت الآدميين نوعًا من رقة القلب، وفي صفات الله سُبْحَانَهُ: «الحليم» و «الصبور» فلا يجوز أن يقاس عليها الوقور والرزين» (١).
стр. 28
القاعدة السادسة: أسماء الله تَعَالَى غير محصورة بعدد معين:
لقوله ﷺ في دعائه: «أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أوْ علَّمْتَه أحدًا مِنْ خلقِك أو أنزلته في كتابِك أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ» (١)، وما استأثر الله تَعَالَى به في علم الغيب لا يمكن أحدا حصره ولا الإحاطة به.
وفي الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٢)
يقول ابن حجر: «وقد اختلف في هذا العدد -يقصد: حديث «إن لله تسعة وتسعين اسما» - هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذه العدة؟ أو أنها أكثر من ذلك، ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟ فذهب الجمهور إلى الثاني ونقل النووي اتفاق العلماء عليه، فقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تَعَالَى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين وإنما مقصود الحديث أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، ويؤيده قوله ﷺ في حديث بن مسعود: «أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أوْ علَّمْتَه أحدًا مِنْ خلقِك أو أنزلته في كتابِك أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ» (٣)
«فأما قوله ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد
стр. 29
الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسما، من أحصاها دخل الجنة، أو نحو ذلك.
القاعدة السابعة: الإلحاد في أسماء الله تَعَالَى هو الميل بها عما يجب فيها
والإلحاد في أسماء الله أنواع، وهي:
الأول: أن ينكر شيئًا منها، أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم.
الثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه.
الثالث: أن يسمى الله تَعَالَى بما لم يسم به نفسه، كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة).
الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم.
والإلحاد بجميع أنواعه محرم؛ لأن الله تَعَالَى هدد الملحدين بقوله:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ومنه ما يكون شركا أو كفرا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية.
«وقد برأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم
стр. 30
يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريئًا من التشبيه، وتنزيههم خليًا من التعطيل، لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنمًا، أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا» (١)
ثانيا: أبرز القواعد في صفات الله تعالى:
القاعدة الأولى: صفات الله تَعَالَى كلها صفات كمال لا نقص فيها أو ضعف.
فلصفاته سُبْحَانَهُ الكمال المطلق، يقول تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل: ٦٠]، والمثل الأعلى: هو الوصف الأعلى، وبالمقابل نزه الله نفسه سُبْحَانَهُ عن كل النقائص، يقول تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠]
وعليه فكل صفة لا كمال فيها تمتنع في حق الله تَعَالَى، كالموت، والجهل، والنسيان، والعجز، والعمى، ونحوها، وفي هذا آيات وشواهد كثيرة منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تَعَالَى على لسان موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى
وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، ويقول النبي ﷺ عن الدجال: «إنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ ربَّكُمْ عَزَّوجلَّ لَيْسَ بأعْورَ» (٢)، وقال: «أَيُّهَا
стр. 31
النَّاسُ ارْبَعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، إنَّكُمْ ليسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» (١).
وإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال لم تكن جائزة في حق الله تَعَالَى، ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له إثباتًا مطلقًا، ولا تنفى عنه نفيًا مطلقًا، بل لا بد من التفصيل، فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا، وذلك كالمكر، والكيد، والخداع، ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله، أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله تَعَالَى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]
ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [الأنفال: ٧١]، فقال:
стр. 32
فأمكن منهم، ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهى صفة ذم مطلقا، وبذا عرف أن قول بعض العوام: خان الله من يخون. منكر فاحش يجب النهي عنه.
القاعدة الثانية: باب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الإخبار أوسع من باب الصفات.
وذلك لأن كل اسم متضمن لصفة؛ ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تَعَالَى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧]، ومن أمثلة ذلك: أن من صفات الله تَعَالَى: المجيء، والإتيان، والأخذ، إلى غير ذلك من الصفات التي لا تحصى، كما قال تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾ [آل عمران: ١١]، فيوصف الله تَعَالَى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا يسمى بها، فلا يقال: إن من أسمائه الجائي، والآتي، والآخذ، ونحو ذلك، وإن كنا نخبر بذلك عنه
ونصفه به.
أما ما يتعلق بباب الإخبار عنه تَعَالَى فهو أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالموجود، والقائم بنفسه، فإنه يخبر به عنه، ولا يدخل في أسمائه الحسنى، وصفاته العليا.
стр. 33
القاعدة الثالثة: صفات الله تَعَالَى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية.
فالثبوتية: ما أثبت الله تَعَالَى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك، فيجب إثباتها لله تَعَالَى، حقيقة على الوجه اللائق به، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]، فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته، والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله ﷺ يتضمن: الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله، وكون محمد ﷺ رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مرسله، وهو الله .
