← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وعنه ﷺ أنه قال: «وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَآنِ -أَوْ تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» (١). ٩ - أن الله جعل التسبيح غرسًا للجنة؛ فعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ» (٢)، وعن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ : «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ» (٣). ١٠ - أن الله أخبر أنه من عبادة الملائكة، كما قال الله عنهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وما سبق من فضل التسبيح يندرج تحت التقديس؛ إذ كل منهما تنزيه للرب من النقائص. وفي قول الملائكة السابق: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] معنى لطيف للتقديس، ألا وهو تطهير النفس لله . قال البغوي ﵀ كما سبق: «ونقدس لك، أي: نثني عليك بالقدس

стр. 1647

والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك، وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك، وقيل: وننزهك» (١). قال الشيخ السعدي ﵀: «يحتمل أن معناها: ونقدسك، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه، ونطهرها من الأخلاق الرذيلة» (٢). اللهم يا سبوح يا قدوس، ارزقنا تسبيحك آناء الليل والنهار، وطهرنا من كل ما لا يرضيك.

стр. 1648

السَّيِّد ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «ساد قومه يسودهم سيادة وسوددًا وسيدودة، فهو سيدهم، وهم سادة، … وقال أهل البصرة: تقدير سيد (فيعل)، وجمع على فعلة، كأنهم جمعوا سائدًا، مثل قائد وقادة» (١). قال ابن فارس ﵀: «السين والياء والدال كلمة واحدة، وهي السيد .... أما السيادة، فقال قوم: السيد: الحليم، وأنكر ناس أن يكون هذا من الحلم، وقالوا: إنما سمي سيدًا؛ لأن الناس يلتجئون إلى سواده … والسيد هو: الرئيس … وقيل: الكريم» (٢). ورود اسم الله (السيد) في القرآن الكريم: لم يرد اسم الله (السيد) في القرآن الكريم. ورود اسم الله (السيد) في السنة النبوية: ورد اسم الله (السيد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه ﵁، «انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: السَّيِّدُ اللهُ،

стр. 1649

قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» (١). ثبوت اسم الله (السيد) في حق الله تعالى: من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (السيد) في حق الله تَعَالَى: ابن القيم ﵀: في قوله: «وأما وصف الرب تَعَالَى بأنه السيد، فذلك وصف لربه على الإطلاق؛ فإن سيد الخلق هو مالك أمرهم، الذي إليه يرجعون، وبأمره يعلمون، وعن قوله يصدرون» (٢). ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٣). معنى اسم الله (السيد) في حقه سُبْحَانَهُ: قال الخطابي ﵀: «قوله ﷺ : السيد الله، أي: السؤدد كله حقيقة لله وأن الخلق كلهم عبيد الله» (٤). قال الحليمي ﵀: «السيد المحتاج إليه بالإطلاق، فإن سيد الناس إنما هو رأسهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن رأيه يصدرون، ومن قوله يستهدون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا للباري- جل ثناؤه-، ولم يكن بهم غنية عنه في بدء أمرهم وهو الوجود؛ إذ لو لم يوجدهم

стр. 1650

لم يوجدوا، ولا في الإبقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض العارضة أثناء البقاء، وكان حقًّا له- جل ثناؤه- أن يكون سيدًا، وكان حقًّا عليهم أن يدعوه بهذا الاسم» (١). قال الأصبهاني ﵀: «قيل: السيد: المُحتاج إليه، والمحتاج إليه بالإطلاق هو الله؛ ليس للملائكة ولا الإنس ولا الجن غنية عنه؛ لو لم يوجدهم لم يوجَدوا، ولو لم يُبقهم بعد الإيجاد لم يكن لهم بقاء، ولو لم يعنهم فيما يعرض لهم لم يكن لهم معين غيره، فحق على الخلق أن يدعوه بهذا الاسم» (٢). قال ابن القيم ﵀: «سيد الخلق هو مالك أمرهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن قوله يصدرون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا له، وملكًا له، ليس لهم غنى عنه طرفة عين، وكل رغباتهم إليه، وكل حوائجهم إليه، كان هو السيد على الحقيقة» (٣)، وقال: «السيد إذا أُطلق عليهتَعَالَى فهو بمعنى: المالك والمولى والرب؛ لا بالمعنى الذي يطلق على المخلوق» (٤). قال ابن القيم ﵀ في نونيته: وَهوَ الإِلَهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي … صَمَدَتْ إِلَيْهِ الخَلْقُ بِالإِذْعَانِ الكَامِلُ الأَوْصَافِ مِنْ كُلِّ الوُجُو … هِ كَمَالُهُ مَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ

стр. 1651

الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السيد): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السيد) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له: السيد سُبْحَانَهُ هو الذي ساد الكون سيادة مطلقة بكل أوجه الكمال والجلال، فالسموات والأرض، والملائكة، والإنس والجن، والنبات والحيوان، كل هؤلاء خلق للسيد سُبْحَانَهُ، ليس بهم غنية عنه في بدء أمرهم الوجودي، ولا في الإبقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض التي قد تطرأ أثناء البقاء، فكلها تزيد بأمره، وتنقص بأمره، وتحيا بأمره، وتموت بأمره، وتتحرك بأمره، وتسكن بأمره، وتنفع وتضر بأمره أيضًا، يقول تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٣]. فله سُبْحَانَهُ كل صفات السؤدد وكمالها، «فهو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف: الذي قد كمل في شرفه، والعظيم: الذي قد كمل في عظمته، والحليم: الذي قد كمل في حلمه، والغني: الذي قد كمل في غناه، والجبار: الذي قد كمل في جبروته، والعالم: الذي قد كمل في علمه، والحكيم: الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو اللهسُبْحَانَهُ هذه صفته، لا تنبغي إلا له» (١). فحري بالعبد الموحد أن يلجأ إلى رب العزة والجلال، السيد سُبْحَانَهُ، ويوحده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه.

стр. 1652

الأثر الثاني: محبة الله السيد: الإيمان باسم الله السيد يورث في القلب محبة الله ، ويجعل العبد يدرك ألا مالك للكون سوى السيد سُبْحَانَهُ، ولا مدبر للعالم غيره، ولا مصرف للكائنات إلا هو، فينصرف القلب إلى محبة الله ، ويزداد ارتباطًا بمن ملك السؤدد كله على الحقيقة، والخلق كلهم عبيده. الأثر الثالث: لا سيادة لفاسق: الشرف والسؤدد الحقيقي في هذه الدنيا إنما ينال بطاعة الله وتقواه، حيث إن الكرامة والشرف والرفعة وعلو الذكر- وهذه أركان السؤدد- إنما هي لأنبياء الله وأوليائه وهم السادة على الناس، أما الكفرة والمنافقون والفساق فلا كرامة لهم ولا سيادة، وإن حصلت لهم السيادة الزائفة في وقت من الأوقات، ولذا جاء النهي عن تسمية المنافق بالسيد، كما جاء في الحديث: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ» (١)، لأن المنافق يقع في فخ الذنوب والمعاصى، ويهوى في درك الفواحش والآثام، وهذا مخالف لمعنى السيد من المنظور الشرعي، الذي هو: الترفع عن الآثام، والتطهر من المعاصي، والتحلى بمعالي الأخلاق، ولذلك قال جعفر بن أبي طالب ﵁، للنجاشي عندما سأله عن الإسلام: «أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا

стр. 1653

عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ» (١)، فوصف جعفر الإسلام بأنه مجموعة من القيم الأخلاقية، وعليه ينبغي على كل مسلم أن يلتزم بتلك القيم؛ ليرتفع قدره عند خالقه، وليكون سيدًا بين الناس. الأثر الرابع: التذلل بين يدي السيد: إن الإنسان مهما بلغ من السؤدد في هذه الدنيا فهو سؤدد ناقص زائل، وهذا الشعور يثمر التواضع في قلب المسوَّد، وعدم استخدام سيادته في ظلم الناس والتكبر عليهم؛ لأن السؤود الحقيقي السرمدي لله . وقد توعد الله من يستكبر عن التذلل بين يديه بالعذاب الأليم، والبعد عن مرضاة رب العالمين، يقول الطبري ﵀: «وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ [النساء: ١٧٣]، فإنه يعني: وأما الذين تعظَّموا عن الإقرار لله بالعبودية، والإذعان له بالطاعة، واستكبروا عن التذلل لألوهيته وعبادته، وتسليم الربوبية والوحدانية له ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٣]، يعني: عذابًا موجعًا ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]، يقول: ولا يجد المستنكفون من عبادته والمستكبرون عنها- إذا عذبهم الله الأليم من عذابه- سوى الله لأنفسهم وليًّا؛ ينجيهم من عذابه وينقذهم منه ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يعني: ولا ناصرًا ينصرهم» (٢)، فعلى العبد الخضوع والتذلل للسيد سُبْحَانَهُ خضوع الفقير المحتاج الذي لا طاقة له في البعد عن جناب سيده.

стр. 1654

الأثر الخامس: أحسِن لمن تحت يدك: حين يتعرف العبد على خالقه، ويعلم أن الله له السيادة الكاملة، فالسؤدد كله حقيقة لله، والخلق كلهم عبيده، فإنه يتعامل مع الناس على هذا الأساس، وخاصة مع الخدم، ومن هم أقل منه شأنًا ومنزلة. ومن يتتبع سيرة النبي ﷺ يجد أنموذجًا عمليًّا يحتذى به في هذا الجانب، ومن ذلك: تحذيره ﷺ من ضرب العبد أو إيذائه، فعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: «كنت أضرب غلامًا لي، فسمعتُ مِنْ خَلْفِي صوتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» (١)، وجعل ﷺ كفارة ضرب العبد بعتقه، فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « … مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» (٢). حضه ﷺ على المعاملة الحسنة لهم حتى في الألفاظ والتعبيرات، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي، وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ، وَفَتَاتِي» (٣).

стр. 1655

نهيه ﷺ عن تكليف العبيد والخدم بأعمال شاقة تفوق طاقتهم، أو الدعاء عليهم، فقال ﷺ : «وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (١)، وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (٢). وصيته ﷺ لأصحابه بالعفو عن إساءة الخدم وخطئهم … فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ إِلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» (٣). أمره ﷺ بالإحسان إلى العبيد والخدم، وعدم الاستهزاء بهم؛ بل وإطعامهم وإلباسهم من نفس طعام ولباس أهل البيت، فعن المعرور بن سويد قال: «لقيت أبا ذر بالربذة (موضع قرب المدينة)، وعليه حُلَّة (ثوب) وعلى غلامه حُلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلًا، فعيرته بأمه، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (٤)، وعن

стр. 1656

عائشة ﵂ قالت: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا» (١). بل بلغ اهتمامه ﷺ بالعبيد في حياته مبلغًا عظيمًا، حتى أوصى بهم خيرًا حين موته وفي آخر كلامه، فعن علي ﵁ قال: «كَانَ آخِرُ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (٢)، وفي هذا كله دلالة على وجوب اللين مع الخدم والعمال والضعاف، واستحضار أن لاسيد إلا الله. الأثر السادس: حكم إطلاق اسم السيد على المخلوق: تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أن إطلاق اسم السيد على المنافق والكافر لا يجوز، لحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال ﷺ : «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ » (٣). اختلف العلماء على إطلاق اسم السيد على المسلم، على ثلاثة أقوال، وهي: القول الأول: الجواز، واستدلوا بعدد من الأدلة، منها:

стр. 1657

قول الله تَعَالَى عن نبيه يحي بن زكريا ﵉: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، قال ابن الأنباري ﵀: «إن قال قائل: كيف سمَّى الله يحيى سيدًا وحصورًا، والسيد هو الله؛ إذ كان مالك الخلق أجمعين، ولا مالك لهم سواه؟ قيل له: لم يُرد بالسيد هنا المالك، إنما أراد الرئيس والإمام في الخير، كما تقول العرب: فلان سيدنا، أي: رئيسنا والذي نُعظِّمه» (١). قول الله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] فسمى الزوج بالسيد. القول الثاني: التحريم، واستدلوا بعدد من الأدلة منها: حديث أبي نضرة عن مطرف، قال: قال أبي: «انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، قَالَ: السَّيِّدُ اللهُ، قَالُوا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» (٢). القول الثالث: الكراهة، واستدلوا بعدة أدلة منها: أن النبي ﷺ لما قالوا له: «أَنْتَ سَيِّدُنَا»، قال لهم: «السَّيِّدُ اللهُ» (٣)، مع أنه ﷺ هو سيد ولد آدم، وقوله هذا يدل على الكراهة

стр. 1658

الشديدة أن يقال لأحد: أنت السيد؛ لأنه قد يفهم منه استغراق معاني السيادة؛ والبشر ليس مستغرقًا لمعاني السيادة، لكن له سيادة تخصه وتميزه» (١). يقول الشيخ صالح آل الشيخ تعليقًا عليه: «إن إطلاق لفظ السيد على البشر مكروه، ومخاطبته بذلك يجب سدها، فلا يخاطب أحد بأن يقال له: أنت سيدنا، على جهة الجمع، وذلك لأن فيها نوع تعظيم من جهة المخاطبة، يعني: الخطاب المباشر، والجهة الثانية من جهة استعمال اللفظ، والنبي ﵊ سيد، كما قال عن نفسه: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ) (٢)، ولكن مخاطبته ﵊ مع كونه سيدًا كرهها ومنع منها؛ لئلا تؤدي إلى ما هو أعظم من ذلك، من تعظيمه والغلو فيه ﵊، … وفيه ما يفيد أنه ﵊ حَمَى حِمَى التوحيد، وسد الطرق الموصله للشرك، ومنها طريق الغلو في الألفاظ» (٣). وبعد عرض هذه الأقوال، لعل الصواب والله أعلم: أن إطلاق اسم السيد على المخلوق جائز؛ لأن السيد بمعنى المقدم في القوم، وكذلك بمعنى الرئيس، وبمعنى المولى، وما أشبه ذلك، ولكن إذا أطلق على الله ﵀ فهو بمعنى الرب المالك المتصرف، فهو غير ما يطلق على البشر، ولا سيما وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ»، ثم ذكر حديث الشفاعة (٤).

стр. 1659

فهذا صحيح ثابت عنه ﷺ ، وأما إطلاقه على الله ﵀ فله معنى غير هذا، وهو المولى والمالك والمتصرف والرب الذي يربي خلقه بالنعم، وبما يصلح لهم، وما يصلحهم (١). ويمكن الجمع- أيضًا- بأن يحمل النهي على إطلاق لفظ السيد على غير المالك والإذن بإطلاقه على المالك، وكذلك أن الكراهة خاصة بالنداء، فيكره أن يقول: يا سيدي، ولا يكره في غير النداء» (٢). فاللهم إنا نسألك يا الله يا سيدنا، أن تغفر لنا ذنوبنا، وأن لا تحوجنا لغيرك.

стр. 1660

الشَّافي ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «وشفاه الله من مرضه شفاء، ممدود، … واستشفى: طلب الشفاء، وأشفيتك الشيء: أي أعطيتكه تستشفى به، ويقال: أشفاه الله عسلًا، إذا جعله له شفاء» (١). قال ابن فارس ﵀: «(شفى) الشين والفاء والحرف المعتل يدل على الإشراف على الشيء؛ يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه، وسمي الشفاء: شفاء؛ لغلبته للمرض وإشفائه عليه، ويقال: استشفى فلان؛ إذا طلب الشفاء، ويقال: أعطيتك الشيء تستشفي به، ثم يقال: أشفيتك الشيء» (٢). ورود اسم الله (الشافي) في القرآن الكريم: لم يرد اسم الله تَعَالَى (الشافي) في القرآن الكريم. ورود اسم الله (الشافي) في السنة النبوية: ورد اسم الشافي في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: - عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ ، كان إذا أتى مريضًا أو أتي به، قال: أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِى، لَا شِفَاءَ إِلَّا

стр. 1661

شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» (١). ثبوت اسم الله (الشافي) في حق الله تعالى: من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الشافي) في حق الله تَعَالَى: ابن تيمية ﵀: في قوله: «ومن أسمائه التي ليست في هذه التسعة والتسعين … اسمه: الشافي، كما ثبت في الصحيح» (٢). ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٣). معنى اسم الله (الشافي) في حقه سُبْحَانَهُ: الله سُبْحَانَهُ هو الشافي من أمراض الأبدان والشافي من أمراض القلوب. قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]: «يقول تَعَالَى ذكره: وننزل عليك- يا محمد- من القرآن ما هو شفاء يُستشفى به من الجهل ومن الضلالة، ويُبصَّرُ به من العمى للمؤمنين، ورحمة لهم دون الكافرين به» (٤). - قال الحليمي ﵀: «الله يشفي الصدور من الشبه والشكوك، ومن الحسد والغلول، والأبدان من الأمراض والآفات لا يقدر على ذلك غيره، ولا يدعى بهذا الاسم سواه» (٥).

стр. 1662

الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشَّافي): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشافي) من الصفات: الله سُبْحَانَهُ هو الشافي بقدرته وحكمته، وعلمه وإحاطته، فلا شافي على الإطلاق إلا الله وحده، يقول ﷺ : «وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (١)، فهو سُبْحَانَهُ الذي يرفع البأس والعلل، ويشفي العليل بالأسباب والأمل، فقد يُبرأ الداء مع انعدام الدواء، وقد يُشفى الداء بلزوم الدواء، ويرتب عليه أسباب الشفاء، وكلاهما باعتبار قدرة الله سواء، فهو الشافي الذي خلق أسباب الشفاء، ورتب النتائج على أسبابها والمعلولات على عللها، فيشفي بها وبغيرها؛ لأن حصول الشفاء عنده يحكمه قضاؤه وقدره، فالأسباب سواء ترابط فيها المعلول بعلته، أو انفصل عنها هي من خلق الله وتقديره، ومشيئته وتدبيره. وشفاء الشافي سُبْحَانَهُ نوعان، دل عليهما عموم قوله ﷺ : «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (٢)، وهما: النوع الأول: الشفاء المعنوي الروحي، وهو الشفاء من علل القلوب. يقول تَعَالَى ممتنًّا على خلقه بما أنزل إليهم من القرآن العظيم على رسوله الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].

стр. 1663

يقول ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «أي: زاجرًا عن الفواحش، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [يونس: ٥٧] أي: محصل لها الهداية والرحمة من الله تَعَالَى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه» (١). ويفصل الإمام ابن القيم ﵀ القول في أمراض القلوب وشفائها، فيقول: «ومرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه في الحال؛ … كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات. وهذا النوع هو أعظم النوعين ألمًا، ولكن لفساد القلب لا يُحس بالألم، ولأن سَكْرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم، وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له، وهو متوارٍ عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين وأصعبهما، وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطباء هذا المرض. والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال، كالهم والغم والحزن والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب، وما يدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ويشقى بما يشقى به البدن، فكذلك البدن يألم كثيرًا بما يتألم به القلب، ويشقيه ما يشقيه. فأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت، وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم،

стр. 1664

إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء، ولهذا يقال: «شفي غيظه» فإذا استولى عليه عدوه آلمه ذلك، فإذا انتصف منه اشتفى قلبه، قال تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]، فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ستَّ فوائد. فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شَفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضًا من حيث ظن أنه يشفيه … ، وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب، فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضًا إلى مرضه؛ لكن اشتغل القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التي هي شرط في صحته وبُرْئه، قال النبي ﷺ في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتي بفتواهم: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» (١)، فجعل الجهل مرضًا، وشفاءه سؤال أهل العلم. والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية، ومنها ما لايزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية» (٢). النوع الثاني: الشفاء المادي، وهو الشفاء من علل الأبدان: فإن الشفاء من الأمراض لا يحدث بالطبيب وخبرته، أو بالدواء وقوته، وإنما يحدث بإذن الله وقدرته، فالله خالق البدن ومدبر أمره، يعلم الداء والدواء

стр. 1665

جملة وتفصيلًا؛ ولذا جاء الشفاء مخصصًا في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] بـ (هو)، وكذلك أكدها النبي ﷺ في الحديث: «اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ» (١)، ومن دلائل ذلك أيضًا ما يلي: قول جبريل ﵇ للنبي ﷺ حين عاده في مرضه، فعن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: «يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ» (٢)، فجبريل هو خير الأطباء من الخلق؛ لأنه يعالج بالوحي، والمريض هو خير الناس وأطيبهم بدنًا ونفسًا، وهو رسول الله ﷺ ، والدواء هو خير دواء؛ لأنه رقية (بسم الله الشافي)، ومع ذلك فإن جبريل يتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، ويقول: «الله يَشْفِيكَ» أي: أن الرقية مني، ولكن الشفاء كله من الله وحده. ما أكرم الله به نبيه عيسى ﵇ من شفاء المرضى، وإبراء الأعمى فيبُصر، والأبرص فيُشفى، وحتى إحياء الموتى، ولكن هذا كله بإذن الله، وهذا ما قاله نبي الله عيسى ﵇ في قوله تَعَالَى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]. قصة أصحاب الأخدود، عندما جاء جليس الملك وقد عمي إلى الغلام المؤمن بهدايا، وقال: «مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ» (٣).

стр. 1666

ومن المعلوم أن اعتقاد العبد وإيمانه بأن الشافي هو الله وحده، وأن الشفاء بيده ليس مانعًا من بذل الأسباب النافعة بالتداوي، وطلب العلاج، وتناول الأدوية المفيدة، فقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث عديدة في الأمر بالتداوي، وذكر أنواع من الأدوية النافعة المفيدة (١)، وهذا لا ينافي التوكل على الله واعتقاد أن الشفاء بيده. الأثر الثاني: توحيد الله باسمه (الشافي): - دلالته على توحيد الألوهية والربوبية: إن الله هو القدير الحكيم، فبالقدرة خلق الأشياء وأوجدها وهداها وسيَّرها، وانفرد بذلك دون سواه، وهذا توحيد الربوبية، وبالحكمة رتب الأسباب ونتائجها وابتلانا بها، وعلق عليها الشرائع والأحكام تحقيقًا لتوحيد العبودية، والعبد المؤمن يوقن تمامًا بأن الشفاء بيد الله وحده، «وأن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا، أمر مأمور به شرعًا، لا ينافي التوكل على الله بحال؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالًا لأمر ربه، مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه، فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر، ولو شاء الله تخلُّف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلَّف» (٢). وفي ذلك يقول السعدي ﵀ عند قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)

стр. 1667

الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨١]: «فهو وحده سُبْحَانَهُ المنفرد بذلك، فيجب أن يفرد بالعبادة والطاعة، وتترك هذه الأصنام، التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا تمرض، ولا تشفي، ولا تطعم ولا تسقي، ولا تميت، ولا تحيي، ولا تنفع عابديها، بكشف الكروب، ولا مغفرة الذنوب، فهذا دليل قاطع، وحجة باهرة، لا تقدرون أنتم وآباؤكم على معارضتها» (١). - دلالته على توحيد الأسماء والصفات: وكما تقدم فاسم الله (الشافي) يدل باللزوم على الحياة والقيومية، والسمع والبصر، والعلم والقدرة، والخبرة والحكمة، والغنى والقوة، وغير ذلك من صفات الكمال. الأثر الثالث: التوكل على الله الشافي: فالله سُبْحَانَهُ هو خالق الأسباب ومسبباتها، وفارق كبير بين التعلق بالأسباب، والأخذ بالأسباب، فإن من صدق توكل العبد على الله أن يأخذ بالأسباب وهو يعلم أنها لا تنفع ولا تضر إلا بإذنه تَعَالَى، ولا ترد شيئًا من أقداره، ومن أدلة ذلك: ما رواه أبو خزامة، قال: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟ قَال: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ» (٢). يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «إن القلب متى اتصل برب العالمين خالق الداء والدواء، ومدبر الطب ومصرفه على ما يشاء، كانت له أدوية

стр. 1668

أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه، فإذا قويت النفس بإيمانها وفرحت بقربها من بارئها، وأنسها به وحبها له، وتنعمها بذكره، وانصراف قواها كلها إليه، وجمع أمورها عليه، واستعانتها به وتوكلها عليه، فإن ذلك يكون لها من أكبر الأدوية في دفع الألم بالكلية» (١). فالأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره، لا خروج لها عنه، والله تَعَالَى يتصرف فيها كيف يشاء، إن شاء أبقى سببيتها، وإن شاء غيرها كيف يشاء؛ لئلا يعتمد العباد عليها، وليعلموا كمال قدرته، وأن التصرف المطلق والإرادة المطلقة لله وحده، كما تقدم في قول النبي ﷺ : «اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ» (٢)، والله سُبْحَانَهُ لم ينزل داء إلا ومعه الدواء، كما في الحديث: «فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» (٣)، ودل عباده على أسباب تنفع بإذنه تَعَالَى للشفاء، ومن تلك الأسباب: ١ - القرآن: قال الله عن أثر القرآن في شفاء القلوب وهدايتها: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].

стр. 1669

قال ابن القيم ﵀: «فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحدٍ يوفَّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبدًا، وكيف تقاوم الأدواءُ كلامَ رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها، أو على الأرض لقطَّعها» (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁: «أنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ، وَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْم» (٢). وعن عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا» (٣). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ،

стр. 1670

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا - وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا: بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» (١). وعلى هذا فالقرآن فيه شفاء لأرواح المؤمنين، وشفاء لأجسادهم. ٢ - العسل: يقول تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩]. قال ابن كثير ﵀: «أي: في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم، … ثم ذكر الحديثُ الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما- عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اسْقِهِ عَسَلًا، فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَال: إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلًا، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ! فَسَقَاهُ فَبَرَأَ (٢). قال بعض العلماء بالطب: «كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلًا وهو حار تحللت، فأسرعت في الاندفاع، فزاده إسهالًا، فاعتقد الأعرابي أنَّ هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه،

стр. 1671

واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته» (١). وعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (٢). ٣ - الحبة السوداء: عن عائشة ﵂، أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا مِنَ السَّامِ، قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: الْمَوْتُ» (٣). ٤ - ماء زمزم: ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ شرب من ماء زمزم، وأنه قال: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (٤)، وقد غسل جبريل ﵇ صدر النبي ﷺ بماء زمزم. ٥ - الصدقة: عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ» (٥)، وهذا هو الطب الحقيقي الذي لا يخطئ، لكن لا يظهر نفعه إلا لمن رق حجابه وكمل استعداده ولطفت بشريته … فإن الصدقة دواء

стр. 1672

منجح، ونبه بها على بقية أخواتها من القُرَب، كعتق، وإغاثة لهفان، وإعانة مكروب (١). يقول ابن القيم ﵀: «للصدقة تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو من ظالم، بل من كافر، فإن الله تَعَالَى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به؛ لأنهم جربوه» (٢). ٦ - التلبينة: عن عائشة ﵂، أنها كانت تأمر بالتلبين للمريض، وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ» (٣). قال المناوي ﵀: «(مَجَمَّة) بفتح الميمين والجيم مشدد، أي: مريحة لفؤاد المريض، وفي رواية: الحزين، أي: تريح قلبه وتسكنه، بإخمادها للحمى من الإجمام، وهو الراحة (تذهب ببعض الحزن)، فإن فؤاد الحزين يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه ومعدته؛ لقلة الغذاء، والحساء، يرطبها ويغذيها ويقويها» (٤).

стр. 1673

٧ - التداوي بالطب الحديث: وهو ما يكون على أيدي الأطباء، فعلى المريض مع يقينه بأن الشافي هو الله أن يأخذ بالأسباب بجوارحه دون قلبه، فلا يمتنع من الأسباب ومن بينها الطب الحديث الذي ثبتت دراساته، وقد بين رسول الله ﷺ ذلك جليًّا لما سأله الأعراب: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْا» (١). وقال النووي ﵀: «إن الطب غير قادح في التوكل؛ إذ تطبب رسول الله صلى الله عليه و سلم والفضلاء من السلف، وكل سبب مقطوع به كالأكل والشرب للغذاء والري لا يقدح في التوكل عند المتكلمين في هذا الباب، ولهذا لم ينف عنهم التطبب» (٢). الأثر الرابع: محبة الله الشافي: الله هو الشافي الذي لا شفاء إلا شفاؤه، والذي لا يكشف الضر إلا هو ولا يأتي إلا بالخير إلا هو، وهو الذي أنزل الكتب وأرسل الرسل؛ ليشفي الناس من أمراض الشرك والكفر والشكوك، والحقد والحسد وغيرها من أمراض القلوب، ويعافيها بالهداية إلى الدين القيم، والصراط المستقيم الذي يوصل إليه، وهو الذي يحفظ أبدانهم ويشفي أبدانهم من الأسقام والآفات، وهذا كله يثمر في القلب محبة مَن هذه صفاته، وتوحيده والتعبد له بكل أنواع العبادة لا شريك له.

стр. 1674

أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدِّر من الأسباب الموصلة إليه (١). الأثر الخامس: تحريم التداوي بمحرم: من آمن باسم الله (الشافي) كان متحريًا في طلب الدواء الحلال، ومتجافيًا عن الحرام الذي يباعد بينه وبين ربه، يقول ﷺ : «فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (٢)، وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (٣)، فقالت له زوجته: لِمَ تقول هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذف، وكنت اختلف إلى فلان اليهودي يرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٤). وعلل الشيخ ابن عثيمين ﵀ التحريم بقوله: «التداوي بالمحرم لا يجوز؛ لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرمه عليها؛ ولأن الله لا يحرم علينا الشيء إلا لضرره، والضار لا ينقلب نافعًا أبدًا، حتى لو قيل: إنه اضطر

стр. 1675

إلى ذلك فإنه لا ضرورة للدواء إطلاقًا؛ لأنه قد يتداوى ولا يشفى، وقد يشفى بلا تداوٍ، إذًا: لا ضرورة إلى الدواء» (١). وقد ذكر ابن القيم ﵀ عدة أدلة لتحريم التداوي بما حرمه الله، وقسم هذه الأدلة إلى قسمين، كالتالي: أولًا: الأدلة الشرعية، ومنها: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (٢). عن ابن مسعود ﵁: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» (٣). حديث أبي هريرة ﵁، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ (٤). حديث طارق بن سويد الجعفي ﵁، أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر: «فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» (٥).

стр. 1676

ثانيًا: الأدلة العقلية، ومنها: أن الله سُبْحَانَهُ إنما حرمه لخبثه، فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبًا عقوبة لها، كما حرمه على بني إسرائيل، بقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]. في التحريم حمية لهم، وصيانة عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه وإن أثر في أزالتها لكنه يعقب سقمًا أعظم منه في القلب، بقوة الخبث الذي فيه، فيكون المداوي به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب. أن التداوي بالخبيث يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث؛ لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالًا بينًا، فإذا كانت كيفيته خبيثة أكسب الطبيعة منه خبثًا، فكيف إذا كان خبيثًا في ذاته. أن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بركة الشفاء، فإن النافع هو المبارك، … ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها (١). الأثر السادس: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]: فإن عقل العبد يعجز ويضيق عن استيعاب كل ما يجري عليه؛ إذ الله يعامله بعلمه، ولا يخلو من فضل تَعَالَى، فكثير مما يُقدر عليه من أمراض أومكروهات هي في ذاتها شفاء لأمراض في القلب قد تفتك به لو استمرت

стр. 1677

فيه، فيأتي المرض أو المصيبة؛ ليكونا سببًا في التخلص منها، فالشفاء ليس بالضرورة هو المعافاة من المرض، أو زواله بالكلية، و في هذا يقول ابن القيم ﵀ وهو يعدد حكم الله ورحمته في المصائب: «السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه إليه (الطبيب) العليم بمصلحته، الرحيم به، فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه، فيذهب نفعه باطلًا، والثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته، فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره» (١). ويؤكد السعدي ﵀ ذلك بقوله: «إن الغالب على العبد المؤمن أنه إذا أحب أمرًا من الأمور فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له، فالأوفق له في ذلك أن يشكر الله، ويجعل الخير في الواقع؛ لأنه يعلم أن الله تَعَالَى أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم» (٢). ومما يعين العبد على ذلك: أن يعلم بعضًا من الحِكم في دائه الذي يرجو منه شفاء، ومنها: ١ - مغفرة الذنوب: عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ

стр. 1678

قال: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (١)، والوصب: المرض. وعن ابن مسعود ﵁، قال: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ، فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» (٢). ٢ - النجاة من النار: عن أبي هريرة ﵁، «أنَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَادَ مَرِيضًا وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ وَعَكٍ كَانَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَبْشِرْ إِنَّ اللهَ يَقُولُ: نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ (٣). ٣ - المريض يظفر بمعية الله: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» (٤).

стр. 1679

٤ - دخول الجنة: عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ» (١)، بحبيبتيه: أي: عينيه. وعن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس ﵄: «أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا» (٢). ٥ - أجر عيادة المريض: عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ، إِنْ كَانَ مُصْبِحًا حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُمْسِيًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» (٣). غدوة: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، العشية: آخر النهار، الخريف: الثمر المخروف: أي: المجتنى.

стр. 1680

٦ - ومن المرضى من له أجر الشهداء: عن أنس ﵁، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» (١)، وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (٢). المبطون: الذي يموت بداء البطن، والمطعون: الذي يموت بالطاعون، وصاحب الهدم: الذي يموت تحت الهدم. وعن جابر بن عَتِيكٍ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ» (٣). والمريض متسبب في أجر لمن زاره: وهذه بركة خُص بها المريض: عن علي ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الجَنَّةِ» (٤).

стр. 1681

غدوة: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، العشية: آخر النهار، الخريف: الثمر المخروف: أي: المجتنى. الأثر السابع: الدعاء باسمه (الشافي): فمتى ما أراد العبد الشفاء، أوبحث عن أسباب الدواء فإن من أهم الاسباب التي يأخذ بها: دعاء الله باسمه (الشافي) أن يتولاه بقدرته ويشفيه، ويدله على دائه ودوائه، كما كان يقول ويفعل نبينا ﷺ بأن يمسح على المريض، ويقول: «أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (١)، ومنه رقية جبريل ﵇ لنبينا، فقد ثبت في الصحيح أن جبريل أتى النبى ﷺ : «فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ» (٢). وقد كان ذلك نهج صحابته من بعده، كما ثبت عن أنس ﵁، قال: لثابت: أَلَا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٣). فاللهم رب الناس، اذهب البأس، أنت الشافي، اشف قلوبنا من عللها، واشف أبداننا من أمراضها، شفاء لا يغادر سقمًا، شفاء أنت أهله ووليه.

стр. 1682

الطَيِّب ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «الطيب: خلاف الخبيث، وطاب الشيء يطيب طيبة وتطيابًا» (١). قال ابن فارس ﵀: «الطاء والياء والباء أصل واحد صحيح؛ يدل على خلاف الخبيث» (٢). ورود اسم الله (الطيب) في القرآن الكريم: لم يرد اسم الله تَعَالَى (الطيب) في القرآن الكريم. ورود اسم الله (الطيب) في السنة النبوية: ورد اسم الله (الطيب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾

стр. 1683

[البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (١). ثبوت اسم الله (الطيب) في حق الله تعالى: من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الطيب) في حق الله تَعَالَى: ابن القيم ﵀: في قوله: «فهو طيب وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه الطيب» (٢). ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٣). معنى اسم الله (الطيب) في حقه سُبْحَانَهُ: قال النووي ﵀: «قال القاضي: الطيب في صفة اللهتَعَالَى بمعنى: المنَزَّه عن النقائص، وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب: الزكاء والطهارة والسلامة من الخبث» (٤). قال ابن القيم ﵀ في شرحه لقوله ﷺ : «وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ» (٥)، وذلك في دعاء التشهد: «وكذلك قوله: (وَالطَّيِّبَاتُ) هي

стр. 1684

صفة الموصوف المحذوف أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده، فهو طيب وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه (الطيب)، ولا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، ولا يقرب منه إلا طيب، وإليه يصعد الكلم الطيب وفعله طيب، والعمل الطيب يعرج إليه، فالطيبات كلها له ومضافة إليه وصادرة عنه ومنتهية إليه» (١). قال ابن رجب ﵀: «الطيب معناه: الطاهر، والمعنى: أن الله مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها» (٢)، فهوسُبْحَانَهُ المنزه عن الآفات والعيوب، وعن كل وصف خلا عن كمال، أو عن طيب الثناء. الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الطيب) (٣): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الطيب) من الصفات، ودلالته على التوحيد: «الله سُبْحَانَهُ الطيب، فالأسماء الطيبات، والصفات الطيبات، والكلمات الطيبات، والأفعال الطيبات، كلها له سُبْحَانَهُ لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سُبْحَانَهُ، فطيب كل ما سواه من آثار طيبته» (٤). ومن مظاهر كون الله طيبًا ما يلي:

стр. 1685

كلام الطيب أطيب كلام: فالقرآن أطيب الكلام؛ لأنه خرج من أطيب من تكلم، قال تَعَالَى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]. يقول ابن كثير ﵀: «قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] أي: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الأذكار المشروعة» (١)، ويقول السعدي- أيضًا- في تفسير ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]: «الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله» (٢). ولا ينبغي أن يتقرب إليه العبد إلا بالطيب من الأقوال، والأعمال المنبعثة من المقاصد الطيبة. عقيدة الطيب أطيب العقائد: يقول تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٥٢]. قال السعدي ﵀: «﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: شهادة أن لا إله إلا الله، وفروعها ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾، وهي النخلة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرض ﴿وَفَرْعُهَا﴾ منتشر ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ وهي كثيرة النفع دائمًا، ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ أي: ثمرتها ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ فكذلك شجرة الإيمان، أصلها ثابت في قلب المؤمن،
следующие страницы →