وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وبقيوميته لم تسقط السماء على الأرض ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] (١).
قال ابن القيم ﵀: «ثم تأمل الممسك للسموات والارض الحافظ لهما أن تزولا أو تقعا أو يتعطل بعض ما فيهما، أَفَتَرَى مَنِ الممسك لذلك؟! ومَنِ الحافظ له؟ ومَنِ القيم بأمره؟! ومَنِ المقيم له؟! فلو تعطلت بعض آلات هذا الدولاب العظيم والحديقة العظيمة من كان يصلحه ويعيده؟! وماذا كان عند الخلق كلهم من الحيلة في رده كما كان؟! فلو أمسك عنهم قيم السموات والارض الشمس فجعل عليهم الليل سرمدًا، من الذي كان يطلعها عليهم ويأتيهم بالنهار؟! ولو حبسها في الأفق ولم يسيرها فمن ذا الذي كان يسيرها عنهم ويأتيهم بالليل؟! فلو أزال السماء والارض، فمن ذا الذي كان يمسكها من بعده؟!» (٢).
قيام الإنس والجن وسائر الدواب به:
قال ﷺ : «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» (٣) قائم على ما فيهما من النفوس بالرزق، وتدبير الشؤون وتصريفها، كما قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]» يغني فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويعطي قومًا، ويمنع آخرين، ويميت ويحيي، ويرفع ويخفض، لا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه إلحاح
стр. 282
الملحين، ولا طول مسألة السائلين … وهذه الشؤون التي أخبر أنه تَعَالَى كل يوم هو في شأن، هي تقاديره وتدابيره التي قدرها في الأزل وقضاها، لا يزال تَعَالَى يمضيها وينفذها في أوقاتها التي اقتضته حكمته» (١).
وهذا القيام يستلزم كمال أفعاله من الاستواء، والنزول، والكلام، والخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، وسائر أنواع التدبير.
ومن قيامه بهم: إنزاله للكتب بالحق وإرساله للرسل؛ حتى تستنير بصائرهم، ويرشدون لما فيه صلاحهم وفلاحهم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٢، ٣] (٢).
المقيم أمر أوليائه وأهل طاعته:
قال ابن القيم ﵀: «فإنه سُبْحَانَهُ القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه، ورضى به من الناس حبيبًا وربًّا، ووكيلًا وناصرًا ومعينًا وهاديًا، فلو كشف الغطاء عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حبًّا له وشوقًا إليه ويقع شكرًا له، ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك تقدير العزيز العليم» (٣).
стр. 283
فهو الحي القيوم الذي بهما جمع معاني الأسماء الحسنى، وعليهما دارت الصفات العليا؛ وذلك أن الحياة تستلزم جميع صفات الكمال، ولا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته ﵎ أكمل حياة وأتمها؛ استلزم إثباتها إثبات كل صفة كمال.
وكذلك القيام؛ فإنه مستلزم لكمال الأفعال، ولا يتخلف شيء منها إلا لضعف القيام، فإذا كان قيامه سُبْحَانَهُ أتم قيام وأكمله؛ استلزم إثباته إثبات كل فعل كمال، وبهذا انتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام (١).
الأثر الثاني: دلالة اسمي الله الحي القيوم على التوحيد:
إذا علم العبد أن الله ﷻ الحي الباقي الدائم الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون، وكل شيء هالك إلا وجهه؛ أيقن أن لا أحد يستحق أن يعبد إلا الحي الباقي، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢].
قال الطبري ﵀: «و (الحي) الذي لا يموت ولا يبيد، كما يموت كل من اتُّخِذ من دونه ربًّا، ويبيد كل من ادُّعِيَ من دونه إلهًا، واحتج على خلقه بأن: من كان يبيد فيزول ويموت فيفنى، فلا يكون إلهًا يستوجب أن يعبد دون الإله الذي لا يبيد ولا يموت، وأن الإله هو الدائم الذي لا يموت ولا يبيد ولا يفنى، وذلك الله الذي لا إله إلا هو» (٢).
стр. 284
وإذا علم العبد أن الله ﷻ هو القيوم الذي استغنى عن كل شيء، وكل شيء افتقر إليه، فلا قوام له إلا بقيوميته؛ علم أنه لا يستحق أن تكون العبادة إلا له وحده لا شريك له، قال تَعَالَى محتجًّا على خلقه بقيوميته: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ﴾ [الرعد: ٣٣]».
أيستوي الرب الذي هو دائم لا يبيد ولا يهلك، قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق، متضمن لها، عالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال، رقيب عليهم، لا يعزب عنه شيء أينما كانوا، كمن هو هالك بائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئًا، ولا يدفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضرًّا، ولا يجلب إليهما نفعًا؟ كلاهما سواء؟» (١).
الأثر الثالث: التوكل على الحي القيوم:
يقين العبد بأن ربه هو الحي الذي له الحياة الكاملة فلا يموت أبدًا،، القيوم الذي يقوم بأموره ويدبر شؤونه، ولا تأخذه سنة ولا نوم ولا غفلة؛ يوجب له التعلق به والتوكل عليه في رغبه ورهبه، ومعاذه وملاذه، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨].