والصفات السلبية: ما نفاها الله سُبْحَانَهُ عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، وكلها صفات نقص في حقه، كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب، فيجب نفيها عن الله تَعَالَى مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تَعَالَى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه، لأن النفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلا عن أن يكون كمالا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالا، كما لو قلت: الجدار لا يظلم. وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصا،
مثال ذلك: قوله تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]،
стр. 34
فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته، مثال آخر قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، فنفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
القاعدة الرابعة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر:
ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية، التي لاتذكر غالبا إلا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله، كما في قوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]
الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون، كما في قوله: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩١ - ٩٢]
الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين، كما في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ [الأنبياء: ١٦]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]
القاعدة الخامسة: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية.
فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفا بها، كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة والعلو والعظمة، ومنها الصفات الخبرية: كالوجه واليدين والعينين.
стр. 35
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.
وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله تَعَالَى لم يزل ولا يزال متكلما، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء، كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وكل صفة تعلقت بمشيئته تَعَالَى فإنها تابعة لحكمته.
وقد تكون الحكمة معلومة عند البشر، وقد يعجزون عن إدراكها، رغم يقينهم بأن الله سُبْحَانَهُ لا يشاء شيئا إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]
القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين:
أحدهما: التمثيل، والثاني: التكييف.
فأما التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تَعَالَى مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]
ومن أدلة العقل في ذلك:
أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة
стр. 36
الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى.
أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله؟ وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
والتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، ولكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: «ليس كمثله شيء».
أما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تَعَالَى كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل، وهذا اعتقاد باطل، يقول تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]، ويقول أيضا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا، لأنه تَعَالَى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا وقوفًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله عزوجل، فوجب بطلان تكييفها.
وأيضا فإننا نقول: أي كيفية تُقدرها لصفات الله تَعَالَى؟ إن أي كيفية تُقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك، وأي كيفية تُقدرها لصفات الله تَعَالَى فإنك ستكون كاذبًا فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك.
стр. 37
القاعدة السابعة: صفات الله تَعَالَى توقيفية لا مجال للعقل فيها:
فلا نثبت لله تَعَالَى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته (١)، قال الإمام أحمد ﵀ تَعَالَى: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث».
ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:
الأول: التصريح بالصفة، كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين، ونحوها.
الثاني: تضمن الاسم لها، مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك. انظر: القاعدة الثالثة في الأسماء.
الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها، كالاستواء على العرش، كما في قوله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، في قول الله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، والانتقام من المجرمين، في قوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
стр. 38
الأول والآخر ﷻ -
المعنى اللغوي:
أولًا: المعنى اللغوي لاسم الله (الأول):
قال ابن فارس ﵀: «مادة (أ و ل) الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر، وانتهاؤه، فالأول، هو مبتدأ الشيء، والمؤنثة الأولى، مثل أفعل وفعلى، وجمع الأولى أوليات، مثل الأخرى … قال أبو زيد: كان الجاهلية يسمون يوم الأحد الأول» (١).
ثانيًا: المعنى اللغوي لاسم الله (الآخر):
قال الجوهري ﵀: «أخر أخرته فتأخر، واستأخر، مثل تأخر، والآخر: بعد الأول، وهو صفة، تقول: جاء آخرًا، أي: أخيرًا … » (٢).
قال ابن فارس ﵀: «(أخر) الهمزة والخاء والراء، أصل واحد إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم» (٣).
стр. 39
ورود اسم الله (الأول والآخِر) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الأول والآخر) مرة واحدة في كتاب الله، وهي: قوله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
ورود اسم الله (الأول والآخر) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الأول والآخر) في السنة النبوية، في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرَضِينَ، وَرَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ والنَّوَى، وَمُنْزَلَ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ والقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتِ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، والظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، والبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِيِ مِنَ الفَقْرِ» (١).
معنى اسم الله (الأول والآخر) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسم الله الأول (٢):
أحسن التفسيرات في معناه: ما ذكره أعلم البشر بالله تَعَالَى نبينا محمد ﷺ في قوله: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ».
стр. 40
قال الطبري ﵀: «هو (الأول): قبل كل شيء بغير حد» (١).
قال الخطابي ﵀: «(الأول) هو السابق للأشياء كلها، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، فاستحق الأولية؛ إذ كان موجودًا ولا شيء قبله ولا معه» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «سبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته» (٣).
قال السعدي ﵀: «(الأول) يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويجب على العبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية؛ إذ السبب والمسبب منه تَعَالَى» (٤).
ثانيًا: معنى اسم الله الآخر:
أحسن التفسيرات للمعنى وأكملها: ما فسره أعرف البشر بالله محمد ﷺ ، وذلك في قوله: «وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ».
قال الطبري ﵀: «(الآخر) بعد كل شيء بغير نهاية» (٥).
قال الخطابي ﵀: «(الآخر) هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس