← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

غدوة: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، العشية: آخر النهار، الخريف: الثمر المخروف: أي: المجتنى. الأثر السابع: الدعاء باسمه (الشافي): فمتى ما أراد العبد الشفاء، أوبحث عن أسباب الدواء فإن من أهم الاسباب التي يأخذ بها: دعاء الله باسمه (الشافي) أن يتولاه بقدرته ويشفيه، ويدله على دائه ودوائه، كما كان يقول ويفعل نبينا ﷺ بأن يمسح على المريض، ويقول: «أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (١)، ومنه رقية جبريل ﵇ لنبينا، فقد ثبت في الصحيح أن جبريل أتى النبى ﷺ : «فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ» (٢). وقد كان ذلك نهج صحابته من بعده، كما ثبت عن أنس ﵁، قال: لثابت: أَلَا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٣). فاللهم رب الناس، اذهب البأس، أنت الشافي، اشف قلوبنا من عللها، واشف أبداننا من أمراضها، شفاء لا يغادر سقمًا، شفاء أنت أهله ووليه.

стр. 1682

الطَيِّب ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «الطيب: خلاف الخبيث، وطاب الشيء يطيب طيبة وتطيابًا» (١). قال ابن فارس ﵀: «الطاء والياء والباء أصل واحد صحيح؛ يدل على خلاف الخبيث» (٢). ورود اسم الله (الطيب) في القرآن الكريم: لم يرد اسم الله تَعَالَى (الطيب) في القرآن الكريم. ورود اسم الله (الطيب) في السنة النبوية: ورد اسم الله (الطيب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾

стр. 1683

[البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (١). ثبوت اسم الله (الطيب) في حق الله تعالى: من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الطيب) في حق الله تَعَالَى: ابن القيم ﵀: في قوله: «فهو طيب وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه الطيب» (٢). ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٣). معنى اسم الله (الطيب) في حقه سُبْحَانَهُ: قال النووي ﵀: «قال القاضي: الطيب في صفة اللهتَعَالَى بمعنى: المنَزَّه عن النقائص، وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب: الزكاء والطهارة والسلامة من الخبث» (٤). قال ابن القيم ﵀ في شرحه لقوله ﷺ : «وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ» (٥)، وذلك في دعاء التشهد: «وكذلك قوله: (وَالطَّيِّبَاتُ) هي

стр. 1684

صفة الموصوف المحذوف أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده، فهو طيب وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه (الطيب)، ولا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، ولا يقرب منه إلا طيب، وإليه يصعد الكلم الطيب وفعله طيب، والعمل الطيب يعرج إليه، فالطيبات كلها له ومضافة إليه وصادرة عنه ومنتهية إليه» (١). قال ابن رجب ﵀: «الطيب معناه: الطاهر، والمعنى: أن الله مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها» (٢)، فهوسُبْحَانَهُ المنزه عن الآفات والعيوب، وعن كل وصف خلا عن كمال، أو عن طيب الثناء. الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الطيب) (٣): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الطيب) من الصفات، ودلالته على التوحيد: «الله سُبْحَانَهُ الطيب، فالأسماء الطيبات، والصفات الطيبات، والكلمات الطيبات، والأفعال الطيبات، كلها له سُبْحَانَهُ لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سُبْحَانَهُ، فطيب كل ما سواه من آثار طيبته» (٤). ومن مظاهر كون الله طيبًا ما يلي:

стр. 1685

كلام الطيب أطيب كلام: فالقرآن أطيب الكلام؛ لأنه خرج من أطيب من تكلم، قال تَعَالَى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]. يقول ابن كثير ﵀: «قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] أي: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الأذكار المشروعة» (١)، ويقول السعدي- أيضًا- في تفسير ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]: «الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله» (٢). ولا ينبغي أن يتقرب إليه العبد إلا بالطيب من الأقوال، والأعمال المنبعثة من المقاصد الطيبة. عقيدة الطيب أطيب العقائد: يقول تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٥٢]. قال السعدي ﵀: «﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: شهادة أن لا إله إلا الله، وفروعها ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾، وهي النخلة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرض ﴿وَفَرْعُهَا﴾ منتشر ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ وهي كثيرة النفع دائمًا، ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ أي: ثمرتها ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ فكذلك شجرة الإيمان، أصلها ثابت في قلب المؤمن،

стр. 1686

علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلم الطيب، والعمل الصالح والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة في السماء دائمًا، يصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان، ما ينتفع به المؤمن وينفع غيره، ويجد ثمرتها في حياته؛ بل ويجدها بعد مماته وهذه الكلمة مع العبد حتى يصل إلى البرزخ، فإذا قيل: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبت الله في ذلك الموقف من يشاء سُبْحَانَهُ» (١). شرع الطيب أطيب الشرائع: يقول الطبري ﵀ في تفسير قول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]: «يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر ولاة أمور المسلمين، إن الله نعم الشيء يعظكم به، ونعمت العظة يعظكم بها» (٢). الطيب أحل الطيبات، ورزقه أطيب الأرزاق: يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، وقال تَعَالَى عن رسوله ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وإذا تقرر لدى العبد عظمة سعة طيب الله تَعَالَى، وشموله لصفاته كلها؛ تيقن أن لا إله ولا رب يستحق التوحيد والعبادة إلا الرب الطيب الجميل