قال ابن كثير ﵀: «أي: في أمورك كلها كن متوكلًا على الله الحي الذي لا يموت أبدًا، الذي هو ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] الدائم الباقي السرمدي الأبدي، الحي القيوم رب كل
стр. 285
شيء ومليكه، اجعله ذخرك وملجأك، وهو الذي يتوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك» (١).
ويوجب له قطع كل تعلق ورجاء بالمخاليق الضعفاء الفقراء الذين يلحقهم الموت والنوم والغفلة والنسيان؛ فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم، وإذا ناموا أو نسوا أو غفلوا خُذِلَ من توكل عليهم، وهم مع ذلك كله لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن أن يملكوا ذلك لغيرهم.
روي أن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية كان خلًّا لعبد الملك بن مروان، فلما مات عبد الملك وتصدع الناس عن قبره، وقف عليه، فقال له: «أنت عبد الملك الذي كنت تعدني فأرجوك، وتوعدني فأخافك، أصبحت وليس معك من ملكك غير ثوبيك، وليس لك منه غير أربعة أذرع في عرض ذراعين» (٢)، فكل حي يموت، ولا يبقى إلا الحي الذي لا يموت.
كما يوجب له التبرؤ من الحول والقوة والافتقار التام للحي القيوم، لسان حاله ومقاله: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، أي: لا تحول من حال إلى حال، ولا حصول قوة على القيام بأي أمر من الأمور إلا بالله، أي: إلا بعونه وتوفيقه وتسديده.
وهذه الكلمة شرعها رسول الله ﷺ لأمته، وحثهم عليها في جملة من الأحاديث، منها:
- عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله
стр. 286
ﷺ : «مَا عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، إِلَّا كُفِّرَتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (١).
- وعن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (٢).
- وعن قيس بن سعد بن عبادة ﵁، أن أباه دفعه إلى النبي ﷺ يخدمه، قال: فمر بي النبي ﷺ وقد صليت فضربني برجله، وقال: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ؟ قلت: بلى، قال: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ» (٣).
الأثر الرابع: مراقبة الحي القيوم والخوف منه:
إذا علم العبد أن ربه الحي القيوم الذي لا ينام ولا يغفل ولا ينسى، يحفظ عليه عمله ويحصيه ويجازيه عليه بالعدل والقسط، كما قال تَعَالَى:
стр. 287
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] (١)، قال ابن كثير ﵀: «أي: حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية» (٢) أوجب ذلك له الخوف منه سُبْحَانَهُ ومراقبته، وخشيته في السر والعلن.
الأثر الخامس: محبة الله الحي القيوم:
إذا علم العبد أن ربه حي قيوم، واستشعر أن له الحياة الكاملة المطلقة التي بها أحياه وأوجده، وله القيومية والسيادة المطلقة التي أقام بها السموات والأرض وأقام به شؤونه ودبَّرها، واستشعر ما يتضمنه هذان الاسمان من صفات الكمال له ؛ أوجب ذلك له محبته وإجلاله؛ مما يثمر في القلب الابتهاج، واللذة، والسرور وتندفع به الكروب، والهموم، والغموم.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: «فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج، واللذة، والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب، والهم، والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه، ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى» (٣).
стр. 288
الأثر السادس: الخضوع والتذلل للحي القيوم:
إذا علم العبد أن ربه حي قيوم تخضع له الخلائق يوم القيامة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] واستشعر ذلك الموقف العظيم الذي يرى فيه الأغنياء والفقراء، والرجال والنساء، والأحرار والأرقاء، والملوك والسوقة، ذليلين خاضعين، ساكتين منصتين، خاشعة أبصارهم، خاضعة رقابهم، جاثين على ركبهم، لا يدرون ماذا ينفصل كل منهم به (١)؛ خضع وذل وافتقر واستكان لربه في الدنيا قبل الآخرة.
فـ «العبد ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل، فهو ذليل لعزه، وذليل لقهره، وذليل لربوبيته فيه وتصرفه، وذليل لإحسانه إليه، وإنعامه عليه؛ فإن مَن أحسن إليك: فقد استعبدك، وصار قلبك معبَّدًا له» (٢).
والخضوع والذل لله هو أحد أصلَي العبادة، قال ابن القيم ﵀: «والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبَّد، أي: مذلَّل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له؛ لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًّا خاضعًا» (٣).
فتحقيقهما يكون بتحقيق العبودية لله تَعَالَى وحده، وأعظم العبادات التي فيها عظيم الذل والخضوع لله: الصلاة المفروضة، لا سيما في السجود،
стр. 289
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لفظ السجود، فإنه إنما يستعمل في غاية الذل والخضوع، وهذه حال الساجد» (١).
الأثر السابع: الزهد في دار الفناء، والعمل لدار البقاء:
الله تَعَالَى هو الحي الدائم الذي لا يزول، وكل الخلائق إلى زوال ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] ومهما أعطي العبد من العمر فلا بد أن ينقضي يومًا ما، أما الحياة الدائمة السرمدية التي يهبها الله لعبادة فإنما هي في الدار الآخرة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، قال ابن كثير ﵀: «أي: الحياة الدائمة الحق، الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد» (٢).
وجاء عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا، ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] (٣).
стр. 290
فإذا عرف العبد هذا، وعرف حقيقة الدنيا، وأنها ليست دار بقاء، وإنما متاع ولعب ولهو زائل، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]، وقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وعرف ما جاء في ذمها وحقارتها من النصوص، كما في قول جابر ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ (١) مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ فَقَالُوا مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ قَالُوا: وَاللهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ! فَقَالَ: فَوَاللهِ، لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ» (٢) زهد فيها، ولم يتعلق بها، ممتثلًا قول رسول الله ﷺ : «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللهُ ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» (٣).
ولم يقدم ما فيها من ملاذ وشهوات على الدار الباقية، وجعلها معبرًا للآخرة، وزادًا يبلغ به إلى الجنات؛ فإن الموفق من طال عمره وحسن عمله، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه سُئِل مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» (٤).
стр. 291
الأثر الثامن: الدعاء باسم الله الحي القيوم:
جاء في جملة من الأحاديث ما يدل على عظم هذين الاسمين والدعاء بهما مجتمعين، ومنها:
عن أنس بن مالك ﵁، قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» (١).
وهناك مناسبة بين التوسل بهذين الاسمين، وبين كشف الكرب والضيق، قال ابن القيم ﵀: «وفي تأثير قوله: (يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث) في دفع هذا الداء مناسبة بديعة؛ فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، … والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم، ولا غم، ولا حزن، ولا شيء من الآفات، ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة، فـ (الحي) المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، و (القيوم) لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة، ويضر بالأفعال» (٢).
وعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهما قائلًا: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ» (٣).
الخالقُ الخلَّاقُ البَارئُ المصوِّرُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
أولًا: معنى الخالق والخلاق:
قال الجوهري ﵀: «الخلق: التقدير، يقال: خلقت الأديم: إذا قدرته قبل القطع … ، والخلاق: النصيب، يقال: لاخلاق له في الآخرة» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(خلق) الخاء واللام والقاف أصلان؛ أحدهما: تقدير الشيء، والآخر: ملاسة الشيء، فأما الأول: فقولهم: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته … » (٢).
ثانيًا: معنى البارئ:
قال الجوهري ﵀: « … وبرأ الله الخلق برءًا، وأيضًا هو البارئ، والبرية: الخلق» (٣).
قال ابن فارس ﵀: «(برأ) فأما الباء والراء والهمزة فأصلان- إليهما ترجع فروع الباب- أحدهما: الخلق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم برءًا،
стр. 294
والبارئ الله- جل ثناؤه- قال الله تَعَالَى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] … والأصل الآخر: التباعد من الشيء ومزايلته» (١).
ثالثًا: معنى المصور:
قال الجوهري ﵀: «الصور، بالتحريك: الميل، ورجل أصور بين الصور: أي: مائل مشتاق، وأصاره فانصار، أي: أماله فمال، وصوره الله صورة حسنة، فتصور» (٢).
قال ابن فارس ﵀: «صور يصور، إذا مال، وصرت الشيء أصوره، وأصرته، إذا: أملته إليك … ، ومن ذلك: الصورة، صورة كل مخلوق، والجمع: صور، وهي هيئة خلقته، واللهتَعَالَى البارئ المصور» (٣).
ورود اسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) في القرآن الكريم:
أولًا: ورد اسم الله (الخَالق) إحدى عشر مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قول الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤].
وقوله : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
وقوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩].
стр. 295
ثانيًا: وورد ذكر (الخلاق) مرتين في كتاب الله، وهما:
قول الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦].
وقوله : ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
ثالثا: وورد اسم الله (البارئ) ثلاث مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
مرتان في قول الله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤].
قوله : ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤].
رابعًا: وورد اسم الله (المُصَوِّر) مرة واحدة في كتاب الله، وهي:
قول الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].
ورود اسم الله (الخالق، البارئ، المصور) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله (الخالق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أنس بن مالك ﵁، قال: «غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ سَعَّرْتَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ الْمُسَعِّرُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَا يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلِمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (١).
стр. 296
وعن النواس بن سمعان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» (١).
ثانيًا: ورود اسم الله (الخلاق) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله الخلاق في السنة النبوية.
ثالثًا: ورود اسم الله (البارئ) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله البارئ في السنة النبوية.
رابعًا: ورود اسم الله (المصور) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله المصور في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسم الله الخالق في حق الله تعالى:
قال مجاهد ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]-: «يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين» (٢).
قال الزجاج ﵀: «فالخلق في اسم اللهتَعَالَى هو ابتداء تقدير النشء، فالله خالقها ومنشئها، وهو متممها ومدبرها، فتبارك الله أحسن الخالقين» (٣).
стр. 297
قال الخطابي ﵀: «(الخالق) هو المبدع للخلق المخترع له على غير مثال سابق، قالسُبْحَانَهُ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]» (١).