стр. 1687

الكريم السبوح القدوس، الذي له الكمال كله، والطيب كله، والحمد كله، والقدرة كلها. وكما أن اسم الله (الطيب) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الكريم والجميل والرحيم إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات. الأثر الثاني: محبة الله الطيب: من آمن بأن الله طيب في ذاته، بأسمائه، وصفاته، وطيب في أفعاله، وأنه لايقبل من الصدقات إلا ما كان طيبًا، ولا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا؛ أحب ربه وأجله. الأثر الثالث: المؤمن طيب في أحواله كلها: أهل الإيمان بالله هم الطيبون الذين عمرت قلوبهم بمحبة الله واتباعه، فطابت أقوالهم وأعمالهم، فلا يحبُّون إلا الطيب من كل شيء، ومن ذلك: طيب أقوالهم: فلا يتكلمون إلا بالطيب الحسن من الكلام، كما قالتَعَالَى في وصفهم: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]. قال مجاهد وابن جبير وأكثر المفسرين: «المعنى: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من

стр. 1688

الناس للطيبات من القول» (١)، وقيل المعنى: «الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الطيبات للطيبين» (٢). وقد قسم اللهتَعَالَى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، و ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وقالتَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠]. يقول ابن القيم ﵀ عند قوله تَعَالَى: ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾: «وهو طيب سُبْحَانَهُ، لا يصعد إليه إلا طيب، والكلم الطيب إليه يصعد، فكانت الطيبات كلها له ومنه وإليه، له ملكًا ووصفًا، ومنه مجيئها وابتداؤها، وإليه مصعدها ومنتهاها» (٣) (١). طيب أفعالهم: فلا يقدمون إلا على الأفعال والأخلاق الطيبة؛ وهي التي اجتمعت على حسنها الفِطَرُ السليمةُ مع الشرائع النبوية، وزكتها العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرعُ والعقلُ والفِطرةُ، فهي المنبعثة من مقاصد وأهداف طيبة، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ

стр. 1689

وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ومن أعظم ما تحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب المطعم، وذلك بأن يكون حلالًا، فيزكو بذلك عمله، يقول تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨]. ولذا أمر الله عباده المؤمنين بأن يأكلوا حلالًا طيبًا ثم يعملوا صالحًا، ولا يقبل الله منهم إلا ما كان طيبًا من الطعام والأعمال، ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ الله أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (١). ومما ذكره ابن القيم ﵀: «فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب، ولا يرضى إلا به، ولا يسكُن إلا إليه، ولا يطمئن قلبُه إلا به، فله من الكلام الكَلِمُ الطيب الذي لا يصعد إلى اللهتَعَالَى إلا هو، وهو أشدُّ شيء نُفرة عن الفحش في المقال، والتفحش في اللسان والبذاء، والكذب والغيبة، والنميمة والبُهت، وقول الزور وكل كلام خبيث، وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها، وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها الفِطَرُ السليمة مع الشرائع النبوية، وزكتها

стр. 1690

العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرع والعقل والفطرة، مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبب إليه جهده وطاقته، ويُحسن إلى خلقه ما استطاع فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوا به، ويعاملوه به ويَدَعَهم مما يحب أن يدعُوه منه، وينصحهم بما ينصح به نفسه، ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به، ويكف عن أعراضهم ولا يقابلهم بما نالوا من عرضه، وإذا رأى لهم حسنًا أذاعه، وإذا رأى لهم سيئًا كتمه، ويقبل أعذارهم ما استطاع؛ فيما لا يُبطل الشريعة، ولا يُناقض لله أمرًا ولا نهيًا، وله- أيضًا- من الأخلاق أطيبها وأزكاها، كالحلم والوقار والسكينة والرحمة والوفاء، وسهولة الجانب ولين العريكة، والصدق وسلامة الصدر من الغل والغش والحقد والحسد، والتواضع وخفض الجناح لأهل الإيمان والعزة، والغلظة على أعداء الله، وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله، والعفة والشجاعة والسخاء والمروءة، وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول. وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها، وهو الحلال الهنيء المريء الذي يُغذِّي البدن والروح أحسن تغذية مع سلامة العبد من تبعته، وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها، ومن الروائح إلا أطيبها وأزكاها، ومن الأصحاب والعُشراء إلا الطيبين منهم، فروحه طيبة، وبدنُه طيب، وخُلُقُه طيب، وعملُه طيب، وكلامه طيب، ومطعمه طيب، ومشربه طيب، وملبسه طيب، ومدخله طيب، ومخرجه طيب، ومنقلبه طيب، ومثواه كله طيب، فالله جعل الطيب بحذافيره في الجنة، وجعل الخبيث بحذافيره في النار. فجعل الدور ثلاثة: دارًا أخلصت للطيبين، وهي حرام على غير الطيبين،

стр. 1691

وقد جمعت كل طيب وهي الجنة، ودارا أخلصت للخبيث والخبائث، ولا يدخلها إلا الخبيثون وهي النار، ودارا امتزج فيها الطيب والخبيث، وخلط بينهما وهي هذه الدار؛ ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط، فإذا كان يوم معاد الخليقة ميز الله الخبيث من الطيب، فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى دارين فقط: الجنة وهي دار الطيبين، والنار وهي دار الخبيثين (١). الأثر الرابع: الحياة الطيبة جزاء الطيبين في الدنيا والآخرة: فالمؤمن حاز طيب الحياة الأبدي في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك ما يلي: أولًا: الحياة الطيبة في الدنيا: إن أطيبَ العيشِ العيشُ مع الله، من ناله فقد نال أوفر الحظ والنصيب، يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «قد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته، فقال تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وقد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضا، والرزق الحسن وغير ذلك، والصواب: أنها حياة القلب ونعيمه، وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب، وقال غيره: إنه ليمر بالقلب أوقات

стр. 1692

يرقص فيها طربًا، وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح، فإنه ملكها، ولهذا جعل الله المعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكره، وهي عكس الحياة الطيبة، وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، والمعيشة الضنك- أيضًا- تكون في الدور الثلاث، فالأبرار في النعيم هنا وهنالك، والفجار في الجحيم هنا وهنالك، قال الله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠]» (١) ثانيًا: الحياة الطيبة في الآخرة: لما طابت أقوال المؤمنين وأفعالهم في الدنيا، طابت لهم الدار الآخرة، وأنزلهم الله المساكن الطيبة، يقول رسول الله ﷺ : «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، قَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (٢)، فلايسمعون فيها إلا طيبًا: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥]، ولايرون إلا طيبًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، والزيادة هي رؤية وجه الكريم سُبْحَانَهُ، وحتى أنفسهم وأنفاسهم طابت؛ كما قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: جُشَاءٌ، وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ» (٣).

стр. 1693

يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وقالتَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] «فعقَّب دخولها على الطيب بحرف الفاء الذي يؤذن بأنه سبب للدخول، أي: بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها» (١). وقد وصف الله تَعَالَى منقلَب المؤمنين في الآخرة بالطيب، فحياتهم طيبة، ومساكنهم طيبة ومطاعمهم ومشاربهم طيبة، وذلك في غير ما آية من كتابه، فقالسُبْحَانَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. اللهم اجعلنا من عبادك الطيبين الذين يقال لهم يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]. اللهم ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا.

стр. 1694

القابِضُ الباسِطُ ﷻ - المعنى اللغوي: أولًا: معنى القابض: قال الجوهري ﵀: «قبضت الشيء قبضًا: أخذته، والقبض: خلاف البسط، ويقال: صار الشيء في قبضتك، أي: في ملكك» (١). قال ابن فارس ﵀: «(قبض) القاف والباء والضاد أصل واحد صحيح يدل على معنيين، أحدهما: أخذ الشيء، تقول: قبضت الشيء من المال وغيره قبضًا، ومقبض السيف ومقبضه: حيث تقبض عليه، والثاني: جمع الشيء وتجمعه، ومنه القبَض، بفتح الباء: ما جمع من الغنائم وحصل» (٢). ثانيًا: معنى الباسط: قال الجوهري ﵀: «بسط الشيء: نشره، وبالصاد أيضًا، وبسط العذر: قبوله، والبسطة: السعة … والبساط، بالفتح: الأرض الواسعة» (٣). - قال ابن فارس ﵀: «(بسط) الباء والسين والطاء أصل واحد، وهو امتداد الشيء في عرض أو غير عرض، فالبساط: ما يبسط، والبساط: الأرض،

стр. 1695

وهي البسيطة … ويد فلان بسط: إذا كان منفاقًا، والبسطة في كل شيء السعة، وهو بسيط الجسم والباع والعلم، قال الله تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]» (١). ورود اسم الله (القابض الباسط) في القرآن الكريم: لم يرد هذان الاسمان في القرآن الكريم. ورود اسم الله (القابض الباسط) في السنة النبوية: ورد الاسمان في السنة النبوية، من حديث أنس ﵁، «قال الناس: يا رسول الله، غلا السعرُ، فَسَعِّرْ لنا، فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (٢). ثبوت اسمي الله (القابض والباسط) في حق الله تعالى: من العلماء الذين أثبتوا اسمي الله (القابض والباسط) في حق الله تَعَالَى: - ابن القيم ﵀: يقول في النونية: هُوَ قَابِضٌ هُوَ بَاسِطٌ هُوَ خَافِضٌ= هُوَ رَافِعٌ بِالعَدْلِ والإِحْسَانِ (٣) - ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٤).

стр. 1696

معنى اسمي الله (القابض الباسط) في حقه سُبْحَانَهُ: قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]: «(يقبض): يقتر بقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه، ويعني بقوله: (ويبسط): يوسع ببسطة الرزق على من يشاء منهم» (١). قال الزجاجي ﵀: «يقتر على من يشاء ويوسع على من يشاء على حسب ما يرى من المصلحة لعباده، فالقبض ها هنا: التقتير والتضييق والبسط: التوسعة في الرزق والإكثار منه، فالله القابض الباسط يقتر على من يشاء ويوسع على من يشاء» (٢). قال الخطابي ﵀: «فالقابض الباسط هو الذي يوسع الرزق ويقتره، ويبسطه بجوده ورحمته، ويقبضه بحكمته على النظر لعبده، كقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧]، فإذا زاده لم يزده سرفًا وخرقًا، وإذا نقصه لم ينقصه عدمًا ولا بخلًا، وقيل: القابض هو الذي يقبض الأرواح بالموت الذي كتبه على العباد» (٣). قال الحليمي ﵀: «ومنها الباسط: ومعناه الناشر فضله على عباده، يزرق ويوسع ويجود ويفضل ويمكن ويخول ويعطي أكثر مما يحتاج إليه، ومنها القابض، يطوى بره ومعروفه عمن يريد، ويضيق ويقتر أو يحرم فيفقر، ولا ينبغي أن يدعى ربنا ﷻ باسم القابض، حتى يقال معه: الباسط» (٤).

стр. 1697

قال ابن الأثير ﵀: «القابض هو الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد بلطفه وحكمته، المتقابلة التي لا يطلق كلُّ واحد منها إلا مع الآخر» (١). والسبب في ذلك- والله أعلم-: أن الكمال المطلق إنما يكون باجتماعهما؛ وذلك لأن في اجتماعهما جمع بين صفات الجمال والإحسان والتودد والرحمة التي يدل عليها اسم الله (الباسط)، وبين صفات الجلال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام التي يدل عليها اسم الله (القابض) (٢)، يقول الخطابي ﵀: «قد يحسن في مثل هذين الاسمين أن يقرن أحدهما في الذكر بالآخر، وأن يوصل به ليكون ذلك أنبأ عن القدرة، وأدل على الحكمة، كقوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وإذا ذكرت القابض مفردًا عن الباسط كنت كأنك قد قصرت بالصفة على المنع والحرمان، إذا أوصلت أحدهما بالآخر، فقد جمعت بين الصفتين منبئًا عن وجه الحكمة فيهما … » (٣). ويقبض الأرواح عند الممات». (٤)، وقال في الباسط: «هو الذي يبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجوده ورحمته، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة» (٥).

стр. 1698

قال الشيخ السعدي ﵀: «هذه الأسماء الكريمة من الأسماء المتقابلات التي لا ينبغي أن يُثنى على الله بها إلا كل واحد مع الآخر؛ لأن الكمال المطلق من اجتماع الوصفين، فهو القابض للأرزاق والأرواح والنفوس، والباسط للأرزاق، والرحمة، والقلوب … » (١)، وقال في موضع آخر: «من أسمائه الحسنى المزدوجة المتقابلة التي لا يطلق واحد بمفرده على الله إلا مقروناً بالآخر فإن الكمال من اجتماعهما» (٢). قال ابن القيم ﵀ في نونيته: هُوَ قَابِضٌ هُوَ بَاسِطٌ هُوَ خَافِضٌ … هُوَ رَافِعٌ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ (٣) الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القابض الباسط): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القابض الباسط) من صفاته سُبْحَانَهُ: الله سُبْحَانَهُ القابض الباسط الذي له الكمال في ذلك والمنتهى؛ فهو القابض الباسط الملك الذي له ملك السموات والأرض وبيده مقاليد كل شيء وخزائنه، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] (٤).

стр. 1699

ومن مظاهر قبض الله وبسطه ما يلي: - هو القابض الباسط الفعال لما يريد، يبسط لمن يشاء ويقبض، ويصرف كيف شاء، لا حجر له، ولا مانع يمنعه مما أراد، قال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] (١)، وقال ﷺ : «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ» (٢). - هو القابض الباسط العليم الخبير، الذي يعلم أحوال عباده وما يصلح لكل واحد منهم، فيبسط عليهم بعلم، ويقبض عنهم بعلم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]، وجاء في بعض الآثار أن الله تَعَالَى يقول: «إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا

стр. 1700

يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير» (١). - هو القابض الباسط الكريم الحكيم، قال تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] فيداه سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرارًا، وخزائنه ملأى، لا تغيضها النفقة، فإذا بسط بسط بجوده وكرمه من غير إسراف ولا تبذير، وإذا قبض فلحكمة بالغة، لا بخلًا وشحًّا، ولا نقصًا وفقرًا، ولا ظلمًا وجورًا (٢). - هو القابض الباسط الرحيم اللطيف، يعطي عبده حاجته رحمة منه وشفقة به، ويمنعه رحمة به ولطفًا؛ لعلمه أنه لو بسط له لكان في ذلك هلاكه وشقائه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (٣). - هو القابض الباسط الحليم الذي لا يمنع من عصاه بسطه، ولا يحرمه خيره، فهؤلاء اليهود- قبحهم الله- قالوا مقالتهم القبيحة ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] فلم يمنعه مقالهم من أن يبسط خيره عليهم (٤). - هو القابض الباسط الواسع الذي شمل بسطه الحركات، وقبضه السكنات، قال ابن القيم ﵀: «يشهد العبد حركات العالم وسكونه صادرة عن الحق تَعَالَى في كل متحرك وساكن، فيشهد تعلق الحركة باسمه (الباسط)،

стр. 1701

وتعلق السكون باسمه (القابض) فيشهد تفرده سُبْحَانَهُ بالبسط والقبض» (١). الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القابض الباسط) على التوحيد: المتأمل في اسم الله القابض الباسط يجده دالًّا على توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. فأما دلالته على الربوبية: فلما فيه من تفرد الله ووحدانيته في القبض والبسط، فهما بيده وتحت تصريفه وتدبيره لا يشاركه فيه أحد (٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، قال الطبري ﵀: «أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها، دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة، واتخذوه ربًّا دونه يعبدونه» (٣)، ويؤيد ذلك قوله سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١]، وعن أنس ﵁ قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فأسعر لنا! فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (٤)، فدل على «أن الغلاء والرخص والسعة والضيق بيد الله دون غيره» (٥).

стр. 1702

وأما دلالته على الألوهية: لما فيه من إقامة الحجة بما ثبت في الربوبية على الألوهية، قال تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣] فمن كان بيده القبض والبسط، والنفع والضر، وتدبير الأرزاق مستبدًّا بها من غير مشارك ولا مؤزر؛ استحق العبادة وحده دون ما سواه؛ فكما أنه الواحد في قبضه وبسطه وتصريفه وتدبيره فليكن الواحد في عبادته جل في علاه» (١). وأما دلالته على الأسماء والصفات: لما في هذا الاسم من الدلالة على أسماء وصفات أخرى، فأما الأسماء: فهذا الاسم دال على اسم الله الحي، القيوم، الرزاق، العزيز، العليم، الخبير، الحكيم، الحليم، الرحيم ونحو ذلك. وأما الصفات: فهذا الاسم دال على صفة الإرادة، واليدين لله ﷻ ، فأما الإرادة فلكونه ﵎ يبسط لمن أراد وشاء، ويقبض عمن أراد وشاء، قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٣٦]. وأما اليدين فلكونه ﵎ يبسط يداه بما شاء، ويقبضهما بما شاء، قال تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ

стр. 1703

مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟» (١)، وعنه ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ اللهُ قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (٢)، وقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ، أَوِ الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ» (٣)، وعن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (٤)، إلى غير ذلك من الأدلة التي يطول ذكرها (٥). الأثر الثالث: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الإسراء: ٣٠]: وأرزاق الله لعباده عديدة ومتنوعة، لا تقتصر على رزق المال أو الولد، بل هي أعم من ذلك وأشمل، والله سُبْحَانَهُ يبسط بها على من يشاء من خلقه بالتوسيع والكثرة، ويقبضه عمن يشاء بالتضيق والقلة، يقول تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦].

стр. 1704

* ومن أنواع الأرزاق: -الهداية: فيبسط لمن شاء قلبه حتى يتسع لأمر الله انشراحًا وإقبالًا و عملًا، فيستنير قلبه للإسلام ويُهدى إلى سواء السبيل، ويقبض لمن شاء صدره عن الخير فيضل الطريق، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. (١) - العمر: فيبسطه الله على من يشاء حتى يصل به إلى سن الهرم والشيخوخة، ويضيقه على من يشاء حتى يموت في شبابه وقواه، ولربما زاد تضيقه فيموت في طفولته، بل ربما مات وهو جنين في بطن أمه، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، وعن أنس بن مالك ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ (٢) لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (٣) (٤). - الجسم: فيبسط على من يشاء فيه ويقبض على من يشاء، فيظهر القوي والضعيف، والحسن والقبيح، والصحيح والمريض. - الأولاد: فيعطي من يشاء الذكور، ومن يشاء الإناث، ومن يشاء الذكور

стр. 1705

والإناث، ويمنع من يشاء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]. -العلم والفهم: فيفتح على من يشاء فيه حتى يبلغ المراتب العالية، ويضيق على من يشاء فيقل حظه ونصيبه منه، ولربما ضيق عليه جدًّا، حتى لم يكن له منه حظ أصلًا. قال تَعَالَى عن طالوت وبسطه له في العلم والجسم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. - الأموال: فيقبضها ويبسطها سُبْحَانَهُ كيف شاء، فيظهر على أثرها الغني والفقير، والحر صاحب الأملاك والثروات، والرقيق الذي لا يملك شيئًا حتى نفسه التي بين جنبيه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] (١). - المناصب: فيقسمها على خلقه وينوعها بينهم، فيوجد الرئيس والمرؤوس، والملك والمملوك، والوزير والخادم، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. - الأمطار والسحب: فيرسلها على ما يشاء من الأرض، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج، ويمسكها عما يشاء من الأرض، فتجدب وتغبر لا

стр. 1706

خضر فيها ولا نبات، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨] (١). - الرحمة: فيفتح رحمته ويبسطها على من يشاء من خلقه، فيجدها في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حال، وفي كل مكان، حيثما كان، وكيفما كان، ويقبضها عمن يشاء فيفقدها في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حال، وفي كل مكان، ولو وجد كل شيء مما يعده الناس علامة الوجدان والرضوان، وما من نعمة إلا وتنقلب عليه نقمة، قال تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. الأثر الرابع: الرضى بما قسم القابض الباسط للعبد: إذا تيقن العبد أن قبض الله وبسطه ناشئ عن علم تام بمصالح العبد، وحكمة بالغة، ورحمة عظيمة؛ رضي بما قسم الله له وقدر من الأرزاق وغيرها، سواء كان بسطًا أو قبضًا، ولم ينظر لمن فوقه نظرة حسد وبغضاء، فيعيش في نكد وشقاء، بل ينظر لمن هو دونه فيزداد بذلك رضى وقناعه، قال رسول الله ﷺ : «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (٢). فله الحمد على كل أفعاله، وله الحمد في خلقه وأمره.

стр. 1707

الأثر الخامس: التوكل على القابض الباسط: إذا علم العبد أن الله وحده القابض الباسط، فلا باسط لما قبض ولا قابض لما بسط كما قال ﷺ في دعائه: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللهمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ» (١) تعلق قلبه به وحده توكلًا وتفويضًا واعتمادًا واستعانة واستغاثة، وانقطع عن التعلق بالمخاليق ولو كان على يدهم رزقه، فإذا شكرهم لإعطائهم شكرهم شُكر الموقن بأن الله هو الذي بسط له الرزق وأمره بشكر من أحسن إليه، وإذا ذمهم أو مقتهم لمنعهم الرزق فإنما ذلك لكونهم أساؤا إليه مع يقينه أن الله هو الباسط القابض. ثم إن هذا التوكل لا يعني عدم الأخذ بالأسباب؛ لأن الله قدر الأشياء وجعل لها أسبابًا متى قام العباد بها حصلت لهم. قال الشيخ السعدي ﵀ في هذا الاسم الكريم وأمثاله: «وكما أنه هو المنفرد بهذه الأمور كلها جارية تحت أقداره، فإن الله جعل لرفعه وعطائه وإكرامه أسبابًا، ولضد ذلك أسبابًا من قام بها ترتبت عليه مسبباتها، وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة، وهذا يوجب للعبد القيام بتوحيد الله، والاعتماد على ربه في حصول ما يحب، ويجتهد في فعل الأسباب النافعة، فإنها محل حكمة الله» (٢).

стр. 1708

وقد جمع رسول الله ﷺ بين التقدير والأخذ بالأسباب في قوله: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (١)، فبسط الرزق والعمر بيد الله وتقديره، وصلة الرحم سبب من العبد متى ما قام به حصل له الموعود بإذن الله. وكذلك كون الله هو المسعر «إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ» (٢) لا يمنع أن يكون هناك أسباب، إذا قام بها العباد اندفع عنهم الغلاء وحصل لهم الرخص، كما قيل لأحد الفضلاء: «لقد غلت الأسعار! فقال: أرخصوها بالترك» (٣). وهكذا في سائر الأمور، فإن سنة الله وحكمته اقتضت ربط الأسباب بمسباتها، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. الأثر السادس: اليقين بأن القبض والبسط لا يدل على المحبة والبغض: إذا علم العبد اسم الله (القابض الباسط) وما فيه من التفاوت بين الخلق في البسط والقبض، لا بد أن يعلم أن البسط من الدنيا ليس دليلًا على الرضا والمحبة، وليس القبض منها دليلًا على السخط والبغض، بل ربما كان العكس، فيقبض الله على أوليائه رحمة ولطفًا بهم ومنحة عاجلة توصلهم للنعيم المقيم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، ويوسع ويبسط على أعدائه إملاءً لهم

стр. 1709

واستدراجًا، قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]، فظنوا أن زيادتهم بالأموال والأولاد دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن هذا امتداد لخير الآخرة ومقدمة له، كما قال سُبْحَانَهُ عنهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] فرد الله عليهم ظنهم الخاطئ بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٦ - ٣٧]، فبين أن بسط الرزق وتضيقه ليس دليلًا على ما قالوا، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء بسط وإن شاء ضيق، وفق ما تقتضيه حكمته (١). وقد أشار الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف ﵁ لهذا المعنى، حينما قدم له الطعام وكان صائمًا، فخشي من بسط الدنيا وفتحها عليه، فقال: «قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ، أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ» (٢).

стр. 1710

الأثر السابع: الصبر والشكر فيما يصيب العبد من قبض وبسط: إذا عُلم ما سبق من أن القبض والبسط ليس دليلًا على الكرامة على الله، ولا الإهانة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، فليعم أن الله قدره ابتلاء وامتحان يمتحن به العباد؛ ليرى من يقوم له بالشكر والصبر فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ومن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل، كما فعل بقارون، حينما بطر وأشر وكفر نعمة الله عليه ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١]، وكما فعل بصاحب الجنة الذي بُسط له في رزقه، فكان له جنتان من الكروم محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر من بينهما الأنهار، فأذهله رزقه حتى نسي مُسديه وباسطه، فكفر به وجحد قيام الساعة، فأتاه العذاب الأليم ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٢ - ٤٣] (١). وإذا استشعر العبد هذا وكان له على بال؛ سعى إلى ما يرضي الله في الحالين، فإن قبض عنه وضيق عليه رضي وصبر، وتيقن أن هذا قضاء قُدر عليه قبل أن يخلق، ومع ذلك لم ييأس من رحمة الله وفتحه وتبديل حاله من قبض لبسط، ومن منع لعطاء، ومن عسر ليسر ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] فيسعى لدفع هذا التضييق بالأسباب المشروعة مع تعلق

стр. 1711

قلبه بالرَّازق؛ إذ هو مسبب الأسباب وهو القابض الباسط على الحقيقة، حيث لا باسط لما قبض ولا قابض لما بسط، قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]، واللجوء إليه بالتضرع والدعاء، كما قال صلى الله عيله وسلم داعيًا ربه: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللهمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ» (١). وإن بسط له وفتح عليه لم يستعمل ذلك في معصية الله، بل شكره بقلبه اعترافًا واقرارًا بنعمته، وبلسانه حمدًا وتحدثًا بنعمته، وبجوارحه عملًا بها في طاعته، وسعيًا في بذل شيء منها للخلق والإحسان إليهم فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وبهذا يكون المؤمن كما قال ﷺ : «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (٢).

стр. 1712

الأثر الثامن: محبة الله القابض الباسط: إذا تيقن العبد أن البسط والقبض بيد الله ؛ تولاه بنفسه، ولم يجعل لمخلوق فيه يدًا، فما من نعمة بسطت له إلا بفضله، وما من نعمة قبضت عنه إلا لحكمة وخير أريد به؛ حمله ذلك اليقين على محبته وتوليه، والتجرد إليه إخلاصًا وإقبالًا. فاللهم يا قابض يا باسط، ابسط علينا من بركاتك ورحمتك، وفضلك ورزقك.

стр. 1713

المُحْسِن ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «الحسن: نقيض القبح، والجمع محاسن، على غير قياس … والحاسن: القمر، وحسَّنت الشئ تحسينًا: زيَّنته، وأحسنت إليه وبه، وهو يحسن الشئ، أي: يعمله، ويستحسنه: يعده حسنًا، والحسنة: خلاف السيئة، والمحاسن: خلاف المساوي، والحسنى: خلاف السوأى» (١). قال ابن فارس ﵀: «(حسن) الحاء والسين والنون أصل واحد، فالحُسن ضِدُّ القبح، يقال: رجل حسن، وامرَأة حسناء وحسانة … والمحاسن من الإنسان وغيره: ضدُّ المساوي … » (٢). ورود اسم الله (المحسن) في القرآن الكريم: لم يرد اسم الله (المحسن) في القرآن الكريم. ورود اسم الله (المحسن) في السنة النبوية: ورد اسم الله (المحسن) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: ١ - ما جاء عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا، وَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا، فَإِنَّ اللهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ» (٣).

стр. 1714

٢ - ماجاء عن شداد بن أوس، قال: حفظت عن رسول الله ﷺ اثنتين قال: «إِنَّ اللهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ثُمَّ لِيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (١). ثبوت اسم الله (المحسن) في حق الله تعالى: من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (المحسن) في حق الله تَعَالَى: ابن القيم ﵀: في قوله: «وتعبده باسمه البر، اللطيف، المحسن» (٢). ابن عثيمين ﵀: «فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية» (٣). معنى اسم الله (المحسن) في حقه سُبْحَانَهُ: يدور معنى اسم الله المحسن في حق الله على معنيين: ١ - الإتقان والإحكام. ٢ - الإنعام والجود والعطاء. وحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء: من الأقوال في المعنى الأول: قال ابن عباس ﵄ في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]: «أحكم خلقها» (٤).

стр. 1715

قال مجاهد ﵀: «أتقن كل شيء خلقه» (١). قال الطبري ﵀ في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] بفتح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن … » (٢). قال ابن كثير ﵀ فيها: «إنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها» (٣). من الأقوال في المعنى الثاني: قال المناوي ﵀ في قوله ﷺ : «إِنَّ اللهَ مُحْسِنٌ» (٤)، «أي: الإحسان له وصف لازم، لا يخلو موجود عن إحسانه طَرْفة عين، فلا بد لكل مُكوَّن من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد» (٥). اقتران اسم الله (المحسن) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: لم يقترن اسم الله (المحسن) بأي اسم من أسماء الله الحسنى.

стр. 1716

الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المحسن): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المحسن) من الصفات: لما كان لله كمال الحُسن في الأسماء والصفات ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] كان كذلك في الأفعال؛ فهو سُبْحَانَهُ المحسن في فعله كله إيجادًا وإنعامًا، وإمدادًا وحكمًا، وهداية وجزاء. وإحسانه ﵎ عام وخاص: فأما العام (١): فعم إحسانه الخلق أجمع، وغمرهم بجوده وفضله، فلا يخلو موجود من إحسان المحسن طرفة عين، بل لا قيم لهم إلا بإحسانه وإنعامه. أحسن المحسن إلى الخلق بالإيجاد من العدم، قال تَعَالَى على وجه الامتنان: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]، ثم أحسن إليهم بأن أوجدهم على وجه محمود في غاية الإحكام والإتقان، فلا يرى في خلقهم خلل، ولا نقص، ولا فطور، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]، أي: «خلق الخليقة، وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات» (٢)، فأبدع خلقه، وأحكم صنعه، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته، وهيئته، وجعله وافيًا بالمقصود من خلقه، «فصلابة الأرض مثلًا للسير عليها، ورقة الهواء؛

стр. 1717

ليسهل انتشاقه للتنفس، وتوجه لهيب النار إلى فوق؛ لأنها لو كانت مثل الماء تلتهب يمينًا وشمالًا لكثرت الحرائق، فأما الهواء فلا يقبل الاحتراق» (١)، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وأحسنَ المحسنُ خلقَ الإنسان، فخلقه في أحسن تقويم، حتى صار في أكمل الصور، وأبهى المناظر، وأحسن الأشكال، وأجمل الهيئات، قال تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]. قال الشيخ السعدي ﵀: «وإذا أردت أن تعرف حُسن الآدمي وكمال حكمة الله تَعَالَى فيه، فانظر إليه، عضوًا عضوًا، هل تجد عضوًا من أعضائه، يليق به، ويصلح أن يكون في غير محله؟ وانظر- أيضًا- إلى الميل الذي في القلوب، بعضهم لبعض، هل تجد ذلك في غير الآدمين؟ وانظر إلى ما خصه الله به من العقل والإيمان، والمحبة والمعرفة، التي هي أحسن الأخلاق المناسبة لأجمل الصور» (٢). ثم أحسنَ المحسنُ إلى خلقه بعموم نعمه التي لا تبلغ الأوهام تصورها، ولا تطمع العقول في إحصائها وعدها (٣)، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا

стр. 1718

إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وأحسن إليهم برزقه الواسع الظاهر والباطن، وبرزقه الطيب من المأكل، والمشرب، والمنكح، والملبس، والمنظر، والمسمع، ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر: ٦٤]، فذكر إحسانه بخلق الدار، والسكان، والأرزاق، تبارك الله رب العالمين (١). وأحسن إليهم بالهداية إلى تحصيل المنافع والمصالح، ودفع المضار والمخاطر، حتى أعطى الحيوان البهيم منهم القدرة على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. ثم أحسن إليهم المحسنُ غايةَ الإحسان وأعظمه، بأن عرفهم بمعبودهم الحق بما أودع في فطرهم، وبما أرسل إليهم من الرسل، وأنزل من الكتب، ولم يتركهم يتخبطون في معرفته والزلفى إليه. وأحسن إليهم بما حكم وقضى من الأقدار التي لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، قال تَعَالَى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، وأحسن إليهم بما حكم في الشرائع والأديان التي بُنيت على علم، وعدل، ورحمة حتى صارت في غاية الحسن والبهاء والكمال، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] (٢).

стр. 1719

ثم زاد المحسنُ أمةَ محمد ﷺ إحسانًا وفضلًا، بأن شرع لها أحسن الأديان دين الإسلام، قال تَعَالَى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، قال الطبري ﵀: «يعنى تَعَالَى ذكره بـ (الصبغة: صبغة الإسلام) (١)، وكمَّله لهم غاية الإكمال، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وأنزل لهم أحسن كتاب، وأكمل حديث، قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] فألفاظه أفصح الألفاظ وأوضحها، ومعانيه أجلُّ المعاني وأعظمها، وقصصه أصدق القصص وأحقُّها، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، فكان بذلك متشابهًا في الحسن والائتلاف وعدم الاختلاف، بوجه من الوجوه (٢). وأما إحسانه الخاص: فإحسان المحسن سُبْحَانَهُ إلى أوليائه وأهل طاعته، فأحسن إليهم أعظم الإحسان بأن هداهم للدين الحق، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، ثم أحسن إليهم بما علَّمهم من دينه وشرعه، ورزقهم العمل به، فوفقهم للطاعات ودفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبين فعلها، وأحسن إليهم بعصمته لهم من الذنوب والآثام، فما من قول طاعة ولا فعل طاعة ولا مسابقة للخيرات إلا والله المحسن به على العبد، وما من حرام ولا مكروه ترك ولا مشتبه تورع عنه إلا والله المحسن به

стр. 1720

على العبد، لا بحوله وقوته، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]، وأحسن إليهم بأن وفقهم لنشر العلم وتبليغه، وأحسن إليهم بالثبات على الحق إلى الممات (١). وأحسن إليهم المحسن بمعيته الخاصة، ونصرته، وإجابته لدعواتهم، كما قال ﷺ : «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (٢). وأحسن إليهم المحسن بما يجازيهم من حسن الثواب على فعل الخيرات؛ فيجازيهم بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بل يحسن إليهم بما يعطيهم من الأجور التي لا تبلغها أعمالهم، بل ولا تبلغه أمنيتهم، فيعطيهم من الأجر بلا عدٍّ ولا كيل، قال تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨] [النحل: ٩٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ
следующие страницы →