ثانيًا: معنى اسم الله الخلاق في حق الله تعالى:
الخلاق من أفعال المبالغة من الخالق، تدل على كثرة خلق الله تَعَالَى وإيجاده، فكم يحصل في اللحظة الواحدة من بلايين المخلوقات التي هي أثر من آثار اسمه سُبْحَانَهُ الخلاق: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]».
قال الحليمي ﵀: «الخلاق ومعناه: الخالق خلقًا بعد خلق» (٢).
قال القرطبي ﵀: «إن ربك هو الخلاق، أي: المقدر للخلق والأخلاق، العليم بأهل الوفاق والنفاق» (٣)
قال ابن القيم ﵀:
وَكَذَاكَ يَشْهَدُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ الـ
ـخَلَّاقُ بَاعِثُ هَذِهِ الأَبْدَانِ (٤)
ثانيًا: معنى اسم الله (البارئ) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀: «البارئ الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته» (٥).
стр. 298
قال الخطابي ﵀: «البارئ هو الخالق» … ثم قال: «إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من الخلق، وقلما يستعمل في خلق السماوات والأرض والجبال، فيقال: برأ الله السماء كما يقال: برأ الله الإنسان، وبرأ النسم» (١).
قال ابن كثير ﵀: «الخلق هو التقدير، والبراء: هو الفري، وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئًا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله » (٢).
قال الشوكاني ﵀: «البارئ: الخالق، وقيل: إن البارئ هو المبدع المحدث» (٣).
ثالثًا: معنى اسم الله (المُصَوِّر) في حقه سُبْحَانَهُ:
يقول الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]: «صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته» (٤)، ويقول في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]-: «هو المعبود الخالق، الذي لا معبود تصلح له العبادة غيره، ولا خالق سواه، البارئ الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته،
стр. 299
المصور خلقه كيف شاء، وكيف يشاء» (١).
قال الخطابي ﵀: «(المصور) هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة ليتعارفوا بها، فقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]» … وقال: التصور التخطيط والتشكيل»، ثم قال: وخلق الله -جل وعلا- الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق: جعله علقة، ثم مضغة، ثم جعلها صورة، وهو التشكيل الذي به يكون ذا صورة وهيئة يعرف بها، ويتميز بها عن غيره بسماتها ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤]» (٢).
يقول السعدي ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ -: «الذي خلق جميع الموجودات وبرأها وسواها بحكمته، وصورها بحمده وحكمته، وهو لم يزل، ولا يزال على هذا الوصف العظيم» (٣).
ومما سبق يتضح لنا اتساق هذه الأسماء الحسنى وأن بينها علاقة وطيدة، إلا أن لكل صفة من هذه الصفات الثلاث ما يخصها من حيث المعنى:
قال الغزالي ﵀: «قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، وأن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع، ولا ينبغي أن يكون كذلك؛ بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى تقدير أولًا، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيًا، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثًا، والله ﵎ خالق من حيث إنه مقدر، وبارئ من حيث إنه مخترع، موجد، ومصور من حيث إنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب» (٤).
стр. 300
قال الطِّيبِيُّ ﵀: «قيل: إن الألفاظ الثلاثة مترادفة، وهو وهم؛ فإن:
(الخالق) من الخلق، وأصله: التقدير المستقيم، ويطلق على الإبداع، وهو إيجاد الشيء على غير مثال.
و (البارئ) من البرء، وأصله: خلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التقصي منه، وعليه قولهم: برئ فلان من مرضه، والمديون من دينه، ومنه استبرأت الجارية، وإما على سبيل الإنشاء، ومنه برأ الله النسمة، وقيل: البارئ الخالق البريء من التفاوت والتنافر المخلين بالنظام.
و (المصور) مبدع صور المخترعات ومرتبها بحسب مقتضى الحكمة، فالله خالق كل شيء، بمعنى أنه موجده من أصل ومن غير أصل، وبارئه بحسب ما اقتضته الحكمة من غير تفاوت ولا اختلال، ومصوره في صورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله، - إلى أن قال-: وعلى هذا فالتقدير يقع أولًا، ثم الإحداث على الوجه المقدر يقع ثانيًا، ثم التصوير بالتسوية يقع ثالثًا» (١).
وهذه الفروق بين هذه الأسماء لله تَعَالَى إنما تتحقق عند اجتماع هذه الأسماء، أما عند افتراقها فإن كل اسم من هذه الأسماء الحسنى يشمل معناه ومعاني الاسمين الآخرين، والله أعلم.
стр. 301
اقتران اسم الله (الخالق، البارئ، المصور) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الخالق) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
اقتران اسم الخالق باسمي البارئ والمصور:
وذلك في آية واحدة، وهي قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
وجه الاقتران:
يقول ابن القيم ﵀: «جعل سُبْحَانَهُ اسمه الجبار مقرونًا بالعزيز والمتكبر، وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين، وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة، وهي: الخالق، البارئ، المصور؛ فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز، كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق» (١).
يقول صاحب (أضواء البيان): «فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد، و (البارئ) الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، وليس كل من قدر شيئًا أوجده إلا الله، و (المصور) المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، ولم يفرد كل فرد من موجوداته على صورة تختص به إلا الله، كما هو موجود في خلق الله للإنسان والحيوان والنبات كل في صورة تخصه» (٢).
стр. 302
اقتران اسم (الخلاق) باسم (العليم):
وذلك في آيتين، وهما: قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
وجه الاقتران:
أن خلقه سُبْحَانَهُ للمخلوقات إنما هو عن علم منه سُبْحَانَهُ بما يخلق، كيف يخلقه، ومتى يخلقه، ويعلم الحكمة من خلقه، فكل شيء عنده بقدر وبعلم ولحكمة.
ثانيًا: اقتران اسم الله (البارئ والمصور) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
تقدم بيانه في اسم الخالق بالبارئ والمصور.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصوِّر):
الأثر الأول: اثبات ما تتضمنه أسماء الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) من الصفات لله تعالى:
الله سُبْحَانَهُ هو الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، القادر، العالم، المريد، الحكيم؛ إذ لا يمكن أن يكون خالقًا غير قادر ولا مريد ولا عالم بما خلق، أو أنه ليس له فيما خلق حكمة ولا علة؛ وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم ﵀:
«فمن طرق إثبات الصفات: دلالة الصنعة عليها؛ فإن المخلوق يدل على وجود خالقه، على حياته وعلى قدرته، وعلى علمه ومشيئته؛ فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزامًا ضروريًّا، وما فيه من الإتقان والإحكام
стр. 303
ووقوعه على أكمل الوجوه يدل على حكمة فاعله وعنايته، وما فيه من الإحسان والنفع، ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه، وإحسانه وجوده، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحق بالكمال» (١).
ومن مظاهر ودلائل عظمة الخالق الخلاق البارئ المصور سُبْحَانَهُ ما يلي:
أوجد الخلق من العدم، وقدر أمورها في الأزل، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠].
نوَّع خلقهم؛ فاختلفت أشكالهم وألوانهم ولغاتهم، وطباعهم وأجناسهم، وأنواعهم، مع أن أصلهم واحد (٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥].
خلق ما شاء على ما شاء من الصفات، فيزيد في خلق بعض خلقه ما يشاء من القوة، والحسن، وزيادة الأعضاء، وحسن الأصوات، ولذة النغمات ونحو ذلك (٣)، قال تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١].
стр. 304
خلق الإنسان على أطوار ومراحل، وفق تركيب وتركيب دقيق عجيب، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٤]، فبدأ بنطفة حتى اكتمل بأحسن صورة، وفي أحسن تقويم، كامل الأعضاء، مستوفي الأجزاء، محكم البناء، كما قال تَعَالَى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
فاوت بين عباده فيما خلق لهم، «فمنهم من يهب له إناثًا، ومنهم من يهب له ذكورًا، ومنهم من يزوجه، أي: يجمع له ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يجعله عقيمًا لا يولد له» (١).
يقول تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠].
خلق السماوات بما فيهما على عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما، يقول تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان: ١٠]، ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
стр. 305
خلق الأرض مهادًا للخلق، يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها، وأودع بها ما أودع، من منافع الخلق ومصالحهم، وضروراتهم وحاجاتهم.
يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ١٩]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٠ - ١٢].
فأنزل على هذه الأرض المطر، «وهو لقاح واحد، والأم واحدة، وهي الأرض، والأولاد مختلفو الأصناف والأوصاف، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]» (١).
خلق الشمس والقمر متعاقبان، لا يفتران، يسعيان لمصالح العباد، من حساب أزمنتهم ومصالح أبدانهم، وحيواناتهم، وزروعهم، وثمارهم.
يقول تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، بهما تعاقب الليل والنهار.
«واختلافا في الحر، والبرد، والتوسط، وفي الطول، والقصر، والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض، من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير، تنبهر له العقول» (٢).
стр. 306
يقول سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥].
فمن تأمل في خلق الخالق سُبْحَانَهُ وتصويره وبرئه؛ أيقن بعظمة قدرة الله سُبْحَانَهُ وكمال علمه وحكمته، ورحمته ولطفه، وتصريفه وتدبيره سُبْحَانَهُ.
الأثر الثاني: توحيد الله بأسمائه: الخالق، الخلاق، البارئ، المصور:
- دلالة أسماء الله الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، على توحيد الألوهية والربوبية:
من آمن بهذه الأسماء؛ علم أن الله سُبْحَانَهُ له الخلق والأمر كله، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
«فله الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها، والأمر المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء» (١).
«فكما أنه لا خالق سواه، فليس على الخلق إلزام ولا أمر ولا نهي إلا من خالقهم سُبْحَانَهُ» (٢).
стр. 307
وقد جاء التأكيد على هذا المعنى في قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٢، ٦٣]: «فالله ربكم المنفرد بالإلهية، والمنفرد بالربوبية؛ … ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقرير أنه المستحق للعبادة وحده، لا شريك له، و ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تقرير لربوبيته، ثم صرح بالأمر بعبادته، فقال: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف تصرفون عن عبادته، وحده لا شريك له، بعد ما أبان لكم الدليل، وأنار لكم السبيل؟ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: عقوبة على جحدهم لآيات الله، وتعديهم على رسله، صرفوا عن التوحيد والإخلاص، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧]» (١).
وقد ضرب الله مثلًا لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
يقول السعدي عند هذه الآية: «في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ شمل كل ما يدعى من دون الله، ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من باب أولى، ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، بل أبلغ من ذلك لو ﴿يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾، وهذا غاية ما يصير من العجز، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾
стр. 308
الذي هو المعبود من دون الله ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين، فهذا ما قدر الله حق قدره، حيث سوى الفقير العاجز من جميع الوجوه، بالغني القوي من جميع الوجوه، سوَّى من لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، بمن هو النافع الضار، المعطي المانع، مالك الملك، والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف» (١).
وعليه فالايمان بهذه الأسماء يستلزم الإيمان بوحدانيته سُبْحَانَهُ، وألوهيته، وإفراده وحده بالعبادة، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٩]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١، ٦٣].
يقول السعدي ﵀ في ذلك: «هذا استدلال على المشركين المكذبين بتوحيد الإلهية والعبادة، وإلزام لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية، فأنت لو سألتهم من خلق السماوات والأرض، ومن نزل من السماء ماء فأحيا به
стр. 309
الأرض بعد موتها، ومن بيده تدبير جميع الأشياء؟ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وحده، ولا اعترفوا بعجز الأوثان، ومن عبدوه مع الله على شيء من ذلك!
فاعجب لإفكهم وكذبهم، وعدولهم إلى من أقروا بعجزه، وأنه لا يستحق أن يدبر شيئًا، وسجل عليهم بعدم العقل، وأنهم السفهاء، ضعفاء الأحلام، فهل تجد أضعف عقلًا وأقل بصيرة، ممن أتى إلى حجر، أو قبر ونحوه، وهو يدري أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق، ثم صرف له خالص الإخلاص، وصافي العبودية، وأشركه مع الرب، الخالق الرازق، النافع الضار» (١).
- دلالة أسماء الله الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، على توحيد الأسماء والصفات:
كما أن أسماء الله الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، تدل على توحيد الربوبية والألوهية، فهي تدل - أيضًا- على توحيد الأسماء والصفات، وتدل على عدد كبير منها كالقدير، والخبير، والعلي المتعال، وذو الجلال والإكرام، والجبار، وغيرها من الأسماء الدالة على ذلك.
الأثر الثالث: الله سُبْحَانَهُ خالق الأسباب ومسبباتها:
فالله سُبْحَانَهُ جعل الحياة مبنية في العادة على ترابط الأسباب بمسبباتها، والعلل بمعلولاتها، فلا يخلق النتيجة إلا إذا خلق السبب أو العلة، فلا يخلق التفكير إلا إذا خلق العقل، ولايخلق الإحراق إلا إذا خلق النار، ولا يخلق النبتة إلا إذا خلق البذرة، ولا يخلق الابن إلا إذا أوجد الأب والأم.
стр. 310
وهذا لا ينفي أن الله تَعَالَى قد يخلق بقدرته العلل والأسباب بغير أسبابها ومعلولاتها، وهو ما يسمى بخوارق العادات أو الكرامات والمعجزات.
وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀: «الأسباب مظهر حكمته وحمده، وموضع تصرفه لخلقه وأمره فتقدير تعطيلها تعطيل للخلق والأمر، وهو أشد منافاة للحكمة وإبطالًا لها، واقتضاء هذه الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها، فتعطيلها منها قدح في الحكمة وتفويت لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه، وأن الرب سُبْحَانَهُ قد يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحيانًا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات، كما عطل النار التي ألقى فيها إبراهيم، وجعلها عليه بردًا وسلامًا عن الإحراق؛ لما في ذلك من المصالح العظيمة، وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعض، هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت في الوجود، وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب.
فهكذا سائر أفعاله سُبْحَانَهُ، مع أنه أشهد عباده بذلك أنه مسبب الأسباب، وأن الأسباب خلقه، وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها، لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء: إنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها، ويقولون: لا تعطيل في الطبيعة، وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر، وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة.
стр. 311
ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه، فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية، وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها والقوى بمحالها» (١).
وعليه فأهل اليقين ينظرون إلى الأسباب، ويعلمون أنها صادرة عن الخلاق، وأن الله سُبْحَانَهُ تارة ينسب الفعل إليه؛ لأنه الخالق بتقدير وقدرة، وتارة ينسب الفعل إلى عباده عند دعوتهم إلى العمل في الأسباب بمقتضى الشريعة والعقل والحكمة، فمرة يقول سُبْحَانَهُ في بيان التقدير والقدرة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]، وقال أيضًا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢]، فنفى عن الناس خلقهم لأفعالهم وتأثير الأسباب بمفردها في أرزاقهم، وأثبت لنفسه تصريف الأسباب وانفراده بخلقها وتقليبها؛ لأنه الخالق الخلاق على الحقيقة، فهو الذي علم وكتب، وشاء وخلق، قدر كل شيء بعلمه، وكتبه في أم الكتاب بقلمه، وأمضاه بمشيئته، وخلقه بقدرته.
ثم أمر الناس أن يأخذوا بالأسباب التي خلقها وأحكم ابتلاءهم بها، فقال: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧]، وقال تَعَالَى أيضا: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، فسماهم زرَّاعًا، وقال: تزرعون، وسماهم كفارًا؛ لأنهم يضعون
стр. 312
البذرة ويغطونها ويغيبونها في الأرض، فكلف عباده بالعمل لأنهم في دار ابتلاء وامتحان، والأخذ بالأسباب حتم على بني الإنسان؛ فهم مستخلفون في ملكه ومخولون في أرضه، فطالب بالعمل والإنفاق مع الإيمان بأنه الخلاق؛ ليصل كل منهم إلى ما قدر له من الأرزاق، فقال تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧].
أما ما يتعلق بخلق الله سُبْحَانَهُ للأسباب والعلل من غير مسبباتها وعللها، فمن شواهد ذلك أيضًا:
خلق الثمار لمريم بنت عمران من غير نباتها، فكانت تأكل من الثمار بدون أسباب، وفي غير أوانها، كما قال تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، قيل: إنها كانت ترزق بفاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف (١).
اختيارالله سُبْحَانَهُ لمريم- أيضًا- لتكون محلًّا للابتلاء، فتحمل من غير زوج، على غير عادة النساء، وتلد عيسى، كمعلول بغير علة ونتيجة بلا سبب، يقول تَعَالَى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ٢١].
стр. 313
اختيار الله سُبْحَانَهُ لإبراهيم ليرمىه قومه في نار لا يقوى الطير على المرور من فوقها، وقد توفرت لهم العلة ولكن الله لم يخلق معلولها، فكانت بردًا عليه وسلامًا، يقول تَعَالَى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٨، ٦٩].
اختيار الله محمدًا ﷺ لتضع له السم يهودية، ويتخلف السم عن معلوله، فلم يضره ﷺ ، ففي حديث أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟» (١)، وفي رواية مسلم: «فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكَ، أَوْ قَالَ: عَلَيَّ، قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا» (٢)، إلى غير ذلك من الشواهد والمعجزات الربانية.
الأثر الرابع: الحكمة من خلق الخلق:
إن الإيمان بأسماء الله الخالق الخلاق البارئ المصور سُبْحَانَهُ يستلزم الإيمان بحكمته سُبْحَانَهُ من هذا الخلق، فالله تَعَالَى لم يخلق الخلق عبثًا- تَعَالَى عن ذلك وتقدس-، يقول تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥].
стр. 314
بل إنه سُبْحَانَهُ خلق الخلق لحكمة جليلة وغاية عظيمة، ألا وهي معرفة الله سُبْحَانَهُ بآياته ومخلوقاته، ثم القيام بعبادته على الوجه الذي أمرنا به.
ودليل الأول: قول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
ودليل الثاني: قول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
يقول ابن القيم ﵀: «فإن سر العبودية، وغايتها وحكمتها إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب ، ولم يعطلها، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها … ، فمن أنكر حقيقة الإلهية ولم يعرفها، كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات؟ وغاياتها ومقاصدها، وما شرعت لأجله؟ كيف يستقيم له العلم بأنها هي الغاية المقصودة بالخلق، والتي لها خلقوا، ولها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولأجلها خلقت الجنة والنار؟ … ، إن العبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها، قال الله تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا، قال الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى، وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب، والصحيح: الأمران، فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر والنهي، والأمر والنهي طلب العبادة وإرادتها، وحقيقة العبادة امتثالهما، وقال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]» (١).
стр. 315
وقد ضل في هذا الباب- الغاية من خلق الخلق- أكثر الخلق؛ فعرفوا أن الذي خلقهم هو الله وحده لا شريك له، وأنه وحده سُبْحَانَهُ تفرد بخلقهم، وخلق السماء، والأرض، والجبال، والأشجار، وغيرها من المخلوقات، ومع هذا الإقرار، صرفوا العبادة لغير الله، وهذا هو معنى قول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
قال ابن عباس ﵄: «من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون» (١).
وقال عكرمة ﵀: «تسألهم من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، فذاك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره» (٢).
وقال الله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] أي: «يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شركه في خلق شيء من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره، فسبحان الله ما أبلغها من حجة، وأوجزها من عظة، لمن فكر فيها بعقل، وتدبرها بفهم!» (٣).
стр. 316
الأثر الخامس: محبة الله الخالق الخلاق، البارئ، المصور سُبْحَانَهُ:
من تأمل في خلقه سُبْحَانَهُ وبرئه وتصويره لعباده في أحسن تقويم، وهدايته وتوفيقه، وتسخير الكون العظيم البديع كله لخدمته، وفق حكمة ربانية وعلم إلهي؛ أورث ذلك في قلبه محبة لله ﵎، وتعلقًا به سُبْحَانَهُ.
الأثر السادس: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾:
ذكر الله سُبْحَانَهُ الاعجاز في خلق الإنسان، والدعوة إلى التأمل في ذلك في مواضع عديدة في كتابه العظيم، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] وقوله تَعَالَى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧]، وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
ويقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه، فإذا تفكر الانسان في نفسه، استنارت له آيات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب، وانقشعت عنه ظلمات الجهل، فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات شاهدة لمدبره، دالة عليه مرشدة إليه، إذا يجده مكونًا من قطره ماء لحومًا منضدة، وعظامًا مركبة، وأوصالًا متعددة، مأسورة مشددة
стр. 317
بحبال العروق والأعصاب، قد قمطت وشدت وجمعت بجلد متين، مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلًا، ما بين كبير وصغير، وثخين ودقيق، ومستطيل ومستدير، ومستقيم ومنحن، وشدت هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقًا؛ للاتصال والانفصال والقبض والبسط والمد والضم والصنائع والكتابة.
وجعل فيه تسعة أبواب: فبابان للسمع، وبابان للبصر، وبابان للشم، وبابان للكلام والطعام والشراب والتنفس، وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها.
وجعل داخل بابي السمع مرًّا قاتلًا؛ لئلا تلج فيها دابة تخلص إلى الدماغ فتؤذيه، وجعل داخل بابي البصر مالحًا؛ لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم، وجعل داخل باب الطعام والشراب حلوًا؛ ليسيغ به ما يأكله ويشربه فلا يتنغص به لو كان مرًا أو مالحًا.
وجعل له مصباحين من نور، كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منه، وفي أشرف عضو من أعضائه، طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدًّا يبصر به السماء والأرض وما بينهما، وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض، حماية له وصيانة، وحراسة، وجعل على محله غلقًا بمصراعين أعلا وأسفل، وركب في ذيل المصراعين أهدابًا من الشعر وقاية للعين وزينة وجمالًا، وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنها ما ينصب من هناك، وجعل سُبْحَانَهُ لكل طبقة من طبقات العين شغلًا مخصوصًا، ولكل واحد من الرطوبات مقدارًا مخصوصًا، لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلت المنافع والمصالح المطلوبة.
стр. 318
وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة، ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض، والشمس والقمر، والنجوم والجبال، والعالم العلوي والسفلي، مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره، واقتضت حكمته سُبْحَانَهُ أن جعل فيها بياضًا وسوادًا، وجعل القوة الباصرة في السواد، وجعل البياض مستقرًّا لها ومسكنًا وزين كلًّا منهما بالآخر.
وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم، والحواجب بالأهداب، وجعلها سوداء؛ إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر، فضعف الإدراك، فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر، وخلق سُبْحَانَهُ لتحريك الحدقة وتقليبها أربعًا وعشرين عضلة، لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين.
ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء، جعل سُبْحَانَهُ هذه الأجفان متحركة جدًّا بالطبع إلى الانطباق من غير تكلف؛ لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات، ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفانًا، فإنها لا تزال تراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار والكدورات … » (١).
стр. 319
الأثر السابع: الحذر من عيب ما صوره المصور سُبْحَانَهُ:
فالله سُبْحَانَهُ امتن على عباده بأن صورهم فأحسن صورهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، وهذا التصوير يتم على وجهين:
الأول: تصوير آدم، فقد خلقه الله بيده، وصوره، ثم نفخ فيه الروح، وأسجد له ملائكته: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١].
والثاني: التصوير الذي تم في الأرحام: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١١].
وعليه فمن آمن بأن الله هو الخالق الخلاق البارئ المصور، لم يعب على أحد خلقه، وشكله، وهيئته؛ لأن عيب الصنعة إنما هو عيب لصانعها، ولذا قيل لمن يعيب بعض الناس: أتعيب الخالق، أم تعيب المخلوق!، وفي ذلك يقول الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١١].
فالله تَعَالَى لايقدر الناس بأشكالهم ولا صورهم، وإنما الميزان الحقيقي للتفاضل هو تقواهم التي في قلوبهم وجهادهم في تحقيق ذلك كما في الآية
стр. 320
السابقة، عندما ذكر الله تَعَالَى التفاضل الحقيقي بالتقوى عقَّب النهي عن الغيبة، واحتقار الناس لبعضهم؛ وذلك تنبيهًا منه سُبْحَانَهُ لتساويهم في البشرية، وأن التفاضل إنما يكون بالأمور الدينية (١).
وهذا هو المنهج النبوي والتربية النبوية، يقول ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ» (٢)، ومن شواهد ذلك ما يلي:
حديث أنس بن مالك: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ، كَانَ يُهْدِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الْهَدِيَّةَ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ زَاهِرًا بَادِينَا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟ فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللهِ كَاسِدًا، قَالَ: لَكِنَّكَ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ، أَوْ قَالَ ﷺ : «بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللهِ غَالٍ» (٣).
حديث عمرو بن الشريد، يحدث عن أبيه، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَبِعَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفَ حَتَّى هَرْوَلَ فِي إِثْرِهِ حَتَّى أَخَذَ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ: ارْفَعْ إِزَارَكَ،